الفصل الأول

مقدمة

بدأ العمل على هذا الكتاب قبل فترة طويلة من تدريبي الرسمي. لقد حباني الله بأن أكون أمريكيةً من الجيل الأول من المهاجرين؛ فأنا ابنة لوالدَين وفدَا إلى الولايات المتحدة من بلاد الشام، أو سوريا كما يعرفها البعض، في نفس وقت تقسيم سوريا الكبرى إلى لبنان وسوريا أو بعده مباشَرةً، بينما كانت خطط تقسيم فلسطين لم تَزَلْ تُحاك. وهكذا فقد تربَّيْتُ ثنائيةَ اللغةِ والثقافة؛ ممَّا منحني فرصةً رائعة للاطِّلاع على العديد من الحوارات حول معاني الثقافتين العربية والأمريكية. كذلك فإن نشأتي فيما بين الثقافتين خلق لديَّ حساسيةً تجاه معاناة شعوبٍ كان يمكن ألَّا يصل إلى سمعي أيُّ خبرٍ عنهم في المدارس الأمريكية؛ فترعرعتُ وأنا أعلم عن مجاعة الأرمن، والمستعمرين البريطانيين والفرنسيين، وفساد القادة العرب والغربيين، والتعبير الشعري باللغتين الإنجليزية والعربية، وعرفتُ عن توقِ دعاةِ الوحدة العربية إلى صياغة حلمهم على نموذج الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب إضفاء المثالية على الأمريكيين، وعلى الديمقراطية الأمريكية على وجه الخصوص. كانت النقاشات اليومية على مائدة العشاء تتراوح بين الإهانات التي تلقَاها المجتمعات المُستعمَرَة ومجتمعات الشتات، والقادة العرب المشاهير، خاصةً الشعراء الذين قتلهم المستعمرون رميًا بالرصاص، وقالوا عنهم إنهم متمرِّدون بدلًا من الاعتراف بوطنيتهم، وخطط فرِّقْ تَسُد التي ألَّبَتْ جماعةً دينية على جماعةٍ دينية أخرى، إلى جانب مناقشة كيفية مدِّ نظام صرف صحي في بلدتنا في نيو إنجلاند؛ وجميع هذه النقاشات رسَّخت بداخلي أهميةَ الاحترام المتبادَل في الحياة اليومية.

بعد ذلك، تعرَّفتُ من خلال عملي، باعتباري عالمة أنثروبولوجيا، على حياة المستضعفين في كل مكان؛ الأمريكيين الأصليين المحرومين من حقوقهم، وسكان جزر المحيط الهادئ الأصليين، والأفارقة، وسكان أحياء الأقليات في المناطق الحضرية، والفلاحين الأمريكيين اللاتينيين، وسكان مخيمات اللاجئين في الشرق الأوسط وغيره من الأماكن. وبدأتُ أولَ بحث ميداني لأطروحة خاصة بي عام ١٩٥٧م لدراسة منطقة لم تطأها أبحاثُ علماء الأنثروبولوجيا بعدُ، وهي رينكون زابوتيك في سييرا جواريز في أواكساكا بالمكسيك، وكان البحث بمثابة طقس افتتاحي عالي المستوى (نادر، ١٩٧٠). وفي عام ١٩٦١م، وبعد الانتهاء من أطروحتي، انطلقتُ من بيركلي قاصدةً القيامَ ببحث ميداني في الصيف في لبنان، والشروع في إعداد بحث تمهيدي عن الشريعة الإسلامية في القرى. وبينما كنتُ أستكشِفُ كيفيةَ اختيار قرية مناسِبة، وما إذا كان الأفضل أن تكون قرية شيعية أم سُنيَّة، غمرني سيلٌ من التحذيرات من أُسَرٍ لبنانية وأصدقاء لبنانيين؛ لأني قد أُصاب بالأمراض، ولا يمكن توقُّع ما قد يصيبني إنْ عملت في قرية مسلمة، وأني سأكون في خطر؛ لأن أحدهم أخبرني أن المسلمين «لا يحبون المسيحيين»، بينما رأى آخَرون أن هذا هراء، وأن اختلاف الآراء يرتبط بمواقف الأفراد السياسية. ولم تتوقَّف الحوارات والتحذيرات الكثيرة والطويلة عن مخاطر العمل الميداني. لا يوجد شكٌّ في أن كل هذه التحذيرات التي بَدَتْ كحالةٍ حادَّة من جنون الارتياب كانت راجعةً إلى أزمة ١٩٥٨م، والأكيد أن مكوثي في قرية زحلة المسيحية كان هو السبب في تردُّد أيِّ سائق في نقلي إلى القرى.

ولكن زاد من تصميمي على العمل في إحدى القرى المسلمة اهتمامي بمعرفة مدى سيطرة الشريعة الإسلامية الرسمية على إجراءات تسوية النزاعات في القرى، وهي الشريعة التي نشأت في الأصل في مراكز حضرية. وبعد حوالي أسبوعين كاملين من التناقُش مع الناس والتنقُّل بسيارات الأجرة بين قرًى عدة؛ أدركت أن إحدى أنجح الطرق للعثور على قرية مناسبة في لبنان كان بمساعدة السياسيين أو المحامين المشتغلين بالسياسة، وليس عن طريق علماء الاجتماع اللبنانيين، الذين لم يركِّزوا اهتمامَهم على المناطق الريفية من لبنان. ففي حين كان الربط في أواكساكا بين المراكز الحضرية والقرى الخاضعة لحكم رينكون زابوتيك يتمُّ بسهولة من خلال إحدى الجمعيات التنموية، فإن الطريقة الأفضل لخلق هذا الرابط في لبنان كانت من خلال رجال السياسة الذين كانوا نشطاء في أحزابهم، ومن ثم كانوا يعرفون كلَّ شيء عن القرى في الحملات الانتخابية؛ لذا كان السياسيون والمحامون المشتغلون بالسياسة هم الأكثر خبرةً في التعامُل مع القرى اللبنانية، فيما يتعلَّق بأغراضي على أي حال. ونظرًا لتمتُّعي بميزة استثنائية تمثَّلت في عائلتي التي تعيش في لبنان، فقد ساعدني أحد أقربائي، وكان يعمل بالسياسة، في العثور على قرية مسلمة شيعية من بين أفقر القرى في البلاد. ومقارنةً بعملي في المكسيك — حيث كانت إحباطاتي ترتبط إلى حدٍّ بعيد بمكان إجراء العمل الميداني نفسه — كانت الصعوبات في لبنان ناشئةً من عجزي عن إيجاد طالب جامعي ربما كان قادرًا على مساعدتي، ومن إشكالية إيجاد سيارة وسائق، وهو الأمر الذي يبدو تافهًا بالرغم من صعوبته، ومن وجود إضراب للمحامين وتوقُّف الاستماع إلى أيِّ دعاوى قضائية، وأخيرًا — وعلى وجه الخصوص — من صعوبة جمع أي نوع من المعلومات «الموضوعية» عن أي قرية مناسبة للعمل. ولكنني وجدتُ موقعًا مناسبًا بالرغم من كل ذلك.

لم تظهر قرية لبَّايا، القريبة من مرجعيون، على أغلب خرائط لبنان؛ لأن الطريق إليها لم يكن قد اكتمَلَ إلا حديثًا. كان عدد سكانها حوالي ١٤٠٠ فرد، ويعيش بها ثماني عائلات كبيرة تتوزَّع فيما يقرب من ٤٠٠ منزل، وكانوا يشكِّلون مجتمعًا متجانسًا من المسلمين الشيعة. قمت في المقام الأول بتجميع حالات الاستعانة بالواسطة، أو البحث عن حلول للنزاعات. وعلى عكس أهل زابوتيك، اعترف الشيعة طوعًا وبسهولة بحدوث نزاعات بينهم، ولم يترددوا إطلاقًا في التحدُّث عن الموضوع؛ ممَّا أشعرني أن عملي صادَفَ التيار السائد في القرية ولم يعارضه. كذلك أذهلني أعداد ومستويات الأشخاص الذين يتواصل معهم أيُّ ريفيٍّ من المسلمين الشيعة عند وقوعه في مشكلة واضطراره للبحث عن واسطة؛ فشخصية الشخص الذي يلجأ إليه تختلف بناءً على نوع المشكلة التي يواجهها من جهة، وعلى الرجل الذي سيتولَّى الحكْمَ عليه في المحكمة المدنية من جهة أخرى. علاوة على ذلك، تتمتَّع أوساط النخبة السياسية في لبنان بمعرفة مذهلة بالعلاقات الشخصية، بحيث صار الأمر أشبه بلعبة قائمة على المعرفة والذكاء لتحديد مَن يستطيع الوصول إلى أفضل العلاقات في أسرع وقت.

وعلى عكس تجربتي الأولى بين شعب زابوتيك، كانت المشكلات الشخصية والإدارية والفكرية المتعلِّقة بالعمل الميداني في أدنى مستوياتها فور وصولي إلى القرية؛ حيث لم أواجه عائقَ العمل مع مترجِمٍ؛ لقدرتي على فهم الحديث بالعربية، كما ثبت أن التخوُّف من النَّبْذ والرفض بسبب ديانتي كان تخوُّفًا فارغًا؛ فقد سألَتْني الأسرة التي كنتُ أسكن لديها عن ديني في البداية، وعندما أخبرتهم أني مسيحية، نصحوني أن أدَّعِي أنني مسلمة إن سألني أي شخص آخَر في القرية، ولكنني أجبتُهم ببساطة بأني لم أعتَدِ الكذبَ، ولمَّا انتشرَتْ هذه القصة في القرية عُومِلتُ بانفتاح واحترام لم أتوقَّعهما.

كان موضوع بحثي من الموضوعات التي أَحَبَّ هؤلاء الشيعة أنفسهم التحدُّثَ فيها، فأنجزتُ خلال أسابيع قليلة عملًا رُبما استغرَقَ أربعةَ أشهر لإنجازه في بلاد زابوتيك؛ كما أن انتشار استخدام الأمثال في الشرق الأدنى كثيرًا ما يساعد في إرشاد علماء الأنثروبولوجيا لتحديد أي القِيَم ذو أهمية: «عامِلِ الناسَ مثلما تحب أن يعاملوك» (والمقصود منها غالبًا سوء المعاملة)، و«المكتوب مبيَّن من عنوانه»، و«كُنْ ليِّنًا لا تنكسر»، و«بدَّك تبهدل رجَّال، فلِّت عليه مرا؛ بدَّك تبهدل مرا، فلِّت عليها ولد»، و«بِالْوَجه مراية وبالقفا صرماية»؛ لذلك إذا كنتُ بصدد إسداء النصح لشباب الأنثروبولوجيين القائمين على الإعداد لإجراء دراسة ميدانية في الشرق الأوسط العربي، أوصيهم بشدة أن يتعرَّفوا على مجموعة من هذه الأمثال ويحفظوها.

أما الجوانب السلبية لعمل المرأة ميدانيًّا في الشرق الأوسط، فقد تمَّ تضخيمُها والمبالغة فيها بدرجة كبيرة؛ إذ لم أشعر بأيِّ خطر خلال الفترة القصيرة التي أمضيتُها في القرية، وبالأخص فيما يتعلَّق بكوني امرأةً؛ ربما كان السر وراء ذلك يتمثَّل في إقامتي لدى إحدى الأُسَر بدلًا من الإقامة وحدي، وهذا جعلني «ابنة» من بنات القرية، أو ربما كان السبب أن العرب لديهم تصنيفٌ للنساء «كأخوات للرجال»؛ وهو دور طبيعي تستطيع أيُّ عالمة أنثروبولوجيا تقبُّله إنْ أرادت، وهو ما فعلتُه تحديدًا.

انصبَّ تركيزُ علماء الأنثروبولوجيا في السنوات الأخيرة على الفئات ذات السلطة؛ مثل: المسئولين الحكوميين، والعسكريين، والعلماء، والمستعمرين، وشركات التسويق، والجرَّاحين، وغيرهم، والربط بين حياة أصحاب السلطة هؤلاء وبين حياة الفلاحين، والعمال في المصانع، والفقراء، والمساجين، والجنود، ووضَّحوا بهذه الطريقة كيف أن الهيكل الهرمي للمجتمع يمثِّل تجسيدًا للهيمنة. إن طريقة الحكم القوي تظلُّ في الذاكرة لقرون، أو تُنسَى ثم تعود إلى الذاكرة من جديد.

إنَّ الأرمن الذين فرُّوا من الإبادة الجماعية بعد الحرب العالمية الأولى واستقبلتهم لبنان، من بين دول أخرى، يذكرون كيف عُومِلوا بكرامة، واللبنانيون ما فتئوا يذكرون بعد مرور ٩٠ عامًا ما فعله الأتراك العثمانيون في لبنان، ويصف الكثير من القصص المعروفة ما فعلوه من إذلال واستيلاء على المحاصيل وغيرها من الحوادث، ولكن الحكومة التركية تدعم اليومَ المساعِيَ الإنسانية لتحرير غزة، وهو ما ستذكره شعوبُ المنطقة. يذكر علماء الأنثروبولوجيا تجربةَ ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى؛ ممَّا دفعهم إلى حثِّ الجنرال ماك آرثر في اليابان على عدم تكرار نفس الأخطاء التي ارتُكِبَت حينها، فحذَّروه قائلين: «لا تُهدِرْ كرامة العدو.» إن البشر في كل مكان تقريبًا حسَّاسون للتجارب المتعلِّقة بالثقافة والكرامة، ويستشعرون غيابَ الاحترام بسهولة، كما أن الإهانات الصغيرة تتراكم بمرور الوقت إن لم يُلطِّفها الاحترام المتبادل في أوقات أخرى.

إهدار الكرامة

حضرتُ مؤخرًا مؤتمرًا في بروكسل حول إدارة الدول للتنوُّع في أوروبا، وهو أسلوب مُلطَّف بديل عن عبارة كيفية التعامل مع الإسلام في أوروبا، وحضر المؤتمر محامون مرموقون ممثِّلون عن أغلب الدول التي تشكِّل الاتحادَ الأوروبي، بالإضافة إلى عدد قليل من الأساتذة من شمال أفريقيا والشام، وبعض علماء الأنثروبولوجيا من جنسيات مختلفة، وتناولتْ موضوعاتُ النقاش في أغلبها المهاجرين المسلمين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومن أماكن بعيدة مثل باكستان. كان مؤتمرًا متخصِّصًا يتناول موضوعًا حامي الوطيس بجدول أعمال سلبي هدفه تبسيط موضوع التنوُّع، وتفجَّر التعصبُ ضد التنوع في صورة نوبات انفعالية؛ فأعلَنَ القاضي الإسباني محتدًّا: «لن نقبل بتعدُّد الزوجات في إسبانيا!» وهو ما يدفع عالم الأنثروبولوجيا إلى التفكير: «علامَ كل هذا؟» فالدول التي تقبل بوجود العشيقات (كما في حالة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران) وتعدُّد الحبيبات (كما هو حال الإيطالي بيرلسكوني)، وأيًّا كان ما يقبلون به غير ذلك؛ تلك الدول لن تقبل بتعدُّد الزوجات الإسلامي الشرعي الذي ينطوي على حقوقٍ شرعية. فضلًا عن أن الإحصاءات تثير الاهتمام؛ فكم تبلغ نسبة المهاجرين المسلمين المتزوِّجين من أكثر من امرأة بأي حال، أو الذين يطيقون حتى تحمُّل المسئوليات التي ينصُّ عليها تعدُّد الزوجات الشرعي؟ وكم من الفقهاء القانونيين يدرك المنطق الأصلي الذي سمح على أساسه الإسلامُ بتعدُّد الزوجات في الحالات التي تتجاوز فيها أعدادُ النساء أعدادَ الرجال بسبب موت الرجال في الحروب والعداءات العائلية وما شابه؟ في القرية الشيعية التي عملتُ بها في جنوب لبنان عام ١٩٦١م، لم توجد سوى حالة وحيدة لتعدُّد الزوجات — من بين ١٤٠٠ نسمة — وكانت لرجل تزوَّجَ زوجةَ أخيه بعد وفاة الأخ. ومع استمرار النقاشات، تحوَّلَ المؤتمر تدريجيًّا إلى احتفالية للتحقير من الفقهاء القانونيين الزائرين من لبنان وشمال أفريقيا وازدرائهم، وتذكِرةٍ كذلك باستثنائية أوروبا وتميُّزها.

تحدَّثَتْ في المؤتمر عالِمةُ أنثروبولوجيا هولندية درسَتِ التنوُّعَ الثقافي ومشكلات إدارة الدول في بيرو، وفقدت التحكُّم في انفعالاتها في نهاية حديثها، مشيرةً إلى أن صبيًّا مولودًا في هولندا لأبوين مغربيين لن يكون له مستقبل في هولندا. واندلَعَ نقاش محتدم بعد احتجاج رجل قانون هولندي أقل تعاطُفًا مع المهاجرين على ما قالته، بالرغم من أنهم يوفِّرون لبلده عمالةً منخفضة الأجر. يحضرني هنا أن وزير الهجرة الهولندي وضع اشتراطات محدَّدة في تسعينيات القرن العشرين لطالبي الحصول على تأشيرة الدخول إلى هولندا، كان من بينها إجبارهم على رؤية ما اعتبره البعضُ صورًا إباحيةً لتحديد مدى إمكانية انخراطهم في الثقافة الهولندية. وانزعَجَ منظم المؤتمر؛ لأنني سمحتُ — بصفتي رئيسة المؤتمر — بإجراء نقاش حول إيجابيات وسلبيات عملية إدارة الهجرة إلى هولندا؛ فقد كان المفترض أن يكون مؤتمرًا توافقيًّا. ظلَّ الانفعال العاطفي مسيطرًا على نقاشات المؤتمر عندما أُثِير موضوع الحجاب الإسلامي في إطار تناوُل القانون الفرنسي له. لم أفهم قطُّ الخطرَ الذي تشكِّله تغطية الرأس باستخدام الحجاب الإسلامي. استرجعت رحلتي الميدانية إلى المغرب في صيف ١٩٨٠م، كنت أمكث مع ابنتيَّ في فندق سياحي، وشاهدت نساءً فرنسيات يرتدين أثواب سباحة أقرب ما تكون للعُري، بل إن بعضهنَّ كنَّ عاريات الصدر تمامًا، وكنَّ غافلات بالمرة عن تنافُر هذه الحالة من العري مع محيطهن، وما ضاعَفَ فداحة الموقف أن ذلك كان في منتصف شهر رمضان. سمعتُ النُّدُل يعلِّقون على الأمر بالعربية، لكن الواضح أن الصحف قد خلَتْ من أيِّ عناوين عن العري الفرنسي، ولم تكن توجد أيُّ قوانين قائمة تحظره، وإن كان من المؤكد أنْ عبَّر البعض عن خزيهم من الأمر.

خطر لي رويدًا رويدًا أن هذا المؤتمر المنعقِد في بروكسل، بحُسْنِ تنظيمه وسخاء تمويله واهتمامه بموضوعات مهمة تخصُّ الثقافة والهجرة، كان له جدولُ أعمال غير مُعلَن؛ أَلَا وهو «عملية فرض التحضُّر». لقد كان المؤتمر بالفعل احتفالية تحقير وازدراء، وكانت الفكرة الأساسية غير المُعلَنة له تتلخَّص في ضرورة تصرُّف المهاجرين كالأوروبيين حتى يصيروا متحضِّرين، وعندما سألتُ أحدَ المشاركين المغاربة عن سبب عدم اعتراضه، أجابني قائلًا: «لورا، يجب أن نكون عصريين.» كان الضيوف العرب الآخَرون مهذَّبين كذلك، بالرغم من أنهم لم يُظهِروا هذا القدرَ من الإذعان عند الحديث فيما بينهم. وعند سؤال قاضٍ مصري، أجاب في هدوء أن التعليم القانوني في مصر يستوجب الإلمامَ بثقافات قانونية مختلفة؛ مثل قانون القرى، وقانون البدو، والقانون العرفي، والشريعة الدينية، إلى جانب قانون الدولة؛ وهذا تجسيد لقبول الاختلاف أو لأهمية السياق الثقافي في اتخاذ قرار يتعلَّق بإحدى القضايا، إلا أن كلامه لم يلقَ آذانًا صاغية، بل كان كلامًا بغيضًا في سياق أفكار الدول الأوروبية حول «سيادة القانون». كان الفقهاء القانونيون الممثِّلون لبلادهم المصرُّون على فكرة أن المرء لا يستطيع الجمع بين الهويتين الأوروبية والإسلامية في نفس الوقت، من إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والدنمارك؛ بينما بَدَا أن الفقهاء الممثِّلين لألمانيا وإيطاليا ربما تعلَّموا درسًا من الحرب العالمية الثانية حول عدم التسامح والعصبية والإبادة الجماعية. ولا داعي لِلَفْتِ انتباهكم إلى أن هذه النقاشات كانت تدور بين مشاركين ذوي طابع حضري، كان المفترض أن يكونوا أكثرَ حساسيةً تجاه أفكار مثل الاستثنائية ومعنى «عملية فرض التحضُّر». والمفارقة في الأمر أن النقاشات كانت تدور بينما كانت أحداث أبو غريب وجوانتانامو والتفجيرات نماذجَ حيةً وجاريةً للإهانات الصادرة عن «المتحضِّرين».

شهدت الولايات المتحدة موجةً ظاهريةً من الغضب الشعبي بسبب فضائح التعذيب في سجن أبو غريب، ولكن لم يتبع تلك الاستجابة الأوليَّة الغاضبة أي تغيير يُذكَر، ولكن الأمر لم يتوقَّف عند هذا الحد بالنسبة إلى الرسام الكولومبي المشهور عالميًّا بوتيرو. كان بوتيرو في طريقه إلى باريس عندما تصدَّرَتْ أخبار سجن أبو غريب الصفحةَ الأولى لصحيفة نيويورك تايمز، ولم يتمكَّن من زحزحة الهلع الذي أوقعَتْه الصور في نفسه؛ فأمضى شهورًا في مرسمه في باريس يرسم فظائعَ أبو غريب، وعند انتهائه من العمل لم يستطِع العثورَ على متحف فني واحد في الولايات المتحدة يقبل عرضَ أعماله، وحتى عندما قبلَتْ جامعة كاليفورنيا في بيركلي أخيرًا بعرضه، لم يُقَمِ المعرض في المتحف الفني للجامعة ولكن في المكتبة الرئيسية، بفضل دعم اثنين من أعضاء هيئة التدريس واثنين من المتبرِّعين وأحد كبار أمناء المكتبة الذي أدرك أهمية مشاهَدة الجماهير لأهوال التعذيب؛ لتقليص إمكانية ممارسة التعذيب في المستقبل. والسؤال هو: هل يوجد ما قد يساعدنا على فهم مثل هذه الأحداث في إطار الأفكار الأورو-أمريكية عن الثقافة والكرامة؟ أم أن الأمر يتخطَّى مثل هذه الرقائق الثقافية ويَصعُب تفسيره إلا في إطار أفكار الاستعلاء الثقافي؟ هل السر وراء رفض معرض بوتيرو هو الإنكار الأمريكي؟ أم الرقابة؟ أم كلاهما؟ حضر آلاف من الزائرين لمشاهدة المعرض، ونقل البعض أن اللوحات كانت أقوى تأثيرًا من الصور الفوتوغرافية؛ نظرًا لإصابة الأمريكيين بالتبلُّد تجاه العنف المعروض في صور فوتوغرافية، ولربما فَسَّرت السلطات في المتحف الفني التابع للجامعة رفْضَها إقامة المعرض هناك مستندةً إلى أن لوحات بوتيرو لم تمثِّل فنًّا حقيقيًّا.

في عام ٢٠١١م، اعتمدت الأمم المتحدة قرارًا بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، وكانت الحرب على أفغانستان — بقيادة أمريكا — طاحنة، وبَدَا أن حرب العراق تتجه نحو حالة من الاحتلال الدائم في ظل استبدال قوات أمن خاصة من المرتزقة بالجنود الأمريكيين والقواعد الأمريكية؛ وفي هذه الأثناء، أَطلَقت طبول الحرب على إيران نفسَ الخطابات القديمة المبتذلة عن الشعوب الإسلامية من جديد، إلى جانب التعميمات المُحمَّلة بالخرافات التي ظلت متداولةً لقرون.

ففي عام ٢٠٠٧م، عندما وجد لي سي بولينجر رئيس جامعة كولومبيا نفسَهُ أمام دعوة موجَّهة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد لإلقاء خطاب بالجامعة (وهي دعوة لم يسعَ إليها بولينجر بنفسه، وإن وجب عليه الالتزام بها)، ما كان منه إلا أن قدَّم الرئيس الإيراني بأسلوبٍ افتقَرَ لأبسط قواعد اللياقة، فضلًا عن حفظ الكرامة؛ فالأكيد أن خطاب التقديم لم يكن تقديميًّا، بل كان هجوميًّا؛ كان عبارة عن اعتداءٍ لفظيٍّ استغرق عشر دقائق كاملة (كوبر، ٢٠٠٧). وصف بولينجر في خطابه أحمدي نجاد بأنه ديكتاتور تافه وقاسٍ، وبَدَا أنه بختام كلمته كان قد ساهَمَ بقَرْعة إضافية على طبول الحرب على إيران. لقد أضاع بولينجر على نفسه الفرصة باعتباره مُعلِّمًا، فضلًا عن صفته مضيفًا للفعالية، فعجز عن إدراك الظلم. كان بإمكانه استعراض بعض الأحداث التي كانت سببًا في استشعار إيران لمرارة الظلم من الولايات المتحدة على الأقل منذ الإطاحة بمحمد مصدق عام ١٩٥٣م. كان بإمكانه الإشارة إلى قضية إيران-كونترا واختطاف الرهائن الأمريكيين. كان بإمكانه كذلك الإتيان على ذِكْر الدعم الأمريكي للحرب العراقية على إيران — التي كبَّدَت الإيرانيين ما يزيد على المليون روح، علاوة على توالي التهديدات التي وجَّهتها إليها الولايات المتحدة وقرارات الحظر التي فرضتها عليها بتحريضٍ من اللوبي الإسرائيلي في أغلب الأحيان — كما كان يجب أن يفعل أي أستاذ جامعي، فما بالك برئيس جامعة مرموقة؟! كان الخطاب تجسيدًا للتعصُّب السياسي في أسوأ صوره، وبرَّره بولينجر بحجة دعمه لحرية التعبير. وعلى الرغم من فاصل التقريع العلنيِّ الذي أنزله بولينجر بالرئيس الإيراني، فإننا لم نجده يتوجَّه بنفس التقريع لرئيسه المتحارِب بوش باسم حرية التعبير والنقاش المفتوح. إلا أن رد فعل أحمدي نجاد على هذه الإساءات اللفظية كان وقورًا؛ ففي بلاده ليس المُعتاد أن يُعامِل المضيفُ ضيوفَه بهذا الأسلوب المُهين: «في إيران، تقضي التقاليد عند دعوة شخصٍ للتحدُّث، أن نكون صادقين في احترامنا لطلَّابنا، بحيث نسمح لهم أن يصدروا حكمهم الخاص، ولا نرى ضرورةً لسرد قائمة من الاتهامات لتحصين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، حتى قبل إلقاء الخطاب» (كوبر، ٢٠٠٧). كان جليًّا على الملأ مَن منهما المتحضِّر ومَن الهمجي.

شهد نفس العام إقامةَ فعالية «أسبوع التوعية بالفاشية الإسلامية» التي نظَّمها مركز الحرية الأمريكي المُحافِظ، على مستوى البلاد، من أجل «اختراق حاجز لغة المُوارَبة اللائقة سياسيًّا التي تسود الجامعات الأمريكية، إن أردنا مساعدةَ قواتنا الباسلة التي تحارب الإسلاميين الفاشيين في الخارج» (داود، ٢٠٠٧). ونُقِل عن أحد المتحدثين في الفعاليات تقريعُه للناشطين النسويين وللديمقراطيين قائلًا: «إن وجود الفاشية الإسلامية واقعٌ لا جدالَ فيه، وأجد سرْدَ تفاصيل عن همجية ووحشية العدو مجردَ حَشْوٍ مضجر … أنا أرغب في قتلهم.» نفس هذا الشخص قال أيضًا إن اليهود بحاجةٍ إلى أن يصيروا «أرقى»، وإن البلاد ستكون أفضل إن كان الجميع مسيحيين. وفي حين شهدت الجامعات كذلك مظاهرات تحتجُّ على «شيطنة المسلمين»، ووَصَفَ أحد نشطاء السلام تعبيرَ الفاشية الإسلامية بأنه «أكثر من غوغائي»، والفعالية كلها كجدول أعمال «لترسيخ الكراهية ضد الإسلام»، ظلَّ آخَرون ينفخون في النار ويتحدَّثون عن «العاصفة المُحتَشِدَة» للتطرُّف الإسلامي والأيديولوجية التي تحرك الجماعات الإرهابية. وبحلول عام ٢٠١٠م، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يُهاجَم في وسائل الإعلام الرئيسية لعدم توافُقه لغويًّا؛ وذلك لعدم استخدامه تعبيرات مثل «الإرهاب الإسلامي».

أتى عام ٢٠١٠م بصرخة احتجاج أخرى من الشعب الأمريكي في خضم الجدل الذي أُثِير حول تشييد مركز إسلامي ومسجد بالقرب من جراوند زيرو (موقع انهيار برجَيْ مركز التجارة العالمي)؛ فعَلَا صوت السياسيين وذوي ضحايا هجوم ١١ سبتمبر (الذي راح فيه ضحايا مسلمون أيضًا) على الأصوات المنادية «بحرية الدين» وأخرسَتْها، وساهم المُنظِّرون الجمهوريون أمثال نيوت جينجريتش وسارة بالين في إذكاء التعصُّب. وحتى الأوساط الأكاديمية طالها الزللُ؛ فأشار مارتي بيريتز المُحاضِر في جامعة هارفرد إلى أن المسلمين غير جديرين بالامتيازات التي يمنحها التعديل الأول للدستور (بيريتز، ٢٠١٠). وعادت لغة الكراهية إلى الظهور من جديدٍ في الخطاب الشعبي والوطني، وبالنسبة إلى البعض، يمثِّل جراوند زيرو رمزًا للحرية؛ للإسلاموفوبيا. وجاء الدعم للمركز الإسلامي المقترح من عمدة نيويورك مايكل بلومبرج، فوصف المشروع في خطابٍ له ألقاه على جزيرة جفرنرز بأنه يمثِّل «أحدَ الاختبارات المهمة التي قد نشهدها في حياتنا في الفصل بين الدين والدولة، ومن الأهمية بمكان أن نأخذ القرار السليم» (بلومبرج، ٢٠١٠). كل هذا يعكس موقفًا متقلِّبًا يلفت الانتباه مرة أخرى لتناقض الأمريكيين في تعاملهم مع أمثال التنوع والتسامح والمساواة التي نقدِّرها جميعًا.

وإذا ما أتينا إلى أصل تعبير الفاشية الإسلامية فسنجده غير أكيد حتى اليوم، إلا أن المعنى الأعم يشير إلى استغلال الإسلام كغطاء للفِكْر الشمولي (علي وآخَرون، ٢٠١١). ولكن، أَلَمْ يكُن الرئيس جورج بوش الابن نفسه هو القائل عام ٢٠٠٦م إن «هذه الأمة في حالة حرب على الفاشيين الإسلاميين المستعدين لاستخدام أي وسيلة للقضاء على مَن يحبون الحريةَ من بيننا»؟ (بوش، ٢٠٠٦)، مع العلم بأن مخططات الانقلابات والغزو تمثِّل عمليًّا جزءًا من السياسة الخارجية الأمريكية. إن الكراهية غالبًا ما تكون مدفوعةً بالخوف، سواء أكان حقيقيًّا أم خياليًّا. وعلى الرغم من أن هذا التمهيد ليس مسرحًا للدفاع عن وجهة نظر أي سرد بعينه لمختلف المواقف التاريخية، فإنني سأشير إلى أن سردًا واحدًا على الأقل لتاريخ الشرق الأوسط، بقلم روبرت فيسك (٢٠٠٧)، ينتهي بملاحظة مفادها أن قدْرَ الصبر الذي تحلَّى به العالم الإسلامي في تعامُله مع الغرب مذهلٌ حقًّا، أخذًا في الاعتبار ما تحمَّله الشرق الأوسط من الإمبريالية الأوروبية أولًا، ثم من الإمبريالية الأورو-أمريكية اليوم.

ويشير كلٌّ من إليزابيث وروبرت فيرنيا في تعليقهما الحاذق على «الاستعمار شرقًا وغربًا» (١٩٩٧: ٨٨–٩٥) إلى عدة فروق: «بالنظر إلى ما يملؤنا من فخر بماضينا نحن الاستعماري، يصعُب في الغالب تفهُّم ردودِ أفعال العالم العربي لماضيهم هم الاستعماري: الغيظ، والخزي، والغضب، وألوان الغضب التي اشتعلت في هيئة مسيرات احتجاجية وثورات فلاحين وإضرابات وإرهاب وحروب عصابات، تصاعَدَتْ حتى صارت نزاعاتٍ أشدَّ عنفًا من كفاح أمريكا الاستعمارية في ثورتها على البريطانيين.» كان المستعمرون يتحدثون بألسنة مختلفة، سواء أكانوا العثمانيين أم الفرنسيين أم البريطانيين أم الإيطاليين أم الإسبانيين، ودانوا جميعًا، باستثناء العثمانيين، بديانة مختلفة، وجاءت مدارس التبشير الأوروبية لتحطَّ من شأن كيانات ومؤسسات أصيلة: كالقانون والدين والفن والزراعة والري، وصارت اللغة العربية عائقًا في طريق الترقي. وحتى بعد الاستقلال تواصل الاحتجاج على الوجود الأوروبي، ليزيد ويتصاعد أكثر مع الدعم الأمريكي لإسرائيل وحروب أفغانستان والعراق بعدها، فصارت التقاليد الدينية، والفخر بالفنون والأدب، والتقاليد التاريخية، سماتٍ مميزةً في رحلة البحث عن الكرامة.

وهكذا فإن الكراهية الشعبية غالبًا ما تكون مدفوعةً بالخوف، سواء أكان حقيقيًّا أم خياليًّا، إلى جانب محرِّكات الحروب الإمبريالية المتمثِّلة في أفكار السيطرة العسكرية والتجارية. وقد يساعد التعرُّف — ولو قليلًا — على ثقافة الآخَر في تقليص عامل الخوف، ولكن نجد أن مفكِّرة شهيرة مثل باربرا إيرينرايك في نقدها للفاشيين الإسلاميين لا تَعِي ما يكفي عن النساء المسلمات، لتتمكَّنَ من إقامة حجتها عن وضع النساء في البلاد الإسلامية؛ فجاءت كتابتها وكأنه لا وجودَ لأي اختلافات بين منطقة وأخرى. واللافت أنَّ مَن هم مِثْلها من المثقفين المشهورين لا يعرفون الكثيرَ عن الوضع الحقيقي للمرأة في الولايات المتحدة كذلك! فقط قارِنوا بين إحصاءات العنف الأسري في العالم العربي والولايات المتحدة وسوف تذوب الفروقُ؛ فإذا كان ٢٦٪ من الأزواج السوريين يضربون زوجاتهم (حسب منظمة العفو الدولية)، فإن حوالي ٢٦٪ من الأزواج الأمريكيين يضربون شريكاتهم (تشادين وثونس، ٢٠٠٠).

يدهشني دائمًا كيف أن المقارنات التي يعقدها الأمريكيون، اليمينيون واليساريون على حد سواء، مع الآخَر تتمُّ على أساسِ افتراضِ أن الأوضاع التي تعيش فيها المرأة الأمريكية أفضل من جميع النواحي من أوضاع المرأة في العالم العربي مثلًا أو في أي مكان آخَر! حاولتُ في «الاستشراق والاستغراب والسيطرة على المرأة» (نادر، ١٩٨٩) أن أوضِّح الادِّعاءاتِ القطعيةَ والأخرى المقابِلة لها التي شكَّلت جزءًا من الحوارات بين الشرق والغرب منذ عام ١٠٩٥م على الأقل، عندما دَعَا البابا أوربانوس الثاني لشنِّ الحروب الصليبية لتحرير القدس؛ إذ إن المقارنات الثقافية المُضلِّلَة تحوِّل الانتباه عن عمليات السيطرة التي تتمُّ شرقًا وغربًا. أردتُ أن أوضِّحَ كيف يمكن أن تُستخدَم صور النساء في المجتمعات الأخرى بطريقة مجحفة للنساء في مجتمع المرء نفسه؛ فمبدأ «إذا كنتم تظنون أن الوضع هنا سيئ، انظروا إلى النساء هناك» يمكن استخدامه في كلا الاتجاهين. في سبعينيات القرن العشرين، كان طموح الحركة النسوية في الولايات المتحدة يتمثَّل على الأقل في تحقيق التكافؤ في الأجور والفرص مع الرجال، وفي حق الحصول على إجازة رعاية طفل بنص القانون الاتحادي، وما زلنا حتى يومنا هذا لا نحصل على أجور مساوية، بالرغم من حدوث بعض التحسُّن، والوضع ينطبق على بقية مطالبنا؛ ولكننا حصلنا على حقِّ ممارسة الجنس، وحق تعرية سيقاننا وصدورنا، والحصول على صدور غير طبيعية، إلى جانب معدلات الاغتصاب المرتفعة في مهاجع الجامعة. بأسلوب آخَر، آثَرت النساء الحقوقَ الشخصية والجنسية على الحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية، ولكنهن مع ذلك لديهن يقين بأن المرأة الأمريكية تتمتع بحرية أكبر من النساء في أي مكان آخَر ومن كافة النواحي، بالرغم من أن قريناتهن في الشرق الأوسط يحصلن منذ زمنٍ وبمقتضى القانون على إجازة رعاية طفل، وأجر متساوٍ مع الرجال، وهما حقان لم أتمتَّع أنا شخصيًّا بهما قطُّ.

كذلك وسَّعَ مقالي «الاستشراق والاستغراب والسيطرة على المرأة» نطاقَ ملاحظةِ إدوارد سعيد القائلةِ بأن العالَم الإسلامي موجود «من أجل» الغرب، لتشمل فكرة أن الغرب هو الآخَر موجود «من أجل» العالَم الإسلامي؛ حيث إن مقارنة معدلات الاغتصاب وغياب دعم الأسرة وغيره يلمح إلى أن النساء المسلمات يعشن ظروفًا أفضل من أخواتهن الغربيات، والمقابلة في كلا الاتجاهين تُعَدُّ وسيلةً مهمةً لتقييد مقاومة المرأة والسيطرة عليها. وفي ختام مقالتي أشرتُ إلى أن ظهور الأيديولوجيات الجنسانية لا يكون نتيجةً للجدال الداخلي حول عدم المساواة بين الرجل والمرأة في مجتمع معيَّن فقط، ولكن أيضًا للحوارات الدائرة بين الأيديولوجيات السائدة في المجتمعات والمناطق الجغرافية المختلفة. بأسلوبٍ آخَر، أوضاعُ وترتيباتُ عيشِ الرجل والمرأة في المجتمع هي مسائل متكامِلة معقَّدة يمكن ربطها بفروق المستوى الكلي «بيننا وبينهم»، وهو الأسلوب الذي عادةً ما يُستَخدَم لتبرير أهوال الحرب. وعلى هذا النسق استغلَّ بعضُ الخبراء البرقعَ الأفغاني باعتباره «دليلًا» على الحاجة لتحرير أفغانستان خلال مرحلة التمهيد لغزو ٢٠٠١.

في الغرب، أقامَت الحكومة ومؤسسات الأعمال نوعًا من الهيمنة الثقافية، ورسَّختها ونشرتها بين شعوبها ونقلتها إلى العرب عن طريق المؤسسات الإعلامية والتعليمية والتنموية. في عهد جورج بوش الابن وصفت هذه المحاولات بأنها «تكسب قلوب وعقول» المسلمين، وذلك في الأساس من خلال المجهودات التعليمية والتدريب الوظيفي (سكَّرية، ٢٠٠٨). وفي الشرق لعبَتِ القوميات والقوى الدينية دورًا فعَّالًا في التأصيل للهيمنة الجنسانية، وكذلك في جهود التصدِّي لهذه الهيمنة؛ مما تسبَّبَ غالبًا في تدهور الوضع بالنسبة إلى النساء، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية حاليًّا. فعدم مناقشة أنظمة الهيمنة في إطار عملية التفاعُل بين مُختلف مناطق العالم يؤدِّي إلى التحيُّز ضد العالَم الإسلامي (كما لو كان كيانًا واحدًا)، من جانب غربٍ يمتلك سطوةً تكنولوجيةً أكبر؛ وذلك نتيجة للطريقة التي نُكوِّن بها فكرتنا عن أسلوب معاملتهم للمرأة ونضعه في قالب نمطي. في نفس الوقت، فإن نظرة التقدُّم المتنامي التي يرى بها الغربُ أوضاعَه — ويرضى عن نفسه في ضوئها — مترسخة ودائمة، وهو ما يعمل على تحويل الانتباه عن الآليات المتنوعة لبَسْط السيطرة الجنسانية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وبأسلوب أبسط، فإن صور النساء في المجتمعات الأخرى تعزِّز أنماط خضوع النساء في مجتمع المرء نفسه، كما في عبارات مثل: «إن كنتن تعتقدن أن الوضع هنا سيِّئ، فانظرن إلى معدل الاغتصاب في الولايات المتحدة.» أو «تأمَّلْنَ جرائمَ الشرف في سوريا» (قارنوا هذه الأرقام بنِسَب قتل الأزواج لزوجاتهم في الولايات المتحدة)! ولفهم ما يحدث بالفعل في ممارسات إخضاع النساء، انظر في تأكيدات المعلِّقين على الفاشية الإسلامية في إطار هذا السياق الأعرض. المجتمعات الشرقية والغربية جميعها مجتمعات أبوية؛ ففي كلتا الناحيتين تتعرَّض النساء للإخضاع بأساليب مختلفة، بصرف النظر عن الموجات النسوية الأخيرة التي تتباهى بالتطوُّر الحاصل. تشهد بعض النواحي تحسُّنًا (مثل زيادة أعداد الأستاذات الجامعيات والطبيبات والمحاميات)، بينما تتدهور النواحي النوعية (كما في ارتفاع معدلات اغتصاب النساء في أحرام الجامعات). ووفقًا لهوانج (٢٠١١: ١٣٦٦)، وصلت نسبة الفارق بين رواتب العلماء من الرجال والنساء عام ١٩٧٤م إلى ٣٢٪ لصالح العلماء الرجال. وفي عام ٢٠٠٩م، أظهرت البيانات الإحصائية للجنة تكافُؤ فرص التوظيف أن العاملين من مختلف الأقليات ومن النساء يواجِهون حاجزًا غير مرئيٍّ أمام فرص ترقِّيهم في أعمالهم، وفي العام التالي جاءت الولايات المتحدة في الترتيب الرابع والثمانين في مؤشر الوضع الجنساني الخاص بالبنك الدولي التابع للأمم المتحدة، وذلك مقارنةً بدول أخرى مُصنَّفة في عدد من المؤشرات. وفي اجتماعات الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا في مونتريال مؤخرًا، التي انعقدَتْ عام ٢٠١١م، أشار منذر كيلاني (٢٠١١) إلى أنه «سواء أكانت [المرأة] سافرةً كما في تونس أم محجَّبة كما في البحرين، فإنها تكون حاضرةً في المظاهرات التي تزلزل الدول العربية من الأطلسي وحتى الخليج»، واختتَمَ كلمته قائلًا: «جميع الخرافات المنتشرة حول العرب في طريقها إلى الزوال.»

تطبيع الاختلاف والتحوُّل العظيم

إنَّ مجرد التفكير في مجالَيِ المشكلات العرقية والحلول العرقية يقود الإنسان إلى إدراك أن الاختلاف من أهم شواغل عصرنا هذا. انظر إلى كمِّ العمل الذي يبذله مُصلِحو الكون البسطاء في إطار التعامُل مع الاختلاف باعتباره «مشكلة»، مثل هذا الإصرار على التعامُل على هذا الأساس يدفعني إلى التساؤل عن السبب، وعن متى يكون الاختلاف غير مستحوذ على الاهتمام إلى هذه الدرجة؟ يعزو البعض مشكلةَ الاختلاف إلى ظهور الدول القومية، وهو ما يؤدِّي بدوره إلى رسم الحدود التي تُعيَّن غالبًا على أساس الاختلاف (انظر نوربيرت إلياس، ١٩٧٨). ويذهب آخَرون داخل نفس هذا الإطار إلى أنه على الرغم من أن الحركة (الهجرة) ليست شأنًا جديدًا، فإنها تُعَدُّ مشكلةً بسبب ما يُسمَّى بالهوس القومي بالتجانس؛ فعلى سبيل المثال: أصحاب الأصول اللاتينية، الذين تُعَدُّ الإسبانيةُ اللغةَ الأولى لأغلبهم وليست الإنجليزية، هم الجماعة العِرقية الأكبر في ولاية كاليفورنيا حاليًّا. ولكن ما الذي يحدث فعليًّا عندما يجتمع الوطنيون والمهاجرون، خصوصًا مع الأخذ في الاعتبار أن القوميين الأوروبيين والأمريكيين يرون أنفسهم «متسامحين» بالفطرة؟ والتحلِّي «بالتسامح» هنا يعني ضمنًا أن المشكلات لا شكَّ أنها صنيعة المهاجرين. لا يفهم الناس أن الرؤساء التنفيذيين للمؤسسات الصناعية يريدون هؤلاء المهاجرين؛ لأنهم يوفِّرون عمالةً منخفضة الأجر، ويتسمون بالخضوع نسبيًّا، على عكس العمال الأوروبيين والأمريكيين التابعين للنقابات، كما يتم استخدامهم لإنجاز الأعمال التي لا يرغب الأوروبيون والأمريكيون في القيام بها (نيويورك تايمز، ٢١ سبتمبر ٢٠١٠م). بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تكون هجرة المكسيكيين ومواطني أمريكا الوسطى هربًا من الأوضاع الاستبدادية في بلادهم، التي غالبًا ما تكون مدعومةً من جيش الولايات المتحدة والسياسة الخارجية.

ومع كل هذا الانهماك في الحديث عن الاختلاف، كثيرًا ما تتوه ملامحُ التشابُه بين السكان المحليين والمهاجرين؛ فكلاهما في أوروبا يتبعان عاداتٍ استهلاكيةً واحدة؛ فيشربان الكوكاكولا أو غيرها من المشروبات الغازية، ويستخدمان أجهزة الكمبيوتر، ويشاهدان التلفاز، ويتبعان نفسَ خطوط الموضة للأزياء الرسمية. وكثيرًا كذلك ما ننسى أن المدن المركزية العالمية مثل لندن لطالما كانت متعدِّدةَ الثقافات منذ العصور الوسطى وقبل وصول الإسلام، ومثلها باريس ومدريد وبروكسل ومدن أخرى شبيهة (أسد، ١٩٩٠، خاصة الملاحظات ٤–٧).

قارِنْ بين مشكلات أوروبا المعاصرة مع المهاجرين المسلمين والوضع في الشرق الإسلامي، حيث تمَّ ترسيخ مبدأ التعايش باعتباره مثلًا أعلى، وربما كان ذلك لضمان البقاء للجميع (نادر، ٢٠٠٦)، وانظر كيف تُوصَف فترة إسبانيا العصور الوسطى بأنها كانت زمانًا ومكانًا تعايَشَ خلالهما المسلمون والمسيحيون واليهود، فتاجروا وقدَّموا إسهامات فريدة في الفن والأدب (مينوكال، ٢٠٠٢؛ لوني، ٢٠٠٥)، ولاحِظْ كيف تنقسم سوق دمشق اليوم إلى ثلاثة أقسام: المسلم واليهودي والمسيحي. إن الفصل بين الجماعات المختلفة يكون مُجدِيًا في مثل هذه السياقات؛ إذ إن المجتمعات العِرقية قادرةٌ على تحقيق التعايش، بل إنها تحقِّقه بالفعل؛ فيعيشون في المدن في مناطق تُعرَف باسم الطائفة التي تسكنها، ولكن ليس بالطبقة الاجتماعية. وكانت الإمبراطورية العثمانية التي دامت ٥٠٠ عام تضم مناطق أقليات تتمتَّع بالحكم الذاتي فيما يخص الأمور المتعلِّقة بالقانون والدين.

من الأهمية بمكان عند تعقُّد العلاقات أن نعترف بالمزايا الكامنة في وجود المهاجرين والاختلاط من حيث التذوُّق الفني، وتنوُّع المطابخ، والأفكار العلمية والهندسية، كما أنه من الجيد ألَّا نتناسى أنه على مدار قرون كان سبب الهجرة العكسية من أوروبا إلى الشرق الأوسط هو اندلاع الحروب أو ممارسة التجارة أو الاستعمار أو أداء الحج، حتى إن سكان الموانئ الشمال أفريقية كانوا متنوعي الجنسيات بسبب هجرة مئات الآلاف من الفرنسيين والإسبانيين والإيطاليين واليونانيين. وفي عام ١٩٠٧م كان ٢٥٪ من سكان الإسكندرية و٢٨٪ من سكان بورسعيد من الأجانب (عيسوي، ١٩٦٩: ١٠٨-١٠٩)؛ حينها كان التنوُّع والاختلاف هما الوضع الطبيعي.

ولكن نظرًا لعدم معرفة معظم الأوروبيين بهذا التاريخ، فهم لا يستشعرون أيَّ عِرفان بالجميل عند انتقال المهاجرين من شمال أفريقيا إلى المدن الأوروبية. وأغلب المهاجرين أيضًا — نظرًا لعدم اطِّلاعهم — لا يعون أن الأوروبيين أنفسهم يحاولون التأقلم مع ما يقوم به الاتحاد الأوروبي من طمسٍ للاختلافات داخل أوروبا نفسها. غير أن الرؤساء التنفيذيين الأوروبيين يدركون تمام الإدراك أن «التعامي عن المعايير» يصبُّ في صالح صافي الأرباح. ويتعيَّن الدمج بين الحوارين القائمين حول الاختلاف والاختلاط الثقافي في ظلِّ عالَم مليء بهندسة اجتماعية ذات طبيعة ليبرالية جديدة؛ أي انتقال الاستثمار الرأسمالي والعمالة عبر الحدود الإقليمية وما يصاحب ذلك من تكوُّن نِسَب عالية من بطالة الشباب، ومشكلات أخرى تتعدَّى حدودَ الاختلافات الثقافية أو الدينية.

أحاول من خلال مقالاتي أن أدفع إلى دائرة الضوء كلَّ ما قد يكون خفيًّا، كما في المؤسسات التي تقيمها الرأسمالية المؤسسية والأصولية الدينية بأنواعها، سواء في الولايات المتحدة أم في العالم العربي، والتي ينتج عنها — دون أي داعٍ — صدْعٌ في علاقات الآباء وأطفالهم نُطلِق عليه اسم الفجوة بين الأجيال. والتحدي الأهم والأكثر إلحاحًا في هذا الإطار هو تقييم التأثيرات الخارجية والنتائج الاجتماعية والبيئية المستترة للرأسمالية المؤسسية، وأن ندرك ما يجري في عالمنا الجامح؛ إذ إن الرأسمالية المؤسسية تمثِّل نوعًا مختلفًا من الرأسمالية له آثار خطيرة ومباشِرة على البيئة الحميمية للعائلات والأطفال. وبالرغم من أن الرئيس ويلسون اعتبرها نوعًا من الدبلوماسية، فإن الأشخاص الواقعة عليهم آثارها لا يتفقون معه في هذا التوصيف. فنحن بحاجة لعمل تقييمات تصل نتائجُها إلى عالَم الأعمال؛ حيث إن رسم هذه الصلات لا يصبُّ فقط في صالح ضحايا الأفعال الجامحة للرأسمالية المؤسسية، بل يفيد القادةَ كذلك الذين قد يدركون أنهم شخصيًّا يعانون من حالةٍ من «التعامي عن المعايير» تروِّج لثقافةٍ تقوم على إنكار عواقب ممارسات الأعمال على المجتمع.

يعجُّ العالَم اليومَ بالغطرسة، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى مزيدٍ من التواصل التوافقي؛ لذلك قد يفيدنا أن نرجع بالتاريخ إلى الوراء لنتأمَّل مرآتَنا ونرى أنفسنا فيها. يتناول الفصل الثاني من هذا الكتاب — بعنوان «من رفاعة الطهطاوي حتى إدوارد سعيد: دروس في الثقافة والكرامة» — الدروس التي يمكن تعلُّمها من خلال تبنِّي مبدأ الاحترام المتبادل؛ إذ يتفق الطهطاوي وسعيد وغيرهما من المفكِّرين العرب المذكورين في الفصل، في رفضهما النظر إلى الأمور من خلال عدسة تقوم على التدرُّج الهرمي بين البشر، وعلى استعلاء المكانة؛ ففي النهاية يمكن القول إننا جميعًا بشر؛ ألسنا كذلك؟ كما يرفض كلاهما فكرةَ أفضليةِ ثقافةٍ أو شعبٍ بعينه على بقية الثقافات أو الشعوب بطبيعة الحال؛ فتحدَّتْ كتاباتهما نظريةَ القرن التاسع عشر الأوروبية للتطوُّر الأحادي الخط التي كانت (وما زالت) سائدةً، وكانت تقوم على تقسيم البشرية إلى ثلاثة مستويات هي: الوحشية، والبربرية، والتحضُّر، مع تصدُّر الثقافة الأوروبية للمستوى الأول؛ التحضُّر. ولكن الحكمة أو الجشع أو العنف ليست حكرًا على شعب بعينه أو على ثقافة بعينها، وإن قويت شوكة شعبٍ ما عن غيره من الشعوب خلال أي فترة من التاريخ؛ إذ لا داعي للمساواة بين امتلاك الشوكة وبين احتمالات التفوُّق أو الرقي، على الرغم من أن استعمالات القوة، خاصة تلك المدعومة بالتدمير التكنولوجي، من شأنها تحديد احتمالات بقاء الإنسان.

وعلى الرغم من أهمية فهم الاختلاف، فإن هذا الاختلاف إنْ لم يُوضَع داخل إطارٍ عامٍّ من الإنسانية، فقد يحيطه نوعٌ خطير من التعصُّب؛ وهنا يقدِّم كتابٌ مثل «العقل العربي» (١٩٧٣) لرافائيل باتاي دليلًا معاصرًا على ذلك؛ إذ يتغاضى عن أوجه التنوع ويركِّز على التعميمات المتجانسة ويعمِّم القوالب النمطية، كوسيلة لنزع صفة الإنسانية عن العرب. وهكذا لجأ الجيش الأمريكي، بأسلوب يفتقر إلى إدراك الاختلافات والفروق الطفيفة، إلى استخدام قوالب نمطية حول الخصوصية والجنس في تدريب الجنود لخوض المعارك في العراق، وكذلك ممارسة التعذيب داخل أسوار سجون مثل أبو غريب. ولكن تعريف حالات التعميم العِرقي ليس حكرًا على علماء الأنثروبولوجيا من أمثال باتاي (جونزاليس، ٢٠١٠: ٩٥-٩٦)؛ فالمؤرخون كذلك يتبنَّون نفسَ المواقف؛ فحتى كتابٌ تأريخيٌّ في جودة كتاب «العرب» بقلم أنتوني ناتينج (١٩٦٣) يُختتَم بكلمات مبتذلة من عيِّنة «عاطفية» و«غير عقلانية» و«عنيفة» لوصف أمة بأكملها، مع أنه يشير إلى أن الشعب الأيرلندي يمتلك نفس تلك الصفات! ولا تُجمِّل الصورة إضافة ناتينج أن كلا الشعبين يمتاز بسحر خاص وحسِّ فكاهة وما إلى ذلك من صفات؛ فمثل هذه الصفات يطالها النسيان في أوقات الأزمات كالحروب. كان يستطيع الكاتب عوضًا عن ذلك الإشارةَ إلى أن كلًّا من العرب والأيرلنديين عانوا من الاستعمار، أو أن الأوروبيين داوَموا على قتال بعضهم البعض على مدار ١٠٠ عام في حرب المائة عام التي امتدت من ١٣٣٦ حتى ١٤٥٣م.

المقارنة والإثنوجرافيا والتاريخ

قد لا تقتصر المقارنة على كونها وسيلةً معلَنة للعمل فقط، بل قد تصير أيضًا مسألةً يتعيَّن التعامُل معها في حد ذاتها، على حسب إن كان استخدامها صريحًا أم ضمنيًّا (نادر، ١٩٩٤). يتصدَّر الفصل الثاني من هذا الكتاب رحَّالة شهير يُدعَى رفاعة الطهطاوي. عاش رفاعة الطهطاوي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وسافَرَ إلى باريس بعد غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. وعلى الرغم من قِصَر فترة الوجود الفرنسي في مصر، فإن آثاره كانت عظيمةً على المصريين، الذين كانوا عُرضَةً للقوة العسكرية الأشد لأوروبا. ويظهر من كتابات الطهطاوي وأقرانه من الذين عاشوا خلال نفس تلك الفترة، أنهم كتبوا عن أوروبا بنفس أسلوب كتابتهم عن شعوبهم وعن الشعوب الآسيوية القريبة منهم، فكانوا منفتحين على العجائب التي قابلوها، وكان هدف كتاباتهم وَصْف كلِّ ما لاحظوه، وعلى الرغم من أن كتاب الطهطاوي قد نُشِر لأول مرة عام ١٨٣٦م، فإنه لم تَصدُر عنه أيُّ ترجمة إنجليزية حتى عام ٢٠٠٤م.

قضى رفاعة الطهطاوي أكثر من خمس سنوات بين الفرنسيين في باريس، وحاوَلَ خلال تلك الفترة التمييز بين العادات الفرنسية، فأخذ يعلِّق على نظافة الفرنسيين، أو على طريقة تعامُلهم مع جثث المتوفين، لافتًا النظر إلى التبايُنات الموجودة داخل الثقافة الواحدة، ومقارِنًا في الوقت نفسه بين الفرنسيين والمصريين. ولكن اهتمامه كان منصبًّا على تناوُل طبائعهم وخبراتهم الإنسانية؛ فتجاوَزَ التعامُل مع الفرنسيين والمصريين كشعبين، ليستكشف أساليب تنظيمهم العسكري، ومظاهر تطوُّرهم العلمي كذلك. إذا ما زعمنا نحن أن العرب لا يُحسِنون معاملةَ نسائهم، فإن هذا الزعم يفترض في طيَّاته أننا أفضل منهم من هذه الناحية، وهو افتراض يرفضه العلماء غربًا وشرقًا على حد سواء (نادر، ١٩٨٩). وإذا قلنا إن الشعب العربي شعب عنيف، فإن قولنا هذا يعني أننا ننكر أن المجمع العسكري الصناعي في الولايات المتحدة يُعَدُّ مؤشرًا على العنف، وليس على عدم العنف؛ ولذلك ينبغي علينا تشجيع التساؤل عن «طرف المقارنة» عند إجراء المقارنات البسيطة، كأنْ نسأل عند وصْفِ أيِّ شيء بأنه عاطفي وغير عقلاني عن الطرف الآخَر الذي يُقارَن معه؛ فمع مَن كانت المقارنة أو مع ماذا أو تحت أي ظروف؟ إذ إن كل ما هو ضمني ينبغي أن يصير صريحًا حتى نصل إلى حالة من التفاهُم المشترك. وجدير بالذكر أن هذا الموقف النَّشِط ليس مرادِفًا للنسبية، كما أنه لا يعني أنَّ أي شيء يمكن أن يُوضَع طرف مقارنة؛ كل ما في الأمر هو تقدير العقل القادر على التمييز.

يركِّز الفصل الثالث على «الإثنوجرافيا كنظرية: حول جذور الخلاف في الأنثروبولوجيا»، وعلى القواعد غير المُعلَنة التي تنظِّم كلًّا من المهنة والمجتمع الأعرض الذي يرعى الأبحاث الأنثروبولوجية. والنماذج الإثنوجرافية التي يستعرضها الفصلُ تتميَّز بالإبداع في إجراءاتها الإثنوجرافية، فتُخالف واحدة أو أكثر من القواعد غير المُعلَنة المُجمَع عليها التي تحدِّد دورَ الإثنوجرافيا؛ ممَّا يترتَّب عليه أحيانًا تحمُّل عالَم الإثنوجرافيا لبعض العواقب. ومن أمثلة تلك القواعد التي تكبح المهتمين بالإبداع العلمي: «لا تخرج عن النظام»، أو «لا تتخطَّ السلطةَ الأعلى منك»، أو «لا تطرح أسئلةً غريبةً أو غيرَ مألوفة»، والالتفات إلى «الحقائق التاريخية». ماذا يحدث عند الإعلان عن القواعد غير المُعلَنة؟ وكيف يؤثِّر ذلك على معرفة القرَّاء بالشعوب الأخرى؟ في مثل هذه الحالات تصير التجارب المُستعرَضة أفعالًا سياسية بصرف النظر عمَّا إذا كانت هذه هي نيَّة الكاتب أم لا؛ ولذلك يتناول هذا الفصل علمَ الإثنوجرافيا كمجال يزيد عن «مجرد الوصف» أو «طرح الرأي»، بل كوسيلة أنثروبولوجية تتيح لنا فهم الآخرين وأنفسنا فهمًا مناسبًا إلى حدٍّ ما. لقد كان تأثير الإثنوجرافيا على علومٍ شقيقةٍ كعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس تأثيرًا مذهلًا؛ فهي تمثِّل نوعًا خاصًّا من الوصف، حتى إن الوصف يُعَدُّ جزءًا لا يتجزَّأ من الأنشطة الإثنوجرافية باعتباره نظريةً في حد ذاته، إلا أن الدراسات الإثنوجرافية تتكوَّن من أكثر من أسلوب واحد، وهذا هو المقصود جزئيًّا؛ فنحن نقوم بالملاحظة، والعدِّ، وتحليل المستندات، والتأريخ، ومقارَنةِ أيِّ شيء قد يكون مفيدًا في تنظير أسلوب حياة الناس. إلا أن علم الإثنوجرافيا كان غير مفهوم بدرجة كبيرة، سواء في إطار علم الأنثروبولوجيا أم خارجه، وهو ما ساهَمَ في جعله يلقى رواجًا وانتشارًا ليس فقط بين العلوم الاجتماعية، بل في الاستكشاف الأدبي كذلك. غير أن الانعزال في مكانٍ ما خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو مجرد الخروج والتردُّد على مكانٍ ما، لا يُعَدُّ دراسةً إثنوجرافية سليمة، ولا مجرد الانحياز النوعي، ولا عد الدعاوى القضائية وتحليلها، ولا الانضمام للحملات العسكرية والانتقال معها؛ بل إن الانتقاء هو جوهر العملية والنظرية الإثنوجرافية، ويشاركه كذلك الموقفُ الأخلاقي المبنيُّ على عدم إيقاع الضرر. وهذا هو السؤال الأهم الآن: هل ننقل الواقع كما هو على عِلَّاته فيما يتعلَّق بالأطراف الضعيفة والقوية؟ وقد مثَّلت مسألة عدم إيقاع الضرر أساسَ النقاشات التي دارت حول دور علماء الأنثروبولوجيا المسافرين مع القوات الأمريكية إلى العراق وأفغانستان (جونزاليس، ٢٠٠٩). فما هي الجهة التي يمثِّلها عالم الأنثروبولوجيا؟ أضِفْ إلى ذلك الإجماع غير المُعلَن على ما يشكِّل الضرر.

تعدَّدت أنواع الدراسات الإثنوجرافية داخل الإطار الأنثروبولوجي، ولم يحدث أن نتج عن أي دولة أو سياق سياسي نموذج واحد بعينه؛ فدراسة الشعوب وسط ويلات الحرب تختلف عن دراستهم في نعيم السِّلْم أو خلال اجتياز مرحلة انتقالية. ولكن في الفترة الحالية وما تمتاز به من تركيزٍ على الوعي بالذات، أو ما يصفه البعض بأنثروبولوجيا الاستغراق في الذات، بدأ الاعتراف إلى حدٍّ ما بتأثير الاستعمار على عالم الأنثروبولوجيا في الماضي والحاضر، ونفس الشيء بالنسبة إلى الاستعمار الجديد والليبرالية الجديدة، فأصبحت العين التي تلاحظ خاضعةً للفحص والتدقيق؛ إذ إن علماء الإثنوجرافيا — سواء الذين اعتمدوا على أنفسهم في التدريب، ومَن تلقَّوا تدريبهم في أحد المتاحف أو كان تدريبهم أكاديميًّا في إحدى الجامعات، والقادمون من مختلف البلدان، كعلماء الإثنوجرافيا البريطانيين أو البرازيليين أو الأمريكيين أو اليابانيين — جميعهم يعكسون في عملهم مزيجًا من التأثيرات الشخصية والمجتمعية والثقافية والنظرية. وعلى الرغم من أن الإثنوجرافيا تُعَدُّ المنتَج الأساسي لمجهودات علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية الثقافية، فإن النظرية الإثنوجرافية تخضع للعملية نفسها بدقةٍ؛ لأن علماء الأنثروبولوجيا أنفسهم يدركون مدى النقص في أيٍّ من منهجيات عملنا، ومن ثم تكون النتائج خاضعةً للنقد، وهذا اعتراف بأن المعرفة ليست حياديةً — سواء في الأنثروبولوجيا، أو حتى في الفيزياء والأحياء — لذا يجب أن يكون التواضُع هو مساهمتنا في هذا العالم المليء بالكبر والعجرفة؛ إذ إن معرفتنا، مهما بلغت قيمتها، تظل دومًا منحازةً وغير كاملة أبدًا.

أما الفصل الرابع فيتناول قضيةَ السيطرة على المرأة في المجتمعات الأبوية الإسلامية والغربية، ويطرح فوائد الاعتماد على الوعي المقارَن (نادر، ١٩٩٤)؛ أي الوعي الدافع إلى التساؤل عن طرف المقارنة، ومن ثم توسيع السياق المحيط بافتراضات مُسلَّم بها؛ مثل القول بأن «النساء المسلمات تُعامَل معاملة سيئة.» وقد قادني هذا التساؤل التحفيزي حول طرف المقارنة إلى كتابة مقال «الاستشراق والاستغراب والسيطرة على المرأة»، وكانت المصادفة أنْ تمَّتِ الموافقة على نشره فورًا في بلجيكا بعد ما لاقَاه من نقدٍ لاذع في الولايات المتحدة، وقد استودعتُ في هذا المقال أقصى جهدي لشرح ديناميكيات السيطرة التي يتمُّ اتباعها من أجل التحكُّم في المرأة في مجتمعَيْن كلاهما أبوي. ولا شك أن اندلاع الربيع العربي عام ٢٠١١م قد فاق أيَّ مجهود أكاديمي في تحدِّيه للتصوُّر النمطي المعتاد للنساء المسلمات المقهورات لدى كلِّ مَن كان يظن أن المجتمع الأبوي الإسلامي يسيطر على المرأة بيدٍ من حديد.

وفي الفصل الخامس أناقِش «الأصولية المؤسسية: تنشئة الأطفال في الولايات المتحدة وغيرها من الأماكن»؛ فلا يوجد ما هو أهم بالنسبة إلينا جميعًا من مستقبل أطفالنا. وأسلِّط الضوء من خلال هذه المناقشة على روابط تبدو مستترةً عن نظر الجماهير في كلٍّ من الولايات المتحدة مهد الحركات الاستهلاكية المؤسسية، والعالم العربي. وقد أكَّدْتُ في مقال سابق لي (نادر، ١٩٨٠) ما سبق أن قاله آخَرون: إن الآباء الذين كانوا فيما مضى يتمتعون بالسلطة على أبنائهم ويتحمَّلون مسئوليتهم، صاروا اليومَ بين نارَيْن مع زيادة مسئوليتهم وانحسار سلطتهم في تربية أبنائهم.

أما الفصل السادس «الثقافة وبذور اللاعنف في الشرق الأوسط» فيدرس سياقات مختلفة لأحداث العنف التي اندلعَتْ، وأساليب حل النزاعات التي تمَّ التوصُّل إليها على مدار قرون قبل الاستعمار الغربي للتعامُل مع الفروق بين أفراد المذهب الواحد وبين المذاهب الدينية المختلفة، أو بين القبائل والمستقرِّين، أو بين الحضر والقرويين. والملاحَظ أن رسم النماذج النمطية السطحية لا يساعد على إدارة الدول؛ علمانيةً كانت أم دينية، ولا على التنبُّؤ بالسلوك.

يتناول الفصلان السابع والثامن — «التعامي عن المعايير وقضايا حقوق الإنسان المُعلَّقة: نفاق العصر» و«كسر حاجز الصمت: السياسة والاستقلال المهني» بالترتيب — قضايا حقوق الإنسان المعلَّقة، ويسلِّطان الضوء على الحاجة إلى الحدِّ من الالتفات لأبعاد التعصُّب العِرقي عند تعريف انتهاكات حقوق الإنسان. وجدير بالذكر أن مقال «التعامي عن المعايير وقضايا حقوق الإنسان المُعلَّقة» مثله مثل الفصل الرابع حول «الاستشراق والاستغراب والسيطرة على المرأة»؛ إذ نُشِرَ للمرة الأولى في البرازيل بسبب نفس مشكلة التعصُّب العِرقي التي يتناولها. أما الفصل الخاص بقضية «كسر حاجز الصمت» فقد انتهيتُ من كتابته قبل أسبوع من غزو العراق عام ٢٠٠٣م، وهو امتداد لنفس الموضوع والتساؤل حول الممارسة الأنثروبولوجية المقبولة في ظلِّ عالَمٍ تسيطر على أوساطه الأكاديمية قوًى مهيمِنة مختلفة. أما الفصل الختامي بعنوان «دروس»، فيستعرض الدروس التي يمكن تعلُّمها عن العالم العربي وعن أنفسنا، من خلال تطبيق أساليب المقارنة والإثنوجرافيا والتاريخ في ممارسة صَنْعة الأنثروبولوجيا، كما يقترح استراتيجيات لتوجُّهات جديدة.

مراجع

  • Ali, Wajahat, Eli Clifton, Matthew Duss, Lee Fang, Scott Keyes, and Faiz Shakir (2011) Fear Inc.: The Roots of the Islamophobia Network in America. Center for American Progress. Available at http://www.americanprogress.org/issues/2011/08/pdf/islamophobia.pdf (accessed April 16, 2012).
  • Asad, Talal (1990) Multiculturalism and British Identity in the Wake of the Rushdie Affair. Politics and Society, 18, no. 4, 455–480.
  • Bloomberg, Michael (2010) Mike Bloomberg on the Proposed Mosque in Lower Manhattan. Mikebloomberg.com, August 4. Available at http://www.mikebloomberg.com/index.cfm?objectid=38F02174-C29C-7CA2-FB24F2BA115AF739 (accessed April 20, 2012).
  • Bush, George W. (2006) President Bush Discusses Terror Plot Upon Arrival in Wisconsin. Office of the Press Secretary, August 10. Available at http://georgewbush-whitehouse.archives.gov/news/releases/2006/08/20060810-3.html (accessed April 3, 2012).
  • Cooper, Helene (2007) Ahmadinejad, at Columbia, Parries and Puzzles. New York Times, September 25. Available at http://www.nytimes.com/2007/09/25/world/middleeast/25iran.html (accessed April 20, 2012).
  • Dowd, Maureen (2007) Rudy Roughs Up Arabs. New York Times, October 17. Available at http://query.nytimes.com/gst/fullpage.html?res=9C06E1DB1E3CF934A25753C1A9619C8B63 (accessed April 20, 2012).
  • Elias, Norbert (1978) The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic Investigations. New York: Urizen Books.
  • Elliott, Justin (2010) Michael Bloomberg Delivers Stirring Defense of Mosque. Salon, August 3. Available at http://www.salon.com/2010/08/03/mayor_bloomberg_on_mosque/ (accessed April 3, 2012).
  • Fernea, Elizabeth Warnock and Robert A. Fernea (1997) The Arab World: Forty Years of Change. New York: Doubleday.
  • Fisk, Robert (2007) The Great War for Civilization: The Conquest of the Middle East. New York: Vintage.
  • Gonzalez, Roberto (2009) American Counterinsurgency: Human Science and the Human Terrain. Chicago: Prickly Paradigm Press.
  • Gonzalez, Roberto (2010) Militarizing Culture: Essays on the Warfare State. Walnut Creek, CA: Left Coast Press.
  • Huang, Alice S. (2011) Passions. Presidential Address. Science, 334, pp. 1362–1366.
  • Issawi, Charles (1969) An Economic History of the Middle East and North Africa. New York: Columbia University Press.
  • Kilani, Mondher (2011) What Are “Arab Revolutions” Expressions Of? An Anthropological Perspective. Unpublished paper presented at the American Anthropological Association Annual Meeting, Montreal, November 19, 2011.
  • Lowney, Christopher (2005) A Vanished World: Medieval Spain’s Golden Age of Enlightenment. New York: Free Press.
  • Mattei, Ugo and Laura Nader (2008) Plunder: When the Rule of Law Is Illegal. Malden, MA: Blackwell.
  • Menocal, Maria Rosa (2002) The Ornament of the World: How Muslims, Jews, and Christians Created a Culture of Tolerance in Medieval Spain. Boston: Little, Brown and Company.
  • Nader, Laura (1969) Up the Anthropologist: Perspectives Gained from Studying Up. In Reinventing Anthropology. Dell Hymes, ed. New York: Pantheon Books, pp. 284–311.
  • Nader, Laura (1970) From Anguish to Exultation in Mexico and Lebanon. In Women in the Field, P. Golde, ed. Chicago: Aldine Press, pp. 96–116.
  • Nader, Laura (1980) The Vertical Slice: Hierarchies and Children. In Hierarchy and Society: Anthropological Perspectives on Bureaucracy, G. Britan and R. Cohen, eds. Philadelphia: ISHI Press, pp. 31–43.
  • Nader, Laura (1989) Orientalism, Occidentalism, and the Control of Women. Cultural Dynamics, 2, no. 3, pp. 323–355.
  • Nader, Laura (1994) Comparative Consciousness. In Assessing Cultural Anthropology, Bob Borofsky, ed. New York: McGraw Hill, pp. 84–96.
  • Nader, Laura (2006) Naturalizing Difference and Models of Co-Existence: Concluding Comments. In Racism in Metropolitan Areas, R. Pinxten and E. Preckler, eds. New York: Berghahn Publishers, pp. 173–182.
  • Nutting, Anthony (1963) The Arabs. New York: Penguin.
  • Patai, Raphael (1973) The Arab Mind. New York: Scribner.
  • Peretz, Martin (2010) The New York Times Laments “A Sadly Wary Misunderstanding of Muslim-Americans.” But Really Is It “Sadly Wary” Or A “Misunderstanding” At All? The New Republic, September 4. Available at http://www.tnr.com/blog/77475/the-new-york-timeslaments-sadly-wary-misunderstanding-muslim-americans-really-itsadly-w (accessed 20 April, 2012).
  • Succarie, Mayssun (2008) Winning Hearts and Minds: Education, Culture, and Control. Ph.D. dissertation, University of California, Berkeley.
  • Tjaden, Patricia and Nancy Thoennes (2000) Extent, Nature, and Consequences of Intimate Partner Violence: Findings from the National Violence against Women Survey. US Department of Justice, NCJ 181867. Available at http://www.ojp.usdoj.gov/nij/pubs-sum/181867.htm (accessed April, 3 2012).

قراءات إضافية

  • Aziz, Barbara Nimri (2007) Swimming up the Tigris: Real Life Encounters with Iraq. Gainesville: University of Florida Press.
  • Doukas, Dimitra (2003) Worked Over: The Corporate Sabotage of an American Community. Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • Khan, Mirza Abu Taleb (2008 [1814]) The Travels of Mirza Abu Taleb Khan. Ontario, Canada: Broadview Press.
  • Nader, Laura (1996) Naked Science: Anthropological Inquiry into Boundaries, Power, and Knowledge. New York: Routledge.
  • Nader, Laura (1997) The Phantom Factor: Impact of the Cold War on Anthropology. In The Cold War and the University. Noam Chomsky, ed. New York: New Press, pp. 107–146.
  • Nader, Laura (2005) Law and the Theory of Lack. Hastings International and Comparative Law Review, 28, no. 2, pp. 191–204.
  • Price, David (2008) Anthropological Intelligence: The Deployment and Neglect of American Anthropology in the Second World War. Durham: Duke University Press.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠