ترجمة المتنبي

بقلم أحد معاصريه

وقد استحسنا — لمناسبة كتاب إيضاح المشكل من شعر المتنبي الذي ورد ذكره في هذه السيرة، لمصنفه أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني — أن نورد هنا ترجمة هذا الأصفهاني لأبي الطيب المتنبي. قال عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب: وهذه ترجمة المتنبي نقلتها من كتاب «إيضاح المشْكِل لشعر المتنبي من تصانيف أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني» وهذا الإيضاح قاصر على شرح ابن جني لديوان المتنبي، يوضح ما أخطأ فيه من شرحه، وهو ممن عاصر ابن جني، وألف الإيضاح لبهاء الدولة بن بويه قال: «وقد بدأت بذكر المتنبي ومنشئه ومُغْتَرَبه، وما دل عليه شعره من معتقده إلى مختَتم أمره، ومَقْدَمِه على الملك — نضر الله وجهه — بشيراز وانصرافه عنه، إلى أن وقعت مقتلته بين دير قنة، والنعمانية، واقتسام عقائله وصفاياه … حدثني ابن النجار ببغداد: أن مولد المتنبي كان بالكوفة في محلة تعرف بكِنْدَة بها ثلاثة آلاف بيت، من بين رَوَّاء ونسَّاج.

واختلف إلى كتَّاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فكان يتعلم دروس العلوية١ شعرًا ولغة وإعرابًا؛ فنشأ في خير حاضرة، وقال الشعر صبيًّا، ثم وقع إلى خير بادية — بادية اللاذقية، وحصل في بيوت العرب، فادعى الفضول الذي نُبز به، فنمى خبره إلى أمير بعض أطرافها — فأشخص إليه من قَيَّدَه وسار به إلى محبسه، فبقي يعتذر إليه ويتبرأ مما وُسم به، في كلمته التي يقول فيها:
فَمَا لَكَ تَقْبَلُ زُورَ الْكَلَامِ
وَقَدْرُ الشَّهَادَةِ قَدْرُ الشُّهُود
وَفِي جُودِ كَفِّكَ مَا جُدْتَ لِي
بِنَفْسِي وَلَوْ كُنْتُ أَشْقَى ثَمُود

وقد هجاه شعراء وقته، فقال الضبي:

الْزَمْ مَقَالَ الشِّعْرِ تَحْظَ بِقُرْبَةٍ
وَعَنِ النُّبُوَّةِ، لَا أَبَا لَكَ، فَانْتَزِحْ
تَرْبَحْ دَمًا قَدْ كُنْتَ تُوجِبُ سَفْكَهُ
إِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْحَيَاةِ لِمَنْ رَبِحْ

فأجابه المتنبي:

أَمْرِي إِلَيَّ فَإِنْ سَمَحْتُ بِمُهْجَةٍ
كَرُمَتْ عَلَيَّ فَإِنَّ مِثْلِي مَنْ سَمَحْ

وهجاه غيره فقال:

أَطْلَلْتَ يَا أَيُّهَا الشَّقِيُّ دَمَكْ
بِالْهَذَيَانِ الَّذِي مَلَأْتَ فَمَكْ
أَقْسَمْتُ لَوْ أَقْسَمَ الْأَمِيرُ عَلَى
قَتْلِكَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مَا ظَلَمَكْ

فأجابه المتنبي:

هَمُّكَ فِي أَمْرَدٍ تُقَلِّبُ فِي
عَيْنِ دَوَاةٍ مِنْ صُلْبِهِ قَلَمَكْ
وَهِمَّتِي فِي انْتِضَاءِ ذِي شُطَبٍ
أَقُدُّ يَوْمًا بِحَدِّهِ أَدَمَكْ
فَاخْسَ كُلَيْبًا وَاقْعُدْ عَلَى ذَنَبٍ
وَأَظْلِ بِمَا بَيْنَ أَلْيَتَيْكَ فَمَكْ

وهو في الجملة خبيث الاعتقاد، وكان في صغره وقع إلى واحد يكني أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة فهوَّسه وأضله كما ضل، وأما ما يدل عليه شعره فمتلوِّن، وقوله:

هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ مَا شَقَّ مَنْظَرُهُ
فَإِنَّمَا يَقَظَاتُ الْعَيْنِ كَالْحُلُمِ

مذهب السوفسطائية، وقوله:

تَمَتَّعْ مِنْ سُهَادٍ أَوْ رُقَادٍ
وَلَا تَأْمُلْ كَرًى تَحْتَ الرِّجَامِ
فَإِنَّ لِثَالِثِ الْحَالَيْنِ مَعْنًى
سِوَى مَعْنَى انْتِبَاهِكَ وَالْمَنَامِ

مذهب التناسخ، وقوله:

نَحْنُ بَنُو الدُّنْيَا فَمَا بَالُنَا
نَعَافُ مَا لَا بُدَّ مِنْ شُرْبِه
فَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ مِنْ جَوِّهِ
وَهَذِهِ الْأَجْسَامُ مِنْ تُرْبِه

مذهب الفضائية، وقوله في أبي الفضل بن العميد:

فَإِنْ يَكُنِ الْمَهْدِيُّ مَنْ بَانَ هَدْيُهُ
فَهَذَا، وَإِلَّا فَالْهُدَى ذَا، فَمَا الْمَهْدِي

مذهب الشيعة، وقوله:

تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لَا اتِّفَاقَ لَهُمْ
إِلَّا عَلَى شَجَبٍ، وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ
فَقِيلَ: تَخْلُدُ نَفْسُ الْمَرْءِ بَاقِيَةً
وَقِيلَ: تَشْرَكُ جِسْمَ الْمَرْءِ فِي الْعَطَبِ

فهذا من يقول بالنفس الناطقة، ويتشعب بعضه إلى قول الحشيشية، والإنسان إذا خلع ربقة الإسلام من عنقه، وأسلمه الله — عز وجل — إلى حوله وقوته، وجد في الضلالات مجالًا واسعًا، وفي البدع والجهالات منادِيحَ وفُسَحًا. ثم جئنا إلى حديثه وانتجاعه، ومفارقته الكوفة أصلًا، وتطوافه في أطراف الشام، واستقرائه بلاد العرب، ومقاساته للضرِّ وسوء الحال، ونزارة كسبه، وحقارة ما يوصل به، حتى إنه أخبرني أبو الحسن الطرائفي ببغداد — وكان لقي المتنبي دفعات في حال عسره ويسره — أن المتنبي قد مدح بدون العشرة والخمسة من الدراهم، وأنشد في قوله مصداقًا لحكايته:

انْصُرْ بِجُودِكَ أَلْفَاظًا تَرَكْتُ بِهَا
فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مَنْ عَادَاكَ مَكْبُوتَا
فَقَدْ نَظَرْتُكَ حَتَّى حَانَ مُرْتَحِلٌ
وَذَا الْوَدَاعُ، فَكُنْ أَهْلًا لِمَا شِيتَا

وأخبرني أبو الحسن الطرائفي قال: سمعت المتنبي يقول: أوَّلُ شعر قلته وابيضت أيامي بعده، قولي:

أَنَا لَائِمِي إِنْ كُنْتُ وَقْتَ اللَّوَائِمِ
عَلِمْتُ بِمَا بِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ

فإني أعطيتُ بها بدمشق مائة دينار … ثم اتصلَ بأبي العشائر، فأقام ما أقام ثم أهداه إلى سيف الدولة، فاشترط أنه لا ينشد إلَّا قاعدًا وعلى الوحدة، فاستحملوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعره حكم له بالفضل، وعدَّ ما طَلَبَه استحقاقًا.

وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني: أن المتنبي أسقط من شعره الكثير، وبقي ما تداوله الناس … وأخبرني الحلبي أنه قيل للمتنبي: معنى بيتك هذا أخذته من قول الطائي. فأجاب المتنبي: الشعر جادَّة، وربما وقع حافر على حافر، وكان المتنبي يحفظ ديواني الطائيَّيْنِ، ويستصحبهما في أسفاره ويجحدهما، فلما قُتل توزعت دفاتره، فوقع ديوان البحتري إلى بعض من درس عليَّ، وذكر أنه رأى خط المتنبي وتصحيحه فيه، وسمعت من قال: إن كافورًا لما سمع قوله:

إِذَا لَمْ تَنُطْ بِي ضَيْعَةً أَوْ وِلَايَةً
فَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ

يلتمس ولاية صَيدَاء. فأجابه: لستُ أجسُر على توليتك صيداء؛ لأنك على ما أنت عليه، تحدِّث نفسك بما تحدث؛ فإن ولَّيتك صيداء، فمن يطيقك؟!

وسمعت أنه قيل للمتنبي: قولك لكافور:

فَارْمِ بِي حَيْثُمَا أَرَدْتَ فَإِنِّي
أَسَدُ الْقَلْبِ آدَمِيُّ الرَّوَاءِ
وَفُؤَادِي مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنْ كَا
نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ

ليس قول ممتدح ولا منتجع، إنما هو قول مضاد! فأجاب المتنبي إلى أن قال: هذه القلوب، كما سمعت أحدها يقول:

يَقَرُّ بِعَيْنِي أَنْ أَرَى قِصَدَ الْقَنَا
وَصَرْعَى رِجَالٍ فِي وَغًى أَنَا حَاضِرُه

وأحدها يقول:

يَقَرُّ بِعَيْنِي أَنْ أَرَى مِنْ مَكَانِهَا
ذُرَا عَقدَاتِ الْأَجْرَعِ الْمُتَقَاوِدِ

ثم أقام المتنبي عند سيف الدولة على التكرمة البليغة: في إسناء الجائزة، ورفع المنزلة، ودخل مع سيف الدولة بلاد الروم، وتأثَّل حالًا في جنبته بعد أن كان حويلة، وكان سيف الدولة يستحبُّ الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله، وكان مُلَقى من هذه الحال، يشكوها أبدًا، وبها فارقه حيث أنشده:

وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ
إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ

وآخرها:

بِأَيِّ لَفْظٍ يَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ
تَجُوزُ عِنْدَكَ لَا عُرْبٌ وَلَا عَجَمُ

وقال في أخرى:

إِذَا شَاءَ أَنْ يَلْهُو بِلِحْيَةِ أَحْمَقٍ
أَرَاهُ غُبَارِي ثُمَّ قَالَ لَهُ الْحَقِ!

فلما انتهت مدته عند سيف الدولة استأذنه في المسير إلى أقطاعه؛ فأذن له وامتد باسطًا عنانه إلى دمشق، إلى أن قصد مصر فألمَّ بكافور، فأنزله وأقام ما أقام، إلا أن أول شعره فيه دليلٌ على ندمه لفراق سيف الدولة، وهو:

كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى الْمَوْتَ شَافِيَا
وَحَسْبُ الْمَنَايَا أَنْ يَكُنَّ أَمَانِيَا

حتى انتهى إلى قوله:

قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيْرِهِ
وَمَنْ قَصَدَ الْبَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّوَاقِيَا

وأخبرني بعض المولدين ببغداد، وخاله أبو الفتح يتوزَّرُ لسيف الدولة، أن سيف الدولة رسم لي التوقيع إلى ديوان البر بإخراج الحال فيما وصل به المتنبي، فخرجَتْ بخمسةٍ وثلاثين ألف دينار في مدة أربع سنين.

ثم لما أنشد الثانية كافورًا خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة، وأوَّلها:

فِرَاقٌ، وَمَنْ فَارَقْتُ غَيْرُ مُذَمَّمِ
وَأَمٌّ، وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّمِ

وأقام على كره بمصر إلى أن ورد فاتك غلام الأخشيدي من الفيوم — وهي وبيئةٌ، فنبتْ به واجتواها — وقادوا بين يديه في مدخله إلى مصر أربعة آلاف جَنِيبة مُنَعَّلةٍ بالذهب؛ فسماه أهل مصر بفاتك المجنون. فلقيه المتنبي في الميدان على رِقْبَةٍ من كافور فقال:

لَا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيهَا وَلَا مَالُ
فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ يُسْعِدِ الْحَالُ

فوصل إليه من أنواع صلاته وأصناف جوائزه ما تبلغ قيمته عشرين ألف دينار، ثم مضى فاتك لسبيله، فرثاه المتنبي وذم كافورًا:

أَيَمُوتُ مِثْلُ أَبِي شُجَاعٍ فَاتِكٍ
وَيَعِيشُ حَاسِدُهُ الْخَصِيُّ الْأَوْكَعُ!

فاحتال بعده في الخلاص من كافور، فانتهز الفرصة في العيد — وكان رسم السلطان أن يستقبل العيد بيوم، وتعدُّ فيه الخلع والحملانات وأنواعُ المبارِّ، لرابطة جنده وراتبة جيشه، وصبيحة العيد تفرَّق، وثاني اليوم يذكر له مَنْ قبِل ومن ردَّ واستزاد — فاهتبل المتنبي غفلة كافور، ودفن رماحه برًّا، وسار ليلته، وحمل بغاله وجماله وهو لا يألو سيرًا وسُرًى هذه الليلة مسافة أيام؛ حتى وقع في تِيه بني إسرائيل؛ إلى أن جازه على الحلل والأحياء والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن، ونزل الكوفة، وقال يقص حاله:

أَلَا كُلُّ مَاشِيَةِ الْخَيْزَلَى
فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الْهَيْذَبَى

وفيها يقول:

ضَرَبْتُ بِهَا التِّيهَ ضَرْبَ الْقِمَا
رِ: إِمَّا لِهَذَا، وَإِمَّا لِذَا

ثم مدح بالكوفة دلِّير بن لشْكَرَوَّز، وأنشده في الميدان؛ فحمله على فرس بمركب ذهب.

وكان السبب في قَصْدِه، أبا الفضل بن العميد — على ما أخبرني أبو عليِّ بن شبيب القاشاني — وكان أحد تلامذتي، ودرس عليَّ بقاشان سنة ثلاثمائة وسبعين وتوزَّر للأصبهبد بالجبل وأبوه أبو القاسم توزر لوشمكير بجرجان — عن العلوي العباسي نديم أبي الفضل بن العميد الذي يقول فيه:

أَبْلِغْ رِسَالَاتِي الشَّرِيفَ، وَقُلْ لَهُ:
قَدَّكَ اتَّئِدْ أَرْبَيْتَ فِي الْغُلَوَاءِ

إن المعروفَ المطوَّق الشاشِي كان بمصر وقت المتنبي فعمد إلى قصيدته في كافور:

أُغَالِبُ فِيكَ الشَّوْقَ وَالشَّوْقُ أَغْلَبُ

وجعل مكان أبا المسك أبا الفضل، وسار إلى خراسان وحمل القصيدة، أعني قصيدة المتنبي إلى أبي الفضل، وزعم أنه رسوله، فوصله أبو الفضل بألفي درهم، واتصل هذا الخبر بالمتنبي ببغداد، فقال: رجل يعطي لحامل شعري هذا، فما تكون صلته لي؟ وكان ابن العميد يخرج في السنة من الريِّ خرجتين إلى أرَّجان، يَجْبِي بها أربع عشرة مرة ألفَ ألفِ درهم. فنما حديثه إلى المتنبي بحصوله بأرَّجان، فلما حصل المتنبي ببغداد نزل رَبَضَ حُميد، فركب إلى المهلَّبي، فأذن له فدخل وجلس إلى جنبه، وصاعد خليفته دونه، وأبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني، فأنشدوا هذا البيت:

سَقَى اللهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا
جُرَامًا وَمَلْكُومًا وَبَذَّرَ فَالْغَمْرَا

وقال المتنبي: هو جُرابًا، وهذه أمكنة قتلتها علمًا، وإنما الخطأ وقع من النقلة! فأنكره أبو الفرج، قال الشيخ: هذا البيت أنشده أبو الحسن الأخفش صاحب سيبويه في كتابه جرامًا، بالميم، وهو الصحيح وعليه علماء اللغة، وتفرق المجلس عن هذه الجملة، ثم عاوده اليوم الثاني وانتظر المهلبي إنشاده فلم يفعلْ، وإنما صدَّه ما سمعه من تماديه في السخف، واستهتاره بالهزل، واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عليه، وكان المتنبي مُرَّ النفس صعبَ الشكيمة حادًّا مجدًا فخرج، فلما كان اليوم الثالث أغروا به ابن الحجَّاج حتى علَّق لجامَ دابته في صينبة الكرخ وقد تكابسَ الناسُ عليه من الجوانب، وابتدأ ينشد:

يَا شَيْخَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِينَا وَمَنْ
يَلْزَمُ أَهْلَ الْعِلْمِ تَوْقِيرُهُ

فصبر عليه المتنبي ساكنًا ساكتًا، إلى أن نجَّزها، ثم خلَّى عنان دابته، وانصرف المتنبي إلى منزله، وقد تيقن استقرارَ أبي الفضل ابن العميد بأرَّجان وانتظاره له فاستعدَّ للمسير.

وحدثنا أبو الفتح عثمان بن جني عن عليِّ بن حمزة البصري قال: كنت مع المتنبي لما ورد أرَّجان، فلما أشرف عليها وجدها ضيقة البقعة والدور والمساكن، فضرب بيده على صدره وقال: تركت ملوك الأرض وهم يتعبدون بي، وقصدتُ ربَّ هذه المدَرَة، فما يكون منه! ثم وقف بظاهر المدينة، وأرسل غلامًا على راحلته إلى ابن العميد، فدخل عليه وقال: مولاي أبو الطيِّب المتنبي خارجَ البلد — وكان وقت القيلولة، وهو مضطجع في دَسته — فثار من مضجعه واستثبته، ثم أمر حاجبه باستقباله، فركب واستركبَ من لقيه في الطريق، ففصل عن البلد بجمعٍ كثير، فتلقوه وقضوا حقَّه وأدخلوه البلد. فدخل على أبي الفضل، فقام له من الدست قيامًا مستويًا، وطُرِح له كرسي عليه مَخِدةُ ديباج، وقال أبو الفضل: كنت مشتاقًا إليك يا أبا الطيب، ثم أفاض المتنبي في حديث سفره، وأن غلامًا له احتمل سيفًا وشذَّ عنه، وأخرج من كمه عقيب هذه المفاوضة دَرْجًا فيه قصيدته:

بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَوْ لَمْ تَصْبِرَا

فوحَى أبو الفضل إلى حاجبه بقرطاسٍ فيه مائتا دينار، وسيف غشاؤه فضة، وقال: هذا عوضٌ عن السيف المأخوذ، وأفرد له دارًا نزلها، فلما استراح من تعب السفر كان يَغشى أبا الفضل كل يوم، ويقول: ما أزورك إكبابًا إلا لشهوة النظر إليك! ويؤاكله، وكان أبو الفضل يقرأ عليه ديوان اللغة الذي جمعه، ويتعجب من حفظه وغزارة علمه، فأظلَّهم النيروز فأرسل أبو الفضل بعض ندمائه إلى المتنبي: كان يبلُغني شعرك بالشام والمغرب وما سمعته دونه، فلم يُحِرْ جوابًا، إلى أن حضره النيروز وأنشده مهنئًا ومعتذرًا فقال:

هَلْ لِعُذْرِي إِلَى الْهُمَامِ أَبِي الْفَضـْ
ـلِ قَبُولٌ، سَوَادُ عَيْنِي مِدَادُهُ

فأخبرني البديهي، سنة ثلاثمائة وسبعين: أن المتنبي قال بأرجان: الملوك قرود يشبه بعضهم بعضًا، على الجودة يعطون، وكان حمل إليه أبو الفضل خمسين ألف دينار، سوى توابعها، وهو من أجاود زمان الديلم، وكذلك أبو المطرف وزير مرداويج، قصده شاعر من قزوين فأنشده وأمَّله مادة نفقة يرجع بها إلى بلده، فكتب إليه أبياتًا أولها:

أَأَقْلَامٌ بِكَفِّكَ أَمْ رِمَاحُ
وَعَزْمٌ ذَاكَ، أَمْ أَجَلٌ مُتَاحُ

فقال أبو المطرف: أعطوه ألف دينار، وكذلك أبو الفضل البلعَمِيُّ وزير بُخارى أعطى المطراني الشاعر على قصيدته التي أولها:

لَا شُرْبَ إِلَّا بِسَيْرِ النَّايِ وَالْعُودِ

خمسة عشر ألف دينار، وكذلك خلف صاحب سجستان، أعطى أبا بكر الحنبليَّ خمسة آلاف دينار على كلمة فيه، وكان سيف الدولة لا يملك نفسه، وكان يأتيه علوي من بعض جبال خراسان كل سنة فيعطيه رسمًا له جاريًا على التأبيد، فأتاه وهو في بعض الثغور، فقال للخازن: أطلق له ما في الخزانة، فبلغ أربعين ألف دينار، فشاطر الخازنَ وقبض عشرين ألف دينار، إشفاقًا من خلل يقع على عسكره في الحرب، وأخبرني بعض أهل الأدب أنه تعرض سائلٌ لسيف الدولة وهو راكب، فأنشده في طريقه:

أَنْتَ عَلِيٌّ وَهَذِهِ حَلَبُ
قَدْ فَنَى الزَّادُ وَانْتَهَى الطَّلَبُ

فأطلق له ألف دينار، وتعرض سائل لأبي علي بن إلياس وهو في موكبه فأمر له بخمسمائة دينار، فجاءه الخازن بالدواة والبياض، فوقع بألفي دينار؛ فلما أبصره الخازن راجعه فيها فقال أبو علي: الكلام ريح، والخط شهادة، ولا يجوز أن يشهد علي بدون هذا …

ثم إن أبا الطيب المتنبي لما ودَّع أبا الفضل بن العميد، ورد كتابُ عضدِ الدولة يستدعيه، فعرَّفه ابن العميد فقال المتنبي: مَا لِي وللديلم؟ فقال أبو الفضل عَضُدُ الدولة أفضل مني، ويصلك بأضعاف ما وصلتك به، فأجاب بأني مُلقى من هؤلاء الملوك: أقصد الواحد بعد الواحد، وأُمَلكهم شيئًا يبقى ببقاء النيرين، ويعطونني عَرَضًا فانيًا، ولي ضجَرات واختيارات، فيعوقونني عن مرادي، فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجود! فكاتب ابنُ العميد عضد الدولة بهذا الحديث. فورد الجواب بأنه مملك مُرادَه في المقام والظعن. فسار المتنبي من أرَّجان، فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز، استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصبَّاغ أخي أبي محمد الأبهري صاحب كتاب حدائق الآداب. فلما تلاقيا وتسايرا، استنشده فقال المتنبي: الناس يتناشدون فاسمعه. فأخبر أبو عمر أنه رُسم له ذلك عن المجلس العالي. فبدأ بقصيدته التي فارق مصر بها:

أَلَا كُلُّ مَاشِيَةِ الْخَيْزَلَى
فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الْهَيْدَبَى

ثم دخل البلد فأنزل دارًا مفروشة، ورجع أبو عمر الصبَّاغ إلى عضد الدولة فأخبره بما جرى، وأنشده أبياتًا من كلمته، وهي:

فَلَمَّا أَنَخْنَا رَكَزْنَا الرِّمَا
حَ حَوْلَ مَكَارِمِنَا وَالْعُلَا
وَبِتْنَا نُقَبِّلُ أَسْيَافَنَا
وَنَمْسَحُهَا مِنْ دِمَاءِ الْعِدَا
لِتَعْلَمَ مِصْرٌ وَمَنْ بِالْعِرَاقِ
وَمَنْ بِالْعَوَاصِمِ أَنِّي الْفَتَى
وَأَنِّي وَفَيْتُ وَأَنِّي أَبَيْتُ
وَأَنِّي عَتَوْتُ عَلَى مَنْ عَتَا

فقال عضد الدولة: هونًا، يتهددنا المتنبي! …

ثم لما نفض غبارَ السفر واستراح، ركب إلى عضد الدولة؛ فلما توسط الدار انتهى إلى قرب السرير مصادمة، فقبَّل الأرض، واستوى قائمًا وقال: شكرتُ مطية حملتني إليك، وأملًا وقف بي عليك. ثم سأله عضد الدولة عن مسيره من مصر، وعن علي بن حمدان، فذكره وانصرف وما أنشده. فبعد أيام حضر السماط وقام بيده دَرْج، فأجلسه عضد الدولة وأنشد:

مَغَانِي الشِّعْبِ طِيبًا فِي الْمَغَانِي

فلما أنشدها وفرغوا من السماط، حمل إليه عضد الدولة من أنواع الطيب في الأردية الأمنان من بين الكافور والعنبر والمسك والعود، وقاد فرسه الملقَّب بالمجروح — وكان اشتُرِي له بخمسين ألف شاة — وبَدْرة دراهمُها عدلية، ورداءً حشوه ديباجٌ روميٌّ مفصَّل، وعمامة قوِّمت بخمسمائة دينار، ونصلًا هِنْدِيًّا مرصَّع النجاد والجفن بالذهب، وبعد ذلك كان ينشده في كل حدَث يحدث قصيدة، إلى أن حدث يوم نثرِ الورد. فدخل عليه والملك على السرير في قبة يَحسِر البصر في ملاحظتها، والأتراك ينثرون الورد، فمثل المتنبي بين يديه، وقال: ما خدمت عيني قلبي كاليوم؟ وأنشأ يقول:

قَدْ صَدَقَ الْوَرْدُ فِي الَّذِي زَعَمَا
أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا
كَأَنَّمَا مَائِحُ الْهَوَاءِ بِهِ
بَحْرٌ حَوَى مِثْلَ مَائِهِ عَنَمَا

فحُمل على فرس بمركب، وأُلبِس خِلعة ملكية، وبدرةٌ بين يديه محمولة، وكان أبو جعفر وزير بهاء الدولة مأمورًا بالاختلاف إليه، وحَفِظَ المنازلَ والمناهل من مصر إلى الكوفة وتعرَّفها منه، فقال: كنت حاضرَه، وقام ابنهُ يلتمس أجرةَ الغسَّال، فأحدَّ المتنبي إليه النظر بتحديق فقال: ما للصُّعلوك والغسَّال! يحتاج الصعلوك إلى أن يعمل بيده ثلاثة أشياء: يطبخ قِدْرَه، ويُنْعِل فرسه، ويغسل ثيابه؟ ثم ملأ يده قطيعات بلغت درهمين أو ثلاثة.

وورد كتابُ أبي الفتح ذي الكفايتين بن أبي الفضل — وكان من أجاود زمان الديلم، فرَّق في يوم واحد بِشبْدِيز قرميسِينَ، ألفين وخمسمائة قطعة إبْرَيْسَم — ومضمونُه كتاب الشوق إلى لقاء المتنبي وتشوُّفه إلى نظرته فأجابه المتنبي:

يَكْتُبُ الْأَنَامُ كِتَابٌ وَرَدْ
فَدَتْ يَدَ كَاتِبِهِ كُلُّ يَدْ

فلما عاد الجواب إلى أبي الفتح، جعل الأبيات سورة يدرسها، ويحكم للمتنبي بالفضل على أهل زمانه … فقال أبو محمد بن أبي الثبات البغدادي:

لَوَارِدُ شِعْرٍ كَذوب الْبَرَد
أَتَانَا بِهِ خَاطِرٌ قَدْ جَمَدْ
فَأَقْبَلَ يَمْضُغُهُ بَعْضُنَا
وَهَمُّ السَّنَانِيرِ أَكْلُ الْغُدَدْ
وَقَالُوا: جَوَادٌ يَفُوقُ الْجِيَادَ
وَيَسْبِقُ مِنْ عَفْوِهِ الْمُقْتَصدْ
وَلَوْ وَلِيَ النَّقْدُ أَمْثَالهُ
لَظَلَّتْ خَفَافِيشُنَا تَنْتَقِدْ

فاستخف أبو الفتح به وجرَّه برجله ففارقهم وهاجر إلى أذربيجان، والأميرُ أبو سالم ديسم بن شادكويه على الإمْرة، فاتصل به وحظي عنده على غاية الإكرام.

وقال عضد الدولة: إن المتنبي كان جيد شعره بالغَرْب، فأخبر المتنبي به فقال: الشعر على قدر البقاع …

وكان عضد الدولة جالسًا في البستان الزاهر يوم زينته، وأكابرُ حواشيه وُقوف. فقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الحكاريُّ: ما يُعوِز مجلس مولانا سوى أحد الطائيين. فقال عضد الدولة: لو حضر المتنبي لناب عنهما، فلما أقام مدة مقامه وسمع ديوان شعره. ارتحل وسار بمراكبه وظهوره وأثقاله وأحماله إلى أن نزل الجسر بالأهواز، وأخبرنا أبو الحسن السوسيُّ في دار الوقف بين السورَين، قال: كنت أتولى الأهوازَ من قبل المهلَّبيِّ، وورد علينا المتنبي، ونزل عن فرسه ومِقوده بيده، وفتح عِيابَه وصناديقَه لبللٍ مسَّها في الطريق، وصارت الأرضُ كأنها مطارفُ منشورة فحضرته أنا وقلت: قد أقمت للشيخ نُزُلًا. فقال المتنبي: إن كان تمَّ فآتيه. ثم جاءه فاتك الأسد بجَمْع وقال: قدم الشيخ في هذه الديار وشرَّفها بشعره، والطريق بينه وبين دير قُنَّة خشِنٌ قد احتوشتْه الصعالكة، وبنو أسدٍ يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة ويبر كل واحد منهم بثوب بياض. فقال المتنبي: ما أبقى الله بيدي هذا الأدهم وذبابَ الجراز الذي أنا متقلده فإني لا أفكر في مخلوق! فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع من رُتوت الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حَسْوًا، سبعين رجلًا ورصد له، فلما توسط المتنبي الطريق خرجوا عليه فقتلوا كل من كان في صحبته، وَحمل فاتك على المتنبي وطعنه في يساره ونكَّسه عن فرسه، وكان ابنه أفلت إلا أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنع خلفه الفرسَ أحدُهم وجزَّ رأسه، وصبوا أمواله يتقاسمونها بطُرْطورة:

وقال بعض من شاهده: إنه لم تكن فيه فروسيَّة، وإنما كان سيف الدولة سلمه إلى النخَّاسين والروَّاضِ بحلب، فاستجرأ على الركض والحُضر فأما استعمال السلاح فلم يكن من عمله.

وجملة القول فيه: أنه من حفاظ اللغة ورواة الشعر، وكل ما في كلامه من «الغريب المصنف» سوى حرف واحد هو في «كتاب الجمهرة» وهو قوله:

يَطْوِي الْمُجَلِّحَةُ الْعُقْدُ٢

وأما الحكم عليه وعلى شعره: فهو سريع الهجوم على المعاني، ونعتُ الخيل والحرب من خصائصه؛ وما كان يراد طبعَه في شيء مما يسمح به، يقبل الساقط الرديء كما يقبل النادر البدع، وفي متن شعره وَهْي، وفي ألفاظه تعقيد وتعويصٌ.» ا.ﻫ كلامه مع بعض اختصار.

هوامش

(١) كذا في الأصل ويحتمل أن تكون «العربية».
(٢) من بيت هذا نصه:
وَأَمْضِي كَمَا يَمْضِي السِّنَانُ لِطِيَّتِي
وَأَطْوِي كَمَا تَطْوِي الْمُجَلِّحَةُ الْعُقْدُ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢