قافية الياء

وفارق أبو الطيب سيف الدولة، ورحل إلى دمشق، وكاتبه الأستاذ كافور بالمسير إليه، فلما ورد مصر أخلى له كافور دارًا وخلع عليه وحمل إليه آلافًا من الدراهم، فقال يمدحه وأنشده إياها في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة:

كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى الْمَوْتَ شَافِيَا
وَحَسْبُ الْمَنَايَا أَنْ يَكُنَّ أَمَانِيَا١
تَمَنَّيْتَهَا لَمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَى
صَدِيقًا فَأَعْيَا أَوْ عَدُوًّا مُدَاجِيَا٢
إِذَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ بذِلَّةٍ
فَلَا تَسْتَعِدَّنَّ الْحُسَامَ الْيَمَانِيَا٣
وَلَا تَسْتَطِيلَنَّ الرِّمَاحَ لِغَارَةٍ
وَلَا تَسْتَجِيدَنَّ الْعِتَاقَ الْمَذَاكِيَا٤
فَمَا يَنْفَعُ الْأُسْدَ الْحَيَاءُ مِنَ الطَّوَى
وَلَا تُتَّقَى حَتَّى تَكُونَ ضَوَارِيَا٥
حَبَبْتُكَ قَلْبِي قَبْلَ حُبِّكَ مَنْ نَأَى
وَقَدْ كَانَ غَدَّارًا فَكُنْ أَنْتَ وَافِيَا٦
وَأَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْنَ يُشْكِيكَ بَعْدَهُ
فَلَسْتَ فُؤَادِي إِنْ رَأَيْتُكَ شَاكِيَا٧
فَإِنَّ دُمُوعَ الْعَيْنِ غُدْرٌ بِرَبِّهَا
إِذَا كُنَّ إِثْرَ الْغَادِرِينَ جَوَارِيَا٨
إِذَا الْجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلَاصًا مِنَ الْأذَى
فَلَا الْحَمْدُ مَكْسُوبًا وَلَا الْمَالُ بَاقِيَا٩
وَلِلنَّفْسِ أَخْلَاقٌ تَدُلُّ عَلَى الْفَتَى
أَكَانَ سَخَاءً مَا أَتَى أَمْ تَسَاخِيَا؟١٠
أَقِلَّ اشْتِيَاقًا أَيُّهَا الْقَلْبُ رُبَّمَا
رَأَيْتُكَ تُصْفِي الْوُدَّ مَنْ لَيْسَ جَازِيَا١١
خُلِقْتُ أَلُوفًا لَوْ رَحَلْتُ إِلَى الصِّبَا
لَفَارَقْتُ شَيْبِي مُوجَعَ الْقَلْبِ بَاكِيَا١٢
وَلَكِنَّ بِالْفُسْطَاطِ بَحْرًا أَزَرْتُهُ
حَيَاتِي وَنُصْحِي وَالْهَوَى وَالْقَوَافِيَا١٣
وَجُرْدًا مَدَدْنَا بَيْنَ آذَانِهَا الْقَنَا
فَبِتْنَ خِفَافًا يَتَّبِعْنَ الْعَوَالِيَا١٤
تَمَاشَى بِأَيْدٍ كُلَّمَا وَافَتِ الصَّفَا
نَقَشْنَ بِهِ صَدْرَ الْبُزَاةِ حَوَافِيَا١٥
وَتَنْظُرُ مِنْ سُودٍ صَوَادِقَ فِي الدُّجَى
يَرَيْنَ بَعِيدَاتِ الشُّخُوصِ كَمَا هِيَا١٦
وَتَنْصِبُ لِلْجَرْسِ الْخَفِيِّ سَوَامِعًا
يَخَلْنَ مُنَاجَاةَ الضَّمِيرِ تَنَادِيَا١٧
تُجَاذِبُ فُرْسَانَ الصَّبَاحِ أَعِنَّةً
كَأَنَّ عَلَى الْأَعْنَاقِ مِنْهَا أَفَاعِيَا١٨
بِعَزْمٍ يَسِيرُ الْجِسْمُ فِي السَّرْجِ رَاكِبًا
بِهِ وَيَسِيرُ الْقَلْبُ فِي الْجِسْمِ مَاشِيَا١٩
قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيْرِهِ
وَمَنْ قَصَدَ الْبَحْرَ استَقَلَّ السَّوَاقِيَا٢٠
فَجَاءَتْ بِنَا إِنْسَانَ عَيْنِ زَمَانِهِ
وَخَلَّتْ بَيَاضًا خَلْفَهَا وَمَآقِيَا٢١
نَجُوزَ عَلَيْهَا الْمُحْسِنِينَ إِلَى الَّذِي
نَرَى عِنْدَهُمْ إِحْسَانَهُ وَالْأَيَادِيَا٢٢
فَتًى مَا سَرَيْنَا فِي ظُهُورِ جُدُودِنَا
إِلَى عَصْرِهِ إِلَّا نُرَجِّي التَّلَاقِيَا٢٣
تَرَفَّعَ عَنْ عُونِ الْمَكَارِمِ قَدْرُهُ
فَمَا يَفْعَلُ الْفَعْلَاتِ إِلَّا عَذَارِيَا٢٤
يُبِيدُ عَدَاوَاتِ الْبُغَاةِ بِلُطْفِهِ
فَإِنْ لَمْ تَبِدْ مِنْهُمْ أَبَادَ الْأَعَادِيَا٢٥
أَبَا الْمِسْكِ ذَا الْوَجْهُ الَّذِي كُنْتُ تَائِقًا
إِلَيْهِ وَذَا الْوَقْتُ الَّذِي كُنْتُ رَاجِيَا٢٦
لَقِيتُ الْمَرَوْرَى وَالشَّنَاخِيبَ دُونَهُ
وَجُبْتُ هَجِيرًا يَتْرُكُ الْمَاءَ صَادِيَا٢٧
أَبَا كُلِّ طِيبٍ لَا أَبَا الْمِسْكِ وَحْدَهُ
وَكُلَّ سَحَابٍ لَا أَخَصُّ الْغَوَادِيَا٢٨
يَدِلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كُلُّ فَاخِرٍ
وَقَدْ جَمَعَ الرَّحْمَنُ فِيكَ الْمَعَانِيَا٢٩
إِذَا كَسَبَ النَّاسُ الْمَعَالِيَ بِالنَّدَى
فَإِنَّكَ تُعْطِي فِي نَدَاكَ الْمَعَالِيَا٣٠
وَغَيْرُ كَثِيرٍ أَنْ يَزُورَكَ رَاجِلٌ
فَيَرْجِعَ مَلْكًا لِلْعِرَاقَيْنِ وَالِيَا٣١
فَقَدْ تَهَبُ الْجَيْشَ الَّذِي جَاءَ غَازِيًا
لِسَائِلِكَ الْفَرْدِ الَّذِي جَاءَ عَافِيَا٣٢
وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ
يَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا٣٣
وَمَا كُنْتَ مِمَّن أَدْرَكَ الْمُلْكَ بِالْمُنَى
وَلَكِنْ بِأَيَّامٍ أَشَبْنَ النَّوَاصِيَا٣٤
عِدَاكَ تَرَاهَا فِي الْبِلَادِ مَسَاعِيًا
وَأَنْتَ تَرَاهَا فِي السَّمَاءِ مَرَاقِيَا٣٥
لَبِسْتَ لَهَا كُدْرَ الْعَجَاجِ كَأَنَّمَا
تَرَى غَيْرَ صَافٍ أَنْ تَرَى الْجَوَّ صَافِيَا٣٦
وَقُدْتَ إلَيْهَا كُلَّ أَجْرَدَ سَابِحٍ
يُؤَدِّيكَ غَضْبَانًا وَيَثْنِيكَ رَاضِيَا٣٧
وَمُخْتَرَطٍ مَاضٍ يُطِيعُكَ آمِرًا
وَيَعْصِي إِذَا اسْتَثْنَيْتَ لَوْ كُنْتَ نَاهِيَا٣٨
وَأَسْمَرَ ذِي عِشْرِينَ تَرْضَاهُ وَارِدًا
وَيَرْضَاكَ فِي إِيرَادِهِ الْخَيْلَ سَاقِيَا٣٩
كَتَائِبَ مَا انْفَكَّتْ تَجُوسُ عَمَائِرًا
مِنَ الْأَرْضِ قَدْ جَاسَتْ إِلَيْهَا فَيَافِيَا٤٠
غَزَوْتَ بِهَا دُورَ الْمُلُوكِ فَبَاشَرَتْ
سَنَابِكُهَا هَامَاتِهِمْ وَالْمَغَانِيَا٤١
وَأَنْتَ الَّذِي تَغْشَى الْأَسِنَّةَ أَوَّلًا
وَتَأَنَفُ أَنْ تَغْشَى الْأَسِنَّةَ ثَانِيَا٤٢
إِذَا الْهِنْدُ سَوَّتْ بَيْنَ سَيْفَيْ كَرِيهَةٍ
فَسَيْفُكَ فِي كَفٍّ تُزِيلُ التَّسَاوِيَا٤٣
وَمِنْ قَوْلِ سَامٍ لَوْ رَآكَ لِنَسْلِهِ:
فِدَى ابْنَ أَخِي نَسْلِي وَنَفْسِي وَمَالِيَا٤٤
مَدًى بَلَّغَ الْأُسْتَاذَ أَقْصَاهُ رَبُّهُ
وَنَفْسٌ لَهُ لَمْ تَرْضَ إِلَّا التَّنَاهِيَا٤٥
دَعَتْهُ فَلَبَّاهَا إِلَى الْمَجْدِ وَالْعُلَا
وَقَدْ خَالَفَ النَّاسُ النُّفُوسَ الدَّوَاعِيَا٤٦
فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْعَالَمِينَ يَرَوْنَهُ
وَإِنْ كَانَ يُدْنِيهِ التَّكَرُّمُ نَائِيَا٤٧

ودخل على كافور بعد إنشاده هذه القصيدة، وابتسم إليه الأسود، ونهض فلبس نعلًا فرأى أبو الطيب شقوقًا برجليه وقبحًا، فقال يهجوه:

أُرِيكَ الرِّضَا لَوْ أَخْفَتِ النَّفْسُ خَافِيَا
وَمَا أَنَا عَنْ نَفْسِي وَلَا عَنْكَ رَاضِيَا٤٨
أَمَيْنًا وَإِخْلَافًا وَغَدْرًا وَخِسَّةً
وَجُبْنًا؟ أَشَخْصًا لُحتَ لِي أَمْ مَخَازِيَا؟!٤٩
تَظُنُّ ابْتِسَامَاتِي رَجَاءً وَغِبْطَةً
وَمَا أَنَا إِلَّا ضَاحِكٌ مِنْ رَجَائِيَا٥٠
وَتُعْجِبُنِي رِجْلَاكَ فِي النَّعْلِ إِنَّنِي
رَأَيْتُكَ ذَا نَعْلٍ إِذَا كُنْتَ حَافِيَا٥١
وَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَلَوْنُكَ أَسْوَدٌ
مِنَ الْجَهْلِ أَمْ قَدْ صَارَ أَبْيَضَ صَافِيَا؟!٥٢
وَيُذْكِرُنِي تَخْيِيطُ كَعْبِكَ شَقَّهُ
وَمَشْيَكَ فِي ثَوْبٍ مِنَ الزَّيْتِ عَارِيَا٥٣
وَلَوْلَا فُضُولُ النَّاسِ جِئْتُكَ مَادِحًا
بِمَا كُنْتُ فِي سِرِّي بِهِ لَكَ هَاجِيَا٥٤
فَأَصْبَحْتَ مَسْرُورًا بِمَا أَنَا مُنْشِدٌ
وَإِنْ كَانَ بِالْإِنْشَادِ هَجْوُكَ غَالِيَا٥٥
فَإِنْ كُنْتَ لَا خَيْرًا أَفَدْتَ فَإِنَّنِي
أَفَدْتُ بِلَحْظِي مِشْفَرَيْكَ الْمَلَاهِيَا٥٦
وَمِثْلُكَ يُؤْتَى مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ
لِيُضْحِكَ رَبَّاتِ الْحِدَادِ الْبَوَاكِيَا٥٧

تم الديوان والشرح بعون الله وتوفيقه

هوامش

(١) كفى بك: معناه كفاك. والباء زيدت ها هنا في المفعول كما تزاد في الفاعل نحو كفى بالله، وداء: تمييز، وأن ترى: فاعل كفى. والأماني: جمع أمنية، الشيء الذي تتمناه، والأصل فيها التشديد وتخفيفها لغة، يقول — مخاطبًا نفسه: كفاك داء رؤيتك الموت شافيًا، أي إذا أفضت بك الحال إلى أن تتمنى المنية — الموت — فذلك غاية الشدة، وإن داء شفاؤه الموت أقسى الأدواء، والمنية إذا صارت أمنية فهي غاية البلية، وفاقرة الخطوب، والمعنى: كفاك من أذية الزمان ما تتمنى معه الموت.
(٢) تمنيتها: أي المنايا. وأعياه الأمر: أعجزه. والمداجي: المداري الساتر للعداوة، واشتقاقه من الدجى: أي الظلمة. يقول: تمنيت المنية — الموت — لما حاولت الظفر بصديق مصافٍ فأعجزك أو عدو مداجٍ فلم تظفر به، وعند عدم الصديق المصافي والعدو المداجي يتمنى المرء المنية؛ لأنها حالة من اليأس يصعب معها البقاء. قال الواحدي: هذا تفسير الداء المذكور في البيت الأول.
(٣) استعده: حاول أن يتخذه عدة له. والحسام: السيف القاطع. واليماني: المنسوب إلى اليمن. يقول — مخاطبًا نفسه: إنما يتخذ السيف ليرفع به الذل. فإذا رضيت أن تعيش ذليلًا فما تصنع بالسيف اليماني تعده؟ قال ابن جني: استعمل النهي موضع الاستفهام الذي استعمله غيره في قوله:
فِلِمْ طَالَ حَمْلِي جَفْنَهُ وَنِجَادَهُ
إِذَا أَنَا لَمْ أَضْرِبْ بِهِ مَنْ تَعَرَّضَا؟!
(٤) الاستطالة والاستجادة بمعنى اختيار الطويل والجيد. والعتاق: الخيل الكريمة. والمذاكي: الخيل القرح التي قد تمت أسنانها. يقول: ولا تتخذن الرماح الطويلة للغارة ولا تتخذن الخيل الكرام، أي إذا رضيت أن تعيش ذيلًا؛ لأن هذه إنما تتخذ لنفي الذل.
(٥) الطوى: الجوع، وتتقي: تحذر، وضرى الكلب بالصيد: تعوده ولهج به ولم يكد يصبر عنه، وروي عن عمر: إن للحم ضراوة كضراوة الخمر. أراد أن له — للحم — عادة طلابة لأكله كعادة الخمر مع شاربها، وذلك أن من اعتاد الخمر أسرف في النفقة حرصًا على شربها، وكذلك من اعتاد اللحم لم يكد يصبر عنه فدخل في باب المسرف في نفقته وقد نهى الله عن الإسراف، وهذا البيت حث على الوقاحة والتجليح (التجليح: الإقدام الشديد، والتصميم في الأمر والمضي) وقد ضرب المثل بالأسد، يقول: إن الأسد إذا لزم عرينه حياء ولم يصد لم يجدِ حياؤه وبقي جائعًا غير مهيب، وإنما يهاب ويتقى إذا كان ضاريًا مفترسًا حريصًا على الصيد.
(٦) قلبي: منادى، ونأى: بعد. يقول لقلبه: أحببتك قبل أن تحب أنت هذا الذي بعد عنا — يعرض بسيف الدولة — وقد كان غدارًا فلا تغدر به أنت، أي لا تكن مشتاقًا إليه ولا محبًّا له، أي فإنك إن أحببت الغدار لم تف لي. وقال ابن جني: يعاتب قلبه على حنينه إلى من فارقه. هذا، و«حببت» لغة في أحببت، يقال: حبه يحبه — بالكسر — فهو محبوب، قال الجوهري: وهذا شاذ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف تفعل — بالكسر — إلا ويشركه يفعل بالضم إذا كان متعديًا ما عدا هذا الحرف، وأنكر بعضهم أن يكون هذا البيت لفصيح، وهو قول غيلان بن شجاع النهشلي:
أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أَجْلِ تَمْرِهِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الْجَارَ بِالْجَارِ أَرْفَقُ
فَأُقْسِمُ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَبَبْتُهُ
وَكَانَ عِيَاضٌ مِنْهُ أَدْنَى وَمَشْرِقُ
(وكان عياض منه أدنى ومشرق: هي رواية أبي العباس المبرد وقد رواه غيره:
ولا كان أدنى من عبيد ومُشرِق
فيكون فيه إقواء.)
وبعد، فإن الأكثر أحبه فهو محب وهو محبوب على غير قياس، وقد قيل: محب على القياس، قال الأزهري: وقد جاء المحب شاذًّا في الشعر قال عنترة:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ
مِنِّي بِمَنْزلَة الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ
(٧) البين: البعد. وأشكيت فلانًا: إذا فعلت به فعلًا يحوجه إلى الشكوى، وأشكيته أيضًا: إذا أعتبته وأزلت شكواه، فهو من الأضداد، قال الراجز يصف إبلًا قد أتعبها السير فهي تلوي أعناقها تارة وتمدها أخرى، وتشكي إلينا فلا نشكيها، وشكواها ما غلبها من سوء الحال والهزال فيقوم ذلك مقام كلامها، قال:
تَمُدُّ بِالْأعْنَاقِ أَوْ تَثْنيهَا
وَتَشْتَكي لَوْ أَنَّنَا نُشْكيهَا
مَسَّ حَوايا قلما تُجْفِيها
(الحوايا: جمع حوية، وهي كساء يحوى حول سنام البعير ثم يركب. وقلما تجفيها: أي قلما ترفع الحوية عن ظهرها، يقال: جفا السرج عن ظهر الفرس وأجفيته إذا رفعته عنه.)
والمراد هنا الأول. يقول لقلبه: اعلم أنك تشكو فراقه لإلفك إياه. ثم هدده، فقال: إن شكوت فراقه تبرأت منك.
(٨) غدر: جمع غدور. وأصله بضم الدال، وإسكانها لغة. وربها: صاحبها. وإثر: أي في إثر، نصبه على الظرفية. والغادرين، يروى: الظاعنين. يقول: إذا جرت الدموع على فراق الغادرين كانت غادرة بربها — أي صاحبها — لأنه ليس من حق الغادر أن يبكى على فراقه، فإذا جرت الدموع في إثره وفاء له كان ذلك الوفاء غدر بصاحب الدموع. يريد لا ينبغي أن تفي لغادر.
(٩) يقول: إذا لم يتخلص الجود من المن به — وهو المراد بالأذى — لم يحصل الحمد ولم يبقَ المال؛ لأن المال يذهب به الجود، والأذى — أي المن — يبطل الحمد، فالمانُّ بما يعطي غير محمود ولا مأجور، وكأن هذا المعنى ينظر إلى قوله تعالى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ. و«لا» في البيت عاملة عمل «ليس» ومن ثم نصب خبرها كما في بيت سعد بن مالك:
من صدَّ عن نيرانها
فأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
(سعد بن مالك شاعر جاهلي، والبيت من أبيات مذكورة في «الحماسة»، وقد تقدمت في هذا الشرح مع تفسيرها.)
(١٠) التساخي: تكلف السخاء: وقوله: أكان سخاء … إلخ: بدل اشتمال من الفتى، وكان الوجه أن يقول: أسخاء كان، على ما هو من حكم الاستفهام بالهمزة، فقدم وأخر لضرورة الوزن. والسخاء وكذا السخاوة: الجود، قال اللحياني: يقال: سخا يسخو سخاء وسخوًا وسخي سخاء وسخوة. قال الجوهري: وقول عمرو بن كلثوم:
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الْحُصَّ فِيها
إِذَا مَا الْمَاءُ خالَطَها سَخِينًا
(وقيل: سخينًا من السخونة، نصب على الحال، والبيت من معلقة عمرو وقد أسلفنا شرحه.)
أي جدنا بأموالنا. يقول: إن أخلاق الإنسان تدل عليه فيعرف جوده أطبع هو أم تطبع؟ قال ابن جني: جمجم عما في قلبه من إفراط العتب ولم يصرح به. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: تغير الأفعال التي تأتي غير مطبوعة أشد انقلابًا من الريح الهبوب.
(١١) تصفي: تخلص. يقول لقلبه: لا تشتقْ إلى من فارقته، فإنك تحب من ليس يجازيك بالحب، كما قال البحتري:
لَقَدْ حَبَوْتُ صَفَاءَ الْوُدِّ صَائِنَهُ
عَنِّي وَأَقْرَضْتُهُ مَن لَا يُجَازِينِي
فقوله: أقل اشتياقًا وإن كان أمرًا من الإقلال إلا أنه أراد به النهي عن الاشتياق، لا تقليله. هذا، ويجوز في أقل فتح اللام وكسرها: فالفتح طلبًا للخفة مع التضعيف، والكسر لأجل كسرة القاف فأتبع الكسرة الكسرة.
(١٢) رحلت: رواها بعضهم رجعت. قال الواحدي: هذا البيت رأس في صحة الإلف، وذلك أن كل أحد يتمنى مفارقة الشيب وهو يقول: لو فارقت شيبي إلى الصبا لبكيت عليه لإلفي إياه؛ إذ خلقت ألوفًا، قال ابن جني: هذا شرح لما قبله، ودليل على أنه فارق ذامًّا؛ لأنه جعله كالشيب: أي لو فارقت الشيب الذميم برحيلي إلى الصبا وهو خير حياة الإنسان لكان ذلك الفراق موجعًا لقلبي مبكيًا لعيني.
(١٣) الفسطاط: اسم مدينة مصر قديمًا، وأصله البيت من الشعر، وفيه لغات: فسطاط وفستاط وفستاط، وكسر الفاء لغة فيهن. وأزرته: تعدية زار والهاء مفعول ثانٍ مقدم وحياتي مفعول أول. ونصحي: إخلاصي. والقوافي: القصائد. يقول: ولكن في الفسطاط بحرًا — يعني كافورًا — قد هون عليَّ فراق إلفي، لما فيه من المحامد التي تنسيني من فارقته، فزرته بحياتي؛ أي لقضاء باقي أيامي عنده، وحملت إليه نصحي ومودتي وشعري. وعبارة الواحدي: ذكر في البيت الأول أنه ألوف لما يصحبه في أي حال وإن كانت مكروهة، ثم استثنى فقال: لكني على هذه الحالة من الألفة قصدت مصر وحملت هواي والنصح والشعر على زيارة جواد هناك كالبحر.
(١٤) جردًا: عطف على حياتي، يريد خيلًا قصار الشعر وهو مما يمدح في الخيل. والقنا: الرماح. والعوالي: جمع عالية وهي صدر الرمح مما يلي السنان. يقول: وأزرته خيلًا مددنا رماحنا بين آذانها فباتت تتبع عوالي الرماح في سيرها، كما قالت ليلى الأخيلية:
وَلَمَّا أَنْ رَأَيْتَ الْخَيْلَ قُبْلًا
تُبارِي بِالْخُدُودِ شَبَا الْعَوَالِي
(الأقبل: الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه، وهذا البيت قالته ليلى في فائض بن أبي عقيل وكان قد فر عن توبة يوم قتل، وبعده:
نَسِيتَ وِصَالَهُ وَصَدَدْتَ عَنْهُ
كَمَا صَدَّ الْأَزَبُّ عَنِ الظِّلَالِ
الأزب الكثير شعر الذراعين والحاجبين والعينين، ولا يكون الأزب نفورًا؛ لأنه ينبت على حاجبيه شعيرات فإذا ضربته الريح نفر.)
(١٥) تماشى — بحذف إحدى التاءين — أي تتماشى. والصفا: الصخر، والبزاة: جمع بازٍ. وحوافيا: حال، جمع حاف. يقول: إن هذه الجرد تمشي بأيدٍ إذا وطئت الحجارة أثرت فيها مثل صدور البزاة، وجعلها حوافي مبالغة في وصف حوافرها بالشدة والصلابة، يعني: أنها بلا نعالٍ تؤثر في الصخور بحوافرها، وهذا منقول من قول الراجز:
يَرْفَعْنَ في الرَّكْضِ أَمَامَ السُّبَّقِ
حَوَافِرًا كَالعَنْبَرِ الْمُفَلَّقِ
يَنْقُشْنَ في الصَّخْرِ صُدُورِ الزُّرَّقِ
[الزرق: البازي، وقيل: طائر بين البازي والباشق.]
(١٦) وتنظر، تروى: وينظرن. ومن سود: أي من عيون سود. وصوادق: تريها الأشياء على حقيقتها. والدجى: جمع دجية، وهي ظلمة الليل. يقول: إنها ترى الأشباح البعيدة عنها كما هي — لصدق نظرها — في ظلمة الليل، والخيل توصف بحدة النظر، ولذلك قالوا: أبصر من فرس في غلس. وعبارة الشراح: وتنظر هذه الجرد من عيون سود صوادق فيما تنظر في ظلمة الليل فترى الشخص البعيد كهيئته من القرب وذلك بخلاف العادة؛ لأن الشخص إذا أبصر من بعيد شيئًا صغر في عينه.
(١٧) الجرس: الصوت الخفي. وسوامعًا: أي آذانًا، جمع سامعة. ويخلن: يحسبن. والمناجاة: السرار والحديث الخفي. والتنادي: أن ينادي بعض القوم بعضًا. يصفها بحدة السمع كما وصفها في البيت السابق بحدة النظر. يقول: ويصدق حس سمعها حتى تسمع الصوت الخفي فتنصب له آذانًا — كعادتها إذا أحست بشيء — تكاد تلك الآذان تسمع ما يناجي به الإنسان ضميره، فكأنه عندها كالمناداة، لحدة حس آذانها.
(١٨) يريد بفرسان الصباح: فرسان الغارة؛ وذلك أن الغارة تقع عادة وقت الصبح أغفل ما يكون الناس، فصار الصباح اسمًا للغارة. والأعنة: جمع عنان؛ سير اللجام، وهي مفعول ثانٍ ﻟ «تجاذب». يقول: إن هذه الخيل — لما فيها من القوة والنشاط — تجاذب فرسانها أعنتها، ثم شبه أعنتها في طولها وامتدادها بالحيات، وهذا منقول من قول ذي الرمة يصف ناقة:
رَجِيعَةُ أَسْفَارٍ كَأَنَّ زِمَامَهَا
شُجَاعٌ لَدَى يُسْرَى الذِّرَاعَيْنِ مُطْرِقُ
(الرجيعة والرجيع من الإبل: ما رجعته من سفر إلى سفر وهو الكال. والشجاع: الأفعى.)
(١٩) بعزم متعلق بمحذوف: أي سرنا بعزم ونحو ذلك. وبه: أي بالعزم يقول: سرنا بعزم قوي كأن الجسم وهو مقيم في السرج يسبق السرج، وكأن القلب وهو مقيم في الجسم يسبق الجسم لقوة العزم على السير. وعبارة ابن جني: لقوة العزم يكاد القلب يتحرك عن موضعه، ولو تحرك في الحقيقة لما مات صاحبه، وفي معناه لأبي تمام:
مَشَتْ قُلُوبُ أُنَاسٍ في صُدُورِهِمِ
لَمَّا رَأَوْكَ تُمَشِّي نَحْوَهُمْ قَدَمَا
وطريق أبي تمام أسلم؛ لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة المهلكة. ألا تراهم يقولون: انخلع قلبه فمات. والمعنى: لقوة عزمنا إذا سار الفارس في سرجه سار قلبه في جسمه؛ يعني ذكاءه وتيقظ فؤاده، فكأن قلبه ماشٍ في جسده.
(٢٠) قواصد: حال من الجرد. والسواقي: جمع ساقية، وهي النهير الصغير. يقول: قصدنا بها كافورًا وتركنا غيره من الملوك؛ لأنه كالبحر وغيره كالساقية، وهذا من قول البحتري:
وَلَمْ أَرَ في رَنْقِ الصَّرَى لِيَ مَوْرِدًا
فَحَاوَلْتُ وِرْدَ النيلِ عِنْدَ احْتِفَالهِ
«الصرى: نهر.» روي أن سيف الدولة لما سمع بيت المتنبي هذا قال: له الويل! جعلني ساقية وجعل الأسود بحرًا. قال العكبري: وإذا كان المتنبي قصد هذا فلقد أبان عن نقض عهد وقلة مروءة؛ لأنه مدح خلقًا فلم يعطه أحد ما أعطاه علي بن حمدان — سيف الدولة — ولا كان فيهم من له شرفه وفضله؛ لأنه عربي من سادات تغلب عالم بالشعر، ولم يمدح مثله في الشرف والحسب إلا محمد بن عبد الله الكوفي الحسني.
(٢١) إنسان العين: ناظرها، وهو المثال الذي يرى في السواد. والمآقي: جمع مأق والمأق والموق: طرف العين مما يلي الأنف. واللحاظ: طرفها مما يلي الأذن. قال الواحدي: جعله إنسان عين الزمان كناية عن سواد لونه، وأنه هو المعنى المقصود من الدهر وأبنائه، وأن من سواه فضول لا حاجة بأحد إليهم فإن البصر في سواد العين وما حوله جفون ومآق لا معنى فيها. وعبارة التبريزي: شبه الناس ببياض العين؛ لأنه لا ينتفع به في النظر، وجعل كافورًا إنسان العين؛ لأن الخاصية فيه. قال ابن جني: وهذا البيت في معناه قول ابن الرومي:
أَكْسَبَهَا الحُبَّ أَنَّهَا صُبِغَتْ
صِبْغَةَ حَبِّ الْقُلُوبِ وَالْحَدَقِ
(من أبيات جيدة لابن الرومي في وصف سوداء حسناء، يقول فيها:
سَوداء لم تنتسب إلى برص الشقـ
ـر ولا كلفة ولا بَهَق
ليست من العبَّس الأكف ولا القلـ
ـح الشفاه الخبائث العرق
بل من بنات الملوك ناعمة
تنشر بالدل ميت الشبق
إلى آخر الأبيات.)
ولأن الشيء يذكر بالشيء، فمن بديع ما فضل به السواد على البياض قول ابن قلاقس:
رُبَّ سَوْدَاءَ وَهْيَ بَيْضَاءُ مَعْنًى
نَافَسَ الْمِسْكَ عِنْدَهَا الْكَافُورُ
مِثْلَ حَبِّ العُيُونِ يَحْسَبُهُ النَّا
ظِرُ سَوَادًا وَإنَّمَا هُوَ نُورُ
هذا، وإذا أردت التوسع في الكلام على الموق وما فيه من اللغات وتصريفه فارجع إلى «لسان العرب».
(٢٢) نجوز: نتخطى. وعليها: أي الخيل. والأيادي: النعم. ولعله يريد بالمحسنين سيف الدولة وعشيرته. يقول: هذه الخيل نتخطى عليها الذين أحسنوا إلينا إلى الذي يحسن إليهم وينعم عليهم، يعني كافورًا، يريد أنه فوقهم. ومثل هذا مما يؤخذ على المتنبي؛ إذ يدل على عدم وفائه فضلًا أنه لم يكن للأسود على سيف الدولة ولا قومه إحسان. وقال بعضهم: إنما أراد: نتخطى عليها أناسًا في ولاية الأسود نرى عليهم إحسانه — خلعه وعطاياه — ولو أنه قال:
نرى عنده إحسانهم والأياديا
على معنى نتخطى سيف الدولة وعشيرته إلى الذي نرى عنده إنعامهم وإحسانهم إلى من يقصدهم، أي نرى عنده إحسان الجميع: أي أن إحسانه هو وحده يغني غناء إحسانهم مجتمعين — لكان عسى أن يكون مقبولًا ولكان في باب الشعر معسولًا.
(٢٣) السرى هنا: السير مطلقًا. ونرجي. في موضع الحال: تقديره مرجين، فصرفه إلى الاستقبال. قال الواحدي: يريد أنه كان يرجو لقاءه مذ قديم، حين كان ينتقل في أصلاب آبائه، وقال بعضهم: مراده بالجدود: الحظوظ واستعار لها ظهورًا؛ لأنه جعلها مكانًا يسري فيه كما يسري على ظهر الأرض، أو أخذًا من ظهر الدابة كأنه يقول: ما قطعنا مسافات حظوظنا الماضية حتى انتهينا إلى عصر ملكه إلا ونحن نرجو أن نلقاه ونجعل تلك المسافات طريقًا إليه. هذا، و«فتى» قال العكبري: يجوز أن يكون في موضع جر بدل من قوله: إلى الذي، ويجوز أن يكون في موضع رفع بتقدير «هو الذي»، ويجوز أن يكون في موضع نصب بدل من قوله: إنسان عين زمانه، أو نقصد فتًى.
(٢٤) العون: جمع عوان، وهي خلاف البكر، وهي التي بين السنين فوق البكر ودون الفارض. والفعلات: جمع فعلة، المرة من الفعل وسكن عينها للضرورة. والعذارى: جمع عذراء؛ البكر التي لم يمسها بعل. يقول: هو أجل قدرًا من أن يفعل في المكرمات فعلًا قد سبق إليه، وإنما أتى بالمكارم ابتداعًا واختراعًا، كما قال أيضًا:
يَمْشِي الْكِرَامُ عَلَى آثَارِ غَيْرِهِمِ
وَأَنْتَ تَخْلُقُ مَا تَأْتِي وَتَبْتَدِعُ
(٢٥) البغاة: جمع باغٍ، وهو المعتدي. يقول: يسل سخائم الأعداء برفقه وتلطفه لهم فإن لم تذهب أحقادهم وعداوتهم أبادهم وأهلكهم.
(٢٦) أبو المسك: كنية كافور لسواده، وذا — في الشطرين — إشارة وهو مبتدأ خبره ما بعده، وتاق إليه: نزع واشتاق. يقول: وجهك الذي أراه هو الوجه الذي كنت أشتاق إليه، وهذا الوقت الذي أنا فيه هو الوقت الذي كنت أرجو إدراكه؛ يعني وقت لقائه.
(٢٧) المرورى: جمع المراورة، وهي الفلاة الواسعة. والشناخيب: جمع شنخوب وشنخاب، وهي ناحية الجبل المشرفة، وفيها حجارة ناتئة، وقال الجوهري: شناخيب الجبل: رءوسه. وجبت: قطعت. والهجير: حر نصف النهار. والصادي: العطشان، يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه، وما قاسى من حر الهواجر التي تيبس الماء، والماء لا يكون صاديًا لكنه مبالغة، وإذا عطش الماء فحسبك به. قال ابن جني: هذا مما ينقلب هجاء؛ لأن دونه ودون هذا الوجه ما ذكر من الشدة، فكأنه يريد عظم مشافره وغلظها، ووجهه وقبحه، كقولك: لئن لقيت فلانا لتلقين دونه الأسد؛ أي مثل الأسد، ويؤكده قوله لما هجاه: «وأسود مشفره … البيت»، وقلما يسلم له شعر من هذا.
(٢٨) كل سحاب: عطف على «أبا» أي ويا كل سحاب. ولك أن تجره عطفًا على كل الأول: أي ويا أبا كل سحاب. والغوادي: جمع غادية وهي السحابة التي تنتشر صباحًا.
(٢٩) أدل عليه: وثق بمحبته فأفرط عليه، وفلان يدل عليك بصحبته إدلالًا ودلالًا ودالة؛ أي يجترئ عليك، كما تدل الشابة على الشيخ الكبير بجمالها. يقول: كل ذي فخر إنما يفخر بمنقبة واحدة، أما أنت فقد جمع الله لك جميع المناقب والمفاخر. كما قال أبو نواس:
كَأَنَّمَا أَنْتَ شَيْءٌ
حَوَى جَمِيعَ الْمَعَانِي
قال ابن جني: لما وصلت إلى هذا البيت ضحكت وضحك المتنبي وعرف غرضي.
(٣٠) يقول: إنما يجود الجواد ليحصل له العلو والشرف بالجود، وأنت تعلي من تعطيه وتشرفه بعطائك، فالأخذ منك يكسب الآخذ شرفًا ويعلى محله. كما قال أبو تمام:
مَا زِلتُ مُنْتَظِرًا أَعْجُوبَةً زَمَنًا
حَتَّى رَأَيْتُ سُؤَالًا يَجْتَنِي شَرَفًا
قال الواحدي: ويجوز أن يريد بقوله: «تعطي المعالي» أنه يهب الولايات والأمور التي يشرف بها الناس، فالمعالي من عطاياه، كما قال البحتري:
وَإذَا اجْتَدَاهُ الْمُجْتَدُونَ فَإنَّهُ
يَهَبُ الْعُلَا فِي نَيْلهِ الْمَوْهُوبِ
وقال ابن جني — وكان يسيء الظن بمدائح المتنبي في كافور، ويحاول أن يحيلها هجاءً: المعنى: عطاؤك يعلي محل آخذه، وهذا مما يمكن قلبه، يريد: إذا اتفق لك كسب معلاة انسلخت منها؛ لأنك لا تحسن تدبيرها، فكأنك قد سلمتها إلى من يحسن تدبيرها، فهي تقيم عنده.
(٣١) غير كثير: خبر مقدم عن المصدر المتأول بعده. والراجل: الماشي على رجله والملك بسكون اللام تخفيف ملك بكسرها، والعراقان: الكوفة والبصرة، وقيل: المراد عراق العرب وعراق العجم. قال ابن جني: هذا ظاهره أن من رآك استفاد منك كسب المعالي وباطنه أن من رآك على ما بك من النقص — وقد صرت إلى هذا العلو — ضاق ذرعه أن يقصر عما بلغته، وأن لا يتجاوز ذلك إلى كسب المكارم، وكذلك إذا رآك راجل لا يستكثر لنفسه أن يرجع واليًا على العراقين؛ لأنه لا يوجد أحد دونك وقد بلغت هذا، وهكذا يأبى ابن جني إلا أن يجعل لظاهر شعر المتنبي، الذي يمدح به كافورًا باطنًا وأن يحيل المدح هجاء، وليس ببعيد على مثل أبي الطيب وهو من هو دهاء أن يكون ذلك مقصده، وابن جني أدرى الناس به وبمراميه.
(٣٢) العافي: السائل، واحد العفاة. يقول: إذا غزاك جيش أخذته فوهبته لسائل واحد أتاك يسألك، يصفه بالشجاعة والجود.
(٣٣) المجرب بالكسر: الذي قد جرب الأمور وعرفها، وبالفتح الذي جربته الأمور وأحكمته، إلا أن العرب تكلمت به بالفتح. وفانيًا: مفعول ثانٍ ليرى. يقول: أنت تحتقر الدنيا احتقار من جربها فعرفها، وعلم أن جميع ما فيها يفنى ولا يبقى، ولذلك تهبها ولا تدخرها. وقوله: وحاشاك: استثناء مما يفنى، ذكر هذا الاستثناء تحسينًا للكلام واستعمالًا للأدب في مخاطبة الملوك. قال العكبري: «وحاشاك» من أحسن ما خوطب به في هذا الموضع، والأدباء يقولون: هذه اللفظة حشوة ولكنها حشوة فستق وسكر، ومثلها في الحشوات قول عوف بن محلم:
إنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتَهَا
قَدْ أَحْوَحَتْ سَمْعِي إلَى تَرْجُمَان
(من أبياته التي يقال: إنه ارتجلها حين دخل على عبد الله بن طاهر فسلم عليه عبد الله فلم يسمع، وأعلم بذلك فارتجل هذه الأبيات:
يا ابْنَ الذي دانَ له المَشْرَفَانْ
طرًّا وقدْ دانَ له المغْرِبانْ
وبعده: البيت، وبعده:
وبدَّلتْنِي بالشطاطِ انحنًا
وكنْتُ كالصَّعْدَةِ تحت السنانْ
وبدَّلتنِي من زمَاعِ الفتى
وهِمتِي همُّ الجبانِ الهِدَانْ
وقاربَتْ مِنِّي خُطًا لم تكنْ
مُقارَبَات وَثَنَتْ مِن عنانْ
وأنشأت بينِي وبين الوَرَى
عنَانَةً مِنْ غير نسْج العَنانْ
ولمْ تَدَعْ فِيَّ لِمُسْتَمعٍ
إلَّا لِسانِي وبِحسبِي لسانْ
أدْعُو به اللهَ وأثنِي بهِ
على الأمِيرِ المصْعَبِيِّ الهِجانْ
فقرِّبَانِي بِأَبِي أنتما
مِنْ وَطَنِي قبل اصْفرَار البنانْ
وقبْلَ مَنعاي إلى نِسوَة
أوَطَانُها حرَّانُ والرَّقَّتانْ
«الشطاط: حسن القوام. والصعدة: القناة المستوية. والزماع: المضاء في الأمر. والهدان: الوخم الثقيل في الحرب. والعنان: السحاب واحدته عنانة، يشير إلى ضعف بصره فكأنه يرى من وراء سحابة. والهجان: الكريم. واصفرار البنان: كناية عن الموت».)
(٣٤) المنى: جمع منية، وهي ما يتمنى. والنواصي: جمع ناصية؛ شعر مقدم الرأس. والمراد بالأيام: الوقائع، ومنه قول تعالى: وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ قال المفسرون: يريد وقائع الله في الأمم الخالية. يقول: لم تدرك الملك بالتمني والاتفاق، ولكن بالسعي والجهد والوقائع الشديدة التي تشيب نواصي الأعداء. وهذا من قول البحتري:
فَتًى هَزَّ الْقَنَا فَحَوَى سَنَاءً
بِهَا لَا بالْأَحَاظِي وَالْجُدُودِ
ومثله قول يزيد المهلبي:
سَعَيْتُمْ فَأَدْرَكْتُمْ بصَالِحِ سَعْيِكُمْ
وَأَدْرَكَ قَوْمٌ غَيْرُكُمْ بِالْمَقَادِر
وله أيضًا:
إذَا قَدَّمَ السُّلْطَانُ قَوْمًا على الْهَوَى
فَإنَّكُمُ قُدِّمْتُمُ بِالمَنَاقِب
(٣٥) الضمير في «تراها» للأيام، والمراقي: جمع مرقاة وهي الدرج التي تكون في السلم. قال ابن جني: أي تعتقد في المعالي أضعاف اعتقاد الناس، فبحسب ذلك يكون طلبك لها وشحك عليها. قال الواحدي: والمعنى — على ما قال ابن جني — أن أعداءك يرون الأيام والوقائع مساعي في الأرض؛ لأنك تستفتح بها البلاد، وتستضم الأطراف — وأنت تراها مراقي في السماء؛ لأنك بها تنال ذروة العلاء والمجد.
(٣٦) العجاج جمع عجاجة: وهي الغبرة. وكدر: جمع أكدر، وهو من إضافة الوصف إلى الموصوف. يقول: لبست للحروب والوقائع عجاجًا — غبارًا — مظلمًا كأنما ترى صفاء الجو أن لا يصفو من الغبار، أي أنت أبدًا تثير غبار الحرب، وكأنك إذا رأيت الجو صافيًا رأيته غير صافٍ لكراهيتك لصفائه من الغبار.
(٣٧) كل أجرد: أي كل فرس أجرد — أي قصير الشعر — والسابح: السريع العدو كأنه يسبح في جريه. ويثنيك: يصرفك ويردك. يقول: وقدت إلى الحروب والوقائع كل فرس يوردك الحرب وأنت مغيظ محنق على العدو غضبان، ويصدرك راضيًا بما أدركت من المطلوب وظفرك بأعدائك.
(٣٨) مخترط: عطف على أجرد، وأراد بالمخترط: السيف المنتضى المسلول. وآمرًا: حال من المخاطب. يقول: وحملت إليها كل سيف إذا أمرته بالقطع أطاعك فمضى في الضريبة، وإن نهيته واستثنيت أحدًا من أعدائك أو نهيته عن قتلهم بعد الاستثناء منهم عصاك فلم يستثنِ ولم يكف حتى يأتي عليهم لسرعة نفاذه في الضريبة.
(٣٩) وأسمر: يريد رمحًا أسمر ذا عشرين كعبًا أو ذراعًا. وواردًا: حال من الهاء في ترضاه، وقوله: في إيراده الخيل: أي في إيرادك إياه الخيل. يقول: وكل رمح إذا أوردته خيل الأعداء ترضاه واردًا لدمائهم ويرضاك ساقيًا له منها فهو أهل لأن يرد الدماء وأنت أهل لأن تورده إياها، فكل منكما راضٍ عن صاحبه، والمراد بالخيل فرسانها، والبيت منقول من قول عبد الله بن طاهر في السيف:
أَخُو ثِقَةٍ أَرْضَاه فِي الرَّوْعِ صَاحبًا
وَفَوْقَ رِضَاهُ أَنَّنِي أَنَا صَاحِبُهْ
أي هو يرضى بي أيضًا صاحبًا فوق الرضا.
(٤٠) كتائب: إما قرأتها بالرفع على تقدير لك كتائب، أو ما انفكت لك كتائب، وإما بالنصب على أنها بدل من قوله: كل أجرد وما يليه؛ لأن الكتائب تكون فيها هذه الأشياء، والكتائب: جمع كتيبة؛ القطعة من الجيش. وتجوس: تتخلل وتدوس. والعمائر: جمع عمارة، والعمارة أصغر من القبيلة، وقيل: الحي العظيم الذي يقوم بنفسه ينفرد بظعنها وإقامتها ونجعتها، وهي من الإنسان الصدر، سمي الحي العظيم عمارة بعمارة الصدر، قال الأخنس بن شهاب التغلبي:
لِكُلِّ أُنَاسٍ مِنْ مَعَدٍّ عمَارَةٍ
عَروضٌ إليْهَا يَلْجَئُونَ وَجَانِبُ
(عمارة: بدل من أناس. والعروض: الناحية، يقال: أخذ فلان في عروض ما يعجبني أي في طريق وناحية. يقول: لكل حي حرز إلا بني تغلب فإن حرزهم السيوف، ومن رواه: عروض — بضم العين — جعله جمع عرض وهو الجبل.)
ومن الأرض: لك أن تجعلها حالًا مقدمة عن فيافيا، والفيافي: المفاوز والفلوات. يقول: إن لك كتائب — أو قدت كتائب — لا تزال تتخلل وتدوس القبائل للغارة بعد أن قطعت إليها الفلوات البعيدة، يعني: أن كتائبه لا تزال تأتي الأعداء للغارة عليهم.
(٤١) بها: أي بالكتائب. والسنابك: أطراف الحوافر. والهامات: الرءوس. والمغاني: جمع مغنى وهو المنزل يغنى — يقيم — به أهله. يقول: غزوت بهذه الكتائب ديار الملوك حتى قتلتهم، فوطئت خيلك رءوسهم وديارهم. ودور الملوك يروى: دون الملوك، فيكون الضمير في هاماتهم للعمائر، ويكون المعنى: غزوت العمائر دون الملوك؛ لأن الملوك سواك لم تغزهم إذ ليس لهم إقدامك وشجاعتك.
(٤٢) تغشى: تأتي. والأسنة: نصال الرماح. وأنف من الشيء: استنكف واستكبر. يقول: إنه أول من يأتي الحرب وأول من يبارز فيأتي الطعان سابقًا، ويأنف أن يأتيه ثانيًا لأول سبقه.
(٤٣) الكريهة: الشدة في الحرب. يقول: إذا طبعت — صنعت — الهند سيفين فجعلتهما سواء في الحدة والمضاء، فالسيف الذي يصاحبك، ويكون في كفك يكون أمضى؛ لأن كفك تزيل تساويهما بشدة الضرب.
(٤٤) سام: هو ابن نوح، ويقال: إن البيض من ولده، وأن السود من ولد أخيه حام. ومن قول خبر مقدم، وفدى ابن أخي … إلخ: مبتدأ مؤخر وهو حكاية القول. ولنسله: صلة القول. يقول: لو رآك سام بن نوح لكان قوله لنسله: فدى ابن أخي ولدي ونفسي ومالي، أي أنه لنجابته وفضله لو رآه سام لفضله على نسله وجعل نفسه وإياهم فدًى له.
(٤٥) المدى: الغاية، وهو خبر محذوف. يريد ما ذكره من محامد. والأستاذ: الرئيس. قال الجواليقي: واصطلحت العامة إذا عظموا الخصي أن يخاطبوه بالأستاذ، وإنما أخذوا ذلك من الأستاذ الذي هو الصانع — وقد حرفت في مصر إلى الأسطى — لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم كأنه أستاذ في حسن الأدب. وأقصاه: أبعده. ونفس: عطف على ربه. يقول: إن الذي ذكرته من مناقبه مدًى بلغه الله غايته ونفسه التي تأبى فيما تطلبه إلا أن تبلغ نهايته.
(٤٦) دعته: أي النفس، و«إلى» متعلق بدعته أو لباها على طريق التنازع. يقول: دعته نفسه إلى المجد فلباها وأجابها، أما غيره فإذا دعته نفسه إلى المجد فإنه لا يجيبها؛ لأنه لم يأتِ ما يكسبه المجد والشرف من الجود والشجاعة والأخلاق الحميدة كما أتاها هو، فغيره عاجز عن إدراك ما تدعوه إليه نفسه.
(٤٧) نائيًا: أي بعيدًا مفعول ثانٍ ليرونه. يقول: إنه أصبح فوق الناس فهم يرونه بعيدًا عنهم رتبة وإن كان تكرمه يقربه منهم، كالشمس بعيدة أما ضوءها فقريب.
(٤٨) الخافي: ضد الظاهر. يقول: لو أخفت النفس ما فيها من كراهتك لأريتك الرضا، أي لو قدرت على إخفاء ما في نفسي من البغض لك والكراهة لقصدك لكنت أريك الرضا، ولكني لست براضٍ عن نفسي في قصدي إليك، ولا عنك أيضًا لتقصيرك في حقي.
(٤٩) المين: الكذب. والإخلاف: خلف الوعد، وهذه المصادر كلها منصوبة بعوامل من لفظها محذوفة وجوبًا، أي أتمين مينًا وتخلف إخلافًا وتغدر غدرًا … وهلم جرَّا. والمخازي: جمع مخزية، وهي الفعلة القبيحة يخزى صاحبها؛ أي يذل، يقال: خزي الرجل يخزى خزيًا: إذا وقع في بلية وشر وشهرة فذل بذلك وهان، ويقال في الحياء: خزي يخزى خزاية وخزيت فلانًا إذا استحييت منه، ورجل خزيان وامرأة خزيا، وهو الذي عمل قبيحًا فاشتد لذلك حياؤه وخزايته، قال تأبط شرًّا:
فَخالطَ سَهْلَ الأرْضِ لم يَكْدَح الصفا
به كَدْحَةً والموتُ خَزيان ينظرُ
(من أبيات، انظرها في حماسة أبي تمام.)
يقول: أتجمع بين هذه المخازي؟ كما تقول العرب: أحشفًا وسوء كيلة: أي أتجمع بين سوء الكيلة وإعطاء الحشف؟ ثم قال: أأنت شخص ظهرت لي أم مخازٍ؟ أي كأنك مخازٍ ومقابح لاجتماعها فيك وحصولها منك.
(٥٠) الغبطة: المسرة وحسن الحال. يقول: إذا ابتسمت ظننت ابتسامتي رجاء لك وغبطة بقربك، وإنما أنا أضحك من رجائي لمثلك ومثلك لا يرجى.
(٥١) يقول: إني أتعجب منك إذا كنت ناعلًا؛ لأني أراك إذا كنت حافيًا ذا نعل لغلظ جلد رجليك، وقوله: تعجبني: استحسان تهكم، فهو من التعجب يريد أنك تلبس النعال تشبيهًا بالمترفين كأنك تتأذى من المشي بدونها مع أن لك من جلد رجليك نعالًا، وإنني: إما بكسر الهمزة على الاستئناف وإما بفتحها على معنى لأنني.
(٥٢) يقول: بعد أن أحرزت الملك لا تدري لجهلك: هل لونك أسود كما كنت تعرف أو صار أبيض؟ أي ليس يبعد أن تتوهم أنك قد أشبهت البيض في اللون كما توهمت أنك أشبهتهم في الترف.
(٥٣) يقول: كلما رأيت تخييطك لكعبك ذكرني الشقوق التي كانت به وقت ما كنت مجلوبًا، وذكرني الأيام التي كنت فيها تمشي عاريًا، وقوله: في ثوب من الزيت: فقد ذكروا أن مولاه كان زياتًا، وأن الأسود كان يحمل الزيت عاريًا، ويمشي متلطخًا به فكأنه في ثوب من الزيت. وقال ابن فورجه: يعني أنه كان أسود إلى لون الصفرة كلون الزيت، وأهل العراق يسمون من كان غير مشبع السواد زيتيًا، أي أنت في حال كونك عاريًا في ثوب من الزيت؛ لأنك حبشي. هذا، وقد اعتسف الشراح في إعراب هذا البيت اعتسافًا أشفقنا عليهم منه، وهو من الوضوح بحيث ترى، ففاعل يذكر تخييط، وشقه: مفعول ثانٍ ليذكر، ومشيك عطف عليه.
(٥٤) الفضول: تعرض الإنسان لما لا يعنيه. يقول: أنا أهجوك في سري وإن مدحتك ظاهرًا، فلولا ما طبع عليه الناس من الفضول لأظهرت هجاءك، وقلت إني أمدحك به فكنت لا تفطن لذلك، ولا تفرق بين المديح والهجاء، ولكن الناس فيهم فضول؛ فهم كانوا يقولون: هذا الذي أتاك به هجاء لا مديح.
(٥٥) هذا تفريع على البيت الذي قبله. يقول: كنت تسر بإنشادي هجاءك؛ إذ تظنه مديحًا وإن كان هجوك يغلو بالإنشاد، أي أن الإنشاد كثير عليك؛ لأنك أقل قدرًا من أن تهجى وينشد هجاؤك.
(٥٦) مشفريك: أي شفتيك الشبيهتين بمشفري البعير في الغلظ. وأفدت في المصراع الثاني: إما بمعنى استفدت، وإما على معنى أفدت نفسي فيكون المفعول الأول مقدرًا. ولحظي: أي رؤيتي. يقول: إن كنت لم تفدني خيرًا في مقامي عندك ولم تحسن إليَّ فإنني استفدت الملاهي برؤيتي شفتيك أو أفدت نفسي الملاهي بلحظي مشفريك. وقوله: لا خيرًا أفدت: أي لا أفدت خيرًا، أدخل «لا» على الماضي من غير تكرار وهو مسموع في الشذوذ.
(٥٧) ربات الحداد: أي الثاكلات اللابسات الحداد — وهي ثياب سود يلبسها النساء الثاكلات — حزنًا. وروى الواحدي: ربات الحجال، والحجال: الستور. يقول: إنك عجب من رآه ضحك، ومثلك يقصد من البلاد النائية ليتعجب من غرابة منظره، وتسلى به النساء الثاكلات؛ لأنهن إذا رأينه غلبهن الضحك فلهون بذلك عن الحزن والأسى، والبيت كما ترى يقرر به ما ذكره في الأبيات قبله. قال ابن جني: وقد صرح في هذا البيت بجميع ما كان أخفاه في مدحه بقوله في إحدى مدائحه الكافورية:
وَمَا طرَبِي لَمَّا رَأَيْتُكَ بِدْعَةً
لقد كُنتُ أرجو أن أراك فأطْرَبُ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢