الفصل الثاني

من رفاعة الطهطاوي حتى إدوارد سعيد

دروس في الثقافة والكرامة

إن التعصُّب العِرقي من أهم أسباب الانحراف عن الحق … والقدرة على رؤية الإنسانية وتقييمها … بعيدًا عن افتراءات التعصُّب العِرقي … وإن الإسهام في ترسيخ هذا التوجُّه … ربما يكونان أهمَّ مآثِر علم الأنثروبولوجيا.

إيه إل كروبر، ١٩٤٨: ٨٤٩

مقدمة

من الأهمية بمكان، خاصةً اليوم، أن ندرك أن الممارسات الغربية للهيمنة وفرض السيطرة ليست من المُسلَّمات؛ أي إنها ليست حتميَّةً؛ إذ توجد احتمالات أخرى (سواء أكانت في الماضي أم الحاضر أم المستقبل)، فثقافات جديدة يمكن أن تظهر إلى النور، وهذا يحدث بالفعل، وتوجد العديد من الطرق المثمرة لإقامة علاقات عالمية. لكن التعصُّب العِرقي داءٌ يولِّد الكِبْر والعجرفة أيًّا كان منشؤه، والاطِّلاع على تاريخ عالمنا ككلٍّ من شأنه المساعدة على تقليص عواقبه الوخيمة. فمثل هذا التاريخ العالمي يُثرِي القصصَ المتركِّزة حول الغرب، وينقض الروايات الأوروبية أو الأورو-أمريكية المُحمَّلة أيديولوجيًّا عن الاستثنائية، والتي تسلك مسالكَ إمبرياليةً إلى أقاصي الأرض بعيدًا عن الحدود الأورو-أمريكية، وعادةً ما تقوِّض احتمالات بناء الديمقراطية. في وقت ما من الماضي «كانت آسيا هي العالَم» (جوردون، ٢٠٠٨)، وهذا المقال جزء من عمل أكبر يتناول النظرةَ إلى «الغرب» لدى رحَّالة من حضارات أخرى قائمة؛ كالحضارة اليابانية والصينية والهندية والإسلامية (سواء أكانت رؤيةً تتسم بالتعصُّب العرقي أم غير ذلك)، أيًّا كان معنى الكلمة (الغرب) لدى المبشرين، والدبلوماسيين، والعلماء، والتجار، والأعداء الذين احتكُّوا احتكاكًا مباشِرًا بأوروبا والعالم الجديد.

وعلى الرغم من رغبتي في التركيز على تعليقات القرنين التاسع عشر والعشرين، مع الإشارة بشكل خاص إلى عمل رفاعة الطهطاوي وإدوارد سعيد، فإنه من المفيد معرفة أنه يوجد مَن سبقهما. لقد سار البشر في شعاب الأرض منذ بدء الخليقة، وقابلوا شعوبًا أخرى، وكانت لهم آراؤهم فيهم واقتبسوا منهم، ولكننا لم نسجِّل أي أخبار عن هذه الأسفار والرحلات إلا مؤخرًا. ففي القرن السابع بعد الميلاد انطلق المبشِّر الصيني البوذي تشيونتسانج غربًا (بيل، ١٩١١)، وكان الغرب بالنسبة إليه هو الهند، وكتب انطباعاته عن الحضارة الهندية مُقدِّمًا وصفًا تفصيليًّا لنظامهم الاجتماعي الطبقي الطائفي، وصور تأدُّبهم، وأسلوب زراعتهم لأراضيهم، ومناخهم. كانت الديانةُ السائدة في الهند في زمن تشيونتسانج هي البوذية، وتطوَّرَ الأمرُ منذ ذلك الحين لتحلَّ محلَّها الهندوسيةُ بعد عودتها للظهور، بالإضافة إلى أقليات كبيرة من المسلمين والسيخ والجاينيين. إن الأزمنة تتغيَّر، ومعها تهاجِر الديانات.

وفي عام ٩٢٢ بعد الميلاد أرسَلَ خليفةُ المسلمين الداعيةَ العربي ابن فضلان (فراي، ٢٠٠٥) من بغداد إلى روسيا ليدعو التتارَ إلى اعتناق الإسلام، وقابَله أثناء صعودِهِ نهرَ الفولجا منظرُ التجار الاسكندنافيين يحملون الخرز ويلبسون الأحذية، وكان الخرز في تلك الفترة هو العملة المتداوَلة من الكونغو وحتى الصين. ويُعَدُّ ما كتبه ابن فضلان أقدمَ نصٍّ معروف يقدِّم وصفًا تفصيليًّا للتجار الاسكندنافيين أثناء سفرهم إلى نهر الفولجا ليجنوا أرباحَ التجارة البرية المثمِرة من الهند والصين، وقابَلَ الداعيةُ الإسلامي تجارًا أذهلَتْه سلوكياتُهم وتقاليدهم إلى درجة بالغة؛ كانوا بالنسبة إليه مجموعةً من الهمج المفتقرين للتحضُّر، ورأى أنهم أقذرُ مخلوقات الله في أرضه، سواء من حيث النظافة البدنية أم السلوكيات. وكان أكثر ما استحوذ على انتباه ابن فضلان أمور الاغتسال والاستحمام والممارسات الجنسية لديهم.

وتُظهِر سجلَّات المؤرِّخين العرب الذين عاصَروا الحملات الصليبية خلال القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، نقدًا مماثِلًا لنقد ابن فضلان بحسب رواية أمين معلوف (١٩٨٤)؛ حيث رأى هؤلاء المؤرخون العرب أن المواجهة كانت بين الشرق المتقدِّم ثقافيًّا و«الوحوش البرية» المتقدِّمة تكنولوجيًّا في الغرب، التي لم تكن تألف في الأساس سوى الدماء والتعذيب والوحشية؛ فقارنوا بين عقلانية العرب وتقديرهم للكتب وبين الغربيين وتدميرهم للكتب. وتوجد كذلك ملاحظات استهجانية شبيهة فيما يتعلَّق بالممارسات القضائية، ورفض التنوُّع، والتعصُّب الديني المرتبِط بالحملات الصليبية، إلا أن الفجوة الكبرى بين الشرق والغرب كانت في مجال الطب؛ فأساليب العلاج التي اتَّبَعها الفرنجة (وهو الاسم الذي أطلقه العرب على الأوروبيين) في ممارساتهم الطبية لم تكن تشفي المرضى، على عكس الوسائل التي اتَّبَعَها الأطباء العرب.

وعند المقارنة بين مثل هذه الروايات الصادرة عن الطرفين، وكما تشير أعمال كلٍّ من جانيت أبو لغد (١٩٨٩) وإدوارد سعيد (١٩٧٨)، نجد فيما كتبه المؤرخون العرب عن الغربيين وما كتبه الغربيون عن العرب، انعكاسًا تامًّا للشرق في عدسة الغرب؛ فكلٌّ منهما ينظر إلى الآخَر باعتباره همجيًّا. وهذه المقارنات بين الجانب المتحضِّر والآخَر المتقدِّم تكنولوجيًّا، لم تزَل مستمرةً حتى يومنا هذا في قلب حضارات أخرى تمتدُّ من جبل طارق وصولًا إلى اليابان؛ فقد أخبرني حاكم مغربي مؤخَّرًا — ونحن نتناقش حول الحكمة في قرار وضْعِ مفاعلات ماء خفيف فرنسية في المغرب — أن «الفرنسيين لا يملكون أيَّ ثقافة ولا حضارة، ولكنهم يملكون التكنولوجيا.» إن التقدُّم التكنولوجي لا يساوي الحضارةَ بالضرورة. وبينما يلوِّن بعضُ الملاحظين العالَم إما بالأسود وإما بالأبيض، يعاني آخَرون من أوهامٍ بأنهم محصَّنون ثقافيًّا ولا يمسهم شيء. وفي المملكة العربية السعودية رفعوا شعارَ حداثةٍ من دون تغريب، وعندما سألتُ عن مدى مصداقية تطبيق هذه المعتقدات على أرض الواقع، أشار لي أحدُ السعوديين إلى لافتةِ متجر سيفواي في جدة، وكان مكتوبًا عليها «مفتوح ٢٤ ساعة، فيما عدا أوقات الصلاة.» ولكن رفاعة الطهطاوي كان أكثر دقةً في ملاحظاته حول الثقافة الأوروبية، أو الفرنسية بالأساس، كما سنرى.

رفاعة الطهطاوي وفرنسا

كان الغزو النابليوني لمصر عام ١٧٩٨م إنذارًا ببدء سلسلة جديدة من المواجهات بين العرب والغرب، كانت الأولى في حِدَّتها منذ الحروب الصليبية، وتصفها ساندرا ناداف (١٩٨٦) بأنها بمنزلة اتصال إجباري بين ثقافتَيْن مختلفتين اختلافًا جذريًّا. وكان أول عهدٍ لي بعمل الطهطاوي من خلال مقال وجيز للغاية بقلم ناداف بعنوان «صور منعكسة: رفاعة الطهطاوي والغرب». ولكن مغامرة نابليون أثمرَت اهتمامًا أوروبيًّا جديدًا بالشرق تمثَّلَ في بزوغ عصر البعثات الأوروبية العظيم المعروف باسم الاستشراق. وفي نفس تلك الفترة بدأ الشرق في إعادة استكشاف الغرب، بالرغم من قلة الترجمات الإنجليزية لكتابات أوائل الرحَّالة إلى أوروبا، وطول الفترات الزمنية بين كلِّ ترجمة وأخرى (مطر، ٢٠٠٣). ويصف نبيل مطر هذه الكتابات الأولى بأنها جزءٌ من تقليد موجود بالفعل؛ إذ لم يكن الرحَّالة روَّادًا لإمبريالية إسلامية مكرَّسة لإحداث تغيير، «بل دوَّنوا أخبارًا تجريبية عن أوروبا بنفس الدقة التي اتبعها العديد من إخوانهم في الدين لوصف رحلاتهم داخل العالم الإسلامي … لقد ذهبوا بعقول متفتحة، وخالية من أي معلومات سابقة كصفحة بيضاء» (مطر، ٢٠٠٣: ٣٢)؛ «إذ نظر هؤلاء الكُتَّاب إلى السفر باعتباره وسيلةً لتجربةِ ما هو مختلف ثقافيًّا واجتماعيًّا، وليس استنكاره» (٢٠٠٣: ٣١)؛ خاصةً عندما كانت كتاباتهم موجَّهة لمسئولين حكوميين أو دينيين، فوصفوا ما رأوه من أراضٍ وتقاليد وديانة ونظام اجتماعي، ولم يكن يوجد حينها «استغراب» حقيقي (الكتابة عن الغرب) حتى يُعَدَّ مقابِلًا «للاستشراق» (الكتابة عن الشرق).

كان رفاعة الطهطاوي مشارِكًا في أول بعثة علمية يرسلها رائدُ الحداثة الطموح محمد علي (١٧٧٠–١٨٤٩م) إلى الغرب، وقضى الطهطاوي خمسة أعوام في فرنسا، عاش معظمها في باريس. وفي عام ١٨٣٤م قام بنشر كتابٍ حول ملاحظاته خلال الفترة من ١٨٢٦ إلى ١٨٣١م بعنوان «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». أما كتاب «الرحلة» الذي سجَّلَ فيه الطهطاوي انطباعاته عن سلوكيات الفرنسيين وتقاليدهم، فقد كتبه بالتزامُن تقريبًا مع كتاب البريطاني إدوارد لين عن القاهرة بعنوان «سلوكيات المصريين العصريين وتقاليدهم» (١٨٣٦).

عندما نشر الطهطاوي أولَ دراسة إثنوجرافية عربية عن «أرض غريبة ذات تقاليد غريبة» في أوروبا، قدَّم وصفًا للإنجازات الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرنسيين وأكثر. وتقول ناداف في تعليقها الدقيق:

لا يقف الغرب في النهاية بالنسبة إلى رفاعة الطهطاوي كأحد طرفَيْ علاقةٍ يحكمها الاختلافُ المطلَق مع الشرق، كما أنه لا يقف كمادة للملاحظة والتأمُّل والوصف انطلاقًا من اختلافه، بل هو يوفِّر مناخًا يسمح بالتبادُل، ويدعو للتأمُّل المشترك، وإقامة علاقات تفاعلية بين قوتَيْن تبدوان متعارضتين من الخارج. وبذلك لا تصير عمليةُ استعراض ثقافة أخرى وسيلةً لإبعاد الذات عن الآخَر في النهاية، ولكنها تصبح بدلًا من ذلك وسيلةً للتكامُل، ولاستكشاف إمكانية انعكاس الصورة بين مرآتَيِ الشرق والغرب (ناداف، ١٩٨٦: ٧٦).

وقد قارنَتْ ناداف في جزء سابق من مقالها بين الطهطاوي ولين؛ بين القاهرة وباريس. فمن جهة، يحافظ لين في وصفه لمقاهي القاهرة على مسافته كملاحِظ موضوعي غير منحاز، ويحاول — كما تقول ناداف — «أن يحجب نفسه عمدًا»، حتى إنه لا يقترح إمكانيةَ عقْدِ مقارَنةٍ بين مقاهي القاهرة ونظيراتها الغربية. أما الطهطاوي من الجهة الأخرى فيشير إلى استخدام الفرنسيين للمرايا كوسيلة لإضفاء مساحة وفخامة، فيروي قائلًا: «حين دخولي بهذه القهوة ومُكْثي بها، ظننتُ أنها قصبة عظيمة نافذة؛ لما بها من ناسٍ كثيرين … ظهرت صورهم في كل جوانب الزجاج، وظهر تعدُّدهم مشيًا وقعودًا وقيامًا … حتى رأيت عدة صورنا في المرآة» (نيومان، ٢٠٠٤: ١٥٣). ويثبت الطهطاوي، من خلال تمييز انعكاس صورته وأن المرآة قادرة على تصوير الجانبين الشخصي والموضوعي، حضورَ تقاليده في عملٍ يتناول التقاليد الغربية.

لقد استكشف الشرقُ الغربَ، أو بالأحرى أعاد استكشافه، في «دراسة إثنوجرافية لأرض غريبة ذات تقاليد غريبة» (ناداف، ١٩٨٦: ٧٤). وتركِّز ناداف في مقالها على التقابلات بين الشرق والغرب؛ فيظلُّ خط الاختلاف بين الثقافتين؛ بين العلمانية والدينية، وبين التقدُّم الفكري والتكامل الروحي، قائمًا على طول استعراضها لإعجاب الطهطاوي بطرق تلك الأرض المختلفة جذريًّا عن بلاده، باستثناء المقاهي، التي يرى أنها مشتركة بين الشرق والغرب، بينما يشير إليها وصف إدوارد لين من الجهة الأخرى ككيان خاص بالقاهرة وحدها.

إنَّ ناداف مُحِقَّة في قولها إن الغرب لا يقف في النهاية بالنسبة إلى رفاعة الطهطاوي كأحد طرفَيْ علاقة يحكمها الاختلاف المطلق مع الشرق، بل هو يشير إلى مناخ يسمح بالتبادُل، ويدعو للتأمُّل المشترك، ويلفت الانتباه إلى إقامة علاقات تفاعلية بين قوتين تبدوان متعارضتين من الخارج، ويشجِّع على ذلك. ولدى عودته إلى القاهرة تولَّى منصبَ مدير مدرسة الترجمة، وتمكَّنَ بوصفه مثقَّفًا من إفراد مكانة مميزة لنفسه، من خلال قدرته على إيجاد النقاط المشتركة بين الثقافتين العربية والأوروبية، وساعَدَه على ذلك حصوله على تدريب كمتخصِّص في الترجمة، ولكن مجهوداته الإصلاحية الهادفة للتحديث على الطراز الأوروبي عند عودته إلى مصر كانت مثيرةً للجدل، فعرَّضت مكانته ومعيشته للخطر.

إن الأعمال الشبيهة بعمل الطهطاوي يمكن تناوُلها بقراءات عدة، تمامًا كما يمكن ترجمتها بتفسيراتٍ عدة. انظر مثلًا ترجمة دانييل نيومان (٢٠٠٤) لعمل الطهطاوي إلى اللغة الإنجليزية، والتي نقَّحها فرانسيس روبنسون (٢٠٠٤) تحت عنوان «مستوى نظافتهم»؛ إذ تنقل النسخةُ المنقَّحة ملاحظاتِ الطهطاوي حول حبِّ الفرنسيين للاعتناء بنظافتهم الخارجية، ومقارنته بين المسيحيين الفرنسيين والمسيحيين الأقباط، وإشارته إلى أن الهولنديين كانوا أكثر نظافةً كذلك من الفرنسيين. وبعد التمييز بين الغثِّ والسمين فيما كتبه روبنسون، نجد أنه عجز عن وضع يده على الفطنة التي تميَّزَتْ بها المقارنات الدقيقة المتعددة المستويات التي عقدها الطهطاوي. إن مبدأ الطهطاوي في المقارنة الذي لم يفطن إليه روبنسون يمكن ملاحظته حتى في تضمين الطهطاوي لمراجعات معلِّمِيه وأصدقائه الفرنسيين في كتابه؛ مما أتاح لمصادره التعبير عن آرائهم النقدية إلى جانب تفسيراته (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٤٩، ٢٧٨–٢٨٧، ٢٩٨–٣٠٢). ولكن ما يتجلَّى من الصورة الكليَّة للعمل (ربما على الرغم من نقد معلِّمِيه) هو نموذج لعالِم نابغ؛ عالِم موضوعي يتحلَّى بالحيادية، تلقَّى تعليمه في جامعة الأزهر في القاهرة، وبعد ذلك في باريس، ويتمتع بالثقة بالنفس دون غطرسة، وهو — كما يتضح من عمله — لا ينبهر أكثر من اللازم بكل ما يراه في باريس (على عكس تنقيح روبنسون لترجمة نيومان)، ولكنه يسعى جاهدًا لأن ينقل لأبناء جلدته صورة مُلِمَّة ومتعددة الأبعاد لباريس، وينجح في ذلك بالفعل.

والآن إلى قراءتي الشخصية لترجمة نيومان. التحَقَ رفاعة الطهطاوي بالبعثة المصرية ليكون إمامًا للطلبة المسافرين إلى باريس، وعددهم ٤٤ طالبًا، تحت إشراف مسيو جومار رئيس البعثة، وكان الطهطاوي في ذلك الوقت يبلغ من العمر ٢٦ عامًا. وتم اختياره وحده ليتدرَّب على فنِّ الترجمة، وهو التدريب الذي ثبتَتْ أهميته البالغة بالنسبة إلى الإمام الشاب فيما بعدُ. وقد أظهَرَ الطهطاوي منذ بدء البعثة — متأثِّرًا بحسن العطار (معلِّمه الواسع المعرفة في الأزهر بالقاهرة) — حماسةً متَّقِدة للتعلُّم من الغرب، والتزامًا تامًّا بذلك، مع ثباته الشديد وتمسُّكه بثقافته العربية الإسلامية، محافِظًا بذلك على كرامته وهويته الثقافية. ويُعَدُّ رفاعة الطهطاوي رائدَ النهضة، وهي حركة عربية تقدُّمية تركَّزَتْ في الأساس في القاهرة، داعيةً بوعي إلى تبنِّي بعض النماذج الغربية وتعديلها لتناسِبَ الثقافة العربية. كان رفاعة الطهطاوي مطَّلِعًا على علم الاجتماع الذي أسَّسه ابن خلدون — والذي كان ذا أهمية محورية بالنسبة إلى عمل إميل دوركايم في وقت لاحق من نفس القرن — ولذا كان الطهطاوي يبرز موقفه تجاه مادة بحثه أولًا، ثم يقوم بالربط بين التطوُّر الأكثر تقدُّمًا وكلٍّ من العلم والإيمان. وهكذا نجده يستهلُّ كتابَه بتقرير فرضية أن عمله قائم على روايات شهود عيان، وليس على المبالغة أو الغُلُو، بالرغم من أنه «لا يخلو من أخطاء ترتبط بالتسامح أو التحامل» (نيومان، ٢٠٠٤: ٩٩).

وانخرط الطهطاوي «في ميدان العمل» لمدة خمس سنوات؛ أي إنه أمضى في العمل الميداني فترةً أطول ممَّا يقضي ٩٩٫٩٪ من علماء الأنثروبولوجيا المعاصرين، وإن كان ذلك بوصفه طالبًا رسميًّا. ولا شك أن مَن تبحَّر مثله في بحثه لا بُد أن يطوله أثرُ دراسته؛ فصار من دعاة التطوُّر، آمِلًا «أن يوقظ سائرَ أمم الإسلام من نوم الغفلة» (نيومان، ٢٠٠٤: ١٠٠). إلا أن الطريق الذي سلكه الطهطاوي كان معقَّدًا يعجُّ بالعناصر المتكافئة وغيرها الغامضة، وبالبِشْر تارةً والإعراض أخرى. وعلى الرغم من أن أساتذته الفرنسيين كانوا يرغبون في تحويله إلى اعتناق مفهومهم عن معنى التحضُّر، فإن الحوار الدائر بينه وبين نفسه، الذي نقله كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» إلى المصريين، لا يعكس وقوعَ عقله أسيرًا للاستعمار الفكري تمامًا، فتجده ينقل الواقع نقلًا مباشِرًا في بعض أجزاء عمله؛ كوصف طريقة تناوُل الفرنسيين لطعامهم، أو أصناف أطباقهم، أو أدوات المائدة التي يستخدمونها، أو طريقة إعدادهم للطعام، أو الأَسِرَّة التي ينامون عليها، أو النساء والعفَّة، أو المناخ وأثره على الناس، أو اللغة، أو أسلوب حكمهم ومبادئ العدالة لديهم، والمتاحف التي أسماها بالمخازن، ولكن في أجزاء أخرى يتوارَى الوصف المباشر. يتجنَّب الطهطاوي استخدامَ المقارنات الضمنية أو الخفية التي نراها في معظم الروايات الأورو-أمريكية الحديثة أو غيرها عن الشرق، بل يجعل مقارناته صريحة، ويعبِّر عن آرائه، ويتحدَّى العجرفة واستعلاء المكانة المزعوم من المحيطين به؛ فهو يشير على سبيل المثال إلى أن العرب لهم الفضل في تعليم الأوروبيين فنونَ الرياضيات والعلوم والقانون والسياسة، ولا ريب أن «الفضل يعود للمتقدِّم»، ويستطرد قائلًا: «إن البلاد الإسلامية … قد برعت في العلوم الشرعية، ولكنها احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه» (نيومان، ٢٠٠٤: ١٠٥). والطهطاوي باعتباره دارسًا مصريًّا، فهو على دراية تامة بتقاليد وتاريخ ثقافته، ومع ذلك هو واضح وصريح في إجلاله لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة الفرنسية (نيومان، ٢٠٠٤: ١٩٤، ١٩٦)، ولكنه يلحظ كذلك أن الفرنسيين يدينون بالمسيحية اسمًا فقط، ويرى أن حظر الزواج على رجال الدين أمرٌ مريع؛ نظرًا للأفعال المخزية المترتبة عليه. ويا لقوة ملاحظته! فهو يقارن الحمَّامات الفرنسية الخاصة الأنظفَ، بحمَّامات البخار المصرية الأقل نظافةً، والتي يراها على الرغم من ذلك «أنفع منها وأتقن وأحسن في الجملة»، كما أن الناس في فرنسا لا يعرَقون؛ نظرًا لأن البخار غير متوافر إلا عند المغطس فقط (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٣٣-٢٣٤). إن تعليقات الطهطاوي كما يشير هو نفسه تجمع بين المدح والذم (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٥٢)؛ فهو لا يدَّعِي اتِّباع «الموضوعية العلمية» التي قدَّمها إدوارد لين في عمله عن القاهرة.

أما النماذج التي ينقلها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالتجارة والأعمال الخيرية واللغة، فهي ذات طبيعة تنويرية كذلك؛ حيث يقول الطهطاوي في معرض حديثه عن الأعمال الخيرية؛ وهو ليس العربي أو المسلم الوحيد الذي يصدر عنه مثل هذه التعليقات: «إن الفرنسيين ليس عندهم المواساة إلا بأقوالهم وأفعالهم، لا بأموالهم … إلا أنهم لا يمنعون عن أصحابهم ما يطلبون استعارته لا هبته إلا إذا وثقوا بالمكافأة، وهم في الحقيقة أقرب للبخل من الكرم» (نيومان، ٢٠٠٤: ١٧٥). وعند بحثه عن تفسيرٍ لمثل هذا النمط من السلوك يتوصَّل في النهاية إلى: «أن الكرم في العرب»، وفي الصفحة التالية (نيومان، ٢٠٠٤: ١٧٦) يقول: «إنهم لا يكلُّون من الأشغال، سواء الغني والفقير.» ثم يتحدَّث عن المؤسسات الخيرية في باريس في جزء لاحق (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٣٧–٣٩)، فيقول: «شرعت المارستانات المعدَّة لفعل الخير، حتى إن الإنسان لا يسأل ما في أيدي الناس … نعم، إن البلاد المتحضرة يقلُّ إكرامها، وأيضًا يرون أن إعطاء القادر على الشغل شيئًا فيه إعانة له على عدم التكسُّب» (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٣٩). كتب الطهطاوي تعليقاته هذه بالتزامُن تقريبًا مع عمل دو توكفيل (الذي صدر كتابه «الديمقراطية في أمريكا» عام ١٨٣٥م؛ أيْ بعد عامين من صدور كتاب الطهطاوي)؛ ولذلك يُعَدُّ عملُ الطهطاوي بمنزلة العرض التمهيدي لتعليقات دو توكفيل حول مؤسسات الرعاية العامة، وطليعة لدراسات ميشيل فوكو في القرن العشرين.

ويقرُّ الطهطاوي فيما بعدُ أن «فعل الخير للجمهور بمدينة باريس أكثر منه في غيرها بالنسبة إلى الجملة [أي المجتمع ككلٍّ] أو المملكة، لا لكل واحد على حدته»؛ حيث قد يزعم البعض: «أنه لا ينبغي السؤال أبدًا» (نيومان، ٢٠٠٤: ٨٩، ٢٤١). ويُتبِع الطهطاوي هذا التقرير بقسم يتناول فيه الإيرادات و«محبة المكسب والشغف به، وصرف الهمة إليه بالكلية … وذم الكسل والتواني، حتى إن كلمة التوبيخ المستعمَلة عندهم على ألسنتهم في الذم هي لفظة الكسل والتنبلة.» ويضيف في جزء تالٍ أن: «لهم … حِيَل عظيمة على تحصيل الغنى» حتى عن طريق «عدم تعلُّقهم بالأشياء المقتضية للمصاريف»؛ فعلى سبيل المثال تجد في مصر «العسكري له عدة خدم» (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٤٨)؛ ممَّا يترتب عليه تكبُّد مصاريف لا يمكن أن يتكلَّفها جندي في فرنسا. وعلى الرغم من كل ذلك ينتقد الطهطاوي المبادئَ الرأسمالية الأوروبية لغرابتها؛ إذ لا تجمع بين الناس أو تؤلِّف بينهم (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٣٧–٢٤٨)، ويشير إلى أن نظام التوزيع الفرنسي مختلف عنه في مصر؛ حيث إنه عامٌّ، لا خاصٌّ (ولا دينيٌّ) ولا شخصيٌّ، متأثِّرًا بالمؤسسات التي تخلق الفروق بين الناس وتشرذمهم (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٤١).

أمَّا رؤى الطهطاوي المتعلِّقة باللغة فهي عبقرية، بل يمكن أيضًا اعتبارها ممهِّدة لرؤى والتر بنجامين، وساعَدَه في الوصول إليها التدريبُ الذي تلقَّاه في فن الترجمة، الذي جعله أكثر حساسيةً للجوانب الدقيقة في اللغة؛ حيث بدأ في طرح تساؤلات حول اللغة وعلاقتها بالثقافة حتى قبل ظهور هذا المجال بالمرة؛ إذ يُعدِّد الطهطاوي مثلًا كيف صارت اللغة الفرنسية أكثر ثراءً باقتباسها عددًا ضخمًا من الكلمات غير المترادفة من اللغتين اليونانية واللاتينية، ولكنه يلتفت كذلك إلى أن العكس صحيح: «بالنسبة إلى كثرة الكلمات غير المترادفة وتلاعب العبارات والتصرُّف فيها، والمحسنات البديعية اللفظية، فإن اللسان الفرنسي خالٍ منها، وربما عُدَّ ما يكون من المحسنات في العربية ركاكةً عند الفرنسيس.» وإجمالًا فإنه «تذهب ظرافة ما يُترجَم لهم من العربية» (نيومان، ٢٠٠٤: ١٨٢). وهو يدرك تمام الإدراك أن كلًّا من اللغتين تتميَّز بخواصَّ تتفرَّد بها عن الأخرى في الاستخدام، ولا تكون قابلةً للترجمة دومًا.

ويستشعر المرء مع انتهائه من قراءة كتاب «إمام في باريس» القُرْبَ والحميميةَ بين مصر وفرنسا وليس التباعُد. يستشعر إمكانيةَ التبادُل بين ثقافتين مختلفتين ومتشابهتين في نفس الوقت. إن العقل هو أهم ما يتجلَّى طوال صفحات الكتاب، باعتباره نقطة انطلاق نحو ترسيخ الإنسانية المشتركة التي تجمع بيننا، ولكن الطهطاوي لا يحاول بالرغم من ذلك تجنُّبَ الاختلافات أو إخفاءها، بل يستغلُّها ليؤكِّد على إمكانية تحقيق التعايش؛ كان المستقبل حينها لم يكشف بعدُ عن هجرة المسلمين إلى أوروبا في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، التي ترتَّبَتْ عليها حالةُ التعصُّب المتعلِّقة بالتعايش على الأراضي الأوروبية، كما يظهر من النقاشات المعاصرة في أوروبا حول الحجاب أو غطاء الرأس.

تقف ثلاث حوادث أخرى شاهدة على رؤى الطهطاوي المتبصرة حول الفرق بين منظور كلٍّ من الفرنسيين والعرب بخصوص معنى الإنسانية؛ وقعت الحادثة الأولى أثناء سير الطهطاوي في أحد الشوارع الباريسية عندما صاح رجل ثَمِل مناديًا عليه: «يا تركي، يا تركي!» وجذبه من ثيابه، فقاده الطهطاوي إلى متجر قريب لبيع الحلوى ومازَحَ صاحب المتجر قائلًا: «هل تريد أن تعطيني بثمن هذا الرجل سُكْرًا أو نُقَلًا؟» فأجابه صاحب المتجر: «ليس هنا مثل بلادكم، يجوز التصرُّف في النوع الإنساني» (نيومان، ٢٠٠٤: ٢٢٢)، فأجابه الطهطاوي بأن هذا الشخص لا يُعَدُّ من الآدميين وهو بهذه الحالة، وتركه ومضى. ويمكن فهم وجهة نظر الطهطاوي في هذا الموقف بدرجة أكبر، إذا ما قارنَّاه بالحادثة الثانية التي وقعت بعد أن رأى الطهطاوي عددًا من الملاحظات بخصوص ما اعتبره هوسَ الفرنسيين بالحيوانات؛ حيث أُحضِرَت إلى باريس جثةُ رجل مصري استُشهد أثناء اغتياله قائدًا فرنسيًّا من القوات المستعمِرة لمصر، وعُرِضَت في إحدى قاعات رواق التشريح في حديقة النباتات، وهو ما روَّع الطهطاوي وأثار امتعاضه؛ إذ يستطيع الفرنسيون إثارةَ ضجة بسبب حيواناتهم، ويعاملونها بإنسانية، ومع ذلك هم قادرون على تجريد رجل، إنسان حقيقي، من كرامته تمامًا؛ إذ لم يكتفوا بحرمان المصري من حقه في مواراة جسده التراب بطريقة مناسبة، ولكنهم عرضوا جثَّته للناظرين وكأنه كائن غريب. وهكذا، ففي حين يميل الطهطاوي بصفته مسلمًا صالحًا وتقيًّا إلى اعتبار رجل سَمَح لنفسه أن يثمل كائنًا أقل مرتبةً، لم يتمكَّن من استيعاب كيف يمكن للفرنسيين أن ينظروا لمجموعة كاملة من الجنس البشري باعتبارها لا تستحقُّ أدنى قدرٍ من الاحترام؛ أَلَمْ يكن ما عبَّرَ عنه صاحب متجر الحلوى هو أنبل مبادئ الاحترام والمساواة بين البشر، تلك القِيَم التي يُجلُّها الطهطاوي نفسه؟ ولكنَّ الفرنسيين بدوا غير قادرين على معاملة معظم المصريين بهذا الاحترام. أما الحادثة الثالثة والأخيرة التي أختتم بها هذه النقطة، فوقعت بعد استعمار مصر، عندما قام الفرنسيون بنقل مسلَّتَيْن من مصر إلى فرنسا، ويرى الطهطاوي أن «سَلْب [هذا التراث] شيئًا بعد شيء يُعَدُّ … من اختلاس حلي الغير للتحلِّي به، فهو أشبه بالغصب» (نيومان، ٢٠٠٤: ٣٥٩)! وهكذا رأى الطهطاوي أنه في حين ينبغي على المصريين بداهةً اعتبارُ البشر كافة آدميين، ومن ثم يستحقون حفظ كرامتهم، يرى الفرنسيون أن العربي و«التركي» والمصري ينبغي على كلٍّ منهم أولًا إثبات إنسانيته من خلال تبنِّي القِيَم الفرنسية والتخلِّي عن كرامته الثقافية الأصلية.

بعد مائة عام: إدوارد سعيد

بعد مرور مائة عام على صدور النسخة العربية من كتاب الطهطاوي، وُلِد إدوارد سعيد في فلسطين؛ تلقَّى سعيد تعليمه في مصر وعاش في لبنان، وحصل على تعليمه العالي في الولايات المتحدة، وظلَّ لسنوات وحتى وفاته عام ٢٠٠٣م أستاذًا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، ولعلَّه كان أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين وأكثرهم عطاءً في حجم أعماله كاتبًا وناقدًا. وقد أثار كتابه «الاستشراق» (١٩٧٨) عاصفةً فكريةً، بل ربما غيَّر أيضًا صناعةَ الاستشراق التي انتقدها إلى الأبد. لقد كانت رحلة إدوارد سعيد العلمية رحلةً استثنائيةً وخلَّاقة، مثلما كان هو واسع الأفق متحرِّرًا من القيود، فامتدَّ أثرُها ليلمس أناسًا وجماعاتٍ مختلفة في جميع أنحاء العالَم.

وما أكثر ما كُتِب عن أعمال إدوارد سعيد، وعنه هو شخصيًّا، ومع ذلك لم أصادِف مقالَ فريال غزول عن سعيد — المماثِل لمقال ساندرا ناداف عن الطهطاوي — إلا عند كتابتي لهذا الموضوع! وهو مقال قصير يحمل عنوان «صدى التراث العربي الإسلامي في أعمال إدوارد سعيد»، نُشِر في كتاب «إدوارد سعيد: قراءة تحليلية» (١٩٩٢). يتميَّز المقال بالبساطة وعدم التعقيد، ويمثِّل محاولةً استثنائية ترسِّخ لديَّ تصورًا لتقليد فكري قائم بين المفكرين العرب والمسلمين، كنتُ قد لاحظتُ لمحةً منه لأول مرة في عمل الطهطاوي؛ إذ تستخدم غزول في وصفها وتقييمها (١٩٩٢: ١٥٨) تعبيراتٍ مثل: «ناقد»، و«باحث في الدراسات المقارَنة»، و«ليس عالميًّا في التركيز على معانٍ مثالية أو كوزموبوليتاني في طمس الاختلافات تحت قشرة خارجية شائعة»، وتكتب: «يجد سعيد نفسه بين نسقَيْن حضاريين … محاوِلًا توسيعَ المساحة الثقافية المتاحة للآخَر في ظل خطاب مهيمن ومتعصِّب لأوروبا»؛ حيث ترى غزول أن أعماله تمثِّل حلقةَ وصل بين الثقافتين العربية الإسلامية والغربية، من خلال تقديم «نموذج لتحطيم الحواجز المعيارية المفتعَلة، وتعرية المغالطات المُسلَّم بها ووجهات النظر المترسِّخة، وذلك عن طريق مهاجمة المنهجية التي تستند إليها في كتاب «الاستشراق»» (١٩٩٢: ١٥٩). وتستطرد أن سعيد يتحسس طريقه نحو:

طَرْح نهج مقارَن أعلى مستوًى من حيث العالمية؛ إذ يتجاوز حدودَ النهج الكوزموبوليتاني المتعصب لأوروبا في الأساس، بهدف التخلُّص من حالة التقابل الثنائية بين الشرق/الغرب والذات/الآخَر، وتبيان كيفية تحقيق التعايش بينهما في ظلِّ إطار كلي يمتاز بالتنوُّع والإثراء المتبادل؛ ومن ثم تحرير الثقافات المُهمَّشة من عزلة الجيتو. ويتلخَّص غرضه في إعادة الاعتراف بالثقافة العربية الإسلامية في سياق حوار الثقافات، عن طريق إبراز أوجه التشابه والائتلاف غير الملحوظة حتى تلك اللحظة أمام نظيرتها الغربية وترسيخها (١٩٩٢: ١٦٠-١٦١).

وتحاول غزول في مقالها إبراز الأسلوب المتطور الذي يتبعه سعيد، ويُحدِث من خلاله تغييرًا في أسلوب الحوار الفكري؛ فتجده يتناول الشاعر الأيرلندي ويليام بتلر ييتس والشاعر الفلسطيني محمود درويش في نفس المقال، وميشيل فوكو مع ابن خلدون. وتتمثَّل أهمية ذلك الأسلوب في بيان أن «فوكو كان له سلفٌ، وسلفه هذا كان عربيًّا.» وينبِّهنا سعيد إلى أن ابن خلدون، المؤرِّخ والفيلسوف العربي العظيم الذي عاش في القرن الرابع عشر، رأى أن «مهمة المؤرِّخ تنقسم إلى شقَّيْن: أحدهما يتعلَّق بالخطاب، والآخَر يتعلَّق بالسياسة المدنية؛ وهذا» على حد قول سعيد «وصف أكثر من رائع لأسلوب فوكو التحليلي … والفارق بين ابن خلدون وفوكو … ليس أقل تنويرًا من سابقه» (غزول، ١٩٩٢: ١٦٢)؛ حيث يرى ابن خلدون أن السلطة «لا تكون شاملة وقوية، ولكن ضعيفة ومعرضة للانهيار، وهذا المنظور يقوِّض منطقَ السلطة عند فوكو ويتحدَّاه، ويطرح أساليبَ جديدة للنظر إلى ظاهرة السلطة» (غزول، ١٩٩٢: ١٦٢). وبأسلوب آخَر، تقول غزول إن إدوارد سعيد سعى إلى مراجعة أوجه التحريف في الخطاب الغربي، بهدف الوصول إلى منظور أكثر واقعيةً يشبه منظور الطهطاوي؛ فكلاهما يجتهد لتكوين منظورٍ جديدٍ بإمكانه التغلُّب على العصبيات وضيق الأفق المرتبطَيْن بالغرب.

يتحدَّث دانييل بارينبويم عن إدوارد سعيد — شريكه في عالم الموسيقى — في ذكراه (٢٠٠٤) فيقول:

قادته نزعته الرافضة للتخصُّص إلى نقد التدهور المتواصل الذي يعانيه التعليم الموسيقي نقدًا لاذعًا ومُنصِفًا في الوقت نفسه … كان سعيد يهتم بالتفاصيل … والعبقري وحده هو الذي يهتم بالتفاصيل وكأنها أهم من أي شيء آخَر، ومع ذلك لا يُفلِت الصورة الكبرى، بل ينجح في رسم الإطار العام لها من خلال هذه التفاصيل. كان أيضًا يعرف جيدًا كيف يُفرِّق بوضوح بين السيطرة والقوة، وعَلِم حقَّ العلم أن القوة في عالم الموسيقى لا تعني السيطرة، وهو ما غفل عنه الكثير من القادة السياسيين في العالم.

ذكر بارينبويم كذلك مفهومَ سعيد عن الترابط واستحالة الفصل بين العناصر، و«إدراك مفهوم ترابط كل شيء، والحاجة الدائمة لدمج التفكير المنطقي بالمشاعر الحدسية … كان ذلك مفهومه عن الاحتواء.»

أما ما يثير اهتمامي بشكل خاص، فهو كيف يربط سعيد من خلال تعليقه على الغرب بين الغرب وبقية العالم؛ إذ بينما قيَّد الطهطاوي نفسه بسلوكيات الفرنسيين وتقاليدهم ومؤسساتهم في باريس، ركَّزَ إدوارد سعيد على التناول الأكاديمي الغربي للشرق بعد أكثر من قرنٍ من الاستعمار والإمبريالية. كانا كلاهما من صفوة العرب، وقد سبق أن وصفتُهما من قبلُ بأنهما «يدرسان الأمور دراسةً متكاملة تشمل الجوانب كافة» (نادر، ١٩٦٩). كان تركيز سعيد الأساسي منصبًّا على استخدامات التمثيل الأكاديمي للأمور في إطار القوى المهيمِنة التي كان عليها «إدارة الشرق، بل وحتى صياغته وتشكيله، من النواحي السياسية والاجتماعية والعسكرية والأيديولوجية والعلمية والخيالية إبَّان فترة ما بعد التنوير» (سعيد، ١٩٧٨: ٣). كان الطهطاوي — مثل فوكو فيما بعدُ — مهتمًّا بعملية السيطرة الداخلية في فرنسا، أما تحليل سعيد فقد وسَّع نطاق عمليات السيطرة خارجيًّا؛ ولهذا يُعَدُّ كتابه «الاستشراق»، كما وصفه البعض، كتالوجًا يستعرض مظاهِرَ الانحياز الغربي ضد العرب والمسلمين، «التي تظهر مرارًا وتكرارًا من خلال الأعمال الأدبية، والأعمال التي تعرض قصص الرحلات والنصوص الأكاديمية وغيرها؛ عملية تسريب لصورة الشرق إلى وعي الغربيين» (سعيد، ١٩٧٨: ٢). وكان غرض سعيد أن يُعرِّي هذا النوع من الخطاب، ويكشف طبيعته القمعية، ويقضي على التحيُّز المسيطر على المشهد. ولكن ما هي الأساليب التي اتَّبَعَها لتحقيق هدفه هذا؟

كتب سعيد مقالًا عام ١٩٧٥م بعنوان «خرافات محطَّمة» بعد حرب ١٩٧٣م بين العرب وإسرائيل، بيَّن فيه كيف تعمل الخرافات، ذاكِرًا عددًا من العلماء الأكاديميين، ومعدِّدًا مجموعةً من الخرافات، وكان مقاله ذاك تمهيدًا لكتابه «الاستشراق» عام ١٩٧٨م. ضمَّ المقال خرافاتٍ كثيرةً وشاملة: فالعرب غير قادرين على تحقيق السلام، ولديهم نزعة انتقامية، ويعتنقون مفهومًا عن العدالة لا يمُتُّ في الواقع بأي صلة للعدالة، وهم غير جديرين بالثقة؛ وجميعها مفاهيمُ يُطلِق عليها سعيد مسمَّى «العنصرية المُجرَّدة»؛ فيُشاع عنهم أنهم يؤكِّدون على ضرورة الإذعان والتكيُّف، ويعتنقون ثقافات شائنة، ولا يبدءون التصرُّف إلا بعد وقوع الأزمات، كما أن الموضوعية ليست من سمات العرب، بحسب هؤلاء الأكاديميين الذين ينقل عنهم سعيد وجهات نظرهم. وحدُهم أهل الغرب يتمتعون بالقِيَم الحقيقية؛ فهم عقلانيون ومسالِمون ومنطقيون، بينما العرب سلبيون وجامدون وعاجزون عن التطوُّر وما إلى ذلك من صفات. ولكني لا أسمِّي تلك بالخرافات، بل هي نماذج لمحض حملات دعائية وازدواجية في الخطاب؛ نماذج لمَن يعيب غيره بعيبِ نفسِهِ. وبحسب المؤرخ العالمي ويليام ماك نيل، كانت أوروبا الغربية فيما يسمَّى عصر الإيمان، أكثرَ الحضارات نزوعًا للحرب على وجه الأرض (لازار، ٢٠٠٤: ٣٣)؛ إذ كانت عاجزةً عن العيش بسلام.

وينقل سعيد فقرةً من كتاب عالم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي رافائيل باتاي (١٩٦٢)، الذي يحمل عنوان «من النهر الذهبي إلى الطريق الذهبي: المجتمع والثقافة والتغيير في الشرق الأوسط»، ويتناول كيفية حلِّ مُعضلة مقاومة التغريب في الشرق الأوسط. ثم يأتي سعيد كذلك على ذِكْر كتاب «العقل العربي» (١٩٧٣: ٨٣)، الذي يتناول فيه باتاي (المحسوب بكل أسف على علماء الأنثروبولوجيا) ما يراه قصورًا في التفكير لدى العرب وفشلًا للأسرة العربية، ويزدري الشخصية العربية والخطاب العربي، ويبالِغ في الجوانب الجنسية عند العرب. وسعيد هنا ليس فقط بصدد مناقشة مدرسة فكرية معيَّنة والمؤسسات الداعمة لها، ولكنه يناقِش خطورة مثل هذا النوع من التحيُّز من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وباتاي في أسلوبه هذا يتبع أسلوب رجال الدعاية المخضرمين؛ فهو يمزج الحقائق بالأكاذيب، وينقل عن المطَّلعين ببواطن الأمور داخل العالم العربي وعمَّن هم خارجه، ويلعب على وتر التعصُّب داخل العالم العربي وخارجه، ويكتب بثقة تخدع قارئه وتقنعه بأنه على دراية بما يقول. ويستشهد باتاي في بداية عمله بابن خلدون في حديثه عن البدو العرب، وبتلميذه تقي الدين أحمد المقريزي، اللذين عاشَا بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، واستخدمَا في تحليلهما تعبيراتٍ مثل الجُبْن والتردُّد وعدم الثبات على الموقف، بل استعان كذلك بالأمثال العربية، واستشهد بأقوال حوراني حول اللغة العربية ليكشف «المرآة المعيبة التي يرى [العرب] العالَم من خلالها»، وهو يصف علاوة على ذلك الشخصيةَ المصرية الوطنية بالكيد والخداع وحب الملذَّات، ويعمل طوال الوقت على برهنة رأيه بأن (باتاي، ١٩٧٣: ١٤٢) العقل العربي في النهاية لن يجد أمامَه خيارًا سوى قبول الأعراف الغربية، غافلًا فيما يبدو عن أن الثقافة العربية متغلغلة في الغرب منذ قرون.

وفي الجزء المتعلِّق باللغة نرى باتاي يستخدم كلمات رئيسية مثل: المبالغة، والمغالاة، والتكرار، وهو يعترف بأن القِيَم البدوية تشمل كرم الضيافة، ولكنه يُنبِّه بالرغم من ذلك إلى أنهم ينفرون من بذل أي مجهود بدني. ويُطلِق التعميمات (١٩٧٣: ١٥٦) حول «ميل العرب نحو الاستقطاب في رؤيتهم للإنسان والعالَم؛ إذ يرون التناقُض في كلِّ شيء بدلًا من التدرُّج، ويلاحظون التضاد بدلًا من التحوُّل، ويلتفتون لملامح التطرُّف، ولا يفطنون إلى الفروق الطفيفة»، ويصوِّر العقل العربي المرة تلو الأخرى في صورة غير القادر على السيطرة على نفسه. والعرب فنَّانون يختارون التعبيرَ عن إبداعهم في مختلف مجالات الفن من خلال التكرار كما في موسيقاهم، وأساليب التكرار في الأدب، ولكن حتى وهو يقرُّ بذلك نجده يتنبَّأ (١٩٧٣: ١٨٦) بأن العرب لا ريب سوف يضطرون للإذعان؛ إذ إن «أيام الموسيقى العربية معدودة؛ نظرًا لأن الموسيقيين العرب الطموحين يدرسون في أكاديميات موسيقية تُدرِّس النمط الغربي من الموسيقى.» وبما أن النزوع إلى الخلاف يُعَدُّ من أبرز صفات العقل العربي، ينبغي على العرب التخلِّي عن قِيَمهم القديمة واعتناق قِيَم جديدة مناقضة لها في المقابل (١٩٧٣: ١٧٩). وكم هو مذهل عدم مراعاة باتاي للدقة التاريخية! ولو كان صدر أي عمل أكاديمي جادٍّ من هذا النوع وصفًا لليهود أو السود، لَانقلبت الدنيا واهتاجت.

وعلى الرغم من كل ذلك، استُخدِمَت طبعة سنة ١٩٨٣م من كتاب «العقل العربي» لباتاي في عام ٢٠٠٤م لتدريب قوات البحرية الأمريكية الذين أُرسِلُوا لخوض الحرب في العراق! لم يكن جوبلز ممثل النازية السيئة السمعة لِيَقْدِر على صياغة حملة دعائية أفضل من تلك. وأنا أتساءل: لماذا يُشار إلى هذا العمل باعتباره عملًا أكاديميًّا؟ ولِمَ تستخدمه العسكرية الأمريكية؟ وإن كان القلم أقوى من السيف، فلماذا يقرأ جنود مشاة البحرية الأمريكية لباتاي تحديدًا؟

رأى سعيد (١٩٧٨) أن التأكيدات العنصرية التي تضمَّنتها كتابات الاستشراق ليست من صنع الغرب وحده، بل لقد تواطَأ العرب المسلمون أنفسهم على ترسيخ تلك القوالب النمطية؛ فكل ذلك كان بمعاونة الشرق. يواجِه سعيد نفسه في المرآة، وهو يقتبس كلمات فرانز فانون: «الرجل الأبيض هو مَن يصنع مفهوم الزنوج، ولكن الزنوج أنفسهم هم مَن يؤسِّسون لمفهوم الزنجية.» إن الاستعاضة عن الضباط والموظفين البيض وإحلال أقران لهم ملونين محلهم، أو تقليد السلوكيات السياسية «الغربية»، لا يسهم بالمرة في التعامل مع المشكلة؛ إن المطلوب هو إعادة تكوين مفاهيم جديدة وإبداعية لشكل المجتمع والثقافة، من أجل حشد المقاومة في إطار جديد يختلف عن إعادة إنتاج نفس صور الظلم من جديد، وهذا كله يتطلَّب فهمًا شاملًا لتاريخ العالم: «الثقافات ليست عازلة لا ينفذ منها شيء؛ وكما استعارت العلوم الغربية من العرب، استعار العرب قبلها من الهند واليونان؛ فالثقافة لا تُقاس يومًا بالملكية أو بالاقتراض والإقراض، ومفهومِ الدائن والمدين البحت، ولكن بالتخصُّصات والخبرات المشتركة وكافة أنواع الاعتماد المتبادل على الأطراف المعنية … مَن استطاع حتى هذه اللحظة تحديدَ مدى مساهمة السيطرة على الآخرين في تكوين الثروة الهائلة للدولتين الإنجليزية والفرنسية؟» (سعيد، ١٩٧٨: ٢١٧).

كان سعيد يتمتع برؤية واسعة لا تتسم بالتقليدية ولا بالحداثة، بل كان لديه تصوُّر لتاريخ العالم، ورأى الجانب الإيجابي لاحتمالات العولمة: «كل الثقافات بعضها مرتبط ببعض، ويعود ذلك جزئيًّا إلى مفهوم الإمبراطورية، فليس منها واحدة قائمة بذاتها ولا خالصة بصفاتها لم تتأثَّر بغيرها، بل جميعها متداخلة مختلطة، ومتباينة العناصر، وتتميز بتنوُّع عجيب واختلاف، وهذا على ما أظن ينطبق على الولايات المتحدة المعاصرة، وعلى العالم العربي الحديث بنفس الدرجة» (١٩٩٤: ٢٥).

تتابعت الكتب والمقالات بهدف تصحيح المسار منذ صدور كتاب «الاستشراق»، ومع ذلك تَلْفِت مينو ريفز — مؤلِّفة كتاب «محمد في أوروبا: ألف عام من اختلاق الخرافات في الغرب» — الانتباهَ في مقدمة كتابها إلى أنه «غالبًا ما يتمُّ تجاهُل هذه الآراء المتوازنة في سبيل إحياء الافتراءات القديمة، وكأنَّ الأفكارَ المبتذلة والتحيُّزات مترسخةٌ بعمق داخل العقلية الغربية بحيث لا يمكن زعزعتها أبدًا» (ريفز، ٢٠٠١: ١١). ومَن المستفيد؟ لطالما كانت الاستثنائية الأوروبية مستفيدةً وما زالت؛ فهي إحدى الخرافات، ولكنها خرافة تخدم أغراضًا إمبريالية واستعمارية، وطالما كان التنظيم أحدَ أهم سماتها وما زال؛ فقط لاحِظْ تبريراتِ الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣م، والغزو الإسرائيلي للبنان عام ٢٠٠٦م، والدمار الإسرائيلي في غزة في ٢٠٠٨-٢٠٠٩م.

تأمَّلْ كذلك كيف لم يداخِل الجغرافيَّ المهندس آدم فرانسوا جومار (١٨٣٦)، معلِّم الطهطاوي الفرنسي، أيُّ حرجٍ من نَشْر مشروع استعمار العقل المصري المستلهَم من الفكر النابليوني، والمصمَّم بحيث يؤتي ثماره من خلال الصدمة والتعليم (وما أشبهه بمشروع جورج بوش الابن لكسب قلوب وعقول المسلمين) (انظر سكَّرية، ٢٠٠٨)؛ ذهب جومار يذيع دعايته العنصرية، مثله في ذلك مثل باتاي:

لم تكن مصر لتسير … إلا بالأمر، ووجب علينا أن نغرس في أهل البلد أنفسهم مبادئ الفنون والعلوم، ولكن ذلك أثناء وجودهم على أرض أوروبا. وبما أن المصطلحات العلمية غريبة على اللغات الشرقية، تمامًا كما أن العلوم نفسها غريبة على الشرق كله، لم يكن أمامنا من سبيل محتوم سوى … زعزعة عائق الدين، وتحطيم الحواجز القديمة بين الشرق والغرب. ولو كان نائب الخديوي في مصر قد أرسل مائة أو مائتين من المصريين للدراسة هنا منذ فترة طويلة كعام ١٨١٣م مثلًا، لَكانت عملية التجديد وبناء الحضارة أكثر تقدُّمًا ممَّا هي عليه اليوم (تاج الدين، ٢٠١١: ١١٢).

تقبَّلَتْ أعداد من المصريين على نحوٍ لافتٍ للنظر الغطرسةَ والاستعلاءَ الصارخَيْن اللذين ارتبطَا بالفنون والعلوم الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين، «كأن لم يسبقهم أحد» على حدِّ تعبير الطهطاوي، الذي نبَّهَ إلى قدرة الفرنسيين على تحريف (أو تشويه) المعتقدات بما يتنافى مع قانون المنطق، من خلال تعزيز تلك الحقائق المُحرَّفة بمنطق فلسفي يُلبِسها مظهرَ الحقيقة والصدق. ولكن لعل الصدق لم يكن يومًا من مظاهر الاستشراق، بل الصدمة والإرباك والفتنة، كما أشار الجبرتي في تأريخه القوي الواسع الأثر للغزو الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨م (الجبرتي، ٢٠٠٣ [الطبعة الأولى ١٧٩٨]). كذلك أشار الطهطاوي نفسه إلى أن اللغة كانت هي سبيل الفرنسيين لفتنة مصر، فتمَّت ترجمة النصوص الفرنسية إلى العربية، وتعلَّمَ العربُ قراءةَ التاريخ العربي من خلال سياق التاريخ الأوروبي، وهنا صار الخطر محدقًا بالثقافة والكرامة، ولم يزل إلى الآن؛ إذ أصبح المصريون يَقبلون بروايات التاريخ المبنية على أساس الاستثنائية الأوروبية وكأنها تخصُّهم هم، وفقدوا شيئًا من إحساسهم بتاريخهم وانتمائهم الحقيقي في العالَم (انظر تاج الدين، ٢٠٠٢). «القلم أقوى من السيف» دَرْسٌ ربما ينطبق على العراق، وعلى مشروعات مثل مجهودات الجنرال بتريوس لمكافَحة التمرُّد خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وفي عمل أحدث يحمل عنوان «كسب القلوب والعقول: التعليم والثقافة والسيطرة» (٢٠٠٨) تُركِّز مَيسون سكَّرية على حرب الأفكار، وعلى وجه الخصوص على عملية صياغة الأفكار إبَّان المواجهات الاستعمارية الجديدة التي يتمُّ خلالها تحويلُ الثقافات واستغلالها، بحيث يمكن احتواء هُويات معينة أو تغيير البيئة الثقافية بين شباب «الشرق الأوسط». إن هذا الذي تصفه سكَّرية يُعَدُّ جزءًا من مشروع دبلوماسي عام يرتبط بأفعال العسكرية الأمريكية، وهو عبارة عن مجهود متعدد الجوانب يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الثقافية في العالم العربي؛ وهي تقول بأن العقول الشابة يتمُّ استعمارها عن طريق تعليم الشباب أن يصبحوا مواطنين ليبراليين جددًا، ويشمل تدريبُهم ريادةَ الأعمال والقيادة والانتقال من المدرسة إلى العمل (في مقابل التعليم الحر) وتحقيق اللامركزية علاوة على التعليم المجتمعي.

حتى إن بول وُلفويتس أعلن منذ عام ٢٠٠٢م — وكان حينها نائبًا لوزير الدفاع الأمريكي — أن «هذه معركة أفكار ومعركة عقول … ويتعيَّن علينا حتى ننتصر في الحرب على الإرهاب أن ننتصر أولًا في حرب الأفكار … وحتى يتسنَّى لنا هذا ينبغي علينا أن نركِّزَ بدرجة أكبر على الأدوات غير العسكرية» (سكَّرية، ٢٠٠٨: ٤). وصارت هذه العبارات شعارًا لإدارة بوش. وتستكشف سكَّرية من خلال كتابها تأثير العلاقات العامة/التسويق، الذي شمل المَعارض، والمنشورات، وتبادل الزيارات (خاصةً لمديري الرأي كالصحفيين وأساتذة الجامعات والمعلمين والمحامين (نقابة المحامين الأمريكيين) والقادة السياسيين ورؤساء المنظمات الأهلية)؛ وجميعها محاولات لتحسين صورة أمريكا أمام الجمهور العربي من الشباب فيما يمثِّل نوعًا من الإمبريالية الثقافية الشبيهة بنماذج الإمبريالية الثقافية الماضية، وهو ما يُطلَق عليه عادةً في مجال العلوم السياسية تعبير القوة «الناعمة».

وفي العراق تمَّ استبدال كتابٍ جديد يتناول حقوقَ الإنسان والديمقراطية بكتاب الثقافة الوطنية، ليس بغرض تعليم الديمقراطية، وإنما للترويج لمفهوم الفردية وأيديولوجية السوق الحرة. وعلى حد قول العميد السابق لكلية الهندسة في جامعة بغداد: «هم يريدون تفريدنا، تقسيمنا، وهذا هو سبب إلغاء قصة الأسد والثيران الثلاثة من مقرَّر الصف الثالث؛ لأن الوحدة غير مسموح بها على مستوى البلد الواحد أو العالم العربي أو بين الأجيال» (سكَّرية، ٢٠٠٨: ٢٦٣). تلك الحرب التي تصفها سكَّرية تقوم على مبدأ فرِّقْ تَسُدْ؛ أولًا تقسيم الوطنية العربية إلى وطنيات قومية متفرِّقة، ثم إلى انتماءاتٍ عِرقية وكذلك طائفية داخل نفس الدولة القومية. وتلك ما هي إلا نماذج لإمبريالية ثقافية معاصرة لا تختلف البتة عن تلك النماذج التي أوصى بها معلِّم الطهطاوي جومار عام ١٨٣٦م.

نحن نحيا في زمانٍ وعالَمٍ تغلغلت الأيديولوجيات والدعاية في أوصالهما، ولذلك حريٌّ بنا، خاصةً في الوسط الأكاديمي، أن نتشكَّكَ في المعارف المسلَّم بها. وقد عبَّرَت جانيت أبو لغد عن هذه الفكرة بأسلوب لطيف في تحدِّيها وإسهامها فيما يُسمَّى نظرية المنظومات العالمية الحديثة؛ إذ تُذكِّرنا في كتابها «ما قبل الهيمنة الأوروبية: النظام العالمي بين ١٢٥٠–١٣٥٠م» (١٩٨٩) كيف تتغيَّر المعرفة الغربية من خلال ثلاث وسائل: من خلال التبادل بين العلوم المختلفة (وفي حالتها ما بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ)، أو عن طريق تجميع العمل الذي أنتجه علماء من خارج العالَم الغربي مثل جماعة دراسات التبعية في التأريخ الهندي، أو من خلال تغيير المسافة التي تُدرَس «الحقائق» منها؛ مستوى التجريد.

وقد اقتنعَتْ أبو لغد من خلال عملها على تاريخ القاهرة بمدى العصبية الأوروبية التي يحملها كتاب ماكس فيبر (١٩٥٨) «المدينة»؛ فمن خلال قراءتها لدراسة جيرنيت حول مدينة هانجتشو القرن الثالث عشر في الصين، وضعَتْ يدها على أكبر مدن العالَم وأكثرها تطوُّرًا، وبعد قراءتها لكتاب «النظام العالمي الحديث» (١٩٧٤) لإيمانويل فالرشتين زادَتْ قناعتها بأن فالرشتين وغيره نزعوا إلى اعتبار الأنظمة العالمية التي هيمنت عليها أوروبا وتكوَّنَتْ في القرن السادس عشر وكأنها ظهرت من العدم. كل هذه المواجهات الفكرية قادت أبو لغد إلى الكتابة عن نظام العالَم فيما قبل الهيمنة الأوروبية، الذي كان يغطِّي مساحةً شاسعةً امتدت بين شمال غرب أوروبا والصين، وضمَّ «مجموعةً مبهرة من الأنظمة الفرعية المترابطة في آسيا والشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا في ظلِّ نظامٍ عالمي [شمل] مجموعة متنوعة من الأنظمة الاقتصادية، بدءًا ممَّا يشبه رأسمالية القطاع الخاص وحتى ما يشبه نظام إنتاج الدولة» (أبو لغد، ١٩٨٩: ٣٥٣). لقد قدَّمَتْ أبو لغد عملًا يوسِّع المدارك، ويبيِّن لنا عددَ الاحتمالات التاريخية المتاحة، وكيف يمكن تنظيم الأنظمة العالمية بأساليب مختلفة، وأنها جميعًا أنظمة حيوية تخضع لعمليات إعادة هيكلة دورية تندمج فيها أحيانًا الأنظمةُ والعناصرُ القديمة مع أنظمة أخرى جديدة؛ إذ إن الأمر ليس في بساطة قيام الغرب وسقوط الشرق. إن التعرُّف على ما سبق يقودنا إلى التكهُّن بأن شيئًا ما سوف يلي الهيمنة الأوروبية، كما يشير مراقبو الصين وآسيا بشكل عام. ليس هناك من نظام خالد، ولا تظل أيُّ حضارة قائمةً، بل تقوم الحضارات وتسقط، وإدراك مثل هذه الحقيقة يدفعنا إلى التواضُع بينما نستكشف السُّبُل المحتملة لبقاء الجنس البشري وتحقُّقه.

أمَّا أفضل نماذج إيضاح هذا النوع من «دراسة الماضي» من أجل «دراسة المستقبل»، فتجدها في أعمال جورج صليبا الأستاذ بجامعة كولومبيا، وخاصةً في بحثه عن «العلم الإسلامي وصناعة النهضة الأوروبية» (٢٠٠٧)؛ فقد درس صليبا نصوصًا فلكية كُتِبَت في العالم الإسلامي فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر (مثل أعمال ابن الشاطر في دمشق)، وتمَّ دمجها فيما بعدُ ضمنَ أعمال علماء عصر النهضة في أوروبا (من أمثال كوبرنيكوس)، حتى صارت في النهاية جزءًا من إرثنا نحن العلمي الغربي. الجدير بالذكر أن مدارس الترجمة ودور النشر الأوروبية كانت تصدر أعمالًا بالعربية كذلك، علاوةً على أن الإيطاليين كانوا يجمعون النصوصَ العربية حتى القرن السادس عشر؛ وهكذا فإن أعمال صليبا تتعلَّق بالجدل الدائر حول إذا ما كان العلم «الحديث» قد ظهر لأول مرة في هذا «الغرب» الشديد الإبهام. ولا تزال الأبحاثُ مستمرةً لمعرفة السبب في أن هذه الظاهرة لم تقع فرضًا إلا في أوروبا دون أيِّ مكان آخَر؛ وهو تساؤل تناوَلَه أشخاص مثل العالِم جوزيف نيدام (١٩٦٩) الذي التفَتَ إلى أنه بينما المفترض أن العلم الحديث قد وُلِد في الغرب — وتحديدًا خلال عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر — إلا أن كلتا الحضارتين الصينية والإسلامية كانتا قد بلغتَا بالفعل مرتبةً متميزةً من المعرفة العلمية، وفي العلوم الطبيعية على وجه الخصوص، وعلى الرغم من ذلك يُقال إن العلم الحديث نشأ في الغرب وليس في تلك الحضارات الأخرى.

وعلى الرغم من الرغبة في إثبات استقلالية العلم الغربي، فإن «أكثر الأفكار الرياضية والفلكية إبداعًا، التي استخدمت خلال عصر النهضة الأوروبي، كانت مأخوذةً عن الحضارات الإسلامية/العربية أو الصينية، من خلال العديد من الطرق الملتوية التي يتمُّ تحريها الآن» (صليبا، ٢٠٠٢: ١) كما أوضح صليبا وغيره. وخلال القرن التاسع عشر، الذي يسمِّيه صليبا عصرَ الجهل بالتاريخ، كان الناس يتحدَّثون بانفتاح عن العلم الحديث وجذوره الممتدة في التربة العبقرية للحضارة الإغريقية، متصوِّرين أن العلم منتَجًا غربيًّا صرفًا في تزييف واضح للتاريخ، إلا أن هذا الجهل لم يعد مقبولًا بعد الإنجازات المعاصرة التي تحقَّقت في تاريخ العلم. وينقل صليبا (٢٠٠٢: ٢) عن عالِم الصينيات إيه سي جراهام قوله: «إذا أردنا استشرافَ الثورة العلمية من خلال المنظور التاريخي الأفضل، فلا شك أنه يوجد الكثير من الأسس المؤيدة لاختيار النظر لا إلى اليونان، بل إلى الثقافة الإسلامية التي امتدَّتْ أطرافُها من إسبانيا وحتى تركستان منذ عام ٧٥٠م.»

إنَّ تمييز عملية إنتاج العلم بعلامات قومية أو لغوية أو ثقافية هو أمر ينطوي على الكثير من المخاطر، والمشتغلون من بيننا في مجال «العلوم الأخرى» (انظر نادر، ١٩٩٦) يزدادون إدراكًا أن الإجراءات العلمية نفسها لا تعتد بأيٍّ من هذه الحدود؛ لذا ينادي صليبا زملاءه للتخلِّي عن استخدام صفات مثل العلوم العربية أو الإغريقية أو الغربية في خطابهم؛ نظرًا لعدم جدواها كتصنيفات تحليلية، بل إنها تتسبَّب في تشويه دراسات تاريخ العلم.

وتناوَلَ صليبا في مقاله التحليلي لكتاب «فجر العلم الحديث: الإسلام والصين والغرب» (١٩٩٩) لكاتبه توبي هَف؛ ثلاثَ خرافات رأى ضرورةَ تصحيحها: أولاها أن العلم العربي ما هو إلا مجرد حفظٍ للعلم الإغريقي، وثانيتها أن ترجمة العلوم العربية في أوروبا انتهت مع القرن الثالث عشر وليس القرن السادس عشر، وأُخراها أن النهضة كانت ظاهرة أوروبية مستقلَّة بحتة. وقد دفع التحليل هَف إلى الرد (١٩٩٩) الذي ترتَّب عليه ردٌّ آخَر من صليبا (٢٠٠٢)، وهو أمر مثير للاهتمام؛ نظرًا لأن رد هَف يبيِّن بوضوح الآليات التي يتبعها المستشرقون في العمل، المتمثِّلة في العجز عن التفكير فيما وراء حدود الدول، والمفارقة هنا أن هذا يتناقض في حدِّ ذاته مع الأساليب العلمية نفسها؛ فالأفكار لا تتوقَّف عند الحدود. إننا بحاجةٍ إلى رؤية تقوم على انتشار الثقافات، وتتجاوز مركز دراسات المناطق الضيق الأفق المتأصِّل في الديناميكيات الجغرافية السياسية لفترة ما بعد الحرب العالمية، أو في ظل الحرب الباردة.

وأخيرًا، يقول صليبا إن العلماء المسلمين اتبعوا في عملهم «منهج الشكوك» الذي وفَّرَ إطار عمل للشك في الأعمال العلمية السابقة، من خلال فحص الافتراضات التي استندت إليها النتائج العلمية. وتحديدًا وَصَف صليبا أسلوبًا نقديًّا «يقوم باستبعاد الافتراضات الباطلة عن طريق توسيع دائرة الأدلة» (٢٠٠٧: ٩٦)، وأطلق على العلماء المسلمين اسم «الشكَّاكين»، وقد كشفت مسائلهم أو شكوكهم تلك عن تناقضاتٍ يمكن تفسيرها (٢٠٠٧: ٩٧). وهكذا ومن خلال ضرب مثالٍ بعدَ الآخَر للعلماء المسلمين من محمد بن الوزان (ليون الأفريقي) وحتى أبي بكر الرازي وابن الهيثم، يُبرِز صليبا أسلوبًا نقديًّا ذا بنية بديلة، ويوضِّح من خلاله كيف تشكَّكت هذه الروح النقدية في مدى إمكانية الاعتماد على أُسُس العلم الإغريقي الكلاسيكي نفسها، ومن ثم صحَّحت ما بها من أخطاء. وعلى الرغم من أن القرن الثالث عشر كان عصرًا للاكتشافات العلمية الإسلامية، فإن النصوص التي أنتجتها تلك الفترة لم تجد الكثيرَ من القرَّاء في الغرب، هذا إن كانت قد قُرِئت على الإطلاق. وعلى الرغم من تواصُل اكتشافات علماء المسلمين خلال القرن السادس عشر، فإن العلماء الغربيين قرَّروا تجنُّب استعارة المزيد منها. كان صليبا يصف نوعًا جديدًا من الكتابة العلمية؛ أَلَا وهو الكتابة عن الشكوك (٢٠٠٧: ٢٣٥)؛ فكان العلماء المسلمون يكتبون مثلًا: «هذا هو الرأي المُتَّبَع، ولكننا نرى أنه خاطئ.» ورفضهم هذا للرأي المُتَّبع يكون مشفوعًا بالملاحظات (٢٠٠٧: ٢٤٦). لقد تحيَّزَ المؤرخون الأوروبيون ضد العلماء المسلمين والأفكار المبتكرة التي توصَّلوا إليها بعد النقد، بينما أشار ملاحِظون محليون آخَرون إلى أن منطقة الشام تضمُّ تيارًا من المتشكِّكين مستمرًّا حتى يومنا هذا، كما أوضح كتاب «البجعة السوداء» بقلم نسيم طالب (٢٠٠٧).

تعليقات ختامية

تتميَّز الثقافة بقوتها؛ فعقول الناس في كل مكان عالقة داخل عمليات تحدِّد ما هو معقول وراجح، ومع ذلك نجد مَن يدفع حدود التفكير الراجح في كل مكان، شرقًا وغربًا، بصرف النظر عن معنى هاتين الكلمتين؛ فيحضرني مِن هؤلاء بعضُ أعظم مؤرخي العالَم؛ مثل ويليام ماكنيل، ومؤرخون عالميون آخرون مثل جوزيف نيدام، ثم أنتقل بفكري إلى الطهطاوي وهو يكافح ضد آليات السيطرة، ثم إدوارد سعيد، ذاك الاختصاصي في الأدب المقارن الذي أتى بعده بقرن من الزمان ليحلِّل نفس القفص، الذي عادةً ما يقبع داخله ذلك النمط الضيق من التفكير المرتبط بالتناول الأكاديمي للأمور. ولكن التحيُّز غالبًا ما يسبق التناول الأكاديمي لأي شيء؛ إذ يُكوِّن فكرةً عامةً عن العقل، ويرى من خلالها جميعَ الجهود البشرية؛ إذ إن جميعنا يبني على ما توصَّلَ إليه أخوه من البداية، منذ أول إنسان خطَتْ قدماه على سطح الأرض وحتى الآن. وكما يقول سعيد (١٩٩٤: ٢٥): «كل الثقافات بعضها مرتبط ببعض، ويعود ذلك جزئيًّا إلى مفهوم الإمبراطورية، فليس منها واحدة قائمة بذاتها، بل جميعها متداخلة مختلطة، ومتباينة العناصر، وتتميز بتنوُّع عجيب، واختلاف.» وهو منظور أنثروبولوجي من الدرجة الأولى. تذكَّرِ الأوائلَ والمجدِّدين على حدٍّ سواء؛ فهما موجودان في دروس الثقافة والكرامة.

وهذا المنهج الذي أصفُهُ واتَّبعَه الطهطاوي وإدوارد سعيد وجورج صليبا وغيرهم، لا يقتصر على كونه عربيًّا إسلاميًّا أو أي عدد آخَر من التصنيفات المحتمَلة كالأسلوب العلمي السليم والعلم البيئي، بل هو منهج أنثروبولوجي كذلك، وهو عبارة عن أخذ الأحداث أو الأفكار التي تبدو معزولة ووضعها ضمن سياق أكبر للربط بين أحداث وأفكار تبدو متباينة. والأكيد أن هذا تحديدًا هو ما انخرَطَ مؤرخون عالميون مثل ويليام ماكنيل في عمله. ويتيح هذا الأسلوب استكشاف أُطُرٍ ضمنية كالاستثنائية الأوروبية أو العنصرية الثقافية (عربية كانت أم أوروبية)، والكشف عن العناصر المكوِّنة لما يصفه سعيد بأنه «أنظمة الفهم المُتَّفَق عليها»، والتي تمثِّل صروحَ استعلاء المكانة (سعيد، ١٩٧٨: ٧٩). وعلماء الأنثروبولوجيا، أو على الأقل هؤلاء الأفضل من بيننا، يدركون ذلك أفضل من غيرهم؛ وذلك بفضل دراستهم الأوضاعَ الإنسانية دراسةً عادَتْ بهم إلى أزمنة سحيقة شملَتِ المائتَيْ ألف عام الأخيرة تقريبًا، وكانت كافية لأن يدركوا أن الحدود التي ترسمها الثقافات لا يُلتفَت إليها تقريبًا فيما يتعلَّق بانتشار الأفكار والشعوب.

أقام جنكيز خان إمبراطوريةً في أحد الأزمنة الماضية، تحديدًا ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكانت إمبراطوريته تلك هي أول نظام عالمي يمتدُّ من الصين حتى نهر الدانوب، مستعينًا بالتجارة كوسيلةٍ للربط بين الحضارات الصينية والهندية والإسلامية. وقد استفادت أوروبا من ذلك؛ حيث يشير عملٌ أخير لعالِم الأنثروبولوجيا جاك ويذرفورد (٢٠٠٤: ٢٤) إلى أن كافة معالم الحياة الأوروبية تغيَّرت بفضل التأثير المغولي عليها؛ فتغيَّر أسلوبُ الحرب، والتكنولوجيا، وطريقة قراءة الخرائط، والتجارة، والطعام، والفن، والأدب، والملبس. وتأثَّرَتْ مظاهر الحياة اليومية للأوروبيين تأثُّرًا بالغًا إلى جانب تعلُّمهم طرقًا جديدة للقتال، واستخدامهم ماكيناتٍ جديدةً، وصناعة أصناف جديدة من الطعام، وتحوَّلوا إلى استخدام الأقمشة المغولية، ولبسوا السراويل والسترات بدلًا من الأقبية والأردية، وعزفوا على آلاتهم الموسيقية مستخدمين الأقواس بدلًا من النقر على أوتارها بأصابعهم، ورسموا لوحاتهم بأسلوب جديد. ومع ذلك وبنهاية القرن الثامن عشر، صار جنكيز خان — الذي أجَلَّه روجر بيكون ومجَّدَه جيفري تشوسر في «حكايات كانتربري» — نموذجًا للبربرية ومثالًا للغازي العديم الرحمة، الذي استمتع بالدمار كمصدر للذة في حد ذاته. إن المغول بالرغم من عدم إسهامهم بأي إنجازات تقنية خاصة بهم، فإنهم نقلوا مهارات كثيرة من حضارة لأخرى؛ فنشروا المنتجات والبضائع في كل مكان، ودمجوها لإنتاج منتجات مبتكرة واختراعات غير مسبوقة، وصنعوا تركيبات فريدة. كذلك فإنهم تكيَّفوا مع مختلف الأحوال أيضًا؛ فكانوا يتميَّزون بالمرونة؛ وقد أدرك إمبراطورهم قوبلاي خان مثلًا أنه إنْ أراد حُكْم الصين فعليه التكيُّف معها.

لقد تمكَّنَ جنكيز خان بجيشٍ قوامه ١٠٠ ألف محارب فقط، من غزو وهزيمة مناطق فاقَتْ أعداد سكانها ومساحاتها ضعفَيْ ما حقَّقه أيُّ رجلٍ آخَر على مرِّ التاريخ، ولكن إنجازاته صارت في طي النسيان، بينما ظلَّ إرثه الوحيد الحاضر في الأذهان هو عنفه وعنف أبنائه وأحفاده. مَن يتذكَّر اليوم النظامَ العالمي الذي أقامه جنكيز خان واعتمد على التجارة الحرة والقانون الدولي ونظام أبجدية عالمية؟ الكل يجب أن يتذكَّر؛ لأن هذا جزء من التاريخ الإنساني، ولأن المغول صاروا — في الوقت المناسب — كبشَ الفداء لفشل أمم أخرى مثل روسيا واليابان وبلاد فارس والصين والهند والعرب؛ ومن ثم أضحى جنكيز خان مُدانًا في نظر التاريخ. ومع أن غيره من القادة من أمثال يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر ونابليون ربما لقوا معاملةً أفضل، فإن جنكيز خان وحده كان الضحية التاريخية.

وقد أشار ممثِّلو الحضارات القديمة بشكل عام إلى أن الحضارات الحديثة تستطيع تعلُّم الكثير من الحضارات الأقدم. بادئ ذي بدء، بإمكاننا مثلًا تقبُّل فكرة أننا جميعًا فروع لأصول واحدة، وهو ما يعني أن قراراتنا ليست منحصرة بالضرورة ضمن خيارَيْن اثنين فقط، كالحداثة والتقليدية، بل يوجد الكثير والكثير من الاحتمالات والإمكانيات النابعة من الكرامة الفردية للإنسان، والاحترام المتبادل، ونتيجته الطبيعية المُلازِمة له المتمثِّلة في الاحترام الجمِّ للتعايُش. وبالطبع يوجد خيار الجمود والفناء الثقافي، إلا أن أحد أفضل جوانب المعرفة التاريخية هو إدراك أن الاحتمالات والفرص الجديدة تأتي من جهات غير متوقَّعة؛ كالإبداع في مجال الفن أو الأفلام أو العمل المصرفي أو العلاج أو الطعام أو حركات التعاطف الإنساني؛ ولكن لا يمكن تخيُّل حدوث أيٍّ من ذلك إنْ كنَّا نعتبر التاريخ مجرد هراء، أو عندما تصبح دروسُ التاريخ دروسًا على المدى القصير، فقط يقرؤها المرء في صباح أيام الإثنين على صفحات صحيفة نيويورك تايمز. إن الحقيقة المؤكدة الوحيدة التي أدركها علماء الأنثروبولوجيا من خلال اعتمادهم على إطار زمني طويل للدراسة، هي أن الحضارات تقوم، ولكنها تسقط أيضًا. ومع ذلك يكشف التاريخ أيضًا أن الروح البشرية تواصِل وتستمر، ولكن اختيار كيفية الاستمرار راجِع إلى كلِّ واحد منَّا، نحن سكان هذا الكوكب الواحد.

مراجع

  • Abu-Lughod, Janet (1989) Before European Hegemony: The World System AD 1250–1350. New York: Oxford University Press.
  • Al-Jabarti, Abd Al-Rahman (2003 [1798]) Al-Jabarti’s Chronicle of the First Seven Months of the French Occupation of Egypt, June-December, 1798. In Napoleon in Egypt: Al-Jabarti’s Chonicle of the French Occupation. Shmuel Moreh, ed. Princeton: Markus Wiener Publishers, pp. 33–123.
  • Barenboim, Daniel (2004) Sound and Vision: Edward Said Was a Great Thinker, and It Was Music That Made Him Tick. The Guardian, October, 25. Available at http://www.guardian.co.uk/music/2004/oct/25/classicalmusicandopera1 (accessed April 4, 2012).
  • Beal, Samuel (trans.) (1911) The Life of Hiuen-Tsiang by the Shaman Hwui Li. London: Kegan Paul, Trench Trübner.
  • Frye, Richard (2005) Ibn Fadlan’s Journey to Russia: A Tenth-Century Traveler from Baghdad to the Volga River. Princeton, NJ: Markus Wiener Publishers.
  • Ghazoul, Ferial J. (1992) The Resonance of the Arab-Islamic Heritage in the Work of Edward Said. In Edward Said: A Critical Reader. Michael Sprinker, ed. Oxford: Blackwell, pp. 157–172.
  • Gordon, Stuart (2008) When Asia Was the World: Traveling Merchants, Scholars, Warriors, and Monks who Created the “Riches of the East.” Philadelphia: Da Capo Press.
  • Huff, Toby (1993) The Rise of Early Modern Science: Islam, China, and the West. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Huff, Toby (1999) The Rise of Early Modern Science: A Reply to George Saliba. Bulletin of the Royal Institute for Inter-Faith Studies, 4, no. 2, pp. 115–128.
  • Jomard, Edme François (1836) Coup d’oeil impartial sur l’état présent de l’Égypte, comparé à la situation antérieure. Paris: Béthune & Plon.
  • Kroeber, Alfred (1948) Anthropology: Race, Language, Culture, Psychology, Prehistory, second edition. New York: Harcourt, Brace and Company.
  • Lane, Edward William (1836) An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians: Written in Egypt During the Years 1833, -34, and -35, Partly From Notes Made During a Previous Visit to That Country in the Years 1825,-26,-27, and -28. London: Charles Knight and Co.
  • Lazare, Daniel (2004) The Gods Must Be Crazy. The Nation, 279 (16), pp. 29–36. Available at http://www.thenation.com/article/gods-must-be-crazy (accessed April 5, 2012).
  • Maalouf, Amin (1984) The Crusades Through Arab Eyes. New York: Schocken Books.
  • Matar, Nabil (2003) In the Lands of the Christians: Arabic Travel Writing in the Seventeenth Century. New York: Routledge.
  • Naddaf, Sandra (1986) Mirrored Images: Rifa’ah al-Tahtawi and the West. Alif: Journal of Comparative Poetics 6, pp. 73–83.
  • Nader, Laura (1969) Up the Anthropologist: Perspectives Gained from Studying Up. In Reinventing Anthropology. Dell Hymes, ed. New York: Pantheon Books, pp. 284–311.
  • Nader, Laura (1996) Naked Science: Anthropological Inquiry into Boundaries, Power, and Knowledge. New York: Routledge.
  • Needham, Joseph (1969) The Grand Titration. London: Allen and Unwin.
  • Newman, Daniel L. (trans. and ed.) (2004) An Imam in Paris: Al-Tahtawi’s Visit to France (1826–31). London: Saqi.
  • Patai, Raphael (1962) Golden River to Golden Road: Society, Culture, and Change in the Middle East. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
  • Patai, Raphael (1973) The Arab Mind. New York: Scribner.
  • Reeves, Minou (2001) Muhammad in Europe: A Thousand Years of Western Myth-Making. New York: New York University Press.
  • Robinson, Francis (2004) How clean they are. Times Literary Supplement, No. 5283. July 2, p. 24.
  • Said, Edward (1975) Shattered Myths. In Middle East Crucible. Naseer H. Aruri, ed. Wilmette, IL.: Medina University Press, pp. 410–427.
  • Said, Edward (1978) Orientalism. New York: Pantheon Books.
  • Said, Edward (1994) Culture and Imperialism. New York: Vintage.
  • Saliba, George (1999) Seeking the Origins of Modern Science? Bulletin of the Royal Institute for Inter-Faith Studies, 1, no. 2, pp. 139–152.
  • Saliba, George (2002) Flying Goats and Other Obsessions: A Response to Toby Huff’s “Reply.” Bulletin of the Royal Institute for Inter-Faith Studies, 4, no. 2, pp. 129–141.
  • Saliba, George (2007) Islamic Science and the Making of the European Renaissance. Cambridge, MA: MIT Press.
  • Succarie, Mayssun (2008) Winning Hearts and Minds: Education, Culture, and Control. Ph.D. Dissertation, University of California, Berkeley.
  • Tageldin, Shaden M. (2002) The Sword and the Pen: Egyptian Musings on European Penetration, Persuasion, and Power. Kroeber Anthropological Society Papers, no. 87, pp. 196–218.
  • Tageldin, Shaden M. (2011) Disarming Words: Empire and the Seductions of Translation in Egypt. Berkeley, CA: University of California Press.
  • Taleb, Nassim (2007) The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable. New York: Random House.
  • Wallerstein, Immanuel (1974) The Modern World-System: Mercantilism and the Consolidation of the European World-Economy, 1600–1750. New York: Academic Press.
  • Weatherford, Jack (2004) Genghis Khan and the Making of the Modern World. New York: Crown.
  • Weber, Max (1958) The City. Glencoe, IL: Free Press.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠