قافية الباء

وقال يمدح سيف الدولة وهو يسايره إلى الرقة وقد اشتد المطر بموضع يعرف بالثديين:

لِعَيْنِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْكَ حَظٌّ
تَحَيَّرُ مِنْهُ فِي أَمْرٍ عُجَابِ١
حِمَالَةُ ذَا الْحُسَامِ عَلَى حُسَامٍ
وَمَوْقِعُ ذَا السَّحَابِ عَلَى سَحَابِ٢

وزاد المطر فقال:

تَجِفُّ الْأَرْضُ مِنْ هَذَا الرَّبَابِ
وَيَخْلُقُ مَا كَسَاهَا مِنْ ثِيَابِ٣
وَمَا يَنْفَكُّ مِنْكَ الدَّهْرُ رَطْبًا
وَلَا يَنْفَكُّ غَيْثُكَ فِي انْسِكَابِ٤
تُسَايِرُكَ السَّوَارِي وَالْغَوَادِي
مُسَايَرَةَ الْأَحِبَّاءِ الطِّرَابِ٥
تُفِيدُ الْجُودَ مِنْكَ فَتَحْتَذِيهِ
وَتَعْجِزُ عَنْ خَلَائِقِكَ الْعِذَابِ٦

وأمره سيف الدولة بإجازة هذا البيت:

خَرَجْتُ غَدَاةَ النَّفْرِ أَعْتَرِضُ الدُّمَى
فَلَمْ أَرَ أَحْلَى مِنْكَ فِي الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ٧

فقال:

فَدَيْنَاكَ أَهْدَى النَّاسِ سَهْمًا إِلَى قَلْبِي
وَأَقْتَلَهُمْ لِلدَّارِعِينَ بِلَا حَرْبِ٨
تَفَرَّدَ بِالْأَحْكَامِ فِي أَهْلِهِ الْهَوَى
فَأَنْتَ جَمِيلُ الْخُلْفِ مُسْتَحْسَنُ الْكِذْبِ٩
وَإِنِّي لَمَمْنُوعُ الْمَقَاتِلِ فِي الْوَغَى
وَإِنْ كُنْتُ مَبْذُولَ الْمَقَاتِلِ فِي الْحُبِّ١٠
وَمَنْ خُلِقَتْ عَيْنَاكَ بَيْنَ جُفُونِهِ
أَصَابَ الْحُدُورَ السَّهْلَ فِي الْمُرْتَقَى الصَّعْبِ١١

«وقال يعزيه عن عبده يماك التركي، وقد مات بحلب سنة أربعين وثلاثمائة»:

لَا يُحْزِنُ اللهُ الْأَمِيرَ فَإِنَّنِي
سَآخُذُ مِنْ حَالَاتِهِ بِنَصِيبِ١٢
وَمَنْ سَرَّ أَهْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ بَكَى أَسًى
بَكَى بِعُيُونٍ سَرَّهَا وَقُلُوبِ١٣
وَإِنِّي وَإِنْ كَانَ الدَّفِينُ حَبِيبَهُ
حَبِيبٌ إِلَى قَلْبِي حَبِيبُ حَبِيبِي١٤
وَقَدْ فَارَقَ النَّاسُ الْأَحِبَّةَ قَبْلَنَا
وَأَعْيَا دَوَاءُ الْمَوْتِ كُلَّ طَبِيبِ
سُبِقْنَا إِلَى الدُّنْيَا فَلَوْ عَاشَ أَهْلُهَا
مُنِعْنَا بِهَا مِنْ جِيئَةٍ وَذُهُوبِ١٥
تَمَلَّكَهَا الآتِي تَمَلُّكَ سَالِبٍ
وَفَارَقَهَا الْمَاضِي فِرَاقَ سَلِيبِ١٦
وَلَا فَضْلَ فِيهَا لِلشَّجَاعَةِ وَالنَّدَى
وَصَبْرِ الْفَتَى لَوْلَا لِقَاءُ شَعُوبِ١٧
وَأَوْفَى حَيَاةِ الْغَابِرِينَ لِصَاحِبٍ
حَيَاةُ امْرِئٍ خَانَتْهُ بَعْدَ مَشِيبِ١٨
لَأَبْقَى يَمَاكٌ فِي حَشَايَ صَبَابَةً
إِلَى كُلِّ تُرْكِيِّ النِّجَارِ جَلِيبِ١٩
وَمَا كُلُّ وَجْهٍ أَبْيَضٍ بِمُبَارَكٍ
وَلَا كُلُّ جَفْنٍ ضَيِّقٍ بِنَجِيبِ٢٠
لَئِنْ ظَهَرَتْ فِينَا عَلَيْهِ كَآبَةٌ
لَقَدْ ظَهَرَتْ فِي حَدِّ كُلِّ قَضِيبِ٢١
وَفِي كُلِّ قَوْسٍ كُلَّ يَوْمِ تَنَاضُلٍ
وَفِي كُلِّ طِرْفٍ كُلَّ يَوْمِ رُكُوبِ٢٢
يَعِزُّ عَلَيْهِ أَنْ يُخِلَّ بِعَادَةٍ
وَتَدْعُو لِأَمْرٍ وَهْوَ غَيْرُ مُجِيبِ٢٣
وَكُنْتُ إِذَا أَبْصَرُتُه لَكَ قَائِمًا
نَظَرْتُ إِلَى ذِي لِبْدَتَيْنِ أَدِيبِ٢٤
فَإِنْ يَكُنِ الْعِلْقَ النَّفِيسَ فَقَدْتَهُ
فَمِنْ كَفِّ مِتْلَافٍ أَغَرَّ وَهُوبِ٢٥
كَأَنَّ الرَّدَى عَادٍ عَلَى كُلِّ مَاجِدٍ
إِذَا لَمْ يُعَوِّذْ مَجْدَهُ بِعُيُوبِ٢٦
وَلَوْلَا أَيَادِي الدَّهْرِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَنَا
غَفَلْنَا فَلَمْ نَشْعُرْ لَهُ بِذُنُوبِ٢٧
وَلَلتَّرْكُ لِلْإِحْسَانِ خَيْرٌ لِمُحْسِنٍ
إِذَا جَعَلَ الْإِحْسَانَ غَيْرَ رَبِيبِ٢٨
وَإِنَّ الَّذِي أَمْسَتْ نِزَارٌ عَبِيدَهُ
غَنِيٌّ عَنِ اسْتَعْبَادِهِ لِغَرِيبِ٢٩
كَفَى بِصَفَاءِ الْوَدِّ رِقًّا لِمْثْلِهِ
وَبِالْقُرْبِ مِنْهُ مَفْخَرًا لِلَبِيبِ٣٠
فَعُوِّضَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْأَجْرُ إِنَّهُ
أَجَلُّ مَثَابٍ مِنْ أَجَلِّ مُثِيبِ٣١
فَتَى الْخَيْل قَدْ بَلَّ النَّجِيعُ نُحُورَهَا
يُطَاعِنُ فِي ضَنْكِ الْمُقَامِ عَصِيبِ٣٢
يَعَافُ خِيَامَ الرَّيْطِ فِي غَزَوَاتِهِ
فَمَا خَيْمُهُ إِلَّا غُبَارُ حُرُوبِ٣٣
عَلَيْنَا لَكَ الْإِسْعَادُ إِنْ كَانَ نَافِعًا
بِشَقِّ قُلُوبٍ لَا بِشَقِّ جُيُوبِ٣٤
فَرُبَّ كَئِيبٍ لَيْسَ تَنْدَى جُفُونُهُ
وَرُبَّ كَثِيرِ الدَّمْعِ غَيْرُ كَئِيبِ٣٥
تَسَلَّ بِفِكْرٍ فِي أَبيكَ فَإِنَّمَا
بَكَيْتَ فَكَانَ الضِّحْكُ بَعْدَ قَرِيبِ٣٦
إِذَا اسْتَقْبَلَتْ نَفْسُ الْكَرِيمِ مُصَابَهَا
بِخُبْثٍ ثَنَتْ فَاسْتَدْبَرَتْهُ بِطِيبِ٣٧
وَلِلْوَاجِدِ الْمَكْرُوبِ مِنْ زَفَرَاتِهِ
سُكُونُ عَزَاءٍ أَوْ سُكُونُ لُغُوبِ٣٨
وَكَمْ لَكَ جَدًّا لَمْ تَرَ الْعَيْنُ وَجْهَهُ
فَلَمْ تَجْرِ فِي آثَارِهِ بِغُرُوبِ٣٩
فَدَتْكَ نُفُوسُ الْحَاسِدِينَ فَإِنَّهَا
مُعَذَّبَةٌ فِي حَضْرَةٍ وَمَغِيبِ
وَفِي تَعَبٍ مَنْ يَحْسُدُ الشَّمْسَ نُورَهَا
وَيَجْهَدُ أَنْ يَأْتِي لَهَا بِضَرِيبِ٤٠

وقال يمدحه، ويذكر بناء مَرْعَشَ سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة:

فَدَيْنَاكَ مِنْ رَبْعٍ وَإِنْ زِدْتَنَا كَرْبَا
فَإِنَّكَ كُنْتَ الشَّرْقَ لِلشَّمْسِ وَالْغَرْبَا٤١
وَكَيْفَ عَرَفْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا
فُؤَادًا لِعِرْفَانِ الرُّسُومِ وَلَا لُبَّا٤٢
نَزَلْنَا عَنِ الْأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً
لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا٤٣
نَذُمُّ السَّحَابَ الْغُرَّ فِي فِعْلِهَا بِهِ
وَنُعْرِضُ عَنْهَا كُلَّمَا طَلَعَتْ عَتْبَا٤٤
وَمَنْ صَحِبَ الدُّنْيَا طَوِيلًا تَقَلَّبَتْ
عَلَى عَيْنِهِ حَتَّى يَرَى صِدْقَهَا كِذْبَا٤٥
وَكَيْفَ الْتِذَاذِي بِالْأَصَائِلِ وَالضُّحَى
إِذَا لَمْ يَعُدْ ذَاكَ النَّسِيمُ الَّذِي هَبَّا٤٦
ذَكَرْتُ بِهِ وَصْلًا كَأَنْ لَمْ أَفُزْ بِهِ
وَعَيْشًا كَأَنِّي كُنْتُ أَقْطَعُهُ وَثْبَا٤٧
وَفَتَّانَةَ الْعَيْنَيْنِ قَتَّالَةَ الْهَوَى
إِذَا نَفَحَتْ شَيْخًا رَوَائِحُهَا شَبَّا٤٨
لَهَا بَشَرُ الدُّرِّ الَّذِي قُلِّدَتْ بِهِ
وَلَمْ أَرَ بَدْرًا قَبْلَهَا قُلِّدَ الشُّهْبَا٤٩
فَيَا شَوْقِ مَا أَبْقَى وَيَا لِي مِنَ النَّوَى
وَيَا دَمْعِ مَا أَجْرَى وَيَا قَلْب مَا أَصْبَى٥٠
لَقَدْ لَعِبَ الْبَيْنُ الْمُشِتُّ بِهَا وَبِي
وَزَوَّدَنِي فِي السَّيْرِ مَا زَوَّدَ الضِّبَّا٥١
وَمَنْ تَكُنِ الْأُسْدُ الضَّوَارِي جُدُودَهُ
يَكُنْ لَيْلُهُ صُبْحًا وَمَطْعَمُهُ غَصْبَا٥٢
وَلَسْتُ أُبَالِي بَعْدَ إِدْرَاكِيَ الْعُلَا
أَكَانَ تُرَاثًا مَا تَنَاوَلْتُ أَمْ كَسْبَا٥٣
فَرُبَّ غُلَامٍ عَلَّمَ الْمَجْدَ نَفْسَهُ
كَتَعْلِيمِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الطَّعْنَ وَالضَّرْبَا٥٤
إِذَا الدَّوْلَةُ اسْتَكْفَتْ بِهِ فِي مُلِمَّةٍ
كَفَاهَا فَكَانَ السَّيْفَ وَالْكَفَّ وَالْقَلْبَا٥٥
تُهَابُ سُيُوفُ الْهِنْدِ وَهْيَ حَدَائِدٌ
فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ نِزَارِيَّةً عُرْبَا٥٦
وَيُرْهَبُ نَابُ اللَّيْثِ وَاللَّيْثُ وَحْدَهُ
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ اللُّيُوثُ لَهُ صَحْبَا٥٧
وَيُخْشَى عُبَابُ الْبَحْرِ وَهْوَ مَكَانَهُ
فَكَيْفَ بِمَنْ يَغْشَى الْبِلَادَ إِذَا عَبَّا٥٨
عَلِيمٌ بِأَسْرَارِ الدِّيَانَاتِ وَاللغَى
لَهُ خَطَرَاتٌ تَفْضَحُ النَّاسَ وَالْكُتْبَا٥٩
فَبُورِكْتَ مِنْ غَيْثٍ كَأَنَّ جُلُودَنَا
بِهِ تُنْبِتُ الدِّيبَاجَ وَالْوَشْيَ وَالْعَصْبَا٦٠
وَمِنْ وَاهِبٍ جَزْلًا وَمِنْ زَاجِرِ هَلًا
وَمِنْ هَاتِكٍ دِرْعًا وَمِنْ نَاثِرٍ قُصْبَا٦١
هَنِيئًا لِأَهْلِ الثَّغْرِ رَأْيُكَ فِيهِمِ
وَأَنَّكَ حِزْبَ اللهِ صِرْتَ لَهُمْ حِزْبَا٦٢
وَأَنَّكَ رُعْتَ الدَّهْرَ فِيهَا وَرَيْبَهُ
فَإِنْ شَكَّ فَلْيُحْدِثْ بِسَاحَتِهَا خَطْبَا٦٣
فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ
وَيَوْمًا بِجُودٍ يَطْرُدُ الْفَقْرَ وَالْجَدْبَا٦٤
سَرَايَاكَ تَتْرَى وَالدُّمُسْتُقُ هَارِبٌ
وَأَصْحَابُهُ قَتْلَى وَأَمْوَالُهُ نُهْبَى٦٥
أَتَى مَرْعَشًا يَسْتَقْرِبُ الْبُعْدَ مُقْبِلًا
وَأَدْبَرَ إِذْ أَقْبَلْتَ يَسْتَبْعِدُ الْقُرْبَا٦٦
كَذَا يَتْرُكُ الْأَعْدَاءَ مَنْ يَكْرَهُ الْقَنَا
وَيَقْفُلُ مَنْ كَانَتْ غَنِيمَتُهُ رُعْبَا٦٧
وَهَلْ رَدَّ عَنْهُ بِاللُّقَانِ وُقُوفُهُ
صُدُورَ الْعَوَالِي وَالْمُطَهَّمَةَ الْقبَّا٦٨
مَضَى بَعْدَمَا الْتَفَّ الرِّمَاحَانِ سَاعَةً
كَمَا يَتَلَقَّى الْهُدْبُ فِي الرَّقْدَةِ الْهُدْبَا٦٩
وَلَكِنَّهُ وَلَّى وَلِلطَّعْنِ سَوْرَةٌ
إِذَا ذَكَرَتْهَا نَفْسُهُ لَمَسَ الْجُنْبَا٧٠
وَخَلَّى الْعَذَارَى وَالْبَطَارِيقَ وَالْقُرَى
وَشُعْثَ النَّصَارَى وَالْقَرَابِينَ وَالصُّلْبَا٧١
أَرَى كُلَّنَا يَبْغِي الْحَيَاةَ لِنَفْسِهِ
حَرِيصًا عَلَيْهَا مُسْتَهَامًا بِهَا صَبَّا٧٢
فَحُبُّ الْجَبَانِ النَّفْسَ أَوْرَدَهُ التُّقَى
وَحُبُّ الشُّجَاعِ النَّفْسَ أَوْرَدَهُ الْحَرْبَا٧٣
وَيَخْتَلِفُ الرِّزْقَانِ وَالْفِعْلُ وَاحِدٌ
إِلَى أَنْ يُرَى إِحْسَانُ هَذَا لِذَا ذَنْبَا٧٤
فَأَضْحَتْ كَأَنَّ السُّورَ مِنْ فَوْقِ بَدْئِهِ
إِلَى الْأَرْضِ قَدْ شَقَّ الْكَوَاكِبَ وَالتُّرْبَا٧٥
تَصُدُّ الرِّيَاحُ الْهُوجُ عَنْهَا مَخَافَةً
وَتَفْزَعُ مِنْهَا الطَّيْرُ أَنْ تَلْقُطَ الْحَبَّا٧٦
وَتَرْدِي الْجِيَادُ الْجُرْدُ فَوْقَ جِبَالِهَا
وَقَدْ نَدَفَ الصِّنَّبْرُ فِي طُرْقِهَا الْعُطْبَا٧٧
كَفَى عَجَبًا أَنْ يَعْجَبَ النَّاسُ أَنَّهُ
بَنَى مَرْعشًا تَبًّا لِآرَائِهِمْ تَبَّا٧٨
وَمَا الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْأَنَامِ وَبَيْنَهُ
إِذَا حَذِرَ الْمَحْذُورَ وَاسْتَصْعَبَ الصَّعْبَا٧٩
لِأَمْرٍ أَعَدَّتْهُ الْخِلَافَةُ لِلْعِدَا
وَسَمَّتْهُ دُونَ الْعَالَمِ الصَّارِمَ الْعَضْبَا٨٠
وَلَمْ تَفْتَرِقْ عَنْهُ الْأَسِنَّةُ رَحْمَةً
وَلَمْ يَتْرُكِ الشَّامَ الْأَعَادِي لَهُ حُبَّا٨١
وَلَكِنْ نَفَاهَا عَنْهُ غَيْرَ كَرِيمَةٍ
كَرِيمُ الثَّنَا مَا سُبَّ قَطُّ وَلَا سَبَّا٨٢
وَجَيْشٌ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كَأَنَّهُ
خَرِيقُ رِيَاحٍ وَاجَهَتْ غُصُنًا رَطْبَا٨٣
كَأَنَّ نُجُومَ اللَّيْلِ خَافَتْ مُغَارَهُ
فَمَدَّتْ عَلَيْهَا مِنْ عَجَاجَتِهِ حُجْبَا٨٤
فَمَنْ كَانَ يُرْضِي اللُّؤْمَ وَالْكُفْرَ مُلْكُهُ
فَهَذَا الَّذِي يُرْضِي الْمَكَارِمَ وَالرَّبَّا٨٥
وقال فيما كان يجري بينهما من معاتبة مستعتبًا:٨٦

من القصيدة الميمية:

أَلَا مَا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الْيَوْمَ عَاتِبًا
فَدَاهُ الْوَرَى أَمْضَى السُّيُوفِ مَضَارِبَا٨٧
وَمَا لِي إِذَا مَا اشْتَقْتُ أَبْصَرْتُ دُونَهُ
تَنَائِفَ لَا أَشْتَاقُهَا وَسَباسِبَا٨٨
وَقَدْ كَانَ يُدْنِي مَجْلِسِي مِنْ سَمَائِهِ
أُحَادِثُ فِيهَا بَدْرَهَا وَالْكَوَاكِبَا٨٩
حَنَانَيْكَ مَسْئُولًا وَلَبَّيْكَ دَاعِيًا
وَحَسْبِيَ مَوْهُوبًا وَحَسْبُكَ وَاهِبَا٩٠
أَهَذَا جَزَاءُ الصِّدْقِ إِنْ كُنْتُ صَادِقًا
أَهَذَا جَزَاءُ الْكِذْبِ إِنْ كُنْتُ كَاذِبَا٩١
وَإِنْ كَانَ ذَنْبِي كُلَّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ
مَحَا الذَّنْبَ كُلَّ الْمَحْوِ مَنْ جَاءَ تَائِبَا٩٢

وقال، وقد عرض على سيف الدولة سيوف مذهبة، وفيها سيف غير مذهب فأمر بإذهابه:

أَحْسَنُ مَا يُخْضَبُ الْحَدِيد بِهِ
وَخَاضِبَيْهِ النَّجِيعُ وَالْغَضَبُ٩٣
فَلَا تَشِينَنْهُ بِالنُّضَارِ فَمَا
يَجْتَمِعُ الْمَاءُ فِيهِ وَالذَّهَبُ٩٤

وتشكَّى سيف الدولة من دمل فقال فيه:

أَيَدْرِي مَا أَرَابَكَ مَنْ يُرِيبُ
وَهَلْ تَرْقَى إِلَى الْفَلَكِ الْخُطُوبُ٩٥
وَجِسْمُكَ فَوْقَ هِمَّةِ كُلِّ دَاءٍ
فَقُرْبُ أَقَلِّهَا مِنْهُ عَجِيبُ٩٦
يُجَمِّشُكَ الزَّمَانُ هَوًى وَحُبًّا
وَقَدْ يُؤْذَى مِنَ الْمِقَةِ الْحَبِيبُ٩٧
وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ
وَأَنْتَ لِعِلَّةِ الدُّنْيَا طَبِيبُ٩٨
وَكَيْفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوى بِدَاءٍ
وَأَنْتَ الْمُسْتَغَاثُ لِمَا يَنُوبُ٩٩
مَلِلْتُ مُقَامَ يَوْمٍ لَيْسَ فِيهِ
طِعَانٌ صَادِقٌ وَدٌّ صَبِيبُ١٠٠
وَأَنْتَ الْمَلْكُ تُمْرِضُهُ الْحَشَايَا
لِهِمَّتِهِ وَتَشْفِيهِ الْحُرُوبُ١٠١
وَمَا بِكَ غَيْرُ حُبِّكَ أَنْ تَرَاهَا
وَعِثْيَرُهَا لِأَرْجُلِهَا جَنِيبُ١٠٢
مُجَلِّحَةً لَهَا أَرْضُ الْأَعَادِي
وَلِلسُّمْرِ الْمَنَاحِرُ وَالْجُنُوبُ١٠٣
فَقَرِّطْهَا الْأَعِنَّةَ رَاجِعَاتٍ
فَإِنَّ بَعِيدَ مَا طَلَبَتْ قَرِيبُ١٠٤
أذَا دَاءٌ هَفَا بُقْرَاطُ عَنْهُ
فَلَمْ يُعْرَفْ لِصَاحِبِهِ ضَرِيبُ١٠٥
بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الْوُضَّاءِ تُمْسِي
جُفُونِي تَحْتَ شَمْسٍ مَا تَغِيبُ١٠٦
فَأَغْزُو مَنْ غَزَا وَبِهِ اقْتِدَارِي
وَأَرْمِي مَنْ رَمَى وَبِهِ أُصِيبُ
وَلِلْحُسَّادِ عُذْرٌ أَنْ يَشِحُّوا
عَلَى نَظَرِي إِلَيْهِ وَأَنْ يَذُوبُوا١٠٧
فَإِنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَى مَكَانٍ
عَلَيْهِ تَحْسُدُ الْحَدَقَ الْقُلُوبُ١٠٨

وأحدث بنو كلاب حدثًا بنواحي بالس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليلة بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات فأوقع بهم وملك الحريم فأبقى عليه، فقال أبو الطيب بعد رجوعه من هذه الغزوة — وأنشده إياها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة:

بِغَيْرِكَ رَاعِيًا عَبِثَ الذِّئَابُ
وَغَيْرَكَ صَارِمًا ثَلمَ الضِّرَابُ١٠٩
وَتَمْلِكُ أَنْفُسَ الثَّقَلَيْنِ طُرًّا
فَكَيْفَ تَحُوزُ أَنْفُسَهَا كِلَابُ١١٠
وَمَا تَرَكُوكَ مَعْصِيَةً وَلَكِنْ
يُعَافُ الْوِرْدُ وَالْمَوْتُ الشَّرَابُ١١١
طَلَبْتَهُمُ عَلَى الْأَمْوَاهِ حَتَّى
تَخَوَّفَ أَنْ تُفَتِّشَهُ السَّحَابُ١١٢
فَبِتَّ لَيَالِيًا لَا نَوْمَ فِيهَا
تَخُبُّ بِكَ الْمُسَوَّمَةُ الْعِرَابُ١١٣
يَهُزُّ الْجَيْشُ حَوْلَكَ جَانِبَيْهِ
كَمَا نَفَضَتْ جَنَاحَيْهَا الْعُقَابُ١١٤
وَتَسْأَلُ عَنْهُمُ الْفَلَوَاتِ حَتَّى
أَجَابَكَ بَعْضُهَا وَهْمُ الْجَوَابِ١١٥
فَقَاتَلَ عَنْ حَرِيمِهِمِ وَفَرُّوا
نَدَى كَفَّيْكَ وَالنَّسْبُ الْقُرَابُ١١٦
وَحِفْظُكَ فِيهِمِ سَلَفَيْ مَعَدٍّ
وَأَنَّهُمُ الْعَشَائِرُ وَالصِّحَابُ١١٧
تُكَفْكِفُ عَنْهُمُ صُمَّ الْعَوَالِي
وَقَدْ شَرِقَتْ بِظُعْنِهِمِ الشَّعَابُ١١٨
وَأُسْقِطَتِ الْأَجِنَّةُ فِي الْوَلَايَا
وَأُجْهِضَتِ الْحَوَائِلُ وَالسِّقَابُ١١٩
وَعَمْرٌو فِي مَيَامِنِهِمْ عُمُورٌ
وَكَعْبٌ فِي مَيَاسِرِهِمْ كِعَابُ١٢٠
وَقَدْ خَذَلَتْ أَبُو بَكْرٍ بَنِيهَا
وَخَاذَلَهَا قُرَيْظٌ وَالضِّبَابُ١٢١
إِذَا مَا سِرْتَ فِي آثَارِ قَوْمٍ
تَخَاذَلَتِ الْجَمَاجِمُ وَالرِّقَابُ١٢٢
فَعُدْنَ كَمَا أُخِذْنَ مُكَرَّمَاتٍ
عَلَيْهِنَّ الْقَلَائِدُ وَالْمَلَابُ١٢٣
يُثِبْنَكَ بِالَّذِي أَوْلَيْتَ شُكْرًا
وَأَيْنَ مِنَ الَّذِي تُولِي الثَّوَابُ١٢٤
وَلَيْسَ مَصِيرُهُنَّ إِلَيْكَ شَيْنًا
وَلَا فِي صَوْنِهِنَّ لَدَيْكَ عَابُ١٢٥
وَلَا فِي فَقْدِهِنَّ بَنِي كِلَابٍ
إِذَا أَبْصَرْنَ غُرَّتَكَ اغْتِرَابُ١٢٦
وَكَيْفَ يَتِمُّ بَأْسُكَ فِي أُنَاسٍ
تُصِيبُهُمُ فَيُؤْلِمُكَ الْمُصَابُ١٢٧
تَرَفَّقْ أَيُّهَا الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ
فَإِنَّ الرِّفْقَ بِالْجَانِي عِتَابُ١٢٨
وَإِنَّهُمُ عَبِيدُكَ حَيْثُ كَانُوا
إِذَا تَدْعُو لِحَادِثَةٍ أَجَابُوا١٢٩
وَعَيْنُ الْمُخْطِئِينَ هُمُ وَلَيْسُوا
بِأَوَّلِ مَعْشَرٍ خَطِئُوا فَتَابُوا١٣٠
وَأَنْتَ حَيَاتُهُمْ غَضِبَتْ عَلَيْهِمْ
وَهَجْرُ حَيَاتِهِمْ لَهُمُ عِقَابُ١٣١
وَمَا جَهِلَتْ أَيَادِيَكَ الْبَوَادِي
وَلَكِنْ رُبَّمَا خَفِيَ الصَّوَابُ١٣٢
وَكَمْ ذَنْبٍ مُوَلِّدُهُ دَلَالٌ
وَكَمْ بُعْدٍ مُوَلِّدُهُ اقْتِرَابُ١٣٣
وَجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ
وَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ الْعَذَابُ١٣٤
فَإِنْ هَابُوا بِجُرْمِهِمِ عَلِيًّا
فَقَدْ يَرْجُو عَلِيًّا مَنْ يَهَابُ١٣٥
وَإِنْ يَكُ سَيْفَ دَوْلَةِ غَيْرِ قَيْسٍ
فَمِنْهُ جُلُودُ قَيْسٍ وَالثِّيَابُ١٣٦
وَتَحْتَ رَبَابِهِ نَبَتُوا وَأَثُّوا
وَفِي أَيَّامِهِ كَثُرُوا وَطَابُوا١٣٧
وَتَحْتَ لِوَائِهِ ضَرَبُوا الْأَعَادِي
وَذَلَّ لَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ الصِّعَابُ١٣٨
وَلَوْ غَيْرُ الْأَمِيرِ غَزَا كِلَابًا
ثَنَاهُ عَنْ شُمُوسِهِمِ ضَبَابُ١٣٩
وَلَاقَى دُونَ ثَايهِمْ طِعَانًا
يُلَاقِي عِنْدَهُ الذِّئْبَ الْغُرَابُ١٤٠
وَخَيْلًا تَغْتَذِي رِيحَ الْمَوَامِي
وَيَكْفِيهَا مِنَ الْمَاءِ السَّرَابُ١٤١
وَلِكْن رَبُّهُمْ أَسْرَى إِلَيْهِمْ
فَمَا نَفَعَ الْوُقُوفُ وَلَا الذَّهَابُ١٤٢
وَلَا لَيْلٌ أَجَنَّ وَلَا نَهَارٌ
وَلَا خَيْلٌ حَمَلْنَ وَلَا رِكَابُ١٤٣
رَمَيْتَهُمُ بِبَحْرٍ مِنْ حَدِيدٍ
لَهُ فِي الْبَرِّ خَلْفَهُمُ عُبَابُ١٤٤
فَمَسَّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ
وَصَبَّحَهُمْ وَبُسْطُهُمُ تُرَابُ١٤٥
وَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ قَنَاةٌ
كَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ خِضَابُ١٤٦
بَنُو قَتْلَى أَبِيكَ بِأَرْضِ نَجْدٍ
وَمَنْ أَبْقَى وَأَبْقَتْهُ الْحِرَابُ١٤٧
عَفَا عَنْهُمْ وَأَعْتَقَهُمْ صِغَارَا
وَفِي أَعْنَاقِ أَكْثَرِهِمْ سِخَابُ١٤٨
وَكُلُّكُمُ أَتَى مَأْتَى أَبِيهِ
فَكُلُّ فَعَالِ كُلِّكُمُ عُجَابُ١٤٩
كَذَا فَلْيَسْرِ مَنْ طَلَبَ الْأَعَادِي
وَمِثْلَ سُرَاكَ فَلْيَكُنِ الطِّلَابُ١٥٠

وقال يرثي أخت سيف الدولة، وقد توفيت بميَّافارقين، وورد خبرها إلى الكوفة، فكتب أبو الطيب بهذه المرثية إليه من الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة:

يَا أُخْتَ خَيْرِ أَخٍ يَا بِنْتَ خَيْرِ أَبٍ
كِنَايَةً بِهِمَا عَنْ أَشْرَفِ النَّسَبِ١٥١
أُجِلُّ قَدْرَكِ أَنْ تُسْمَيْ مُؤَبَّنَةً
وَمَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ١٥٢
لَا يَمْلِكُ الطَّرِبُ الْمَحْزُونُ مَنْطِقَهُ
وَدَمْعَهُ وَهُمَا فِي قَبْضَةِ الطَّرَبِ١٥٣
غَدَرْتَ يَا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ
بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ١٥٤
وَكَمْ صَحِبَتْ أَخَاهَا فِي مُنَازَلَةٍ
وَكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَخِبِ١٥٥
طَوَى الْجَزِيرَةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ
فَزِعْتُ فِيهِ بِآمَالِي إِلَى الْكَذِبِ١٥٦
حَتَّى إِذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلًا
شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كَادَ يَشْرَقُ بِي١٥٧
تَعَثَّرَتْ بِهِ فِي الْأَفْوَاهِ أَلْسُنُهَا
وَالْبُرْدُ فِي الطُّرْقِ وَالْأَقْلَامُ فِي الْكُتُبِ١٥٨
كَأَنَّ فَعْلَةَ لَمْ تَمْلَأْ مَوَاكِبُهَا
دِيَارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ١٥٩
وَلَمْ تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍ
وَلَمْ تُغِثْ دَاعِيًا بِالْوَيْلِ وَالْحَرَبِ١٦٠
أَرَى الْعِرَاقَ طَوِيلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْ
فَكَيْفَ لَيْلُ فَتَى الْفِتْيَانِ فِي حَلَبِ١٦١
يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادِي غَيْرُ مُلْتَهِبٍ
وَأَنَّ دَمْعَ جُفُونِي غَيْرُ مُنْسَكِبِ١٦٢
بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُرَاعِيَةً
لِحُرْمَةِ الْمَجْدِ وَالْقُصَّادِ وَالْأَدَبِ١٦٣
وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْرُوثٍ خَلَائِقُهَا
وَإِنْ مَضَتْ يَدُهَا مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ١٦٤
وَهَمُّهَا فِي الْعُلَى وَالْمَجْدِ نَاشِئَةً
وَهَمُّ أَتْرَابِهَا فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ١٦٥
يَعْلَمْنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمِهَا
وَلَيْسَ يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ بِالشَّنَبِ١٦٦
مَسَرَّةٌ فِي قُلُوبِ الطِّيبِ مَفْرِقُهَا
وَحَسْرَةٌ فِي قُلُوبِ الْبِيضِ وَالْيَلَبِ١٦٧
إِذَا رَأَى وَرَآهَا رَأْسَ لَابِسِهِ
رَأَى الْمَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الرُّتَبِ١٦٨
وَإِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْ
كَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثَى الْعَقْلِ وَالْحَسَبِ١٦٩
وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الْغَلْبَاءُ عُنْصُرَهَا
فَإِنَّ فِي الْخَمْرِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْعِنَبِ١٧٠
فَلَيْتَ طَالِعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌ
وَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ١٧١
وَلَيْتَ عَيْنَ الَّتِي آبَ النَّهَارُ بِهَا
فِدَاءُ عَيْنِ الَّتِي زَالَتْ وَلَمْ تَؤُبِ١٧٢
فَمَا تَقَلَّدَ بِالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَا
وَلَا تَقَلَّدَ بِالْهِنْدِيَّةِ الْقُضُبِ١٧٣
وَلَا ذَكَرْتُ جَمِيلًا مِنْ صَنَائِعِهَا
إِلَّا بَكَيْتُ وَلَا وُدٌّ بِلَا سَبَبِ١٧٤
قَدْ كَانَ كُلُّ حِجَابٍ دُونَ رُؤْيَتِهَا
فَمَا قَنِعْتِ لَهَا يَا أَرْضُ بِالْحُجُبِ١٧٥
وَلَا رَأَيْتِ عُيُونَ الْإِنْسِ تُدْرِكُهَا
فَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْهَا أَعْيُنَ الشُّهُبِ١٧٦
وَهَلْ سَمِعْتِ سَلَامًا لِي أَلَمَّ بِهَا
فَقَدْ أَطَلْتُ وَمَا سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ١٧٧
وَكَيْفَ يَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتِي دُفِنَتْ
وَقَدْ يُقَصِّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الْغَيَبِ١٧٨
يَا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى الْقُلُوبِ بِهَا
وَقُلْ لِصَاحِبِهِ يَا أَنْفَعَ السُّحُبِ١٧٩
وَأَكْرَمَ النَّاسِ لَا مُسْتَثْنِيًا أَحَدًا
مِنَ الْكِرَامِ سِوَى آبَائِكَ النُّجُبِ١٨٠
قَدْ كَانَ قَاسَمَكَ الشَّخْصَيْنِ دَهْرُهُمَا
وَعَاشَ دُرُّهُمَا الْمَفْدِيُّ بِالذَّهَبِ١٨١
وَعَادَ فِي طَلَبِ الْمَتْرُوكِ تَارِكُهُ
إِنَّا لَنَغْفُلُ وَالْأَيَّامُ فِي الطَّلَبِ١٨٢
مَا كَانَ أَقْصَرَ وَقْتًا كَانَ بَيْنَهُمَا
كَأَنَّهُ الْوَقْتُ بَيْنَ الْوِرْدِ وَالْقَرَبِ١٨٣
جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْأَحْزَانِ مَغْفِرَةً
فَحُزْنُ كُلِّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الْغَضَبِ١٨٤
وَأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخُو نُفُوسُكُمُ
بِمَا يَهَبْنَ وَلَا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ١٨٥
حَلَلْتُمُ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلِّهِمِ
مَحَلَّ سُمْرِ الْقَنَا مِنْ سَائِرِ الْقَصَبِ١٨٦
فَلَا تَنَلْكَ اللَّيَالِي إِنَّ أَيْدِيَهَا
إِذَا ضَرَبْنَ كَسَرْنَ النَّبْعَ بِالْغَرَبِ١٨٧
وَلَا يُعِنَّ عَدُوًّا أَنْتَ قَاهِرُهُ
فَإِنَّهُنَّ يَصِدْنَ الصَّقْرَ بِالْخَرَبِ١٨٨
وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ فَجَعْنَ بِهِ
وَقَدْ أَتَيْنَكَ فِي الْحَالَيْنِ بِالْعَجَبِ١٨٩
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الْإِنْسَانُ غَايَتَهَا
وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ١٩٠
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْهَا لُبَانَتَهُ
وَلَا انْتَهَى أَرَبٌ إِلَّا إِلَى أَرَبِ١٩١
تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لَا اتِّفَاقَ لَهُمْ
إِلَّا عَلَى شَجَبٍ وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ١٩٢
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ الْمَرْءِ سَالِمَةً١٩٣
وَقِيلَ تَشْرَكُ جِسْمَ الْمَرْءِ فِي الْعَطَبِ
وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الدُّنْيَا وَمُهْجَتِهِ
أَقَامَهُ الْفِكْرُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالتَّعَبِ١٩٤
وأنفذ إليه سيف الدولة كتابًا بخطه إلى الكوفة يسأله المسير إليه، فأجابه بهذه الأبيات، وأنفذها إليه ميَّافارِقِين، وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة:١٩٥
فَهِمْتُ الْكِتَابَ أَبَرَّ الْكُتُبْ
فَسَمْعًا لِأَمْرِ أَمِيرِ الْعَرَبْ١٩٦
وَطَوْعًا لَهُ وَابْتِهَاجًا بِهِ
وَإِنْ قَصَّرَ الْفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ١٩٧
وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الْوُشَاةِ
وَإِنَّ الْوِشَايَاتِ طُرْقُ الْكَذِبْ١٩٨
وَتَكْثِيرِ قَوْمٍ وَتَقْلِيلِهِمْ
وَتَقْرِيبِهِمْ بَيْنَنَا وَالْخَبَبْ١٩٩
وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُ
وَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ وَالْحَسَبْ٢٠٠
وَمَا قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجَيـْ
ـنُ وَلَا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتِ الذَّهَبْ٢٠١
فَيَقْلَقَ مِنْهُ الْبَعِيدُ الْأَنَاةِ
وَيَغْضَبَ مِنْهُ الْبَطِيءُ الْغَضَبْ٢٠٢
وَمَا لَاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْ
وَلَا اعْتَضْتُ مِنْ رَبِّ نُعْمَاي رَبْ٢٠٣
وَمَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الْجَوَا
دِ أَنْكَرَ أَظْلَافَهُ وَالْغَبَبْ٢٠٤
وَمَا قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ الْبِلَادِ
فَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ بِمَنْ فِي حَلَبْ٢٠٥
وَلَوْ كُنْتُ سَمَّيْتُهُمْ بِاسْمِهِ
لَكَانَ الْحَدِيدَ وَكَانُوا الْخَشَبْ٢٠٦
أَفِي الرَّأيِ يُشْبَهُ أَمْ فِي السَّخَا
ءِ أَمْ فِي الشَّجَاعَةِ أَمْ فِي الْأَدَبْ٢٠٧
مُبَارَكُ الِاسْمِ أَغَرُّ اللَّقَبْ
كَرِيمُ الْجِرِشَّى شَرِيفُ النَّسَبْ٢٠٨
أَخُو الْحَرْبِ يُخْدِمُ مِمَّا سَبَى
قَنَاهُ وَيَخْلَعُ مِمَّا سَلَبْ٢٠٩
إِذَا حَازَ مَالًا فَقَدْ حَازَهُ
فَتًى لَا يُسَرُّ بِمَا لَا يَهَبْ٢١٠
وَإِنِّي لَأُتْبِعُ تَذْكَارَهُ
صَلَاةَ الْإِلَهِ وَسَقْيَ السُّحُبْ٢١١
وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِآلَائِهِ
وَأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ٢١٢
وَإِنْ فَارَقَتْنِي أَمْطَارُهُ
فَأَكْثَرُ غُدْرَانِهَا مَا نَضَبْ٢١٣
أَيَا سَيْفَ رَبِّكَ لَا خَلْقِهِ
وَيَا ذَا الْمَكَارِمِ لَا ذَا الشُّطَبْ٢١٤
وَأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةً
وَأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بِالرُّتَبْ٢١٥
وَأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطِّيَّةً
وَأَضْرَبَ مِنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ٢١٦
بِذَا اللَّفْظِ نَادَاكَ أَهْلُ الثُّغُورِ
فَلَبَّيْتَ وَالْهَامُ تَحْتَ الْقُضُبْ٢١٧
وَقَدْ يَئِسُوا مِنْ لَذِيذِ الْحَيَاةِ
فَعَيْنٌ تَغُورُ وَقَلْبٌ يَجِبْ٢١٨
وَغَرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الْعُدَا
ةِ أَنَّ عَلِيًّا ثَقِيلٌ وَصِبْ٢١٩
وَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُ
إِذَا هَمَّ وَهْوَ عَلِيلٌ رَكِبْ٢٢٠
أَتَاهُمْ بِأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْ
طِوَالَ السَّبِيبِ قِصَارَ الْعُسُبْ٢٢١
تَغِيبُ الشَّوَاهِقُ فِي جَيْشِهِ
وَتَبْدُو صِغَارًا إِذَا لَمْ تَغِبْ٢٢٢
وَلَا تَعْبُرُ الرِّيحُ فِي جَوِّهِ
إِذَا لَمْ تَخَطَّ الْقَنَا أَوْ تَثِبْ٢٢٣
فَغَرَّقَ مُدْنَهُمُ بِالْجُيُوشِ
وَأَخْفَتَ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّجَبْ٢٢٤
فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِبًا قَهْرَهُمْ
وَأَخْبِثْ بِهِ تَارِكًا مَا طَلَبْ٢٢٥
نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ بِاللِّقَاءِ
وَجِئْتَ فَقَاتَلَهُمْ بِالْهَرَبْ٢٢٦
وَكَانُوا لَهُ الْفَخْرَ لَمَّا أَتَى
وَكُنْتَ لَهُ الْعُذْرَ لَمَّا ذَهَبْ٢٢٧
سَبَقْتَ إِلَيْهِمْ مَنَايَاهُمُ
وَمَنْفَعَةُ الْغَوْثِ قَبْلَ الْعَطَبْ٢٢٨
فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّدًا
وَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدُوا لِلصُّلُبْ٢٢٩
وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بِالرَّدَى
وَكَشَّفْتَ مِنْ كُرَبٍ بِالْكُرَبْ٢٣٠
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِنْ يَعُدْ
يَعُدْ مَعَهُ الْمَلِكُ الْمُعْتَصِبْ٢٣١
وَيَسْتَنْصِرَانِ الَّذِي يَعْبُدَانِ
وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ قَدْ صُلِبْ٢٣٢
لِيَدْفَعَ مَا نَالَهُ عَنْهُمَا
فَيَا لَلرِّجَالِ لِهَذَا الْعَجَبْ٢٣٣
أَرَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِيـ
ـنَ إِمَّا لِعَجْزٍ وَإِمَّا رَهَبْ٢٣٤
وَأَنْتَ مَعَ اللهِ فِي جَانِبٍ
قَلِيلُ الرُّقَادِ كَثِيرُ التَّعَبْ٢٣٥
كَأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ
وَدَانَ الْبَرِيَّةُ بِابْنِ وَأَبْ٢٣٦
فَلَيْتَ سُيُوفَكَ فِي حَاسِدٍ
إِذَا مَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ كَئِبْ٢٣٧
وَلَيْتَ شَكَاتَكَ فِي جِسْمِهِ
وَلَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ وَحُبْ٢٣٨
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنـْ
ـكَ أَضْعَفَ حَظٍّ بِأَقْوَى سَبَبْ٢٣٩
وقال في صباه ارتجالًا، وقد عذله أبو سعيد المجَيْمري٢٤٠ على تركه لقاء الملوك:
أَبَا سَعِيدٍ جَنِّبِ الْعِتَابَا
فَرُبَّ رَائِي خَطَأٍ صَوَابَا٢٤١
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا الْحُجَّابَا
وَاسْتَوْقَفُوا لِرَدِّنَا الْبَوَّابَا٢٤٢
وَإِنَّ حَدَّ الصَّارِمِ الْقِرْضَابَا
وَالذَّابِلَاتِ السُّمْرَ وَالْعَرَابَا
يَرْفَعُ فِيمَا بَيْنَنَا الْحِجَابَا٢٤٣

وقال في صباه ارتجالًا لبعض الكلابيين وهم على شراب:

لِأَحِبَّتِي أَنْ يَمْلَئُوا
بِالصَّافِيَاتِ الْأَكْوُبَا٢٤٤
وَعَلَيْهِمِ أَنْ يَبْذُلُوا٢٤٥
وَعَليَّ أَنْ لَا أَشْرَبَا
حَتَّى تَكُونَ الْبَاتِرَا
تُ الْمُسْمِعَاتُ فَأَطْرَبَا٢٤٦
وقال يرثي محمد بن إسحاق التنوخي، وينفي الشماتة عن بني عمه:٢٤٧
لِأَيِّ صُرُوفِ الدَّهْرِ فِيهِ نُعَاتِبُ
وَأَيَّ رَزَايَاهُ بِوِتْرٍ نُطَالِبُ٢٤٨
مَضَى مَنْ فَقَدْنَا صَبْرَنَا عِنْدَ فَقْدِهِ
وَقَدْ كَانَ يُعْطِي الصَّبْرَ وَالصَّبْرُ عَازِبُ٢٤٩
يَزُورُ الْأَعَادِي فِي سَمَاءِ عَجَاجَةٍ
أَسِنَّتُهُ فِي جَانِبَيْهَا الْكَوَاكِبُ٢٥٠
فَتُسْفِرُ عَنْهُ وَالسُّيُوفُ كَأَنَّمَا
مَضَارِبُهَا مِمَّا انْفَلَلْنَ ضَرَائِبُ٢٥١
طَلَعْنَ شُمُوسًا وَالْغُمُودُ مَشَارِقُ
لَهُنَّ وَهَامَاتُ الرِّجَالِ مَغَارِبُ٢٥٢
مَصَائِبُ شَتَّى جُمِّعَتْ فِي مُصِيبَةٍ
وَلَمْ يَكْفِهَا حَتَّى قَفَتْهَا مَصَائِبُ٢٥٣
رَثَى ابْنَ أَبِينَا غَيْرُ ذِي رَحِمٍ لَهُ
فَبَاعَدَنَا مِنْهُ وَنَحْنُ الْأَقَارِبُ٢٥٤
وَعَرَّضَ أَنَّا شَامِتُونَ بِمَوْتِهِ
وَإِلَّا فَزَارَتْ عَارِضَيْهِ الْقَوَاضِبُ٢٥٥
أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنَّ بَيْنَ بَنِي أَبٍ
لِنَجْلِ يَهُودِيٍّ تَدِبُّ الْعَقَارِبُ٢٥٦
أَلَا إِنَّمَا كَانَتْ وَفَاةُ مُحَمَّدٍ
دَلِيلًا عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلهِ غَالِبُ٢٥٧

وقال يمدح المغيث بن عليِّ بن بشر العجلي:

دَمْعٌ جَرَى فَقَضَى فِي الرَّبْعِ مَا وَجَبَا
لِأَهْلِهِ وَشَفَى أَنَّى وَلَا كَرَبَا٢٥٨
عُجْنَا فَأَذْهَبَ مَا أَبْقَى الْفِرَاقُ لَنَا
مِنَ الْعُقُولِ وَمَا رَدَّ الَّذِي ذَهَبَا٢٥٩
سَقَيْتُهُ عَبَرَاتٍ ظَنَّهَا مَطَرًا
سَوَائِلًا مِنْ جُفُونٍ ظَنَّهَا سُحُبَا٢٦٠
دَارُ الْمُلِمِّ لَهَا طَيْفٌ تَهَدَّدَنِي
لَيْلًا فَمَا صَدَقَتْ عَيْنِي وَلَا كَذَبَا٢٦١
نَاءَيْتُهُ فَدَنَا أَدْنَيْتُهُ فَنَأَى
جَمَّشْتُهُ فَنَبَا قَبَّلْتُهُ فَأَبَى٢٦٢
هَامَ الْفُؤَادُ بِأَعْرَابِيَّةٍ سَكَنَتْ
بَيْتًا مِنَ الْقَلْبِ لَمْ تَمْدُدْ لَهُ طُنُبَا٢٦٣
مَظْلُومَةُ الْقَدِّ فِي تَشْبِيهِهِ غُصُنًا
مَظْلُومَةُ الرِّيقِ فِي تَشْبِيهِهِ ضَرَبَا٢٦٤
بَيْضَاءُ تُطْمِعُ فِيمَا تَحْتَ حُلَّتِهَا
وَعَزَّ ذَلِكَ مَطْلُوبًا إِذَا طُلِبَا٢٦٥
كَأَنَّهَا الشَّمْسُ يُعْيِي كَفَّ قَابِضِهِ
شُعَاعُهَا وَيَرَاهُ الطَّرْفُ مُقْتَرِبَا٢٦٦
مَرَّتْ بِنَا بَيْنَ تِرْبَيْهَا فَقُلْتُ لَهَا
مِنْ أَيْنَ جَانَسَ هَذَا الشَّادِنُ الْعَرَبَا٢٦٧
فَاسْتَضْحَكَتْ ثُمَّ قَالَتْ كَالْمُغِيثِ يُرَى
لَيْثَ الشَّرَى وَهْوَ مِنْ عِجْلٍ إِذَا انْتَسَبَا٢٦٨
جَاءَتْ بِأَشْجَعَ مَنْ يُسْمَى وَأَسْمَحَ مَنْ
أَعْطَى وَأَبْلَغَ مَنْ أَمْلَى وَمَنْ كَتَبَا٢٦٩
لَوْ حَلَّ خَاطِرُهُ فِي مُقْعَدٍ لَمَشَى
أَوْ جَاهِلٍ لَصَحَا أَوْ أَخْرَسٍ خَطَبَا٢٧٠
إِذَا بَدَا حَجَبَتْ عَيْنَيْكَ هَيْبَتُهُ
وَلَيْسَ يَحْجُبُهُ سِتْرٌ إِذَا احْتَجَبَا٢٧١
بَيَاضُ وَجْهٍ يُرِيكَ الشَّمْسَ حَالِكَةً
وَدُرُّ لَفْظٍ يُرِيكَ الدُّرَّ مَخْشَلَبَا٢٧٢
وَسَيْفُ عَزْمٍ تَرُدُّ السَّيْفَ هِبَّتُهُ
رَطْبَ الْغِرَارِ مِنَ التَّأْمُورِ مُخْتَضِبَا٢٧٣
عُمْرُ الْعَدُوِّ إِذَا لَاقَاهُ فِي رَهَجٍ
أَقَلُّ مِنْ عُمْرِ مَا يَحْوِي إِذَا وَهَبَا٢٧٤
تَوَقَّهُ فَمَتَى مَا شِئْتَ تَبْلُوَهُ
فَكُنْ مُعَادِيَهُ أَوْ كُنْ لَهُ نَشَبَا٢٧٥
تَحْلُو مَذَاقَتُهُ حَتَّى إِذَا غَضِبَا
حَالَتْ فَلَوْ قَطَرَتْ فِي الْمَاءِ مَا شُرِبَا٢٧٦
وَتَغْبِطُ الْأَرْضُ مِنْهَا حَيْثُ حَلَّ بِهِ
وَتَحْسُدُ الْخَيْلُ مِنْهَا أَيَّهَا رَكِبَا٢٧٧
وَلَا يَرُدُّ بِفِيهِ كَفَّ سَائِلِهِ
عَنْ نَفْسِهِ وَيَرُدُّ الْجَحْفَلَ اللَّجِبَا٢٧٨
وَكُلَّمَا لَقِيَ الدِّينَارُ صَاحِبَهُ
فِي مُلْكِهِ افْتَرَقَا مِنْ قَبْلِ يَصْطَحِبَا٢٧٩
مَالٌ كَأَنَّ غُرَابَ الْبَيْنِ يَرْقُبُهُ
فَكُلَّمَا قِيلَ هَذَا مُجْتَدٍ نَعَبَا٢٨٠
بَحْرٌ عَجَائِبُهُ لَمْ تُبْقِ فِي سَمَرٍ
وَلَا عَجَائِبِ بَحْرٍ بَعْدَهَا عَجَبَا٢٨١
لَا يُقْنِعُ ابْنَ عَلِيٍّ نَيْلُ مَنْزِلَةٍ
يَشْكُو مُحَاوِلُهَا التَّقْصِيرَ وَالْتَّعَبَا٢٨٢
هَزَّ اللِّوَاءَ بَنُو عِجْلٍ بِهِ فَغَدَا
رَأْسًا لَهُمْ وَغَدَا كُلٌّ لَهُمْ ذَنَبَا٢٨٣
التَّارِكِينَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَهْوَنَهَا
وَالرَّاكِبِينَ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا صَعُبَا٢٨٤
مُبَرْقِعِي خَيْلِهِمْ بِالْبِيضِ مُتَّخِذِي
هَامِ الْكُمَاةِ عَلَى أَرْمَاحِهِمْ عَذَبَا٢٨٥
إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَوْ لَاقَتْهُمُ وَقَفَتْ
خَرْقَاءَ تَتَّهِمُ الْإِقْدَامَ وَالْهَرَبَا٢٨٦
مَرَاتِبٌ صَعِدَتْ وَالْفِكْرُ يَتْبَعُهَا
فَجَازَ وَهْوَ عَلَى آثَارِهَا الشُّهُبَا٢٨٧
مَحَامِدٌ نَزَفَتْ شِعْرِي لِيَمْلَأَهَا
فَآلَ مَا امْتَلَأَتْ مِنْهُ وَلَا نَضَبَا٢٨٨
مَكَارِمٌ لَكَ فُتَّ الْعَالَمِينَ بِهَا
مَنْ يَسْتَطِيعُ لِأَمْرٍ فَائِتٍ طَلَبَا٢٨٩
لَمَّا أَقَمْتَ بِإِنْطَاكِيَّةَ اخْتَلَفَتْ
إِلَيَّ بِالْخَبَرِ الرُّكْبَانُ فِي حَلَبَا٢٩٠
فَسِرْتُ نَحْوَكَ لَا أَلْوِي عَلَى أَحَدٍ
أَحُثُّ رَاحِلَتِيَّ الْفَقْرَ وَالْأَدَبَا٢٩١
أَذَاقَنِي زَمَنِي بَلْوَى شَرِقْتُ بِهَا
لَو ذَاقَهَا لَبَكَى مَا عَاشَ وَانْتَحَبَا٢٩٢
وَإِنْ عَمَرْتُ جَعَلْتُ الْحَرْبَ وَالِدَةً
وَالسَّمْهَرِيَّ أَخًا وَالْمَشْرَفِيَّ أَبَا٢٩٣
بِكُلِّ أَشْعَثَ يَلْقَى الْمَوْتَ مُبْتَسِمًا
حَتَّى كَأَنَّ لَهُ فِي قَتْلِهِ أَرَبَا٢٩٤
قُحٍّ يَكَادُ صَهِيلُ الْخَيْلِ يَقْذِفُهُ
٢٩٥ عَنْ سَرْجِهِ مَرَحًا بِالْغَزْوِ أَوْ طَرَبَا
فَالْمَوْتُ أَعْذَرُ لِي وَالصَّبْرُ أَجْمَلُ بِي
وَالْبَرُّ أَوْسَعُ وَالدُّنْيَا لِمَنْ غَلَبَا٢٩٦
وقال يمدح علي بن منصور الحاجب:٢٩٧
بِأَبِي الشُّمُوسُ الْجَانِحَاتُ غَوَارِبَا
اللَّابِسَاتُ مِنَ الْحَرِيرِ جَلَابِبَا٢٩٨
الْمُنْهِبَاتُ قُلُوبَنَا وَعُقُولَنَا
وَجَنَاتِهِنَّ النَّاهِبَاتِ النَّاهِبَا٢٩٩
النَّاعِمَاتُ الْقَاتِلَاتُ الْمُحْيِيَا
تُ الْمُبْدِيَاتُ مِنَ الدَّلَالِ غَرَائِبَا٣٠٠
حَاوَلْنَ تَفْدِيَتِي وَخِفْنَ مُرَاقِبًا
فَوَضَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فَوْقَ تَرَائِبَا٣٠١
وَبَسَمْنَ عَنْ بَرَدٍ خَشِيتُ أُذِيبَهُ
مِنْ حَرِّ أَنْفَاسِي فَكُنْتُ الذَّائِبَا٣٠٢
يَا حَبَّذَا الْمُتَحَمِّلُونَ وَحَبَّذَا
وَادٍ لَثَمْتُ بِهِ الْغَزَالَةَ كَاعِبَا٣٠٣
كَيْفَ الرَّجَاءُ مِنَ الْخُطُوبِ تَخَلُّصًا
مِنْ بَعْدِ مَا أَنْشَبْنَ فِيَّ مَخَالِبَا٣٠٤
أَوْحَدْنَنِي وَوَجَدْنَ حُزْنًا وَاحِدًا
مُتَنَاهِيًا فَجَعَلْنَهُ لِيَ صَاحِبَا٣٠٥
وَنَصَبْنَنِي غَرَضَ الرُّمَاةِ تُصِيبُنِي
مِحَنٌ أَحَدُّ مِنَ السُّيُوفِ مَضَارِبَا٣٠٦
أَظْمَتْنِيَ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُهَا
مُسْتَسْقِيًا مَطَرَتْ عَلَيَّ مَصَائِبَا٣٠٧
وَحُبِيتُ مِنْ خُوصِ الرِّكَابِ بِأَسْوَدٍ
مِنْ دَارِشٍ فَغَدَوْتُ أَمْشِي رَاكِبَا٣٠٨
حَالٌ مَتَى عَلِمَ ابْنُ مَنْصُورٍ بِهَا
جَاءَ الزَّمَانُ إِلَيَّ مِنْهَا تَائِبَا٣٠٩
مَلِكٌ سِنَانُ قَنَاتِهِ وَبَنَانُهُ
يَتَبَارَيَانِ دَمًا وَعُرْفًا سَاكِبَا٣١٠
يَسْتَصْغِرُ الْخَطَرَ الْكَبِيرَ لِوَفْدِهِ
وَيَظُنُّ دِجْلَةَ لَيْسَ تَكْفِي شَارِبَا٣١١
كَرَمًا فَلَوْ حَدَّثْتَهُ عَنْ نَفْسِهِ
بِعَظِيمِ مَا صَنَعَتْ لَظَنَّكَ كَاذِبَا٣١٢
سَلْ عَنْ شَجَاعَتِهِ وَزُرْهُ مُسَالِمًا
وَحَذَارِ ثُمَّ حَذَارِ مِنْهُ مُحَارِبَا٣١٣
فَالْمَوْتُ تُعْرَفُ بِالصِّفَاتِ طِبَاعُهُ
لَمْ تَلْقَ خَلْقًا ذَاقَ مَوْتًا آيِبَا٣١٤
إِنْ تَلْقَهُ لَا تَلْقَ إِلَّا قَسْطَلًا
أَوْ جَحْفَلًا أَوْ طَاعِنًا أَوْ ضَارِبَا٣١٥
أَوْ هَارِبًا أَوْ طَالِبًا أَوْ رَاغِبًا
أَوْ رَاهِبًا أَوْ هَالِكًا أَوْ نَادِبَا٣١٦
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى الْجِبَالِ رَأَيْتَهَا
فَوْقَ السُّهُولِ عَوَاسِلًا وَقَوَاضِبَا٣١٧
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى السُّهُولِ رَأَيْتَهَا
تَحْتَ الْجِبَالِ فَوَارِسًا وَجَنَائِبَا٣١٨
وَعَجَاجَةً تَرَكَ الْحَدِيدُ سَوَادَهَا
زِنْجًا تَبَسَّمُ أَوْ قَذَالًا شَائِبَا٣١٩
فَكَأَنَّمَا كُسِيَ النَّهَارُ بِهَا دُجَى
لَيْلٍ وَأَطْلَعَتِ الرِّمَاحُ كَوَاكِبَا٣٢٠
قَدْ عَسْكَرَتْ مَعَهَا الرَّزَايَا عَسْكَرًا
وَتَكَتَّبَتْ فِيهَا الرِّجَالُ كَتَائِبَا٣٢١
أُسُدٌ فَرَائِسُهَا الْأُسُودُ يَقُودُهَا
أَسَدٌ تَصِيرُ لَهُ الْأُسُودُ ثَعَالِبَا
فِي رُتْبَةٍ حَجَبَ الْوَرَى عَنْ نَيْلِهَا
وَعَلَا فَسَمَّوْهُ عَلِيَّ الْحَاجِبَا٣٢٢
وَدَعَوْهُ مِنْ فَرْطِ السَّخَاءِ مُبَذِّرًا
وَدَعَوْهُ مِنْ غَصْبٍ النُّفُوسِ الْغَاصِبَا
هَذَا الَّذِي أَفْنَى النُّضَارَ مَوَاهِبًا
وَعِدَاهُ قَتْلًا وَالزَّمَانَ تَجَارِبَا٣٢٣
وَمُخَيِّبُ الْعُذَّالِ فِيمَا أَمَّلُوا
مِنْهُ وَلَيْسَ يَرُدُّ كَفًّا خَائِبَا٣٢٤
هَذَا الَّذِي أَبْصَرْتُ مِنْهُ حَاضِرًا
مِثْلُ الَّذِي أَبْصَرْتُ مِنْهُ غَائِبَا٣٢٥
كَالْبَدْرِ مِنْ حَيْثُ الْتَفَتَّ رَأَيْتَهُ
يُهْدِي إِلَى عَيْنَيْكَ نُورًا ثَاقِبَا٣٢٦
كَالْبَحْرِ يَقْذِفُ لِلْقَرِيبِ جَوَاهِرًا
جُودًا وَيَبْعَثُ لِلْبَعِدِ سَحَائِبَا
كَالشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَضَوْءُهَا
يَغْشَى الْبِلَادَ مَشَارِقًا وَمَغَارِبَا
أَمُهَجِّنَ الْكُرَمَاءِ وَالْمُزْرِي بِهِمْ
وَتَرُوكَ كُلِّ كَرِيمِ قَوْمٍ عَاتِبَا٣٢٧
شَادُوا مَنَاقِبَهُمْ وَشِدْتَ مَنَاقِبًا
وُجِدَتْ مَنَاقِبُهُمْ بِهِنَّ مَثَالِبَا٣٢٨
لَبَّيْكَ غَيْظَ الْحَاسِدِينَ الرَّاتِبَا
إِنَّا لَنَخْبُرُ مِنْ يَدَيْكَ عَجَائِبَا٣٢٩
تَدْبِيرُ ذِي حُنَكٍ يُفَكِّرُ فِي غَدٍ
وَهُجُومُ غِرٍّ لَا يَخَافُ عَوَاقِبَا٣٣٠
وَعَطَاءُ مَالٍ لَوْ عَدَاهُ طَالِبٌ
أَنْفَقْتَهُ فِي أَنْ تُلَاقِيَ طَالِبَا٣٣١
خُذْ مِنْ ثَنَايَ عَلَيْكَ مَا أَسْطِيعُهُ
لَا تُلْزِمَنِّي فِي الثَّنَاءِ الْوَاجِبَا٣٣٢
فَلَقَدْ دَهِشْتُ لِمَا فَعَلْتُ وَدُونَهُ
مَا يُدْهِشُ الْمَلَكَ الْحَفِيظَ الْكَاتِبَا٣٣٣

وقال يمدح بدر بن عمار ارتجالًا، وهو على الشراب والفاكهة والنرجس حوله:

إِنَّمَا بَدْرُ بْنُ عَمَّارٍ سَحَابُ
هَطِلٌ فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابُ٣٣٤
إِنَّمَا بَدْرٌ رَزَايَا وَعَطَايَا
وَمَنَايَا وَطِعَانٌ وَضِرَابُ٣٣٥
مَا يُجِيلُ الطَّرْفَ إِلَّا حَمِدَتْهُ
جُهْدَهَا الْأَيْدِي وَذَمَّتْهُ الرِّقَابُ٣٣٦
مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيهِ وَلَكِنْ
يَتَّقِي إِخْلَافَ مَا تَرْجُو الذِّئَابُ٣٣٧
فَلَهُ هَيْبَةُ مَنْ لَا يُتَرَجَّى
وَلَهُ جُودُ مُرَجًّى لَا يُهَابُ٣٣٨
طَاعِنُ الْفُرْسَانِ فِي الْأَحْدَاقِ شَزْرًا
وَعَجَاجُ الْحَرْبِ لِلشَّمْسِ نِقَابُ٣٣٩
بَاعِثُ النَّفْسِ عَلَى الْهَوْلِ الَّذِي لَيـْ
ـسَ لِنَفْسٍ وَقَعَتْ فِيهِ إِيَابُ٣٤٠
بِأَبِي رِيحُكَ لَا نَرْجِسُنَا ذَا
وَأَحادِيثُكَ لَا هَذَا الشَّرَابُ٣٤١
لَيْسَ بِالْمُنْكَرِ إِنْ بَرَّزْتَ سَبْقًا
غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنِ السَّبْقِ الْعِرَابُ٣٤٢

وجلس بدر بن عمار يلعب بالشطرنج، وقد كثر المطر، فقال أبو الطيب:

أَلَمْ تَرَ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُرَجَّى
عَجَائِبَ مَا رَأَيْتُ مِنَ السَّحَابِ
تَشَكَّى الْأَرْضُ غَيْبَتَهُ إِلَيْهِ
وَتَرْشُفُ مَاءَهُ رَشْفَ الرُّضَابِ؟٣٤٣
وَأُوهِمُ أَنَّ فِي الشِّطْرَنْجِ هَمِّي
وَفِيكَ تَأَمُّلِي وَلَكَ انْتِصَابِي٣٤٤
سَأَمْضِي وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ مِنِّي
مَغِيبِي لَيْلَتِي وَغَدًا إِيَابِي٣٤٥

وقال في لعبةٍ أُحضرت مجلس بدر على صورة جارية، وأديرت فوقفت حذاء بدر رافعة رجلها، وكانت ترقص بحركات:

يَا ذَا الْمَعَالِي وَمَعْدِنَ الْأَدَبِ
سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِ الْعَرَبِ
أَنْتَ عَلِيمٌ بِكُلِّ مُعْجِزَةٍ
وَلَوْ سَأَلْنَا سِوَاكَ لَمْ يُجِبِ٣٤٦
أَهَذِه قَابَلَتْكَ رَاقِصَةً
أَمْ رَفَعَتْ رِجْلَهَا مِنَ التَّعَبِ؟

وقال يمدح علي بن محمد بن سيار بن مُكرَم التميمي، وكان يحب الرمي بالنشاب ويتعاطاه، وكان له وكيل يتعرض للشعر، فأنفذه إلى أبي الطيب يناشده، فتلقاه وأجلسه في مجلسه، ثم كتب إلى عليٍّ يقول:

ضُرُوبُ النَّاسِ عُشَّاقٌ ضُرُوبَا
فَأَعْذَرُهُمْ أَشَفُّهُمُ حَبِيبَا٣٤٧
وَمَا سَكَنِي سِوَى قَتْلِ الْأَعَادِي
فَهَلْ مِنْ زَوْرَةٍ تَشْفِي الْقُلُوبَا؟٣٤٨
تَظَلُّ الطَّيْرُ مِنْهَا فِي حَدِيثٍ
تَرُدُّ بِهِ الصَّرَاصِرَ وَالنَّعِيبَا٣٤٩
وَقَدْ لَبِسَتْ دِمَاءَهُمُ عَلَيْهِمْ
حِدَادًا لَمْ تَشُقَّ لَهَا جُيُوبَا٣٥٠
أَدَمْنَا طَعْنَهُمْ وَالْقَتْلَ حَتَّى
خَلَطْنَا فِي عِظَامِهِمِ الْكُعُوبَا٣٥١
كَأَنَّ خُيُولَنَا كَانَتْ قَدِيمًا
تُسَقَّى فِي قُحُوفِهِمِ الْحَلِيبَا٣٥٢
فَمَرَّتْ غَيْرَ نَافِرَةٍ عَلَيْهِمْ
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبَا٣٥٣
يُقَدِّمُهَا وَقَدْ خُضِبَتْ شَوَاهَا
فَتًى تَرْمِي الْحُرُوبُ بِهِ الْحُرُوبَا٣٥٤
شَدِيدُ الْخُنْزُوَانَةِ لَا يُبَالِي
أَصَابَ إِذَا تَنَمَّرَ أَمْ أُصِيبَا٣٥٥
أَعَزْمِي طَالَ هَذَا اللَّيْلُ فَانْظُرْ
أَمِنْكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أَنْ يَئُوبَا؟٣٥٦
كَأَنَّ الْفَجْرَ حِبٌّ مُسْتَزَارٌ
يُرَاعِي مِنْ دُجُنَّتِهِ رَقِيبَا٣٥٧
كَأَنَّ نُجُومَهُ حَلْيٌ عَلَيْهِ
وَقَدْ حُذِيَتْ قَوَائِمُهُ الْجَبُوبَا٣٥٨
كَأَنَّ الْجَوَّ قَاسَى مَا أُقَاسِي
فَصَارَ سَوَادُهُ فِيهِ شُحُوبَا٣٥٩
كَأَنَّ دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادِي
فَلَيْسَ تَغِيبُ إِلَّا أَنْ يَغِيبَا٣٦٠
أُقَلِّبُ فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي
أَعُدُّ بِهِ عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا٣٦١
وَمَا لَيْلٌ بِأَطْوَلَ مِنْ نَهَارٍ
يَظَلُّ بِلَحْظِ حُسَّادِي مَشُوبَا٣٦٢
وَمَا مَوْتٌ بِأَبْغَضَ مِنْ حَيَاةٍ
أَرَى لَهُمُ مَعِي فِيهَا نَصِيبَا٣٦٣
عَرَفْتُ نَوَائِبَ الْحَدَثَانِ حَتَّى
لَوِ انْتَسَبَتْ لَكُنْتُ لَهَا نَقِيبَا٣٦٤
وَلَمَّا قَلَّتِ الْإِبِلُ امْتَطَيْنَا
إِلَى ابْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخُطُوبَا٣٦٥
مَطَايَا لَا تَذِلُّ لِمَنْ عَلَيْهَا
وَلَا يَبْغِي لَهَا أَحَدٌ رُكُوبَا٣٦٦
وَتَرْتَعُ دُونَ نَبْتِ الْأَرْضِ فِينَا
فَمَا فَارَقْتُهَا إِلَّا جَدِيبَا٣٦٧
إِلَى ذِي شِيمَةٍ شَعَفَتْ فُؤَادِي
فَلَوْلَاهُ لَقُلْتُ بِهَا النَّسِيبَا٣٦٨
تُنَازِعُنِي هَوَاهَا كُلُّ نَفْسٍ
وَإِنْ لَمْ تُشْبِهِ الرَّشَأَ الرَّبِيبَا٣٦٩
عَجِيبٌ فِي الزَّمَانِ وَمَا عَجِيبٌ
أَتَى مِنْ آلِ سَيَّارٍ عَجِيبَا٣٧٠
وَشَيْخٌ فِي الشَّبَابِ وَلَيْسَ شَيْخًا
يُسَمَّى كُلُّ مَنْ بَلَغَ الْمَشِيبَا٣٧١
قَسَا فَالْأُسْدُ تَفْزَعُ مِنْ قُوَاهُ
وَرَقَّ فَنَحْنُ نَفْزَعُ أَنْ يَذُوبَا٣٧٢
أَشَدُّ مِنَ الرِّيَاحِ الْهُوجِ بَطْشًا
وَأَسْرَعُ فِي النَّدَى مِنْهَا هُبُوبَا٣٧٣
وَقَالُوا ذَاكَ أَرْمَى مَنْ رَأَيْنَا
فَقُلْتُ رَأَيْتُمُ الْغَرَضَ الْقَرِيبَا٣٧٤
وَهَلْ يُخْطِي بِأَسْهُمِهِ الرَّمَايَا
وَمَا يُخْطِي بِمَا ظَنَّ الْغُيُوبَا٣٧٥
إِذَا نُكِبَتْ كِنَانَتُهُ اسْتَبَنَّا
بِأَنْصُلِهَا لِأَنْصُلِهَا نُدُوبَا٣٧٦
يُصِيبُ بِبَعْضِهَا أَفْوَاقَ بَعْضٍ
فَلَوْلَا الْكَسْرُ لَاتَّصَلَتْ قَضِيبَا٣٧٧
بِكُلِّ مُقَوَّمٍ لَمْ يَعْصِ أَمْرًا
لَهُ حَتَّى ظَنَنَّاهُ لَبِيبَا٣٧٨
يُرِيكَ النَّزْعُ بَيْنَ الْقَوْسِ مِنْهُ
وَبَيْنَ رَمِيِّهِ الْهَدَفَ الْمَهِيبَا٣٧٩
أَلَسْتَ ابْنَ الْأُلَى سَعِدُوا وَسَادُوا
وَلَمْ يَلِدُوا امْرَأً إِلَّا نَجِيبَا٣٨٠
وَنَالُوا مَا اشْتَهَوْا بِالْحَزْمِ هَوْنًا
وَصَادَ الْوَحْشَ نَمْلُهُمُ دَبِيبَا٣٨١
وَمَا رِيحُ الرِّيَاضِ لَهَا وَلَكِنْ
كَسَاهَا دَفْنُهُمْ فِي التُّرْبِ طِيبَا٣٨٢
أَيَا مَنْ عَادَ رُوحُ الْمَجْدِ فِيهِ
وَعَادَ زَمَانُهُ التَّالِي قَشِيبَا٣٨٣
تَيَمَّمَنِي وَكِلُكَ مَادِحًا لِي
وَأَنْشَدَنِي مِنَ الشِّعْرِ الْغَرِيبَا٣٨٤
فَآجَرَكَ الْإِلَهُ عَلَى عَلِيلٍ
بَعَثْتَ إِلَى الْمَسِيحِ بِهِ طَبِيبَا٣٨٥
وَلَسْتُ بِمُنْكِرٍ مِنْكَ الْهَدَايَا
وَلَكِنْ زِدْتَنِي فِيهَا أَدِيبَا
فَلَا زَالَتْ دِيَارُكَ مُشْرِقَاتٍ
وَلَا دَانَيْتَ يَا شَمْسُ الْغُرُوبَا٣٨٦
لِأُصْبِحَ آمِنًا فِيكَ الرَّزَايَا
كَمَا أَنَا آمِنٌ فِيكَ الْعُيُوبَا٣٨٧

وقال يصف مجلسين لأبي محمد الحسن بن عبد الله بن طُغْج، قد انزوى أحدهما عن الآخر ليُرَى من كل واحد منهما ما لا يُرى من صاحبه:

الْمَجْلِسَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا
مُقَابِلَانِ وَلَكِنْ أَحْسَنَا الْأَدَبَا٣٨٨
إِذَا صَعِدْتَ إِلَى ذَا، مَال ذَا رَهَبًا
وَإِنْ صَعِدْتَ إِلَى ذَا، مَالَ ذَا رَهَبَا٣٨٩
فَلِمْ يَهَابُكَ مَا لَا حِسَّ يَرْدَعُهُ
إِنِّي لَأُبْصِرُ مِنْ شَأْنَيْهِمَا عَجَبَا٣٩٠

وقال، وقد استقل في القبة، ونظر إلى السحاب:

تَعَرَّضَ لِي السَّحَابُ وَقَدْ قَفَلْنَا
فَقُلْتُ إِلَيْكَ إِنَّ مَعِي السَّحَابَا٣٩١
فَشِمْ فِي الْقُبَّةِ الْمَلِكَ الْمُرَجَّى
فَأَمْسَكَ بَعْدَمَا عَزَمَ انْسِكَابَا٣٩٢

وأشار إليه طاهر العلوي بمسك وأبو محمد حاضر فقال:

الطِّيبُ مِمَّا غَنِيتُ عَنْهُ
كَفَى بِقُرْبِ الْأَمِيرِ طِيبَا
يَبْنِي بِهِ رَبُّنَا الْمَعَالِي
كَمَا بِكُمْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَا٣٩٣

وقال، وقد استحسن عين باز في مجلسه:

أَيَا مَا أُحَيْسِنَهَا مُقْلَةً
وَلَوْلَا الْمِلَاحَةُ لَمْ أَعْجَبِ٣٩٤
خَلُوقِيَّةٌ فِي خَلُوقِيِّهَا
سُوَيْدَاءُ مِنْ عِنَبِ الثَّعْلَبِ٣٩٥
إِذَا نَظَرَ الْبَازُ فِي عِطْفِهِ
كَسَتْهُ شُعَاعًا عَلَى الْمَنْكِبِ٣٩٦
وقال يمدح أبا القاسم طاهر بن الحسين العلوي:٣٩٧
أَعِيدُوا صَبَاحِي فَهْوَ عِنْدَ الْكَوَاعِبِ
وَرُدُّوا رُقَادِي فَهْوَ لَحْظُ الْحَبَائِبِ٣٩٨
فَإِنَّ نَهَارِي لَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ
عَلَى مُقْلَةٍ مِنْ بَعْدِكُمْ فِي غَيَاهِبِ٣٩٩
بَعِيدَةِ مَا بَيْنَ الْجُفُونِ كَأَنَّمَا
عَقَدْتُمْ أَعَالِي كُلِّ هُدْبٍ بِحَاجِبِ٤٠٠
وَأَحْسَبُ أَنِّي لَوْ هَوِيتُ فِرَاقَكُمْ
لَفَارَقْتُهُ وَالدَّهْرُ أَخْبَثُ صَاحِبِ٤٠١
فَيَا لَيْتَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَحِبَّتِي
مِنَ الْبُعْدِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَصَائِبِ٤٠٢
أَرَاكِ ظَنَنْتِ السِّلْكَ جِسْمِي فَعُقْتِهِ
عَلَيْكِ بِدُرٍّ عَنْ لِقَاءِ التَّرَائِبِ٤٠٣
وَلَوْ قَلَمٌ أُلْقِيتُ فِي شَقِّ رَأْسِهِ
مِنَ السُّقْمِ مَا غَيَّرْتُ مِنْ خَطِّ كَاتِبِ٤٠٤
تُخَوِّفُنِي دُونَ الَّذِي أَمَرَتْ بِهِ
وَلَمْ تَدْرِ أَنَّ الْعَارَ شَرُّ الْعَوَاقِبِ٤٠٥
وَلَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ
يَطُولُ اسْتِمَاعِي بَعْدَهُ لِلنَّوَادِبِ٤٠٦
يَهُونُ عَلَى مِثْلِي إِذَا رَامَ حَاجَةً
وُقُوعُ الْعَوَالِي دُونَهَا وَالْقَوَاضِبِ٤٠٧
كَثِيرُ حَيَاةِ الْمَرْءِ مِثْلُ قَلِيلِهَا
يَزُولُ وَبَاقِي عَيْشِهِ مِثْلُ ذَاهِبِ٤٠٨
إِلَيْكِ فَإِنِّي لَسْتُ مِمَّنْ إِذَا اتَّقَى
عِضَاضَ الْأَفَاعِي نَامَ فَوْقَ الْعَقَارِبِ٤٠٩
أَتَانِي وَعِيدُ الْأَدْعِيَاءِ وَأَنَّهُمْ
أَعَدُّوا لِيَ السُّودَانَ فِي كَفْرِ عَاقِبِ٤١٠
وَلَوْ صَدَقُوا فِي جَدِّهِمْ لَحَذِرْتُهُمْ
فَهَلْ فِيَّ وَحْدِي قَوْلُهُمْ غَيْرُ كَاذِبِ٤١١
إِلَيَّ لَعَمْرِي قَصْدُ كُلِّ عَجِيبَةٍ
كَأَنِّي عَجِيبٌ فِي عُيُونِ الْعَجَائِبِ٤١٢
بِأَيِّ بِلَادٍ لَمْ أَجُرَّ ذُؤَابَتِي
وَأَيُّ مَكَانٍ لَمْ تَطَأْهُ رَكَائِبِي٤١٣
كَأَنَّ رَحِيلِي كَانَ مِنْ كَفِّ طَاهِرٍ
فَأَثْبَتَ كُورِي فِي ظُهُورِ الْمَوَاهِبِ٤١٤
فَلَمْ يَبْقَ خَلْقٌ لَمْ يَرِدْنَ فِنَاءَهُ
وَهُنَّ لَهُ شِرْبٌ وُرُودَ الْمَشَارِبِ٤١٥
فَتًى عَلَّمَتْهُ نَفْسُهُ وَجُدُودُهُ
قِرَاعَ الْأَعَادِي وَابْتِذَالَ الرَّغَائِبِ٤١٦
فَقَدْ غَيَّبَ الشُّهَّادَ عَنْ كُلِّ مَوْطِنٍ
وَرَدَّ إِلَى أَوْطَانِهِ كُلَّ غَائِبِ٤١٧
كَذَا الْفَاطِمِيُّونَ النَّدَى فِي بَنَانِهِمْ
أَعَزُّ امِّحَاءً مِنْ خُطُوطِ الرَّوَاجِبِ٤١٨
أُنَاس إِذَا لَاقَوْا عِدًى فَكَأَنَّمَا
سِلَاحُ الَّذِي لَاقَوْا غُبَارُ السَّلَاهِبِ٤١٩
رَمَوْا بِنَواصِيهَا الْقِسِيَّ فَجِئْنَهَا
دَوَامِي الْهَوَادِي سَالِمَاتِ الْجَوَانِبِ٤٢٠
أُولَئِكَ أَحْلَى مِنْ حَيَاةٍ مُعَادَةٍ
وَأَكْثَرُ ذِكْرًا مِنْ دُهُورِ الشَّبَائِبِ٤٢١
نَصَرْتَ عَلِيًّا يَا ابْنَهُ بِبَوَاتِر
مِنَ الْفِعْلِ لَا فَلٌّ لَهَا فِي الْمَضَارِبِ٤٢٢
وَأَبْهَرُ آيَاتِ التِّهَامِيِّ أَنَّهُ
أَبُوكَ وَأَجْدَى مَا لَكُمْ مِنْ مَنَاقِبِ٤٢٣
إِذَا لَمْ تَكُنْ نَفْسُ النَّسِيبِ كَأَصْلِهِ
فَمَاذَا الَّذِي تُغْنِي كِرَامُ الْمَنَاصِبِ٤٢٤
وَمَا قَرُبَتْ أَشْبَاهُ قَوْمٍ أَبَاعِدٍ
وَلَا بَعُدَتْ أَشْبَاهُ قَوْمٍ أَقَارِبِ٤٢٥
إِذَا عَلَوِيٌّ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ طَاهِرٍ
فَمَا هُوَ إِلَّا حُجَّةٌ لِلنَّوَاصِبِ٤٢٦
يَقُولُونَ تَأْثِيرُ الْكَوَاكِبِ فِي الْوَرَى
فَمَا بَالُهُ تَأْثِيرُهُ فِي الْكَوَاكِبِ٤٢٧
عَلَا كَتَدَ الدُّنْيَا إِلَى كُلِّ غَايَةٍ
تَسِيرُ بِهِ سَيْرَ الذَّلُولِ بِرَاكِبِ٤٢٨
وَحُقَّ لَهُ أَنْ يَسْبِقَ النَّاسَ جَالِسًا
وَيُدْرِكَ مَا لَمْ يُدْرِكُوا غَيْرَ طَالِبِ٤٢٩
وَيُحْذَى عَرَانِينَ الْمُلُوكِ وَإِنَّهَا
لَمِنْ قَدَمَيْهِ فِي أَجَلِّ الْمَرَاتِبِ٤٣٠
يَدٌ لِلزَّمَانِ الْجَمْعُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
لِتَفْرِيقِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّوَائِبِ٤٣١
هُوَ ابْنُ رَسُولِ اللهِ وَابْنُ وَصِيِّهِ
وَشِبْهُهُمَا شَبَّهْتُ بَعْدَ التَّجَارِبِ٤٣٢
يَرَى أَنَّ مَا مَا بَانَ مِنْك لِضَارِبٍ
بِأَقْتَلَ مِمَّا بَانَ مِنْكَ لِعَائِبِ٤٣٣
أَلَا أَيُّهَا الْمَالُ الَّذِي قَدْ أَبَادَهُ
تَعَزَّ فَهَذَا فِعْلُهُ فِي الْكَتَائِبِ٤٣٤
لَعَلَّكَ فِي وَقْتٍ شَغَلْتَ فُؤَادَهُ
عَنِ الْجُودِ أَوْ كَثَّرْتَ جَيْشَ مُحَارِبِ٤٣٥
حَمَلْتُ إِلَيْهِ مِنْ لِسَانِي حَدِيقَةً
سَقَاهَا الْحِجَى سَقْيَ الرِّيَاضَ السَّحَائِبِ٤٣٦
فَحُيِّيتَ خَيْرَ ابْنٍ لِخَيْرِ أَبٍ بِهَا
لِأَشْرَفِ بَيْتٍ فِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ٤٣٧

وقال يمدح كافورًا سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة — وهي من محاسن شعره:

مَنِ الْجآذِرُ فِي زِيِّ الْأَعَارِيبِ
حُمْرَ الْحُلَى وَالْمَطَايَا وَالْجَلَابِيبِ٤٣٨
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكًّا فِي مَعَارِفِهَا
فَمَنْ بَلَاكَ بِتَسْهِيدٍ وَتَعْذِيبِ٤٣٩
لَا تَجْزِنِي بِضَنًى بِي بَعْدَهَا بَقَرٌ
تَجْزِي دُمُوعِيَ مَسْكُوبًا بِمَسْكُوبِ٤٤٠
سَوَائِرٌ رُبَّمَا سَارَتْ هَوَادِجُهَا
مَنِيعَةً بَيْنَ مَطْعُونٍ وَمَضْرُوبِ٤٤١
وَرُبَّمَا وَخَدَتْ أَيْدِي الْمَطِيِّ بِهَا
عَلَى نَجِيعٍ مِنَ الْفُرْسَانِ مَصْبُوبِ٤٤٢
كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ فِي الْأَعْرَابِ خَافِيَةٍ
أَدْهَى وَقَدْ رَقَدُوا مِنْ زَوْرَةِ الذِّيبِ٤٤٣
أَزُورُهُمْ وَسَوَادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لِي
وَأَنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُّبْحِ يُغْرِي بِي٤٤٤
قَدْ وَافَقُوا الْوَحْشَ فِي سُكْنَى مَرَاتِعِهَا
وَخَالَفُوهَا بِتَقْوِيضٍ وَتَطْنِيبِ٤٤٥
جِيرَانُهَا وَهُمْ شَرُّ الْجِوَارِ لَهَا
وَصَحْبُهَا وَهُمُ شَرُّ الْأَصَاحِيبِ٤٤٦
فُؤَادُ كُلِّ مُحِبٍّ فِي بُيُوتِهِمِ
وَمَالُ كُلِّ أَخِيذِ الْمَالِ مَحْرُوبِ٤٤٧
مَا أَوْجُهُ الْحَضَرِ الْمُسْتَحْسَنَاتُ بِهِ
كَأَوْجُهِ الْبَدَوِيَّاتِ الرَّعَابِيبِ٤٤٨
حُسْنُ الْحَضَارَةِ مَجْلُوبٌ بِتَطْرِيَةٍ
وَفِي الْبَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوبِ٤٤٩
أَيْنَ الْمَعِيزُ مِنَ الْآرَامِ نَاظِرَةً
وَغَيْرَ نَاظِرَةٍ فِي الْحُسْنِ وَالطِّيبِ٤٥٠
أَفْدِي ظِبَاءَ فَلَاةٍ مَا عَرَفْنَ بِهَا
مَضْغَ الْكَلَامِ وَلَا صَبْغَ الْحَوَاجِيبِ٤٥١
وَلَا بَرَزْنَ مِنَ الْحَمَّامِ مَاثِلَةً
أَوْرَاكُهُنَّ صَقِيلَاتِ الْعَرَاقِيبِ٤٥٢
وَمِنْ هَوَى كُلِّ مَنْ لَيْسَتْ مُمَوِّهَةً
تَرَكْتُ لَوْنَ مَشِيبِي غَيْرَ مَخْضُوبِ٤٥٣
وَمِنْ هَوَى الصِّدْقِ فِي قَوْلِي وَعَادَتِهِ
رَغِبْتُ عَنْ شَعَرٍ فِي الرَّأْسِ مَكْذُوبِ٤٥٤
لَيْتَ الْحَوَادِثَ بَاعَتْنِي الَّذِي أَخَذَتْ
مِنِّي بِحِلْمِي الَّذِي أَعْطَتْ وَتَجْرِيبِي٤٥٥
فَمَا الْحَدَاثَةُ مِنْ حِلْمٍ بِمَانِعَةٍ
قَدْ يُوجَدُ الْحِلْمُ فِي الشُّبَّانِ وَالشِّيبِ٤٥٦
تَرَعْرَعَ الْمَلِكُ الْأُسْتَاذُ مُكْتَهِلًا
قَبْلَ اكْتِهَالٍ أَدِيبًا قَبْلَ تَأْدِيبِ٤٥٧
مُجَرَّبًا فَهَمًا مِنْ قَبْلِ تَجْرِبَةٍ
مُهَذَّبًا كَرَمًا مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبِ٤٥٨
حَتَّى أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا نِهَايَتَهَا
وَهَمُّهُ فِي ابْتِدَاءَاتٍ وَتَشْبِيبِ٤٥٩
يُدَبِّرُ الْمُلْكَ مِنْ مِصْرٍ إِلَى عَدَنٍ
إِلَى الْعِرَاقِ فَأَرْضِ الرُّومِ فَالنُّوبِ٤٦٠
إِذَا أَتَتْهَا الرِّيَاحُ النُّكْبُ مِنْ بَلَدٍ
فَمَا تَهُبُّ بِهَا إِلَّا بِتَرْتِيبِ٤٦١
وَلَا تُجَاوِزُهُاَ شَمْسٌ إِذَا شَرَقَتْ
إِلَّا وَمِنْهُ لَهَا إِذْنٌ بِتَغْرِيبِ٤٦٢
يُصَرِّفُ الْأَمْرَ فِيهَا طِينُ خَاتَمِهِ
وَلَوْ تَطَلَّسَ مِنْهُ كُلُّ مَكْتُوبِ٤٦٣
يَحُطُّ كُلَّ طَوِيلِ الرُّمْحِ حَامِلُهُ
مِنْ سَرْجِ كُلِّ طَوِيلِ الْبَاعِ يَعْبُوبِ٤٦٤
كَأَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ فِي مَسَامِعِهِ
قَمِيصُ يُوسُفَ فِي أَجْفَانِ يَعْقُوبِ٤٦٥
إِذَا غَزَتْهُ أَعَادِيهِ بِمَسْأَلَةٍ
فَقَدْ غَزَتْهُ بِجَيْشٍ غَيْرِ مَغْلُوبِ٤٦٦
أَوْ حَارَبْتُهُ فَمَا تَنْجُو بِتَقْدِمَةٍ
مِمَّا أَرَادَ وَلَا تَنْجُو بِتَجْبِيبِ٤٦٧
أَضْرَتْ شَجَاعَتُهُ أَقْصَى كَتَائِبِهِ
عَلَى الْحِمَامِ فَمَا مَوْتٌ بِمَرْهُوبِ٤٦٨
قَالُوا هَجَرْتَ إِلَيْهِ الْغَيْثَ قُلْتُ لَهُمْ
إِلَى غُيُوثِ يَدَيْهِ وَالشَّآبِيبِ٤٦٩
إِلَى الَّذِي تَهَبُ الدولَاتِ رَاحَتُهُ
وَلَا يَمُنُّ عَلَى آثَارِ مَوْهُوبِ٤٧٠
وَلَا يَرُوعُ بِمَغْدُورٍ بِهِ أَحَدًا
وَلَا يُفَزِّعُ مَوْفُورًا بِمَنْكُوبِ٤٧١
بَلَى يَرُوعُ بِذِي جَيْشٍ يُجَدِّلُهُ
ذَا مِثْلِهِ فِي أَحَمِّ النَّقْعِ غِرْبِيبِ٤٧٢
وَجَدْتُ أَنْفَعَ مَالٍ كُنْتُ أَذْخَرُهُ
مَا فِي السَّوَابِقِ مِنْ جَرْيٍ وَتَقْرِيبِ٤٧٣
لَمَّا رَأَيْنَ صُرُوفَ الدَّهْرِ تَغْدِرُ بِي
وَفَيْنَ لِي وَوَفَتْ صُمُّ الْأَنَابِيبِ٤٧٤
فُتْنَ الْمَهَالِكَ حَتَّى قَاَل قَائِلُهَا
مَاذَا لَقِينَا مِنْ الْجُرْدِ السَّرَاحِيبِ٤٧٥
تَهْوِي بِمُنْجَرِدٍ لَيْسَتْ مَذَاهِبُهُ
لِلُبْسِ ثَوْبٍ وَمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبِ٤٧٦
يَرَى النُّجُومَ بِعَيْنَيْ مَنْ يُحَاوِلُهَا
كَأَنَّهَا سَلَبٌ فِي عَيْنِ مَسْلُوبِ٤٧٧
حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى نَفْسٍ مُحَحَّبَةٍ
تَلْقَى النُّفُوسَ بِفَضْلٍ غَيْرِ مَحْجُوبِ٤٧٨
فِي جِسْمِ أَرْوَعَ صَافِي الْعَقْلِ تُضْحِكُهُ
خَلَائِقُ النَّاسِ إِضْحَاكَ الْأَعَاجِيبِ٤٧٩
فَالْحَمْدُ قَبْلُ لَهُ وَالْحَمْدُ بَعْدُ لَهَا
وَلِلْقَنَا وَلِإِدْلَاجِي وَتَأْوِيبِي٤٨٠
وَكَيْفَ أَكْفُرُ يَا كَافُورُ نِعْمَتَهَا
وَقَدْ بَلَغْنَكَ بِي يَا كُلَّ مَطْلُوبِي
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْغَانِي بِتَسْمِيَةٍ
فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ عَنْ وَصْفٍ وَتَلْقِيبِ٤٨١
أَنْتَ الْحَبِيبُ وَلَكِنِّي أَعُوذُ بِهِ
مِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبًّا غَيْرَ مَحْبُوبِ٤٨٢
وقال يمدحه في شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة:٤٨٣
أُغَالِبُ فِيكَ الشَّوْقَ وَالشَّوْقُ أَغْلَبُ
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا الْهَجْرِ وَالْوَصْلُ أَعْجَبُ٤٨٤
أَمَا تَغْلَطُ الْأَيَّامُ فِيَّ بِأَنْ أَرَى
بَغِيضًا تُنَائِي أَوْ حَبِيبًا تُقَرِّبُ٤٨٥
وَلِلهِ سَيْرِي مَا أَقَلَّ تَئِيَّةً
عَشِيَّةَ شَرْقِيَّ الْحَدَالَى وَغُرَّبُ٤٨٦
عَشِيَّةَ أَحْفَى النَّاس بِي مَنْ جَفَوْتُهُ
وَأَهْدَى الطِّرِيقَيْنِ الَّتِي أَتَجَنَّبُ٤٨٧
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ
تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ٤٨٨
وَقَاكَ رَدَى الْأَعْدَاءِ تَسْرِي إِلَيْهِم
وَزَارَكَ فِيهِ ذُو الدَّلَالِ الْمُحَجَّبُ٤٨٩
وَيَوْمٍ كَلَيْلِ الْعَاشِقِينَ كَمَنْتُهُ
أُرَاقِبُ فِيهِ الشَّمْسَ أَيَّانَ تَغْرُبُ٤٩٠
وَعَيْنِي إِلَى أُذُنَيْ أَغَرَّ كَأَنَّهُ
مِنَ اللَّيْلِ بَاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَوْكَبُ٤٩١
لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسْمِهِ فِي إِهَابِهِ
تَجِيءُ عَلَى صَدْرٍ رَحِيبٍ وَتَذْهَبُ٤٩٢
شَقَقْتُ بِهِ الظَّلْمَاءَ أُدْنِي عِنَانَهُ
فَيَطْغَى وَأُرْخِيهِ مِرَارًا فَيَلْعَبُ٤٩٣
وَأَصْرَعُ أَيَّ الْوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِهِ
وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِينَ أَرْكَبُ٤٩٤
وَمَا الْخَيْلُ إِلَّا كَالصَّدِيقِ قَلِيلَةٌ
وَإِنْ كَثُرَتْ فِي عَيْنِ مَنْ لَا يُجَرِّبُ٤٩٥
إِذَا لَمْ تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِهَا
وَأَعْضَائِهَا فَالْحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ٤٩٦
لَحَا اللهُ ذِي الدُّنْيَا مُنَاخًا لِرَاكِبٍ
فَكُلُّ بَعِيدِ الْهَمِّ فِيهَا مُعَذَّبُ٤٩٧
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَقُولُ قَصِيدَةً
فَلَا أَشْتَكِي فِيهَا وَلَا أَتَعَتَّبُ٤٩٨
وَبِي مَا يَذُودُ الشِّعْرَ عَنِّي أَقَلُّهُ
وَلَكِنَّ قَلْبِي يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ قُلَّبُ٤٩٩
وَأَخْلَاقُ كَافُورٍ إِذَا شِئْتُ مَدْحَهُ
وَإِنْ لَمْ أَشَأْ تُمْلِي عَلَيَّ وَأَكْتُبُ٥٠٠
إِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا وَرَاءَهُ
وَيَمَّمَ كَافُورًا فَمَا يَتَغَرَّبُ٥٠١
فَتًى يَمْلَا الْأَفْعَالَ رَأْيًا وَحِكْمَةً
وَنَادِرَةً أَحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ٥٠٢
إِذَا ضَرَبَتْ فِي الْحَرْبِ بِالسَّيْفِ كَفُّهُ
تَبَيَّنْتَ أَنَّ السَّيْفَ بِالْكَفِّ يَضْرِبُ٥٠٣
تَزِيدُ عَطَايَاهُ عَلَى اللَّبْثِ كَثْرَةً
وَتَلْبَثُ أَمْوَاهُ السَّحَابِ فَتَنْضَبُ٥٠٤
أَبَا الْمِسْكِ هَلْ فِي الْكَأْسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ
فَإِنِّي أُغَنِّي مُنْذُ حِينٍ وَتَشْرَبُ٥٠٥
وَهَبْتَ عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْ زَمَانِنَا
وَنَفْسِي عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْكَ تَطْلُبُ٥٠٦
إِذَا لَمْ تَنُطْ بِي ضَيْعَةً أَوْ وِلَايَةً
فَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ٥٠٧
يُضَاحِكُ فِي ذَا الْعِيدِ كُلٌّ حَبِيبَهُ
حِذَائِي وَأَبْكِي مَنْ أُحِبُّ وَأَنْدُبُ٥٠٨
أَحِنُّ إِلَى أَهْلِي وَأَهْوَى لِقَاءَهُمْ
وَأَيْنَ مِنَ الْمُشْتَاقِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ٥٠٩
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَبُو الْمِسْكِ أَوْ هُمُ
فَإِنَّكَ أَحْلَى فِي فُؤَادِي وَأَعْذَبُ٥١٠
وَكُلُّ امْرِئٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ
وَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ الْعِزَّ طَيِّبُ٥١١
يُرِيدُ بِكَ الْحُسَّادُ مَا اللهُ دَافِعٌ
وَسُمْرُ الْعَوَالِي وَالْحَدِيدُ الْمُذَرَّبُ٥١٢
وَدُونَ الَّذِي يَبْغُونَ مَا لَوْ تَخَلَّصُوا
إِلَى الْمَوْتِ مِنْهُ عِشْتَ وَالطِّفْلُ أَشْيَبُ٥١٣
إِذَا طَلَبُوا جَدْوَاكَ أُعْطُوا وَحُكِّمُوا
وَإِنْ طَلَبُوا الْفَضْلَ الَّذِي فِيكَ خُيِّبُوا٥١٤
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْوُوا عُلَاكَ وَهَبْتَهَا
وَلَكِنْ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَيْسَ يُوهَبُ٥١٥
وَأَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِدًا
لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ٥١٦
وَأَنْتَ الَّذِي رَبَّيْتَ ذَا الْمُلْكِ مُرْضَعًا
وَلَيْسَ لَهُ أُمٌّ سِوَاكَ وَلَا أَبُ٥١٧
وَكُنْتَ لَهُ لَيْثَ الْعَرِينِ لِشِبْلِهِ
وَمَا لَكَ إِلَّا الْهِنْدُوَانِيَّ مِخْلَبُ٥١٨
لَقِيتَ الْقَنَا عَنْهُ بِنَفْسٍ كَرِيمَةٍ
إِلَى الْمَوْتِ فِي الْهَيْجَا مِنَ الْعَارِ تَهْرُبُ٥١٩
وَقَدْ يَتْرُكُ النَّفْسَ الَّتِي لَا تَهَابُهُ
وَيَخْتَرِمُ النَّفْسَ الَّتِي تَتَهَيَّبُ٥٢٠
وَمَا عَدِمَ اللَّاقُوكَ بَأْسًا وَشِدَّةً
وَلَكِنَّ مَنْ لَاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ٥٢١
ثَنَاهُمْ وَبَرْقُ الْبِيضِ فِي الْبَيْضِ صَادِقٌ
عَلَيْهِمْ وَبَرْقُ الْبَيْضِ فِي الْبيضِ خُلَّبُ٥٢٢
سَلَلْتَ سُيُوفًا عَلَّمَتْ كُلَّ خَاطِبٍ
عَلَى كُلِّ عُودٍ كَيْفَ يَدْعُو وَيَخْطُبُ٥٢٣
وَيُغْنِيكَ عَمَّا يَنْسُبُ النَّاسُ أَنَّهُ
إِلَيْكَ تَنَاهَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ٥٢٤
وَأَيُّ قَبِيلٍ يَسْتَحِفُّكَ قَدْرُهُ
مَعَدُّ بْنُ عَدْنَان فِدَاكَ وَيَعْرُبُ٥٢٥
وَمَا طَرَبِي لَمَّا رَأَيْتُكَ بِدْعَةً
لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ فَأَطْرَبُ٥٢٦
وَتَعْذِلُنِي فِيكَ الْقَوَافِي وَهِمَّتِي
كَأَنِّي بِمَدْحٍ قَبْلَ مَدْحِكَ مُذْنِبُ٥٢٧
وَلَكِنَّهُ طَالَ الطَّرِيقُ وَلَمْ أَزَلْ
أُفَتِّشُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَيُنْهَبُ٥٢٨
فَشَرَّقَ حَتَّى لَيْسَ لِلشَّرْقِ مَشْرِقٌ
وَغَرَّبَ حَتَّى لَيْسَ لِلْغَرْبِ مَغْرِبُ٥٢٩
إِذَا قُلْتُهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ وُصُولِهِ
جِدَارٌ مُعَلًّى أَوْ خِبَاءٌ مُطَنَّبُ٥٣٠

وقال يمدحه، وأنشده إياها في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وهي آخر ما أنشده، ولم يلقه بعدها:

مُنًى كُنَّ لِي أَنَّ الْبَيَاضَ خِضَابُ
فَيَخْفَى بِتَبْيِيضِ الْقُرُونِ شَبَابُ٥٣١
لِيَالِيَ عِنْدَ الْبِيضِ فَوْدَايَ فِتْنَةٌ
وَفَخْرٌ وَذَاكَ الْفَخْرُ عِنْدِيَ عَابُ٥٣٢
فَكَيْفَ أَذُمُّ الْيَوْمَ مَا كُنْتُ أَشْتَهِي
وَأَدْعُو بِمَا أَشْكُوهُ حِينَ أُجَابُ٥٣٣
جَلَا اللَّوْنُ عَنْ لَوْنٍ هَدَى كُلَّ مَسْلَكٍ
كَمَا انْجَابَ عَنْ ضَوْءِ النَّهَارِ ضَبَابُ٥٣٤
وَفِي الْجِسْمِ نَفْسٌ لَا تَشِيبُ بِشَيبِهِ
وَلَوَ انَّ مَا فِي الْوَجْهِ مِنْهُ حِرَابُ٥٣٥
لَهَا ظُفْرٌ إِنْ كَلَّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُ
وَنَابٌ إِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْفَمِ نَابُ٥٣٦
يُغَيِّرُ مِنِّي الدِّهْرُ مَا شَاءَ غَيْرَهَا
وَأَبْلُغُ أَقْصَى الْعُمْرِ وَهْيَ كَعَابُ٥٣٧
وَإِنِّي لَنَجْمٌ تَهْتَدِي بِي صُحْبَتِي
إِذَا حَالَ مِنْ دُونِ النُّجُومِ سَحَابُ٥٣٨
غَنِيٌّ عَنِ الْأَوْطَانِ لَا يَسْتَفِزُّنِي
إِلَى بَلَدٍ سَافَرْتُ عَنْهُ إِيَابُ٥٣٩
وَعَنْ ذَمَلَانِ الْعِيسِ إِنْ سَامَحَتْ بِهِ
وَإِلَّا فَفِي أَكْوَارِهِنَّ عُقَابُ٥٤٠
وَأَصْدَى فَلَا أُبْدِي إِلَى الْمَاءِ حَاجَةً
وَلِلشَّمْسِ فَوْقَ الْيَعْمُلَاتِ لُعَابُ٥٤١
وَلِلسِّرِّ مِنِّي مَوْضِعٌ لَا يَنَالُهُ
نَدِيمٌ وَلَا يُفْضِي إِلَيْهِ شَرَابُ٥٤٢
وَلِلْخَوْدِ مِنِّي سَاعَةٌ ثُمَّ بَيْنَنَا
فَلَاةٌ إِلَى غَيْرِ اللِّقَاءِ تُجَابُ٥٤٣
وَمَا الْعِشْقُ إِلَّا غِرَّةٌ وَطَمَاعَةٌ
يُعَرِّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصَابُ٥٤٤
وَغَيْرُ فُؤَادِي لِلْغَوَانِي رَمِيَّةٌ
وَغَيْرُ بَنَانِي لِلزُّجَاجِ رِكَابُ٥٤٥
تَرَكْنَا لِأَطْرَافِ الْقَنَا كُلَّ شَهْوَةٍ
فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بِهِنَّ لِعَابُ٥٤٦
نُصَرِّفُهُ لِلطَّعْنِ فَوْقَ حَوَادِرٍ
قَدِ انْقَصَفَتْ فِيهِنَّ مِنْهُ كِعَابُ٥٤٧
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ٥٤٨
وَبَحْرٌ أَبُو الْمِسْكِ الْخِضَمُّ الَّذِي لَهُ
عَلَى كُلِّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وَعُبَابُ٥٤٩
تَجَاوَزَ قَدْرَ الْمَدْحِ حَتَّى كَأَنَّهُ
بِأَحْسَنِ مَا يُثْنَى عَلَيْهِ يُعَابُ٥٥٠
وَغَالَبَهُ الْأَعْدَاءُ ثُمَّ عَنَوْا لَهُ
كَمَا غَالَبَتْ بِيضَ السُّيُوفِ رِقَابُ٥٥١
وَأَكْثَرُ مَا تَلْقَى أَبَا الْمِسْكِ بِذْلَةً
إِذَا لَمْ تَصُنْ إِلَّا الْحَدِيدَ ثِيَابُ٥٥٢
وَأَوْسَعُ مَا تَلْقَاهُ صَدْرًا وَخَلْفَهُ
رِمَاءٌ وَطَعْنٌ وَالْأَمَامَ ضِرَابُ٥٥٣
وَأَنْفَذُ مَا تَلْقَاهُ حُكْمًا إِذَا قَضَى
قَضَاءً مُلُوكُ الْأَرْضِ مِنْهُ غِضَابُ٥٥٤
يَقُودُ إِلَيْهِ طَاعَةَ النَّاسِ فَضْلُهُ
وَلَوْ لَمْ يَقُدْهَا نَائِلٌ وَعِقَابُ٥٥٥
أَيَا أَسَدًا فِي جِسْمِهِ رُوحُ ضَيْغَمٍ
وَكَمْ أُسُدٍ أَرْوَاحُهُنَّ كِلَابُ٥٥٦
وَيَا آخِذًا مِنْ دَهْرِهِ حَقَّ نَفْسِهِ
وَمِثْلُكَ يُعْطَى حَقَّهُ وَيُهَابُ٥٥٧
لَنَا عِنْدَ هَذَا الدَّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّهُ
وَقَدْ قَلَّ إِعْتَابٌ وَطَالَ عِتَابُ٥٥٨
وَقَدْ تُحْدِثُ الْأَيَّامُ عِنْدَكَ شِيمَةً
وَتَنْعَمِرُ الْأَوْقَاتُ وَهْيَ يَبَابُ٥٥٩
وَلَا مُلْكَ إِلَّا أَنْتَ وَالْمُلْكُ فَضْلَةٌ
كَأَنَّكَ سَيْفٌ فِيهِ وَهْوَ قِرَابُ٥٦٠
أَرَى لِي بِقُرْبِي مِنْكَ عَيْنًا قَرِيرَةً
وَإِنْ كَانَ قُرْبًا بِالْبِعَادِ يُشَابُ٥٦١
وَهَلْ نَافِعِي أَنْ تُرْفَعَ الْحُجْبُ بَيْنَنَا
وَدُونَ الَّذِي أَمَّلْتُ مِنْكَ حِجَابُ٥٦٢
أُقِلُّ سَلَامِي حُبَّ مَا خَفَّ عَنْكُمُ
وَأَسْكُتُ كَيْمَا لَا يَكُونَ جَوَابُ٥٦٣
وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيكَ فَطَانَةٌ
سُكُوتِي بَيَانٌ عِنْدَهَا وَخِطَابُ٥٦٤
وَمَا أَنَا بِالْبَاغِي عَلَى الْحُبِّ رِشْوَةً
ضَعِيفٌ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ٥٦٥
وَمَا شِئْتُ إِلَّا أَنْ أَدُلَّ عَوَاذِلِي
عَلَى أَنَّ رَأْيِي فِي هَوَاكَ صَوَابُ٥٦٦
وَأُعْلِمَ قَوْمًا خَالَفُونِي فَشَرَّقُوا
وَغَرَّبْتُ أَنِّي قَدْ ظَفِرْتُ وَخَابُوا٥٦٧
جَرَى الْخُلْفُ إِلَّا فِيكَ أَنَّكَ وَاحِدٌ
وَأَنَّكَ لَيْثٌ وَالْمُلُوكُ ذِئَابُ٥٦٨
وَأَنَّكَ إِنْ قُويِسْتَ صَحَّفَ قَارِئٌ
ذِئَابًا وَلَمْ يُخْطِئْ فَقَالَ ذُبَابُ٥٦٩
وَإِنَّ مَدِيحَ النَّاسِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ
وَمَدْحُكَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ كِذَابُ٥٧٠
إِذَا نِلْتُ مِنْكَ الْوُدَّ فَالْمَالُ هَيِّنٌ
وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ
وَمَا كُنْتُ لَوْلَا أَنْتَ إِلَّا مُهَاجِرًا
لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بَلْدَةٌ وَصِحَابُ٥٧١
وَلَكِنَّكَ الدُّنْيَا إِلَيَّ حَبِيبَةً
فَمَا عَنْكَ لِي إِلَّا إِلَيْكَ ذَهَابُ٥٧٢

ومرَّ في صِباه برجلين قد قتلا جرذًا وأبرزاه يُعجبان الناس من كِبَره فقال:

لَقَدْ أَصْبَحَ الْجُرَذُ الْمُسْتَغِيرُ
أَسِيرَ الْمَنَايَا صَرِيعَ الْعَطَبْ٥٧٣
رَمَاهُ الْكِنَانِيُّ وَالْعَامِرِيُّ
وَتَلَّاهُ لِلْوَجْهِ فِعْلَ الْعَرَبْ٥٧٤
كِلَا الرَّجُلَيْنِ اتَّلَا قَتْلَهُ
فَأَيُّكُمَا غَلَّ حُرَّ السَّلَبْ٥٧٥
وَأَيُّكُمَا كَانَ مِنْ خَلْفِهِ
فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً فِي الذَّنَبْ
وقال يهجو ضبة بن يزيد العتبي:٥٧٦
مَا أَنْصَفَ الْقَوْمُ ضَبَّهْ
وَأُمُّهُ الطُّرْطُبَّهْ٥٧٧
رَمَوْا بِرَأْسِ أَبِيهِ
وَبَاكَوُا الْامَّ غُلُبَّهْ٥٧٨
فَلَا بِمَنْ مَاتَ فَخْرٌ
وَلَا بِمَنْ نِيكَ رَغْبَهْ٥٧٩
وَإِنَّمَا قُلْتُ مَا قُلـْ
ـتُ رَحْمَةً لَا مَحَبَّهْ٥٨٠
وَحِيلَةً لَكَ حَتَّى
عُذِرْتَ لَوْ كُنْتَ تِيبَهْ٥٨١
وَمَا عَلَيْكَ مِنَ الْقَتـْ
ـلِ إِنَّمَا هِيَ ضَرْبَهْ٥٨٢
وَمَا عَلَيْكَ مِنَ الْغَدْ
رِ إِنَّمَا هُوَ سُبَّهْ٥٨٣
وَمَا عَلَيْكَ مِنَ الْعَا
رِ إِنَّ أُمَّكَ قَحْبَهْ٥٨٤
وَمَا يَشُقُّ عَلَى الْكَلـْ
ـبِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كَلْبَهْ
مَا ضَرَّهَا مَنْ أَتَاهَا
وَإِنَّمَا ضَرَّ صُلْبَهْ
وَلَمْ يَنِكْهَا وَلَكِنْ
عِجَانُهَا نَاكَ زُبَّهْ٥٨٥
يَلُومُ ضَبَّةَ قَوْمٌ
وَلَا يَلُومُونَ قَلْبَهْ
وَقَلْبُهُ يَتَشَهَّى
وَيُلْزِمُ الْجِسْمَ ذَنْبَهْ
لَوْ أَبْصَرَ الْجِذْعَ شَيْئًا
أَحَبَّ فِي الْجِذْعِ صَلْبَهْ٥٨٦
يَا أَطْيَبَ النَّاسِ نَفْسًا
وَأَلْيَنَ النَّاسِ رُكْبَهْ٥٨٧
وَأَخْبَثَ النَّاسِ أَصْلًا
فِي أَخْبَثِ الْأَرْضِ تُرْبَهْ
وَأَرْخَصَ النَّاسِ أُمًّا
تَبِيعُ أَلْفًا بِحَبَّهْ
كُلُّ الْفُعُولِ سِهَامٌ
لِمَرْيَمٍ وَهْيَ جَعْبَهْ٥٨٨
وَمَا عَلَى مَنْ بِهِ الدَّا
ءُ مِنْ لِقَاءِ الْأَطِبَّهْ٥٨٩
وَلَيْسَ بَيْنَ هَلُوكٍ
وَحُرَّةٍ غَيْرُ خِطْبَهْ٥٩٠
يَا قَاتِلًا كُلَّ ضَيْفٍ
غَنَاهُ ضَيْحٌ وَعُلْبَهْ٥٩١
وَخَوْفُ كُلِّ رَفِيقٍ
أَبَاتَكَ اللَّيْلُ جَنْبَهْ٥٩٢
كَذَا خُلِقْتَ وَمَنْ ذَا الـ
ـذِي يُغَالِبُ رَبَّهْ٥٩٣
وَمَنْ يُبَالِي بِذَمٍّ
إِذَا تَعَوَّدَ كَسْبَهْ
أَمَا تَرَى الْخَيْلَ فِي النَّخـْ
ـلِ سُرْبَةً بَعْدَ سُرْبَهْ٥٩٤
عَلَى نِسَائِكَ تَجْلُو
فَعُولَهَا مُنْذُ سَنْبَهْ٥٩٥
وَهُنَّ حَوْلَكَ يَنْظُرْ
نَ وَالْأُحَيْرَاحُ رَطْبَهْ٥٩٦
وَكُلُّ غُرْمُولِ بَغْلٍ
يَرَيْنَ يَحْسُدْنَ قُنْبَهْ٥٩٧
فَسَلْ فُؤَادَكَ يَا ضَبَّ
أَيْنَ خَلَّفَ عُجْبَهْ٥٩٨
وَإِنْ يَخُنْكَ لَعَمْرِي
لَطَالَمَا خَانَ صَحْبَهْ٥٩٩
وَكَيْفَ تَرْغَبُ فِيهِ
وَقَدْ تَبَيَّنْتَ رُعْبَهْ٦٠٠
مَا كُنْتَ إِلَّا ذُبَابًا
نَفَتْكَ عَنَّا مِذَبَّهْ٦٠١
وَكُنْتَ تَفْخَرُ تِيهًا
فَصِرْتَ تَضْرِطُ رَهْبَهْ
وَإِنْ بَعُدْنَا قَلِيلًا
حَمَلْتَ رُمْحًا وَحَرْبَهْ٦٠٢
وَقُلْتَ لَيْتَ بِكَفِّي
عِنَانَ جَرْدَاءَ شَطْبَهْ٦٠٣
إِنْ أَوْحَشَتْكَ الْمَعَالِي
فَإِنَّهَا دَارُ غُرْبَهْ٦٠٤
أَوْ آنَسَتْكَ الْمَخَازِي
فَإِنَّهَا لَكَ نِسْبَهْ٦٠٥
وَإِنْ عَرَفْتَ مُرَادِي
تَكَشَّفَتْ عَنْكَ كُرْبَهْ٦٠٦
وَإِنْ جَهِلْتَ مُرَادِي
فَإِنَّهُ بِكَ أَشْبَهْ٦٠٧

وقال يعزي أبا شجاع عضد الدولة بِعَمَّتِه، وقد توفيت ببغداد:

آخِرُ مَا المَلْكُ مُعَزًّى بِهِ
هَذَا الَّذِي أَثَّرَ في قلْبِهِ٦٠٨
لَا جَزَعًا بَلْ أَنَفًا شَابَهُ
أَنْ يَقْدِرَ الدَّهْرُ عَلَى غَصْبِه٦٠٩
لَوْ دَرَتِ الدُّنْيَا بِمَا عِنْدَهُ
لَاسْتَحْيَتِ الأَيَّامُ مِنْ عَتْبِهِ٦١٠
لَعَلَّهَا تَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي
لَيْسَ لَدَيْهِ لَيْسَ مِنْ حِزْبِه٦١١
وَأَنَّ مَنْ بَغْدَادُ دَارٌ لَهُ
لَيْسَ مُقِيمًا فِي ذَرَى عَضْبِه٦١٢
وَأَنَّ جَدَّ الْمَرْءِ أَوْطَانُهُ
مَنْ لَيْسَ مِنْهَا لَيْسَ مِنْ صُلْبِه٦١٣
أَخَافُ أَنْ تَفْطُنَ أَعْدَاؤُهُ
فَيُجْفِلُوا خَوْفًا إِلَى قُرْبِه٦١٤
لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ ضَجْعَةٍ
لَا تَقْلِبُ الْمُضْجَعَ عَنْ جَنْبِه٦١٥
يَنْسَى بِهَا مَا كَانَ مِنْ عُجْبِه
وَمَا أَذَاقَ الْمَوْتُ مِنْ كَرْبِه٦١٦
نَحْنُ بَنُو الْمَوْتَى فَمَا بَالُنَا
نَعَافُ مَا لَا بُدَّ مِنْ شُرْبِه٦١٧
تَبْخَلُ أَيْدِيَنَا بِأَرْوَاحِنَا
عَلَى زَمَانٍ هِيَ مِنْ كَسْبِه٦١٨
فَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ مِنْ جَوِّهِ
وَهَذِهِ الْأَجْسَامُ مِنْ تُرْبِه٦١٩
لَوْ فَكَّرَ الْعَاشِقُ فِي مُنْتَهَى
حُسْنِ الَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِه٦٢٠
لَمْ يُرَ قَرْنُ الشَّمْسِ فِي شَرْقِهِ
فَشَكَّتِ الْأَنْفُسُ فِي غَرْبِه٦٢١
يَمُوتُ رَاعِي الضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ
مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّه٦٢٢
وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى عُمْرِهِ
وَزَادَ فِي الْأَمْنِ عَلَى سِرْبِه٦٢٣
وَغَايَةُ الْمُفْرِطِ فِي سِلْمِهِ
كَغَايَةِ الْمُفْرِطِ فِي حَرْبِه٦٢٤
فَلَا قَضَى حَاجَتَهُ طَالِبٌ
فُؤَادُهُ يَخْفِقُ مِنْ رُعْبِه٦٢٥
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِشَخْصٍ مَضَى
كَانَ نَدَاهُ مُنْتَهَى ذَنْبِه٦٢٦
وَكَانَ مَنْ عَدَّدَ إِحْسَانَهُ
كَأَنَّهُ أَفْرَطَ فِي سَبِّه٦٢٧
يُرِيدُ مِنْ حُبِّ الْعُلَى عَيْشَهُ
وَلَا يُرِيدُ الْعَيْشَ مِنْ حُبِّه٦٢٨
يَحْسَبُهُ دَافِنُهُ وَحْدَهُ
وَمَجْدُهُ فِي الْقَبْرِ مِنْ صَحْبِه٦٢٩
وَيُظْهَرُ التَّذْكِيرُ فِي ذِكْرِهِ
وَيُسْتَرُ التَّأْنِيثُ فِي حُجْبِهِ٦٣٠
أُخْتُ أَبِي خَيْر أَمِيرٍ دَعَا
فَقَالَ جَيْشٌ لِلْقَنَا لَبِّهِ٦٣١
يَا عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَنْ رُكْنُهَا
أَبُوهُ وَالْقَلْبُ أَبُو لُبِّهِ٦٣٢
وَمَنْ بَنُوهُ زَيْنُ آبَائِهِ
كَأَنَّهَا النَّوْرُ عَلَى قُضْبِهِ٦٣٣
فَخْرًا لِدَهْرٍ أَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ
وَمُنْجِبٍ أَصْبَحْتَ مِنْ عَقْبِهِ٦٣٤
إِنَّ الْأَسَى الْقِرْنُ فَلَا تُحْيِهِ
وَسَيْفُكَ الصَّبْرُ فَلَا تُنْبِهِ٦٣٥
مَا كَانَ عِنْدِي أَنَّ بَدْرَ الدُّجَى
يُوحِشُهُ الْمَفْقُودُ مِنْ شُهْبِهِ٦٣٦
حَاشَاكَ أَنْ تَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ مَا
تَحَمَّلَ السَّائِرُ فِي كُتْبِهِ٦٣٧
وَقَدْ حَمَلْتَ الثِّقْلَ مِنْ قَبْلِهِ
فَأَغْنَتِ الشِّدَّةُ عَنْ سَحْبِهِ٦٣٨
يَدْخُلُ صَبْرُ الْمَرْءِ فِي مَدْحِهِ
وَيَدْخُلُ الْإِشْفَاقُ فِي ثَلْبِهِ٦٣٩
مِثْلُكَ يَثْنِي الْحُزْنَ عَنْ صَوْبِهِ
وَيَسْتَرِدُّ الدَّمْعَ عَنْ غَرْبِهِ٦٤٠
إِيمَا لِإِبْقَاءٍ عَلَى فَضْلِهِ
إِيمَا لِتَسْلِيمٍ إِلَى رَبِّهِ٦٤١
وَلَمْ أَقُلْ مِثْلُكَ أَعْنِي بِهِ
سِوَاكَ يَا فَرْدًا بِلَا مُشْبِهِ٦٤٢

وقال في صباه يهجو القاضي الذهبي:

لَمَّا نُسِبْتَ فَكُنْتَ ابْنًا لِغَيْرِ أَبٍ
ثُمَّ امْتُحِنْتَ فَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى أَدَبِ
سُمِّيتَ بِالذَّهَبِيِّ الْيَوْمَ تَسْمِيَةً
مُشْتَقَّةً مِنْ ذَهَابِ الْعَقْلِ لَا الذَّهَبِ٦٤٣
مُلَقَّبٌ بِكَ مَا لُقِّبْتَ وَيْكَ بِهِ
يَا أَيُّهَا اللَّقَبُ الْمُلْقَى عَلَى اللَّقَبِ٦٤٤

وقال يهجو وردان بن ربيعة الطائي، وقد كان أبو الطيب نزل به في أرض حِسْمَى منصرفه من مصر؛ فاستغوى وردان عبيد أبي الطيب، فجعلوا يسرقون له من أمتعته؛ فلما شعر أبو الطيب بذلك ضرب أحد عبيده بالسيف فأصاب وجهه، وأمر الغلمان فأجهزوا عليه:

لَحَا اللهُ وَرْدَانًا وَأُمَّا أَتَتْ بِهِ
لَهُ كَسْبُ خِنْزِيرٍ وَخُرْطُومُ ثَعْلَبِ٦٤٥
فَمَا كَانَ فِيهِ الْغَدْرُ إِلَّا دَلَالَةً
عَلَى أَنَّهُ فِيهِ مِنَ الْأُمِّ وَالْأَبِ٦٤٦
إِذَا كَسَبَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَنِ عِرْسِهِ
فَيَا لُؤْمَ إِنْسَانٍ وَيَا لُؤْمَ مَكْسَبِ٦٤٧
أَهَذَا اللَّذَيَّا بِنْتُ وَرْدَانَ بِنْتُهُ
هُمَا الطَّالِبَانِ الرِّزْقَ مِنْ شَرِّ مَطْلَبِ٦٤٨
لَقَدْ كُنْتُ أَنْفِي الْغَدْرَ عَنْ تُوسِ طَيِّئٍ
فَلَا تَعْذِلَانِي رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ٦٤٩

هوامش

(١) يقول: ترى عيناي منك كل يوم شيئًا عجيبًا تتحير منه، وذلك أني أرى سيفًا يحمل سيفًا وسحابًا يمطره سحاب، والحمالة التي يحمل بها السيف، والحسام الأول هو السيف، والثاني هو سيف الدولة.
(٢) يقول: ترى عيناي منك كل يوم شيئًا عجيبًا تتحير منه، وذلك أني أرى سيفًا يحمل سيفًا وسحابًا يمطره سحاب، والحمالة التي يحمل بها السيف، والحسام الأول هو السيف، والثاني هو سيف الدولة.
(٣) الرباب: السحاب الأبيض ويخلق: يرث ويبلى. يقول: أنت أفضل من السحاب لأن الأرض تجف من مطر السحاب وثيابها التي كساها بها الغيث وهي نبات الأرض تبلى — وذلك عند هيجه — ولكن ذكرك لا ينفك الدهر رطبًا به فأنت خالد وجودك دائم الانسكاب لا ينقطع. وقال الواحدي: يريد برطوبة الدهر لينه وسهولته، والمعنى يطيب عيش أهل الدهر بك فكأن الدهر رطب ينقاد ويلين لهم كما قال البحتري:
أَشْرَقْنَ حَتَّى كَادَ يَحْتَبِسُ الدُّجَى
وَرَطُبْنَ حَتَّى كَادَ يَجْرِي الْجنْدلُ
فجعل الصخر يكاد يجري للينه برطوبة الزمان.
(٤) الرباب: السحاب الأبيض ويخلق: يرث ويبلى. يقول: أنت أفضل من السحاب لأن الأرض تجف من مطر السحاب وثيابها التي كساها بها الغيث وهي نبات الأرض تبلى — وذلك عند هيجه — ولكن ذكرك لا ينفك الدهر رطبًا به فأنت خالد وجودك دائم الانسكاب لا ينقطع. وقال الواحدي: يريد برطوبة الدهر لينه وسهولته، والمعنى يطيب عيش أهل الدهر بك فكأن الدهر رطب ينقاد ويلين لهم كما قال البحتري:
أَشْرَقْنَ حَتَّى كَادَ يَحْتَبِسُ الدُّجَى
وَرَطُبْنَ حَتَّى كَادَ يَجْرِي الْجنْدلُ
فجعل الصخر يكاد يجري للينه برطوبة الزمان.
(٥) السواري: السحب السارية ليلًا، والغوادي: السحب المنتشرة نهارًا، والطراب: جمع طروب، وهو الذي يطرب ويحركه الشوق، وتفيد: تستفيد، واحتذاه: اقتدى به وفعل مثله، والخلائق: الأخلاق. يقول: إن السحب تسير معك كما يسير الحبيب الطروب مع حبيبه وذلك كي تستفيد الجود منك فتأتي بمثله بيد أنها تعجز عن التخلق بأخلاقك العذبة الجميلة.
(٦) السواري: السحب السارية ليلًا، والغوادي: السحب المنتشرة نهارًا، والطراب: جمع طروب، وهو الذي يطرب ويحركه الشوق، وتفيد: تستفيد، واحتذاه: اقتدى به وفعل مثله، والخلائق: الأخلاق. يقول: إن السحب تسير معك كما يسير الحبيب الطروب مع حبيبه وذلك كي تستفيد الجود منك فتأتي بمثله بيد أنها تعجز عن التخلق بأخلاقك العذبة الجميلة.
(٧) غداة النفر: يريد غداة تفرق الحجيج من منى، ويقال يوم النفر وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من منى قال بعضهم:
أَمَا وَالَّذِي حَجَّ الْمُلبُّونَ بَيْتَهُ
وَعَلَّمَ أَيَّامَ الذَّبَائِحِ وَالنَّحْرِ
لَقَدْ زَادَنِي لِلْغَمْرِ حُبًّا وَأَهْلِهِ
لَيَالٍ أَقَامَتْهُنَّ لَيْلَى عَلَى الْغَمْرِ
وَهَلْ يَأْثَمَنِّي اللهُ فِي أَنْ ذَكَرْتُهَا
وَعَلَّلْتُ أَصْحَابِي بِهَا لَيْلَةَ النَّفْرِ
وَسَكَّنْتُ مَا بِي مِنْ كَلَالٍ وَمِنْ كَرًى
وَمَا بِالْمَطَايَا مِنْ جُنُوحٍ وَلَا فَتْرِ
وأعترض: أستقبل، والدمى: جمع دمية وهي التماثيل تشبه بها الحسان.
(٨) فديناك: دعاء، والخطاب للحبيب، وأهدى: منادى بإسقاط حرف النداء. قال الواحدي: أهدى من قولهم هديت هدي فلان أي قصدت قصده ومنه الحديث: واهدوا هدي عمار؛ أي اقصدوا قصده وسيروا سيرته. يقول: يا أقصد الناس سهمًا إلى قلبي، يريد أن عينه تصيب قلبه بلحظها ولا تخطئه، ويا أقتل الناس للابسي الدروع من غير حرب؛ أي إنه يقتلهم بحبه فلا تحصنهم الدروع ولا يحتاج معهم إلى النزال، ولك أن تجعل أهدى وأقتل منصوبين على التمييز وأهدى من الهداية، وإليك ما قال العلامة العكبري النحوي الكوفي في تعليقاته على هذا البيت قال: أفعل إذا كان للتفضيل فبينه وبين أفعل التعجب مناسبة، وذلك أنه يقال هذا أقول من هذا وما أقوله، ويمتنع أن يقال هذا أحمر من هذا أي أشد حمرة، كما يمتنع أن يقال: ما أحمره أي أشد حمرته، وفعل التعجب يبنى من ثلاثة أفعال ثلاثية: فعل بفتح العين، وفعِل بكسرها، وفعُل بضمها، ولا يبنى إلا من فعل قد سمي فاعله، ولا يجوز أن يبنى من فعل غير مسمى الفاعل فيقال: ما أضرب أخاك؛ لأنه مأخوذ من ضرب أخوك، ثم وقع التعجب من كثرة ضربه فإذا قلت ضرب أخوك لا يصح أن يقال ما أضرب أخاك وأنت تريد ما أشد الضرب الذي ضربه أخوك، وأهدى يجوز أن يكون من هدت الوحش (يقال هدت الإبل والوحش والخيل تهدي إذا تقدمت، وهاديات الوحش أوائلها وهي هواديها) إذا تقدمت فيكون اسمًا منصوبًا على التمييز فيكون أفعل من فعل له فاعل، ويكون الفعل للسهم، ويجوز أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم هديته الطريق فإذا حمل على ذلك فسهمًا منصوب بفعل مضمر يدل عليه أهدى؛ لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولًا وكذلك أفعل الذي للتفضيل، وعلى ذلك حمل قوله:
أَكَرَّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ
وَأَضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا
(القوانس: جمع قونس مقدم البيضة من السلاح.)
وهو من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي، قالها في الجاهلية قبل إسلامه، ومطلعها:
لِأَسْمَاءَ رَسْمٌ أصْبَحَ الْيَوْمَ دَارِسَا
وَأَقْفَرَ إلَّا رَحْرَحَانَ فَرَاكِسَا
(رحرحان: موضع أو جبل قريب من عكاظ، وراكس: واد.) واختار منها أبو تمام في «الحماسة» أربعة أبيات وهي:
فلَمْ أَرَ مِثْلَ الْحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحًا
وَلَا مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا فَوَارِسَا
أَكَرَّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ
وَأَضَرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا
إِذَا مَا حَمْلَنَا حَمْلَةً نَصَبُوا لَنَا
صُدُورَ الْمَذَاكِي وَالرِّمَاحَ الْمَدَاعِسَا
إذَا الْخَيْلُ جَالَتْ عَنْ صَرِيعٍ نُكِرُّهَا
عَلَيْهِمْ فَمَا يَرْجِعْنَ إلَّا عَوَابِسَا
قال أبو عبيدة في كتابه «أيام العرب»: غزت بنو سليم — ورئيسهم عباس بن مرادس — مرادًا، فجمع لهم عمرو بن معديكرب، فالتقوا بتثليث من أرض اليمن بعد تسع وعشرين ليلة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل من كبار مراد ستة، وقتل من بني سليم رجلان، وصبر الفريقان حتى كره كل واحد منهما صاحبه. فقال عباس بن مرادس قصيدته التي على السين، وهي إحدى المنصفات … وقوله: فلم أر مثل الحي … إلخ، أراد بالحي المصبح بني زبيد بن مراد، قال المرزوقي: أي لم أرَ مغارًا عليه كالذين صبحناهم ولا مغيرًا مثلنا يوم لقيناهم فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، وتناول بالمدح كل فرقة منهم، وانتصب حيًّا مصبحًا على التمييز، وكذلك فوارسًا، ويجوز أن يكون في موضع الحال، وقوله: أكر وأحمي … إلخ، فالمصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو زبيد والثاني إلى عشيرته وأصحابه، والمراد: لم أرَ أحسن كرًّا وأبلغ حماية للحقائق منهم ولا أضرب للقوانس بالسيوف منا، والقونس أعلى البيضة، وأكر: من كر عليه إذا صال عليه، وأحمى: من الحماية، وحقيقة الرجل ما يحق عليه حفظه من الأهل والأولاد والجار. قال ابن الحاجب: قوله أكر وأحمى … إلخ: تبيين لما ادعاه فيما تقدم فيجوز أن ينتصب بفعل مقدر لا صفة لما تقدم؛ لئلا يفصل بين الصفة والموصوف بما هو كالأجنبي إذا جعل تمييزًا، ويجوز أن يكون صفة لما تقدم كأنها صفة واحدة، وإذا جعلا غير تمييز كأنه قال: جاءني زيد وعمرو العاقل والعالم وذلك جائز، فأكر وأحمى صفة لحيًّا مصبحًا، وأضرب منا صفة لفوارسًا، وقوله: إذا ما حملنا … إلخ، يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا ونصبوا صدور الخيل القرح والرماح المعدة للطعن، فالمراد بالمداعس الرماح الطاعنة، وفرس مذكٍ: تم سنه وكملت قوته، وقوله: إذا الخيل جالت … إلخ، أي إذا الخيل دارت عن مصروع منا كررنا عليهم لنصرع مثل ما صرعوا منا، ويجوز أن يريد إذا جالت الخيل عن صريع منهم، لا يقنعنا ذلك منهم بل نكرها عليهم لمثله وإن كرهت الكر لشدة البأس فلم ترجع إلا كوالح.
فنصب القوانس بفعل مضمر، تم الكلام عند قوله: وأضرب منا، ثم أضمر فعلًا نصب به القوانس تقديره يضرب القوانس، فيكون من جنس الكلام.
(٩) الخلف ترك الوفاء بالوعد وهو اسم من الإخلاف يقول: إن للهوى أحكامًا تخالف سائر الأحكام؛ لأن الخلف في الوعد غير جميل، والكذب غير مستحسن، وكلاهما جميل مستحسن من الحبيب:
وكل ما يفعل المحبوب محبوب
(١٠) يقول: إني من الشجاعة بحيث لا يصاب مقتلي في الحرب، ولكني مع ذلك يصاب مقتلي في الحب فلست أستطيع الدفاع عن نفسي في ميدان الهوى، وهذا من قول أبي تمام:
كَمْ مِنْ دَمٍ يُعْجِزُ الْجَيْشَ اللِّهَامَ إِذَا
بَانُوا تَحَكَّمُ فِيهِ الْعِرْمِسُ الْأُجُدُ
جيش لهام: كثير يلتهم كل شيء، والعرمس: الناقة الصلبة الشديدة، والأجد: بضم الهمزة والجيم الناقة القوية الموثقة الخلق، يريد أبو تمام الناقة التي تحمل الحبيب، والمراد الحبيب نفسه.
(١١) يقول: ومن كان له عين بين جفنيه كعينك فتنة وسحرًا ملك قلوب الناس بأهون سعي، فقوله: أصاب … إلخ؛ أي وجد المرتقى الصعب حدورًا سهلًا، وهذا تمثيل معناه: سهل عليه ما يشق على غيره.
(١٢) قوله: لا يحزن؛ دعاء له. يقول: لا أحزن الله الأمير فإن حزنه يستتبع حزني؛ لمشاركتي إياه في أحواله، فلا أصابه الله بحزن لئلا أحزن، والمعنى واضح وجميل، ومن ثم كان نقد الصاحب هذا البيت — بقوله: لا أدري لم لا يحزن الله الأمير إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق — في غير موضعه، ويجوز في يحزن الجزم بلا والرفع على أنه خبر وضع موضع الإنشاء، ورواية سآخذ هي رواية ابن جني وعليها مضينا، وفي رواية: لآخذ.
(١٣) يقول: لا أبكاك الله؛ لأنك إذا بكيت حزنًا بكى جميع الناس لبكائك، وحزنوا لحزنك؛ لأن من سر جميع الناس ثم بكى لحزنٍ أصابه ساء مصابه الذين سرهم فكأنه يبكي بعيونهم ويحزن بقلوبهم، وفي البيت حذف لا يخفى، فهو من قبيل: علفتها تبنًا وماء باردًا. قال الواحدي: ولك أن تجعل الباء في بعيون للتعدية أي أبكاها، والمعنى أنهم يسعدونه على البكاء جزاء سرورهم، كما قال يزيد المهلبي:
أَشْرَكْتُمُونَا جَمِيعًا فِي سُرُورِكُمُ
فَلَهْوُنَا إِذْ حَزِنْتُمْ غَيْرُ إِنْصَافِ
(١٤) الدفين: المدفون، وحبيب حبيبي: مبتدأ مؤخر، وحبيب إلى قلبي: خبر مقدم، والجملة خبر إني، يقول: إني أحب كل من يحبه، ومن ثَمَّ كان المدفون الذي يحبه حبيبًا إلى قلبي وإن كان غريبًا مني.
(١٥) يقول: لقد سبقنا غيرنا إلى هذه الدنيا، فلو عاش هؤلاء الذين سبقونا ولم يموتوا؛ لغصت بنا الدنيا، وضاقت علينا الأرض حتى لا نستطيع الذهاب والمجيء لشدة الزحام، وإنما يستقيم أمر الدنيا بموت المتقدم وحياة المتأخر، وجيئة مصدر جاء يجيء مجيئًا وجيئة وكذلك الذهوب.
(١٦) يقول: تنتقل الدنيا من قوم إلى قوم فيتملكها الحي تملك السالب، ويتخلى عنها الميت تخلي المسلوب، وعبارة الواحدي: يريد بالآتي الوارث بعد الموت وبالماضي الموروث؛ أي إن الذي تملك الإرث كأنه سالب سلب الموروث ماله، والميت كأنه مسلوب سلب ما كان في يده، وهذا المعنى — كما قال العكبري — مأخوذ من قولهم إن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الأولون.
(١٧) شَعُوب من أسماء المنية، وهي معرفة لا تنصرف، ولا تدخلها الألف واللام، سميت كذلك لأنها تشعب أي تفرق. يقول: لولا الموت لم يكن لهذه المعاني فضل، وذلك أن الناس لو أمنوا الموت؛ لما كان للشجاع فضل على الجبان لأنه قد أيقن الخلود فلا خوف عليه من إقدامه في الحرب، وإذن لا يُحمد على شجاعته، وكذلك لا فضل للجواد على البخيل، والصابر على المكروه لا فضل له على الجازع؛ لأن في الخلود وتنقل الأحوال فيه من عسر إلى يسر ومن شدة إلى رخاء ما يسكن النفوس ويهون البؤس.
(١٨) الغابر من الأضداد يكون بمعنى الماضي وبمعنى الباقي، والمراد هنا الأول. يقول: إن الحياة لا بد من أن تغدر بصاحبها فهي لا محالة وإن طالت مفارقته، ولكن أوفاها له تلك التي تصحبه إلى وقت المشيب فلا تزايله حتى يطول استمتاعه، ويستوفي لذة العيش، ولكنها مع ذلك إلى انقضاء، وقال الخطيب التبريزي: يريد أن الدنيا تخترم الشباب؛ لقلة الوفاء فإذا أبقتهم كان قصاراها أن تفنيهم فلا وفاء لها ولا رغبة فيها؛ وهو تفسير حسن.
(١٩) لأبقى، جواب قسم محذوف؛ أي والله لقد أبقى، ويماك اسم مملوك سيف الدولة وهو تركي، والنجار الأصل، وجليب مجلوب من بلد إلى آخر. يقول: لقد أبقى يماك بموته في قلبي صبابة وميلًا إلى كل تركي أي إلى كل من هو من جنسه.
(٢٠) النجيب: الكريم «ضد اللئيم» والفاضل النفيس في نوعه. يقول: إن يماك ترك في قلبي هذا الميل إلى جنسه؛ لذلك الشبه الذي بينه وبينهم، وإن لم يكن كل من أشبهه في الصورة يشبهه في اليمن والنجابة، فالبيت كالاستدراك على البيت السابق، فهو يقول في الأول: إنه يحب لأجله الترك؛ لأنه منهم، والترك يوصفون ببياض الوجوه وضيق الجفون، ثم قال: إنه ليس كل تركي مباركًا، ولا كل تركي نجيبًا كالمرثي، وإذن فهو يحبهم؛ لأنهم يشبهونه في الصورة وإن لم يشبهوه في اليمن والنجابة.
(٢١) القضيب: السيف القاطع، وقيل: اللطيف الدقيق، والتناضل: الترامي بالسهام. قال العكبري: في الحرب وغيرها، وذلك أن القوم يتناضلون في الحرب بسهامهم يرمي بعضهم بعضًا، وفي غير الحرب يتناضلون بسهامهم؛ لينظروا أيهم أحسن رميًا، والطرف الفرس الكريم. يقول: إنه كان شجاعًا من أهل القتال، وكان حسن الرمي وقت النزال، وكان فارسًا يحسن الركوب للغارة والطعان، ومن ثم حزنت عليه السيوف والقسى والخيل فلا عجب إذ حزنا نحن عليه، واللام في قوله: لئن ظهرت؛ لام القسم دخلت على حرف الشرط، وأتى بجواب القسم، ولم يأتِ بجواب الشرط، ومثله كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر.
(٢٢) القضيب: السيف القاطع، وقيل: اللطيف الدقيق، والتناضل: الترامي بالسهام. قال العكبري: في الحرب وغيرها، وذلك أن القوم يتناضلون في الحرب بسهامهم يرمي بعضهم بعضًا، وفي غير الحرب يتناضلون بسهامهم؛ لينظروا أيهم أحسن رميًا، والطرف الفرس الكريم. يقول: إنه كان شجاعًا من أهل القتال، وكان حسن الرمي وقت النزال، وكان فارسًا يحسن الركوب للغارة والطعان، ومن ثم حزنت عليه السيوف والقسى والخيل فلا عجب إذ حزنا نحن عليه، واللام في قوله: لئن ظهرت؛ لام القسم دخلت على حرف الشرط، وأتى بجواب القسم، ولم يأتِ بجواب الشرط، ومثله كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر.
(٢٣) وتدعو: عطف على يخل، وكان الوجه فتح الواو ولكنه سكنها للضرورة. يقول: إنه يشق على يماك أن يغير عادته في خدمتك، وأن تدعوه لأمر فلا يجيبك.
(٢٤) ذي لبدتين؛ أي أسد، واللبدة الشعر المتراكب على كتف الأسد، يقول: وكنت إذا رأيته قائمًا بين يديك رأيت منه أسدًا وفتى أديبًا؛ أي إنه كان جامعًا بين الأدب في الخدمة وقوة الأسد لدى البأس، والتاء في كنت وأبصرته ونظرت رويت مبنية على الضم للمتكلم وعلى الفتح للمخاطب.
(٢٥) العاق: هو النفيس من كل شيء، وهو خبر يكن، وجملة فقدته حال، والمتلاف: الذي يتلف أمواله سخاء وجودًا، والأغر: الشريف، يقول: فإن يكن يماك العلق النفيس قد فقدته فإنما ذهب من كف رجل يتلف الأموال ويهبها ولا يبالي بما ذهب منه، ومن روى تكن بالتاء فهو على الخطاب لسيف الدولة، ويكون العلق منصوبًا على الاشتغال أو بفعل مضمر دل عليه قوله فقدته، والتقدير؛ فإن تكن فقدت العلق النفيس.
(٢٦) الردى: الموت، وعاد: ظالم معتد، والمراد بالماجد — وهو الكامل الشرف — سيف الدولة، وعوذه: علق عليه العوذة وهي الرقية يُتقى بها السوء. يقول: إن الشريف لا يسلم من حدثان الدهر ونوائبه حتى يجعل لشرفه رقية من العيوب وأنت لا عيب فيك، ومن هنا أصابك الدهر بمن تحب، وهذا كقول الشاعر:
شَخَصَ الْأَنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ
مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدِ
وقول الآخر:
قَدْ قُلْتُ حِينَ تَكَامَلَتْ وَغَدَتْ
أَفْعَالُهُ زَيْنًا مِنَ الزَّيْنِ
مَا كَانَ أَحْوَجَ ذَا الْكَمَالِ إِلَى
عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنَ الْعَيْنِ
كان: زائدة، وذا الكمال؛ أي هذا الكمال.
(٢٧) يعتذر عن ذنوب الدهر وإساءاته بالتنبيه إلى سابق إحسانه؛ أي إن من شيمة الدهر أن يحسن تارة ويسيء أخرى. يقول: ولولا أن الدهر أحسن إلينا بجمعه بيننا ما كنا نعرف إساءته بتفريقه بيننا، فبإحسانه عرفنا إساءته، والأيادي: النعم.
(٢٨) بعد أن اعتذر عن الدهر عاد إلى ذمِّه يقول: وإذ إن الدهر شاب إحسانه بالإساءة فلم يتم إحسانه بتربيته وتعهده وإتمامه فترك المحسن إحسانه أجمل به من ذلك وأفضل؛ أي إن كل محسن لم يتم إحسانه فتركه خير وأمثل، وهذا كقوله:
أَبَدًا تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنـْ
ـيَا فَيَا لَيْتَ جُودَهَا كَانَ بُخْلَا
واللام في قوله: وللترك؛ لام الابتداء، وربيب: تام من رب عمله أصلحه ونمَّاه وأتمه.
(٢٩) يقول: إن سيف الدولة ملك العرب بإحسانه إليهم فلا حاجة به معهم إلى مملوك تركي، وخص نزارًا؛ لأنه أبو القبائل الأشراف كقريش وغير قريش؛ فالمراد بنزار سائر العرب.
(٣٠) الباء في قوله بصفاء وبالقرب زائدة، وصفاء والقرب في محل رفع بكفى، والرق: العبودية، واللبيب: العاقل، يقول: إن سيف الدولة استعبد العرب بمصافاته إياهم وإقباله عليهم بالود، ومثله إذا صافى إنسانًا استرقَّه بكثرة الإحسان إليه، وإن لم يبتعه كما يبتاع العبد، وهذا هو الرق والاستعباد.
(٣١) يدعو له بأن يعوضه الله الأجر من يماك فإن الأجر أجل ثواب من أجل مثيب وهو الله — سبحانه وتعالى — أو تقول: فإن سيف الدولة أجل عبد يثاب من الله، فضمير إنه إما عائد على الأجر، ومثاب: مصدر بمثابة الثواب، أو عائد على سيف الدولة ويكون مثاب مفعولًا من الإثابة.
(٣٢) فتى الخيل؛ أي هو «سيف الدولة» فتى الخيل، وجملة قد بل النجيع نحورها؛ حال من الخيل، والنجيع: الدم، وضنك: صفة موصوف محذوف أي في يوم ضيق المقام، فالضنك الضيق، وعصيب أي شديد، واعصوصب اليوم والشر اشتد، ويوم عصيب وعصبصب شديد وليلة عصبصب كذلك ولم يقولوا عصبصبة، ولعله مأخوذ من قولك عصب القوم أمر إذا ضمهم واشتد عليهم، ويقال لأمعاء الشاة إذا طويت وجمعت ثم جعلت في حوية من حوايا بطنها عصب واحدها عصيب، والعصيب أيضًا الرئة تعصب بالأمعاء فتشوى، قال حميد بن ثور يصف نساء نشأن بالبادية:
أُولَئِكَ لَمْ يَدْرِينَ مَا سَمَكُ الْقُرَى
وَلَا عُصُبٌ فِيهَا رِئَاتُ الْعَمَارِسِ
(العمارس جمع عمروس، والعمروس والطمروس الخروف، والعصب جمع عصيب وهو ما عرفت.)
(يقول: إن سيف الدولة أجل مثاب؛ لأنه إذا بلت الدماء نحور الخيل فهو فتاها الثابت على الطعان في مثل ذلك اليوم.)
(٣٣) الريط: جمع ريطة وهي المُلاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفتين، وقيل كل ثوب لين رقيق، ويعاف: يكره، والخيم: جمع خيمة يقول: إنه يكره الاستظلال بالخيام المتخذة من النسيج، وإنما يستظل بغبار الحروب.
(٣٤) الإسعاد: الإعانة. يقول: إن كانت إعانتنا إياك على هذه الرزية نافعة مجدية أعناك بشق القلوب لا بشق الجيوب، وهذا من قول حبيب:
شَقَّ جُيُوبًا مِنْ رِجَالِ لَوِ اسْطَا
عُوا لَشَقُّوا مَا وَرَاءَ الْجُيُوبِ
وجيب القميص ما انفتح منه على النحر.
(٣٥) يقول: ليس بالبكاء يعلم الحزن، فرب محزون عصي الدمع فلا يبكي، ورب باكٍ تنسكب دموعه وليس بمحزون. قال العكبري: وأخذ هذا البيت مما أنشده أبو علي في آخر تكملة إيضاحه:
وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ
وَمَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ
(٣٦) في أبيك: بفتح الباء كما رواها ابن جني، يريد في أبويك، وهي لغة للعرب صحيحة، فإن بعض العرب يقول في تثنية أب أبان كما قالوا أبوان، وفي الإضافة أبيك، وإذا جمعت بالواو والنون قالوا: أبون، قال الشاعر:
فَلَمَّا تَبَيَّنَّ أَصْوَاتَنَا
بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بِالْأَبِينَا
(يصف نساء سبين فوفد عليهن من قومهن من يفاديهن؛ فبكين إليهم، وفدينهم بآبائهن سرورًا بوفودهم عليهن.)
وعلى هذا قرأ بعضهم: «إله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» يريد جمع أب أي أبينك فحذف النون للإضافة، يقول: تسل عن هذا المفقود بالتفكر في مصابك بأبويك، فقد بكيت لفقدهما ثم ضحكت بعد ذلك بمديدة، وكذلك حزنك لأجل هذا المصاب سيذهب عن قريب، وعبارة بعض الشراح: تفكر في آبائك الذين ذهبوا فكل أحد سيذهب كذهابهم فلا يجب الحزن، وفي معناه:
فَفُضِّي اللَّوْمَ عَاذِلَتِي فَإِنِّي
سَيَكْفِينِي التَّجَارِبُ وَانْتِسَابِي
يريد لا أنتسب إلا إلى مفقود. ومثله قول لبيد:
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ فَانْتَسِبْ
لَعَلَّكَ تَهْدِيكَ الْقُرُونُ الْأَوَائِلُ
(٣٧) المصاب ها هنا مصدر كالإصابة، والمراد هنا بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر، ويقال بات فلان خبيث النفس؛ أي ثقليها كريه الحال، وفي حديث هرقل: «فأصبح يومًا وهو خبيث النفس.» أي ثقيلها كريه الحال، ومنه الحديث: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي.» أي ثقلت وغثت كأنه كره اسم الخبث، وفاعل ثنت يعود على النفس أي صرفت الخبث، أو تقول ثنت أي انثنت. يقول: إذا استقبل الكريم إصابة الدهر إياه بالجزع راجع عقله بعد ذلك فاعتصم بالصبر؛ لعلمه أن الجزع لا يفيد. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع؛ لعلمه أنه من كونها، فهان عليه ذلك لعجز الكل عن دفع ذلك.
(٣٨) الواجد: المحزون، والزفرة: تصعيد النفس بعد مده، واللغوب: الإعياء، يقول: لا بد للمحزون من سكون فإما أن يسكن عزاء وإلا سكن إعياء، فالعاقل من يتعزى، وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
أَتَصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وَحِسْبَةً
فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سُلُوَّ الْبَهَائِمِ
ويقول محمود الوراق:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَسْلُ اصْطِبَارًا وَحِسْبَةً
سَلَوْتَ عَلَى الْأَيَّامِ مِثْلَ الْبَهَائِمِ
(٣٩) كم ها هنا خبرية بمعنى كثير، والواجب خفض تميزها، ولكنه نصب جدًّا هنا؛ لوجود فاصل بينها وبين معمولها فبطل الخبر، وغروب جمع غرب وهو الدمع، يقول: كم لك من جد لم تره عينك فلم تبكِ عليه فهب هذا مثلهم؛ لأنه قد غاب عنك، والغائب عن قرب كالغائب الذي طال عليه العهد، قال الخطيب: وهذا المعنى مدخول؛ لأن أجداده لم يرهم ولم يعرفهم، ويماك قد رآه وعرفه ورثاه. أقول: ونقد الخطيب واضح وفي محله كما ترى.
(٤٠) من يحسد: مبتدأ مؤخر، وفي تعب: خبر مقدم، ونورها: بدل من الشمس أو مفعول ثانٍ ليحسد، وأسكن الياء من يأتي ضرورة، وأكثر ما يكون ذلك في الياء والواو، والضريب النظير يقول: مثل حسادك معك مثل من يريد أن يأتي للشمس بنظير، وهذا في تعب لازب؛ لأنه يعالج المحال، وكذلك حسادك؛ لأنه لا نظير لك كالشمس.
(٤١) يخاطب ربع الحبيب ويدعو له، وقوله من ربع تمييز، ومن زائدة، والربع المنزل متى كان وبأي مكان كان، أما المربع ومثله المرتبع والمتربع فهو الموضع الذي ينزل فيه أيام الربيع، يقول: فديناك أيها الربع من أحداث الدهر ونوائبه برغم أنك زدتنا وجدًا بما هجت من ذكرى الحبيب الذي كان فيك كالشمس يخرج منك ويعود إليك، وكنت له كالمشرق حين يظهر، وكالمغرب حين يحتجب.
(٤٢) يتعجب من معرفته آثار ديار الحبيب بعد أن سلبه قلبه وعقله، ولم يدع له سبيلًا إلى إدراك الأشياء، ويدع رُوي بالياء وبالتاء، فمن روى بالياء فهو على لفظ من، ومن روى بالتاء حمله على المعنى؛ لأن المقصود بمن، امرأة.
(٤٣) الأكوار جمع كور وهو رحل البعير، وأن نلم مُؤَوَّل بمصدر مجرور بعن محذوفة صلة كرامة أي كرامة عن أن نلم به ركبانًا، ونلم ننزل يقول: لما أتينا هذا الربع نزلنا عن رواحلنا وترجلنا كرامة للحبيب — الذي كان فيه ثم زايله — وتقديسًا له أن ننزل بربعه راكبين وقد أوضح هذا المعنى السري الرفاء بقوله:
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ أَجَابَ دُثُورُهُ
يَوْمَ الْعَقِيقِ سُؤَالَ دَمْعٍ سَائِلِ
نَحْفَى وَنَنْزِلُ وَهْوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً
مِنْ أَنْ يُذَالَ بِرَاكِبٍ أَوْ نَاعِلِ
(٤٤) السحاب جمع، ومن ثم جاز وصفه بالغر؛ أي البيض: وإنما قال الغر لأنها كثيرة الماء، يقول: نذم السحاب لأنها عفت الربع وغيرت معالمه بما ينهل منها من المطر، وإذا طلعت عليه أعرضنا عنها وأشحنا بوجوهنا عتبًا عليها؛ لتعفيتها الرسوم، وفعلها بها ما فعلت.
(٤٥) هذا البيت متصل بالذي قبله، يقول: نحن نذم السحاب؛ لما تفعل بالربع، ولا حق لنا في هذا الذم؛ لأن من صحب الدنيا، وطال امتراسه بها تقلبت أحوالها عليه حتى يرى ما اطمأن إليه من صفائها ونعيمها قد تغير وحال عما كان عليه كأنْ لم يَغْنَ بالأمس، وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي نواس:
إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ
لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ
قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: ليس ترداد حركات الفلك إلا تحيل الكائنات عن حقائقها.
(٤٦) يقول: كيف ألتذ بالعشايا والغدايا إذا لم أستنشق ذلك النسيم الذي كنت أجده من قبل: يعني نسيم الحبيب ونسيم أيام الشباب والوصال، والأصائل جمع أصيل على غير قياس وهو ما بين العصر إلى المغرب. والضحى؛ قال الجوهري: مقصور تؤنث وتذكر، فمن أنث ذهب إلى أنه جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن مثل سحر، تقول لقيته ضحى وضحى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه، وقال ابن بري: ضحى مصروف على كل حال، قال الجوهري: وهو حين تشرق الشمس ثم بعده الضحاء ممدود مذكر وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، وقيل: الضحى من طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس جدًّا، ثم بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار.
(٤٧) يقول: تذكرت بهذا الربع وصلًا قصرت أيامه حتى كأنه لم يكن لسرعة انقضائه، وعيشًا وشيك الانقطاع كأني قطعته بالوثوب، ووثب: قفز وطفر، ومن قولهم وثب إلى الشرف وثبًا؛ أي وصل إليه دفعة واحدة، قال ابن جني: يريد قصر أوقات السرور، ومن بديع ما قيل في قصر أوقات السرور قول الوليد بن يزيد:
لَا أَسْأَلُ اللهَ تَغْيِيرًا لِمَا صَنَعَتْ
نَامَتْ وَقَدْ أَسْهَرَتْ عَيْنيَّ عَيْنَاهَا
فَاللَّيْلُ أَطْوَلُ شَيْءٍ حِينَ أَفْقِدَهُا
وَاللَّيْلُ أَقْصَرُ شَيْءٍ حِينَ أَلْقَاهَا
والشعراء أبدًا يذكرون قصر أوقات السرور وأيام اللهو، وسرعة زوالها وانقضائها فمن ظريفه قول بعض العرب:
لَيْلِي وَلَيْلَى نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافُهُمَا
حَتَّى لَقَدْ تَرَكَانِي فِي الْهَوَى مَثَلَا
يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّمَا نَحلَتْ
بِالطولِ لَيْلَى وَإِنْ جَادَتْ بِهِ بَخَلَا
وفي هذا البيت من الجناس الذي ترى ما يعجز عنه، وقال البحتري:
فَلَا تَذْكُرَا عَهْدَ التَّصَابِي فَإِنَّهُ
تَقَضَّى وَلَمْ نَشْعُرْ بِهِ ذَلِكَ الْعَصْرُ
وما أبدع ما يقول الرضي:
يَا لَيْلَةً كَادَ مِنْ تَقَاصُرِهَا
أَنْ يَعْثُرَ فِيهَا الْعَشِيُّ بِالسَّحَرِ
وقال بعضهم:
ظَلِلْنَا عِنْدَ دَارِ أَبِي نُعَيْمٍ
بِيَوْمٍ مِثْلَ سَالِفَةِ الذُّبَابِ
شبهه في القصر بعنق الذباب، ومثله لجرير:
وَيَوْمٍ كَأَبْهَامِ الْقَطَاةِ مُزَيِّنٍ
إِلَى صِبَاهُ غَالِبٍ لِيَ بَاطِلُه
وما أحسن قول إبراهيم بن العباس:
لَيَلَةٌ كَادَ يَلْتَقِي طَرَفَاهَا
قَصْرًا وَهْيَ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ
ويقول متمم بن نويرة:
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكَا
لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
(٤٨) النفح: تضوع رائحة الطيب، يقال: نفح الطيب ونفحت رائحة الطيب، وعدى النفح على المعنى كأنه قال: إذا أصابت روائحها شيخًا شب، وفتانة عطف على وصلًا في البيت قبله؛ أي وذكرت به فتانة، يقول: وذكرت امرأة تفتن عيناها ويقتل هواها إذا فغمت روائحها شيخًا تصابى وعاد شابًا، وهذا مثل قول الصنوبري:
بِلَفْظٍ لَوْ بَدَا لِحَلِيفِ شَيْبٍ
لَفَارَقَهُ وَعَادَ إِلَى شَبَابِه
(٤٩) البشر: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، والدر: اللآلئ العظام، والشهب: الدراري من النجوم؛ يقول: إن لونها مثل لون الدر الذي تقلدته، وهي كالبدر حسنًا وجمالًا، وقلائدها كدراري النجوم ولم أرَ قبلها بدرًا قلد النجوم.
(٥٠) ويا لي: يروى وبالي بالموحدة، والنوى: البعد. يقول: فيا شوقي ما أبقاك فلست تنفد، ويا من لي يمنعني من ظلم الفراق، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أصباك وأشوقك، وقد حذف كما ترى ياءات الإضافة من شوق ودمع وقلب تخفيفًا؛ لأن الكسرة تدل عليها، ولك أن تقرأ شوق ودمع وقلب مبنية على الضم على أنها مفردة أي غير مضافة إلى ياء المتكلم، وحذف الكاف المنصوبة من أبقى وأجرى وأصبى للمخاطبة التي قبلها بالنداء، وقوله: ويا لي، استغاثة، قال العكبري: قوله ويا لي يحتمل أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة كأنه استغاث بنفسه من النوى، ويحتمل أن يكون أراد اللام المكسورة التي للمستغاث من أجله كأنه قال: يا قوم اعجبوا لي من النوى.
(٥١) البين: البعد، والمشت: المفرق، والضب: حيوان من الزحافات معروف يضرب به المثل في الحيرة، يقال: أحير من ضب؛ لأنه إذا خرج من جحره لا يهتدي إليه عند أوبته، يقول: لعب الفراق بشملنا وزودني الضلال والحيرة فلا أهتدي إلى وجه، وليس إلى لقاء الحبيب من سبيل، وقيل: إن المراد كما أن الضب لا يتزود في المفازة؛ لأنه لا يحتاج إلى الماء أبدًا فكذا لم يزودني الفراق شيئًا؛ أي إنه لم يودع حبيبته وفارقها من غير وداع ولا التقاء فيكون التوديع زادًا كما قال بعضهم:
زَوَّدَ الْأَحْبَابُ لِلْأَحـْ
ـبَابِ ضَمًّا وَالْتِزَامَا
وَسُلَيْمَى زَوَّدَتْنِي
يَوْمَ تَوْدِيعِي السِّقَامَا
وقال ابن فوزجه: يريد زودني الضلال عن وطني الذي خرجت منه فما أوفق إلى العود إليه والاجتماع مع الحبيب، والضب يوصف بالضلال وقلة الاهتداء، وعبارة الواحدي يجوز أن يكون المعنى أن الضب مكانه المفازة فلا يتزود إذا انتقل منها، يقول: أنا في البين مقيم إقامة الضب في المفازة، وليس من عادة المقيم أن يتزود فالسير والبين كأنهما منزل لإلفي إياهما.
(٥٢) الضواري المضراة والمولعة بالصيد. يقول: من كان من نسل الشجعان وكان آباؤه كالأسود كان هو كذلك وعاش عيشة الأسود، وإذن يكون الليل له نهارًا فلا تعوقه الظلمة عن بلوغه مآربه، وكان مطعمه مما يأخذه من أعدائه قهرًا، قال ابن جني: قوله يكن ليله صبحًا من قول الآخر:
فَبَادِرِ اللَّيْلَ وَلَذَّاتِهِ
فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نَهَارُ الْأَرِيبِ
(٥٣) كأنه يعتذر من الغضب الذي ذكر في البيت السابق، يقول: إذا أدركت معالي الأمور فلست أبالي بعد إدراكها أكان ما يحصل في يدي إرثًا أم كسبًا فالتراث المال الموروث: قال بعض الشراح: وكان الوجه أن يقول أتراثًا كان؛ لأن الهمزة لا يليها إلا المسئول عنه فأخره لإقامة الوزن.
(٥٤) فرب غلام؛ يعني نفسه، يقول: إن المرء يمكنه أن يعلِّم نفسه المجد وإن لم يكن له من يعلمه كما علم سيف الدولة نفسه الطعن والضرب ومجالدة الأبطال بشجاعته وحذقه، ويروى: «كَتَعْلِيمِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الدَّوْلَةَ الضَّرْبَا» أي: كما علم أهل دولته الطعان والنزال، والرواية الأولى أظهر، والمجد الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، وقيل: لا يكون إلا بالآباء، والظاهر أنه مأخوذ من قولهم مجدت الإبل إذا شبعت وامتلأت بطونها علفا وأمجدها راعيها، ويقال من هذا أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، ولما كان من أساس المجد كثرة المآثر والمساعي كان مأخوذًا من ذاك.
(٥٥) يقال: كفيته الأمر أعنته عليه وقمت به دونه، وقد استكفاني أمره فكفيته، وعداه هنا بالباء على تضمينه معنى استعانت به، يقول: إن الدولة إذا استعانت به في أية مهمة أو نازلة كفاها، وبلغت به وحده ما تريد؛ فكان سيفًا لها على أعدائها، وكفًّا تضرب بها، وقلبًا تقتحم به الأهوال؛ قال العكبري: يريد بهذا أن يفضله على سيف الحديد فإنه لا يعمل بنفسه ولا يعمل إلا بضارب، وسيف الدولة يعمل بنفسه.
(٥٦) يقول: إن السيوف تهاب مع أنها حديد لا عقل لها ولا قوة إلا بالضارب بها فكيف يكون حالها في الخوف منها إذا كانت عربية نزارية؟! أي تقطع بنفسها دون استعانة بغيرها، وسيف الدولة عربي نزاري، فيكون أحق بالخوف منه.
(٥٧) يقول: إن الليث يرهب إذا كان وحده فلا يجترئ أحد على مواجهته فكيف إذا كان معه ليوث آخرون؟ يريد سيف الدولة وأصحابه.
(٥٨) عباب البحر: تراكم أمواجه وشدتها، ويغشى: يغطي، وعب: زخر وتدفق، وقد سُمي الفرس الشديد الجري والنهر الشديد الجريان يعبوبًا من ذلك، يقول: والبحر تخاف أمواجه وهو مكانه فكيف الظن بمن إذا زخر وماج عم البلاد.
(٥٩) اللغى: جمع لغة، يقول: هو عليم بخفيات الديانات واللغات، يعلم منهما ما لا يصل إليه غيره، وله في ذلك خطرات تفضح العلماء وكتبهم؛ لأنهم لم يبلغوا في العلم ما يجري على خاطره.
(٦٠) يقال: بوركت وبورك لك وبورك فيك وبورك عليك، يدعو له بالبركة والنماء، ومن غيث: تمييز، والديباج: فارسي معرب وهو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، والوشي: الثوب فيه ألوان شتى، والعصب: ضرب من برود اليمن، يقول: إنك تخلع علينا هذه الثياب فكأنك غيث تمطر علينا فتنبت جلودنا هذه الثياب، فبارك الله عليك غيثًا.
(٦١) الجزل: الكثير، وهلًا: اسم صوت تزجر به الخيل، والقصب: المعى والجمع أقصاب، وفي الحديث: «الذي يتخظى رقاب الناس يوم الجمعة كالجار قصبه في النار.» قيل اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء، يقول: وبوركت من رجل يهب العطاء جزلًا، ويزجر الخيل يستحثها، ويهتك الدروع بسيفه وسنانه، ويشق الأمعاء فينثرها.
(٦٢) رأيك: مرفوع بفعله وفعله هنيئًا، وأصله ثبت رأيك هنيئًا لهم فحذف الفعل وأقيم الحال «هنيئًا» مقامه فصارت تعمل عمله، وحزب الله: منادى أو منصوب على الاختصاص، يقول: ليهنهم حسن رأيك فيهم، وأنك صرت لهم حزبًا — أي أعوانًا وأنصارًا — في حال أنك حزب الله.
(٦٣) وأنك: عطف على وأنك حزب الله في البيت السابق، والضمير في فيها وفي بساحتها للأرض، وأرجعه إلى غير مذكور على حد قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ورعت: أفزعت، وريب الدهر: صروفه وحوادثه. يقول: هنيئًا لأهل الثغر أنك صرت لهم حزبًا، وأنك فعلت في الأرض أفعالًا أفزعت الدهر وصروفه، فإن شك الدهر في قولي فليحدث في الأرض خطبًا، يعني أن الناس آمنون من تصاريف الدهر فليس في استطاعته أن يمسهم بسوء هيبةً لك.
(٦٤) عنهم؛ أي عن أهل الثغر، والجدب: القحط.
(٦٥) السرايا: جمع سرية وهي الجماعة من الجيش، سُميت كذلك قيل: لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري أي النفيس، وقيل: لأنهم ينفذون سرًّا وخفية، وتترى: متواترة متتابعة وبينها فجوات وفترات قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ وهو معلوم أن بين كل رسولين فترة، قال الجوهري: تترى فيها لغتان تنون ولا تنون، فمن ترك صرْفها في المعرفة جعل ألفها ألف تأنيث وهو أجود، وأصلها وترى من الوتر وهو الفرد، ومن نونها جعلها ملحقةً والمراد هنا التي يخلف بعضها بعضًا، ونهبى؛ أي منهوبة، والدمستق: اسم لقائد الروم.
(٦٦) مرعش حصن من أعمال ملطية؛ يقول: أتى الدمستق هذا الثغر مهزوزًا نشيطًا مبتهجًا يجد البعيد قريبًا، فلما أقبلت عليه ولى مدبرًا وهو يرى القريب بعيدًا خوفًا وذعرًا أن تدركه، قال العكبري: ولقد أحسن القائل الناظر إلى هذا المعنى:
وَاللهِ مَا جِئْتُكُمْ زَائِرًا
إِلَّا رَأَيْتُ الْأَرْضَ تُطْوَى لِي
وَلَا انْثَنَى عَزْمِيَ عَنْ بَابِكُمْ
إِلَّا تَعَثَّرْتُ بِأَذْيَالِي
(٦٧) يقول: كذا من أقدم على الحرب وهو يكره الجلاد جبنًا يترك أعداءه، ويخيم عن اللقاء، وينكص على عقبيه، وكذا يرجع عن الحرب من لم يغنم سوى الرعب؛ أي إن الدمستق عاد مرعوبًا فكان الرعب له بمنزلة الغنيمة لغيره.
(٦٨) اللقان: ثغر ببلاد الروم «الأناضول» والعوالي من الرماح: ما دخل في السنان إلى ثلثه، والخيل المطهمة: التامة الخلق، والقب: جمع أقب وهو الضامر البطن، ووقوفه: فاعل رد؛ قال الواحدي: كان الدمستق قد أقام باللقان فلما أقبل سيف الدولة انهزم. يقول: فهل أغنى عنه وقوفه وهل رد عنه الرماح والخيل الحسان الضامرة.
(٦٩) يريد بالرماحين رماح الفريقين فثنى الجمع كما قال أبو النجم:
بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ
الهدب: أشفار العين، يقول: انهزم بعد أن تشاجرت الرماح ساعة كما تختلط الأهداب الأعالي والأسافل عند الرقاد، وهذا مثل قول بعضهم:
مَا الْتَقَيْنَا بِحَمْدِ رَبِّيَ إِلَّا
مِثَلْ مَا تَلْتَقِي جُفُونُ السَّلِيمِ
(٧٠) السورة: الحدة، يقول: ولكنه انهزم، وللطعن في أصحابه حدة إذا تذكرها لمس جنبه قائلًا: هل أصابه شيء منه؟ أي إنه انهزم مدهوشًا مرعوبًا لا يدري ما حاله وهل أصابته طعنة نافذة؟ قال بعض الشراح: إنه هرب وبقي من دهشه لا يدري ما يصنع فكان يلمس جنبه هل يجد روحه بين جنبيه من الذهول والفزع، وهذا من قول أبي نواس:
إِذَا تَفَكَّرْتُ فِي هَوَايَ لَهُ
مَسَسْتُ رَأْسِيَ هَلْ طَارَ عَنْ بَدَنِي
(٧١) العذارى: جمع عذارء وهي البكر من النساء، والبطاريق: جمع بطريق وهم قواد الروم، والشعث: جمع أشعث وهو المغبر الرأس، والمراد بهم هنا الرهبان، والقرابين: جمع قربان وهو ما يتقرب به إلى الله والمراد هنا خاصة الملك، والصلب: جمع صليب وسكن اللام على لغة تميم. يقول: إنه انهزم وترك هؤلاء ولم يلتفت إليهم لهول ما رأى.
(٧٢) المستهام: الذي ملك عليه العشق أمره فهام على وجهه، والصبابة: رقة الشوق، يقول: كل منا يطلب الحياة عاشقًا لها محبًّا حريصًا عليها.
(٧٣) يقول: كل من الجبان والشجاع سواء في حب النفس وإن اختلف فعلهما، فالجبان حبًّا لنفسه وإبقاء على حياته اتقى الحرب وترك القتال، والشجاع إنما أقدم على الحرب دفاعًا عن نفسه، وذودا عن مهجته؛ لأنه يخاف على نفسه العدو إن هو قعد عن الحرب أو لأنه إذا أرى من نفسه الشجاعة تحاماه الناس واتقوه، فكان في ذلك بقاؤه كما قال الحماسي — الحصين بن الحمام:
تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ
لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا
وتقول الخنساء:
نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْنُ النُّفُوسِ
يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَبْقَى لَهَا
وروي أن الصديق — رضي الله عنه — قال لخالد بن الوليد — وقد ودعه لحرب أهل الردة: احرص على الموت توهب لك الحياة، ومعناه: إما أن الشجاع مهب مرهوب لا يحام حوله، وإما أن ذكره يبقى بعده فيكون كأنه حي كما قال حبيب:
سَلَفُوا يَرَوْنَ الذِّكْرَ عُقْبًا صَالِحًا
وَمَضَوْا يَعُدُّونَ الثَّنَاءَ خُلُودَا
وإما أنه إذا استشهد صار حيًّا كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قال العكبري: وهذا البيت من الحكمة، قال الحكيم: النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذل كل الإباء، وترى فناءها في طلب العز حياتها، والنفس الدنيئة على الضد من ذلك، وروي بدل النفس الحرب.
(٧٤) قال الواحدي: يقول: إن الرجلين ليفعلان فعلًا واحدًا فيرزق أحدهما بذلك الفعل ويحرم الثاني حتى كأن إحسان المرزوق ذنب للمحروم، ومثال ذلك أن يحضر الحرب اثنان يغنم أحدهما ويحرم الآخر، فحضور الحرب إحسان من الغانم ذنب للمحروم، وكلاهما فعل فعلًا واحدًا، وكذلك مسافران مثلًا سافرا فربح أحدهما وخسر الآخر، فيعد السفر من الرابح إحسانًا يحمد عليه ومن الخاسر ذنبًا يلام عليه، وهذا كما أنشده ابن الأعرابي:
يَخِيبُ الْفَتَى مِنْ حَيْثُ يُرْزَقُ غَيْرُهُ
وَيُعْطَى الْمُنَى مِنْ حَيْثُ يُحْرَمُ صَاحِبُهْ
وفي هذا — أسعدك الله — من الدلالة على القضاء، وكونه ولعبه بالإنسان وعلى الحظ وأثره في تصرفات الناس ما لا سبيل إلى إنكاره، ونورد هنا بعضًا مما قاله الشعراء مما يتصل بهذا الباب، وهو باب واسع جدًّا. قال رهين المحبسين:
لَا تَطْلُبَنَّ بِآلَةٍ لَكَ رُتْبَةً
قَلَمُ الْبَلِيغِ بِغَيْرِ حَظِّ مِغَزْلُ
سَكَنَ السِّمَاكَانِ السَّمَاءَ كِلَاهُمَا
هَذَا لَهُ رُمْحٌ وَهَذَا أَعْزَلُ
وقال:
سَيَطْلُبُنِي رِزْقِي الَّذِي لَوْ طَلَبْتُهُ
لَمَا زَادَ وَالدُّنْيَا حُظُوظٌ وَإِقْبَالُ
إِذَا صَدَقَ الْجَدُّ افْتَرَى الْعَمُّ لِلْفَتَى
مَكَارِمَ لَا تُكْرِي وَإِنْ كَذَبَ الْخَالُ
الجد هنا الحظ، والعم: الجماعة، وتكري: من أكرى الزاد إذا نقص، وافترى: كذب، والخال: المخيلة. ويقول أبو تمام:
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهْوَ جَاهِلُ
وَيُكْدِي الْفَتَى فِي دَهْرِهِ وَهْوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ تَأْتِي عَلَى الْحِجَا
إِذَنْ هَلَكَتْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
(أكدى الرجل: خاب ولم يظفر بشيء، وأصله من حافر البئر ينتهي إلى كدية أي صخرة صلبة، فلم يمكنه الحفر فيتركه.) ويقول أبو إسحاق الصابي:
إِذَا جَمَّعَتْ بَيْنَ امْرَأَيْنِ صِنَاعَةٌ
فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَدْرِي الَّذِي هُوَ أَحْذَقُ
فَلَا تَتَفَقَّدْ مِنْهُمَا غَيْرَ مَا جَرَتْ
بِهِ لَهُمَا الْأَرْزَاقُ حِينَ تُفَرَّقُ
فَحَيْثُ يَكُونُ الْجَهْلُ فَالرِّزْقُ وَاسِعٌ
وَحَيْثُ يَكُونُ الْعِلْمُ فَالرِّزْقُ ضَيِّقُ
وقال الإمام الشافعي:
لَوْ أَنْ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدْتَنِي
بِنُجُومِ أَفْلَاكِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِي
لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الْغِنَى
ضِدَّانِ مُفْتَرِقَانِ أَيَّ تَفَرُّقِ
فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَحْرُومًا أَتَى
مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاضَ فَصَدِّقِ
أَوْ أَنَّ مَحْظُوظًا غَدَا فِي كَفِّهِ
عُودٌ فَأَوْرَقَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقِ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ
بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ
والإشارة في قول المتنبي هذا ولذا للمرزوق والمحروم المفهومين من قوله ويختلف الرزقان.
(٧٥) فأضحت أي قلعة مرعش يقول — كما ذهب إلى ذلك الخطيب وتابعه جماعة من الشراح: إن هذه القلعة لعلوها في الجو كأنما ابتدى بها من الجو فأسست هناك فشقت الكواكب والترب؛ يعني الذي ارتفع منها إلى الجو حواليها فكأنها مقلوبة أسها في السماء وأعلى حائطها إلى الأرض، وروى ابن جني من فوق؛ برفع القاف، وبدؤه؛ بالرفع أيضًا جعل فوق معرفة وبناه كقبل وبعد، وأراد فوقه فلما حذف الهاء بناه كقبل وبعد، ورفع بدؤه على الابتداء، قال الواحدي: على رواية ابن جني لا يستقيم لفظ البيت ولا معناه؛ لأنه — أي المتنبي — يقول: أضحت هذه القلعة — يعني مرعشًا — كأن سورها من فوق بدئه أي من أعلى ابتدائه قد شق الكواكب بعلوه في السماء، وشق التراب برسوخه في الأرض، وهو كقول السموأل:
لَنَا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَنْ نُجِيرُهُ
مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وَهْوَ كَلِيلُ
رَسَا أَصْلُهُ تَحْتَ الثَّرَى وَسَمَا بِهِ
إِلَى النَّجْمِ فَرْعٌ لَا يُرَامُ طَوِيلُ
(٧٦) تصد: تعرض، والهوج: جمع هوجاء وهي الرياح الحمقاء التي تارة تأتي من هنا وتارة تأتي من هنا، وعنها: متعلق بتصد، ومخافة: مفعول من أجله، وأن تلقط: في موضع نصب على حذف حرف الجر؛ أي من أن تلقط، يقول: إن الرياح الهوج تعرض عنها مخافة أن تعجز عن الوصول إلى أعلاها، وكذلك الطير تحس من نفسها العجز عن الارتقاء إليها والتقاط الحب من ذراها، وقال القاضي أبو الحسن الجرجاني: يريد أن الرياح لا تدنو منها خوفًا من تثقيف سياسته والطير لا تقع عليها خشية أن يجري عليها إذا هي التقطت الحب ما توجبه حال المتناول من دون إذن، وهذا المعنى منقول من قول حبيب:
فَقَدْ بَثَّ عَبْدُ اللهِ خَوْفَ انْتِقَامِهِ
عَلَى اللَّيْلِ حَتَّى مَا تَدِبُّ عَقَارِبُهْ
وهو كقول الآخر:
وَكَانَتْ لَا تَطِيرُ الطَّيْرُ فِيهَا
وَلَا يَسْرِي بِهَا لِلْجِنِّ سَارِي
(٧٧) تردى: من الرديان وهو ضرب من العدو ترجم فيه الجياد الأرض بحوافرها، والجرد: القصار الشعر وهو من آيات العتق والكرم، والصِّنَّبْر: السحاب البارد الريح في غيم وأيضًا اسم اليوم الثاني من أيام العجوز، قالوا وهي سبعة أيام، وأنشدوا لابن أحمر وقيل لابن شبل الأعرابي:
كُسِعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْر
أَيَّامِ شَهْلَتِنَا مِنَ الشَّهْرِ
فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُهَا وَمَضَتْ
صِنٌّ وَصِنَّبْرٌ مَعَ الْوَبْرِ
وَبِآمِرٍ وَأَخِيهِ مُؤْتَمِرٍ
وَمُعَلِّلٍ وَبِمُطْفِئِ الْجَمْرِ
ذَهَبَ الشِّتَاءُ مُوَلِّيًا هَرَبًا
وَأَتَتْكَ وَافِدَةٌ مِنَ النجْرِ
(الكسع: شدة المر، يقال: كسعه بكذا وكذا، إذا جعله تابعًا له ومذهبًا به، والشهلة: العجوز، والنجر: الحر، وكل شهر في صميم الحر ناجر للعطش الذي يسببه.)
يقال: إن عجوزًا كان لها سبعة أولاد خرج كل واحد منهم في يوم من هذه الأيام فقتله البرد، والعطب: القطن، والعطب مثله كعسر وعسر. قال الشاعر:
كَأَنَّهُ فِي ذُرَى عَمَائِمِهِمْ
مُوَضَّعٌ مِنْ مَنَادِفِ الْعُطْبِ
يقول: خيلك تعدو فوق جبال هذه القلعة، وقد امتلأت طرقها بالثلج الذي كأنه قطن ندفه فيها برد الشتاء وصقيعه.
(٧٨) أن يعجب: فاعل كفى، وعجبًا: تمييز، وتبًا؛ أي خسرا وهلاكا. يقول: من العجب أن يعجب الناس ممن بنى هذه القلعة، وتبًا لآرائهم حين لم يدركوا أنه يقدر على كل ما يقصد إليه، فكيف يتعجبون من قادر يبلغ ما يريد؟
(٧٩) يقول: وأي فرق بينه وبين غيره، وأية مزية يمتاز بها عما سواه إذا كان يخشى ما يخشاه غيره، أو كان ممن يستصعب الصعب؟ إنما ينفصل عن الأغيار ويفضلهم؛ لأنه لا يخشى شيئًا، ولا يتصعب عليه أمر مهما كان.
(٨٠) الصارم العضب: السيف القاطع، يقول: إن الخلافة ما أعدته لأعدائها وسمته سيف الدولة دون غيره إلا لأمر عظيم، وذلك أنه بلغ من الشجاعة والحزم والسياسة مبلغًا لم يبلغه أحد.
(٨١) يقول: إن أعداءه لم يخيموا عن لقائه وينهزموا أمامه رحمة له وإشفاقًا، ولم يجلوا عن الشام محبة له ورغبًا، ولكنهم فعلوا ذلك فرقًا وفزعًا، وهذا المعنى كقول مروان بن أبي حفصة:
وَمَا أَحْجَمَ الْأَعْدَاءُ عَنْكَ بَقِيَّةً
عَلَيْكَ وَلَكِنْ لَمْ يَرَوْا فِيكَ مَطْمَعَا
(٨٢) قوله: غير كريمة؛ حال؛ أي نفى هذه الأسنة عنه في حال كونها غير كريمة، كريم الثناء … إلخ، والمراد نفي أصحابها، يقول: لم تتفرق عنه أعداؤه، ولا تركوا الشام حبًّا له، وإنما نفاهم عن الشام أذلاء صاغرين أنه رجل كريم الثناء ما سبَّه أحد؛ لأنه لا يفعل ما يسب عليه ولا سب أحدًا لأدبه وكرمه، والثناء ممدود ولكنه قصره هنا ضرورة اسم من أثنى عليه إذا وصفه بخير أو شر ولكنه غلب في المدح، ويروى النثا وهو قريب من الثنا، وقوله كريم الثنا تجريد على إضمار محذوف أي نفاها منه رجل كريم الثنا … إلخ.
(٨٣) قوله: وجيش؛ عطف على كريم الثنا، والطود: الجبل العظيم، والخريق: الريح الشديدة كأنها الإعصار، يقول: ونفاها عنه جيش إذا مر بجبل كان لكثرته كأنه جبل آخر فصار به الجبل جبلين، وهذا معنى قوله: يثني كل طود، ثم قال: وهو مع هذه الكثرة والكثافة إذا لاقى عدوًا كان لشدته كأنه عاصف من الريح لقي غصنًا رطبًا فخسف به وحطمه، وعبارة الشراح أن هذا الجيش إذا مر بجبل شقه نصفين؛ لكثرته، له صلصلة تسمع كالريح الخريق إذا مرت بغصن رطب، قال الشاعر:
كَأَنَّ هُبُوبَهَا خَفَقَانُ رِيحٍ
خَرِيقٍ بَيْنَ أَعْلَامٍ طِوَالِ
وهذه العبارة من الغموض بحيث تحتاج هي الأخرى إلى شرح …
(٨٤) مغاره؛ أي إغارته، والعجاجة: الغبار، يقول: إن غبار هذا الجيش حجب السماء حتى لم تبدُ النجوم، فكأن النجوم خافت إغارته عليها فاحتجبت عنه بذلك الغبار حتى لا يراها، وقد أخذ هذا المعنى الجميل الحيص بيص فقال:
نَفَى وَاضِحَ التَّشْرِيقِ عَنْ أَرْضِ رَبْعِهِ
دُخَانُ قُدُورٍ أَوْ عَجَاجَةُ مِصْدَمِ
(رجل مصدم: محرب. من التصادم.)
(٨٥) يقول: إذا كان هناك من الملوك من يرضي اللؤم والكفر بأن ينزل على حكمهما، ويعمل ما يقتضيانه فهذا يرضي المكارم بجوده وسخائه، ويرضي الله بجهاده في سبيله، وقال الشريف بن الشجري في أماليه: الإشارة في قوله: فهذا إلى الملك لا إلى الممدوح لأمرين؛ أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال فأنت الذي ترضى؛ لأن الخطاب في مثل هذا أمدح، والآخر: أنه أشار إلى الملك فجعل الإرضاء له؛ لأن الإرضاء الأول مسند إلى الملك، فوجب أن يكون الإرضاء الثاني كذلك؛ لأن وجه الإشارة إليه أن قوله: ملكه؛ قد دل عليه كما توجهت الإشارة في الضمير إلى الصبر من قوله تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لدلالة صبر عليه، وكما عاد الضمير إلى الملك من قول القطامي:
هُمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ هُمُ
وَالْآخِذُونَ بِهِ والسَّاسَةُ الْأُوَلُ
قال: وكان الوجه لأبي الطيب أن يقول في المقابلة يرضي المكارم والإيمان؛ ليقابل بالإيمان الكفر كما قابل بالمكارم اللؤم، ولكن لما اضطرته القافية وضع لفظ الرب موضع الإيمان فكان ذلك في غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة إرضاء أهله، وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله تعالى.
(٨٦) مستعتبًا: مسترضيًا. قال الواحدي: لما انصرف أبو الطيب من مجلس سيف الدولة وقف له رجالة في طريقه؛ ليغتالوه، فلما رآهم أبو الطيب ورأى السلاح تحت ثيابهم سل سيفه، وجاءهم حتى اخترقهم فلم يقدموا عليه، ونُمي ذلك إلى أبي العشائر؛ فأرسل عشرة من خاصته فوقفوا بباب سيف الدولة، وجاء رسوله إلى أبي الطيب فسار إليه حتى قرب منهم فضرب أحدهم يده إلى عنان فرسه، فسل أبو الطيب السيف فوثب الرجل أمامه، وتقدمت فرسه الخيل، وعبرت قنطرة كانت بين يديه، واجترهم إلى الصحراء فأصاب أحدهم نحر فرسه بسهم فانتزع أبو الطيب السهم ورمى به، واستقلت الفرس، وتباعد بهم؛ ليقطعهم عن إمداد إن كان لهم، ثم كرَّ عليهم بعد أن فني النشاب فضرب أحدهم فقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف إلى ذراعه؛ فوقفوا عنه، واشتغلوا بالمضروب، فسار وتركهم، فلما يئسوا منه قال له أحدهم في آخر الليلة: نحن غلمان أبي العشائر، ولذلك قال: ومنتسبٍ عندي إلى من أحبُّه … ثم عاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفيًا فأقام عند صديق له، والمراسلة بينه وبين سيف الدولة، وسيف الدولة ينكر أن يكون قد فعل ذلك أو أمر به، وعند ذلك قال هذه الأبيات، وجاء في الصبح المنبي ما يأتي: قال أبو فراس الحمداني يومًا لسيف الدولة: إن هذا المتشدق — يعني المتنبي — كثير الإدلال عليك وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام وعمل فيه، وكان المتنبي غائبًا، وبلغته القصة، ولما حضر دخل على سيف الدولة وأنشده:
أَلَا مَا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الْيَوْمَ عَاتِبًا
فدَاهُ الْوَرَى أَمْضَى السُّيُوفِ مَضَارِبَا
الأبيات. قال: فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيرًا، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع أبو الطيب بعد ذلك، ونظم القصيدة التي أولها:
وَا حَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبمُ
ثم جاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه بقوله:
مَا لِي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَرَى جَسَدِي
وَتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَمُ
إلى أن قال:
قَدْ زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الْهِنْدِ مُغْمَدَةٌ
وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ دَمُ
فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله، وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إِلَّا فِي مُعَامَلَتِي
فِيكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
قال أبو فراس: قد مسخت قول دعبل وادعيته، وهو:
وَلَسْتُ أَرْجُو انْتِصَافًا مِنْكَ مَا ذَرفَتْ
عَيْنِي دُمُوعًا وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
فقال المتنبي:
أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً
أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
فعلم أبو فراس أنه يعنيه، فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فاستمر المتنبي في إنشاده، ولم يرد عليه إلى أن قال:
سَيَعْلَمُ الْجَمْعُ مِمَّنْ ضَمَّ مَجْلِسَنَا
بِأَنَّنِي خَيْرُ مَنْ تَسْعَىَ بِهِ قَدَمُ
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي
وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
فزاد ذلك أبا فراس غيظًا، وقال: قد سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد حيث يقول:
أَوْضَحْت مِنْ طُرُقِ الآدَابِ مَا اشْتَكَلَتْ
دَهْرًا وَأَظْهَرْت إِغْرَابًا وَإِبْدَاعَا
حَتَّى فَتَحْت بِإِعْجَازٍ خصصت بِهِ
لِلْعُمْي وَالصُّمِّ أَبْصَارًا وَأَسْمَاعَا
ولما انتهى إلى قوله:
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
قال أبو فراس: وماذا أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بكل هذا؟ تمدح الأمير بما سرقته من كلام غيرك، وتأخذ جوائز الأمير؟ أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بابن العربان العثماني:
أَعَاذِلَتِي كَمْ مَهْمَهٍ قَدْ قَطَعْتُهُ
أَلَيفَ وُحُوشٍ سَاكِنًا غَيْرَ هَائِبِ
أَنَا ابْنُ الْفَلَا وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالسُّرَى
وَجَرْدِ الْمَذَاكِي وَالْقَنَا وَالْقَوَاضِبِ
حَلِيمٌ وَقُورٌ فِي الْبِلَادِ وَهَيْبَتِي
لَهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَطْشُ الْكَتَائِبِ
فقال المتنبي:
وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ
إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ
فقال أبو فراس: وهذا سرقته من قول معقل العجلي:
إِذَا لَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ نُورٍ وَظُلْمَةٍ
بِعَيْنَيَّ فَالْعَيْنَانِ زُورٌ وَبَاطِلُ
ومثله قول محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يُدْرِكْ بِعَيْنَيْهِ مَا يَرَى
فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمْيِ وَالْبُصَرَاءِ
وضجر سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها؛ فضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:
إِنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَا قَالَ حَاسِدُنَا
فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمُ أَلَمُ
قال أبو فراس وهذا أخذته من قول بشار:
إِذَا رَضِيتُمْ بِأَنْ نَجْفَى وَسَرَّكُمُ
قَوْلُ الْوُشَاةِ فَلَا شَكْوَى وَلَا ضَجَرُ
ومثله قول ابن الرومي:
إِذَا مَا الْفَجَائِعُ أَكْسَبْنَنِي
رِضَاكَ فَمَا الدَّهْرُ بِالْفَاجِعِ
فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قال أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي عنه في الحال، وأدناه إليه، وقبل رأسه، وأجازه بألف دينار ثم أردفها بألف أخرى، فقال المتنبي:
جَاءَتْ دَنَانِيرُكَ مَخْتُومَةً
عَاجِلَةً أَلْفًا عَلَى أَلْفِ
أشبههَا فِعْلكَ فِي فَيْلَقٍ
قَلَبْتَهُ صَفًّا عَلَى صَفِّ
(٨٧) فداه الورى: دعاء، وعاتبًا: حال، وأمضى السيوف: خبر مبتدإ محذوف؛ أي هو أمضى السيوف مضاربًا، أو تقول: إنه منصوب على المدح، ومضاربًا: تمييز، ومضارب السيوف: حدودها. يقول: ما لسيف الدولة غضبان؟ أي لم غضب؟ وما سبب غضبه؟ فلست أعرف لي ذنبًا يوجب ذلك، ثم دعا له، ثم قال: لا سيف أمضى منه مضربًا.
(٨٨) التنائف: جمع تنوفة وهي المفازة، والسباسب جمع سبسب وهي الفلاة القفر. يقول: ما لي إذا اشتقت إليه أبصرت بيني وبينه فلوات بعيدة مترامية الأطراف من عتبه وتجافيه واستيحاشه؟
(٨٩) أراد بالسماء مجلسه، جعله كالسماء رفعة له، وجعله كالبدر، ومن حوله من ندمائه وأهل مجلسه كالكواكب. وعبارة الخطيب التبريزي: شبه مجلسه بالسماء، وجعله بدرًا وحوله كواكب، فهو كقوله أيضًا:
أُقَلِّبُ مِنْكَ طَرْفِي فِي سَمَاءٍ
وَإِنْ طَلَعَتْ كَوَاكِبُهَا خِصَالَا
(٩٠) حنانيك: كلمة موضوعة موضع المصدر استعملت مثناة كأنه حنان بعد حنان، أي تحننا بعد تحنن، ومثلها لبيك من لب به إذا لزمه، وحسبي وحسبك: خبران مبتدآهما محذوفان؛ أي وأنت حسبي وأنا حسبك، والمنصوبات كلها على الحال، وقيل: على التمييز. يقول: تحنن علي تحننا بعد تحنن إذا كنت مسئولًا، ولك الإجابة إذا كنت داعيًا، وكفى بي موهوبًا؛ أي إنني أشكر من يهبني، وأشيد بذكره، وكفى بك واهبًا؛ أي إنك أشرف الواهبين، ولست أحتاج إلى واهب آخر بعد هباتك.
(٩١) قال الواحدي؛ أي إن كنت صادقًا في مديحك فليس ما تعاملني به جزاء لصدقي، وإن كنت كاذبًا فليس هذا جزاء الكاذبين؛ لأني إن كذبت فقد تجملت لك في القول، فتجمل لي أنت أيضًا في المعاملة.
(٩٢) يقول: إن كان ذنبي ذنبًا ليس بعده ذنب فالتوبة من الذنب محو ليس بعده محو، وهذا المعنى مأخوذ من الحديث الشريف: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له.»
(٩٣) الذي صح عن المتنبي: وخاضبيه — على التثنية — وهو عطف على ما؛ أي وأحسن خاضبيه، والنجيع: الدم. يقول: إن هناك خضابين الذهب والدم وأحسنهما الدم، وهناك خاضبان الصناعة والغضب — لأن خضبه بالذهب لا يكون إلا بصناعة الصيقل، وخضبه بالدم إنما يكون بسبب الغضب الباعث على الجلاد بالسيف — وأحسن الخاضبين الغضب، وروي: وخاضبِيه — بكسر الباء — على أنه جمع خاضب، قال ابن جني: وخاضبيه عطف على ما، وجمع الخاضبين جمع تصحيح؛ لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل كقوله تعالى: وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ الآية. كأنه خلط الجميع، وكنى عنهم بما يكنى به عمن يعقل، وذكر الغضب مجازًا وأراد صاحبه، وقال ابن فورجه: خفض خاضبيه على القسم أي وحق خاضبيه، وجعل الغضب خضابًا للحديد؛ لأنه يخضبه بالدم على سبيل التوسع، وحسن ذلك؛ لأن الغضب يحمر منه الإنسان، وهذا كقولك أحسن ما يخضب الخدود الحمرة والخجل؛ لأن الخجل يصبغ الخد أحمر، فلما كانت الحمرة تابعة للخجل جمعهما تأكيدًا، كذلك لما كان النجيع تابعًا للغضب جمعهما وهو يريد للدم وحده، ويكون الغضب تأكيدًا للنجيع؛ أتى به للقافية.
(٩٤) شانه: عابه، والنضار: الذهب، يقول: لا تشنه بالأذهاب فإنه إذا أذهب — ولا يكون ذلك إلا بعد إحمائه — ذهبت سقايته أي ماؤه.
(٩٥) أرابه: أفزعه وأوقع به شيئًا يشك في عاقبته؛ أخيرًا يكون أم شرًا؟ يقول: هل يدري هذا الدمل أي الناس قد أقلق؟ وهذا استفهام تعجب واستعظام، ثم قال متعجبًا: وهل ترقى خطوب الدهر وأحداثه إلى الفلك؟ جعله كالفلك لعلو قدره ورفعة شأنه.
(٩٦) الضمير في أقلها يعود إلى كل داء: كما في قوله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أو تقول: إن الضمير يعود على المجموع المستفاد من المعنى؛ أي أقل الأدواء يقول: إن جسمك لا ينبغي أن تنال منه الأدواء، فمن العجب أن يقربك أقل الأدواء، وجعل للأدواء همة مجازًا.
(٩٧) التجميش: شبه المغازلة والملاعبة بين الحبيبين؛ قال أبو العباس ثعلب: قيل للمغازلة تجميش من الجمش وهو الكلام الخفي، وقيل من الجمش الذي هو ضرب من الحلب؛ لجمشها بأطراف الأصابع، والمقة: المحبة، وأصلها ومق. يقول: إن الذي ألم بك إنما هو تجميش من الزمان لحبه إياك وتعلقه بك؛ لأنك جماله وأمثل أهله، وقد يكون الحب سببًا لإيذاء المحبوب.
(٩٨) يقول: أنت طبيب الدنيا الذي تشفي أدواءها؛ فتقوم المعوج، وتطرد الظلم والعيث والفساد، فكيف تعلك وأنت طبيبها؟
(٩٩) يقول: وكيف تلم بك الشكوى وبك يستغاث مما ينوب من نوائب الدهر فتغيث وترفع الشكوى؟
(١٠٠) مقام: مصدر ميمي بمعنى الإقامة، يفتح ويضم، وصبيب: مصبوب، ويقال: ماء صبيب وصب كما تقول: ماء سكب وماء غور، قال دكين بن رجاء:
تَنْضَحُ ذِفْرَاهُ بِمَاءٍ صَبِّ
مِثْلِ الْكُحَيْلِ أَوْ عَقِيدِ الرِّبِّ
(الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن وهما ذفريان، والكحيل: النفط الذي تطلى به الإبل الجرباء، ورب السمن والزيت: ثفله الأسود، وعقيده: ما غلظ منه.)
والحشايا: جمع حشية معدولة عن المحشوة وهي الفرش المحشوة. يقول: لقد اعتدت الطعان والجلاد وسفك دم الأعداء، ولبعد همتك لا ترى شفاء لك إلا في ممارسة الحروب، ولا آلم ولا أجلب للأدواء من الجلوس على الفرش المحشوة أو النوم عليها، ومن أجل ذلك تمل الإقامة يومًا واحدًا لا تخرج فيه للغزو، ولا يكون فيه طعن صادق ودم مصبوب.
(١٠١) مقام: مصدر ميمي بمعنى الإقامة، يفتح ويضم، وصبيب: مصبوب، ويقال: ماء صبيب وصب كما تقول: ماء سكب وماء غور، قال دكين بن رجاء:
تَنْضَحُ ذِفْرَاهُ بِمَاءٍ صَبِّ
مِثْلِ الْكُحَيْلِ أَوْ عَقِيدِ الرِّبِّ
(الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن وهما ذفريان، والكحيل: النفط الذي تطلى به الإبل الجرباء، ورب السمن والزيت: ثفله الأسود، وعقيده: ما غلظ منه.)
والحشايا: جمع حشية معدولة عن المحشوة وهي الفرش المحشوة. يقول: لقد اعتدت الطعان والجلاد وسفك دم الأعداء، ولبعد همتك لا ترى شفاء لك إلا في ممارسة الحروب، ولا آلم ولا أجلب للأدواء من الجلوس على الفرش المحشوة أو النوم عليها، ومن أجل ذلك تمل الإقامة يومًا واحدًا لا تخرج فيه للغزو، ولا يكون فيه طعن صادق ودم مصبوب.
(١٠٢) الضمير في تراها للخيل وإن لم يجر لها ذكر لتقدم ما يدل عليها؛ والعثير: مثال درهم الغبار، والجنيب: الذي تقوده إلى جنبك، يقول: ما بك مرض غير نزاعك إلى ملاقاة العدو بخيل يتبع الغبار قوائمها كأنه جنيب تقوده؛ أي إنك انقطعت عن ذلك فنال منك حبه كما ينال الحب من العاشق إذا انقطع عن رؤية معشوقه.
(١٠٣) مجلحة: حال ثانية للخيل، والحال الأولى جملة وعثيرها لأرجلها جنيب، ومجلحة مصممة ماضية شديدة الأقدام، ويُروى محجلة، وعلى هاتين الروايتين يكون لها خبرًا مقدمًا عما بعده. وروى الخوارزمي: محللة؛ أي قد أحلت لها أرض العدو فهي تطؤها. والسمر: الرماح، والمناحر: جمع منحر وهو موضع النحر من الحلق، والجنوب: جمع جنب وهو ما يلي الإبط إلى الكشح. يقول: وما بك مرض غير أن ترى الخيل على تلك الحال، وأن تراها مصممة ماضية أحلت لها أرض الأعادي تطؤها وتجتاحها وأحلت للرماح حناجرهم وجنوبهم تنفذ فيها.
(١٠٤) الأعنة: جمع عنان سير اللجام، وقرط الفارس عنان فرسه أرخاه حتى يجعله في قذاله للحضر (القذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، والحضر: الجري) فيصير لأذنه بمنزلة القرط، يقول: أرخ لها الأعنة؛ لترجع إلى بلاد الأعادي، فإنها لا تبعد عليها إذا طلبتها لسرعتها.
(١٠٥) الهمزة للاستفهام المحض أو للتقرير، وذا: اسم إشارة، وهفا: زل، والضريب: النظير، وبقراط: الطبيب اليوناني المشهور. يقول: أهذا الداء — داء ولوعه بالحرب إلى حد أن فيها شفاءه، وأنه لو قعد عنها يومًا ضجر ومرض — أهذا داء معضل لم يهتدِ إليه بقراط، وليس لصاحبه نظير؛ لأنه لا يُعرف أحد يمرض لترك الحرب، ويروى: إذا داء، على أن إذا أداة شرط وداء فاعل لفعل محذوف يؤخذ من لازم ما بعده؛ أي إذا خفي داء أو إذا أعضل داء ونحو ذلك. وقوله: فلم يعرف؛ جواب إذا، والفاء زائدة على مذهب البصريين، فيكون الفعل بعدها مستقبلًا. يقول: الداء الذي لم يذكره بقراط لا نظير لصاحبه بين الناس؛ لأنه لو كان له نظير لسبق مثله فذكره الأطباء، ويروى: أَذَا داءٍ — بجر داء — على أن الهمزة للنداء وذا بمعنى صاحب؛ أي يا صاحب الداء الذي هذه صفته.
(١٠٦) الوُضاء بضم الواو وتشديد الضاد: الشديد الوضاءة؛ أي الحسن من صيغ المبالغة كحسان وكبار، يقول: إنه ينظر منه إلى شمس لا تغيب؛ لأنه موجود ليل نهار بخلاف الشمس.
(١٠٧) أن يشحوا أي في أن يشحوا؛ أي إني أعذر الحساد في شحهم؛ أي بخلهم بالنظر إليه.
(١٠٨) يقول: إن القلوب تحسد العيون على نظر الممدوح، فإذا حسده على ذلك أحد فهو معذور.
(١٠٩) راعيًا وصارمًا: منصوبان على التمييز، وأصل العبث اللعب، ويقال: عبث به إذا ابتذله واستباح حرمته، والصارم: السيف القاطع، والضراب: بمعنى المضاربة؛ شبهه بالراعي وشبه هؤلاء الثائرين بالذئاب. يقول: إن الذئاب تعبث بغيرك في حال رعيه وسياسته، وبثلم الضراب غيرك في حال قطعه: أي إذا كنت أنت الراعي لم تعبث الذئاب بسوامك، وإذا كنت أنت الصارم لم يثلمك الضرب، والمعنى إذا كنت أنت الحافظ لرعيتك لم يحم حولهم أحد بما يضرهم خوفًا منك.
(١١٠) طرًّا أي جميعًا نصب على الحال. يقول: أنت تملك أنفس الإنس والجن جميعًا فكيف يكون لهذه القبيلة — قبيلة بني كلاب — أن تملك أنفسها؟
(١١١) معصية نصب على أنه حال أو مفعول لأجله، ويعاف: يمقت ويتحاشى، والورد: ورود الماء، والواو في قوله والموت الشراب: للحال، يعتذر لهم يقول: إنما تركوك وانهزموا حين طلبتهم خوفًا منك لا عصيانًا، وتمردوا عليك؛ لأنهم إذا ثبتوا أوردوا أنفسهم موارد التلف والهلاك.
(١١٢) يقول: تتبعت أمواه البادية في طلبهم حتى خشي السحاب أن تفتشه تطلبهم لديه لما فيه من الماء.
(١١٣) خب الفرس: أسرع، وقيل: الخبب أن ينقل الفرس أيامنه جميعًا وأياسره جميعًا، وقيل هو أن يراوح بين يديه ورجليه وكذلك البعير، والمسومة: الخيل المعلمة بعلامات تعرف بها. وقال أبو زيد في قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ: الخيل المسومة، المرسلة وعليها ركبانها وهو من قولك سومت فلانًا إذا خليته وسومه، أي وما يريد، والعراب: العربية. يقول: تعدو بك الخيل العربية المعلمة في طلبهم لا تعرف النوم.
(١١٤) العقاب: طائر من الجوارح يطلق على الذكر والأنثى قوي المخالب له منقار أعقف. شبهه — وهو في قلب الجيش والجيش حوله يضطرب للسير — بعقاب تهز جناحيها وتحركهما لدى طيرانها.
(١١٥) الفلوات: الصحاري، جعل طلبه إياهم في الفلوات كالسؤال عنهم، وجعل الظفر بهم كالجواب، وليس ثم سؤال ولا جواب، وإنها لاستعارة رائعة، يقول: ما زلت تتبع آثارهم في الفلوات حتى أدركتهم في إحداها.
(١١٦) ندى كفيك: فاعل قاتل، والواو من وفَرُّوا للحال؛ أي والحال أنهم قد فروا، وأصل الحريم ما يحميه الرجل ويذود عنه، والمراد هنا النساء، والقراب: القريب، يقول: إنهم فروا أمامك وهربوا وظفرت بحريمهم، فما كان منك إلا أن أحسنت إلى الحريم، وحلت دون سبيه وصنته فكأن جود كفيك والنسب القريب الذي بينك وبينهم قاتلا دون حريمهم.
(١١٧) يقول: وقاتل عنهم حفظك فيهم سلفي معد — يريد ربيعة ومضر؛ لأن سيف الدولة ينتهي إلى ربيعة لأنه من تغلب، وبنو كلاب ينتهون إلى مضر لأنهم من قيس، وربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان — وأنهم عشائرك وأنهم أصحابك.
(١١٨) تكفكف: تكف، والصم: الصلاب، والعوالي: صدور الرماح، وشرقت: غصت، والظعن: جمع ظعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج، ثم كثر حتى قيل للمرأة ظعينة وإن لم تكن في هودج، والشعاب: جمع شعب وهو الطريق في الجبل، يقول: إنك تكف عنهم الرماح إشفاقًا عليهم، وقد فروا وغصت بظعائنهم شعاب الجبال.
(١١٩) الأجنة: جمع جنين وهو الولد في بطن أمه، والولايا: جمع ولية وهي شبه البرذعة تحمل على سِنام البعير، أو كساء يجعل تحت البرذعة، وقيل: كل ما ولي ظهر البعير من كساء أو غيره فهو ولية، وأجهضت: أسقطت، والحوائل: جمع حائل؛ الأنثى من أولاد الإبل، والسقاب: جمع سقب الذكر منها. يقول: لشدة فزعهم والهول الذي ألم بهم أجهضت النساء في البراذع؛ أي على ظهور الإبل، وأسقطت نوقهم أولادها ذكورًا وإناثًا.
(١٢٠) عمرو قبيلة منهم ذهبت ذات اليمين وتفرقت فصارت عمورًا، وكعب ذهبت ذات اليسار وتفرقت فصارت كعابًا. يريد أنهم لما انهزموا تفرقوا فصارت عمرو عمورًا وكذلك كعبًا، وفي هذا المعنى يقول كعب بن مالك:
رَأَيْتُ الشِّعْبَ مِنْ كَعْبٍ وَكَانُوا
مِنَ الشَّنَآنِ قَدْ صَارُوا كِعَابَا
(يريد أن آراءهم تفرقت وتضادت فكان كل ذي رأي منهم قبيلًا على حدته، فلذلك قال: صاروا كعابا.)
(١٢١) هؤلاء بطون بني كلاب، وأنث أبا بكر على معنى القبيلة أو العشيرة. يقول: إنهم لما انهزموا خذل بعضهم بعضًا؛ لتشاغلهم بأرواحهم.
(١٢٢) قال ابن جني: التخاذل التأخر، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة تأخر الإنسان؛ أي لما سرت وراءهم تأخرت رءوسهم؛ لإدراكك إياهم وإن كانت في الواقع قد أسرعت، واستبعد العروضي هذا المعنى قال: تخاذل الجماجم والرقاب هو أن يضربها بالسيف فيقطعها ويفصل بينهما فتتساقط فكأن كل واحد منهما خذل صاحبه، وقال الواحدي: الذي أراه غير هذا، يقول: إن الرءوس تتبرأ من الأعناق والأعناق تتبرأ منها خوفًا منك فلا يبقى بينهما تعاون، وهذا المعنى أراده الخوارزمي، فقال:
وَكُنْتُ إِذَا نَهَدْتُ لِغَزْوِ قَوْمٍ
وَأَوْجَبَتِ السِّيَاسَةُ أَنْ يَبِيدُوا
تَبَرَّأَتِ الْحَيَاةُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ
وَجَاءَ إِلَيْكَ يَعْتَذِرُ الْحَدِيدُ
وَطَلَّقَتِ الْجَمَاجِمُ كَلَّ فَخْذٍ
وَأَنْكَرَ صُحْبَةَ الْعُنُقِ الْوَرِيدُ
وعبارة بعض الشراح إذا نوت رقابهم الثبات نوت جماجمهم التأخر؛ لشدة خوفها من سيفك، وكذلك عند العكس فيكاد كل فريق منهما يطلب صبغ الفرار بنفسه ويترك الآخر.
(١٢٣) الملاب: ضرب من الطيب، فارسي معرب، قال الجوهري: كالخلوق، قال جرير يهجو نساء بني تميم:
وَلَوْ وَطِئَتْ نِسَاءُ بَنِي تَمِيمٍ
عَلَى تِبْرَاكَ أَخْبَئْنَ التُّرَابَا
تَطَلَّى وَهْيَ سَيِّئَةُ الْمُعَرَّى
بِضَنِّ الْوَبْرِ تَحْسَبُهُ مَلَابَا
(تبراك: ماء لبني العنبر، والصن بالكسر: بول الوبر يخثر للأدوية وهو منتن جدًّا.)
يقول: لما ظفرت ببني كلاب أخذت نساءهم إلى أماكنهن مكرمات مصونات من الابتذال، عليهن قلائدهن وطيبهن لم يضع منهن شيء، فالضمير في عدن وما بعده يعود على النساء وإن يجر لهن ذكر اعتمادًا على ما ذكر في البيت: فقاتل عن حريمهم وفروا … البيت.
(١٢٤) أثابه: كافأه، وأوليت: أنعمت، يقول: إنهن يشكرن لك ما أوليتهن من الإحسان، ولكن إحسانك أعظم وأجل من أن يكافأ.
(١٢٥) يقول: ليس في مصيرهن إليك وصونهن لديك أي عيب؛ لأنهن بإكرامك إياهن كأنهن عند أهليهن وأزواجهن.
(١٢٦) الغرة: الوجه، يقول: لا غربة عليهن إذا رأينك؛ إذ لا فرق بينك وبين أزواجهن وأقاربهن.
(١٢٧) البأس: الشدة، والمصاب: مصدر ميمي بمعنى الإصابة. يقول: لا يتم فيهم بأسك وشدتك؛ لأنك حين تصيبهم بمكروه ينال ذلك منك، فبإصابتك إياهم كأنك تصيب نفسك، وهذا المعنى قديم تعاوره الشعراء كثيرًا: قال قيس بن زهير العبسي:
فَإِنْ أَكُ قَدْ بَرَدْتُ بِهِمْ غَلِيلِي
فَلَمْ أَقْطَعْ بِهِمْ إِلَّا بَنَانِي
وقال الحماسي — الحارث بن وعلة الجرمي:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أَخِي
فَإِذَا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
وَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأَعْفُوَنْ جَلَلًا
وَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنْ عَظْمِي
(أميم: مرخم أميمة، وهو منادى، وأخي: مفعول قتلوا.)
وقال العديل:
وَإِنِّي وَإِنْ عَادَيْتُهُمْ أَوْ جَفَوْتُهُمْ
لَتَأْلَمُ مِمَّا عَلَّ أَكْبَادَهُمْ كَبِدِي
وقال النميري:
فَإِنَّكَ — حِينَ تَبْلُغُهُمْ أَذَاةً
وَإِنْ ظَلَمُوا — لَمُحْتَرِقُ الضَّمِيرِ
(١٢٨) يقول: ارفق بهم وإن جنوا، فإن من رفق بمن جنى عليه كان ذلك الرفق عتابًا؛ لأن الصفح عن الجاني يجعله عبدًا لك:
وَمَا قَتَلَ الْأَحْرَارَ كَالْعَفْوِ عَنْهُمُ
(١٢٩) الخطأ والخطاء ضد الصواب، تقول: أخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ، أما الخطأ بكسر الخاء فهو الذنب؛ تقول خطأ يخطأ خطأ وخطأة كفعلة، والاسم الخطيئة كفعيلة، ولك أن تشدد الياء؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة؛ فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوًا وبعد الياء ياء وتدغم، وتقول في مقروء مقروٌّ، وفي خبيء خبيٌّ بتشديد الواو والياء، وجمع الخطيئة خطايا، وكأن الأصل خطائئ بهمزتين على فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة واستثقلت، والجمع ثقيل، وهو مع ذلك معتل، فقلبت الياء ألفًا، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء؛ لخفائها بين الألفين، وقال أبو عبيدة: خطئ وأخطأ بمعنى واحد، وهما لغتان؛ قال امرؤ القيس:
يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كَاهِلا
الْقَاتِلِينَ الْمَلِكَ الْحُلَاحِلَا
(خطئن أي أخطأن، يريد الخيل وإن لم يجر لها ذكر على حد قوله تعالى: حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وهند هذه امرأة أبيه لم تلد لأبيه حجر شيئًا، فخلف عليها امرأ القيس، وخرج في طلب بني كاهل فأوقع بحي من بني كنانة وهو يظن أنهم من كاهل، وكاهل بطن من بني أسد، والحُلاحِل السيد في عشيرته الشجاع الضخم المروءة.)
وقال غيره: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي، وتخاطأه وتخطأه أي أخطأه؛ قال أوفى بن مطر المازني:
أَلَا أَبْلِغَا خُلَّتِي جَابِرًا
بِأَنَّ خَلِيلَكَ لَمْ يُقْتَلِ
تَخَطَّأَتِ النَّبْلُ أَحْشَاءَهُ
وَأَخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ يَعْجَلِ
(الخلة: الصديق، الذكر والأنثى والواحد والجمع في ذلك سواء.)
يقول: إن كانوا مخطئين فليسوا أول من أذنب، وقد تابوا والتوبة تجب «تقطع» ما قبلها، وهم عبيدك حيث كانوا إذا دعوتهم للموت أجابوك؛ يعتذر عنهم إلى سيف الدولة.
(١٣٠) الخطأ والخطاء ضد الصواب، تقول: أخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ، أما الخطأ بكسر الخاء فهو الذنب؛ تقول خطأ يخطأ خطأ وخطأة كفعلة، والاسم الخطيئة كفعيلة، ولك أن تشدد الياء؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة؛ فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوًا وبعد الياء ياء وتدغم، وتقول في مقروء مقروٌّ، وفي خبيء خبيٌّ بتشديد الواو والياء، وجمع الخطيئة خطايا، وكأن الأصل خطائئ بهمزتين على فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة واستثقلت، والجمع ثقيل، وهو مع ذلك معتل، فقلبت الياء ألفًا، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء؛ لخفائها بين الألفين، وقال أبو عبيدة: خطئ وأخطأ بمعنى واحد، وهما لغتان؛ قال امرؤ القيس:
يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كَاهِلا
الْقَاتِلِينَ الْمَلِكَ الْحُلَاحِلَا
(خطئن أي أخطأن، يريد الخيل وإن لم يجر لها ذكر على حد قوله تعالى: حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وهند هذه امرأة أبيه لم تلد لأبيه حجر شيئًا، فخلف عليها امرأ القيس، وخرج في طلب بني كاهل فأوقع بحي من بني كنانة وهو يظن أنهم من كاهل، وكاهل بطن من بني أسد، والحُلاحِل السيد في عشيرته الشجاع الضخم المروءة.)
وقال غيره: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي، وتخاطأه وتخطأه أي أخطأه؛ قال أوفى بن مطر المازني:
أَلَا أَبْلِغَا خُلَّتِي جَابِرًا
بِأَنَّ خَلِيلَكَ لَمْ يُقْتَلِ
تَخَطَّأَتِ النَّبْلُ أَحْشَاءَهُ
وَأَخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ يَعْجَلِ
(الخلة: الصديق، الذكر والأنثى والواحد والجمع في ذلك سواء.)
يقول: إن كانوا مخطئين فليسوا أول من أذنب، وقد تابوا والتوبة تجب «تقطع» ما قبلها، وهم عبيدك حيث كانوا إذا دعوتهم للموت أجابوك؛ يعتذر عنهم إلى سيف الدولة.
(١٣١) يقول: أنت الذي بك بقاؤهم فإذا غضبت عليهم وهجرتهم فقد هجرتهم الحياة، ولا عقاب أكثر من هجر الحياة.
(١٣٢) أياديك: نعمك، والبوادي: خلاف المدن؛ يريد أهل البوادي، والبوادي: فاعل جهلت، وأياديك مفعوله، وقال العكبري: سألت شيخنا أبا محمد عبد المنعم النحوي عند قراءتي عليه عن هذا البيت، وقلت له: يجوز أن يكون البوادي نعتًا للأيادي والبوادي في نصف البيت، فكأنه عنى الوقف وهو موضع وقف، كقولك أجبت الداعي، وقد يوقف على قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ بالسكون، ويكون فاعل جهلت مضمرًا فيها. فقال لي: أنت مقرئ وقد قست، ومع هذا أنت حفي (لعله يريد الحفي بمعنى المستقصي في السؤال) فصوب ما قلت، ويكون البوادي على هذا: السابقات التي بدت إليهم. يقول: إنهم لم يجهلوا بعصيانك سوابق نعمك، ولكن قد يخفى الصواب على المرء فيأتي غيره.
(١٣٣) يقول: قد يتولد الذنب من الدلال فيأتي المدل بالذنب يظنه دلالًا، وقد يكون البعد سببه القرب. يعتذر عنهم؛ أي إنهم أدلوا عليك لفرط إحسانك إليهم فأتوا في ذلك بما صار ذنبًا وجناية منهم.
(١٣٤) الجرم: الذنب، والسفه: خفة الحلم أو نقيضه، يقول: وكم جرم جناه سفيه فنزل العذاب بغيره؟ وهذا المعنى قد طرقه الشعراء كثيرًا قال:
رَأَيْتُ الْحَرْبَ يَجْنِيهَا رِجَالٌ
وَيَصْلَى حَرَّهَا قَوْمٌ بَرَاءُ
وقال:
جَنَى ابْنُ عَمِّكَ ذَنْبًا فَابْتُلِيتَ بِهِ
إِنَّ الْفَتَى بِابْنِ عَمِّ السُّوءِ مَأْخُوذُ
وقال النابغة:
وَحَمَّلْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ
كَذِي الْعُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهْوَ رَاتِعُ
(العر: قروح مثل القوباء، تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسيل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح؛ لئلا تعديها المراض.) وقال البحتري:
نَصُدُّ حَيَاءً أَنْ نَرَاكَ بِأَعْيُنٍ
جَنَى الذَّنْبَ عَاصِيهَا فَلِيمَ مُطِيعُهَا
وأروع الجميع — ولله المثل الأعلى — قوله — جل شأنه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً.
(١٣٥) علي: اسم سيف الدولة. يقول: إن خافره بسبب جربهم فإنه يرجى العفو عنده كما يهاب؛ لأنه جواد مهيب.
(١٣٦) يقول: إن يك سيف الدولة من تغلب لا من قيس فهو ولي نعمتهم؛ لأن جلودهم نبتت بإحسانهم إليهم، واكتست بما خلع عليهم من ثياب.
(١٣٧) الرباب: غيم يضرب إلى السواد؛ يرى كأنه دون السحاب. قال عبد الرحمن بن حسان:
كَأَنَّ الرَّبَابَ دُوَيْنَ السَّحَابِ
نَعَامٌ تَعَلَّقَ بِالْأَرْجُلِ
وأثوا: تقووا وكثروا، من أث النبات: كثر والتف، وهو أثيث، ويقال كذلك شعر أثيث، وامرأة أثيثة: كثيرة اللحم، ونسوة أثائث، قال رؤبة:
وَمِنْ هَوَايَ الرُّجُحُ الْأَثَائِثُ
تُمِيلُهَا أَعْجَازُهَا الْأَوَاعِثُ
الرجح: جمع رجاح، وهي الثقيلة العجيزة، والأواعث: اللينات؛ فكأن الأصابع تسوخ فيها من لينها وكثرة لحمها.
يقول: إنهم نشئُوا في نعمته وقووا وعزوا بإحسانه كالنبات الذي نما بماء السحاب، فاستعار السحاب للإحسان، والنبات للمحسن إليه.
(١٣٨) يقول: بانتسابهم إليه وإلى خدمته تمكنوا من أعدائهم، وانقاد لهم من العرب من لا ينقاد لأحد.
(١٣٩) قال الواحدي: يذكر قوتهم وشوكتهم، وأن غير سيف الدولة لو أتاهم لما ظفر بهم، وكنى بالشموس عن النساء، وبالضباب عن المحاماة دونهم؛ لأن الضباب يستر الشمس، ويحول دون النظر إليها. قال: ويجوز أن يكون هذا مثلًا معناه لو غزاهم غيره؛ لكان له ما يشغله بما يلقى قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم؛ أي إنه كان يستقبله من قليلهم ما يمنعه من الوصول إلى الذين هم أكثر منهم؛ فجعل الضباب مثلًا للرعاع، والشموس مثلًا للسادة، وقال ابن الإفليلي: يريد شموس كل يوم يقاتلهم فيه.
(١٤٠) ولاقى: عطف على ثناه، والثاي: جمع ثاية؛ كآي وآية، وهي حجارة تجعل حول البيت يأوي إليها الراعي ليلًا، وفيها مبارك الإبل ومرابض الغنم. يقول: لو غزاهم غيره لثناه ضباب عن شموسهم وللاقى دون وصوله إلى هذه الحجارة حربًا يكثر فيها القتلى حتى يجتمع عليهم الذئب والغراب طلبًا للحوم القتلى، فكيف له بالوصول إلى استباحة حريمهم؟ وقد تورك بعضهم على المتنبي أن الذئب لا يأكل إلا ما افترسه، بخلاف الضبع والكلب، وأنشد في ذلك:
وَلِكُلِّ سَيِّدِ مَعْشَرٍ فِي قَوْمِهِ
دُعَرٌ يُدَنِّسُ عِرْضَهُ وَيَعِيبُ
لَوْلَا سِوَاهُ تَجَزَّرَتْ أَوْصَالُهُ
عُرجُ الضِّبَاعِ وَصُدَّ عَنْهُ الذِّيبُ
«الدعر: الخائن الذي يعيب أصحابه.»
(١٤١) وخيلًا: عطف على طعانًا، والموامي: جمع موماة، وهي المفازة، يقول: وكان يلاقي خيلًا تعودت قطع المفاوز على غير علف وماء حتى كأن غذاءها الريح وماءها السراب؛ لأنها عراب مضمرة معودة قلة العلف والماء.
(١٤٢) رب كل شيء: مالكه، ويقال أسرى إذا سار ليلًا، وسرى إذا سار نهارًا، وقيل: هما لغتان تستعملان بمعنى واحد. يقول: إنك سرت إليهم فما نفعهم الوقوف في ديارهم للذود والدفاع، ولا الذهاب للهرب؛ لأنهم إن وقفوا قتلوا، وإن هربوا أدركوا.
(١٤٣) الركاب: الإبل. يقول: ولم ينفعهم ليل يستترون تحته، ولا نهار يكاشفونك فيه، ولا خيل وإبل تحملهم للهرب، فهم لهيبتك تلددوا حائرين حين طلبتهم فلم ينجُ بهم شيء من ذلك.
(١٤٤) العباب: معظم الماء وكثرته، جعل جيشه بحرًا من حديد؛ لكثرة لابسي الحديد فيه. ثم جعلهم يموجون خلفهم في سيرهم، فكأنهم بحر يمد عبابه وراءهم.
(١٤٥) يقول: طرقهم ليلًا وهم يفترشون الحرير آمنون فبيتهم وقتلهم حتى جدلوا على الأرض وأصبحوا وفرشهم التراب بعد الحرير، وقال المعري: يريد نهبهم فلم يترك لهم شيئًا يقعدون عليه سوى التراب.
(١٤٦) يقول: وصار الرجال كالنساء، ذلًا واستخذاء وانقيادا.
(١٤٧) بنو: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هم بنو قتلى أبيك، ومن أبقى: عطف عليه، وفاعل أبقى: ضمير يعود على أبيك؛ يشير إلى ما كان من أبي الهيجاء والد سيف الدولة مع بني كلاب، وذلك أنه لما هم بالحج كان أوقع بهم في أرض نجد وفتك بهم، فهؤلاء هم أبناء أولئك وبقيتهم.
(١٤٨) السخاب: قلادة من قرنفل ونحوه ليس فيها من الجوهر شيء يلبسها الصبيان، وجمعها سخب، يقول: إن أباك قتل آباءهم وعفا عن الأبناء فأعتقهم وهم صغار يلبسون السخاب فعاشوا عتقاء سيفه.
(١٤٩) يقول: كلاكما فعل فعل أبيه، فهم تقيلوا آباءهم في التمرد والعصيان، وأنت أخذت أخذ أبيك في العفو والغفران؛ ففعلهم حين عصوك عجيب، إذ لم يعتبروا بآبائهم، وفعلك أيضًا عجيب إذ صفحت عنهم وأبقيت على باقيهم، وأتى مأتى فلان أي فعل فعله وأخذ أخذه، والفعال — بفتح الفاء — فعل الواحد خاصة في الخير والشر، يُقال: فلان كريم الفعال، وفلان لئيم الفعال، ولك أن تكسر الفاء على أنه جمع فعل.
(١٥٠) يقول: مثل هذا الفعل فليفعل من يطلب الأعادي، وليكن طلابه مثل هذا السرى الذي سرت حتى بلغت مرادك، فقوله كذا في موضع نصب بقوله فليسر، والفاء إنما تعطف أو تكون جوابًا، فإذا تقدم المفعول أو الخبر جاءوا بها ليعلموا أن الخبر وضع في غير موضعه، وبعض الكوفيين تأول أخاك فاضرب؛ أنه منصوب بفعل مضمر تقديره اقصد أخاك فاضرب، وهذا يحسن في المفعول، وأما في الخبر فيبعد، وقوله: مثل سراك؛ نصب لأنه خبر فليكن.
(١٥١) نصب كناية على المصدر، كأنه قال كنيت كناية، يقول: يا أخت سيف الدولة ويا بنت أبي الهيجاء، وهو المراد بأشرف النسب، فكنى عن ذلك، يريد أن نسبها من أشرف الأنساب، فإذا كنيت بهما عرفت لأنهما خير الناس، فإذا قلت يا أخت خير أخ ويا بنت خير أب عرفت.
(١٥٢) مؤبنة: حال من الياء في تسمي؛ أي حال كونك مؤبنة؛ أي مرثية من التأبين، وهو الثناء على الميت، يقول: أنت أجل من أن أعرفك باسمك بل وصفك يعرفك بما فيك من المحاسن والمحامد التي ليست في غيرك، وهذا يغني عن تسميتك، كما قال أبو نواس:
فَهْيَ إِذَا سُمِّيَتْ لَقَدْ وُصِفَتْ
فَيَجْمَعُ الِاسْمَ مَعْنَيَيْنِ مَعَا
(١٥٣) الطرب: صفة من الطرب، وهو خفة تعتري عند شدة الفرح أو الحزن والهم، قال النابغة الجعدي في الهم:
سَأَلَتْنِي أَمَتِي عَنْ جَارَتِي
وَإِذَا مَا عَيي ذُو اللُّبِّ سَأَلْ
سَأَلَتْنِي عَنْ أُنَاسٍ هَلَكُوا
شَرِبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ وَأَكَلْ
وَأَرَانِي طَرِبًا فِي إِثْرِهِمْ
طَرَبَ الْوَالِهِ أَوْ كَالْمُخْتَبَلْ
الواله: الثاكل، والمختبل: الذي اختبل عقله؛ أي جن.
يقول المتنبي: من استخفه الحزن غلبه على لسانه ودمعه فلا يملكهما؛ لأنهما إذ ذاك يكونان في قبضة الطرب أي الحزن، يصرفهما كما يشاء.
(١٥٤) اللجب: الضجيج واختلاط الأصوات، وجيش لجب عرمرم؛ أي ذو جلبة وكثرة، وبحر ذو لجب إذا سمع صوت أمواجه، وأصله كل صوت عال، يقول: غدرت يا موت بسيف الدولة إذ أخذت أخته وأنت تفني به العدد الكثير، وتهلك الجيوش، وتسكت ضجيجهم، وإذا كان عونك على الإفناء كان من حقك أن ترعى ذمته ولا تفجعه بأخته، وقيل معنى البيت: أنه مات بموتها خلق كثير، وسكت لجبهم وترددهم في خدمتها، أو أنهم سقطوا عن برها وصلاتها، فكأنهم ماتوا. قال الواحدي: وجه غدر الموت أنه أظهر إهلاك شخص وأضمر فيه إهلاك عالم كان يحسن إليهم فهلكوا بهلاكه. هذا معنى: كم أفنيت من عدد، وهذا كقول القائل:
وَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ
وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
وكقول ابن المقفع:
وَأَنْتَ تَمُوتُ وَحْدَكَ لَيْسَ يَدْرِي
بِمَوْتِكَ لَا الصَّغِيرُ وَلَا الْكَبِيرُ
وَتَقْتُلُنِي فَتَقْتُلُ بِي كَرِيمًا
يَمُوتُ بِمَوْتِهِ بَشَرٌ كَثِيرُ
(١٥٥) يقول: وكم صحبت أخاها يا موت في غزواته، وطلبت إليه أن يمكنك من إهلاك من أردت فأجابك إلى ذلك، ومكنك بسيفه ممن أردت؟ وهذا كقوله الآتي في قافية اللام:
شَرِيكُ الْمَنَايَا وَالنُّفُوسُ غَنِيمَةٌ
فَكُلُّ مَمَاتٍ لَمْ يَمُتْهُ غُلُولُ
(١٥٦) الجزيرة: ما بين دجلة والفرات، وخبر تنازعه كل من طوى وجاءني، يقول: لما جاءني هذا النعي، وطوى الجزيرة حتى ورد علي في الكوفة رجوت أن يكون كذبًا، وتعللت بهذا الرجاء.
(١٥٧) يقول: حتى إذا صح الخبر ولم يبقَ رجاء في أن يكون كذبًا غصصت بالدمع؛ لغلبة البكاء، وكثرة الدموع، حتى كاد الدمع يشرق بي؛ أي حتى صرت بالقياس إلى الدموع كالشيء الذي يغص به في القلة، والشرق بالدمع أن يقطع الانتحاب نفسه، ومحصل المعنى: كاد الدمع لإحاطته بي أن يكون كأنه غص بي.
(١٥٨) لم يلحق الباء في به بالهاء، واكتفى بالكسرة ضرورة، والبرد جمع بريد — وسكن الراء على لغة تميم — والبريد: كلمة فارسية أصلها بريده دم؛ أي محذوف الذنب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، ثم سمي الرسول الذي يركب دواب البريد بريدًا، يقول: لهول هذا الخبر تلجلجت به الألسنة في الأفواه، وتعثرت الرسل الحاملة له في الطرق، ورجفت أيدي الكتاب في كتابته.
(١٥٩) فعلة: كناية عن اسم المرثية، وهو خولة، يقول: مضت فكأنها لم تكن تلك التي ملأت جيوشها ديار بكر، والتي كانت تهب وكانت تخلع فانطوى ذلك بموتها.
(١٦٠) بالويل: متعلق بداعيًا، وتولية؛ أي ذهاب وإدبار؛ مصدر ولي، والويل: الهلاك، والحرب: ذهاب المال، حرب الرجل: سلب ماله، والداعي بالويل والحرب الذي يصيح: وا ويلاه، وا حرباه. يقول: ولقد كانت ترد حياة الملهوف بالإغاثة والإجارة والبذل، وتغيث من يدعوها إذا دعاها بالويل والحرب.
(١٦١) يقول: طال ليل أهل العراق مذ أتاهم نعيها حزنًا عليها، فكيف ليل أخيها سيف الدولة في حلب؟ قال العكبري: ليس لهذا البيت معنى طائل، وفيه سماجة …
(١٦٢) أراد: أيظن، فحذف حرف الاستفهام، والضمير لسيف الدولة، ويروى بالتاء على الخطاب. يقول: أتظن أني غير حزين.
(١٦٣) بلى: حرف جواب تختص بالنفي، وتفيد إبطاله سواء كان مجردًا أم مقرونًا بالاستفهام. يقول: بلى فؤادي ملتهب ودمعي منسكب بحق حرمة من كانت تراعي حرمة هذه الأمور، فقوله: وحرمة … إلخ: قسم.
(١٦٤) ومن مضت: عطف على من كانت — في البيت السابق — والخلائق: جمع خليقة بمعنى الخلق، والنشب: المال. يقول: وبحرمة من ماتت ولم تورث أخلاقها؛ لأنه لا يوجد بعدها من يشبهها فيها وإن كان مالها موروثًا.
(١٦٥) أترابها: لداتها ونظيراتها في العمر: جمع ترب — بكسر التاء — للمذكر والمؤنث. يقول: همها منذ صباها منصب في العلا وتدبير الملك بينما أقرانها همهن في اللهو واللعب، وهذا من قول حمزة بن بيض:
فَهَمُّكَ فِيهَا جِسَامُ الْأُمُورِ
وَهَمُّ لِدَاتِكَ أَنْ يَلْعَبُوا
(١٦٦) الشنب: قيل هو تحزيز أطراف الأسنان، وقيل صفاؤها ونقاؤها، وقيل تفليجها، وقيل طيب نكهتها، وقال الجرمي: سمعت الأصمعي يقول: الشنب برد الفم والأسنان، فقلت: إن أصحابنا يقولون هو حدتها حين تطلع، فيراد بذلك حداثتها وطراوتها؛ لأنها إذا أتت عليها السنون احتكت، فقال: ما هو إلا بردها، وقول ذي الرمة:
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعْسٌ
وَفِي اللِّثَاثِ وفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ
يؤيد قول الأصمعي؛ لأن اللثة لا تكون فيها حدة. يقول: إن أترابها إذا جئن إليها رأين حسن مبسمها، ولا يعلم ما وراء شفتها من الشنب إلا الله؛ لأنه لم يذقه أحد، قال الواحدي: وأساء في ذكر حسن مبسم أخت ملك، وليس من العادة ذكر جمال النساء في مراثيهن. قال ابن جني: كان المتنبي يتجاسر في ألفاظه جدًّا، وفي معنى بيت المتنبي:
لَا وَالَّذِي تَسْجُدُ الْجِبَاهُ لَهُ
مَا لِي بِمَا ضَمَّ ثَوْبُهَا خَبَرُ
وَلَا بِفِيهَا وَلَا هَمَمْتُ بِهَا
مَا كَانَ إِلَّا الْحَدِيثُ وَالنَّظَرُ
(١٦٧) مفرقها: موضع افتراق الشعر من الرأس، وهو مبتدأ خبره مسرة، قال ابن جني: وحسرة خبر إما عن مفرقها أو عنها تقديره: الميتة حسرة في قلوب البيض واليلب، إلى أن قال: والأجود أن يجعل مفرقها خبر المسرة، أو مسرة خبره، والجملة خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهي مسرة في قلوب الطيب مفرقها، وهي حسرة في قلوب البيض واليلب، واليلب: الدروع اليمانية تتخذ من الجلود، أو جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على الرءوس خاصة تحت البيض، واحدتها يلبة، قال عمرو بن كلثوم:
عَلَيْنَا الْبَيْضُ وَالْيَلبُ الْيَمَانِي
وَأَسْيَاف يقمْنَ وَيَنْحَنِينَا
قال الجوهري: ويقال اليلب ما كان من جُنَن الجلود، ولم يكن من الحديد، ومنه قيل للدرق يلب. قال الشاعر:
عَلَيْهِمْ كُلُّ سَابِغَةٍ دِلَاصُ
وَفِي أَيْدِيهِمُ الَيَلبُ الْمُدَارُ
قال: واليلب في الأصل ذلك الجلد قال أبو دهبل الجمحي:
دِرْعِي دِلَاصٌ شَكُّهَا شَكُّ عَجَبْ
وَجَوْبُهَا الْقَاتِرُ مِنْ سَيْرِ الْيَلبْ
جوبها؛ أي ترسها، وجوب قاتر؛ أي ترس حسن التقدير، والبيض: جمع بيضة، وهي الخوذة من حديد، يقول: إن الطيب يسر باستعمالها إياه، والبيض واليلب يتحسران بتركها لبسهما؛ لأنهما من ملابس الرجال، واستعار لهما قلوبًا مجازًا لوصفه لهما بالمسرة والحسرة.
(١٦٨) المقانع: جمع مقنع ومقنعة، وهو ما تقنع به المرأة رأسها، وتقدير الشطر الأول: إذا رأى البيض أو اليلب رأس لابسه ورآها، فضمير رأى للبيض واليلب، وأفرد الضمير لأنهما مترادفان، فكأنهما شيء واحد. يقول: إذا رأى البيض رأس لابسه، ورأى هذه المرأة وهي تلبس المقانع رأى المقانع أعلى رتبة منه فازداد حسرة على تركها إياه وحرمانه ذلك.
(١٦٩) الحسب: شرف الآباء أو الفعال الصالح؛ أي شرف الفعل، وأنشد ثعلب:
وَرُبَّ حَسِيبِ الْأَصْلِ غَيْرُ حَسِيبِ
أي: له آباء يفعلون الخير ولا يفعله هو، يقول: إن لها عقل الرجال وحسبهم وإن خلقت أنثى.
(١٧٠) تغلب: قبيلة سيف الدولة، والغلباء: في الأصل الغليظة الرقبة، والمراد العزيزة الأبية الممتنعة، وعبارة الواحدي: الغلباء: الغلاظ القلوب، نعتهم بغلظ الرقبة؛ لأنهم لا يذلون لأحد ولا ينقادون له، يقول: هي وإن كانت من تغلب — تلك القبيلة المعروفة بالعز والمنعة — بيد أن لها مع ذلك من الفضائل مما تنماز به عنهم وتفضلهم، كالخمر أصلها العنب، ولكن في الخمر من المزايا ما ليس في العنب، ومن ثم تفضله، وهذا مثل قوله: فإن المسك بعض دم الغزال.
(١٧١) جعلها وشمس النهار شمسين، ثم قال: ليت طالعتهما — وهي شمس النهار — غائبة وليت غائبتهما — وهي المرثية — لم تغب. يقول: إن في حياتها منافع جمة، فليتها بقيت وفقدنا الشمس.
(١٧٢) آب: رجع، يقول: وليت عين الشمس فداء عين المرثية التي غابت ولم ترجع.
(١٧٣) الهندية: السيوف، والقضب: جمع قضيب، وهو اللطيف الدقيق من السيوف يقول: ليس لها شبيه، لا من النساء ولا من الرجال.
(١٧٤) الصنائع: جمع صنيعة، وهي الإحسان واليد. يقول: إذا ذكرت صنائعها بكيت لمحبتي إياها، وسبب محبتي هو صنائعها لدي وإحسانها إلي، وروى ابن جني: بلا ود ولا سبب؛ أي ليس بكائي لود أو سبب سوى صنائعها التي أولت، فهي تذكرني فأبكي.
(١٧٥) يقول: كانت محجوبة عن الأعين بأوفى حجاب فأحبت الأرض أن تكون من حجبها فانضمت عليها، فكأنَّ الأرض لم تقنع بما حولها من الحجاب حتى حجبتها بنفسها.
(١٧٦) يقول: لم تكن عيون الناس تصل إليها، فهل حسدت الكواكب يا أرض على النظر إليها فواريتها عنهن؟
(١٧٧) قال الواحدي: يقول للأرض: هل سمعت سلامًا لي أتاها؟ يريد أنه يجهز إليها السلام والدعاء، وسأل الأرض عن بلوغ سلامه إليها، ثم قال: وقد أطلت التأبين والمرثية، وتجهيز السلام عليها، ولم أسلم عليها من قرب؛ لأنها ماتت على بعد منه، ولك أن تقول: إن المعنى بعبارة أخرى: هل سمعتني يا أرض أسلم عليها؟ أي هل رأيتني قريبًا منها فحسدتني على قربها فقد أطلت اليوم من السلام عليها ولم أسلم من قرب؟ قال الواحدي: ولم يعرف ابن جني معنى هذا البيت، فجعل الاستفهام فيه إنكارًا وقال. يقول: قد أطلت السلام عليها وأنا بعيد عنها، فهل سمعت يا أرض سلامي قريبًا منها؟
(١٧٨) الغيب: جمع غائب، مثل خدم وخادم. يقول: كيف يبلغ السلام أمواتنا المدفونين، وهو قد يقصر عن بلوغ أحيائنا الغائبين؟ وكأن هذا مبني على معنى البيت السابق؛ أي إن سلامه لم يكن يبلغها في حياتها للبعد الذي بينهما، فكيف يبلغها بعد موتها؟ والظاهر أن الكلام على عمومه، وليس فيه — كما ذهب بعضهم — تعريض بسيف الدولة، وأن يقصر سلامه دونه.
(١٧٩) أولى القلوب بها: هو قلب أخيها — أي سيف الدولة — والضمير في لصاحبه يعود على أولى القلوب، وصاحبه هو سيف الدولة. يقول: يا أحسن الصبر زر قلب سيف الدولة الذي هو أولى القلوب بمودتها والجزع عليها، وقل لصاحب هذا القلب يا أنفع السحب؛ أي إن عطاءه أهنأ؛ لأنه بغير أذى، والسحاب قد يؤذي سيله وتهلك صواعقه.
(١٨٠) وأكرم الناس: عطف على أنفع السحب، والنجب: جمع نجيب، وهو الكريم من كل شيء ورجل نجيب؛ أي كريم فاضل بين النجابة، والنجبة مثال الهمزة النجيب، يقال هو نجبة القوم إذا كان النجيب منهم، وأنجب الرجل؛ أي ولد ولدًا نجيبًا. قال الأعشى:
أَنْجَبَ أَزْمَانَ وَالِدَاهُ بِهِ
إِذْ نَجْلَاهُ فَنِعْمَ مَا نَجلَا
وسيمر بك شرح هذا البيت في موضع آخر.
وامرأة منجبة ومنجاب؛ أي تلد النجباء يقول: وقل له يا أكرم الناس غير مستثن أحدًا سوى آبائك الكرام، قال العكبري: وهذا لفظ منكر يدخل فيه الأنبياء ومن دونهم. أقول: وهي إحدى مبالغات المتنبي القبيحة.
(١٨١) يريد بالشخصين: أختيه. ماتت إحداهما — وهي الصغرى — وبقيت الكبرى، فكانت كدر فدي بذهب، جعل الكبرى كالدر، والصغرى كالذهب.
(١٨٢) المتروك: هو الدر، والتارك: الدهر، يقول: وبعد ذلك عاد الدهر يطلب الكبرى وأخذها؛ لأن الأيام لا تغفل عن طلب ما تركته، وهذا البيت والذي قبله كأنهما من قول الأعرابي:
وَقَاسَمَنِي دَهْرِي بَنِيَّ مُشَاطِرًا
فَلَمَّا تَقَضَّى شَطْرُهُ عَادَ فِي شَطْرِي
(١٨٣) الورد: إتيان الإبل الماء، والقرب: سير الليل لورد الغد، وذلك أن القوم يرعون الإبل وهم في ذلك يسيرون نحو الماء، فإذا بقيت بينهم وبين الماء عشية عجلوا نحوه، فتلك الليلة ليلة القرب، يقول: إن أجليهما كانا متقاربين جدًّا حتى إن المدة التي بينهما كانت لقصرها كأنها المدة التي بين الورد والقرب، وهي ليلة.
(١٨٤) يقول: غفر الله لك أحزانك؛ لأن الحزن للمصيبة أخو الغضب على القدر حيث لم يجر بمراد الإنسان، والغضب على القدر مما يستغفر منه.
(١٨٥) يسخون؛ أي النفوس، ووزنه يفعلن، فالواو لام الفعل، والنون علامة الإضمار وجمع التأنيث، وهو مثل إِلَّا أَن يَعْفُونَ أي النساء، ويروى تسخون — بلفظ خطاب الذكور — والسلب: ما يؤخذ من القتيل من ثياب وسلاح، وفي الحديث الصحيح: «من قتل قتيلًا فله سلبه.» يقول: إنما تحزن؛ لأن الدهر سلبك المرثية، وأنتم قوم أهل عزة وأنفة، تجودون بالذي تعطونه عن طيب نفس، ولا تجودون بما يؤخذ منكم قهرًا، وهذا المعنى كقول القائل:
لَا جَزَعًا بَلْ أَنَفًا شَابَهُ
أَنْ يَقْدِرَ الدَّهْرُ عَلَى غَصْبِهِ
(١٨٦) القنا: عيدان الرماح، يقول: أنتم بين الملوك كالقنا بين سائر القصب والقنا يفضل سائر أنواع القصب، وكذلك أنتم تفضلون سائر الملوك.
(١٨٧) النبع: شجر صلب ينبت في رءوس الجبال تتخذ منه القسي، والغرب: نبت ضعيف ينبت على الأنهار، يدعو له يقول: لا أصابتك الليالي بسوء، فإنها تغلب القوي بالضعيف.
(١٨٨) الخرب ذكر الحبارى (الحبارى: طائر أكبر من الدجاج الأهلي وأطول عنقًا، وهو أنواع كثيرة، ويضرب به المثل في البلاهة فيقال: أبله من الحبارى؛ قيل: لأنه إذا غير عشه ذهل وحضن بيض غيره) وجمعه خربان، يدعو له أن لا تعين الليالي من عاداه فإنهن يصدن القوي بالضعيف، وهو بسبب من معنى البيت السابق.
(١٨٩) يقول: إن سرتك الأيام بوجود ما تحبه فجعتك بفقده إذا استردته، وقد أرينك العجب حيث سررنك بها، ثم فجعنك بفقدها، فكانت سببًا للسرور والفجيعة، وهذا عجب أن يكون شيء واحد سببًا للمسرة والمساءة.
(١٩٠) يقول: قد يحسب الإنسان أن المحن قد تناهت فيلم به شيء لم يكن في حسبانه، وإذن لا تؤمن فجعات الدهر.
(١٩١) اللبانة: الحاجة، والأرب: الغرض، فهما متقاربان، يقول: لم يقضِ أحد حاجته من الدنيا؛ لأن حاجات الإنسان لا تنقضي، فإذا فرغ من أرب انتهى إلى أرب آخر، وذلك كما يقول أمية بن أبي الصلت:
تَمُوتُ مَعَ الْمَرْءِ حَاجَاتُهُ
وَتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي
(١٩٢) الشجب: الهلاك، والخلف: الاختلاف، والمراد بالنفس: الروح. يقول: جرى خلف الناس في كل شيء، ولم يتفقوا إلا على الهلاك؛ أي إن منتهى كل حيوان أن يموت فيهلك، ثم اختلفوا في حقيقة الهلاك؛ ففريق يقول: إن الروح تسلم من الهلاك ولا تفنى بفناء الأجسام — وهؤلاء هم المقرون بالبعث — وفريق يذهب إلى أن الروح يفنى كالجسم — وهؤلاء هم الدهريون ومن يقول بقدم العالم.
(١٩٣) الشجب: الهلاك، والخلف: الاختلاف، والمراد بالنفس: الروح. يقول: جرى خلف الناس في كل شيء، ولم يتفقوا إلا على الهلاك؛ أي إن منتهى كل حيوان أن يموت فيهلك، ثم اختلفوا في حقيقة الهلاك؛ ففريق يقول: إن الروح تسلم من الهلاك ولا تفنى بفناء الأجسام — وهؤلاء هم المقرون بالبعث — وفريق يذهب إلى أن الروح يفنى كالجسم — وهؤلاء هم الدهريون ومن يقول بقدم العالم.
(١٩٤) المهجة: الروح، يقول: من فكر في الدنيا، وأنه مفارقها البتة أتعبه هذا الفكر؛ لما يجد في ذلك من الأسف على الدنيا، والخوف على روحه؛ ثم رأى في الوقت نفسه أن ذلك قضاء حتم لا يستطيع الفرار منه، فيرى نفسه بين حالين من التعب والعجز.
(١٩٥) هذه القصيدة من المتقارب، وتقطيعها فعولن أربع مرات، دخله القصر فصار فعولن فعولن فعولن فعل، وقد ارتكب أبو الطيب فيها سناد التوجيه، وهو المخالفة في حركة ما قبل الروي المقيد، ومن الناس من لا يعده سنادًا اكتفاء باتفاق الروي.
(١٩٦) سمعًا وطوعًا وابتهاجًا: ثلاثتها مصادر دلت على أفعالها؛ أي سمعت أمرك سمعًا، وطعت طاعة، وابتهجت بكتابك ابتهاجًا، والابتهاج: الفرح، يقال: بهِج بالشيء وله — بالكسر — بهاجة وابتهج: سر به وفرح. قال الشاعر:
كَانَ الشَّبَابُ رِدَاءً قَدْ بَهِجْتُ بِهِ
فَقَدْ تَطَايَرَ مِنْهُ لِلْبِلَى خِرَقُ
يقول: إني سامع لأمرك، مطيع له، مبتهج بكتابك بيد أن فعلي في طاعتك لا يبلغ ما يجب، إذ إنني قصرت بتخلفي عن المجيء إليك.
(١٩٧) سمعًا وطوعًا وابتهاجًا: ثلاثتها مصادر دلت على أفعالها؛ أي سمعت أمرك سمعًا، وطعت طاعة، وابتهجت بكتابك ابتهاجًا، والابتهاج: الفرح، يقال: بهِج بالشيء وله — بالكسر — بهاجة وابتهج: سر به وفرح. قال الشاعر:
كَانَ الشَّبَابُ رِدَاءً قَدْ بَهِجْتُ بِهِ
فَقَدْ تَطَايَرَ مِنْهُ لِلْبِلَى خِرَقُ
يقول: إني سامع لأمرك، مطيع له، مبتهج بكتابك بيد أن فعلي في طاعتك لا يبلغ ما يجب، إذ إنني قصرت بتخلفي عن المجيء إليك.
(١٩٨) الوشاة، جمع واشٍ، وهو النمام. يقول: لم يمنعني من النهوض إليك غير خوفي الوشاة، فإن الوشايات من طرق الكذب فلا يأمنها البريء.
(١٩٩) وتكثير قوم وتقليلهم؛ أي تكثيرهم معائبنا وتقليلهم مناقبنا، والتقريب ضرب من العدو، يقال قرب الفرس: إذا رفع يديه معًا ووضعهما معًا في العدو، والخبب: السرعة، وقيل: هو أن يراوح الفرس بين يديه ورجليه في العدو، يقول: وعاقني أيضًا خوف تكثير قوم معائبي، وتقليلهم مناقبي، وسعيهم بيننا بالفساد.
(٢٠٠) يقول: إنه كان يصغي إليهم ويسمع منهم، بيد أن قلبه كان على أية حال معي يعضده في ذلك شرفه، فعد إصغاءه إليهم نصرًا لهم، ونزاعه إليه نصرًا له.
(٢٠١) اللجين: الفضة، والأناة: الحلم والرفق والتثبت، وبعد الأناة كناية عن كونه لا يستخف من أول وهلة، وقوله فيقلق: جواب النفي في البيت الأول، والضمير في منه يعود على المصدر المفهوم من قوله قلت؛ أي فيقلق من قولي هذا، يقول إنني لم أنقصك مما تستحق من المدح شيئًا كما ينقص البدر بتشبيهه باللجين والشمس بتشبيهها بالذهب؛ أي لم أهجك فتنكر علي ولم آتِ في حقك ما يوجب أن ينزعج له مثلك في بعد أناته وبطء غضبه.
(٢٠٢) اللجين: الفضة، والأناة: الحلم والرفق والتثبت، وبعد الأناة كناية عن كونه لا يستخف من أول وهلة، وقوله فيقلق: جواب النفي في البيت الأول، والضمير في منه يعود على المصدر المفهوم من قوله قلت؛ أي فيقلق من قولي هذا، يقول إنني لم أنقصك مما تستحق من المدح شيئًا كما ينقص البدر بتشبيهه باللجين والشمس بتشبيهها بالذهب؛ أي لم أهجك فتنكر علي ولم آتِ في حقك ما يوجب أن ينزعج له مثلك في بعد أناته وبطء غضبه.
(٢٠٣) لاقني: أمسكني وحبسني، يقال منه: فلان لا يليق ببلد؛ أي ما يمتسك، ولا يليقه بلد؛ أي لا يمسكه، قال الأصمعي للرشيد: ما ألاقتني أرض حتى أتيتك يا أمير المؤمنين؛ أي ما ثبت بها، ويقال فلان ما يليق بكفه درهم: أي ما يحتبس، وما يليق هو درهمًا؛ أي ما يحبسه ولا يلصق به. قال الشاعر:
كَفَاكَ كَفٌّ مَا تَلِيقُ دِرْهَمَا
جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا
ورب نعماي: صاحب نعمتي، ووقف على الباء من قوله رب — وهي موضع نصب — ضرورة للقافية، وخففها — وحكمها التشديد — لوقوعها رويا. يقول: ما أخذت عوضًا منكم، ولا أمسكني بلد بعدكم، ولا أعجبني، ولا لي مستقر إلا عندكم، إذ لا أصيب مثلكم، وكيف آخذ عوضًا ممن أنعم عليَّ؟ وهذا مثل قوله:
وَمَنِ اعْتَاضَ مِنْكَ إِذَا افْتَرَقْنَا
وَكُلُّ النَّاسِ زُورٌ مَا خَلَاكَا
(٢٠٤) الأظلاف: جمع ظلف، وهو من البقرة والشاة والظبي بمنزلة القدم للإنسان والخف للبعير، والحافر للفرس والبغل والحمار، والغبب والغبغب: للبقر والديك ما تدلى تحت حنكيهما. جعل الجواد مثلًا لسيف الدولة، والثور مثلًا لمن لقي بعده من الملوك، وهذا كقول خداش بن زهير:
وَلَا أَكُونُ كَمَنْ أَلْقَى رِحَالَتَهُ
عَلَى الْحِمَارِ وَخَلَّى صَهْوَةَ الْفَرَسِ
قال الخطيب: ذكر الركوب هنا فيه جفاء، ولا تخاطب الملوك بمثل هذا.
(٢٠٥) بمن في حلب، متعلق بقست، وقوله فدع ذكر بعض: معترضة بينهما يقول: لم أقس كل الملوك به فضلًا أن أقيس به بعضهم، ولو أنا شبهتهم به وسميتهم سيوفًا — كما يسمى هو سيف الدولة — لكانوا سيوفًا من خشب، وكان هو سيفًا من حديد: يعني أن مدحه إياه حقيقة، ومدحه إياهم مجازًا، إذا لا شبه بينهم وبينه.
(٢٠٦) بمن في حلب، متعلق بقست، وقوله فدع ذكر بعض: معترضة بينهما يقول: لم أقس كل الملوك به فضلًا أن أقيس به بعضهم، ولو أنا شبهتهم به وسميتهم سيوفًا — كما يسمى هو سيف الدولة — لكانوا سيوفًا من خشب، وكان هو سيفًا من حديد: يعني أن مدحه إياه حقيقة، ومدحه إياهم مجازًا، إذا لا شبه بينهم وبينه.
(٢٠٧) هذا استفهام إنكار يقول: ليس يشبهه أحد من الملوك في شيء من ذلك.
(٢٠٨) مبارك الاسم؛ لأن اسمه علي، وهو مشتق من العلو، محبوب مطلوب، ولأنه سمي علي بن أبي طالب، وهو من هو؟ وأغر اللقب، لأنه سيف الدولة، وقد اشتهر هذا اللقب فهو أغر؛ أي متعالم مشهور أبلج، وكريم الجرشى: أي النفس، وشريف النسب، لأنه من ربيعة، وهم كرام أشراف، وكلمة الجرشى: من قبيح ألفاظ المتنبي.
(٢٠٩) أخو الحرب؛ أي عرفت به وعرف بها فصار لها أخًا، وقناة: فاعل سبى: أي رماحه. يقول: هو أخو الحرب وصاحبها، فإذا أعطى أحدًا خادمًا فهو مما سباه بنفسه، لا مما اشتراه؛ لأن مماليكه جميعًا من سباياه، وإذا خلع على إنسان ثوبًا فهو مما سلبه من أعدائه، يريد كثرة نكايته في الأعداء.
(٢١٠) فتى: فاعل حازه من باب التجريد. يقول: إذا جمع مالًا لا يسر منه بما يدخر، ولكن بما يهب، وهذا كقول البحتري:
لَا يَتَمَطَّى كَمَا احْتَجَّ الْبَخِيلُ وَلَا
يُحِبُّ مِنْ مَالِهِ إِلَّا الَّذِي يَهَبُ
(٢١١) يقول: كلما ذكرته دعوت له بهذين، فقلت له صلى الله عليه وسقى أرضه السحاب، والصلاة من الله الرحمة، وقد جرى العرف بقصر الصلاة على الأنبياء، ولكن الشعراء ديدنهم المبالغة وتعظيم الممدوح ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وقد قال ابن الرقاع:
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ
وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَزَادَهَا
وقال الراعي:
صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وَابْنَتِهَا
لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الْأُخَرِ
(٢١٢) يقول: أثنى عليه بما وصل إليَّ وإلى غيري من نعمه، وأقرب منه بالموالاة والمحبة: أقربت محلته أم بعدت.
(٢١٣) الغدران: جمع غدير، وهو البقية من الماء تبقى بعد السيل؛ من غادره تركه، قال الخطيب التبريزي: سمى الغدير غديرًا لمعنيين؛ أحدهما: لأن الغيث تركه، والثاني: لأنه يغدر بأهله فينضب عنهم عند الحاجة، ونضب الماء، غار في الأرض وبعد، وما: من قوله ما نضب: نافية، يقول: إذا كان بره قد انقطع عني فإن ما سبق إليَّ منه باقٍ كالغدران تبقى بعد المطر.
(٢١٤) الشطب — بضم الشين والطاء، وبفتح الطاء — جمع شطبة وهي الطرائق التي في متن السيف، وسيف مشطب ومشطوب: فيه طرائق، وكذلك ثوب مشطب. يقول: لست سيفًا كسائر السيوف، فأنت سيف الله لا سيف الناس، وأنت صاحب المكارم لا سيف فيه طرائق من سيوف الحديد.
(٢١٥) أبعد وأعرف وأطعن وأضرب: منصوبة على النداء المضاف، والخطية: الرماح، يقول: يا أبعد الناس همة ويا أعرف الناس برتب الرجال وطبقاتهم فتعطي كلًّا منهم المنزلة التي يستحقها، ويا أطعن من مس رمحًا، وأضرب من ضرب بسيف.
(٢١٦) أبعد وأعرف وأطعن وأضرب: منصوبة على النداء المضاف، والخطية: الرماح، يقول: يا أبعد الناس همة ويا أعرف الناس برتب الرجال وطبقاتهم فتعطي كلًّا منهم المنزلة التي يستحقها، ويا أطعن من مس رمحًا، وأضرب من ضرب بسيف.
(٢١٧) قوله بذا؛ أي بأطعن وأضرب، والثغور: مواضع المخافة من فروج البلدان؛ والهمام: الرءوس، والقضب: السيوف القواطع، يقول: إن أهل الثغور نادوك بقولهم يا أطعن من طعن بخطية، ويا أضرب من ضرب بحسام فأجبتهم ورءوسهم تحت سيوف الروم تكاد تطيرها.
(٢١٨) غارت العين: دخلت في الرأس؛ أي من شدة العرب، والوجيب خفقان القلب. يقول: إنك أجبتهم حين نادوك وقد يئسوا من الحياة، فهم في خوف ورعب واضطراب حتى أنقذتهم.
(٢١٩) الدمستق: قائد الروم، والعداة: جمع عاد بمعنى عدو، والثقيل: الشديد المرض، والوصب: المريض، يقول: إنما اجترأ الدمستق على أهل الثغور؛ لأنه اغتر بما أرجف به الأعداء من أنك مريض لا تستطيع إغاثتهم.
(٢٢٠) يقول: وما كان ينبغي للدمستق أن يغتر؛ لأن سيف الدولة إذا هم بالغارة وهو عليل ركب إلى أعدائه كما تعلم خيله من عادته.
(٢٢١) أتاهم؛ أي الدمستق، وبأوسع؛ أي بخيل أوسع، وطوال وقصار منصوبان على الحال، والسبيب: شعر الناصية والعرف والذنب: والعسب جمع عسيب، وهو منبت الذنب. يقول: أتاهم الدمستق بخيل موضعها من الأرض أوسع من أرض الروم؛ يصف عسكر الروم بالكثرة. ثم وصف خليهم بأنها من جياد الخيل؛ لأن طول شعر الذنب وقصر عظمه، مما يستحب في الخيل.
(٢٢٢) يقول: إذا علا جيشه الشواهق — أي الجبال العالية — غطاها لكثرته فغابت فيه، وإذا تخلل جوانبها ظهرت صغارًا بالإضافة إليه وإلى سعته وانتشاره حولها.
(٢٢٣) تخط — بحذف إحدى التاءين — أي تتخطى، والقنا: الرماح، يقول: لكثرة رماح هذا الجيش وتضايق ما بينها غص الهواء بها فلا تجد الريح منفذًا إلا أن تتخطى الرماح؛ أي تكون أعلى طريقًا منها أو تثب من فوقها.
(٢٢٤) اللجب: كثرة الأصوات واختلاطها. يقول: أتاهم من الجيوش بما عم بلادهم فكأنها أغرقتها، وأخفى أصواتهم بأصوات جيوشه؛ لكثرتها وارتفاعها.
(٢٢٥) أخبث به: صيغة تعجب؛ أي ما أخبثه في الحالين، ويروى الثاني، وأخيب به تاركًا، من الخيبة، وطالبًا وتاركًا: حالان، يقول: ما أخبثه حين يحاول قتلهم؛ لأنه استدبر في ذلك سيف الدولة خسة منه وجبنًا، وما أخيبه إذ ترك هذه المحاولة وولَّى هاربًا يطلب النجاة.
(٢٢٦) يقول: لما كنت بعيدًا عن أهل الثغور أتاهم فقاتلهم بالمبارزة، فلما جئت جعل الهرب موضع القتال؛ أي حمى نفسه بالهرب، فكأنما قاتلهم به كي ينجو.
(٢٢٧) يقول: إنه كان يفتخر بأن قصدهم وصمد لقتالهم، فلما ارتد عنهم هاربًا كنت عذرًا له في ارتداده؛ لأنه لا يقوم لك، ومثلك من يفر منه يعذر.
(٢٢٨) يقول: إنك أدركتهم قبل أن يعصف بهم فأغثتهم قبل أن يعطبوا، وإنما ينفع الغوث إذا كان قبل العطب والهلاك، أما بعد ذلك فلا قيمة للغوث؛ وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:
وَمَا نَفْعُ مَنْ قَدْ مَاتَ بِالْأَمْسِ ظَامِئًا
إِذَا مَا سَمَاءُ الْيَوْمِ طَالَ انْهِمَارُهَا
وقول البحتري:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْغَيْثَ لَيْسَ بِنَافِعٍ
لِلنَّاسِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي إِبَّانِهِ
(٢٢٩) الصلب: جمع صليب، وهو ذلك الذي يتخذه المسيحيون في بيوتهم وبيعهم على شكل المصلوب. يقول: لما أنقذتهم وفر الدمستق سجدوا لله شكرًا، ولو لم تنقذهم لسجدوا لصلبان الأعداء خوفًا منهم.
(٢٣٠) يقول: كم دفعت عنهم الهلاك بإهلاكك من بغى هلاكهم؟ وكم كشفت عنهم الكرب بالكرب التي أنزلتها بأعدائهم؟
(٢٣١) المعتصب؛ أي المتوج الذي يعتصب التاج برأسه. يقول: وقد زعم الروم أن الدمستق سيعود ومعه الملك الأعظم، وعبر عن مجيء الملك بالعود مع أنه لم يكن قبل ذلك قصدهم؛ للمشاكلة بين الفعلين، على أن عاد قد يراد بها الإتيان لأول مرة كما قال:
فَإِنْ تَكُنِ الْأَيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً
إِلَيَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
أي أتتني.
(٢٣٢) يقول: إن الدمستق والملك يستنصران السيد المسيح، ويسألانه النصرة على المسلمين، وهما يعتقدان أن المسيح صلبته اليهود وقتلته.
(٢٣٣) عنهما: صلة يدفع. يقول: ويطلبان أن يدفع السيد المسيح عنهما ما ناله من القتل في اعتقادهم، ثم تعجب من هذا، وقال: وكيف يستطيع أن يدفع عنهما الهلاك وهو لم يستطع الدفاع عن نفسه؟ ولام فيا للرجال: مفتوحة، لأنها للمستغاث به، ولام لهذا: لام التعجب، وهي مكسورة، أنشد سيبويه لقيس بن ذريح:
تَكَنَّفَنِي الْوُشَاةُ فَأَزْعَجُونِي
فَيَا للنَّاسِ لِلْوَاشِي الْمُطَاعِ
(٢٣٤) يقول: أرى المسلمين قد هادنوا المشركين، واجتمعوا معهم، وتركوا قتالهم، وذلك: إما عجزًا عنهم، أو خوفًا منهم.
(٢٣٥) يقول: وأنت مع الله في جانب آخر تنزل على أمره بالجهاد فلا تنام عنه، وقد جانبت غيرك من المهادنين والموادعين.
(٢٣٦) يقول: كأنك وحدك الموحد لله تعالى، وسائر الناس يدينون بدين النصارى الذين يقولون بالابن والأب.
(٢٣٧) ظهرت عليهم: ظفرت بهم وغلبتهم، وكئب كآبة: حزن وظهر فيه الانكسار، يقول: ليت الحاسد الذي يكتئب لظفرك بالروم يقتل بسيوفك.
(٢٣٨) أراد بالشكاة: المرض الذي يشكوه، وقوله تجزي به؛ أي بالحب أو البغض، على أن الواو في قوله وحب: بمعنى أو، ولك أن ترجع الضمير إلى البغض والحب جميعًا؛ لأن كليهما من أفعال القلب، فكأنهما شيء واحد، والسبب: الوسيلة، يقول: ليت المرض الذي تشكوه في جسم الحاسد، وليتك تجزي من أبغضك ببغضه، ومن أحبك بحبه كي أنال نصيبًا من الحب، إذ لو جزيتني على حبي لك — وهو أقوى سبب، لأن حبي إياك أكثر من حب غيري — لنلت منك أقل حظ، يشكو إعراضه عنه، وأنه أقل الناس حظًا منه مع أنه أشد حبًّا له، وعبارة ابن جني: لو تناهيت في جزائك إياي على حبِّي إياك؛ لكان ضعيفًا بالإضافة إلى قوة حبي لك، قال أبو الفضل العروضي: وهذا لا يقوله مجنون لبعض نظرائه، ولمن هو دونه، فكيف ينسب المتنبي سيف الدولة إلى أنه لو احتشد وتكلف في جزائه لم يبلغ كنهه؟ وهذا الذي لاحظه العروضي لم يوفق فيه.
(٢٣٩) أراد بالشكاة: المرض الذي يشكوه، وقوله تجزي به؛ أي بالحب أو البغض، على أن الواو في قوله وحب: بمعنى أو، ولك أن ترجع الضمير إلى البغض والحب جميعًا؛ لأن كليهما من أفعال القلب، فكأنهما شيء واحد، والسبب: الوسيلة، يقول: ليت المرض الذي تشكوه في جسم الحاسد، وليتك تجزي من أبغضك ببغضه، ومن أحبك بحبه كي أنال نصيبًا من الحب، إذ لو جزيتني على حبي لك — وهو أقوى سبب، لأن حبي إياك أكثر من حب غيري — لنلت منك أقل حظ، يشكو إعراضه عنه، وأنه أقل الناس حظًا منه مع أنه أشد حبًّا له، وعبارة ابن جني: لو تناهيت في جزائك إياي على حبِّي إياك؛ لكان ضعيفًا بالإضافة إلى قوة حبي لك، قال أبو الفضل العروضي: وهذا لا يقوله مجنون لبعض نظرائه، ولمن هو دونه، فكيف ينسب المتنبي سيف الدولة إلى أنه لو احتشد وتكلف في جزائه لم يبلغ كنهه؟ وهذا الذي لاحظه العروضي لم يوفق فيه.
(٢٤٠) هو أبو سعيد المنبجي من بني المجيمر، قبيلة بمنبج من طيئ.
(٢٤١) رائي خطأ: يروى راء خطأ، وذلك على حد قولهم: ضارب عمرو وضارب عمرًا ويروى بدل هذين:
فرب رأي أخطأ الصوابا
يقول: أبعد عني يا أبا سعيد عتابك فلا تعاتبني؛ لأنك ترى الخطأ في زيارة الملوك صوابًا، ولست على رأيك.
(٢٤٢) فإنهم؛ أي الملوك.
(٢٤٣) القرضاب: السيف القاطع، والذابلات: الرماح اللينة، والعراب: الخيل العربية. يقول: إنما يتوصل إلى الملوك، ويهتك الحجاب الذي أقاموه على أبوابهم بالسلاح والخروج عليهم لا بغير ذلك، وهذا بعض ما يشفُّ عن طموح المتنبي وآماله الكبار.
(٢٤٤) الصافيات: جمع صافية، وهي الخمر، والأكوب جمع كوب، وهو القدح لا عروة له.
(٢٤٥) أي يجودوا بالشراب.
(٢٤٦) الباترات: السيوف القواطع؛ يريد: أنه لا يطرب إلا على صليل السيوف؛ وهذا أيضًا إحدى هنواته التي تدل على بعد همته، ولا سيما إذا لوحظ أنه مما قاله في صباه، مثل الأبيات التي قبلها.
(٢٤٧) لما مات محمد بن إسحاق هذا رثاه المتنبي بأبياتٍ مطلعها:
إِنِّي لَأَعْلَمُ وَاللَّبِيبُ خَبِيرُ
وستأتي، ثم استزاده بنو عم الميت فقال هذه الأبيات:
غَاضَتْ أَنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحُورُ
وستمر بك، ثم سألوه أن ينفي الثلاثة عنهم، فقال:
الْآلُ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
إِلَّا حَنِينٌ دَائِمٌ وَزَفِيرُ
وتراها في قافية الراء، ثم سألوه زيادة في نفي الشماتة عنهم، فقال هذه الأبيات التي نحن بصددها.
(٢٤٨) اللام في قوله لأي: حشو ورفر لتقوية العامل، على حد قوله تعالى: إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ أيْ أيَّ صروف الدهر نعاتب، والوتر: الثأر. يشكو الدهر يقول: إن صروف الدهر ورزاياه كثيرة متوافرة، فلا يمكن معاتبتها ولا طلب الثأر منها.
(٢٤٩) العازب: البعيد، يقول: إنه كان في حياته إذا فقد الناس الصبر في الشدائد يعينهم ويحسن إليهم حتى يصبروا على ما ينوبهم بما ينالون منه، وقد روي يعطَى — بفتح الطاء — فيكون معناه: أنه كان يصبر في المواطن التي كان يصعب فيها الصبر.
(٢٥٠) العجاجة: الغبار، والأسنة: أطراف الرماح. جعل الغبار المرتفع في الهواء سماء، وجعل الأسنة لامعة فيها كالكواكب، وهذا من قول بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا
وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ
وقال أيضًا:
خَلَقْنَا سَمَاءً فَوْقَنَا بِنُجُومِهَا
سُيُوفًا وَنَقْعًا يَقْبِضُ الطَّرْفَ أَقْتَمَا
وقال آخر:
نَسَجَتْ حَوَافِرُهَا سَمَاءً فَوْقَهَا
جَعَلَتْ أَسِنَّتَنَا نُجُومَ سَمَائِهَا
(٢٥١) تسفر: تنجلي، ومضارب: جمع مضرب، وهو حد السيف وظبته، وانفللن: انثلمن، والضرائب: جمع ضريبة، وهي الشيء المضروب بالسيف، يقول: إن هذه العجاجة تنجلي عنه، وقد تثلمت سيوفه من كثرة الضرب حتى صارت كأنها مضروبة لا ضاربة، والعرب من عادتهم الفخر بفل سيوفها قال النابعة:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وفي هذا البيت — بيت النابغة — من البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم.
(٢٥٢) الهامات: الرءوس. يقول: إن سيوفه طلعت من أغمادها كالشمس في بريقها ثم غربت في رءوس المضروبين، فصارت رءوسهم مغارب لها، وهذا من قول أبي نواس في الخمر:
طَالِعَاتٌ مَعَ السُّقَاةِ عَلَيْنَا
فَإِذَا مَا غَرَبْنَ يَغْرُبْنَ فِينَا
(٢٥٣) شتى: متفرقة، وقفتها: تبعتها. يقول: إن مصيبتنا به ليست واحدة، وإنما هي لعظمها كأنها مصائب شتى، ولم يكفنا ذلك حتى تبعتها مصائب أخرى، وهي اتهام المفسدين إيانا بأنا شامتون بموته.
(٢٥٤) قوله: غير ذي رحم له؛ يروى: غير ذي رحم لنا، يقول: إن هناك أجنبيًّا لا يمت إليه أو إلينا بآصرة قرابة يظهر الأسف على فقد ابن أبينا — يريد ابن عمنا — فأبعدنا عنه باتهمامه إيانا بالشماتة ونحن أقرباؤه، فموته إنما يحزننا نحن لا غيرنا.
(٢٥٥) عرض أنا شامتون؛ أي عرض في مرثيته بأنا شامتون، والتعريض الإشارة إلى الغرض من غير تصريح، والعارضان: جانبا اللحية، والقواضب السيوف القاطعة، وقال الواحدي: قوله والإ فزارت يجوز أن يكون من كلام المعرض حكى عنه ما قال كأنه قال: هم شامتون بموته، وإلا فزارتني السيوف: أي قتلت بها إن لم يكن الأمر على ما أقول فيكون هذا تأكيدًا لما ذكر من شماتتهم، ويجوز أن يكون من كلام الذين ينفون الشماتة عن أنفسهم. يقول: إن لم يكن الأمر على ما ذكر فرمى الله عارضيه بالسيوف، فيكون هذا تأكيدًا لنفي الشماتة، وأن الأمر ليس على ما ذكر.
(٢٥٦) أن بين بني أب؛ أي إنه بين بني أب، فاسم إن هو ضمير الشأن، والنجل: الولد، ودبيب العقارب: كناية عن النميمة. يقول: أليس عجيبًا أن تدب عقارب يهودي بين بني أب أي إخوة فيوقع بينهم العداوة؟ يريد هذا الذي كان يمشي بينهم بالنميمة، وجعله ابن رجل يهودي مبالغة في أجنبيته عنهم، ويريد بوصفه بيهودي أنه خبيث دساس.
(٢٥٧) يقول: برغم أنه كان يغلب جميع الناس لم يقدر على الامتناع من الموت، فدل ذلك على أنه ليس لله غالب، وهذا من قول أبي تمام:
كُفِّي فَقَتْلُ مُحَمَّدٍ لِيَ شَاهِد
أَنَّ الْعَزِيزَ مَعَ الْقَضَاءِ ذَلِيلُ
هذا، وقال العكبري — تعليقًا على قوله: أن ليس: أن هي المخففة من الثقيلة، ولا تدخل إلا على الاسم، ولا تدخل على الفعل حتى يحجز بينه وبينها حاجز؛ لدخولها على الأسماء، كقوله تعالى: ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ تقديره: أنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، وكقوله تعالى: عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ تقديره: أنه سيكون؛ فلا بد من حرف يحجز بينها وبين الفعل، وقد دخلت ها هنا على ليس — وهي فعل بلا حاجز — وذلك لضعف ليس عن الأفعال، ولأنها غير متصرفة كتصرف الأفعال، ومثله قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ.
(٢٥٨) أنى؛ أي كيف، وأنى بمعنى كيف كثير. قال تعالى: أَنَّىٰ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وكرب: من أفعال المقاربة، تقول: كرب أن يفعل كذا؛ أي كاد وقارب، يقول: إنه بكى في أطلال الأحبة بدمع قضى ما وجب لهم وشفاه مما ألم به من وجد، ثم رجع عن ذلك، وقال: وكيف أظن أن بكائي قضى ما يجب وشفى ما في نفسي من لوعة وهو لم يقضِ الحق ولم يشف الوجد ولا قارب أن يقضي، يريد أنه قاصر عن ذلك، وفي هذا البيت من البديع ما يسمونه الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض والإبطال، وهو كثير في كلام الشعراء، ومنه قول زهير:
قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يُعْفِهَا الْقِدَمُ
بَلَى وَغَيَّرَهَا الْأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ
(٢٥٩) عاج بالمكان: وقف به، يقول: عطفنا على هذا الربع لنزوره فأذهب ما كان بقي من عقولنا بعد الفراق بتجديده ذكر الأحبة فضلًا عن أن يرد علينا ما كان قد ذهب منها لدى الفراق.
(٢٦٠) يقول: سقيت هذا الربع دموعًا سوائل ظنها مطرًا من جفون ظنها سحبًا.
(٢٦١) دار الملم لها طيف؛ أي هذا الربع هو دار التي ألم طيف لها، فدار: خبر مبتدأ محذوف، والألف واللام — في الملم — بمعنى التي، وطيف: فاعل ملم ولها حال مقدمة من قوله طيف. يقول: إن هذا الربع هو دار المرأة التي زارني لها طيف، أوعدني ليلًا؛ أي هددني بالهجر فما صدقت عيني؛ لأنها رأت خيالًا لأن ذلك كان رؤيا، ولا كذب الطيف في تهديده؛ لأنه هجرني بعد ذلك، إذ لم أنم بعدها.
(٢٦٢) ناءيته: باعدته: ويروى أنأيته؛ أي أبعدته، ودنا: قرب، وجمشته: غازلته وداعبته، ونبا: تجافى وتباعد، وأنبيته أنا: دفعته عن نفسي، وفي المثل: الصِّدْقُ يُنْبِي عَنْكَ لَا الْوَعِيدُ؛ أي إن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد، ونبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة، ونبا بصري عن الشيء ونبا به منزله: إذا لم يوافقه، وأبى: امتنع، يقول: كلما أردت من هذا الطيف شيئًا قابلني بضده، وهذا قريب من قوله:
صَدَّتْ وَعَلَّمَتِ الصُّدُودَ خَيَالَهَا
(٢٦٣) الهيام: أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه، والطنب: حبل الخباء والسرادق ونحوهما، قال ابن جني، يقول: ملكت قلبي بلا كلفة ومشقة، فكانت كمن سكن بيتًا لم يتعب في إقامته ولا مد أطنابه، وقال الواحدي: وأحسن من هذا أن يُقال: اتخذت بيتًا من قلبي فنزلته، والقلب بيت بلا أطناب ولا أوتاد.
(٢٦٤) يقول: هي مظلومة القد — إذا شبه بالغصن، لأنه أحسن منه — وهي مظلومة الريق — إذا شبه بالعسل لأنه أحلى منه، والضرب — وهو العسل الأبيض الغليظ — يذكَّر ويؤنث؛ قال أبو ذؤيب الهذلي في تأنيثه:
وَمَا ضَرَبٌ بَيْضَاءُ يَأْوِي مَلِيكُهَا
إِلَى طُنُفٍ أَعْيَا بِرَاقٍ وَنَازِلِ
بِأَطْيَبَ مِنْ فِيهَا إِذَا جِئْتَ طَارِقًا
وَأَشْهَى إِذَا نَامَتْ كِلَابُ الْأَسَافِلِ
(يأوي مليكها؛ أي يعسوبها، ويعسوب النحل: أميره، والطنف: حيد يندر من الجبل قد أعيا بمن يرقى ومن ينزل، وقوله كلاب الأسافل: يريد أسافل الحي؛ لأن مواشيهم لا تبيت معهم؛ فرعاتها وأصحابها لا ينامون إلا آخر من ينام لاشتغالهم بحلبها.)
(٢٦٥) الحلة: الثوب، ومطلوبًا: منصوب على الحال أو التمييز، يقول؛ إنها لأنسها ولين حديثها تطمع العاشق في نفسها، فإذا حاول ذلك محاول عز عليه مطلبه لعفتها وصيانتها، ومثل هذا قول بعضهم:
يُحْسَبْنَ مِنْ لِينِ الْحَدِيثِ دَوَانِيَا
وَبِهِنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجَالِ نِفَارُ
(٢٦٦) يعيي: يعجز، والضمير في قابضه للشعاع، وشعاعها: فاعل يعيي، والطرف: النظر، ومقتربًا: حال، شبهها بشعاع الشمس في قربه من الطرف وبعده عن القبض عليه، وهذا كما يقول ابن عيينة:
وَقُلْتُ لِأَصْحَابِي هِيَ الشَّمْسُ ضَوْءُهَا
قَرِيبٌ وَلَكِنْ فِي تَنَاوُلِهَا بُعْدُ
ويقول الطرماح:
هِيَ الشَّمْسُ لَمَّا أَنْ تَغَيَّبَ لَيْلُهَا
وَغَارَتْ فَمَا تَبْدُو لِعَيْنٍ نُجُومُهَا
تَرَاهَا عُيُونُ النَّاظِرِينَ إِذَا بَدَتْ
قَرِيبًا وَلَا يَسْطِيعُهَا مَنْ يَرُومُهَا
وأجمل من هذا قول العباس بن الأحنف:
هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُهَا فِي السَّمَاءِ
فَعَزِّ الْفُؤَادَ عَزَاءً جَمِيلا
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ إِلَيْهَا الصُّعُودَ
وَلَنْ تَسْتَطِيعَ إِلَيكَ النُّزُولَا
(٢٦٧) الترب: المساوي لغيره في العمر، ويقال اللدة، والشادن: من الظباء الذي قوي وترعرع واستغنى عن أمه؛ يريد به المحبوبة، واستضحك: بمعنى ضحك، والمغيث: اسم الممدوح، وكالمغيث؛ أي أَنا كالمغيث، والليث: الأسد، والشرى: موضع تكثر في الأسود، وعجل: قبيلة الممدوح. يقول: مرت بنا بين تربيها فقلت لها: أنت من الظباء وترباك من العرب، فكيف اتفقت هذه المجانسة بينك وبينهما؟ فضحكت ثم قالت: لا تعجب من ذلك فإني كالمغيث: تراه من الأسود، وهو مع ذلك من عجل، وكذلك أنا: تراني من الظباء وأنا عربية، وفي هذين البيتين من البديع ما يسمونه حسن التخلص، وهو الخروج مما ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما.
(٢٦٨) الترب: المساوي لغيره في العمر، ويقال اللدة، والشادن: من الظباء الذي قوي وترعرع واستغنى عن أمه؛ يريد به المحبوبة، واستضحك: بمعنى ضحك، والمغيث: اسم الممدوح، وكالمغيث؛ أي أَنا كالمغيث، والليث: الأسد، والشرى: موضع تكثر في الأسود، وعجل: قبيلة الممدوح. يقول: مرت بنا بين تربيها فقلت لها: أنت من الظباء وترباك من العرب، فكيف اتفقت هذه المجانسة بينك وبينهما؟ فضحكت ثم قالت: لا تعجب من ذلك فإني كالمغيث: تراه من الأسود، وهو مع ذلك من عجل، وكذلك أنا: تراني من الظباء وأنا عربية، وفي هذين البيتين من البديع ما يسمونه حسن التخلص، وهو الخروج مما ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما.
(٢٦٩) أي جارت هذه المحبوبة بذكر رجل هذه أوصافه، وقيل جاءت هذه القبيلة التي هي عجل بمن هذه أوصافه.
(٢٧٠) يقول: إن خاطره لتوقده لو كان في زمن (الزمن ذو الزمانة؛ أي العاهة، وهو هنا في معنى المقعد) لمشى، أو في جاهل لصحا من جهله وصار عالمًا، أو في أخرس لقدر على النطق.
(٢٧١) يقول في الشطر الأول: إذا ظهر للناس حجبت هيبته عيونهم عن النظر إليه لشدة هيبته، وهذا كقول الفرزدق:
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ
فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
وقوله أيضًا:
وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ
خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَبْصَارِ
(خضع: جمع خضوع أي خاضع، ونواكس جمع شاذ ويروى منكسي: نواكسي أي مطأطئي رءوسهم منكسي أبصارهم إجلالًا له وهيبة وللنحويين في نواكس كلام طريف فانظره.) ويقول أبو نواس:
إِنَّ الْعُيُونَ حُجِبْنَ عَنْكَ لِهَيْبَةٍ
فَإِذَا بَدَوْتَ لَهُنَّ نُكِّسَ نَاظِرُ
ويقول في الشطر الثاني: إذا احتجب وراء الستور ظهر نور وجهه من ورائها فلم تستطع حجبه، وهذا كقول القائل:
أَصْبَحْتَ تَأْمُرُ بِالْحِجَابِ لِخَلْوَةٍ
هَيْهَاتَ لَسْتَ عَلَى الْحِجَابِ بِقَادِرِ
وقال ابن جني: هذا يحتمل تأويلين؛ أحدهما: أن حجابه قريب لما فيه من التواضع فليس يقصر أحد أراده دونه وإن كان محتجبًا، والآخر: أنه وإن احتجب فهو كلا محتجب؛ لشدة يقظته ومراعاته الأمور، وعبارة الخطيب: الذي أراده المتنبي أن حسنه وبهاءه لا يحجبه شيء، والبيت الذي يليه يشهد له.
(٢٧٢) الحالك: الشديد السواد، والمخشلب: خرز أبيض يشبه الدار، والعرب تسميه الخضض؛ أما المخشلب فهي كلمة نبطية. يقول: إن نور وجهه يغلب نور الشمس حتى ترى إذا قابلها كأنها سوداء، وأن لفظه أحسن من الدر حتى يرى الدر إذا نطق كأنه خرز.
(٢٧٣) هبته: مضاؤه، والغرار: الحد، والتأمور: دم القلب. قال أوس بن حجر:
أُنْبِئْتُ أَنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أَوْلَجُوا
أَبْيَاتَهُمْ تَأْمُورَ نَفْسَ الْمُنْذِرِ
«أي مهجة نفسه وكانوا قتلوه.»
يقول المتنبي: إن مضاء عزمه يصير السيف رطب الحد من دم الأعداء.
(٢٧٤) الرهج: الغبار، وأرهج الغبار: أثاره، يقول: إذا لقي عدوه في غبار الحرب قصر عمره حتى يكون أقصر من عمر المال عنده إذا أخذ في العطاء.
وقال ابن القطاع: يريد أن عمر العدو حين يلاقيه قريب، كما أن عمر المال عنده قريب حين يدخل إليه فلا يكاد حتى يهبه، وليس يريد أن عمر العدو أقل من عمر المال، وإنما يريد المساواة والمقارنة وأنهما لا يبقيان، وقوله إذ وهبا؛ أي إذا أراد أن يهب.
(٢٧٥) تبلوه: أراد أن تبلوه، فحذف أن وبقي عملها. قال العكبري: تبلوه: انتصب بإضمار أن، وهو على مذهبنا، فإن أهل الكوفة نصبوا بها مقدرة، وأبى ذلك البصريون، وحجتنا ما قرأ به عبد الله بن مسعود: «وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله» فأعمل أن مقدرة، وحجتنا أيضًا قول عامر بن الطفيل:
وَنَهْنَهت نَفْسِي بَعْدَمَا كِدْتُ أَفْعَلَهُ
فنصب أفعله بأن المقدرة، والنشب: المال، يقول: احذره ولا تحم حوله بالعداء، فإن أردت اختباره فكن عدوه أو مالًا في يده حتى ترى ما يحل بك من الإبادة والإفناء، وفي معنى هذا البيت قول مسلم بن الوليد:
تَظَلَّمَ الْمَالُ وَالْأَعْدَاءُ مِنْ يَدِهِ
لَا زَالَ لِلْمَالِ وَالْأَعْدَاءِ ظَلَّامَا
وما أحلى قول أبي نواس:
لَيْتَ مَنْ كَانَ عَدُوِّي
كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ مَالَا
(٢٧٦) حالت: تغيرت، وجعل المذاقة مما يقطر اتساعًا، يقول: هو عذب الأخلاق فإذا غضب تغيرت فآضت مرة فلو أمكن أن يمزج الماء بها لم يطق أحد شربه؛ يعني أن فيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه، وفي الماء يروى في البحر قال العكبري: وأراد بالبحر ها هنا العذب، قال الله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يريد الملح والعذب، وأهل مصر والصعيد كلهم يسمون النيل: البحر، هذا وفي البيت تصريع، وهو مما يحسن استعماله للخروج من قصة إلى قصة كما أسلفنا.
(٢٧٧) الغبطة والحسد: كلاهما بمعنى التمني، بيد أن الغبطة أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها ولا أن تتحول عنه، والحسد أن تتمنى مثل نعمته على أن تتحول عنه؛ فالغبطة أخف، تقول منه غبطته بما نال أغبطه غبطًا وغبطة فاغتبط هو كقولك منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس، قال حريث بن جبلة العذري:
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ
وغبطت الكبش أغبطه غبطًا: إذا جسست أليته لتنظر أبه طرق أم لا (الطرق: الشحم أو السمن) وغبط الشاة والناقة: جسهما لينظر سمنهما من هزالهما. قال رجل من بني عمرو بن عامر يهجو قومًا من سليم:
إِذَا تَجَلَّيْتَ غَلَّاقًا لِتَعْرِفَهَا
لَاحَتْ مِنَ اللُّؤْمِ فِي أَعْنَاقِهَا الْكُتُبُ
إِنِّي وَأَتْيي ابْنَ غَلَّاقٍ لِيَقْرِيَنِي
كَغَابِطِ الْكَلْبِ يَبْغِي الطِّرْقَ فِي الذَّنَبِ
(غلاق: كشداد رجل أبو حي.)
وقد سئل سيدنا رسول الله : هل يضر الغبط؟ قال: «لا، إلا كما يضر العضاة الخبط» أراد صلوات الله عليه أن الغبط لا يضر ضرر الحسد، وأن ما يلحق الغابط من الضرر الراجع إلى نقصان الثواب دون الإحباط بقدر ما يلحق العضاه من خبط ورقها الذي هو دون قطعها واستئصالها، ولأنه يعود بعد الخبط ورقها، فهو وإن كان فيه طرف من الحسد فهو دونه في الإثم، وأصل الحسد: القشر، وأصل الغبط الجس، والشجر إذا قشر عنها لحاؤها يبست، وإذا خبط ورقها استخلف دون يبس الأصل، وضمير منها: للأرض، وضمير به: لحيث حل الذي يقع مفعولًا به لتغبط، وضمير منها الثانية: للخيل، وأيها: مفعول تحسد، يقول: إن الأرض يغبط بعضها البعض الذي يحل فيه، والخيل يحسد بعضها البعض الذي يركبه. قال ابن جني: وجعل الغبطة للأرض؛ لأنها وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعض، والخيل ليست كذلك؛ لأنها متفرقة فاستعمل لها الحسد، والبيت مأخوذ من قول أبي تمام:
مَضَى طَاهِرَ الْأَثْوَابِ لَمْ تَبْقَ بُقْعَة
غَدَاةَ ثَوَى إِلَّا اشْتَهَتْ أَنَّها قَبْرُ
(٢٧٨) الجحفل: الجيش العظيم، واللجب: المختلط الأصوات، يقول: إنه جواد شجاع لا يستطيع أن يرد سائله، ولكنه يرد وحده الجيش العظيم.
(٢٧٩) قوله من قبل يصطحبا: أراد من قبل أن يصطحبا، فحذف أن وأبقى عملها، يقول: إذا التقى الديناران لديه تفرقا قبل اصطحابهما، فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين، وقال الواحدي: يجوز نصب الدينار وصاحبه، ويكون معناه كلما لقي الممدوح الدينار مصاحبًا له، وما أجمل ما يقول النضر بن جؤية بن النضر في هذا المعنى:
قَالَتْ طَرِيفَةُ مَا تُبْقِي دَرَاهِمُنَا
وَمَا بِنَا سَرَفٌ فِيهَا وَلَا خُرُقُ
إِنَّا إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا
ظَلَّتْ إِلَى طُرُقِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ
لا يألفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرَّتَنَا
لكِن يمُرُّ عَليها وَهْوَ مُنطلِقُ
حَتَّى يَصِيرَ إِلَى نَذْلٍ يُخَلِّدُهُ
يَكَادُ مِنْ صَرِّهِ إِيَّاهُ يَنْمَزِقُ
(٢٨٠) المجتدي: السائل، ونعيب الغراب: صياحه، والبين: الفراق. يقول: هذا المال كأن غراب البين يرقبه، فكلما جاء مجتد صاح فيه فتفرق شمله، وعبارة الواحدي: إن ماله يرقبه غراب البين، فإذا جاء السائل فرق الممدوح ماله، فكأن غراب البين نعب في مال الممدوح بالتفريق، وما ذكر من رقبة الغراب ونعيبه بيان ومثال لتفريقه المال عند مجيء السائل، والأصل في هذا أن العرب تقول: غراب البين إذا صاح في ديار قوم تفرقوا، أما ما قاله ابن جني من أن المعنى: كما أن غراب البين لا يفتر عن الصياح، كذلك هذا لا يفتر عن العطاء: فهو بعيد، ومن الذي قال إن الغراب لا يفتر عن الصياح؟ هذا، وقالوا: إنما حسنت الإضافة في غراب البين؛ لأنه اسم مشترك يقع على أشياء، فمنها غراب الفأس؛ أي حدها، قال الشماخ يصف رجلًا قطع نبعة:
فَأَنْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غُرَابُهَا
عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ الْعِضَاهِ مُشَارِزُ
أي أمال على النبعة فأسًا ذات حد، غرابها؛ أي حدها، مشارز؛ أي معاد أو سيئ الخلق، والمشارزة هي المشارسة. ومنها الغراب: قذال الرأس، يقال شاب غرابه؛ أي شعر قذاله، والغرابان من الفرس والبعير حرفا الوركين الأيسر والأيمن اللذان فوق الذنب حيث التقى رأسا الورك اليمنى واليسرى، قال الراجز:
يَا عَجَبًا لِلْعَجَبِ الْعُجَابِ
خَمْسَةُ غِرْبَانٍ عَلَى غُرَابِ
(٢٨١) السمر: المسامرة، وهو حديث الليل، وأصله أنهم كانوا يسمرون في ظل القمر، وأصل السمر: ظل القمر، والسمرة مأخوذة من هذا، وسمر يسمر سمرًا وسمورًا لم ينم: وهو سامر، وهم السمار، والسامر أيضًا السمار، وهم القوم يسمرون. قال الأزهري: وقد جاءت حروف على لفظ فاعل وهي جمع، فمنها الحامل والسامر والباقر والحاضر، والحامل للإبل ويكون فيها الذكور والإناث، والسامر: الجماعة من الحي يسمرون ليلًا، والحاضر: الحي النزول على الماء، والباقر: البقر فيها الفحول والإناث، قالوا: والسامر أيضًا: الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه، وأنشدوا:
وَسَامِرٌ طَالَ فِيهِ اللَّهْوُ وَالسَّمَرُ
ابنا سمير الليل والنهار؛ لأنه يسمر فيهما. يقول: هو بحر له عجائب في باب الفضل والشجاعة لا تحاكيها عجائب البحار ولا ما يتحدث به السمار، إذ هي بالقياس إليها كالشيء المألوف؛ لغرابة ما يبدو منه ويتحدث عنه، وعبارة ابني جني: تشاغل الناس بالتعجب من فضائل هذا الرجل عن عجائب الأسمار والبحار.
(٢٨٢) محاولها؛ أي طالبها، وأصله طلب الشيء بالحيلة، يقول: لا يقنع الممدوح أن ينال المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه في تحصيلها، إذ هو دائمًا يطمح إلى ما يعجز عنه الطالبون.
(٢٨٣) اللواء: الراية، وبنو عجل: قبيلة الممدوح، يقول: حركوا اللواء باسمه — أي جعلوه سيدهم وقائدهم — فإذا حركوا رايتهم حركوها باسمه، فصار سيدهم، وصاروا هم به سادة الناس، فهو رأس بني عجل فصاروا بذلك سادة الناس، وصار الناس أذنابًا لهم وتبعًا.
(٢٨٤) نصب التاركين على المدح بإضمار أعني أو أمدح. يقول: إنهم — لبعد همتهم — يتركون ما هان من الأمور وسهل وجوده، ويرومون الصعب الشاق منها، وفي هذا يقول الطهوي:
وَلَا يَرْعَوْنَ أَكْنَافَ الْهُوَيْنَى
إِذَا حَلُّوا وَلَا رَوْضَ الْهُدُونِ
(الهدون: الدعة والسكون.)
(٢٨٥) البيض: السيوف، والهام: الرءوس، والكماة: الأبطال المدججون في السلاح، والعذب: جمع عذبة وهي الريش المعلق في طرف الرمح. يقول: إن سيوفهم تحول دون خيلهم أن يصل إليها أحد بطعن أو ضرب؛ إما لمنازلتهم دونها، أو لحذقهم بالضرب، فتكون لها بمنزلة البراقع، والمعنى أنهم يحمونها بالسيوف لا بالبراقع والتجافيف، وعبارة أبي الفضل العروضي: أن سيوفهم مكان البراقع لخيلهم فلا يصل العدو إلى فرسانهم، وقوله متخذي هام الكماة: معناه أنهم يأخذون رءوس الأبطال بأطراف رماحهم، فتكون مع شعورها بمنزلة العذب التي تعلق بالرماح، وقال جرير في هذا المعنى:
كَأَنَّ رُءُوسَ الْقَوْمِ فَوْقَ رِمَاحِنَا
غَدَاةَ الْوَغَى تِيجَانُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
وقال مسلم بن الوليد:
يَكْسُو السُّيُوفَ نُفُوسَ النَّاكِثِينَ بِهِ
وَيَجْعَلُ الْهَامَ تِيجَانَ الْقَنَا الذُّبُلِ
وقال أبو تمام:
أَبْدَلْتَ أَرْؤُسَهُمْ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ مِنْ
قَنَا الظُّهُورِ قَنَا الْخطِّيِّ مُدَّعِمَا
مِنْ كُلِّ ذِي لِمَّةٍ غَطَّتْ ضَفَائِرُهَا
صَدْرَ الْقَنَاةِ فَقَدْ كَادَتْ تُرَى عَلَمَا
(٢٨٦) الخرقاء: الحمقاء، مؤنث الأخرق، يقول: لو لاقتهم المنية يوم الوغى للبطت بالأرض خوفًا وفزعًا لا يتجه لها رأي في السلامة فهي تتهم الإقدام وتتهم الهرب خشية الإدراك؛ أي تقدر أنها إن هربت أدركت. قال أبو تمام:
مِنْ كُلِّ أَرْوَعَ تَرْتَاعُ الْمنُونُ لَهُ
إِذَا تَجَرَّدَ لَا نِكْسٌ وَلَا حَذِرُ
وقال أيضًا:
شُوسٌ إِذَا خَفَقَتْ عُقَابُ لِوَائِهِمُ
ظَلَّتْ قُلُوبُ الْمَوْتِ مِنْهَا تَخْفِقُ
(٢٨٧) الشهب: الكواكب. يقول: إن لهم مراتب عالية علت في السماء فصارت أعلى من الكواكب؛ لأن الفكر الذي يتبعها جاز الكواكب ولم يلحقها.
(٢٨٨) نزفت: استنفدت، وآل: عاد ورجع، ونضب: جف. قال الواحدي: جعل اقتضاء المحامد أن تنظم بالشعر نزفًا، وجعل الشعر — لكونه مقتضى — منزوفًا. يقول: لم تمتلئ هذه المحامد من شعري؛ أي لم تبلغ الغاية التي تستحقها من شعري، ولا شعري فَنِيَ، فأنا أبدًا أمدحهم، وبيان ذلك أن لهم محامد استخرجت شعري؛ لينظم تلك المحامد كلها فلم تنحصر بالشعر، ولم يَفْنَ الشعر، يريد كثرة محامدهم وكثرة مدائحه لهم يعني أنه سيعود إلى استيفاء مديحهم، وجعل الشعر كالماء ينزف، واستغراق محامدهم في الشعر كملئها بالماء، ولما جعل الشعر كالماء جعل فناءه نضوبًا.
(٢٨٩) يقول: لك مكارم سبقت بها العالمين فليس في مكنة أحد إدراكها ومن يستطيع إدراك أمر فائت؟
(٢٩٠) اختلفت: ترددت وجاءت مرة بعد أخرى، والمراد بالركبان: القصاد الذين صمدوا إلى الممدوح فآبوا بالهبات والعطايا، ولا ألوي: لا أعرج، يقول: لما أقمت بإنطاكية جاءتني ركبان العفاة — الذين قصدوا إليك وأنا في حلب — فما عتمت أن سرت نحوك لا أعرج في سيري ولا أقف، حتى وصلت إليك محمولًا على راحلتين من فقري الذي يحفزني إلى بابك طلبًا لجدواك وأدبي الذي تسببت به إليك.
(٢٩١) اختلفت: ترددت وجاءت مرة بعد أخرى، والمراد بالركبان: القصاد الذين صمدوا إلى الممدوح فآبوا بالهبات والعطايا، ولا ألوي: لا أعرج، يقول: لما أقمت بإنطاكية جاءتني ركبان العفاة — الذين قصدوا إليك وأنا في حلب — فما عتمت أن سرت نحوك لا أعرج في سيري ولا أقف، حتى وصلت إليك محمولًا على راحلتين من فقري الذي يحفزني إلى بابك طلبًا لجدواك وأدبي الذي تسببت به إليك.
(٢٩٢) شرقت: غصصت، وضمير ذاقها: للزمن، وقوله ما عاش؛ أي ما بقي وامتد، والانتحاب: رفع الصوت وتردده بالبكاء. يقول: أذاقني الدهر من الفقر والغربة شيئًا لو ذاقه هو لبكى وانتحب مدة حياته، ولم يستطع عليه صبرًا؛ لأنه الغاية في الشدة، فكيف أصبر أنا عليه؟
(٢٩٣) عمرت: عشت، والسمهري: الرمح، والمشرفي: السيف، كنى بهذه القرابات عن ملازمة هذه المذكورات. يقول: إن عشت وتنفس بي العمر لازمت الحرب حتى أدرك طلبتي. هذا، ويقال عمِر الرجل بكسر الميم يعمر عمرًا وعمارة وعمرًا، وعمَر — بالفتح — يعمر، ويعمر؛ أي عاش وبقي زمانًا طويلًا، ومنه قولهم: أطال الله عمرك وعمرك، وهما وإن كانا مصدرين بمعنى، إلا أنه استعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح.
(٢٩٤) الأشعث: المغبر من طول السفر ولقاء الحروب، والقح: الخالص؛ أي العربي الخالص النسب، وقح: نعت لأشعث، والمرح: النشاط، يقول: للازمت الحرب بكل رجل قد طال تمرسه بالحروب والأسفار حتى تراه يرمي بنفسه في التهلكة كأن القتل حاجة له يبتغيها ويتهالك عليها، وإذا هو سمع صهيل الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب، وروى ابن جني بدل صهيل الخيل صهيل الجرد — جمع أجرد وهو الفرس القصير الشعر — وذلك مما يحمد في الخيل، ويروى بدل مرحا بالغزو: مرحا بالعز، ومن جيد ما قيل في معنى البيت الأول قول أبي تمام:
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّمَا
بَيْنَ الْحُتُوفِ وَبَيْنَهُمْ أَرْحَامُ
وقول البحتري:
مُتَسَرِّعِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّهَا
وَفْرٌ بِأَرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَهَّبُ
(٢٩٥) الأشعث: المغبر من طول السفر ولقاء الحروب، والقح: الخالص؛ أي العربي الخالص النسب، وقح: نعت لأشعث، والمرح: النشاط، يقول: للازمت الحرب بكل رجل قد طال تمرسه بالحروب والأسفار حتى تراه يرمي بنفسه في التهلكة كأن القتل حاجة له يبتغيها ويتهالك عليها، وإذا هو سمع صهيل الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب، وروى ابن جني بدل صهيل الخيل صهيل الجرد — جمع أجرد وهو الفرس القصير الشعر — وذلك مما يحمد في الخيل، ويروى بدل مرحا بالغزو: مرحا بالعز، ومن جيد ما قيل في معنى البيت الأول قول أبي تمام:
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّمَا
بَيْنَ الْحُتُوفِ وَبَيْنَهُمْ أَرْحَامُ
وقول البحتري:
مُتَسَرِّعِينَ إِلَى الْحُتُوفِ كَأَنَّهَا
وَفْرٌ بِأَرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَهَّبُ
(٢٩٦) يقول: الموت أعذر لي من أن أعيش ذليلًا، فإذا قتلت في طلب المعالي قام الموت بعذري، والصبر أجمل؛ لأن الجزع عادة اللئام، والبر أوسع لي من بلد يضيق بي رزقه فأنا أسافر وأضطرب في مناكب الأرض، والدنيا لمن غلب وزاحم لا لمن لزم عقر داره، قال العكبري: وهذه الأبيات التي أتى بها في آخر القصيدة خارجة عما هو فيه؛ لأنه يمدح رجلًا، ويذكر أنه قد قصده، وأن الزمان قد أذاقه بلوى وشدة، وقد جاء يستجدي منه ثم يذكر الشجاعة منه وطلب الملوك وأخذ البلاد … وأين أبو الطيب والملوك؟ رحم الله امرأ عرف قدره … ولقد أحسن ابن دريد فيما قال:
مَنْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ انْتِهَاءِ قَدْرِهِ
تَقَاصَرَتْ عَنْهُ فَسِيحَاتُ الْخُطَى
وقد غاب عن العكبري — رحمه الله — خلائق المتنبي، وأنه لا يمدح الناس إلا ليمدح نفسه، وينوه بما تنطوي عليه من المطامع والآمال الكبار والنزاع إلى الطعن والنزال.
(٢٩٧) قيل: إنه لم يجزه على هذه القصيدة إلا دينارًا واحدًا، ولذلك سميت بالدينارية.
(٢٩٨) الباء للتفدية، والشموس: إمَّا مرفوعة على أنها مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الشموس مفديات بأبي، وإما منصوبة على أنها مفعول فعل محذوف والتقدير: أفدي الشموس بأبي، والجانحات: المائلات، والجلابب: جمع جلباب، وهو ما يلتحف به من الثياب، وأصله جلابيب: قال تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ فحذف الياء ضرورة، كنى بالشموس عن النساء، وبغروبهن عن بعدهن، وعبارة الواحدي: لما سماهن شموسًا كنى عن بعدهن بالغروب؛ لأن بعد الشموس عن العيون لا يكون إلا بالغروب، وقد بيَّن في آخر البيت أن الشموس: النِّساء الحسان؛ إذ قال: اللابسات … إلخ. وقال ابن جني: غبن عنك في الخدور.
(٢٩٩) المنهبات: اسم فاعل، ووجناتهن: مفعول أول، وقلوبنا: مفعول ثانٍ، وعقولنا: عطف عليه، والناهبات: صفة لوجناتهن، ولك أن ترفع وجناتهن على أنها فاعل المنهبات؛ أي اللاتي أنهبت وجناتهن قلوبنا، فيكون قد اقتصر على مفعول واحد، ويقال: أنهبته الشيء إذا جعلته نهبًا له. يقول: اللواتي جعلن قلوبنا وعقولنا نهبًا لوجناتهن يسبينها بحسنهن، ثم وصف الوجنات بأنها تنهب الناهب؛ أي الرجل الشجاع المغوار الذي ينهب الناس بعد أن أبلى البلاء الحسن في الحرب، وهذا من قول أبي تمام:
سَلَبْنَ غِطَاءَ الْحُسْنِ عَنْ حُرِّ أَوْجُهٍ
تَظَلُّ لِلُبِّ السَّالِبِيهَا سَوَالِبَا
(٣٠٠) الناعمات؛ أي اللينات المفاصل، والقاتلات؛ أي بهجرهن، والمحييات: بوصلهن، والمبديات؛ أي المظهرات من الدلال عجائب، والدلال: جرأة المرأة على الرجل في تكسر وتغنج.
(٣٠١) الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: حاولن أن يقلن لي نفديك بأنفسنا فوضعن أيديهن على صدورهن إشارة إلى ذلك خوف الرقيب، وقال ابن جني: أشرن إلي من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الرقباء والوشاة، جعل ابن جني هذه الإشارة تحية وتسليمًا، وقال الواحدي: طلبن أن يقلن نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب، فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة؛ أي أنفسنا تفديك، وهذا أولى من قول ابن جني لذكر التفدية في البيت، ولم يقل حاولن تسليمي؛ لأن الإشارة بالسلام لا تكون بوضع اليد على الصدر، وقال ابن فورجه: وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام، وإنما أراد وضع أيديهن فوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب. قال الواحدي: وليس كما قال — ابن فورجه — وصدر البيت ينقض ما قاله. هذا، وبديع قول بعضهم ينظر إلى هذا المعنى:
أَضْحَى يُجَانِبُنِي مُجَانَبَة الْعِدَا
وَيَبِيتُ وَهْوَ إِلَى الصَّبَاحِ نَدِيمُ
وَيَمُرُّ بِي خَوْفَ الْوُشَاةِ وَلَفْظِهِ
شَتْمٌ وَحَشْوُ لِحَاظِهِ تَسْلِيمُ
(٣٠٢) أراد بالبرد: أسنانهن التي تشبه البرد في نقائها، وقوله خشيت أذيبه: أي أَنْ أذيبه، يقول: إني كنت أخاف على ثغورهن أن تذوب من حرارة أنفاسي، فلما رحلن ذبت أنا من شوقي إليهن، ومن هذا الباب قول الصنوبري:
وَضَاحِكٍ عَنْ بَرَدٍ مُشْرِقٍ
أَبَاحَنِيهِ دُونَ جُلَّاسِي
فَكُلَّمَا قَبَّلْتُهُ خِفْتُ أَنْ
يَذُوبَ مِنْ نِيرَانِ أَنْفَاسِي
وقول بعضهم:
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنْ يُذِيبَ مَفَاصِلِي
مَنْ لَوْ جَرَى نَفَسِي عَلَيْهِ لَذَابَا
(٣٠٣) المتحملون: المرتحلون، والمراد بالغزالة إما الشمس وإما الحيوان المعروف، والكاعب: التي بدا ثديها للنهود. يقول: قبلت غزالة في صورة كاعب من النساء.
(٣٠٤) الخطوب: الأمور الثقال، وتخلصًا: مفعول الرجاء، أعمله مع اقترانه بأل وهو ضعيف، أنشد سيبويه:
ضَعِيفُ النِّكَايَةِ أَعْدَاءَهُ
يَخَالُ الْفِرَارَ يُرَاخِي الْأَجَلْ
(يهجو رجلًا يقول: هو ضعيف عن أن ينكي أعداءه، وجبان عن أن يثبت لقرنه، ولكنه يلجأ إلى الفرار، ويخاله مؤخرًا لأجله.) وأنشبن: علقن، والمخالب: جمع المخلب — بكسر الميم — وهو للسباع وجوارح الطير بمنزلة الظفر للإنسان، يقول: كيف أرجو التخلص من الخطوب بعد أن نالت مني ونفد فيَّ حكمها؟
(٣٠٥) أوحدنني؛ أي الخطوب — أي صيرنني واحدًا. يقول: تركتني الخطوب وحيدًا بعد أن فرقت بيني وبين الأحبة، وجعلت صاحبي بعدهم ما أجده من الحزن المتناهي الذي هو واحد الأحزان، وهو حزن الفراق.
(٣٠٦) الغرض: الهدف يرمى بالسهام، ومضاربًا: تمييز جمع مضرب — بفتح الراء وكسرها — حدُّ السيف. يقول: إن الخطوب نصبته هدفًا للمحن.
(٣٠٧) أظمتني من الظمأ: العطش، فأصلها أظمأتني، فأبدل الهمزة ألفًا ثم حذفها. يقول: كان حظي من الدنيا الحرمان. فلما التمست عطاءها أفرغت علي المصائب.
(٣٠٨) قوله من خوص الركاب؛ أي بدلًا من خوص الركاب، والخوص جمع الخوصاء، وهي الناقة الغائرة العينين من الجهد والإعياء، والركاب: الإبل، والدارش: ضرب من السختيان، وهو جلد أسود. يقول أعطيت عوضًا من الإبل خفًّا أسود، فأنا راكب ماشٍ.
(٣٠٩) حال: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذه حال، ويروى حالًا — بالنصب — على إضمار عاملٍ محذوف؛ أي أشكو أو أذم. يقول: إن حالي هذه لو علم بها ابن منصور تلافاها بإحسانه وحال دون إساءة الزمان، فيكون إحسانه بمنزلة توبة الزمان إلي، ومثل هذا لأبي تمام قال:
كَثُرَتْ خَطَايَا الدَّهْرِ فِيَّ وَقَدْ يُرَى
بِنَدَاكَ وَهْوَ إِلَيَّ مِنْهَا تَائِبُ
وقال أيضًا:
عَضْبٌ إِذَا هَزَّهُ فِي وَجْهِ نَائِبَةٍ
جَاءَتْ إِلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ تَعْتَذِرُ
(٣١٠) السنان: نصل الرمح، والبنان في الأصل: أطراف الأصابع، والمراد بها هنا الكف، ويتباريان: يفعل كل منهما ما يعارض به صاحبه، ودمًا: تمييز أو منصوب على نزع الخافض؛ أي في دم، والعرف: المعروف والمراد به الجود، والساكب: المنسكب. يقول: إن سنان رمحه يقطر دمًا من الأعداء، وكفه تسكب جودًا على الأولياء، وهذا من قول البحتري:
تَلْقَاهُ يَقْطُرُ سَيْفُهُ وَسِنَانُهُ
وَبَنَانُ رَاحَتِهِ دَمًا وَنَجِيعَا
(٣١١) الخطر: الأمر الخطير؛ أي العظيم. يقول: إنه يستصغر الشيء العظيم لمن يقصده وينتجع إليه لكرمه، ويظن — لكثرة عطائه — أن نهر دجلة — ذلك النهر العظيم — ليس يكفي شاربًا، ومثل هذا قول أبي تمام وزاد الشكر:
فَرَأَيْتَ أَكْثَرَ مَا حَبَوْتَ مِنَ اللُّهَا
نَزْرًا وَأَصْغَرَ مَا شَكَرْتُ جَزِيلَا
(٣١٢) كرمًا: مفعول مطلق؛ أي كرم كرما، أو مفعول له عامله يظن في البيت قبله، يقول: لو حدثته بما يصنع من الأفعال الجسام لظنك كاذبًا؛ لخروج تلك الأفعال عن طوق المقدرة، قال الواحدي — ناقدًا: وقد أساء في هذا؛ لأنه جعله يستعظم فعله وبضده يمدح، وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام:
تَجَاوَزَ غَايَاتِ الْعُقُولِ رَغَائِبٌ
تَكَادُ بِهَا لَوْلَا الْعِيَانُ تُكَذِّبُ
وقال البحتري:
وَحَدِيث مَجْدٍ عَنْكَ أَفْرَطَ حُسْنُهُ
حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ مَوْضُوعُ
(٣١٣) حذار: اسم فعل بمعنى احذر، ومسالمًا ومحاربًا: حالان. يقول: سل عن شجاعته؛ لتعرفها بالخبر، ولا تحاول أن تعرفها بالمشاهدة والتمرس بها وإلا هلكت؛ أي لا تحاول أن تعرفها بالقتال، فإنك إن قاتلته قتلت، وقد ضرب البيت التالي مثلًا لذلك.
(٣١٤) يقول: فإن الموت يعرف بالوصف لا بالتجربة؛ إذ لم نجد مخلوقًا مات ثم رجع فيخبرنا عن حقيقة الموت، وإذن فالموت إن عرف بالمشاهدة أهلك البتة، وكذلك شجاعة الممدوح، وقوله خلقًا؛ أي مخلوقًا، مفعول أول لتلق، وآيبًا: مفعول ثانٍ.
(٣١٥) القسطل هنا: غبار الحرب، وهو القسطل، والقسطال والقسطول والقسطلان والقصطل — بالصاد — كله؛ الغبار الساطع، وقال الجوهري: القسطال لغة فيه كأنه ممدود منه مع قلة فعلال في غير المضاعف، وأنشد أبو مالك لأوس بن حجر يرثي رجلًا:
وَلَنِعْمَ رِفْدُ الْقَوْمِ يَنْتَظِرُونَهُ
وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ وَالسِّرْبَالِ
وَلَنِعْمَ مَأْوَى الْمُسْتَضِيفِ إِذَا دَعَا
وَالْخَيْلُ خَارِجَةٌ مِنَ الْقِسْطَالِ
وقال آخر:
كَأَنَّهُ قِسْطَالُ رِيحٍ ذِي رَهَجْ
الجحفل: الجيش العظيم. يقول: إنه لا ينفك عن هذه الأشياء.
(٣١٦) تبيين لأحوال الناس معه. يقول: فلا ترى إلا هاربًا من جيشه، أو طالبًا رفده، أو راغبًا في إحسانه، أو راهبًا من بأسه، أو هالكًا بسيفه، أو نادبًا على قتيل له من الأسرى الذين أسرهم، وقال الواحدي: ويجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح؛ أي تلقاه هاربًا من الدنايا، وطالبًا للعلى، وراغبًا في المكارم، وراهبًا من الله تعالى، وهالكًا؛ أي مهلكًا، كما قال العجاج:
وَمَهْمَهٍ هَالِكِ مَنْ تَعَرَّجَا
(تمامه: هائلة أهواله من أدلجا. قال في اللسان: هالك بمعنى مهلك لغة تميم كما يقال: ليل غاض أي مغض، وقال الأصمعي في قوله: هالك من تعرجا؛ أي هالك المتعرجين إن لم يهذبوا في السير؛ أي من تعرض فيه هلك.)
ونادبًا: من يبارزه من الندب، وهذا تعسف من الواحدي كما ترى.
(٣١٧) العواسل: الرماح، والقواضب: السيوف، والجنائب: جمع الجنيبة، وهي التي تقاد إلى جنب الفارس. يقول: عمت جنوده السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحًا وسيوفًا، وإذا نظرت إلى السهول رأيتها فوارس وجنائب؛ أي غصت بهما.
(٣١٨) العواسل: الرماح، والقواضب: السيوف، والجنائب: جمع الجنيبة، وهي التي تقاد إلى جنب الفارس. يقول: عمت جنوده السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحًا وسيوفًا، وإذا نظرت إلى السهول رأيتها فوارس وجنائب؛ أي غصت بهما.
(٣١٩) وعجاجة بالنصب عطف على ما تقدم؛ أي ورأيت عجاجة، أو بالجر على إضمار رب، والعجاجة: الغبار، وتبسم — بحذف إحدى التاءين — أي تتبسم، والقذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس فوق فأس القفا، وقال ابن الأعرابي: القذال: ما دون القمحدوة إلى قصاص الشعر، قال الأزهري: القمحدوة ما أشرف على القفا من عظم الرأس، والهامة فوقها، والقذال دونها مما يلي المقذ، ويقال: القذالان ما اكتنف فأس القفا عن يمين وشمال، والزنج — بفتح الزاي وكسرها — جيل من السودان، وهم الزنوج، يقول: إن بريق الأسلحة في سواد الغبار يشبه تبسم الزنج أو شيب القذال، ولمحمود الوراق:
حَتَى تَبَدَّى الصُّبْحُ يَتْلُو الدُّجَى
كَالْحَبَشِيِّ افْتَرَّ لِلضَّحِك
ولأبي نواس:
لَمَا تَبَدَّى الصُّبْحُ مِنْ حِجَابِهِ
كَطَلْعَةِ الْأَشْمَطِ مِنْ جِلْبَابِهِ
وهذا التشبيه متداول كثير في الشعر.
(٣٢٠) شبه بياض الحديد في ظلمة العجاجة بكواكب في ليل. يقول: كأن النهار ألبس بتلك العجاجة ظملة ليل، وكأن الرماح أطلعت من أسنتها كواكب، أو أطلعت هي كواكب في تلك الظلمة، فقوله: أطلعت إما قرأتها بصيغة المعلوم على أنه من فعل الرماح، وإما بصيغة المجهول لمشاكلة قوله كُسي، وهذا المعنى من قول صريع الغواني:
فِي عَسْكَرٍ شَرِقَ الْأَرْضُ الْفَضَاءُ بِهِ
كَاللَّيْلِ أَنْجُمُهُ الْقُضْبَانُ وَالْأَسَلُ
وقول بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا
وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
(٣٢١) عسكرت: تجمعت، وتكتبت: تجمعت كتائب، والكتائب: جمع كتيبة — الفرقة من الجيش — وعسكرًا وكتائب: حالان. يقول: إن المصائب تجمعت مع تلك العجاجة كأنها عسكر تقع بالعدو، وتكاثرت فيها رجال الممدوح حتى صارت كتائب.
(٣٢٢) هذا مثل قول ابن الرومي:
كَأَنَّ أَبَاهُ حِينَ سَمَّاهُ صَاعِدًا
دَرَى كَيْفَ يَرْقَى فِي الْمَعَالِي وَيَصْعَدُ
وقوله علي: أراد عليًّا، فاضطره الوزن إلى حذف التنوين، وسوغ له ذلك سكونه وسكون اللام في الحاجب: ومثله كثير، وذلك كقراءة من قرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ بغير تنوين، حذفه لالتقاء الساكنين.
(٣٢٣) النضار: الذهب، ومواهبًا وما بعده: تمييز. يقول: إنه أفنى الذهب بالعطاء، والأعداء بالقتل، والزمان بالتجارب؛ أي إنه حصل له من التجارِب ما يعرف به ما يأتي فيما يستقبل من الزمان، فكأنه أفنى الزمان؛ لأنه لا يحدث عليه شيئًا لا يعرفه.
(٣٢٤) ومخيب: عطف على «هذا الذي أفنى» في البيت قبله، وذكر الكف — وإن كان الأفصح تأنيثها — على معنى العضو، أو على إرادة السائل؛ أي لا يرد سائلًا، أو المراد خائبًا صاحبها، وبعد: فإن أكثر ما استعمل العرب الكف مؤنثة على أنها بمعنى اليد، فهم يقولون هذه كف واحدة، وقال بشر بن أبي خازم:
لَهُ كَفَّانِ كَفٌّ كَفُّ ضُرٍّ
وَكَفُّ فَوَاضِلٍ خَضِلٌ نَدَاهَا
وقال الأعشى:
يَدَاكَ يَدَا صِدْقٍ فَكَفُّ مُفِيدَةٍ
وَأُخْرَى إِذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ
وقالت الخنساء:
فَمَا بَلَغَتْ كَفُّ امْرِئٍ مُتَنَاوِلٍ
بِهَا الْمَجْدَ إِلَّا حَيْثُ مَا نِلْتَ أَطْوَلُ
وَمَا بَلَغَ الْمُهْدُونَ نَحْوَك مِدْحَةً
وَإِنْ أَطْنَبُوا إِلَّا وَمَا فِيكَ أَفْضَلُ
أما قول الأعشى:
أَرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسِيفًا كَأَنَّمَا
يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبَا
فإنه أراد العضو، وقيل هو حال من ضمير يضم، أو من هاء كشحيه.
(٣٢٥) أبصرت — بتاء المتكلم — يعني المتنبي نفسه، ويروى على الخطاب، وحاضرًا وغائبًا على الروايتين: حال من فاعل أبصرت، ومثل: يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع قال ابن جني: هذا مبتدأ أول، والذي: مبتدأ ثانٍ، ومثل: خبر الذي، والجملة خبر هذا، والعائد على هذا من الجملة التي هي خبر عنه الهاء في منه، والنصب بجعل هذا ابتداء، والذي: خبره، ونصب مثل بأبصرت. يقول: إنه يرى عطاءه حيثما كان حضره أو غاب عنه، ومثله لأبي تمام:
شَهِدْتُ جَسيماتِ الْعُلَا وَهْوَ غَائِبُ
وَلَوْ كَانَ أَيْضًا حَاضِرًا كَانَ غَائِبَا
(٣٢٦) الثاقب: المضيء. يقول: حيثما كنت ترى عطاءه قد غمر الناس — قريبهم وبعيدهم — كما ترى ضوء القمر حيثما كنت من البلاد، والبيتان التاليان في معنى هذا البيت: يريد أنه عام النفع، ومثل هذا لأبي تمام:
قَرِيبُ النَّدَى نَائِي الْمَحَلِّ كَأَنَّهُ
هِلَالٌ قَرِيبُ النُّورِ نَائِي مَنَازِلِهْ
وللبحتري:
كَالْبَدْرِ أَفْرَطَ فِي الْعُلُوِّ وَضَوْءُهُ
لِلْعُصْبَةِ السَّارِينَ جِدُّ قَرِيبِ
وله أيضًا:
عَطَاءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ عَمَّ فَمَغْرِبٌ
يَكُونُ سَوَاءً فِي سَنَاهُ وَمَشْرِقُ
وقال العباس بن الأحنف:
نِعْمَةٌ كَالشَّمْسِ لَمَّا طَلَعَتْ
ثَبَتَ الْإِشْرَاقُ فِي كُلِّ بَلَد
(٣٢٧) أمهجن؛ أي يا مهجن، فالهمزة للنداء، وهجنه: قبحه، قال صاحب اللسان: الهجنة من الكلام ما يعيبك، والهجين: العربي ابن الأمة لأنه معيب، ولهذه المناسبة نقول: إن الهجنة في الناس والخيل إنما تكون من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك؛ كان الولد هجينًا. قال الراجز:
الْعَبْدُ وَالْهَجِينُ وَالْفَلَنْقَسُ
ثَلَاثَةٌ فَأَيُّهُمْ تَلَمَّسُ
والأقراف: من قبل الأب، أو الذي أمه عتيقة وأبوه ليس كذلك. روى الرواة أن روح بن زنباع كان قد تزوج هند بنت النعمان بن بشير فقالت — وكانت شاعرة:
وَهَلْ هِنْدُ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ
سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَجَلَّلَهَا بَغْلُ
فَإِنْ نُتِجَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فَبِالْحَرَى
وَإِنْ يَكُ إِقْرَافٌ فَمِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ
وأزرى به: عابه، قال في اللسان: الإزراء: التهاون بالشيء، يقال أزريت به: إذا قصرت به، وحقرته، وهونته، وزريت عليه، وزرى عليه زريًا، وزراية، ومزرية، ومزراة، وزريانًا: عابه وعاتبه. قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا الزَّارِي عَلَى عُمَرٍ
قَدْ قُلْتَ فِيهِ غَيْرَ مَا تَعْلَمْ
وقال الآخر:
وَإِنِّي عَلَى لَيْلَى لَزَارٍ وَإِنَّنِي
عَلَى ذَاكَ فِيمَا بَيْنَنَا مُسْتَدِيمُهَا
أي عاتب ساخط غير راضٍ، وزرى عليه عمله: إذا عابه وعنفه، وتروك مبالغة في تارك، وهو مضاف لكل — الذي هو مفعوله الأول — وعاتبًا مفعول ثانٍ، ويروى عائبًا. يقول: إنك هجنت الكرماء لتقصيرهم عن بلوغ كرمك وتركتهم عاتبين عليك؛ لما يظهر من كرمك المزري بهم أو عاتبين بهم أو عاتبين على أنفسهم حيث لم يفعلوا ما فعلت، أو تركتهم عائبين لك حسدًا.
(٣٢٨) شادوا: بنوا ورفعوا، وتشييد البناء: إحكامه ورفعه، والبناء المشيَّد — بالتشديد — المطول، أما المشيد فهو المبني بالشيد، والشيد كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط. قال عدي بن زيد:
شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلـْ
ـسًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وَكُورُ
هذا ما عليه أكثر أهل اللغة، ومنهم من يجعل المشيد والمشيَّد بمعنى، ومما يتفرع عن هذه المادة قولهم: أشاد بذكره؛ أي نوه به ورفع قدره، وقال أبو عمرو: أشدت بالشيء: عرفته، والمناقب: المفاخر، والمثالب: المخازي والمعايب. يقول: لفضل مناقبك على مناقبهم صارت مناقبهم كالمثالب، وهذا كقول أبي تمام:
مَحَاسِنُ مِنْ مَجْدٍ مَتَى يَقْرِنُوا بِهَا
مَحَاسِنَ أَقْوَامٍ تَكُنْ كَالْمَعَايِبِ
(٣٢٩) لبيك؛ أي إجابة لك بعد إجابة، ونصبه على المصدر، وغيظ الحاسدين: منادى، والراتب: الثابت المقيم، ونخبر: نشاهد ونعلم. قال الواحدي: أظهر الإجابة إشارة إلى أنه بنداء مناد؛ أي كأن الممدوح يناديه بلسان كرمه للتنويه به، وسماه غيظ الحاسدين إشارة إلى أنه قد بالغ في غيظهم حتى صار يُعرف بذلك. قال الخطيب: وصرع البيت لانتقاله من المدح إلى الإجابة.
(٣٣٠) تدبير: مبتدأ محذوف الخبر؛ أي لك تدبير، وروي تدبير وهجوم: منصوبين، على أن تدبير بدل من عجائب — في البيت السابق — وهجوم: عطف عليه، وحنك: جمع حنكة، وهي الخبرة والتجربة، وضده الغر؛ أي الذي لم يجرب الأمور ولا يفكر في العواقب. يقول: إنك تدبر ملكك تدبير مجرب مختبر مفكر في العواقب، وإذا هجمت في الوغى هجمت هجوم الغر؛ أي إنك تفعل كلا في موضعه، فتدبر الملك تدبير مجرب بصير بأعقاب الأمور، وتقدم في الحرب إقدام الغر، وهذا من قول أبي تمام:
وَمُجَرَّبُونَ سَقَاهُمُ مِنْ بَأْسِهِ
فَإِذَا لُقُوا فَكَأَنَّهُمْ أَغْمَارُ
وقوله:
كَهْلُ الْأَنَاةِ فَتَى الشِّدَّاتِ إِذَا غَدَا
لِلْحَرْبِ كَانَ الْمَاجِدَ الْغِطْرِيفَا
وقال البحتري:
مَلِكٌ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَرِيهَةٌ
إِقْدَامُ غِرٍّ وَاعْتِزَامُ مُجَرِّبِ
(٣٣١) وعطاء: عطف على تدبير، وعداه: تجاوزه. يقول: إذا لم يأتك طالب أنفقت مالك في البحث عن طالب تعطيه.
(٣٣٢) أسطيعه: هو أستطيعه، وبهما جاء التنزيل الحكيم. يقول: إني إنما أثني عليك بقدر ما أستطيع، لا بقدر ما يجب لك وما تستحقه؛ لأنه فوق طاقتي، فاعذرني في ذلك، ثم بين عذره في البيت التالي، وقد قصر أبو الطيب الثناء في قوله ثناي — وهو ممدود — ضرورة. قال العكبري: حكى ابن سعد عن أبي الطيب — وهو علي بن سعد، وليس هو محمد بن سعد صاحب الطبقات؛ لأن ذلك قديم الوفاة. توفي بعد المائتين، وأبو الطيب ولد سنة ثلاث وثلاثمائة — قال: سمعت أبا الطيب يقول: ما قصرت ممدودًا في شعري إلا هذا الموضع: خذ من ثناي، وذلك أنه رأى بخط أبي الفتح — ابن جني:
وَقَدْ فَارَقْتَ دَارَكَ وَاصْطِفَاكَ
بكسر الطاء، هذا، وقد قال أهل اللغة: إن الثناء ما تصف به الإنسان من مدح أو ذم أي إنه يستعمل في الخير والشر، وأنشدوا:
أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي
أُثْنِي عَلَيْكِ بِمِثْلِ رِيحِ الْجَوْرَبِ
وخص بعضهم به المدح.
(٣٣٣) دهش: تحير، ومثله شده. قال صاحب اللسان: دهش دهشًا، فهو دهش ودهش فهو مدهوش، وكرهها بعضهم، وأدهشه الله وأدهشه الأمر، ودهش الرجل — بالكسر — دهشًا: تحير، ويقال: دهش وشده، واللغة العالية: دهش، على فعل، والملك الحفيظ: هو الموكل بالإنسان يكتب حسناته وسيئاته. يقول: لقد تحيرت أمام أفعالك فلا أقدر أن أحصيها وأثني بها، وأقل من ذلك ما يحير الملك الموكل بك؛ لأنه لم ير مثله من غيرك، ولأنه لكثرته يعجز عن كتابته.
(٣٣٤) يقول: هو نفاع ضرار، مثله في ذلك مثل السحاب الذي ينهل بالمطر وتنقض منه الصواعق، ففيه حياة لقوم، وهلاك لآخرين. قال الواحدي: هذه الأبيات مضطربة الوزن، وهي من الرمل، وذلك لأنه جعل العروض فاعلاتن، وهو في الأصل في الدائرة، ولكن لم يستعمل العروض ها هنا إلا محذوفة السبب على وزن فاعلن كقول عبيد:
مِثْلَ سَحْقِ الْبُرْدِ عَفَّ بَعْدَكِ الـْ
ـقَطْرُ مَغْنَاهُ وَتَأْوِيبُ الشَّمَالِ
(السحق: الثوب الخلق الذي انسحق وبلي؛ كأنه بعد من الانتفاع به.)
غير أن هذا البيت الأول صحيح الوزن؛ لأنه مصرع، فتبعت عروضه ضربه.
(٣٣٥) جعله هذه الأشياء مبالغة؛ لكثرة وقوعها منه حتى صار وإياها كالشيء الواحد، على حد قول الخنساء:
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
تصف الخنساء وحشية تطلب ولدها مقبلة ومدبرة، فجعلها إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها.
(٣٣٦) الطرف — بفتح الطاء — العين، والجهد — بالضم — الطاقة، أما بالفتح فهو المشقة، وقيل هما لغتان: كالشهد والشهد، والأيدي: فاعل حمدته. يقول: إنه لا يجيل طرفه إلا على إحسان وإساءة، فله في كل طرفة ونظرة إحسان تحمده الأيدي جهدها؛ لأنه يملؤها بالعطاء، وذهب اليازجي إلى أن الطرف — بكسر الطاء — أي الفرس الكريم. قال: يقول المتنبي: إنه ما أجال فرسه في الحرب إلا ملأ أيدي أوليائه من الغنائم فحمدته جهدها، وضرب رقاب أعدائه فذمته …
(٣٣٧) يقول: لا يقتل أعاديه ليستريح منهم؛ لأنه أمن جانبهم لعجزهم عن أذاه فلا يهمه بقاؤهم، ولكنه قد عود الذئاب أن يطعمها لحوم القتلى، فهو إنما هو يقتل الأعداء خشية أن يخلف رجاء الذئاب، وهو لم يتعود أن يخيب راجيًا، وهذا كقول مسلم:
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهَا
فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحَلِ
(٣٣٨) يقول: إنه مهيب كل الهيبة، وجواد غاية في الجود، فإنه يهاب هيبة من لا يرجى العفو عنده، ويجود جود سمح كريم يرجى إحسانه ولا تخشى مهابته.
(٣٣٩) الطعن الشزر: ما كان عن يمين وشمال، والعجاج: الغبار، والنقاب: ما تستر به المرأة وجهها. يصفه بالحذق في الطعن. يقول: إنه يصيب أحداق الفرسان والجو مظلم بغبار الحرب الذي كأنه نقاب للشمس يسترها، وهذا كقوله:
يَضَعُ السِّنَانَ بِحَيْثُ شَاءَ مُحَاوِلا
(٣٤٠) يقول: إن يحمل نفسه على ركوب الأمر العظيم الهائل الذي لا خلاص لمن وقع فيه.
(٣٤١) بأبي: تفدية. قال الواحدي: يريد أن ريحه أطيب من ريح النرجس «الذي بين يديه» وحديثه ألذ من الشراب، وليس هذا مما يمدح به الرجال؛ أي وإنما يخاطب بمثله المحبوب.
(٣٤٢) برز: بذ وسبق، وسبقًا: مفعول مطلق، كأنه قال إن سبقت سبقًا، والعراب: الخيل العربية. يقول: ليس بمستنكر أن تسبق الناس وتبذهم؛ لأنك أهل ذلك، كما أن كرام الخيل لا تدفع عن السبق. هذا وكان الوجه أن يقال غير مدفوعة عن السبق العراب، كما تقول هند غير مصروفة، ولكنه ذكر ضرورة كأنه أراد العراب جنس غير مدفوع. قال ابن جني: كان يجوز له أن يقول غير هذا، ويقول: لا تدفع عن السبق العراب — بالتاء والياء — فأجرى غير مجرى لا، وأجرى مدفوع مجرى يدفع ضرورة، وقد يتزن البيت بأن يقول:
غَيْرُ مُدفُوعٍ عَنِ السَّبقِ العِراب
أقول: وأين قط لا يدفع عن سبق عراب من غير مدفوع عن السبق العراب؟ ولكنه النحو والنحويون.
هذا، وقد قال أبو حيان في تذكرته: إن هذا البيت في الإعراب نظير بيت أبي نواس:
غَيْر مَأَسُوفٍ على زَمَنٍ
يَنْقَضِي بِالْهَمِّ وَالحَزَنِ
قال ابن حيان: ﻓ «العراب» مرفوع بمدفوع، ومن جعله مبتدأ فقد أخطأ؛ لأنه يصير التقدير، العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب جمع فلا أقل من أن يقول: غير مدفوعة؛ لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره. وإليك آراء النحاة في إعراب غير، قال ابن هشام في «المغني»: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن غير مبتدأ لا خبر له بل لما أضيف إليه (لما: بكسر اللام وتخفيف الميم، أي بل للاسم الذي أضيف إليه غير مرفوع وهو على زمن؛ لأنه نائب فاعل مأسوف، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.) مرفوع يغني عن الخبر؛ وذلك لأنه في معنى النفي، والوصف بعده مخفوض لفظًا وهو في قوة المرفوع بالابتداء، فكأنه قيل: ما مأسوف على زمن ينقضي مصاحب للهم والحزن، فهو نظير: ما مضروب الزيدان، والنائب عن الفاعل الظرف، قاله ابن الشجري وتبعه ابن مالك. والثاني: أن غير خبر مقدم والأصل زمن ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، ثم قدمت غير وما بعدها، ثم حذف زمن دون صفته فعاد الضمير المجرور بعلى على غير مذكور فأتى بالاسم الظاهر مكانه، قاله ابن جني وتبعه ابن الحاجب. فإن قيل: فيه حذف الموصوف مع أن الصفة غير مفردة وهو في مثل هذا ممتنع. قلنا: في النثر، وهذا شعر فيجوز فيه، كقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
أي أنا ابن رجل جلا الأمور. وقوله:
تَرْمِي بِكَفَّيْ كانَ مِنْ أرْمِي البَشَرْ
أي بكفي رجل كان، والثالث: أنه خبر لمحذوف، ومأسوف مصدر جاء على مفعول كالمعسور والميسور والمراد به اسم الفاعل، والمعنى: أنا غير آسفٍ على زمن هذه صفته، قاله ابن الخشاب، وهو ظاهر التعسف.
(٣٤٣) تشكَّى — بحذف إحدى التاءين — أي تتشكى، وإليه: متعلق بتشكَّى، والضمير في غيبته وفي إليه: للسحاب، والرشف: المص، وأصله أن تستقصي ما في الإناء حتى لا تدع فيه شيئًا، والرضاب: الريق. يريد بيان ما ذكره في البيت السابق من العجائب. يقول: إن الأرض بعطشها تشكو إلى السحاب غيبته عنها، وعند لقائه ترشف ماءه كما يرشف العاشق ريق المعشوق.
(٣٤٤) يقول: إني إنما أتأمل في محاسنك لا في الشطرنج، وأنتصب جالسًا لأراك لا لأراه، والشطرنج فارسي معرب من شدرنج، ومعناه — كما قال العكبري — من اشتغل به ذهب عناؤه باطلًا، وكسر الشين فيه أجود؛ ليكون من باب جردحل: وهو الضخم من الإبل: هذا وقد قال ابن جني: إن هذه الأبيات لم أقرأها عليه، وشعره عندي أجود منها، وقال غيره هي مقروءة عليه بمصر وبغداد.
(٣٤٥) يقول: إنني سأمضي وأغيب عنك ليلة واحدة، ثم أعود إليك.
(٣٤٦) بكل معجزة؛ أي بكل مسألة يعجز الناس عن بيانها والإجابة عليها، فلو سئل عنها غيره أجبل «انقطع» قال العكبري: هذه أبيات رديئة عملها ارتجالًا في معانٍ ليست هناك.
(٣٤٧) الضروب: الشكول والأصناف، وأشفهم: أفضلهم. يقول: شكول الناس على اختلافهم يحبون شكول المحبوبات على اختلافها، وأحقهم بأن يعذر في العشق والحب من كان محبوبه أفضل، وهذا كالتمهيد للبيت التالي. هذا، وقد ذهب بعض الشراح إلى أن ضروبًا؛ حال، كأنه قال: الناس عشاق مختلفين في عشقهم، ولكن الأجود أن يكون منصوبًا بوقوع الفعل عليه وهو العشق: أي ضروب الناس يعشقون ضروبًا.
(٣٤٨) السكن: ما تسكن نفسك إليه وتهواه. يقول: فالذي أحبه أنا وتسكن إليه نفسي هو قتل أعدائي، فهل من زيارة لهذا الحبيب؟ أي هل أظفر بذلك وأتمكن منه حتى أشفي قلبي كما يشفي قلب المحب زورته الحبيب؟
(٣٤٩) ترد؛ أي تردد: والصراصر: جمع صرصرة، وهو صوت النسر والبازي ونحوهما، والنعيب: صوت الغراب. يقول: هل من سبيل إلى وقعة تكثر فيها القتلى فيجتمع عليها الطير فيصرصر النسر وينعب الغراب؟ جعل صياح الطيور المجتمعة على القتلى كأنه حديث يتحدثن به.
(٣٥٠) وقد لبست؛ أي الطير، وعليهم: متعلق بحدادًا، والحداد: الثياب السود تلبس عند المصيبة، والجيوب: جمع جيب، وهو طوق القميص، وعند العامة: كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل ويجعل فمه من الخارج. يقول: إن هذه الطير تغوص في دماء القتلى فتتلطخ بها، وتجف عليها فتسود وتصير كأنها ثياب حداد على القتلى. بيد أنها لم تشق على هؤلاء القتلى جيوبًا كما تفعل ربات الحداد. هذا، وقد روي: دماؤهم — بالرفع — فيكون المعنى أن الدماء اسودت على القتلى، فكأنما لبست ثوبًا غير ما كانت تلبس من الحمرة.
(٣٥١) الكعوب: جمع كعب، وهو ما بين الأنبوبتين من القناة. يقول: لم نزل نطعنهم حتى كسرنا كعوب الرماح فيهم فاختلطت في أبدانهم بعظامهم.
(٣٥٢) القحوف: جمع قحف — بكسر القاف — وهو العظم الذي فوق الدماغ؛ والجمجمة: العظم الذي فيه الدماغ، والتريب: عظم الصدر، والجمع: الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: كأن خيلنا كانت في صغرها تسقى اللبن في أقحاف رءوسهم فألفتهم حتى صارت تدوس جماجمهم وصدورهم ونحن عليها لا تنفر منهم … وقد جرت عادة العرب أن تسقي اللبن كرام خيولها.
(٣٥٣) القحوف: جمع قحف — بكسر القاف — وهو العظم الذي فوق الدماغ؛ والجمجمة: العظم الذي فيه الدماغ، والتريب: عظم الصدر، والجمع: الترائب: موضع القلادة من الصدر. يقول: كأن خيلنا كانت في صغرها تسقى اللبن في أقحاف رءوسهم فألفتهم حتى صارت تدوس جماجمهم وصدورهم ونحن عليها لا تنفر منهم … وقد جرت عادة العرب أن تسقي اللبن كرام خيولها.
(٣٥٤) الشوى من الخيل: قوائمها. يقال: فرس عبل الشوى، والشوى من الآدميين: اليدان والرجلان، وقيل: اليدان والرجلان والرأس، وكل ما ليس مقتلًا، ومن هذا قولهم: رماه فأشواه؛ أي أصاب شواه، ولم يصب مقتله، قال الهذلي:
فَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الَّتِي لَا شَوَى لَهَا
إِذَا زَلَّ عَنْ ظَهْرِ اللِّسَانِ انْفِلَاتُهَا
أي إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل.
وقال الفراء في قوله تعالى: كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ: الشوى اليدان والرجلان وأطراف الأصابع وقحف الرأس، ويقال لجلدة الرأس شواة، وقد توسعوا في الشوى فاستعملوه في كل من أخطأ غرضًا وإن لم يكن له شوى ولا مقتل، وقد رويت خُضبت — بالبناء للمعلوم، والضمير للخيل — يقول: إن هذه الخيل يقدمها إلى الحرب — وقد خضبت قوائمها بالدم — فتى قد طال تمرسه بالحروب — يعني نفسه — فكلما فرغ من حرب، خاض حربًا أخرى.
(٣٥٥) الخنزوانة في الأصل: ذبابة تطير في أنف البعير فيشمخ لها بأنفه، واستعيرت للكبر، وتنمر: صار كالنمر غضبًا، وقوله أصاب؛ أي أأصاب — بهمزة التسوية — يقول: إذا غضب على أعدائه وقاتلهم لا يبالي أقتلهم أم قتلوه.
(٣٥٦) الهمزة في أعزمي: للنداء، ويفرق: يخاف، ويئوب: يرجع. يقول — مخاطبًا عزمه: انظر يا عزمي هل علم الصبح بما أنا عازم عليه من الاقتحام فتأخر خشية أن يصاب في جملة أعدائي؟ وعبارة ابن فورجه: أراد: لعظم ما عزمت عليه ولشدة ما أنا عليه من الأمر الذي قمت به، كأن الصبح يفرق من عزمي، ويخشى أن يصيبه بمكروه، فهو يتأخر ولا يئوب.
(٣٥٧) الحب: المحبوب، ويراعي: يراقب وينتظر، والدجنة الظلمة، والدجنة من الغيم المطبق تطبيقًا والريان المظلم الذي ليس فيه مطر، يقال: يوم دجن ويوم دجنة — وكذلك الليلة على وجهين بالوصف والإضافة — والدجنة: الظلمة جمعها دجن ودجنات، والداجنة: المطرة المطبقة نحو: الديمة، والضمير في دجنته: لليل. شبه الفجر بحبيب قد طلب إليه زيارة محبه وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبًا فتتأخر زيارته خوف الرقيب — يريد طول الليل، وأن الفجر ليس يطلع، فكأنه حبيب يخاف رقيبًا.
(٣٥٨) الجبوب: وجه الأرض ومتنها، من سهل أو حزن أو جبل، وقيل: الأرض الغليظة، وقيل: الأرض الغليظة من الصخر لا من الطين، ولا يجمع، والحلي: ما تزين به من الذهب والفضة وغيرهما، وجمعها حلي: مثل ثدي وثدي، وقد تكسر الحاء لمكان الياء مثل عصى. قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون الحلي جمعًا وتكون الواحدة حلية كهدية وهدي، وحذيت قوائمه الجبوب؛ أي جعل الجبوب حذاء لقوائمه. يقول: كأن النجوم حلي على الليل فليست تفارقه، وكأن الأرض قد جعلت حذاء له فلا يستطيع أن يمشي؛ لثقل الأرض على قوائمه.
(٣٥٩) الشحوب: تغير اللون من هزال ونحوه، والضمير من سواده لليل، ومن فيه: للجو. يقول: كأن الجو كابد ما أكابد من طول الوجد فاسود لون الليل وصار سواده شحوبًا؛ أي كأن الليل اسود؛ لأنه دفع إلى ما دفعت إليه فصار السواد بمنزلة الشحوب.
(٣٦٠) الدجى: جمع دجية، وهي الظلمة، والسهاد: السهر. يقول: إن سهاده يطول والليل يطول معه، فكأن سهاده يجذب ظلمة الليل، فهي لا تنقضي إلا بانقضائه، وسهاده لا ينقضي، وكذلك ظلمة الليل.
(٣٦١) يقول: إني أقلب أجفاني في ذلك الليل، ولكثرة تقليبي إياها كأني أعد على الدهر ذنوبه، فكما أن ذنوب الدهر كثيرة متوافرة لا تكاد تفنى. كذلك تقليبي أجفاني كثير لا يفنى، فلا نوم هناك، ولك أن تقول: أقلب أجفاني في ذلك الليل وأنا أرعى نجومه كأني أعد بها ذنوب الدهر التي هي مثلها في العدد، وهذا المعنى ينظر إلى قول ديك الجن:
أَنَا أُحْصِي فِيكَ النُّجُومَ وَلَكِنْ
لِذُنُوبِ الزَّمَانِ لَسْتُ بِمُحْصٍ
(٣٦٢) بلحظ حسادي؛ أي بلحظي حسادي، يقول: ليس ليلي وإن طال بأطول من نهار يشوبه — أي يخالطه — أن أنظر فيه إلى حسادي وأعدائي.
(٣٦٣) يقول: إذا كان لحسادي نصيب معي في الحياة وشاركوني فيها وعاشوا كما أعيش فليس الموت بأبغض إليَّ من تلك الحياة؛ أي إنه لا تحلو له الحياة حتى يقتل حساده.
(٣٦٤) الحدثان: حوادث الدهر ونوبه، ويقال: انتسب الرجل إلى فلان: إذا نسب نفسه إليه، والنقيب: الخبير بأحوال القوم وأنسابهم. يقول: لكثرة ما أصابني من نوائب الدهر صرت عارفًا بها حتى لو كان لها أنساب لكنت أنا نقيبها.
(٣٦٥) يقول: لما أعوزتنا الإبل وفقدناها لقلة ذات اليد أدتني المحن والشدائد إلى الممدوح، فكأنها كانت مطايا ركبناها إليه.
(٣٦٦) رتعت الإبل: رعت في بحبوحة وخصب، والجدب: ضد الخصب، ومكان جديب: لا نبات فيه. يقول: إن الخطوب مطايا لا يبغي أحد ركوبها، وهي لا ترعى نبات الأرض، إنما ترعانا وتنال منا. فما فارقتها عند وصولي إليك إلا جديبا؛ لأنها رعتني وأتت عليَّ فلم تترك مني شيئًا.
(٣٦٧) رتعت الإبل: رعت في بحبوحة وخصب، والجدب: ضد الخصب، ومكان جديب: لا نبات فيه. يقول: إن الخطوب مطايا لا يبغي أحد ركوبها، وهي لا ترعى نبات الأرض، إنما ترعانا وتنال منا. فما فارقتها عند وصولي إليك إلا جديبا؛ لأنها رعتني وأتت عليَّ فلم تترك مني شيئًا.
(٣٦٨) الشيمة: الخلق، وتقول: شعفتني حبًّا وشغفتني، والمعنى تيمتني وبلغت مني، وشغفتني: من شغاف القلب، وهو غلافه، أو سويداؤه، والنسيب: التشبيب بالنساء في الشعر. يقول: إن أخلاق الممدوح شغفتني بحسنها. فلولا مهابته واحتشامه لتغزلت بها كما يتغزل العاشق بمعشوقه.
(٣٦٩) الضمير في هواها: للشيمة، والرشأ: ولد الظبية إذا تحرك ومشى، والربيب: المربى. يقول: إن كل نفس تعشق أخلاقه كما أعشقها أنا. فهي محبوبة إلى كل إنسان، وإن لم يكن بينها وبين الرشأ شبه؛ لأنها من الرجولة والفضل بحيث تسمو عن شبهها بالظباء التي تشبه بها الحسان.
(٣٧٠) عجيب: خبر مبتدأ محذوف يعود إلى الممدوح، وعجيبًا: خبر ما العاملة عمل ليس. يقول: هو عجيب في الزمان، وليس ما يأتي من آل سيار عجيبًا؛ لأنهم الغاية في المجد والكرم.
(٣٧١) وليس شيخًا … إلخ؛ أي ليس كل من بلغ المشيب يسمى شيخًا؛ فشيخًا: مفعول ثانٍ مقدم ليسمى، وكل: يجوز أن يكون اسم ليس، أو نائب فاعل يسمى على طريق التنازع. يقول: هو مع أنه شاب؛ في حنكة الشيوخ وجودة رأيهم ورجحان ألبابهم، ورب إنسان غيره بلغ المشيب، ولكنه لا يستحق أن يسمى شيخًا؛ لتخلفه ونقصه.
(٣٧٢) قوله من قواه: يروى من يديه. يقول: قسا قلبه في الحروب حتى لتخاف الأسد بطشه وسطوته، وهو مع ذلك في مجلسه قد رق طبعًا وكرمًا حتى لنخاف أن يذوب، ويقال فلان يذوب ظرفًا: إذا لان جانبه، واحلولت شيمته.
(٣٧٣) الهوج: جمع هوجاء: وهي الشديدة العصف في حمق وطيش، والبطش: الأخذ بقوة، والندى: الجود: بطشًا وهبوبًا: نصبا على التمييز، وقال آخرون: هما مصدران وقعا موقع الحال. يقول: هو لدى الوغى أشد بطشًا من هوج الرياح، ولدى الجود أسرع منها في العطاء.
(٣٧٤) الغرض: الهدف يرمى بالسهام. يقول: إن الناس يقولون: إنه أرمى من رأيناه يرمي السهام، فقلت: إنكم رأيتموه وهو يرمي الغرض القريب منه. فكيف لو رأيتموه يرمي الغرض البعيد؟
(٣٧٥) الرمايا: جمع رمية، اسم لكل ما يرمى بالسهم من غرض أو صيد. يقول: إنه صائب الفكرة فهو يرمي المغيبات بسهام ظنه فيصيبها لثقوب فكره، فكيف لا يصيب المحسات بسهامه؟
(٣٧٦) الكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام، ونكبت: قلبت على رأسها لينثر ما فيها، واستبنا: تبينا ورأينا: والندوب في الأصل: آثار الجروح؛ والمراد هنا مطلق الأثر، والأفواق؛ جمع فوق، وهو موضع الوتر من السهم، يقول: إذا نثرت كنانته وأفرغ ما فيها من السهام رأينا لنصوله آثارًا في نصوله لسرعة رميه، ورميه إياها على طريقة واحدة حتى يدرك بعضها بعضًا من غير أن يميل عنه، ويصيب اللاحق منها فوق السابق، فلولا أن ينكسر النصل بالفوق؛ لاتصل بعضها ببعض، وصارت مستوية كالقضيب، وكان الوجه أن يقول: بأفوقها لأنصلها ندوبًا بدليل البيت الثاني، ولأن النصال إذ ذاك لا تتقابل، اللهم إلا إذا كان يريد بالأنصل: السهام، لا الحديد بخصوصه.
(٣٧٧) الكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام، ونكبت: قلبت على رأسها لينثر ما فيها، واستبنا: تبينا ورأينا: والندوب في الأصل: آثار الجروح؛ والمراد هنا مطلق الأثر، والأفواق؛ جمع فوق، وهو موضع الوتر من السهم، يقول: إذا نثرت كنانته وأفرغ ما فيها من السهام رأينا لنصوله آثارًا في نصوله لسرعة رميه، ورميه إياها على طريقة واحدة حتى يدرك بعضها بعضًا من غير أن يميل عنه، ويصيب اللاحق منها فوق السابق، فلولا أن ينكسر النصل بالفوق؛ لاتصل بعضها ببعض، وصارت مستوية كالقضيب، وكان الوجه أن يقول: بأفوقها لأنصلها ندوبًا بدليل البيت الثاني، ولأن النصال إذ ذاك لا تتقابل، اللهم إلا إذا كان يريد بالأنصل: السهام، لا الحديد بخصوصه.
(٣٧٨) بكل مقوم: بدل من قوله ببعضها؛ أي يصيب بكل سهم هذه صفته. يقول: إن سهمه يتجه كيف شاء، فكأنه عاقل يأمره فيطيع.
(٣٧٩) النزع: جذب الوتر للرمي، وضمير منه: للسهم، والرمي المرمى، فهو فعيل بمعنى مفعول، والهدف: بدل من رميه. يقول: إذا جذب الوتر ورمى السهم رأيت منه نارًا بين القوس والهدف، وذلك أن حفيف السهم في سرعة مروره يشبه حفيف النار في التهابها، والعرب إذا وصفت شيئًا بالسرعة شبهته بالنار، ومنه قول العجاج يصف سرعة مشي الحمار والأتان:
كَأَنَّمَا يَسْتَضْرِمَانِ الْعَرْفَجَا
(العرفج شجر معروف سريع الاشتعال بالنار، ولهبه شديد الحمرة، ويبالغ بحمرته فيقال: كأن لحيته ضرام عرفجة.)
(٣٨٠) الأولى بمعنى الذين: والاستفهام للتقرير أي أَنت ابن أولئك، وسعدوا؛ من السعادة، والنجيب: الكريم.
(٣٨١) يقول: وأنت ابن الذين أدركوا بحزمهم ما طلبوا في رفق وأناة وتؤدة، فأدركوا الصعب البعيد بأهون سبب، ودُون جهد ونصب، وجعل الوحش مثلًا للمطلوب البعيد، ودبيب النمل مثلًا لرفقهم ولطف تأنيهم.
(٣٨٢) يقول: إن الطيب الذي يتضوع من الرياض ليس لها في الحقيقة، ولكنه شيء أفادته من دفن آبائه في التراب، وهذا من قول أبي تمام:
أَرَادُوا لِيُخْفُوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوِّهِ
فَطِيبُ تُرَابِ الْقَبْرِ دَلَّ عَلَى الْقَبْرِ
(٣٨٣) الضمير في زمانه: للمجد، والقشيب: الجديد، قال ابن جني: معناه أن روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد مبالغة، وقال غيره: إن روح مجد آبائه انبعثت فيه فعاد إلى عالم الظهور، وتجدد زمانه بعد انقضائه، وقال آخرون: معناه يا من عاد به روح المجد في المجد؛ أي إن المجد كان ميتًا فعاد به حيًّا، وعاد الزمان الذي كان باليًا جديدًا به، وقد نظر إلى هذا المعنى بعضهم فقال:
سَأَلْتُ النَّدَى وَالْمَجْدَ حَيَّانِ أَنْتُمَا
وَهَلْ عِشْتُمَا مِنْ بَعْدِ آلِ مُحَمَّدِ
فَقَالَا نَعَمْ مِتْنَا جَمِيعًا وَضَمَّنَا
ضَرِيحٌ وَأَحْيَانًا دَبِيسُ بْنُ مِزْيَدِ
(٣٨٤) تيممني: قصدني، قال الواحدي: سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل — رحمه الله — قال: سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة يقول: أخبرني أبو الحسين الشامي الملقب بالمشوق قال: كنت عند المتنبي فجاءه هذا الوكيل فأنشده هذه الأبيات:
فُؤَادِي قَدِ انْصَدَعْ
وَضَرْسِي قَدِ انْقَلَعْ
وَلِلَّيَالِي عَقْلِي
قَدِ انْهَوَى وَمَا رَجَعْ
يَا حُبَّ ظَبْيٍ غَنجٍ
كَالْبَدْرِ لَمَّا أَنْ طَلَعْ
رَأَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ
مِنْ كُوَّةٍ قَدِ اطَّلَعْ
فَقُلْتُ ته ته ته وته
فَقَالَ لِي مُرْ يَا لُكَعْ
هَاتِ قِطَعْ ثُمَّ قِطَعْ
ثُمَّ قِطَعْ ثُمَّ قِطَعْ
وَضَعْ بِكَفَّيَّ وَفِي
جَيْبِي أَدَعْكَ أَنْ تَضَعْ
فهذا الذي عناه المتنبي بقوله: وأنشدني من الشعر الغريبا.
(٣٨٥) آجره الله: أثابه؛ جعل نفسه كالمسيح، وهذا الشاعر كعليل قد جاء ليداوي المسيح الذي يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، وإذن فلا حاجة به إلى طبيب، ولا سيما إذا كان الطبيب عليلا.
(٣٨٦) جعله شمسًا لشرفه وعموم منفعته، يدعو له بأن لا تزال دياره مشرقات بنوره، وبأن لا يشرف على الغروب؛ أي لا يموت.
(٣٨٧) لأصبح: تعليل للدعاء السابق. يقول: أنا آمن عليك من العيوب فإنها لا تقربك، ولكن الذي أخشاه أن نرزأ فيك، فأنا أدعو الله أن يقيك الرزايا لأصبح آمنًا فيك المحذورين معًا.
(٣٨٨) يقول: إن هذين المجلسين — وإن كان قد ميز كل منهما في وضعه عن الآخر — مقابلان بعضهما لبعض ولكنهما أحسنا الأدب فتميزا، فإنك إذا صعدت إلى أحدهما فجلست عليه مال الآخر عنه هيبة لك.
(٣٨٩) يقول: إن هذين المجلسين — وإن كان قد ميز كل منهما في وضعه عن الآخر — مقابلان بعضهما لبعض ولكنهما أحسنا الأدب فتميزا، فإنك إذا صعدت إلى أحدهما فجلست عليه مال الآخر عنه هيبة لك.
(٣٩٠) يقول: إذا كان ما لا حس له ولا عقل يهابك فما الظن بغيره؟
(٣٩١) قفلنا: رجعنا، وإليك: بمعنى اكفف، وشم: أمر من شام البرق إذا نظر إليه يرجو المطر، وتقول عزم فلان الأمر وعزم عليه إذا هم به، وقوله فشم … البيت؛ يأمر السحاب بأن ينظر إلى الأمير يرجو مطره كما ترجو الناس من السحاب مبالغة في جود الأمير حتى صار السحاب مفتقرًا إلى سقياه، ثم قال: إنه لما قال ذلك للسحاب أمسك عن الانسكاب بعد أن همَّ به حياء من جوده.
(٣٩٢) قفلنا: رجعنا، وإليك: بمعنى اكفف، وشم: أمر من شام البرق إذا نظر إليه يرجو المطر، وتقول عزم فلان الأمر وعزم عليه إذا هم به، وقوله فشم … البيت؛ يأمر السحاب بأن ينظر إلى الأمير يرجو مطره كما ترجو الناس من السحاب مبالغة في جود الأمير حتى صار السحاب مفتقرًا إلى سقياه، ثم قال: إنه لما قال ذلك للسحاب أمسك عن الانسكاب بعد أن همَّ به حياء من جوده.
(٣٩٣) ضمير به للأمير، والخطاب في بكم لطاهر العلوي، وهو من نسل الزهراء كريمة سيدنا رسول الله ومن ثم قال: كما بكم يغفر الذنوبا.
(٣٩٤) التصغير في ما أحيسنها: مبالغة في الاستحسان، وقوله لم أعجب؛ أي لم أقل ما أحسينها؛ أي لولا حسنها لم أقل ذلك.
(٣٩٥) خلوقية: نسبة إلى الخلوق ضرب من الطيب أصفر اللون، وفي خلوقيها: خبر مقدم، وسويداء: مبتدأ مؤخر. يقول: هذه المقلة صفراء مثل لون الخلوق يتوسط صفرتها إنسان — إنسان عين — أسود كأنه الحبة الصغيرة من عنب الثعلب.
(٣٩٦) يقول: إذا التفت الباز إلى جانبه اكتسى من نور مقلته شعاعًا.
(٣٩٧) قالوا: إن الأمير أبا محمد بن طغج لم يزل يسأل المتنبي أن يخص أبا القاسم طاهرًا العلوي بقصيدة من شعره، وأنه قد اشتهى ذلك، وأبو الطيب يقول: ما قصدت إلا الأمير ولا أمدح سواه؛ فقال أبو محمد: عزمت أن أسألك قصيدة تنظمها فيَّ فاجعلها فيه، وضمن له عنده مئات من الدنانير فأجاب. قال محمد بن القاسم الصوفي: فسرت أنا والمطلبي برسالة طاهر إلى أبي الطيب فركب معنا حتى دخلنا عليه وعنده جماعة من الأشراف، فلما أقبل أبو الطيب، نزل طاهر عن سريره والتقاه مسلمًا عليه؛ ثم أخذه بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها، وجلس هو بين يديه وتحدث معه طويلًا. ثم أنشده أبو الطيب فخلع عليه — للوقت — خلعًا نفيسة. قال علي بن القاسم الكاتب: كنت حاضرًا هذا المجلس، فما رأيت ولا سمعت أن شاعرًا جلس الممدوح بين يديه مستمعًا لمدحه غير أبي الطيب؛ فإني رأيت هذا الشريف قد أجلسه في مجلسه وجلس بين يديه فأنشده هذه القصيدة.
(٣٩٨) الكواعب: جمع كاعب، وهي التي بدا ثدياها للنهود، والحبائب: جمع حبيبة ولحظ الحبائب أي رؤيتهن، يقول: أصبح دهري ليلًا كله بعد ظعن الأحبة فليس هناك صباح إلا بردهن، وقد نفي عني الكرى فلا رقاد إلا برؤيتهن، والمعنى ردوهن عليَّ حتى يرتد صباحي ورقادي.
(٣٩٩) مدلهمة: شديدة السواد، والغياهب: الظلمات، وهذا البيت كالتعليل لما ذكره في البيت السابق. يقول: لما رحلتم لم أبصر بعدكم شيئًا؛ أي بكيت حتى عميت، فآض نهاري ليلًا حالك السواد، وعبارة الواحدي: يريد أن جفونه مختومة بعدهن لم تفتح، وإذا انطبقت الجفون فالنهار ليل، وقال التبريزي: هذا معنى البيت الأول؛ أي غاب عني الكواعب فغاب صباحي بعدهن؛ لأن الدنيا تظلم في عين المحزون، فردوا رقادي فقد كنت أراهم في نومي، وقد فقدتهم منذ فارقت الرقاد، والعرب إذا وصفت الأمر الشديد شبهت النهار بالليل لإظلام الأمر.
(٤٠٠) بعيدة: بدل من مقلة — في البيت السابق — ومن روى بعيدة بالرفع فهي خبر ابتداء محذوف أي هي بعيدة، والهدب: الشعر النابت على أشفار العين، ولكن المراد بأعالي كل هدب: ما نبت على الجفون الأعلى فهو عام قد خصص، ونص عبارة الواحدي: إذا حمل قوله كل هدب على العموم، فالحاجب ها هنا بمعنى المانع؛ لأنا إذا حملنا الحاجب على المعهود كان مغمضًا لأن هدب الجفن الأسفل إذا عقد بالحاجب حصل التغميض، وإذا جعلنا الحاجب بمعنى المانع صح الكلام: وإن جعلنا الحاجب المعهود حملنا قوله كل هدب على التخصيص، وإن كان اللفظ عامًّا، وهذا مثل قول الآخر:
وَرَأْسِيَ مَرْفُوعٌ لِنَجْمٍ كَأَنَّمَا
قَفَاهُ إِلَى صُلْبِي بِخَيْطٍ مُخَيَّطُ
يقول: إن عينيه لا تنطبقان، وتباعدت أجفانه حتى لكأن أعالي أهدابها قد عقدت بالحاجبين، ومثل قول بشار بن برد:
جَفَتْ عَيْنِي عَنِ التَّغْمِيضِ حَتَّى
كَأَنَّ جُفُونَهَا عَنْهَا قِصَارُ
(٤٠١) يقول: إن الدهر مولع بمخالفتي حتى لو هويت فراقكم لواصلتموني؛ يعني أن من أهواه يبعد عني، ومن أجتويه يقرب مني لسوء صحبة الدهر إياي، فقوله لفارقته؛ أي لفارقت الفراق مضطرًا بحكم الدهر — وفي هذا يقول بعضهم:
أَرَى مَا أَشْتَهِيهِ يَفِرُّ مِنِّي
وَمَا لَا أَشْتَهِيهِ إِلَيَّ يَأْتِي
وَمَنْ أَهْوَاهُ يُبْغِضُنِي عِنَادًا
وَمَنْ أَشْنَاهُ يَشْبَثُ فِي لَهَاتِي
كَأَنَّ الدَّهْرَ يَطْلُبُنِي بِثَأْرٍ
فَلَيْسَ يَسُرُّهُ إِلَّا وَفَاتِي
وقال العكبري: قوله لفارقته: كان الوجه أن يقول لفارقني، لكنه قلبه لأن من فارقك فقد فارقته، وهذا من باب القلب. ثم قال: وكان حقه أن يقول أخبث الأصحاب؛ لأنه أراد خبث من يصحبه، وإذا كان اسم الفاعل في مثل هذا يجوز فيه الإفراد والجمع كقوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ أي أول من يكفر: وأنشد الفراء:
وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ
وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ
فأتى ألأمرين جميعا.
(٤٠٢) يقول: ليت أحبتي واصلوني مواصلة المصائب، وليت المصائب بعدت عني بعدهم. يعني أن المصائب ملازمة له فهو يتمنى أن تكون أحبته كذلك، وهذا كما قال أيضًا:
لَيْتَ الْحَبِيبَ الْهَاجِرِي هَجْرَ الْكَرَى
مِنْ غَيْرَ جُرْمٍ وَاصِلِي صِلَةَ الضَّنَا
(٤٠٣) أراك: أظنك، والسلك: الخيط ينظم فيه الدر وغيره، وقوله: عليك بدر، يريد بدر عليك فقدم الجار والمجرور، والترائب: موضع القلادة من الصدر، يقول: أظنك حسبت السلك الذي في قلادتك جسمي لمشابهته إياه في الدقة، فحلت بينه وبين ترائبك بالدر المنظوم فيه؛ لئلا يلامس صدرك؛ أي إن ولوعك بمشاقتي حملك على منافرة كل ما يشاكلني، يشكو مخالفتها إياه ورغبتها عن وصاله وهو من معاني المتنبي البديعة.
(٤٠٤) يقول: لشدة سقمي نحلت حتى لم يبقَ لي جثمان يحس به، فلو ألقيت في شق قلم، لم يتغير به خط كاتب، وهذا من مبالغات الشعراء، وقد افتنوا في هذه المعنى كل الافتنان، فمن ذلك قول بعضهم:
ذُبْتُ مِنَ الْوَجْدِ فَلَوْ زُجَّ بِي
فِي مُقْلَةِ الْوَسْنَانِ لَمْ يَنْتَبِه
وقول الآخر:
فَاسْتَبْقِ مَا أَبْقَيْتَ لِي فَلَعَلَّنِي
يَوْمًا أَقِيكَ بِهِ مِنَ الْأَعْدَاءِ
مِنْ مُهْجَةٍ ذَابَتْ أَسًى فَلَوَ انَّهَا
فِي الْعَيْنِ لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْإِغْفَاءِ
(٤٠٥) قال الواحدي: الذي أمرت به هو ملازمة البيت وترك السفر، والذي خوفته به هو الهلاك، وتقدير اللفظ: تخوفني بشيء دون الذي أمرت به؛ أي تخوفني بالهلاك وهو دون ما تأمر به من ملازمة البيت؛ لأن فيها عارًا، والعار شر من البوار، والضمير في تخوفني: للحبيبة، أو العاذلة، وعبارة ابن جني: تخوفني الهلاك وهو عندي دون العار الذي أمرتني بارتكابه.
(٤٠٦) يقول: لا بد لي من يوم مشهور أكثر فيه قتل الأعادي فأسمع بعده صياح النوادب عليهم، والأغر في الأصل: الذي في وجهه بياض، والمحجل: قال أبو عبيدة: المحجل من الخيل أن تكون قوائمه الأربع بيضًا يبلغ البياض منها ثلث الوظيف أو نصفه أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ ولا يبلغ الركبتين، العرقوبين — وأغر محجل كما ترى من صفات الخيل — استعارهما لليوم؛ يريد يومًا مشهورًا ينماز عن الأيام كما ينماز الفرس بالغرة والتحجيل.
(٤٠٧) العوالي: صدور الرماح؛ أي الأسنة، والقواضب: السيوف القواطع يقول: مثلي إذا رام أمرًا لم يبالِ أن يكون دون الوصول إليه رماح وسيوف: يريد أنه يتوصل إليه وإن كان دونه حروب وأهوال.
(٤٠٨) كثير: مبتدأ، ومثل: خبر أول، ويزول: خبر ثانٍ: يحث على الشجاعة والإقدم وينهى عن الجبن. يقول: إن طول العمر وقصره سيان؛ لأن نهاية كل منهما الزوال، وما بقي من العيش لاحق بما ذهب فهو في حكمه، وإذن لا وجه للحرص على الحياة، وقال ابن الرومي:
رَأَيْتُ طَوِيلَ الْعُمْرِ مِثْلَ قَصِيرِهِ
إِذَا كَانَ مُفْضَاهُ إِلَى غَايَةٍ تُرَى
وقال العكبري: وهذا من كلام الحكماء، قال الحكيم: أواخر حركات الفلك كأوائلها، وناشئ العالم كلاشيه في الحقيقة لا في الحس.
(٤٠٩) إليك: اسم فعل بمعنى كفى. يقول: كفى عني فإني لست ممن إذا خشي الهلاك صبر على الذل والهوان. جعل الأفاعي مثلًا للهلاك؛ لأنها تقتل بسمها دفعة واحدة، والعقارب مثلًا للذل والهوان؛ لأن لسعها لا يقتل ولكنه يتكرر، فيكون أطول عذابًا، وأمر آلامًا، وإليك كلمات الشراح؛ قال ابن جني: لست ممن إذا تخوف عظيمة صبر على مذلة وهوان، فشبه الأفاعي بالعظيمة والعقارب بالذل، وقال الواحدي: جعل عض الأفاعي لكونه قاتلًا مثلًا للهلاك، وجعل لسع العقارب مثلًا للعار؛ لأنه لا يقتل، قال ابن فورجه تعليقًا على هذا: من بات فوق العقارب أدته بكثرة لسعها إلى الهلاك كما لو نهشته الأفعى، إنما يريد أن العار أيضًا يؤدي الإنسان ذا المجد إلى الهلاك؛ لتعيير الناس إياه، بل هو أشد؛ لأنه عذاب يتكرر والهلاك دفعة واحدة، فجعل الأفاعي مثلًا للهلاك والعقارب مثلًا للعار.
(٤١٠) الأدعياء: جمع دعي وهو المنتسب إلى غير أب، يريد بهم هنا جماعة يدعون نسب علي — رضى الله عنه — أرادوا به سوءًا، وأعدوا له جماعة من السودان ليقتلوه، وكفر عاقب قرية بالشام من أعمال حلب.
(٤١١) يقول: لو كانوا قد صدقوا في دعوى انتسابهم إلى المصطفى لجاز صدقهم في الوعيد أيضًا فحذرتهم، ولكنهم إذ كذبوا في نسبهم علمت أنهم لا يصدقون، فهل يكون قولهم فيَّ وحدي صادقًا؟
(٤١٢) يعرض بالذين توعدوه. يقول: لا عجب من قصدهم إليَّ بهذا الوعيد، فإني لا أزال أتعثر بالعجائب حتى لكأنها بذلك تتعجب من صبري وأناتي وعلو همتي، فهي تيممني وتنسل إليَّ من كل حدب.
(٤١٣) ذؤابة النعل: ما أصاب الأرض من المرسل على القدم لتحركه، ويروى بدل ذؤابتي ذوائبي، يصف نفسه بكثرة الأسفار يقول: إنني لم أدع موضعًا من الأرض إلا جولت فيه.
(٤١٤) الكور: الرحل، وطاهر هو طاهر بن الحسين العلوي الذي قال فيه المتنبي هذه القصيدة، وهذا البيت من أبدع ما قيل في حسن التخلص. يقول: كما أن مواهب الممدوح لم تدع مكانًا إلا أتته كذلك أنا لم أدع مكانًا إلا أتيته، فكأني امتطيت ظهور مواهبه.
(٤١٥) يقول: لم يبقَ أحد لم ترد مواهب الممدوح داره كما ترد الناس المشارب مع أن مواهبه شرب للناس فكان حقها — كما هي العادة — أن يردها الشاربون، ولكنها هي ترد الشاربين، فقوله يردن أي المواهب وهو من ورود الماء، والفناء: الساحة والمنزل، والضمير فيه للخلق والشرب المورد وحظ الوارد من الماء، وورود: مفعول مطلق ليردن مضاف إليه مفعوله، وعبارة الخطيب التبريزي: كأنهن قد وردن عليه ورود الناس المشارب؛ لينتفعوا بها، يعني أن هذه منفعة للخلق الذي ترد إليه كما ينفع الماء وارده، وقريب من معنى البيت قول القائل:
إِذَا سَأَلُوا شَكَرْتُهُمُ عَلَيْهِ
وَإِنْ سَكَتُوا سَأَلْتُهُمُ السُّؤَالَا
(٤١٦) الابتذال: مثل البذل، والرغائب: جمع رغيبة، وهي الشيء المرغوب فيه. يقول: إن شجاعته وسخاءه غريزتان موروثتان، والأعادي: يروى العوالي، وهي صدور الرماح.
(٤١٧) الشهاد: جمع شاهد، بمعنى حاضر. يقول: إنه غيب عن وطنه كل من ليس من ديدنه السفر؛ لأن سخاءه يدعوهم إليه، وردهم إلى الأوطان بعد أن غمرهم بنعمه وأغدق عليهم العطاء فاستغنوا عن السفر إلى غيره.
(٤١٨) الندى: مبتدأ، وأعز: خبر، وأصل البنان: أطراف الأصابع، والمراد بها هنا: الأكف، وقد روي بدل في بنانهم: في أكفهم، والممدوح من ولد السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله وزوج علي بن أبي طالب، ومن ثم قال: كذا الفاطميون. يقول: إن الجود لا يفارقهم حتى إن خطوط الرواجب قد يمكن أن تمحى منها، والجود لا يمحى من أكفهم، هذا وثمة فرق بين الفاطميين وبين العلويين؛ فالفاطميون هم أولاد فاطمة من ولدها الحسن والحسين، فكل فاطمي هو من ولد الحسن والحسين، وأما العلويون فهم من ولد علي يدخل فيهم الفاطميون وغيرهم كأولاد العباس بن علي وعمر بن علي ومحمد بن علي بن الحنفية، والرواجب: واحدتها راجبة، وهي مفاصل أصول الأصابع التي تلي الأنامل، وقيل: هي بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل: هي ظهور السلاميات، وقيل: هي ما بين البراجم من السلاميات، وقيل: هي مفاصل الأصابع ثم البراجم ثم الأشاجع التي تلى الكف، وقال ابن الأعرابي: الراجبة البقعة الملساء بين البراجم، والبراجم الشنجات في مفاصل الأصابع في كل أصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام.
(٤١٩) السلاهب: جمع سلهب، وهو الفرس الطويل. يقول: إنهم من الشجاعة والإقدام بحيث يعد سلاح أعدائهم في نظرهم كأنه غبار خيلهم لا يعبئُون به ولا يكترثون، بل يشقونه لا يرتدون عن أعدائهم. وخص السلاهب؛ لأنها أسرع، وغبارها أرق وألطف، وقال الواحدي: يجوز أن يكون السلاهب خيل الممدوحين، ويقال: فرس مسلهب أي ماضٍ، ولذا قال الجوهري: السلهب من الخيل الطويل على وجه الأرض، ومنه قول الأعرابي في صفة الفرس: وإذا عدا اسلهب، وإذا قيد اجلعب، وإذا انتصب اتلأب… اسلهب: امتد، واجلعب: انبسط ولم ينقبض، واتلأب: أقام صدره ورأسه.
(٤٢٠) الضمير في نواصيها: للسلاهب، وهي جمع ناصية، مقدم شعر الرأس، ومنه نواصي الناس أي أشرافهم. قالت أم قبيس الضبية:
وَمَشْهَدٍ قَدْ كَفَيْت الْغَائِبِينَ بِهِ
فِي مَجْمَعٍ مِنْ نَوَاصِي النَّاسِ مَشْهُودِ
وجئنها؛ أي جئن القسي؛ أي بلغت السلاهب القسي، والهوادي: الأعناق. ودوامي: حال، وأسكن الياء ضرورة. يقول: إنهم استقبلوا رماة أعدائهم بوجوه خيلهم فلم تنثن حتى وصلت إليهم، وقد رميت أعناقها دون أعطافها وأعجازها؛ لأنها صممت على الإقدام لا تنحرف يمنة ولا يسرة، ولهذا لم تصب سهام الأعداء إلا أعناقها، وسلمت سائر أعضائها، وفي سبيل هذا المعنى يقول بعضهم:
شَكَرَتْ جِيَادُكَ مِنْكَ بَرْدَ مَقِيلِهَا
فِي الْحَرِّ بَيْنَ بَرَاقِعٍ وَجِلَالِ
فَجَزَتْكَ صَبْرًا فِي الْوَغَى حَتَّى انْثَنَتْ
جَرْحَى الصُّدُورِ سَوَالِمَ الْأَكْفَالِ
(٤٢١) الشبائب: جمع شبيبة، وهو أيضًا جمع شبة: مثل ضرة وضرائر، أما الشابة فجمعها شواب. تقول: نسوة شبائب وشواب، قال الراجز:
عَجَائِزًا يَطْلُبْنَ شَيْئًا ذَاهِبَا
يَخْضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ شَيْبًا شَائِبَا
يَقُلْنَ كُنَّا مَرَّةً شَبَائِبَا
يقول: هم أحلى في القلوب من الحياة إذا أعيدت على صاحبها، وذكرهم أكثر على الألسنة من ذكر أيام الشباب.
(٤٢٢) يريد بعلي: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ لأن الممدوح علوي؛ والبواتر: السيوف القواطع: والفل: الثلم، والمضارب: جمع مضرب، حد السيف. يقول: أتيت من الفعال ما عززت به فعال أبيك، فكان ذلك منك بمنزلة النصر له، وقد سلمت أفعالك من العيوب فكانت كأنها سيوف قواطع لا فلول في مضاربها.
(٤٢٣) التهامي: يريد به سيدنا رسول الله. قال ابن جني: قد أكثر الناس القول في هذا البيت، وهو في الجملة شنيع الظاهر، وقد كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار منه بما لست أراه مقنعًا، ومع هذا فليست الآراء والاعتقادات في الدين مما يقدح في جودة الشعر ورداءته. يقول المتنبي: إن أبهر آيات النبي أنه أبوك، وكونه أباك هو أجدى مناقبكم معشر الفاطميين. أو هو إحدى مناقبكم الكثيرة — على رواية إحدى بدل أجدى — وروى بعضهم البيت هكذا:
وَأَكْبَرُ آيَاتِ التِّهَامِيِّ آيَةٌ
أبوك: يعني أن علي بن أبي طالب أبا الممدوح هو أكبر آيات سيدنا رسول الله، وهو حسن لو كانت الرواية صحيحة، وقال العروضي: هذا بيت حسن المعنى، مستقيم اللفظ، حتى لو قلت إنه أمدح بيت في الشعر لم أبعد عن الصواب، ولا ذنب له إذا جهل الناس غرضه واشتبه عليهم، ومعنى البيت: إن كفار قريش كانوا يقولون إن محمدًا صنبور — أي منفرد أبتر لا عقب له — فإذا مات استرحنا منه، فأنزل الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ أي الكثير، ولست بأبتر كما قالوا، أمَّا شانئك: فهو الأبتر، فقال المتنبي أنتم من معجزات النبي، وآية لتصديقه، وتحقيق قوله تعالى، وذلك أجدى ما لكم من مناقب، ثم قال: فإن قيل: الأنساب إنما تنعقد بالآباء والأبناء لا بالأمهات والبنات كما قال الشاعر:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا — وَبَنَاتُنَا
بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
(قيل إنه للفرزدق، وبنونا: خبر مقدم، وبنو أبنائنا: مبتدأ مؤخر؛ أي إن بني أبنائنا مثل بنينا.)
قلنا: هذا خلاف حكم القرآن العزيز، قال تعالى: وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى قوله: وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، ولا خلاف أن عيسى من غير أب، وأما قوله التهامي؛ فإن الله أنزل في التوراة على موسى: إني باعث نبيًّا من تهامة من ولد إسماعيل في آخر الزمان، وأمر موسى أمته أن يؤمنوا به إذا بعث ودل عليه بآيات آخر، فأنكر اليهود نبوته. فقال : أنا النبي التهامي الأمي الأبطحي، فلا أدري كيف نقموا على المتنبي لفظة افتخر النبي بها.
(٤٢٤) النسيب: ذو النسب الشريف، والمناصب: الأصول. يقول: إذا لم تكن نفس النسيب مشابهة لأصله في الكرم لم ينفعه الانتساب إلى أصل كريم. يعني: إن كرم الأصل لا ينفع مع لؤم النفس، وكثيرًا ما تعاور الشعراء هذا المعنى، قال:
وَمَا يَنْفَعُ الْأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ
إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ مِنْ بَاهِلَهْ
وقال أبو يعقوب الخريمي:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَحْمِ الْقَدِيمَ بِحَادِثٍ
مِنَ الْمَجْدِ لَمْ يَنْفَعْكَ مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ
وقال البحتري:
وَلَسْتُ أَعْتَدُّ لِلْفَتَى حَسَبًا
حَتَى يُرَى فِي فَعَالِهِ حَسَبُهْ
(٤٢٥) الأشباه: جمع شبه بمعنى شبيه، والبيت كالتتمة لما ذكره في البيت السابق. يقول: إن صحة النسب لا تتحقق إلا بمشابهة الفروع للأصول؛ فإذا ادعى قوم نسبًا وهم أشباه لقوم أباعد عن أهل ذلك النسب فليسوا لهم بأقارب، وكذلك القول في الأقارب، وهذا تعريض بالذين ذكرهم من الأدعياء، وإليك عبارة الواحدي: لم أجد في هذا البيت بيانًا شافيًا ولا تفسيرًا مقنعًا، وكل تفسير لا يساعده لفظ البيت لم يكن تفسيرًا للبيت، والذي يصح في تفسيره أنه يقول: الأشباه من الأباعد لا يقرب بعضهم من بعض؛ لأن الشبه لا يحصل القرب في النسب، والأشباه من الأقارب لا يبعد بعضهم من بعض؛ لأن الشبه يؤكد قرب النسب. هذا إذا جعلنا الأشباه الذين يشبه بعضهم بعضًا كقوله:
النَّاسُ مَا لَمْ يَرَوْكَ أَشْبَاه
فإن جعلنا الأشباه جمع الشبه من قولهم بينهم شبه؛ فمعنى البيت: لم يقرب شبه قوم أباعد أي لا يتقاربون في الشبه، ولا يشبه بعضهم بعضًا، ولا يبعد شبه قوم أقارب؛ يريد أنهم إذا تقاربوا في النسب تقاربوا في الشبه. أقول: وهذا لعمري من الواحدي غريب، وغريب أن يلف هذا اللف والمعنى منه قريب، وتحرير لفظ البيت: إن الذين يشبهون قومًا أباعد لا يكونون أقارب، والذين يشبهون قومًا أقارب لا يكونون أباعد.
(٤٢٦) النواصب: الخوارج الذين نصبوا العداء علي بن أبي طالب — رضي الله عنه — يقول: إذا لم يكن العلوي تقيًّا ورعًا كطاهر — وهو الممدوح — كان حجة لأعداء أبي تراب؛ لأنهم يستدلون بنقصه على نقص أبيه، وهذا من قوله — عليه السلام: الولد سر أبيه، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم، وقال بعضهم:
شَرِيفٌ أَصْلُهُ أَصْلٌ شَرِيفُ
وَلَكِنْ فِعْلُهُ غَيْرُ الْحَمِيدِ
كَأَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْه إِلَّا
لَتَنْعَطِفَ الْقُلُوبُ عَلَى يَزِيدِ
(٤٢٧) يقول: إن الناس تقول: إن الكواكب تؤثر في الخلق — يريد ما يذهب إليه المنجمون من السعد والنحس — ولكن الممدوح يؤثر في الكواكب، إذ يجعل المنحوس بحكم النجوم سعيدًا بما يفيض عليه من نعمته، وكذلك يجعل السعيد بحكم النجوم منحوسًا بما ينزله به من نقمته، فلا تستطيع الكواكب أن تحول دون ما يريد، وقال ابن فورجه: تأثيره في الكواكب إثارته الغبار حتى لا تظهر، وحتى يزول ضوء الشمس، وتظهر الكواكب بالنهار. هذا، ولك أن تجعل قوله تأثير الكواكب مبتدأ محذوف الخبر تقديره يقولون تأثير الكواكب حق أو كائن، ولك أن تجعل الخبر الجار والمجرور أي قوله في الورى.
(٤٢٨) الكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان، والذلول: المنقادة التي تذل لراكبها. يقول: إنه استوى على ظهر الدنيا فانقادت له انقياد الدابة الذلول لراكبها تسير به إلى كل غاية قصدها. هذا، ومن روى علا فعلًا ماضيًا نصب به كتد، ومن خفض كتد بعلى الجارة فهي متعلقة بمحذوف تقديره ركب على كتد.
(٤٢٩) يقول: خليق به أن يسبق الناس في سبيل المعالي، وهو لا يتكلف لذلك جهدًا، ويدرك ما لم يدركوه من غير ما طلب وسعي؛ يعني أنه بلغ ما بلغه بشرف نسبه، وما طبعه الله عليه من الفضل وعلو الهمة، وهذا ما لا يكتسب ويدرك بالسعي والاجتهاد. هذا، وقد قال الفراء: حق لك أن تفعل ذلك، وحق وإني لمحقوق أن أفعل كذا، فإذا قلت حق قلت لك، وإذا قلت حق قلت عليك، ومعنى قول من قال حق عليك أن تفعل وجب عليك.
(٤٣٠) العرانين: الأنوف، وعرانين: مفعول ثانٍ ليحذى، والمفعول الأول: نائب فاعل يحذى؛ الذي يعود على الممدوح. يقول: وجدير به أن تجعل عرانين الملوك أحذية له يطؤها بقدميه، ولو هو فعل ذلك لكانت في أجل المراتب؛ لأنها تتشرف بوطأته.
(٤٣١) يد: خبر مقدم، والجمع: مبتدأ مؤخر، واليد: النعمة، ومعنى البيت مأخوذ من قول أبي تمام:
إِذَا الْعِيسُ لَاقَتْ بِي أَبَا دُلَفٍ فَقَدْ
تَقَطَّعَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّوَائِبِ
(٤٣٢) هو ابن رسول الله؛ لأنه ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله، وابن وصيه؛ لأنه ابن سيدنا علي كرم الله وجهه، وسيدنا علي هو وصي سيدنا رسول الله، وقوله: وشبههما؛ أي وهو شبههما، وقوله: شبهت بعد التجارب: كلام مستأنف. يقول: شبهته بهما بعد تجربتي واختباري إياه، فليس تشبيهي عبثًا.
(٤٣٣) اسم أن محذوف هو ضمير الشأن، وما الأولى: نافية بمعنى ليس، والثانية: بمعنى الذي، والتقدير: يرى أنه ليس الذي ظهر من الإنسان لضارب بالسيف كالعنق ونحوه بأقتل له مما ظهر لطعن عائب. يقول: إنه يرى العيب أشد من القتل، وهذا من قول أبي تمام:
فَتًى لَا يَرَى أَنَّ الْفَرِيصَةَ مَقْتَلٌ
وَلَكِنْ يَرَى أَنَّ الْعُيُوبَ الْمَقَاتِلُ
(الفريصة: لحمة عند نغض الكتف في وسط الجنب عند منبض القلب، وهما فريصتان ترتعدان عند الفزع.)
وقال ابن جني: ما الأولى زائدة، والثانية بمعنى الذي، واسم أن مضمر فيها.
(٤٣٤) تعز: يروى تسل، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الفرقة من الجيش. يقول: تأسَّ أيها المال الذي أباده الممدوح، فلست وحدك المباد على يده، ولك الأسوة بأعدائه الذين أبادهم مثلك قتلًا وأسرًا.
(٤٣٥) يقول: لعلك أيهذا المال المباد شغلت فؤاد الممدوح يومًا ما عن السخاء بفتنتك، أو أطمعت الأعداء في محاربته رغبة فيك، فاستحققت عقوبته بسبب ذلك فأبادك. كأنه يلتمس للمال ذنبًا عند الممدوح حتى استوجب أن يفعل به فعله بالعدو.
(٤٣٦) الحديقة: الروضة قد أحدق بها حاجز، والمراد بها هنا: القصيدة، والحجى: العقل؛ جعل العقل ساقيًا لها؛ لأن المعاني التي فيها إنما تحسن بالعقل، فجعل العقل ساقيها كما تسقى السحائب، وقوله: سقي الرياض السحائب: أراد سقي السحائبِ الرياضَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهو من شواذ الاستعمال، وقد جاء كثيرًا في الشعر، كقول أبي حية النميري:
كَمَا خَطَّ الْكِتَابُ بِكَفِّ يَوْمًا
يَهُودِيٍّ يُقَارِبُ أَوْ يُزِيلُ
(يقول: إن رسم هذه الدار دقيق متناسب كخط الكتاب الذي كتبه ماهر حاذق في الكتابة، وخص اليهودي؛ لأنه من أهل الكتاب، وقيل: المراد التشبيه في عدم الانتظام، وقوله: يقارب؛ أي يدني الكتابة بعضها من بعض، ويزل: أي يباعد ما بينها، وكف: مضاف إلى يهودي، وفصل بينهما بيومًا، وهو الشاهد.)
وقول عمرةَ الخثعَميَّة ترثي ابنيها:
هُمَا أَخَوَا فِي الْحَرْبِ مَنْ لَا أَخَا لَهُ
إِذَا خَافَ يَوْمًا نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا
(من أبيات في باب الرثاء من حماسة أبي تمام. فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: في الحرب، يعنى أنهما كانا غوثًا لمن لا غوث له، ونبوة السيف: كلاله، والمراد هنا: الشدة.)
(٤٣٧) وقول جرير:
تَسْقِي امْتِيَاحًا نَدَى الْمِسْوَاكَ رِيقَتِهَا
كَمَا تَضَمَّنَ مَاءَ الْمُزْنَةِ الرَّصَفُ
(وقبله:
مَا اسْتَوْصَفَ النَّاسُ عَنْ شَيْءٍ يَرُوقُهُمُ
إِلَا أَرَى أُمَّ عَمْرٍو فَوْقَ مَا وَصَفُوا
كَأَنَّهَا مُزْنَةٌ غَرَّاءُ وَاضِحَةٌ
أَوْ دُرَّةٌ لَا يُوَارِي ضَوْءَهَا الصَّدَفُ
والامتياح: الاستياك، والندى: البلل، والمزنة: السحابة البيضاء، والرصف: جمع رصفة؛ حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، وماؤها أرق وأصفى من غيره، وامتياحًا: ظرف؛ أي وقت امتياح، أو حال أي ممتاحة، والمسواك: مفعول أول لتسقي، وندى: مفعول ثانٍ مضاف إلى ريقتها، وقد فصل بينهما بالمسواك.)
وقول الأعشى في كلمة يمدح بها سلامة ذا فائش:
أَنْجَبَ أَيَّامَ وَالِدَاهُ بِهِ
إِذْ نَجَلَاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلَا
(أنجب الرجل: ولد ولدًا نجيبًا، ونجلاه: ولداه، ووالده: فاعل أنجب، وأيام: ظرف لأنجب، وبه: متعلق بأنجب، وأيام: مضاف إلى إذ، وقد فصل بينهما بقوله: أيام، وبه.)
خير أبٍ: منادى، أو حال، وبها؛ أي بالحديقة المعني بها القصيدة، وكان من عاداتهم أن يحيوا بالزهور والرياحين؛ ويجوز أن يكون الضمير في بها: للأرض، وإن لم تذكر، قال الخطيب التبريزي: إذا كان الضمير للأرض كان أمدح، ويعني بخير ابن: الممدوح، وبخير أب: سيدنا رسول الله، وباشرف بيت: هاشم بن عبد مناف؛ إذ إن بيته أشرف ولد لؤي بن غالب.
(٤٣٨) من: استفهام، والجآذر: جمع جؤذر، وهو ولد البقرة الوحشية، تشبه بها النساء في حسن العيون، والأعاريب: جمع أعراب، وهم سكان الخيام والوبر، وقوله في زي: حال من الجآذر، والعامل فيها معنى الاستفهام، وحمر الحلى: حال بعد حال، والجلابيب: جمع جلباب — الملحفة تلبسها المرأة فوق ثيابها — قالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب ترثيه، وكان قد قتل:
تَمْشِي النُّسُورُ إِلَيْهِ وَهْيَ لَاهِيَةٌ
مَشْيَ الْعَذَارَى عَلَيْهِنَّ الْجَلَابِيبُ
(قوله وهي لاهية: يريد أن النسور آمنة منه لا تخافه؛ لكونه ميتًا، فهي تمشي إليه مشي العذارى.)
يقول: من هؤلاء النسوة، الشبيهات بالجآذر، وهنَّ في زي الأعاريب، ومتحليات بالذهب الأحمر، وممتطيات النياق الحمر، ومشتملات في الثياب الحمراء؛ يعني أنهن من نساء الملوك؛ لأن الحمرة لون ملابس الأشراف عندهم، والنياق الحمر أكرم النياق لدى العرب.
(٤٣٩) شكًّا: مفعول لأجله: يقول — مخاطبًا نفسه: إن كنت تسأل عنهن لشك بدا لك في معرفتهن، فمن الذي امتحنك بالسهر والعذاب؟ يعني أنهن دلهنك بحبهن حتى صرت مسهدًا معذبًا، فكيف لا تعرفهن؟ وإنما استفهم عنهن؛ لقوة شبههن بالجآذر حتى كأنهن جآذر لا نساء، وهذا من باب تجاهل العارف كما قال ذو الرمة:
أَيَا ظَبْيَةَ الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلَاجِلٍ
وَبَيْنَ النَّقَا أَأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ
(جلاجل: روي حلاحل — بالحاء المضمومة — وقال ابن بري: روت الرواة هذا البيت في كتاب سيبويه: جُلاجل — بضم الجيم لا غير.)
(٤٤٠) المراد بالبقر: النساء التي وصفها، يدعو لهن يقول: لا جزينني مقابل الضنا الذي حلَّ بي بعد فراقهن ضنى مثله كما يجزين دموعي دموعًا مثلها؛ يعني لا أورثهن الله السقام بعدي كما أورثني بعدهن، وإن كن قد بكين لفراقي كما بكيت لفراقهن. فقوله لا تجزني: دعاء مجزوم بالدعاء؛ لأنه بلفظ النهي، فحكمه في الجزم حكم النهي كقول مالك بن الريب من كلمة يرثي بها نفسه:
يَقُولُونَ لَا تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُونَنِي
وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلَّا مَكَانِيَا؟
(الاستفهام: في قوله: وأين … إلخ، بمعنى النفي، ولذا وقعت «إلا» بعده.) والباء في قوله: بضنى: للمقابلة، وبي: صفة لضنى؛ أي ضنى حال بي أو واقع بي، وبقر: فاعل تجزني؛ أي لا تجزني بقر بضنى حل بي ضنى يحل بهن، وبعدها؛ أي بعد فراقها، والهاء: راجعة إلى قوله بقر، وإن كانت متأخرة، وجاز ذلك لأنها فاعل والفاعل رتبته التقديم؛ فإذا أخر جاز تقديم الضمير العائد عليه؛ لأن النية به التقديم، وقوله: تجزي دموعي … إلخ صفة لبقر، وقوله مسكوبًا: بدل من دموعي؛ أي تجزي دموعي مسكوبًا منها بمسكوب من دموعها، وتعبيره ببقر ها هنا: غير لائق.
(٤٤١) سوائر؛ أي هن سوائر، والهوادج: مراكب النساء على الإبل. يقول: إنهن من قومهن في عز ومنعة، فمن تصدى لهن طعن أو ضرب، فسارت هوادجهن ما بين مطعون ومضروب.
(٤٤٢) الوخد: ضرب من سير الإبل، وهو سعة الخطو في المشي، والنجيع: الدم. يقول: ربما سارت بهن مطاياهن على دم مصبوب من الفرسان. يريد أنهن في منعة، دونهن طعان وضراب وقتال، فالبيت في معنى البيت السابق.
(٤٤٣) يصف جرأته في زيارة الحبائب بعد أن ذكر مَنَعَتهن يقول — مخاطبًا نفسه: كم قد زرتهن زيارة لم يشعر بها أحد كزيارة الذئب الغنم يقع فيها، ويذهب بما يذهب منها على غفلة من الراعي، وقوله: وقد رقدوا، جملة معترضة بين أدهى ومن زورة الذيب.
(٤٤٤) جمع في هذا البيت بين خمس مطابقات: الزيارة والانثناء، والسواد والبياض، والليل والصبح، والشفاعة والإغراء، ولي وبي، وأنثني؛ أي أعود، وأغراه به: ضراه به وحضه عليه. يقول: أزورهم والليل لي شفيع؛ لأنه يسترني عنهم، وأنصرف وكأن الصبح يغري بي، إذ يشهرني ويدلهم على مكاني، وهذا البيت — كما ترى — من معجزات المتنبي.
(٤٤٥) يقول: إن هؤلاء الأعراب قد وافقوا الوحش في سكنى البراري وخالفوها في أن لهم خيامًا، يهدمونها لدى الرحيل، وينصبونها لدى الإقامة، أما الوحش فلا خيام لها، يريد أنهم ممن يكسنون البادية، والمراتع: المسارح التي ترتع فيها الوحوش وتسرح، والتقويض: الهدم، والتطنيب: شد الخيام بالأطناب.
(٤٤٦) يقول: هم جيران الوحوش، بيد أنهم يسيئون جوارها؛ لأنهم يصيدونها ويذبحونها، وقوله وهم شر الجوار؛ أي وجوارهم شر الجوار، على حد قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ والأصاحيب: جمع أصحاب؛ جمع صحب اسم جمع لصاحب.
(٤٤٧) أخيذ؛ أي مأخوذ، والمحروب: الذي ذهب كل ماله. يقول: إن فيهم الجمال والشجاعة: فنساؤهم ينهبن القلوب، ورجالهم ينبهون الأموال. وقال التبريزي: يريد أنهم ملكوا قلوب الرجال — أي بالسخاء — وأموال الأعداء.
(٤٤٨) الرعابيب: جمع رعبوبة، وهي المرأة التارَّة السمينة، والضمير في به: للحضر، يقول: ليست الأوجه المستحسنات بالحضر كأوجه نساء البدو، يفضل نساء البدو على نساء الحضر، وبين السبب في البيت التالي.
(٤٤٩) الحضارة — بكسر الحاء، أو فتحها — الإقامة بالحضر، والبداوة: الإقامة في البدو، والتطرية: المعالجة. تقول: طرى الطبيب: خلطه بالأفاويه، وطرى الطعام: خلطه التوابل. يذكر السبب في تفضيل البدويات على الحضريات. يقول: إن حسن أهل الحضارة متكلف مجلوب بالحيلة والعلاج أما حسن البدويات فهو خلقة، لا يعرفن التكلف والحسن المجلوب بالاحتيال.
(٤٥٠) المعيز: اسم لجماعة المعز — كالكليب والعبيد — قال العكبري: المعيز: اسم للمعزى، وهو خلان الضأن، وهو اسم جنس، تقول: المعز والمعيز والأمعوز، وواحد المعز: ماعز: مثل صحب وصاحب، والأنثى ماعزة وهي العنز والجمع مواعز، والمعز بالفتح والمعز بسكون العين لغتان فصيحتان؛ قرأ أهل الكوفة ونافع بسكون العين، وقرأ الباقون بفتحها، وقال سيبويه: معزى منون مصروف؛ لأن الألف للإلحاق — لا للتأنيث — وهو ملحق بدرهم على فعلل؛ لأن الألف الملحقة تجري مجرى ما هو من نفس الكلمة، يدل على ذلك قولهم: مُعيز وأُريط — في تصغير معزى وأرطى — في قول من نون فكسروا ما بعد ياء التصغير كما قالوا دريهم، ولو كانت للتأنيث لم يقلبوا الألف ياء، كما لم يقلبوها في تصغير حبلى وأخرى، وقال الفراء: المعزى مؤنثة، وقال بعضهم: مذكرة، وحكى أبو عبيد أن العرب كلها تنون المعزى في النكرة، والآرام: الظباء الخالصة البياض، وقوله ناظرة: حال؛ أي في حال نظرهن وامتداد أعناقهن، أو في حال إقبالهن، وقال بعض الشراح: ناظرة: تمييز، وليست اسم فاعل، والتقدير من حسن الآرام عيونًا. شبه نساء الحضر بالمعيز، ونساء البدو بالآرام. يقول: أين تقع المعيز من الظباء في الحسن والطيب أكانت مقبلة أم معرضة؟ فالظباء تفضلها عيونًا وغير عيون.
(٤٥١) يريد بظباء الفلاة: البدويات نساء الأعاريب، ومضغ الكلام: ترك إبانته، كأن المتكلم يمضغ شيئًا، يقول: هن فصيحات مبينات، لا يمضغن كلامهن غنجًا وتخنثًا كنساء الحضر، ولا يصبغن حواجبهن طلبًا للزينة مثلهن، والحواجيب: جمع حاجبٍ أشبع الكسرة فتولد عنها ياء كما قال الفرزدق:
نَفْيَ الدَّنَانِيرِ تَنْقَادَ الصَّيَارِيفِ
(صدره:
تَنْفِي يَدَاهَا الْحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
يصف ناقة تسرع في الهواجر فيقول: إن يديها لشدة رفعهما الحصى تنفيانه فيقرع بعضه بعضًا، ويسمع له صليل كصليل الدنانير ينتقدها الصيرف فينفي رديئها عن جيدها، وخص الهاجرة؛ لتعذر السير فيها، والشاهد في الصياريف، وروي بدل الدنانير الدراهيم فيكون الشاهد في الصياريف والدراهيم.)
(٤٥٢) ماثلة: شاخصة، ويروى مائلة، والأولى أظهر، والعراقيب: جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ فوق عقب الرجل. يقول: وليست البدويات كالحضريات يجلبن حسنهن بأن يدخلن الحمام فيخرجن منه وقد شددن خصورهن فشخصت أوراكهن من تحتها، وصقلن عراقيبهن.
(٤٥٣) أصل التمويه: الطلي بماء الذهب أو الفضة، ثم استعمل بمعنى التدليس والتزوير، وقوله: من هوى، متعلق بقوله تركت. يقول: ومن أجل أني لا أحب إلا كل امرأة لا تموه جمالها تركت بياض شيبي دون خضاب؛ أي لم أموه شيبي كما لم يموهن حسنهن.
(٤٥٤) رغب عن الشيء: زهد فيه، والضمير في قوله: وعادته، يرجع إلى الصدق وهو عطف على هوى. يقول: ومن أجل أني أحب الصدق وقد تعودته لم أجعل شعر رأسي مكذوبًا؛ أي مسودًا بالخضاب، إذ هو غير لونه. فقوله: ومن هوى، متعلق برغبت، ويروى بدل قوله عن شعر في الرأس: عن شعر في الوجه.
(٤٥٥) يقول: إن حدثان الدهر ونوائبه أخذت مني الشباب، وأعطتني الحلم والتجاريب، فوددت لو أنها باعت ما أخذت مني بما أعطت؛ أي ردت علي الشباب واستردت الحلم. والحلم: العقل والأناة، وهذا من قول علي بن جبلة:
وَأَرَى اللَّيَالِي مَا طَوَتْ مِنْ قُوَّتِي
زَادَتْهُ فِي عَقْلِي وَفِي أَفْهَامِي
وقول ابن المعتز:
وَمَا يُنْتَقَصْ مِنْ شَبَابِ الرِّجَالِ
يُزَدْ فِي نُهَاهَا وَأَلْبَابِهَا
(٤٥٦) الحداثة: حداثة السن والشباب. يريد أنه كان حليمًا قبل تحليم الحوادث إياه. يقول: إن حداثة السن لا تحول دون الحلم، فالمرء قد يكون حليمًا في الشباب كما يكون حليمًا في المشيب، كما قال أبو تمام:
حَلَّمَتْنِي زَعَمْتُمُ وَأَرَانِي
قَبْلَ هَذَا التَّحْلِيمِ كُنْتُ حَلِيمَا
(٤٥٧) ترعرع الصبي: نشأ وشب، والأستاذ: لقب كافور، وهي كلمة فارسية، من معانيها: المعلم، والمدبر، والعالم. يريد المتنبي أن يؤكد بهذا البيت معنى البيت السابق، وفيه من البديع حسن التخلص. يقول: إن كافورًا نشأ على الاكتهال — أي حلم الكهول — قبل أن يكتهل سنا، وعلى الأدب قبل أن يؤدب؛ أي إنه ترعرع على ذلك طبعًا دون أن يفيده من كر الغداة ومر العشي، وهذا دليل على أن الحداثة ليست بمانعة من حلم.
(٤٥٨) قال صاحب اللسان: رجل مجرب كمضرس — بالفتح — جرب في الأمور وعرف ما عنده، كأن الأمور جربته وأحكمته، ومجرب — بالكسر — عرف الأمور وجربها. ثم قال: إلا أن العرب تكلمت به بالفتح. يقول المتنبي: نشأ كافور مجربًا قبل أن يجرب — لما جبل عليه من الفهم — مهذبًا قبل أن يهذب — بما طبع عليه من الكرم — ففهمًا وكرمًا: مفعول لهما.
(٤٥٩) التشبيب في الأصل: ذكر أيام الشباب: وهو يكون في ابتداء القصائد، ثم سمي ابتداء كل أمر تشبيبًا، وإن لم يكن فيه ذكر أيام الشباب، ويريد بنهاية الدنيا: الملك؛ لأنه لا شيء إلا والملك فوقه، يقول: إن كافورًا أصاب الغاية القصوى من دنياه وهو الملك، ومع ذلك لا تزال همته في بداية أمرها؛ أي إنه بعيد مرتقى الهمة.
(٤٦٠) يريد فسحة رقعة ملكه وترامي حدودها إلى هذه الأطراف، لا أنها داخلة في مملكته؛ لأن كافورًا لم يكن من ملكه عدن ولا العراق ولا أرض الروم — الأناضول — ولا النوب، إنما مملكته تحد بهذه البلاد؛ إذ كانت مصر والحجاز والشام فحسب.
(٤٦١) يقول: إنه لهيبته وعظمه في النفوس وغيرها إذا هبت الرياح الهوج في بلاده هبت مستوية رزينة مرتبة إعظامًا له وإجلالًا، والرياح مثل أراد به المبالغة في إعظام الناس إياه وتنكبهم التمرد عليه، حتى لو كانت الرياح تعقل لاستوت واطردت مهابة له، وعبارة الخطيب التبريزي: يعظم أمره وسياسته، ولم يرد الرياح بعينها، بل يريد أن الناس له هائبون، حتى الرياح إذا هبت هبت بترتيب واستواء هيبة له. فالضمير في أتتها: يعود على الملك بمعنى المملكة، والنكب: جمع نكباء، وهي الريح تهب في غير استواء.
(٤٦٢) هذا البيت في معنى الذي سبقه. يقول: ولا تغرب الشمس عن مملكته بعد أن تشرق إلا بإذنه، وكل هذا مبالغة.
(٤٦٣) طلس الكتاب: طمسه ومحاه، كطرسه. يقول: إن أمره ممتثل مطاع في بلاده حتى لو كتب مكتوبًا بأمر من الأمور وختم مكتوبه هذا بالطين — كما هي عادتهم إذ ذاك — ثم انمحى كل ما كتب ولم يبق إلا الخاتم امتثل أمره بمجرد رؤية الخاتم إعظامًا وإجلالًا، وخاتم: يقال بفتح التاء وكسرها، وفيه خاتام وخيتام.
(٤٦٤) يحط: ينزل ويضع، وحامله: فاعل يحط، والضمير في حامله: يعود إلى الخاتم، واليعبوب: الفرس السريع الجري. يقول: إن حامل خاتم كافور ينزل الفارس البطل الطويل الرمح من سرج الفرس السريع الجري؛ أي إن الفارس إذا رأى خاتم كافور سجد له إعظامًا فنزل عن فرسه، والمعنى أنه نافذ الأمر مطاع، وعبارة الواحدي: لم يعرف ابن جني هذا. فقال مرة: يقتل حامل خاتمه كل فارس فينزل له عن سرج فرسه، ومرة: يحط حامل كتابه أعداءه عن سروجهم، وليس البيت من القتل ولا من إنزال الأعداء في شيء، والمعنى: يريد نفاذ أمره واتساع قدرته، وقال ابن القطاع: الهاء يعود على كافور؛ أي إذا رآه الأبطال انحطوا.
(٤٦٥) يقول: إنه يسر ويبتهج إذا سمع سؤال سائل — يستجديه — ابتهاج يعقوب حين رأى قميص يوسف، وذلك لكرمه وجوده.
(٤٦٦) يقول: إنه لا يرد السائل أيًّا كان، فلو صمدت إليه أعداؤه سائلة مستجدية نالت مطلوبها، فكأنها غزته بجيش لا يغلب.
(٤٦٧) التقدمة: التقدم، والتجبيب: الهرب. قال صاحب اللسان: التجبيب: النفار، وجبب الرجل تجبيبًا إذا فر وعرد، وفي الحديث: المتمسك بطاعة الله إذا جبب الناس عنها كالكار بعد الفار؛ أي إذا ترك الناس الطاعات ورغبوا عنها. يقال جبب الرجل؛ إذا مضى مسرعًا فارًّا من الشيء. يقول: إذا قصده أعداؤه محاربين، لم ينجوا من إرادته فيهم فلا يفيدهم الإقدام؛ لأنهم لا يقدرون عليه، ولا الهرب؛ لأنه يدركهم لا محالة.
(٤٦٨) أضرت: من الضراوة، وهي الدربة والعادة، تقول: ضري فلان بكذا: لزمه واعتاده، وضراه، بكذا: ألهجه به، وفي الأثر: إن للحم ضراوة كضراوة الخمر؛ أي إن له عادة طلابة لأكله كعادة الخمر مع شاربها، ويريد بأقصى كتائبه الجبناء الذين لا يشهدون القتال، والحمام: الموت. يقول: إن شجاعته عودت الجبناء من رجاله لقاء الموت وجرأتهم عليه فليس الموت مرهوبًا عندهم.
(٤٦٩) الشؤبوب: الدفعة الشديدة من المطر، و«أل» في الشآبيب تقوم مقام الضمير؛ أي إلى غيوث يديه وشآبيهما. يعرض المتنبي — فيما يظهر — بسيف الدولة، يقول: يلومني الناس على هجري الغيث — يعني سيف الدولة — وهم واهمون في هذا اللوم؛ لأني تركت غيثًا إلى غيوث؛ أي إنني فارقت كريمًا إلى من هو أكرم … وقال ابن فورجه: أراد أن مصر لا تمطر فيقول: لامني الناس في هجري بلاد الغيث، فقلت: تعوضت عنها غيوث يديه، وهذا تعسف من ابن فورجه، بدليل البيت التالي.
(٤٧٠) يقول: إني هجرت إلى من يعطي العطاء الجزيل، ويهب الهبات الخطيرة، ولا يتبع هبته بالمن، وهذا تعريض بيِّن بسيف الدولة، والدولات: جمع دولة وهو ما يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لذلك، فتطلق على المال والغلبة، والمراد هنا: المال الجزل أو الولايات والممالك.
(٤٧١) راعه: خوفه وأفزعه، وبه: صلة مغدور، والموفور: الذي لم يصب في ماله ولم يؤخذ منه شيء، والمنكوب: ضده. يقول: إنه لا يغدر بأحد كي يروع به غيره، ولا ينكب أحدًا فيتحيفه أو يسلب ماله؛ ليفزع به الموفور الذي لم ينكب. يعني أنه حسن السيرة في رعيته، عادل لا يظلم أحدًا بحال.
(٤٧٢) يقول: لا يغدر بأحد «إلى آخر البيت السابق» وإنما يروع صاحب جيش بصاحب جيش آخر يصرعه على الأرض؛ أي ينكل بصاحب جيش؛ ليعتبر به صاحب جيش آخر، وهو — أي كافور — في جيش أسود الغبار قد علاه سواد الحديد، وبلى: حرف جواب تختص بالنفي وتفيد إبطاله، ويجدله أي يصرعته على الجدالة وهي الأرض، وجملة يجدله: صفة لذي جيش، وذا مثله: مفعول يروع ذا جيش، مثل جيشه، وقوله في أحم؛ أي في جيش أحم النقع؛ أي أسود الغبار؛ والغربيب: الشديد السواد، ومعنى جيش غربيب: أسود الحديد، وقال ابن جني: إذا رآه ملك وقد صنع بملك آخر ما صنع فإنه يخافه ويحذره.
(٤٧٣) يقول: إني وجدت ما في الخيل من عدو وجري أنفع الأشياء التي ادخرتها؛ لأنها حملتني إلى كافور، وأخرجتني من بين الغادرين بي كما بين ذلك في البيت التالي. فالسوابق الخيل، والتقريب ضرب من العدو.
(٤٧٤) : لما رأت الخيل حدثان الدهر ونوبه تغدر بي — يريد الناس — وفت لي بحملها إياي عن موطن الغدر إلى كافور، وكذلك وفت لي الرماح؛ لأني استظهرت بها على الوصول إلى مصر. فصم الأنابيب: الرماح، والصم: الصلاب، والأنابيب: جمع أنبوب، وهو ما بين العقدتين من الرمح وما شاكله.
(٤٧٥) يقول: إن خيلنا قطعت المفاوز وفاتتها حتى لو كان لها — أي للمفاوز — قائل لقال ماذا لقينا من هذه الخيل؛ إذ جابتنا بسرعة، وذللت الصعب منا، ونجت من غوائلنا، فالمراد بالمهالك: المفاوز، والجرد: القصيرة الشعر، وذلك يحمد في الخيل، والسراحيب: جمع سرحوب، وهو الفرس الطويل، وعبارة ابن جني: ضجت المفاوز من سرعة خيلي وقوتها، وقال ابن فورجه: إذا أطلقت المهالك لم يفهم منها المفاوز، وإنما تفهم الأمور المهلكة: يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامتها منها.
(٤٧٦) تهوي؛ أي تسرع، وقوله بمنجرد: يعني نفسه، والمنجرد: الجاد في الأمور الماضي فيها لا يرده شيء، وقوله ليست مذاهبه؛ أي ليست رحلاته للبس ثوب أو ليست أسفاره لهذا. يقول: إن هذه الخيل تسرع برجل جاد ليست أسفاره طلابًا لمثل كسوة أو طعام، وإنما طلبته المعالي. وهذا كقوله:
فَسِرْتُ إِلَيْكَ فِي طَلَبِ الْمَعَالِي
وَسَارَ سِوَايَ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ
وقديمًا تعاور الشعراء هذا المعنى، قال امرؤ القيس:
فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ
كَفَانِي — وَلَمْ أَطْلُبْ — قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ
وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
(ما — في قوله ما أسعى — مصدرية، ومجد مؤثل: قديم له أصل، والثائل اتخاذ أصل مال، وقيل المؤثل: المجموع، وقيل: المستمر المثبت.)
وقال حاتم الطائي:
لَحَا اللهُ صُعْلُوكًا مُنَاهُ وَهَمُّهُ
مِنَ الدَّهْرِ أَنْ يَلْقَى لَبُوسًا وَمَطْعَمَا
(لحاه الله: قبحه وأهلكه. من لحوت العود، إذا قشرته، والصعلوك: الفقير الذي لا مال له، وصعاليك العرب: ذؤبانها.)
وقال آخر:
وَلَيْسَ فَتَى الْفِتْيَانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدَى
لِشُرْبِ صَبُوحٍ أَوْ لِشُرْبِ غَبُوقِ
وَلَكِنْ فَتَى الْفِتْيَانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدَى
لِضَرِّ عَدُوٍّ أَوْ لِنَفْعِ صَدِيقِ
(٤٧٧) السلب: الشيء المسلوب. يريد أنه بعيد مرتقى الهمة. يقول: إنه لطموحه وبعد همته يطمع في إدراك النجوم، فهو ينظر إليها بعين من يحاول تناولها حتى لكأنها شيء قد سلب منه فلا يستريح أو يحصل عليه، شأن المسلوب لا تطيب نفسه أو يرجع إليه ما سلب منه.
(٤٧٨) يقول: حتى وصلت إلى ملك محجب — لأن الملوك محجبون لا يبتذلون أنفسهم للناس — بيد أنه وإن كان محجبًا فإن نواله دانٍ قريب لمن طلبه غير محجوب عنه، ويجوز أن يريد بالنفس همته، وأنها محتجبة عن الناس لا يبلغها كل أحد، بدليل قوله في البيت التالي: في جسم أروع، وما أبدع قول أبي تمام:
لَيْسَ الْحِجَابُ بِمُقْصٍ عَنْكَ لِي أَمَلًا
إِنَّ السَّمَاءَ تُرَجَّى حِينَ تَحْتَجِبُ
وقبله يقول مسلم:
كَذَلِكَ الْغَيْثُ يُرْجَى فِي تَحَجُّبِهِ
حَتَّى يُرَى مُسْفِرًا عَنْ وَابِلِ الْمَطَرِ
(٤٧٩) في جسم: صفة لنفس — في البيت السابق — أو حال منها، والأروع هنا: الشهم الذكي الفؤاد، وفي غير هذا الموضع الذي يروعك حسنه، والخلائق: الأخلاق. يقول: إذا نظر إلى أخلاق الناس، وما هي عليه من الخسة والدناءة، ضحك منها هزؤًا واستصغارًا؛ لأنه أسمى منهم نفسًا وعقلًا.
(٤٨٠) له؛ أي لكافور، ولها أي للخيل، والإدلاج: سير أول الليل، والتأويب: سير عامة النهار. يقول: إني أحمدك وأحمد خيلي ورماحي وإدلاجي وتأويبي إذ بلغتني إليك، كما ذكر في البيت التالي.
(٤٨١) الغاني: المستغني. يقول: أنت مشهور الاسم إذا ذكر اسمك عرفت به، فلم يحتج معه إلى وصف أو ذكر لقب، وهذا كما يروى، أن رؤبة بن العجاج أتى البكري النسابة فقال: من أنت؟ قال: أنا رؤبة بن العجاج، فقال: قصرت وعرفت، فقال رؤبة يفتخر بذلك:
وَقَدْ رفعَ الْعجَّاجُ بِاسْمِي فَادْعُنِي
بِاسْمِي إِذَا الْأَنْسَابُ طَالَتْ يَكْفِنِي
(٤٨٢) الضمير — في قوله به — يرجع إلى الحبيب، ولو أمكنه أن يرده إلى الخطاب لكان أحسن، وهذا أبلغ. يقول: إني أحبك وأنت حبيب إليَّ، وإني أعوذ بك من أن لا تحبني؛ لأن من نكد الدنيا أن تحب من لا يحبك كما قال القائل:
وَمِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ تُحِبـْ
ـبَ وَلَا يُحِبُّكَ مَنْ تُحِبُّهْ
(٤٨٣) قالوا: إن كافورًا كان تقدم إلى الحجاب وأصحاب الأخبار، فكانوا كل يوم يرجفون بأنه قد ولى أبا الطيب ناحية من الصعيد، وينفذ إليه قومًا يعرفونه بذلك، فلما كثر ذلك وعلم أن المتنبي لا يثق بكلام سمعه حمل إليه ستمائة دينار ذهبًا، فقال أبو الطيب هذه القصيدة يمدحه بها.
(٤٨٤) يقول: إن بيني وبين الشوق مغالبة لأجلك، والغلبة للشوق؛ إذ هو يغلب صبري، وإني أعجب من هذا الهجر لتراخيه وطوله، على أن الوصل لو وافقنا كان أعجب منه؛ لأن من شيم الأيام التفريق، وقال الواحدي: الأغلب: الغليظ الرقبة الذي لا يطاق ولا يغالب، فكأنه قال: إن الشوق صعب شديد ممتنع.
(٤٨٥) تنائي تفاعل، من النأي، وهو البعد، يقال نأى وأنأيته على أفعل، ولكنه نقله إلى فاعل، كما يقال أبعدته وباعدته، وروى الواحدي تنأى بالتشديد، يقول: إن الدهر مولع بتقريب من أبغضه وإبعاد من أحبه، أفلا يغلط مرة فيبعد البغيض ويدني الحبيب؟ وجعل ذلك غلطًا من الدهر؛ لأنه خلاف ما يأتي به الدهر، وأصل هذا المعنى من قول مضرس:
لَعَمْرُكَ إِنِّي بِالْخَلِيلِ الَّذِي لَهُ
عَلَيَّ دَلَالٌ وَاجِبٌ لَمُفَجَّعُ
وَإِنِّيَ بِالْمَوْلَى الَّذِي لَيْسَ نَافِعِي
وَلَا ضَائِرِي فُقْدَانُهُ لَمُمَتَّعُ
ويقول الطرماح:
يُفَرِّقُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتِمَاعَهُ
وَيَجْمَعُ مِنَّا الدَّهْرُ بَيْنَ الضَّغَائِنِ
ويقول الآخر:
عَجِبْتُ لِتَطْوِيحِ النَّوَى مَنْ أُحِبُّهُ
وَإِدْنَاءِ مَنْ لَا يُسْتَلَذُّ لَهُ قُرْبُ
وقال المحدث:
وَمَنْ أَهْوَاهُ يُبْغِضُنِي عِنَادًا
وَمَنْ أَشْنَاهُ شِصٌّ فِي لَهَاتِي
(٤٨٦) التئية: التلبث والتمكث، قال الشاعر:
قِفْ بِالدِّيَارِ وُقُوفَ زَائِرْ
وَتَأَيَّ إِنَّكَ غَيْرُ صَاغِرْ
وتئية: منصوبة على التمييز، وأراد ما أقله تئية، فحذف لضيق المقام، والحدالى: موضع بالشام، وغرب: جبل هناك معروف، والحدالى: مبتدأ، وشرقي: ظرف خبره، وأصله شرقيي — بثلاث ياءات — فحذفت الثانية من ياء النسبة للتخفيف. يتعجب من سرعة سيره، ويقول: ما كان أسرع سيري وأقل لبثه عشية كان هذان المكانان على جانبي الشرقي؛ يعني عند رحيله من حلب.
(٤٨٧) يريد بأحفى الناس به: سيف الدولة، وعشية: بدل من عشية في البيت السابق، وأحفى: أفعل تفضيل، من حفيَ به حفاوة: إذا بالغ في إكرامه وإلطافه. يقول: إن سيف الدولة كان أحفى الناس بي فجفوته وغادرته، وكانت أهدى طريقي هي التي أعود فيها إليه فعدلت عنها إلى مصر. قال ابن جني: كان يترك القصد ويتعسف خوفًا على نفسه.
(٤٨٨) المانوية: أصحاب ماني — القائل بالنور والظلمة، وأن الخير كله من النور والشر كله من الظلمة — يخاطب نفسه يقول: كم للظلمة من نعمة عندك تبين أن المانوية الذين ينسبون الشر إليها كاذبون، وليس الأمر على ما زعموا، وقد بين تلك النعمة في البيت التالي.
(٤٨٩) الردى: الهلاك، والسرى: السير ليلًا، يقول: إن ظلام الليل وقاك غائلة الأعداء وأنت تسير فيما بينهم ليلًا فلا يبصرونك، وزارك فيه المحبوب آمنًا لم يخشَ الرقيب إذ حجبه عن عيونه، وقال ابن فورجه: الطيف قد يزور نهارًا، فيكون كقول ابن المعتز:
لَا تَلْقَ إِلَّا بِلَيْلٍ مَنْ تُوَاصِلُهُ
فَالشَّمْسُ نَمَّامَةٌ وَاللَّيْلُ قَوَّادُ
هذا، وقد ذكر شر النور في البيت التالي.
(٤٩٠) يقول: ورب يوم طال على طول ليل العاشقين استترت فيه خوفًا من الأعداء أراقب غروب الشمس؛ لأخرج من الكمين، وآمن على نفسي. فالواو واو رب؛ وكمنته؛ أي كمنت فيه، وأيان بمعنى متى.
(٤٩١) يقول: إنه كان في مسيره يراعي أذني فرسه يحفظ نفسه بهما، وذلك أن الفرس إذا أحس شيئًا من بعيد نصب أذنيه حياله فيعلم الفارس أنه أبصر شيئًا. ثم وصف فرسه فقال: كأنه في سواده قطعة من الليل، وكأن الغرة في وجهه كوكب من كواكب الليل قد بقي بين عينيه، وهذا من قول أبي داود:
وَلَهَا جَبْهَةٌ تَلَأْلَأُ كَالشِّعـْ
ـرَى أَضَاءَتْ وَغُمَّ مِنْهَا النُّجُومُ
والغرة: البياض في جبهة الفرس، وباقٍ: حال من الليل، وسكن الياء ضرورة، ثم حذفها لالتقاء الساكنين، وقوله كوكب؛ أي كوكب — من كواكبه — أي كواكب الليل.
(٤٩٢) الإهاب: الجلد، والرحيب: الواسع. يقول: إن هذا الفرس رحيب الصدر رحيب الإهاب، ومن ثم كان واسع الخطو سريع الجري؛ إذ لو كان ضيق الصدر كان خطوه قصيرًا، وكذلك إذا كان ضيق الجلد ضاق عن مد يديه، ولهذا ترى الحمار يضيق إهابه عن مد يديه، وإذن ففي إهاب هذا الفرس فضلة عن جسمه تجيء وتذهب على صدره الرحيب.
(٤٩٣) يقول: شققت ظلام الليل بهذا الفرس فإذا أدنيت لجامه إليَّ بجذبه وثب وطغى مرحًا ونشاطًا، وإذا أرخيت لجامه لعب برأسه. فالمراد بطغيان الفرس: شدة النشاط والمرح، والعنان: سير اللجام.
(٤٩٤) قفيته: أتبعته، ومثله حال من الضمير في عنه، وحين أركب: حال من الضمير في مثله. يقول: إذا طردت به وحشًا لحقه فصرعته — قتلته — وإذا نزلت عنه بعد الصيد كان مثله حين أركبه فلم يدركه لغب، ولم ينقص من جريه ونشاطه شيء، مثل ما كان حين الركوب، كما قال ابن المعتز:
تَخَالُ آخِرَهُ فِي الشَّدِّ أَوَّلَهُ
وَفِيهَ عَدُوٌّ وَرَاءَ السَّبْقِ مَذْخُورُ
(٤٩٥) يقول: إن الخيل بمثابة الصديق قليلة لدى التجربة والامتحان كثيرة في عين من لم يجرب، فبالتجربة تعرف الكوادن من السوابق، كما أن الصديق يعرف بالتجربة ما عنده من صدق الود أو مذقه، وحاصل المعنى أن الجياد من الخيل قليلة، كما أن الصديق الذي يستحق الصداقة قليل.
(٤٩٦) الشيات: الألوان — جمع شية — يقول: إن مزايا الخيل فيما وراء ألوانها من جريها وعدوها وطباعها، فإذا لم تر منها إلا حسن ألوانها وأعضائها لم تر حسنها ومزاياها.
(٤٩٧) لحاه الله: دعاء عليه؛ أي قبحه ولعنه، وأصله من لحوت العود إذا قشرته، ومناخًا: نصب على التمييز. يذم الدنيا ويدعو عليها. يقول: بئس المنزل الدنيا، فإن من كان بعيد مرتقى الهمة كان أشد نصبًا فيها.
(٤٩٨) يقول: ليتني أعلم هل تخلو لي قصيدة من شكاية الدهر وعتابه بأن يبلغني المراد، وأنال منه ما أطلب، فأترك الشكاية؟
(٤٩٩) يذود: يدفع ويطرد، وأقله: فاعل يذود، وفلان قلب حول؛ بصير عارف ذو حيلة قلب الأمور. رووا أن معاوية بن أبي سفيان — رضي الله عنه — قال في مرضه الذي مات فيه لابنيه: إنكما لتبكيان حولا قلبا إن سلم من هول المطلع. يقول المتنبي: إن بي من هموم الدهر وما انصب عليَّ من حدثانه ونوبه ما أقله يمنع الشعر ويلهي الخاطر عنه، ولكن قلبي حسن التقليب للأمور؛ فلا يضيق بنوازل الدهر، ولا تخمد معها خطراته، وقوله يا ابنة القوم فإن العرب من عادتهم أن يخاطبوا النساء فسمت سمتهم، وإنما قال يا ابنة القوم إشارة إلى كثرة أهلها، وقال ابن جني: هو كناية عن قولهم يا ابنة الكرام.
(٥٠٠) يقول: إن خلائق كافور من الظهور والنباهة بحيث تنبئ عنه فما هو إلا أن تُملى علي فأكتب، ولا أحتاج إلى جلب معنى أو جلب منقبة فأمدحه شئت أو أبيت؛ إذ لم آتِ بشيء من عندي، وإنما هي أخلاقه تملى علي، وقد أخذ الصاحب بن عباد هذا المعنى فقال:
وَمَا هَذِهِ إِلَّا وَلِيدَةُ لَيْلَةٍ
يَغُورُ لَهَا شِعْرُ الْوَلِيدِ وَيَنْضبُ
عَلَى أَنَّهَا إِمْلَاءُ مَجْدِكَ لَيْسَ لِي
سِوَى أَنَّهُ يُمْلِي عَلَيَّ وَأَكْتُبُ
(٥٠١) يمم: قصد، يقول: إذا اغترب الإنسان وفارق أهله وصمد إلى كافور آنسه بعطاياه، وتفقده إياه حتى كأنه بين أهله لم يفارقهم، وفي هذا المعنى يقول الأول:
نَزَلْتُ عَلَى آلِ الْمُهَلَّبِ شَاتِيًا
غَرِيبًا عَنِ الْأَوْطَانِ فِي زَمَنِ الْمَحْلِ
فَمَا زَالَ بِي إِكْرَامُهُمْ وَافْتِقَادُهُمْ
وَإِلْطَافُهُمْ حَتَّى حَسِبْتُهُمُ أَهْلِي
ويقول أبو تمام:
هُمُ رَهْطُ مَنْ أَمْسَى بَعِيدًا رَهْطُهُ
وَبَنُو أَبِي رَجُلٍ بِغَيْرِ بَنِي أَبِ
(٥٠٢) يقول: إن أفعاله مفعمة عقلًا وحكمة ونوادر غريبة ترى ذلك له في حالَيْ رضاه وغضبه لا يخلو منها في حال، وكل من نظر إلى أفعاله استشف منها العقل والسداد وأصالة الرأي، والنادرة: الشيء النادر الغريب، ورواها ابن جني بادرة؛ أي بديهة.
(٥٠٣) يقول: إن سيفه يعمل بكفه لا بنفسه فإذا نظرت إلى مضاء سيفه وأثره في الوغى استبان لك أن سيفه إنما يستظهر بكفه على القطع، لا أن كفه يستظهر بالسيف؛ لأن القطع إنما يحصل بقوة الكف لا بجودة السيف الماضي في يد الضعيف لا يؤثر شيئًا، كما قال البحتري:
فَلَا تُغْلِيَنْ بِالسَّيْفِ كُلَّ غَلَائِهِ
لِيَمْضِي فَإِنَّ الْكَفَّ — لَا السَّيْفَ — يَقْطَعُ
(قوله فلا تغلين بالسيف: يقال غالى بالشيء وأغلى به إذا اشتراه بثمن غالٍ، وغالى به وغلاه: سامَ فأبْعَط وجاوز الحد.)
(٥٠٤) يقول: إن جوده أفضل من جود السحاب؛ لأن عطاياه إذا مكثت عندك لم تنضب؛ لأنه يعطي الجزيل الذي لا ينفد، أو لأنه يوالي هباته ويمدها بغيرها. أم ماء السحاب فهو إذا مكث في الأرض وأقام حينًا نضب وذهب في الأرض وجف مكانه، وقوله على اللبث؛ أي مع اللبث: حال من عطاياه؛ واللبث: المكث، ونضب الماء: ذهب في الأرض.
(٥٠٥) يعرض المتنبي بتقاضي ما يؤمل. يقول: إني أغني منذ حين؛ أي أطربك بمديحي، وأنت تشرب على غنائي؛ أي تلتذ سماع مديحي، ومع ذلك تحرمني الشراب، فهل في الكأس فضلة أشربها؟ أي هلا أعطيتني ما يتوقعه مثلي من مثلك؟ يعرض بطلب ولاية، كما صرح بذلك بعد.
(٥٠٦) يقول: إنك إذ تعطيني تعطيني على ما يليق بالزمان ويتفق وكرمه، وأنا إنما أطلب ما توجبه همتك ويقتضيه كرمك.
(٥٠٧) ناط به كذا: أسنده إليه، والضيعة: ما نسميه الآن «عزبة». يقول: إذا لم تقطعني ضيعة أو تفوض إليَّ ولاية فإن ما تكسوني إياه بجودك — أي ما يحدثه جودك من الآمال — تسلبني إياه باشتغالك عن تحقيق تلك الآمال.
(٥٠٨) يقول: أرى كل الناس في هذا العيد فرحين مبتهجين يضاحكون من يحبون أمامي؛ أما أنا فعلى العكس منهم، أبكي من أحب وأندبه — كما يندب الميت — لأنه بعيد عني. يقصد المتنبي أن يغري الأسود بإعطائه ما يطلب لقاء هذه الألاقي التي يلاقيها من جراء اغترابه.
(٥٠٩) العنقاء المغرب قيل: العقاب، وقيل: طائر ضخم ليس بالعقاب، وقيل: كلمة لا أصل لها: كالغول، وقال ابن الكلبي: كان لأهل الرس نبي يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له دمخ، مصعده في السماء ميل فكان ينتابه طائرة كأعظم ما يكون، لها عنق طويل، وكانت تقع منقضة، فكانت تنقض على الطير فتأكلها فجاعت وانقضت على صبي فذهبت به، فسميت عنقاء مغربًا؛ لأنها تغرب بكل ما أخذته ثم انقضت على جارية «وليدة» ترعرعت، وضمتها إلى جناحين لها صغيرين — سوى جناحيها الكبيرين — ثم طارت بها فشكوا ذلك إلى نبيهم. فدعا عليها. فسلط الله عليها آفة فهلكت. فضربتها العرب مثلًا في أشعارها: يقولون ألوت به العنقاء المغرب، وطارت به العنقاء؛ يريدون هلاكه أو ذهوبه إلى حيث لا يرجع. قال:
وَلَوْلَا سُلَيْمَانُ الْخَلِيفَةُ حَلَّقَتْ
بِهِ مِنْ يَدِ الْحَجَّاجِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ
ومغرب: من أغرب في البلاد؛ ذهب وأبعد. يذكر المتنبي تشوقه إلى أهله، وبعد ما بينه وبينهم. بحيث لا يرجو لقاءهم.
(٥١٠) يقول: إني أوثر لقاءك على لقائهم حين لا يتيسر لقاؤكما معًا؛ لأنك أحب إلي منهم.
(٥١١) أولاه جميلًا: صنعه إليه. يقول: إنما أحببتك وآثرتك على أهلي؛ لما أسديت إليَّ من الجميل، وطابت لي الإقامة بساحتك؛ لما ألقيت فيها من العز كما قال البحتري:
وَأَحَبُّ أَوْطَانِ الْبِلَادِ إِلَى الْفَتَى
أَرْضٌ يَنَالُ بِهَا كَرِيمَ الْمَطْلَبِ
ومعنى بيت المتنبي مبني على ما ذكره في عجز البيت السابق.
(٥١٢) والحديد المذرب؛ أي المحدد، ومنه لسان ذرب؛ أي حاد — يريد السيوف — يقول: إن الحساد يريدون بك السوء، فلا ينالون ما يبتغون؛ لأن الله يدفعه عنك، ثم الرماح والسيوف.
(٥١٣) يقول: ودون وصول الحساد إلى الذي يبتغون — من التياث الأمر عليك — أهوال أي أهوال من جراء بأسك وبطشك هي أمر عليهم من الموت، ولو هم تخلصوا منها إلى الموت؛ لبقيت أنت وشابت أطفالهم لشدة ما يقاسون، وقد روى الجماعة بدل إلى الموت: إلى الشيب. قال الواحدي؛ أي دون الذي يطلب الحساد — من زوال ملكك وفساد أمرك — الموت وهو قوله ما لو تخلصوا منه — أي الموت — أي إنهم يموتون قبل أن يروا فيك ما يطلبون، ولو لم يموتوا عشت أنت وشاب طفلهم؛ لشدة ما يرون، وصعوبة ما يلحقهم، وما يقاسون منك، وقال ابن جني: دون ما يريدون من السوء الموت الذي لو تخلصوا منه إلى الشيب؛ لشاب طفلهم، ولكنهم لا يتخلصون من الموت إلى الشيب بل يقتلهم.
(٥١٤) يقول: إذا طلبوا عطاياك أعطيتهم، وجعلت لهم الحكم فيما يطلبون فينالون كل ما يقترحون، أما إذا حاولوا أن يحصلوا على الفضل الذي آتاكه الله فإنهم لا يدركونه؛ لأنه لا يُنال بالاكتساب، وإنما ذلك شيء آثرك الله به، وعبارة ابن جني: إن راموا فضلك منعتهم منه. قال ابن فورجه — معقبًا على عبارة ابن الفتح: كيف يقدر الإنسان أن يمنع آخر من أن يكون في مثل فضله؟ وإنما الله القادر على ذلك، وقد أتى به المتنبي على ما لم يُسَمَّ فاعله فأحسن.
(٥١٥) يقول: لست تؤتي من بخل وشح، فلو كانت العلى توهب لوهبتها، ولكنها لا توهب، والأصل في هذا المعنى قول الأول:
وَإِنْ يَقْتَسِمْ مَالِي بَنِيَّ وَنِسْوَتِي
فَلَنْ يَقْسِمُوا خُلْقِي الْكَرِيمَ وَلَا فَضْلِي
ولله قول أبي تمام:
فَانْفَحْ لَنَا مِنْ طِيبِ خيمِكَ نَفْحَةً
إِنْ كَانَتِ الْأَخْلَاقُ مِمَّا يُوهَبُ
(الخيم: الخلق، وقيل: سعة الخلق، والخيم الأصل.)
(٥١٦) يقول: إن هؤلاء الحاسدين يتقلبون في نعمائك، فما كان ينبغي لهم أن يحسدوك؛ لأن أشد الظالمين ظلمًا من تقلب في نعمة إنسان ثم بات يحسده على تلك النعمة.
(٥١٧) ذو الملك: هو علي بن الأخشيد صاحب مصر الذي رباه كافور بعد أبيه. يقول: أنت الذي ربيته، وقمت عنه بحفظ ملكه، وهو طفل مرضع، فكنت له أبًا وكنت له أمًّا، فقوله: ربيت ذا الملك؛ أي صاحب هذا الملك، قالوا: ولو قال المتنبي وأنت الذي ربى لكن أحسن، ولكنه قال ربيت كما قال كثير:
وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ
إِلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ
(٥١٨) يقول: وكنت لذي الملك كالأسد لشبله تذود عنه وتحميه بسيفك الذي هو لك بمنزلة المخلب للأسد يحمي أشباله به، والعرين: الأجمة، والشبل: ولد الأسد، والهندواني: السيف الهندي، والمخلب للسباع وجوارح الطير بمنزلة الظفر للإنسان.
(٥١٩) يقول: ذدت عنه الرماح ولقيتها بنفسك دونه، حمية له وحفاظًا وكرمًا؛ لأنك من الشجاعة والإباء بحيث تهرب في الحرب من العار إلى الموت: أي تلقي بنفسك إلى التهلكة، وتعتام «تختار» ذلك على الهزيمة. فالقنا: الرماح، والهيجا: الحرب، تُمد وتقصر.
(٥٢٠) يقول: إن الموت قد يترك الشجاع المقدام الذي لا يهابه ولا يباليه، ويلقي بنفسه إلى التهلكة، وقد يدرك الجبان الهيابة الذي يهاب الموت ويخشاه. فالضمير في يترك: للموت، ويخترم؛ أي يهلك.
(٥٢١) يقول: وإن الذين يلاقونك في الحرب لم يعدموا بأسًا وشدة؛ أي هم شجعان أشداء، بيد أنك أشد منهم وأنجب، ومن ثم تبطش بهم، ومثل هذا لزفر بن الحارث:
سَقَيْنَاهُمُ كَأْسًا سَقَوْنَا بِمِثْلِهَا
وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْمَوْتِ أَصْبَرَا
(٥٢٢) البيض — بالكسر — السيوف، وبالفتح: جمع بيضة، وهي الخوذة من حديد، والبرق الخلب: الكاذب الذي لا مطر فيه، يقول: لقد هزمتهم وصرفتهم عنك وسيوفك تقرع خوذهم، فكان لكل من السيوف والخوذ برق في الآخر، غير أن برق السيوف في الخوذ صادق؛ لأنها تقطع الجماجم فتَسيل دماؤهم بعده، أما برق الخوذ في السيوف، فهو خلب كاذب؛ لأنها تبرق ولا تسيل الدم فليس لها أثر، وعبارة ابن جني: يريد أن لمع السيوف صادق؛ لأن السيف إذا ضرب به قطع وبلغ البيض، وبرق البيض — الخوذ — لا يصدق على السيوف؛ لأنه لا أثر للمع البيض في السيوف، فشبه بالبرق الخلب الذي لا مطر فيه، والأول تأثيره كالبرق الصادق الذي فيه المطر.
(٥٢٣) العود هنا: المنبر. قال ابن جني: يقول: لما رأى الناس ما صنعت سيوفك بأعدائك أذعنوا لك بالطاعة فدعوا لك على منابرهم رغبة ورهبة، وقال بعض الشراح: يريد أن سيوفك تعلم الخطباء الخطبة باسمك في الدعاء: يعني أنك أخذت البلاد بسيفك، فصار كل خطيب بلد يخطب باسمك؛ أي يدعو لك.
(٥٢٤) تناهى — بحذف إحدى التاءين — أي تتناهى. يقول: إنك في غنى عن الأنساب التي يذكرها النسابون لغيرك؛ لأن المكرمات تتناهى إليك وتعزى — إذ كنت أصلًا لها — إليك، وحسبك هذا شرفًا يغنيك محموده عن النسب، وليلحظ أن هذا شبه غمز في كافور قد يكون مقصودًا للمتنبي الداهية، وقد يكون غير مقصود، ومن هنا قال التبريزي: ليس هذا مما يمدح به، ولا سيما الملوك؛ لأنه أشبه بنفي النسب عنه. على أن هذا المعنى ينظر إلى قول ابن طاهر:
خَلَائِقُهُ لِلْمَكْرُمَاتِ مَنَاسِبُ
تَنَاهَى إِلَيْهَا كُلُّ مَجْدٍ مُؤَثَّلِ
وقوله عما ينسب الناس، فالناس: فاعل ينسب، والتقدير عما ينسبه الناس: أي عن النسب الذي ينسبه الناس.
(٥٢٥) يقول: ليس هناك من يستحق أن تنسب إليه؛ لأنك فوق كل أحد. قال التبريزي: هذا سخرية منه، وقد كان المتنبي يقول: لو قلبت مدحي فيه كان هجاء.
(٥٢٦) فأطرب: عطف على أرجو. يقول: ليس طربي عند رؤيتك بدعًا؛ لأني كنت أرجو أن أراك فأطرب على الرجاء. قال الواحدي: هذا البيت يشبه الاستهزاء به؛ لأنه يقول: طربت على رؤيتك كما يطرب الإنسان على رؤية القرد وكل ما يستملح ويضحك منه! قال ابن جني: لما قرأت على أبي الطيب هذا البيت قلت له ما زدت على أن جعلت الرجل أبا زنة — وهي كنية القرد — فضحك!
(٥٢٧) يقول: إن شعري وهمتي يلومانني على أن لم أقصدك قبل غيرك ولم أقصر مدحي عليك، فكأنني أذنبت بمدحي غيرك، فكنت أهلًا لأن ألام، وهذا المعنى من قول أبي تمام:
وَهَلْ كُنْتُ إِلَّا مُذْنِبًا يَوْمَ أَنْتَحِي
سِوَاكَ بِآمَالِي فَجِئْتُكَ تَائِبَا
وقال الواحدي: المصراع الأول هجاء صريح لولا الثاني. قال الخطيب التبريزي: ليس في البيت هجاء، ومعناه: أن همته عذلته كيف قنع بغيره؛ والقوافي لم صرفها في مدح غيره؟ وشهد له بذلك بقية البيت. أقول: إن الخطيب لم يقل شيئًا، وما لاحظه الواحدي صحيح.
(٥٢٨) يقول: ولكنه طال طريقي إليك، فجبت كثيرًا من البلدان حتى وصلت إليك، وكنت في غضون ذلك أطالب بقول الشعر ومدح الناس، فكان شعري لذلك كأنه ينهب نهبًا. يعتذر المتنبي إلى كافور عن مدح غيره.
(٥٢٩) يقول: فشرق كلامي حتى بلغ أقصى الشرق حيث لا مشرق وراء ذلك، وكذلك غرب حتى بلغ أقصى الغرب، وهذا من قول أبي تمام:
فَغَرَّبْتُ حَتَّى لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ مَشْرِق
وَشَرَّقْتُ حَتَّى قَدْ نَسِيتُ الْمَغَارِبَا
(٥٣٠) مطنب؛ أي مشدود الأطناب. يقول: إذا قلت شعرًا لم يمتنع من وصوله إلى ما وراءه حائط قائم مرتفع ولا خيمة مشدودة بالأطناب. يريد أن شعره قد عم الأرض حتى شمل الحضر سكان المدر، والبدو سكان الوبر، وهذا كقوله:
قَوَافٍ إِذَا سِرْنَ مِنْ مِقْوَلِي
وَثَبْنَ الْجِبَالَ وَخُضْنَ الْبِحَارَا
(٥٣١) لك أن تقول أن البياض خضاب مُؤَوَّلة بمصدر مبتدأ مؤخر، ومنى: خبر مقدم، وكن لي: وصف لمنى، والمنى: جمع منية، والقرون: ضفائر الشعر، قال قيس:
وَهَلْ مَالَتْ عَلَيْكَ قُرُونُ لَيْلَى
كَمَيلِ الْأُقْحُوَانَةِ فِي نَدَاهَا
يقول: إن مشيبي هذا وكون البياض خضابًا لي يخفى به سواد شعري منى كانت لي قديمًا؛ يعني أنه كان يتمنى الشيب من قديم ليخفي شبابه بابيضاض شعره؛ لأنه أوقر وأجل في العين، وجمع المنى نظرًا إلى أن ذلك قد تكرر منه مرة بعد أخرى، فصارت كل مرة منية، وسمى البياض بالشيب خضابًا؛ لإخفاء السواد به، كما أن السواد الذي يخفي البياض يسمى خضابًا.
«هذا»، ولا علينا في أن نورد هنا تحقيقًا نحويًّا للعلامة العكبري لمناسبة إعراب:
مُنًى كُنَّ لِي أَنَّ الْبَيَاضَ خِضَابُ
قال العكبري: منى نكرة وهي مبتدأ، وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها بجملة تتضمن اسمًا معرفة، كقولك: امرأة خاطبتني، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف إلى معرفة كقولك: رجل خلفك، وإنما منع الابتداء بالنكرة؛ لأن النفس تتنبه بالمعرفة على طلب الفائدة، وإذا كان المخبر عنه مجهولًا كان الخبر حقيقًا باطراح الإصغاء إلى خبره؛ لأنه لا يعرف من أخبر عنه، وشرط الكلام إذا كان المبتدأ نكرة أن يتضمن الخبر اسمًا معرفًا أو أن يتقدم الخبر، كقولك: لزيد مال؛ لأن الغرض في كل خبر أن يتطرق إليه بالمعرفة ويصدر الكلام بها، وهذا موجود ها هنا؛ لأنك وضعت زيدًا مجرورًا لتخبر عنه بأن له مالًا قد استقر، فقولك: لزيد مال في تقدير زيد ذو مال، فالمبتدأ الذي هو مال هو الخبر في الحقيقة، ولزيد هو المبتدأ في المعنى، وقوله كن لي مفيد؛ لأن في ضمن الخبر ضمير المتكلم، وهو أعرف المعارف، ولو قال منى كن لرجل لم يحصل بذلك فائدة؛ لخلوه من اسم معروف، وقوله إن البياض يحتمل الرفع والنصب؛ فالرفع على إضمار ابتداء كأنه قال إحداهن أن البياض؛ لأنه قد أخبر أن ذلك أيام شبيبته بقوله ليالي عند البيض، وأما النصب فعلى إضمار تمنيت لدلالة مُنًى عليه كما أضمر تتبع في قوله تعالى: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وإذا قيل: إن التمني مما لم يثبت كالرجاء والطمع فلا يقع على أن الثقيلة؛ لأنها للتحقيق، فهي أشبه باليقين، وإنما يقع التمني وما شاكله على أن الخفيفة؛ لأنها تخلص الفعل للاستقبال، فهي أشبه بالطمع والرجاء والتمني من حيث تعلقت هذه المعاني بما يتوقع، ومنه قول لبيد:
تَمَنَّى ابْنَتَايَ أَنْ يَعِيشَ أَبُوهُمَا
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ
(من أبيات للبيد قالها قرب وفاته وبعده:
فَقُومَا فَقُولَا بِالَّذِي تَعْلَمَانِهِ
وَلَا تَخْمِشَا وَجْهًا وَلَا تَحْلِقَا شَعَرْ
وَقُولَا هُوَ الْمَرْءُ الَّذِي لَا صَدِيقَهُ
أَضَاعَ وَلَا خَانَ عَهْدًا وَلَا غَدَرْ
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ)
قيل: لا يمتنع وقوع التمني على أن الثقيلة، كما لم يمتنع وقوع وددت عليها ووددت وتمنيت بمعنى واحد، وفي التنزيل: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ الآية، ويجوز أن يكون مُنى: منصوبة نصب الظروف، والجملة التي هي كن وأن واسمها وخبرها نعت لها، فتتعلق أن بما قبلها كأنه قال في منى كن لي أي في جملة منى، كما قالوا: أحقًّا أنك ذاهب وأكبر ظني أنك مقيم، يريدون في حق وفي أكبر، وإذا أردت معنى الظرفية في منى فلك في أن مذهبان؛ فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيين رفع أن بالظرف، وكل اسم حدث يتقدمه ظرف يرتفع عند سيبويه بالظرف ارتفاع الفاعل، وقد مثل ذلك بقوله غدا الرحيل وأحقًّا أنك ذاهب، قال: حملوه على أفي حق أنك ذاهب، وإذا كان هذا مذهب سيبويه ومن معه فالمنية تقارب الظن، فيحسن أن تقول أكبر مناي أنك ذاهب، فتنصب أكبر بتقدير في، وأنشد:
أَحَقًّا بَنِي أَبْنَاءِ سَلْمَى بْنِ جَنْدَلٍ
تَهَدُّدُكُمْ إِيَّايَ وَسْطَ الْمَجَالِسِ
(هذا البيت للأسود بن يعفر شاعر جاهلي، وهو من أبيات راجِعها وراجع سببها في الأغاني وفي خزانة الأدب في شواهد المبتدأ والخبر، وبني: منادي مضاف لما بعده، وتجد في الخزانة تحقيقًا وافيًا لهذا الموضوع الذي تعرض له الإمام العكبري فراجعه إن شئت.)
والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع أسماء الحدث بالابتداء، ويخبر عنه بالظرف المتقدم حكاه عند سيبويه قال: وزعم الخليل أن التهدد هنا بمنزلة الرحيل في غدٍ، وأن أن بمنزلته وموضعها كموضعه.
(٥٣٢) البيض: النساء، والفودان: جانبا الرأس، والعاب: هو العيب. يقول: إن تمني المشيب كان في الليالي التي كان شعر رأسه فيها لدى النساء فتنة؛ لحسن شعره وسواده، وكن يفخرن بوصلي؛ بيد أن ذلك الفخر عيب عندي، لأني ممن يعف عن النساء، ويرغب عن وصالهن.
وَالشَّيْبُ أَوْقَرُ وَالشَّبِيبَةُ أَنْزَقُ
وقوله ليالي: منصوب بفعل مضمر دل عليه منى كأنه قال تمنيت ذلك ليالي فوادي عند النساء فتنة، وليالي: مضاف إلى الجملة بعده، وقد فصل بالظرف وهو قبيح.
(٥٣٣) يقول: فكيف أذم المشيب اليوم، وقد كنت أتمناه وأشتهيه؟ وكيف أدعو لنفسي وأطلب لها ما إذا أجبت إليه شكوته؛ يعني لا ينبغي أن أشكو الشيب انتهاء وقد دعوته ابتداء، وقد سمت في هذا سمت ابن الرومي في قوله:
هِيَ الْأَعْيُنُ النُّجْلُ الَّتِي كُنْتَ تَشْتَكِي
مَوَاقِعَهَا فِي الْقَلْبِ وَالرَّأْسُ أَسْوَدُ
فَمَا لَكَ تَأْسَى الْآنَ لَمَّا رَأَيْتَهَا
وَقَدْ جَعَلَتْ مَرْمًى سِوَاكَ تَعَمَّدُ
(٥٣٤) جلا: زال وانكشف، من قولهم جلا القوم عن منازلهم: إذا ارتحلوا، وانجاب: انكشف، والضباب: ما يصعد من الأرض إلى السماء، مثل الدخان، الواحد ضبابة، ويقال أضب يومنا؛ أي صعد فيه الضباب. يقول: إن بياض الشيب كان كأنه كامن في السواد، فلما زال السواد عنه بدا وانكشف، فاهتدى صاحبه إلى كل طريق من الرشد والخير، كالنهار إذا جلا عنه الضباب اهتدى السالك في ضوئه.
(٥٣٥) لما ذكر أنه كان يتمنى الشيب — والشيب فيه الضعف والعجز — ذكر أن همته لا تشيب، ولا ينال منها الضعف بشيب جسمه، ولو أن الشعرات البيض في وجهه كانت حرابًا، والهاء في قوله منه: للجسم.
(٥٣٦) يقول: إن كل ظفري ولم يبقَ في فمي ناب من الكبر، فهمتي لا يكل ظفرها ولا يذهب نابها، قال العكبري: قوله أعده في موضع جزم، جواب الشرط، واختار سيبويه في المضاعف الرفع في موضع الجزم.
(٥٣٧) غيرها: استثناء، والكعاب: الجارية يبدو ثديها للنهود. يقول: إن نفسي شابة أبدًا لا يغيرها الدهر، وإن تغير جسمي.
(٥٣٨) يقول: إذا خفيت النجوم بالسحاب فلم يهتدِ للطريق اهتدى بي أصحابي، وكنت لهم كالنجم الذي يهتدى به، يريد أنه خريت خبير بالفلوات، والصحبة: اسم جمع بمعنى الأصحاب، ويروى تهتدي صحبتي به.
(٥٣٩) يستفزني: يستخفني ويحركني. يقول: إني غير مولع بالأوطان، وجميع البلاد عندي سواء، فإذا غادرت وطنًا لم يستخفني حب الرجوع إليه.
(٥٤٠) الذملان: ضرب من السير، والعيس: الإبل، وقوله: إن سامحت به، كلام مستأنف، وجواب الشرط محذوف للعلم به تقديره: سرت عليها، والأكوار: جمع كور، وهو الرحل، والعقاب: الطائر المعروف. يقول: وأنا غني كذلك عن سير الإبل، فإن سمحت به سرت عليها، وإلا فإنني كالعقاب؛ أجوب الفيافي دون أن أحتاج إلى ما يحملني.
(٥٤١) اليعملات: النياق النجيبة المعتملة المطبوعة على العمل، ولعاب الشمس: ما يراه المسافر من أشعة الظهيرة كأنه خيوط تتدلى فوق رأسه. يقول: وأعطش في الفيافي الحارة التي يشتد فيها حر الشمس، ويسيل لعابها فوق الإبل، فلا أبدي حاجتي إلى الماء تصبرًا وتجلدًا وحزمًا، وهذا من قول أبي تمام:
جَدِيرٌ أَنْ يَكُرَّ الطَّرْفُ شَزْرًا
إِلَى بَعْضِ الْمَوَارِدِ وَهْوَ صَادِي
(٥٤٢) النديم: الذي ينادمك ويجالسك على الشراب. يقول: إنه كتوم للأسرار يضع السر حيث لا يطلع عليه النديم، ولا يصل إليه الشراب مع تغلغله في البدن كما قال مسكين الدارمي:
يَظَلُّونَ شَتَّى فِي الْبِلَادِ وَسِرُّهُمْ
إِلَى صَخْرَةٍ أَعْيُنُ الرِّجَالِ انْصِدَاعُهَا
وقد نظر المتنبي في هذا البيت إلى قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ فِي فُؤَادِي
وَبَادِيهِ مَعَ الْخَافِي يَسِيرُ
تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ
وَلَا حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ
(٥٤٣) الخود من النساء: الشابة الناعمة، وتجاب: تقطع. يقول: إنما أصحب المرأة قدرًا يسيرًا، ثم أسافر عنها، فيكون بيني وبينها فلاة أقطعها إلى غير لقائها. أو تقول: ثم أبتعد عنها، وأمعن في الابتعاد.
(٥٤٤) الغرة: الغرور. يقول: إن عشق النساء غرور بهن، وطمع في وصلهن إذا وقعا في قلب العاشق عرض نفسه للعشق فيصاب به، ويروى فتصاب — بضمير النفس — فيكون المعنى: إن دواعي العشق تقع أولًا في القلب، ثم تنقاد النفس لهوى القلب؛ لأنه يستهويها ويغلبها على رشدها.
(٥٤٥) الغواني: الحسان، والرمية: الطريدة التي ترمى. يقول: إن قلبي لا تصيبه النساء بسهام ألحاظهن إذ لا أصبو إليهن، وإنما أنا عزهاة عزوف النفس عنهن، وكذلك لا أحب الخمر ومعاقرتها فبناني ليست مطايا للزجاج؛ أي لا أحمل كأس الخمر بيدي، ويروى للرخاخ — جمع رخ — فيكون المعنى: ولست ممن يلعب الشطرنج. قال ابن فورجه: يرد على هذه الرواية: البنان ركاب القدح، وأما الرخ فالبنان راكبة له في حال حمله، وأيضًا فإنه كلمة أعجمية لم تستعملها العرب القدماء ولا الفصحاء، والتنزه عن شرب الخمر أليق بالتنزه عن الغزل من اللعب بالشطرنج.
(٥٤٦) اللعاب: الملاعبة ومنه حديث جابر: «ما لك وللعذارى ولعابها؟» والتلعاب — بالفتح — اللعب، صيغة تدل على تكثير المصدر، ويقال رجل تلعابة — بكسر التاء — وتلعاب وتلعابة: كثير اللعب. يقول: تركنا شهواتنا للرماح؛ أي لا لذة لنا إلا فيها، يريد أنه فطم نفسه عن الملاهي، وقصرها على الجد في طعان الأعداء.
(٥٤٧) نصرفه؛ أي القنا، والحوادر: الخيل الغلاظ السمان، وتروى خوادر — بالخاء المعجمة — أي كأنها أصابها الخدر؛ لما لحقها من التعب والجراحات، ورويت حواذر — بالحاء المهملة والذال المعجمة — يعني: خليلًا تحذر الطعن؛ لأنها معودة، ومن ثم تميل عنه، والكعاب: العقد بين أنابيب الرمح. يقول — على رواية حوادر: نصرف الرماح، وننقلها من حال إلى حال فوق خيل غلاظ سمان قد ألفت الطعن، وانكسرت فيها كعاب من القنا؛ وهذا من قول الجاهلي:
وَكُنْتُ إِذَا مَا الْخَيْلُ شَمَّسَهَا الْقَنَا
لَبِيقًا بِتَصْرِيفِ الْقَنَاةِ بَنَانِيَا
هذا، ورواية حواذر هي رواية ابن جني، وقد نقدها بعض الشراح بقوله: كيف يصفها بالحذر وقد وصفها بانكسار الرماح فيها؟ وقد دافع بعضهم عن هذه الرواية بقوله: يجوز على رواية ابن جني هذه أن يكون حواذر أي تميل عن الطعن وتحذره بكثرة ما قد طوعن عليها، فقد عرفت كيف تحيد عن الطعن، وقوله انقصفت فيهن من الطعن كعاب، يجوز أن يكون في أول ما طوعن عليها وهي في غرة من الطعن، فلما كثر الطعان عليها وألفته صارت تحذره وتبطله بميلها عنه، ويجوز أن يكون المراد تحذر الطعن وتحيد عنه، ومن كثرة الفرسان الذين يقاتلونها يصيبها من الطعن قليل وتسلم لحذرها من طعن كثير.
(٥٤٨) الدنى: جمع دنيا، والسابح: الفرس السريع الجري، يقول: إن سرج الفرس هو أعز مكان؛ لأنه يمتطى لطلب المعالي أو محاربة الأعداء لدفع شرهم، أو للهرب من الضيم واحتمال الذل، وأن الكتاب هو خير جليس؛ لأنه مأمون الجانب فلا أذى ولا شر، ولا يحتاج في مجالسته إلى مؤنة فضلًا أنه يفاد من آدابه وكل ما يحتويه، ولله قول القائل:
مَا تَطَعَّمْتُ لَذَّةَ الْعَيْشِ حَتَّى
صِرْتُ فِي وَحْدَتِي لِكُتْبِي جَلِيسَا
(٥٤٩) بحر: خبر مقدم، وأبو المسك: مبتدأ مؤخر، والخضم: صفة له، والخضم: الكثير الماء، وزخر البحر: طمى وامتد، والعباب: كثرة الموج وارتفاعه، يقول: وأبو المسك الخضم بحر يربو على كل بحر جودًا وعطاء، وهذا كقول الشاعر:
دَعَانِي إِلَى عُمَرٍ جُودُهُ
وَقَوْلُ الْعَشِيرَةِ بَحْرٌ خِضَمْ
وروي: وبحر أبي المسك، على أن بحر: مبتدأ مضاف إلى أبي المسك، والخضم خبره؛ أي إن بحر المسك هو البحر الخضم، وروى ابن جني وبحر — بالجر — عطفًا على جليس؛ أي وخير بحر أبو المسك.
(٥٥٠) يقول: هو فوق كل مدح يثنى عليه به، فإذا بالغت في حسن الثناء عليه استحق قدره فوق ذلك، فيصير ذلك الثناء الحسن كأنه عيب؛ لقصوره عن استحقاقه، وهذا كقول البحتري:
جَلَّ عَنْ مَذْهَبِ الْمَدِيحِ فَقَدْ كَا
دَ يَكُونُ الْمَدِيحُ فِيهِ هِجَاءَ
وقال ابن جني: هذا من المدح الذي كاد أن ينقلب — لإفراطه — هجوًا، وهذا ضد قول أبي نواس:
وَكُلُّهُمُ أَثْنَوْا وَلَمْ يَعْلَمُوا
عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عَابُوا
(٥٥١) عنوا: خضعوا وذلوا، قال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ من العنوة وهي القهر. يقول: وحاول الأعداء غلابه، ثم عجزوا عن غلبته فخضعوا له وانقادوا كالرقاب إذا غالبت السيوف آضت مغلوبة.
(٥٥٢) بذلة: تمييز؛ اسم من الابتذال، وهو أن يترك المرء صيانة نفسه، يقول: وأكثر ما تلقاه مبتذلًا نفسه لم يحصنها بالدرع حين لا يصون الأبدان شيء من الثياب إلا الحديد؛ أي إبان اشتداد الوغى وتكاثر الجيش عليه، يعني أنه لشجاعته وإقدامه لا يتوقى الحرب بالدرع والحديد. فالحديد مستثنى مقدم من الثياب، وهذا كما قال الأعشى:
وَإِذَا تَكُونُ كَتِيبَةٌ مَلْمُومَةٌ
شَهْبَاءُ يَخْشَى الذَّائِدُونَ نِهَالَهَا
كُنْتَ الْمُقَدَّمَ غَيْرَ لَابِسِ جُنَّةٍ
بِالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلِمًا أَبْطَالَهَا
(كتبية ملمومة: مجتمعة، وشهباء لما فيها من بياض السلاح والحديد، ونهالها: عطاشها، والجُنَّة: ما واراك من السلاح، وأبطالها مفعول تضرب، ومعلمًا: حال، ورجل معلم إذا علم مكانه في الحرب بعلامة أعلمها، وسيأتي شرح البيتين.)
هذا، وقد ذهب ابن جني إلى غير ما أوردناه قال: إذا لبست الأبطال الثياب فوق الحديد خشية واستظهارًا، فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلًا للطعن فجعل الثياب كما ترى تصون الحديد. قال العروضي يرد عليه: أظن أبا الفتح يقول قبل أن يتدبر، وإنما المتنبي جعل الصون للحديد لا للثياب. يريد إذا لم يصن الثياب إلا الحديد يعني الدروع، وإنما يريد النفي؛ لأنه المستثنى، وأنشد بيت الكميت:
وَمَا لِي إِلَّا آلَ أَحْمَدَ شِيعَةً
وَمَا لِي إِلَّا مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ
ومعنى البيت: أكثر ما يلقى هذا الممدوح في الحرب باذلًا نفسه لم يحصنها بدرع كما تفعل الأبطال، وذلك لشجاعته وإقدامه، ومن ثم لا يتوقى الحرب بالدرع … وهذا الذي قاله العروضي هو الذي قلناه.
(٥٥٣) يقول: وأوسع ما يكون صدرًا إذا حمي الوطيس، وأحاط به العدو من كل جانب، وكان خلفه الرماء والطعن، وأمامه الضراب. فقوله وأوسع: مبتدأ؛ وقوله وخلفه رماء: جملة حالية قامت مقام خبر أوسع، والرماء: الرمي، والضراب: الضرب، ولكنهما تدلان على المفاعلة، والأمام: منصوب على الظرفية، وقال ابن جني: المعنى: أوسع ما يكون صدرًا إذا تقدم في أول الكتبية يضرب بالسيف وأصحابه من ورائه بين طاعن ورامٍ. فجعل ابن جني الرماة من أصحاب الممدوح، وليس في هذا مدح؛ لأن كل أحد إذا كان خلفه من يرمي ويطعن من أصحابه فصدره واسع وقلبه مطمئن، وإنما أراد — كما قلنا — خلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه. يعني: إذا كان في مأزق متضايق في الحرب، وقد أحاط به العدو من كل جانب لم يضق صدره، وإنما تراه أوسع ما يكون صدرًا.
(٥٥٤) يقول: إذا أراد أمرًا لا يرضى به سائر الملوك فذلك الأمر أنفذ أحكامه؛ لأنهم لا يقدرون على خلافه، وقد استقادوا له؛ أي أعطوه مقادتهم. فمهما أبرم أمرًا نفذ وإن غاضبهم فيه.
(٥٥٥) النائل: العطاء. يقول: لو لم يطعه الناس رغبة في عطائه ولا رهبة لعقابه لأطاعوه محبة وإجلالًا؛ لما اختصه الله به من الفضل.
(٥٥٦) يقول: أنت أسد قوة وبطشًا، وهمتك همة الأسود، والأسد موصوف بعلو الهمة، فهو لا يأكل من فريسة غيره كما قال الشاعر:
وَكَانُوا كَأَنْفِ اللَّيْثِ لَا شَمَّ مَرْغَمًا
وَلَا نَالَ قَطُّ الصَّيْدَ حَتَّى يُعَفِّرَا
(أي إنه لا يطعم إلا مما صاده بنفسه.)
وقد قال أبو تمام:
إِنَّ الْأُسُودَ أُسُودَ الْغَابِ هِمَّتُهَا
يَوْمَ الْكَرِيهَةِ فِي الْمَسْلُوبِ لَا السَّلَبِ
ثم قال المتنبي — وأراد ما عداه من الملوك: وكم من أسد دنيء النفس ساقط الهمة؛ أي كم من ملك يشبه الأسد في قوة بطشه، ولكن روحه روح كلب. هذا، وللعلامة العكبري هنا كلمة في المنادى أوردها لمناسبة إعرابه «أيا أسدًا» رأينا أن نوردها؛ لنفاستها، ولأنا أخذنا على أنفسنا أن لا نغفل شيئًا مما أورده جميع الشراح. قال العكبري: أيا أسدًا: هو نداء منكر ينتصب بفعل مضمر، ولو رفع ونون لكان أجود؛ لأنه خصصه، والنكرات إذا خصصت كان حكمها في النداء كحكم المفرد العلم، قال الله تعالى يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ فلما خصصها بالنداء كان حكمها حكم العلم المفرد، والطير من رفعه جعله عطفًا على الجبال، ومن نصبه — وهو المشهور — فله ثلاثة أوجه؛ الأول: أن يكون عطفًا على موضع الجبال لأنها في موضع نصب. الثاني: أن تكون الواو بمعنى مع. الثالث: أن يكون مفعولًا عطفًا على ما قبله وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا، واختلف البصريون وأصحابنا الكوفيون في المنادى؛ فقال البصريون: هو مبني على الضم وموضعه النصب، لأنه مفعول، وقال أصحابنا: بل هو معرب مرفوع بغير تنوين، وحجتنا أنا وجدناه لا يصحبه ناصب ولا رافع ولا خافض، ووجدناه مفعولًا في المعنى، ولم نخفضه لئلا يشتبه بالمضاف إلى ياء المتكلم، ولم ننصبه لئلا يشبه ما لا ينصرف فرفعناه بغير تنوين؛ ليكون بينه وبين ما هو مرفوع برافع صحيح فرق، وأما المضاف فنصبناه؛ لأنا وجدنا أكثر الكلام منصوبًا، فحملناه على وجه من النصب؛ لأنه أكثر استعمالًا من غيره، وحجة البصريين على أنه ليس بمعرب بل هو مبني — وإن كان يجب في الأصل أن يكون معربًا — أنه أشبه كاف الخطاب، وهي مبنية فكذلك ما أشبهها من هذه الأوجه، فوجب أن يكون مبنيًّا، ووجه آخر: وهو أنه وقع موقع اسم الخطاب؛ لأن الأصل في قولك: يا زيد، يا إياك، ويا أنت؛ لأن المنادى لما كان مخاطبًا كان ينبغي أن يستغنى عن ذكر اسمه ويؤتى باسم المخاطب، فيقال: يا إياك، ويا أنت، فلما وقع الاسم المنادى موقع الخطاب، وجب أن يكون مبنيًّا؛ كما أن اسم الخطاب مبني. قالوا: وبنيناه على الضم لوجهين؛ أحدهما: أنه لا يخلو إما أن يبنى على الفتح أو على الكسر أو الضم، بطل أن يبنى على الفتح؛ لأنه كان يلتبس بما لا ينصرف، وبطل أن يبنى على الكسر؛ لأنه كان يلتبس بالمضاف إلى النفس، وإذا بطل أن يبنى على الفتح والكسر وجب أن يبنى على الضم، والوجه الآخر: أنه يبنى على الضم فرقًا بينه وبين المضاف إليه؛ لأنه إن كان مضافًا إلى النفس كان مكسورًا، وإن كان مضافًا إلى غيرها كان منصوبًا، فبني على الضم؛ لئلا يلتبس بالمضاف، وقلنا إنه مفعول؛ لأنه في موضع نصب لأن تقدير يا زيد أدعو زيدًا، وأنادي زيدًا، فلما قامت «يا» مقام أدعو؛ عملت عمله، فدلت على أنها قامت مقامه من وجهين؛ أحدهما: أنها تدخلها الإمالة نحو يا زيده، والإمالة لا تدخل الحروف، وإنما تدخل الاسم والفعل، والثاني: أن لام الجر تعلق بها نحو يا لزيد ويا لعمرو، فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر، فلو لم تكن قد قامت مقام الفعل: لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف.
(٥٥٧) يقول: إن الدهر يخشاك ويهابك ولا يجترئ على أن ينقصك حقك، ومن ثم تأخذ منه كل حقوقك. يعني: لا تجحفك الأيام شيئًا لمنعتك.
(٥٥٨) يلطه: يجحده ويمطل به، ومنه قول يحيى بن يعمر في رواية: أنشأت تلطها: أي تمنعها حقها من المهر، ويروى تطلها، وأصله لططت حقه إذا جودته، وربما قالوا تلطيت حقه؛ لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث طاءات فأبدلوا من الأخيرة ياء كما قالوا من اللعاع تلعيت (اللعاع: هو الهندباء؛ بقل معروف يؤكل، وتلعى اللعاع: أكله) ويقال: ألطَّه على أي أعانه أو حمله على أن يَلِطَّ حقِّي. يقال: ما لك تعينه على لططه، وأعتبه: أزال عتبه أي أرضاه. يقول: لنا عند الدهر حق يجحده ويماطل في قضائه، وقد طال عتابنا له، فلم يزل عتبنا؛ أي لم يرضنا بقضاء الحق.
(٥٥٩) الشيمة: العادة والخلق، وتنعمر: مطاوع عمرت المكان: إذا صيرته عامرًا آهلًا، واليباب: الخالي ليس به أحد. يقول: إن الأيام قد تغيرت شيمتها لديك؛ إذ إنها ترضي المعاتب وتسالم أهل الفضل، فلا يلحقهم منها سوء؛ لنزولهم في كفك وجوارك، وهذا خلاف عادتها من اضطهاد ذوي الفضل، والأوقات تصير عامرة لهم؛ بأن يدركوا مطلوبهم مع أنها عند غيرك خراب لا تسعف؛ يعني إن أظفرتني الأيام بمطلوبي لديك فلا عجب فإنها تحدث شيمة غير شيمتها مهابة لك وإجلالًا.
(٥٦٠) القراب: قراب السيف وهو غمده. يقول: إنما الملك في الحقيقة والواقع هو أنت، لا ذلك السؤدد الذي أنت فيه والذي نلته بعلو همتك وسداد رأيك، فهو بالقياس إليك نافلة وفضلة، وكأنه قراب وأنت فيه السيف، والمزية كلها للسيف لا للقراب، ويروى بدل قوله كأنك سيف: كأنك نصل.
(٥٦١) قرت عينه: بردت، وهو كناية عن السرور، وضمير كان: يعود إلى القرب، ويشاب: يمزج ويخلط، يقول: إن عيني قريرة بقربك، وأنا مبتهج بذلك؛ لأني بلغت ما كنت أود من لقائك، وإن كان هذا القرب مشوبًا بالبعاد؛ لأني لم أنل منك ما كنت أرجوه من الصنيعة إليَّ، وهل ينفعني أن لا حجاب بيننا وما أرجيه منك محجوب عني؟ وهذا كلام بديع يغزو المتنبي به — وبما بعده — الإشارة إلى ما يتوقعه من كافور من الحصول على ولاية من الولايات.
(٥٦٢) قرت عينه: بردت، وهو كناية عن السرور، وضمير كان: يعود إلى القرب، ويشاب: يمزج ويخلط، يقول: إن عيني قريرة بقربك، وأنا مبتهج بذلك؛ لأني بلغت ما كنت أود من لقائك، وإن كان هذا القرب مشوبًا بالبعاد؛ لأني لم أنل منك ما كنت أرجوه من الصنيعة إليَّ، وهل ينفعني أن لا حجاب بيننا وما أرجيه منك محجوب عني؟ وهذا كلام بديع يغزو المتنبي به — وبما بعده — الإشارة إلى ما يتوقعه من كافور من الحصول على ولاية من الولايات.
(٥٦٣) حب: مفعول له، كأنه قال: لحب ما خف عنكم. يقول: لإيثاري التخفيف عنكم أقلل التسليم عليكم، وأسكت عن الكلام كي لا أحوجكم إلى الإجابة. هذا، ولك أن تنصب يكون: على إعمال كي، وتكون ما: زائدة، وأن ترفعها على أنها لا تعمل، وتكون ما: مصدرية.
(٥٦٤) يقول: إن في نفسي حاجات لا ينبعث بها لساني وأنت من الفطانة بحيث تدركها دون أن أذكرها، فسكوتي عنها يقوم مقام الإفصاح عنها، وهذا كما يقول أمية بن أبي الصلت:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
حِبَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحِبَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
(الحباء: ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به، أو هو العطاء بلا منٍّ ولا جزاء، ويروى: حياؤك إن شيمتك الحياء.)
ويقول أبو تمام:
وَإِذَا الْجُودُ كَانَ عَوْنِي عَلَى الْمَرْ
ءِ تَقَاضَيْتُهُ بِتَرْكِ الْتَقَاضِي
ويقول أبو بكر الخوارزمي:
وَإِذَا طَلَبْت إِلَى كَرِيمٍ حَاجَةً
فَلِقَاؤُهُ يَكْفِيكَ وَالتَّسْلِيمُ
فَإِذَا رَآكَ مُسَلِّمًا عَرَفَ الَّذِي
حَمَّلْتَهُ وَكَأَنَّهُ مَلْزُومُ
(٥٦٥) يريد أن يستدرك على نفسه، يقول: أنا لا أطلب ما طلبته منك رشوة على حبي إياك؛ لأن الحب الذي يطلب عليه ثواب ضعيف. فقوله ضعيف: خبر مقدم، وهوى: مبتدأ مؤخر، ثم ذكر السبب في البيت التالي. هذا، والرشوة؛ بضم الراء، وفتحها، وكسرها، والجمع رُشًى، ورِشًى. قال سيبويه: من العرب من يقول: رُشوة ورُشًى ومنهم من يقول: رِشوة ورِشًى، والأصل: رُشًى، وأكثر العرب يقول: رِشى، ورَشاه يرشوه رَشوًا: أعطاه الرَّشوة، وارتشى منه رَشوة: إذا أخذها. قال المبرد: الرشوة مأخوذة من رشا الفرخ إذا مد رأسه إلى أمه لتزقه، وقال ابن الأثير عند ذكره الحديث: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»: الرَّشوة، والرُّشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء؛ فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا.
(٥٦٦) يقول: وإنما أردت بطلب ما طلبت أن أعرف اللائي يلمنني على قصدي إليك أني كنت مصيبًا في هواك، وأنك تفضل عليَّ وتبلغني ما أرجيه منك.
(٥٦٧) يقول: وأردت أن أعلم الذين خالفوني وصمدوا إلى غيرك من الملوك أني قد ظفرت بقصدي إليك، وأنهم أخفقوا بعدولهم عنك إلى سواك، وهذا كقول البحتري:
وَأَشْهَدُ أَنِّي فِي اخْتِيَارِكَ دُونَهُمْ
مُؤَدًّى إِلَى حَظِّي وَمُتَّبِعٌ رُشْدِي
والتشريق والتغريب في البيت تمثيل أراد به تحقيق المخالفة، ولعله أراد به الحقيقة.
(٥٦٨) يقول: إن الخلاف جارٍ في كل شيء إلا في أنك واحد منماز عن الأشكال؛ وفي أنك أسد، والملوك بالقياس إليك ذئاب، وهذا ينظر إلى قول أبي تمام:
لَوْ أَنَّ إِجْمَاعَنَا فِي فَضْلِ سُؤْدَدِهِ
فِي الدِّينِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْأُمَّةِ اثْنَانِ
ويقول البحتري:
وَأَرَى النَّاسَ مُجْمِعِينَ عَلَى فَضـْ
ـلِكَ مِنْ بَيْنِ سَيِّدٍ وَمَسُودِ
فالخلف: بمعنى الاختلاف، وأنك واحد: بدل اشتمال من الكاف في قوله فيك.
(٥٦٩) يقول: إذا صحَّف القارئ لدى هذه المقايسة لفظ الذئاب — المذكورة في البيت السابق — فقال: وإنك ليث والملوك ذباب؛ لم يخطئ ولم يَعْدُ الصواب في هذا التصحيف؛ لأن من عداك من الملوك كذلك.
(٥٧٠) الكذاب: الكذب، يقال: كذب يكذب كذبًا وكذبًا وكذابًا وكذابًا. قال الشاعر:
فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا
وَالْمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهْ
وأنشدوا:
نَادَتْ حَلِيمَةُ بِالْوَدَاعِ وَآذَنَتْ
أَهْلَ الصَّفَاءِ وَوَدَّعَتْ بِكِذَابِ
ورجل كاذب وكذاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكُذَبة مثال هُمَزَة، وكذبان وكيذبان وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبذبان وكذبذب وكذبذب. قال الشاعر:
فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّنِي قَدْ بِعْتُكُمْ
بِوِصَالِ غَانِيَةٍ فَقُلْ كُذُّبْذُبِ
(الرواية قد بعته — يعني جمله — وقبله:
قَدْ طَالَ إِيضَاعِي الْمخدمِ لَا أَرَى
فِي النَّاسِ مِثْلِي فِي مَعَدٍّ يَخْطبُ
حَتَّى تَأَوَّبَتِ الْبُيُوتُ عَشِيَّةً
فَحَطَطْتُ عَنْهُ كوره يَتَثَأَّبُ
فإذا سمعت بأنني قد بعته … إلخ.)
والكذب: جمع كاذب، مثل راكع وركع. قال أبو داود الرؤاسي:
مَتَى يَقُلْ تَنْفَعُ الْأَقْوَامَ قَوْلَتُهُ
إِذَا اضْمَحَلَّ حَدِيثُ الْكُذَّبِ الْوَلَعَهْ
أَلَيْسَ أَقْرَبَهُمْ خَيْرًا وَأَبْعَدَهُمْ
شَرًّا وَأَسْمَحَهُمْ كَفًّا لِمَنْ مُنِعَهْ
لَا يَحْسُدِ النَّاسَ فَضْلَ اللهِ عِنْدَهُمُ
إِذَا تَشُوهُ نُفُوسُ الْحُسَّدِ الْجَشِعَهْ
الولعة: جمع والع وهو الكاذب.» يقول: إن الناس يمدحون بالحق وبالباطل؛» لأن بعضه يكون كذبًا، أما أنت فمدحك الحق الصراح لا كذب فيه، وهذا كقول أبي تمام:
لَمَّا كَرُمْتَ نَطَقْتُ فِيكَ بِمَنْطِقٍ
حَقٍّ فَلَمْ آثَمْ وَلَمْ أَتَحَوَّبِ
وَلَوِ امْتَدَحْتُ سِوَاكَ كُنْتَ مَتَى يَضِقْ
عَنِّي لَهُ صِدْقُ الْمَقَالَةِ أَكْذِبِ
(فلان يتحوب من كذا؛ أي يترك الحوب، وهو الإثم، كيتأثم؛ أي يترك الإثم.)
(٥٧١) يقول: لولاك لكان كل بلد بلدي وكل أهل أهلي؛ أي لولاك لم أقم بمصر، وكنت لا أزال مهاجرًا في الأرض أنتقل من بلد إلى بلد، ومن ناس إلى ناس؛ لأن جميع البلاد وجميع الناس لديَّ سواء.
(٥٧٢) يقول: ولكنك جميع الدنيا الحبيبة إليَّ والتي انصبت عليها آمالي، فإن حاولت الذهاب عنك كان ذلك ذهابًا إليك، وكذلك الدنيا: من أراد السفر عنها سافر إليها، إذ ليس من سبيل إلى الخروج عنها. فقوله حبيبة: حال من الدنيا، وإليَّ: متعلق بحبيبة، وقوله فما عنك؛ أي فما لي ذهاب عنك إلا إليك، وأورد العكبري حبيبة — بالرفع — وقال إنها مبتدأ، وإليَّ: خبر، وقال ابن جني: التقدير هي إليَّ حبيبة. يريد أن حبيبة خبر مبتدأ محذوف، وقال: إن المعنى يريد أنك السلطان، والسلطان هو الدنيا، يعني أنت جميع الدنيا، فإن ذهبت عنك عدت إليك، فإن الحي لا بد له من الدنيا، وهذا قريب مما قلناه.
(٥٧٣) الجرذ: ضرب من الفأر، والمستغير: الذي يطلب الغارة على ما في البيوت وغيرها.
(٥٧٤) تلاه صرعاه، يقال تله يتله تلا فهو متلول، وتليل: صرعه، قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه كما تقول كبه لوجهه. يقول: رماه هذان الرجلان اللذان أحدهما من بني كنانة والآخر من بين عامر، وصرعاه لوجهه، كما تفعل العرب بالقتيل.
(٥٧٥) اتلا: تولى وباشر، وغل: خان من الغلول؛ الخيانة في المغانم، والسلب: ما يسلب من ثياب القتيل وسلاحه وما إليهما، وحره: جيده. يقول: لقد اشتركتما في قتله فأيكما انفرد بجيد سلبه وخانه في ذلك، وهذا كله من باب التهكم والسخرية، ولمناسبة كلا وكلتا نقول: ذهب الكوفيون إلى أن كلا وكلتا فيهما تثنية لفظية ومعنوية فأصل «كلا» كل، فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية، وزيدت التاء في كلتا للتأنيث، والألف فيهما كالألف في قولك الزيدان، وحذفت نون التثنية منهما للزومهما الإضافة، وذهب البصريون إلى أن فيهما إفرادًا لفظيًّا وتثنية معنوية والألف فيهما كألف رحا وعصا، وحجة الكوفيين النقل والقياس؛ فالنقل قول الشاعر:
فِي كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى زَائِدَهْ
كِلْتَاهُمَا قَدْ قُرِنَتْ بِوَاحِدَهْ
(قيل: إن هذا البيت من رجز يصف به نعامة، فضمير رجليها يرجع إلى النعامة، والسلامى: عظم في فرسن البعير وعظامه صغار طول أصبع أو أقل في اليد والرجل، والجمع سلاميات، والفرسن للبعير بمنزلة الحافر للفرس، والضمير في كلتاهما: للرجلين، والمصراع الثاني: تأكيد للأول، وقوله قرنت بواحدة؛ أي من السلاميات.)
فإفراده كلت يدل على أن كلتا تثنية. والقياس أنها تنقلب إلى الياء جرًّا ونصبًا إذا أضيفت إلى المضمر، نحو: رأيت الرجلين كليهما والمرأتين كلتيهما، ومررت بكلتيهما، فلو كانت الألف في آخرها كألف عصا ورحا لم تنقلب كما لم تنقلب ألفاهما نحو رأيت عصاهما ومررت برحاهما. فلما انقلبت الألف فيهما انقلاب ألف الزيدان دل على أن تثنيتهما لفظية ومعنوية، وحجة البصريين: أن الضمير يعود إليهما تارة مفردًا حملًا على اللفظ، وتارة مثنى حملًا على المعنى؛ فرد الضمير مفردًا كقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وكقول جرير:
كِلَا يَوْمَيْ أُمَامَةَ يَوْمُ صَدٍّ
وَإِنْ لَمْ نَأْتِهَا إِلَا لِمَامَا
فقال يوم بالإفراد، وأما رد الضمير مثنى حملًا على المعنى فكقول الفرزدق:
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَرْيُ بَيْنَهُمَا
قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِمَا رابي
(من أبيات للفرزدق في جرير، وكان جرير زوج بنته أم غيلان من عصيدة ابن أخي امرأته وكان منقوص العضد، فخلعها منه أي طلقها، فقال الفرزدق:
مَا كَانَ ذَنْبُ الَّتِي أَقْبَلَتْ تَعْتَلهَا
حَتَّى اقْتَحَمت بِهَا أسكفةَ الْبَابِ
كلاهما …
يَا ابْنَ الْمَرَاغَةِ جَهْلًا حِينَ تَجْعَلُهَا
دُونَ الْقَلُوصِ وَدُونَ الْبكْرِ وَالنَّابِ
تعتلها: تجذبها جذبًا عنيفًا، والضمير لأم غيلان بنت جرير وفي رواية: ما بال لومكها أي لومك إياها، والأسكفة، عتبة الباب؛ أي حتى أدخلتها عتبة بابك، وكلاهما أي كل من ابنة جرير وزوجها، وجد الجري؛ أي اشتد، وأقلعا؛ أي أقلعا عن الجري، ورابي من الربو وهو النفس العالي المتتابع، وهذا تمثيل، يقول: إن بنت جرير وزوجها قد افترقا حين حصلت الألفة بينهما ولم يمضيا على حالهما كفرسين جدا في الجري ووقفا قبل الوصول إلى الغاية.)
فقال: قد أقلعا حملًا على المعنى، وقال رابي حملًا على اللفظ. وقالوا: الدليل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا أنك تضيفهما إلى التثنية، فتقول: جاءني كلا أخويك، ورأيت كليهما، وكذلك حكم كلتا في المضمر والمظهر، فلو كانت التثنية منهما لفظية لما جاز إضافتهما إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ويدل على أن الألف لا تكون فيهما للتثنية أنها تُمال في قراءة حمزة والكسائي، وإذا أردت التوسع في هذا الباب فارجع إلى كتب النحاة وإلى لسان العرب.
(٥٧٦) كان ضبة هذا فيمن كان مع الخارجي الذي نجم في بني كلاب، وهو المشار إليه في القصيدة التي مدح بها دلبر بن لشكروز بالكوفة، وسبب هذه الأبيات القبيحة: أن قومًا من أهل العراق قتلوا أبا ضبة هذا وسبوا امرأته — أم ضبة — وفسقوا بها، وكان ضبة غدارًا بكل من نزله به، واجتاز به أبو الطيب في جماعة من أشراف الكوفة، فامتنع منهم، وأقبل يجاهر بشتمهم، فأرادوا أن يجيبوه بمثل ألفاظه القبيحة، وسألوا ذلك أبا الطيب فتكلفه لهم على كراهة، وقال هذه القصيدة وهو على ظهر فرسه. قال الواحدي: كان المتنبي إذا قرئت عليه هذه القصيدة ينكر إنشادها. أقول: ولولا أن يقال إننا تصرفنا في الديوان وأن هذا الديوان أدركه الخداج — إذا حذفنا منه بعض شعر المتنبي فيسيء الناس بنا الظن — لما أثبتنا هذه الأبيات التي ينبو بها السمع.
(٥٧٧) يقول: ما أنصف القوم هذا الرجل إذا فعلوا بأبيه وأمه ما فعلوا، والطرطبة: القصيرة الضخمة، وقيل المسترخية الثديين أو الطويلة الثديين قال الشاعر:
لَيْسَتْ بِقَتَّاتَةٍ سَبَهْلَلَةٍ
وَلَا بِطُرْطُبَّةٍ لَهَا هُلْبُ
(القتاتة: النموم من القت وهو النميمة والكذب المهيأ، ويقال للفارغ النشيط الفرح سبهللا، وروي عن عمر أنه قال: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة، وكل فارغ سبهلل، والهلب: ما غلظ من الشعر.)
(٥٧٨) يقال باك الحمار الأتان: نزا عليها، والغلبة: المغالبة جعلهم كالحمير في غشيانها بفحش.
(٥٧٩) يقول: فلا فخر له بأبيه، ولا يرغب بأمه أيضًا عما فعل بها.
(٥٨٠) يقول: وإنما قلت ما أنصفوك رحمة بك؛ لما أصابك من الذل والعار لا محبة لك وغيرة عليك. يريد شدة ما وصل إليه حتى صار بالرحمة أحق منه بالشماتة، وليلحظ أن ضبة هذا من الغباء بحيث لم يرَ المتنبي بدًّا من أن يسلك معه هذا المسلك، فقد صرح باسمه … وأيضًا كان يكفي أن يقول ما أنصف الناس ضبة وأمه الطرطبة، ولا يقول بعد ذلك: وإنما قلت رحمة لا محبة.
(٥٨١) تيبه — بكسر التاء — مضارع، وبه: بمعنى أبه وبالى واكترث، وتُروى لو كنت تنبه؛ أي تفطن. يقول: وقلت ذلك حيلة لك حتى يعذرك الناس فيما ألمَّ بك إذا سمعوا قولي هذا وعرفوا أنك مظلوم.
(٥٨٢) ما في الأبيات الثلاثة استفهام إنكاري، وهي في البيتين الأولين: ضمير الشأن، والسبة: العار يسب به، والقحبة: البغي، والفاسدة الفاجرة، وهذا من أبي الطيب استهزاء واستهجان لضبة. يقول: لا يعلق بك من قتل أبيك عار، إنما ذلك ضربة وقعت بأبيك فمات منها، والغدر سبة تسب به، فما عليك منه؟ ولا عار عليك من فجور أمك.
(٥٨٣) ما في الأبيات الثلاثة استفهام إنكاري، وهي في البيتين الأولين: ضمير الشأن، والسبة: العار يسب به، والقحبة: البغي، والفاسدة الفاجرة، وهذا من أبي الطيب استهزاء واستهجان لضبة. يقول: لا يعلق بك من قتل أبيك عار، إنما ذلك ضربة وقعت بأبيك فمات منها، والغدر سبة تسب به، فما عليك منه؟ ولا عار عليك من فجور أمك.
(٥٨٤) ما في الأبيات الثلاثة استفهام إنكاري، وهي في البيتين الأولين: ضمير الشأن، والسبة: العار يسب به، والقحبة: البغي، والفاسدة الفاجرة، وهذا من أبي الطيب استهزاء واستهجان لضبة. يقول: لا يعلق بك من قتل أبيك عار، إنما ذلك ضربة وقعت بأبيك فمات منها، والغدر سبة تسب به، فما عليك منه؟ ولا عار عليك من فجور أمك.
(٥٨٥) العجان: ما بين القبل والدبر. يقول: إنها عجوز كبيرة مهزولة تصيب بعجانها متاع من أتاها فتصكه.
(٥٨٦) هذا كناية عن الأير. يقول: لحبه ذلك يحب أن يكون مصلوبًا في ذلك الجذع.
(٥٨٧) يقول: إنه سمح القياد يلين لمن راوده، وقد أملست ركبته؛ لكثرة البروك عليها.
(٥٨٨) يريد بالفعول: الذين يفعلون بها، فجعلها تجمعهم وتضمهم كما تضم الجعبة السهام.
(٥٨٩) يقول: إن الذين يأتونه كالأطباء له، ومن كان به داء فعالجه بدوائه لم يعب به. يهون عليه ما يسبه به من الأمر القبيح استجهالًا له.
(٥٩٠) الهلوك: البغي الفاجرة. يقول: إن الفاجرة كالحرة المخطوبة إلى أهلها لا فرق بينهما إلا الاستحلال بالخطبة.
(٥٩١) غناه: هو غناؤه، فقصره؛ أي يكفيه ضيح وعلبة، والضيح: اللبن الممزوج بالماء، والعلبة: قدح من جلد يشرب فيه اللبن. يقول: إنه لشحه ولؤمه إذا نزل به ضيف قتله ليتخلص من قراه، ولو كان هذا الضيف صعلوكًا؛ يكتفي بقليل من الضيح في علبة، ويجوز أن يكون المعنى أنه لما طبع عليه من الغدر يقتل كل من ألم به، ولو كان صعلوكًا لا مال معه يطمع فيه.
(٥٩٢) وخوف: عطف على قاتلًا — في البيت السابق — أي ويا خوف كل رفيق … إلخ. يقول: هو من الغدر بحيث إذا بايته رفيق في السفر لا يأمن أن يغدر به إذا نام.
(٥٩٣) يقول: إن الله خلقه مجبولًا على الغدر والسفال، ومن ثم لا يزال على ما جبله الله عليه لا يستطيع الناس تهذيبه؛ لأن الله — جل شأنه — لا يغالب.
(٥٩٤) السربة: الجماعة من الخيل، وفعولها: كناية عن غرمولها، والسنبه: الحين والقطعة من الزمان.
(٥٩٥) السربة: الجماعة من الخيل، وفعولها: كناية عن غرمولها، والسنبه: الحين والقطعة من الزمان.
(٥٩٦) الأحيراح: تصغير أحراح — جمع حر، وأصله حرح — الفرج.
(٥٩٧) القنب: وعاء القضيب من ذوات الحافر.
(٥٩٨) ضب: ترخيم ضبة. يقول: اسأل فؤادك يا ضبة أين ترك ما كان فيه من العجب والكبر؟ يعني: حين اختبأ، وامتنع منهم بالحصن، وهو يسمع الشتم فلا يخرج إليهم.
(٥٩٩) يقول: إن خانك فؤادك — أي خذلك في هذا الموقف فلم يطاوعك على الإقدام علينا خوفًا ورعبًا — فلست أول من خانه قلبه؛ لأنه تعود خيانة أصحابه.
(٦٠٠) يقول: إن خانك فؤادك — أي خذلك في هذا الموقف فلم يطاوعك على الإقدام علينا خوفًا ورعبًا — فلست أول من خانه قلبه؛ لأنه تعود خيانة أصحابه.
(٦٠١) يقول: إنك حين اختبأت وتحصنت منا جبنًا ما كنت إلا ذبابًا طردناه بمذبتنا فهرب، وروي «عنه» بدل عنا، والضمير في عنه وفي فيه: يرجع إلى العجب: يعني كيف تريد العجب وقد علمت شؤمه وكنت كالذباب يقتل بالمذبة، وذهب ابن جني إلى أن الضمير يعود إلى القلب فقال: يريد بقيت بلا قلب.
(٦٠٢) يقول: وإذا بعدنا عنك فأمنت. عاودك العجب فحملت السلاح، وهذا مثل قوله:
وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضٍ
طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّزَالَا
(٦٠٣) العنان: سير اللجام، والجرداء من الخيل: القصيرة الشعر، والشطبه: الطويلة.
(٦٠٤) يقول: إذا استوحشت من المعالي فلا بدع في ذلك؛ لأنك غريب عنها، أما المخازي فإنك تستأنس بها؛ لما بينك وبينها من النسب والقرابة.
(٦٠٥) يقول: إذا استوحشت من المعالي فلا بدع في ذلك؛ لأنك غريب عنها، أما المخازي فإنك تستأنس بها؛ لما بينك وبينها من النسب والقرابة.
(٦٠٦) يقول: إن مرادي أن أنبه إلى ما فيك من الغدر والشح، فإن عرفت مرادي هذا، سررت بما قلت؛ لأنه لا يقصدك إنسان بسؤال أو قرى بعد ما أشعت من خلالك، وقال ابن جني يقول: أنت مع ما أوضحته من هجائك غير عارف به لجهلك فإذا عرفت أنه هجاء زالت عنك كربة لمعرفتك إياه. وهذا كلام من لم يعرف معنى البيت كما قال الواحدي.
(٦٠٧) فإن الجهل بك أشبه؛ لأنك لست ممن يفهم.
(٦٠٨) هذا خبر معناه الدعاء. يقول: جعل الله هذا الحادث آخر ما يعزى به الملك فلا يصاب بشيء بعده، والمَلْك تخفيف الملك، وهذا: مبتدأ مؤخر، وآخر: خبر مقدم.
(٦٠٩) جزعًا: مفعول له، عامله أثر، والأنف: الحمية والاستنكاف، وشابه: خالطه. يقول: لم يؤثر هذا الحادث في قلبه؛ لأنه جزع له فإنه شجاع لا عهد له بالجزع، ولكنه أخذته الحمية والأنفة حين رأى الدهر قد استطاع أن يتطرق حماه، ويستبيح حريمه، ويغتصبه من يعز عليه.
(٦١٠) يقول: لو كانت الدنيا تدري ما يحوزه من الفضل؛ لأخذها الحياء من عتبه عليها، ولكفت عنه أذاها، وقيل: إن المعنى لعل الأيام لم تعلم من غاب عن حضرته من أهله وأسرته، ولو علمت؛ لما عرضت لشيء من أسبابه، وقد دل البيت التالي على ذلك.
(٦١١) يعتذر عن الأيام. يقول: لعل الدنيا ظنت أن عمته — وقد توفيت في بغداد بعيدة عنه — لما لم تكن عنده لم تكن من أسرته فسطت عليها.
(٦١٢) الذرى: الكنف، والعضب: السيف القاطع. يقول: ولعل الدنيا ظنت أن عمتك لما كانت ببغداد ولم تكن بحضرتك لم تكن ممن يحميه سيفك، فلذلك عرضت لها وأخذتها.
(٦١٣) يقول: ولعلها ظنت أن جد الإنسان بلده، فمن لم يكن من أهل بلده فليس من صلب جده: يعني أن عمته لما كانت في غير وطنه ظنت الأيام أنها ليست من عشيرته، ومن ثم اجترأت عليها ولم ترعَ حقه، ويروى: وأن حد المرء — بالحاء — فيكون المعنى أن حريمه وطنه، فمن لم يكن مستوطنًا معه لم يكن من عشيرته.
(٦١٤) أجفل: أسرع في الهرب، يقول: إني أخاف — إذ قلت هذا — أن تفطن أعداؤه إلى أن الأيام لا ترزأ كل من كان في حماه وقربه فيسرع إلى حضرته خوفًا من الأيام وطلبًا للسلامة بحصولهم في ذمته واشتمالهم بعزه.
(٦١٥) يقول: لا بد للإنسان من اضطجاع في القبر لا يتقلب معه المضطجع أي يبقى كذلك أبد الدهر، ولو قال لن — بدل لا — لكان أحسن؛ لأن لن تدل على التأبيد.
(٦١٦) يقول: ينسى الإنسان بتلك الضجعة تيهه وإعجابه بنفسه، وما أذاقه الموت من البرح والكرب عند احتضاره؛ أي ينسى بتلك الضجعة كل ما لاقاه في حياته وفي مماته.
(٦١٧) يقول: نحن أبناء الموتى؛ لأن آباءنا كلهم ماتوا فلا بد لنا أن نرد الموت كما وردوه؛ فما بالنا نكره ما لا بد منه، وهذا ينظر إلى قول أبي نواس:
أَلَا يَا ابْنَ الَّذِينَ فَنُوا وَبَادُوا
أَمَا وَاللهِ مَا بَادُوا لِتَبْقَى
وأصله قول متمم بن نويرة:
فَعَدَدْتُ آبَائِي إِلَى عِرْقِ الثَّرَى
فَدَعَوْتُهُمْ فَعَلِمْتُ أَنْ لَمْ يَسْمَعُوا
وَلَقَدْ عَلِمْتُ وَلَا مَحَالَةَ أَنَّنِي
لِلْحَادِثَاتِ فَهَلْ تَرَانِي أَجْزَعُ؟
وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمرو بن عبيدة يعزيه عن أبيه: «أما بعد» فإنا أناس من أهل الآخرة، أسكنا في الدنيا أمواتًا آباء أموات، وأبناء أموات فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام.
(٦١٨) يقول: إننا نحرص على أرواحنا ضنًّا بها على الزمان مع أنها مما كسب الزمان لا من كسبنا نحن، وقد فسر ذلك في البيت التالي؛ قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: إذا كان تناشؤ الأرواح من كرور الأيام فما لنا نعاف رجوعها إلى أماكنها.
(٦١٩) يريد أن الإنسان مركب من جوهر لطيف — هو الروح — وجوهر كثيف — هو البدن — فجعل اللطيف من الهواء، والكثيف من التراب. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: اللطائف سماوية والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره، «هذا»، وليس ثم مجال للكلام على الروح وذكر المذاهب الفلسفية فيه؛ لأن هذا إنما هو تفسير لشعر المتنبي حسب.
(٦٢٠) يقول: لو فكر العاشق المستهام فيما تصير إليه محاسن معشوقه من البلى والفناء؛ لأقلع عن عشقه، ولم تملك تلك المحاسن قلبه، ولك أن تجعل هذا مطردًا في كل معنى من معاني الحياة فتقول: لو فكر الحريص المتهالك على جمع المال في منتهى ذلك، وأن مصير هذا المال إلى الزوال، أو أنه مائت عنه لا محالة؛ لما تهالك على جمعه، وهلم. قال العكبري: وهو من قول الحكيم: النظر في عواقب الأشياء يزيد في حقائقها، والعشق عمى الحس عن درك رؤية المعشوق.
(٦٢١) قرن الشمس: أول ما يبدو منها، وهذا مثل، معناه. أن كل حادث لا بد أن ينتهي إلى الزوال؛ كالشمس من رآها طالعة لم يشك في غروبها.
(٦٢٢) قوله: في جهله وفي طبه، حالان. يقول: إن الموت حتم على رقاب العباد لا ينجو منه إنسان؛ أكان شريفًا أم وضيعًا، عاقلًا أم جاهلًا. فيموت الراعي الجاهل كما يموت الطبيب الحاذق.
(٦٢٣) السرب: النفس. يقول: وربما زاد راعي الضأن عمرًا على عمر جالينوس، وكان آمن على نفسه منه؛ لأن الطبيب لعلمه وتقديره لضروب الأدواء وارتباط الأسباب بالمسببات يبقى دائمًا قلقًا خائفًا كثير الوسواس.
(٦٢٤) يقول: من بالغ في السلم والمودة كمن بالغ في الحرب والمعاداة والتحرش بالخطر كلاهما إلى الموت. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: آخر إفراط التوقي أول موارد الخوف، ويقال أفرط: إذا أسرف وجاوز الحد، وفرط بتشديد الراء: قصر، وفي الحديث: «لا يرى الجاهل إلا مفرِطًا أو مفرِّطًا.»
(٦٢٥) يقول: لا أدرك حاجته من يرهب الموت، يعني إذا كان لا مندوحة عن الموت فلم يخافه الإنسان؟ يحث على الشجاعة والإقدام، ويدعو على الهيابة الجبان، والضمير في رعبه: للفؤاد.
(٦٢٦) هذا ضرب من المدح الذي يشبه الذم، يقول: أستغفر الله لشخص مضى كان جوده هو غاية ذنبه؛ أي لا ذنب له أستغفر الله له لأجله إلا جوده؛ يعني المرثية عمة عضد الدولة.
(٦٢٧) يقول: وكان يكره ذكر إحسانه تناسيًا للمعروف، فمن أحصى فواضله وأياديه كان عنده كمن أسرف في سبه.
(٦٢٨) يقول: إنه كان يحب أن يعيش لكسب المعالي لا لحب العيش، فالضمير في عيشه: للمرثي، والتقدير: يريد عيشه من حب العلى، ولا يريد العيش من حب العيش.
(٦٢٩) يقول: إن الذي يدفنه يظن أنه يدفنه وحده، وهو قد دفن معه المجد والعفاف والبر وسائر فضائله التي هي أصحابه لا تفارقه.
(٦٣٠) يقول: إنها في حجبها وخدرها أنثى على الحقيقة، وليس ثم إلا الصون والعفاف، وما إليهما مما هو شيمة المخدرات، أما إذا ذكرت أفعالها ومساعيها — من طلب المعالي وإيثار المعروف وإغاثة الملهوف — فهناك التذكير حقًّا، لأن مثل هذه الأفعال إنما هي من شيم الرجال.
(٦٣١) أخت: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي أخت، ولبه: أجيبيه، يقول: هي أخت ركن الدولة الذي هو أبو عضد الدولة خير أمير دعا إلى نفسه، فقال الجيش للرماح أجيبيه؛ أي يدعو الجيش فيجيبه بالسلاح، ويجوز أن يكون المعنى: أن عضد الدولة خير أمير دعاه جيش فقال للقنا: لب الجيش. يعني أنه يجيب الصارخ، ويغيث المستغيث.
(٦٣٢) يريد أن عضد الدولة أفضل من أبيه ركن الدولة، وضرب لهما المثل بالقلب واللب — أي العقل — فجعل اللب مثلًا له، والقلب مثلًا لأبيه، والقلب، وإن كان أبا اللب — أي مصدره — إلا أن اللب أشرف من القلب، فكذلك عضد الدولة أفضل من أبيه ركن الدولة، وإن كان ركن الدولة أباه. قال ابن جني: لولا حذق المتنبي ما جرأ على هذا.
(٦٣٣) النور: الزهر، والقضب: جمع قضيب. يقول: إن أبناء عضد الدولة زين لآبائه، وليسوا بزين له هو؛ لاستغنائه بمزية علائه عن أن يتزين بأبنائه؛ يعني أن أبناءك يزينون آباءك كما يزين النور القضب.
(٦٣٤) فجرًا: مفعول مطلق، نائب عن عامله، واللام في قوله لدهر: لبيان الفاعلية؛ كما في قولهم: تبًّا لزيد، والمنجب: الذي يلد النجباء، وعقب الرجل: أولاده. يقول: ليفتخر الدهر بكونك من أهله، وليفخر أبوك الذي صار منجبًا بكونك من عقبه.
(٦٣٥) الأسى هنا: الحزن، وهو مقصور مفتوح، والقرن: من قارنك وماثلك في السن أو القوة والشجاعة، ونبا السيف: إذا لم يقطع ويعمل في الضريبة، يقول: إن الحزن — أي حزن عضد الدولة على عمته — بمنزلة القرن المغالب لك فلا تحيه بإعانته على نفسك، وإن الصبر الذي تغالب به الحزن بمنزلة السيف فلا تجعله نابيًا كليلًا؛ أي لا تضعه فيغلبك الحزن.
(٦٣٦) جعله كالبدر، وأهله وعشيرته كالنجوم حول البدر، يقول: ما كان ينبغي أن تغتم لفقد أحدهم؛ لأن البدر يستغني بنوره عن الكواكب.
(٦٣٧) أراد بالسائر: الذي حمل إليه الكتاب بوفاتها. يقول: حاشاك أن تضعف عن حمل ما أطاق حمله الرسول؛ أي إذا كان الرسول أطاق حمل ذكر وفاتها فأنت أشد إطاقة له، قال الواحدي: وهذا في الحقيقة ضرب من المغالطة، وإنما أراد تسكينه فتوصل إلى ذلك من كل وجه.
(٦٣٨) يقول: إنك قد حملت الثقيل من الأمور قبل هذا الحادث فأغنتك قوتك عن جر ذلك الثقل، وذلك أن حامل الثقل إذا عجز عن حمله جره على الأرض، كما قال عتاب بن ورقاء:
وَجَرَّهُ إِذْ كَلَّ عَنْ حَمْلِهِ
وَنَفْسُهُ مِنْ حَتْفِهِ عَلَى شَفَا
والمعنى: أنك صبور على تحمل الشدائد فلا تجزع عن حمل هذا الرزء.
(٦٣٩) الإشفاق: الخوف والجزع، والثلب: الذم. ثلبه: ذمه وعابه. يقول: إن الصبر مما يمدح به الإنسان، والجزع مما يعاب به. يريد: أن يحسن الصبر لديه ليرغب فيه، ويقبح الجزع ليجتنبه.
(٦٤٠) الصوب: القصد والناحية، والغرب: مجرى الدمع. يقول: مثلك يقدر على صرف الحزن والتغلب عليه بالصبر إذا قصدك، ومثلك يسترد الدمع عن مجراه إلى قراره.
(٦٤١) إيما: لغة في إما. يقول: يفعل ذلك إما إبقاءً على فضله؛ لئلا يضيع فضله بالجزع، وإما لتسليم الأمر إلى الله، ورعًا وتقوى.
(٦٤٢) يقول: لم أعنِ بقولي: مثلك يثني الحزن عن صوبه، إنسانًا آخر غيرك؛ لأنك الفرد الذي لا مثل له، ولكن المثل قد يذكر في الكلام صلة ويراد به عين ما أضيف إليه كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يريد إنما أردت نفسك لا غيرك.
(٦٤٣) هذا البيت جواب لما في البيت الأول، يقول: لما لم يعرف لك أب، ولم يكن لك أدب تعرف به؛ سميت اليوم بالذهبي؛ أي إن هذه النسبة مستحدثة لك ليست بموروثة واشتقاقها من ذهاب العقل، لا من الذهب؛ أي إنما قيل لك الذهبي لذهاب عقلك.
(٦٤٤) ويك: هي ويلك، حذفت اللام لكثرة الاستعمال. يقول: إن الذي لقبت به هو ملقب بك؛ أي أَنت شين وعار للقبك، فلقبك ملقى على لقب — أي على عار وخزي — قال الواحدي: ومثل هذا الكلام لا يستحسن ولا يستحق التفسير ولا يساوي الشرح، ولو طرح أبو الطيب شعر صباه من ديوانه كان أولى به، وأكثر الناس لم يروِ هذه القطعة ولا القطعة التي أولها:
لَقَدْ أَصْبَحَ الْجُرَذُ الْمُسْتَغِيرُ
أَسِيرَ الْمَنَايَا سَرِيعَ الْعَطَبْ
(٦٤٥) الخنزير يأكل العذرة، وكذلك بنات وردان، وهي دويبة كريهة الريح، تألف الأماكن القذرة في البيوت؛ ولاتفاق الاسمين جعله كالخنزير في أكل العذرة، ويريد بقوله: له خرطوم ثعلب، أنه ناتئ الوجه، فوجهه كخرطوم الثعلب، وهو أنفه وفمه، ولحاه الله: قبحه ولعنه.
(٦٤٦) يقول: إن غدره بي دلالة على أنه ورث الغدر من أمه وأبيه؛ يعني أنهما كانا غادرين، والغدر موروث له، لا عن كلالة، وأحسن من هذا ما رواه ابن جني:
عَلَى أَنَّهُ فِيهِ مِنَ الْأُمِّ بِالْأَبِ
أي إن غدره بي دلالة على أن أمه غدرت فيه بأبيه، فجاءت به لغير رشده.
(٦٤٧) الهن: الفرج. قرفه بأنه ديوث يقود إلى امرأته، ويجعل ذلك كسبًا له.
(٦٤٨) يقول — تجاهلًا واستهزاء: أهذا هو الذي تنسب إليه بنت وردان — هذه الحشرة الحقيرة القذرة — ثم قال: هو وهي يلتمسان الرزق من شر مطلب؛ هي تطلبه من الحشوش — أماكن العذرة — وهو يطلبه من هن عرسه، واللذيا: تصغير الذي.
(٦٤٩) التوس والسوس: الأصل. يقول: لقد كنت أقول أن طيئًا لا تغدر، وأن آباءهم ليسوا بغدارين، فلا تلوماني إن قلت: إن هذا قد غدر؛ لأنه ليس من الأصل الذي يدعى إليه من طيئ، وقوله: رب صدق مكذب: يعني أنه كان صادقًا في نفي الغدر عن طيئ وإن كذبه الناس لأجل وردان بادعائه أنه من طيئ. يريد أنه صادق، وأن وردان ليس من طيئ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤