الفصل الثامن

كسر حاجز الصمت

السياسة والاستقلال المهني1

مقدمة

أثارَ ردُّ فعل علماء الأنثروبولوجيا على حرب الخليج تساؤلاتٍ حول العنف والاستقلال المهني، وعمَّا إذا كانت الأنثروبولوجيا لا تهتمُّ بما يكفي بتحمُّل عبء المساهمة في الحد من العنف، من خلال كسر حاجز الصمت المحيط بالعالم العربي، كما فعلنا في حالة فيتنام. كان سؤالي وقتها عن المسئولية المهنية؛ فهل تعكس الأنثروبولوجيا فكْرَ القوى المهيمِنة السائدة، أم يمكن أن يكون لدينا أنثروبولوجيا متحرِّرة من العقائد الأساسية الناشئة خارج حدود هذا الفرع من العلم؟

لم يزَل العالم الإسلامي بشكل عام، والعربي بشكل خاص، من أقل الأماكن شهرةً من الناحية الإثنوجرافية في العالم، في حين تتفشَّى عنه في نفس الوقت معلوماتٌ زائفة ومغلوطة. وعلى الرغم من الأعمال الممتازة التي قدَّمها عددٌ من علماء الأنثروبولوجيا، فإننا افتقدنا منذ عام ١٩٥١م وجودَ كتابٍ جامعٍ عن المنطقة على نفس درجة شيوع كتاب «القافلة» بقلم كارلتون كون. والحق أن علم الأنثروبولوجيا ينزع منذ الحرب العالمية الثانية إلى الإمعان في الصمت والامتناع عن إثراء المعرفة بخصوص المنطقة، وقد بان ذلك إبَّان حرب الخليج، ولكن ما فتئ أن تأكَّدَ بعد الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م.

ومن ذلك على سبيل المثال، أن الأقسام العلمية الكبرى عند تعيينها باحثين إثنوجرافيين من العالم العربي، تختار أشخاصًا يعملون على بُعْدٍ من «مناطق التوتُّر» مثل الشام أو العراق أو السودان أو الضفة الغربية؛ فجامعة هارفرد مثلًا تُعيِّن اختصاصيين في تركيا أو اليمن، وجامعة كولومبيا لديها اختصاصيٌّ في المغرب، وجامعة ميشيجان لديها عالم أنثروبولوجيا يعمل في اليمن (بالرغم من أنها عيَّنت مؤخرًا عالِمًا يعمل في الأردن)، وجامعة ستانفورد لديها عالِمٌ يعمل في تركيا، بينما عيَّنَت جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة برينستون اختصاصيين مغاربة، وبعدها عيَّنت جامعة بيركلي عالِمَيْن أنثروبولوجيَّيْن يعملان في مصر. وهذا النسق في اختيارات التعيين يعكس توتُّرًا لدى أكبر أقسام الأنثروبولوجيا في الجامعات، وهذا التوتُّر يُقلِّص من إمكانية كسْرِ حاجز الصمت المحيط بالمناطق التي تشهد عنفًا شديدًا، سواء أكان ذلك عن قصدٍ أم دون قصد.

ويحاول بعض علماء الأنثروبولوجيا تفسيرَ هذا الصمت وغياب النقاش السياسي الجاد. إن قلة النتاج العلمي تشير إلى أن علماء الأنثروبولوجيا الأنجلو-أمريكيين لا يتعلَّمون بسرعةٍ، على الرغم من أننا على مدار العقود الطويلة الماضية كنَّا ننتقد بحماسٍ علماءَ الأنثروبولوجيا الوظيفية البنيوية البريطانيين، العاملين في المناطق الأفريقية المُستعمَرَة لتجاهُلِهم المستعمِرين والمستوطِنين والسلطة والإمبريالية؛ إلا أن نفس الموقف تكرَّرَ مع حرب الخليج ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، ولكن بمنعطف جديد؛ إذ لا يوجد سوى قلةٍ من علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين أو الأمريكيين يتحدَّثون عن الشعوب الأخرى أو يكتبون عنها أو يُدعَون لتعريف مواطنينا بها، وقد لا يقتصر الأمرُ على عدم معرفتهم بتلك الشعوب الأخرى فحسب، بل قد يكونون مُضلَّلين بدرجة كبيرة بشأنهم. ولكن قد يكون علماءُ الأنثروبولوجيا ذوو الأصول الأجنبية في طريقهم لكسر حاجز الصمت.

الصمت والقوى المهيمِنة السائدة

مرةً أخرى، لعله من المفيد أن نعود للتَّفكُّر في حرب الخليج. اشترك كلٌّ من سوزان بولوك وكاثرين لوتز (١٩٩٤) في التعليق على حملة التضليل العملاقة التي أطلقَتْها إدارةُ بوش في تسعينيات القرن العشرين، من خلال مقالٍ بعنوان «استغلال المواقع الأثرية من أجل حرب الخليج»، وفيه كشفَتَا نماذِجَ فاضحةً للطريقة التي استُغِلَّ بها الماضي الأثري العراقي؛ إذ كان التركيز منصبًّا على أغراض مُسلَّعَة (الآثار)، وليس على حياة الناس الذين يعيشون في حاضرنا هذا إلى جوار ذاك الماضي. كذلك أشارَتْ وسائلُ الإعلام إلى الروابط التي تجمع بين «حضارتنا» وبين أسلاف العراقيين، بما معناه أنَّ تراث العراق مِلكٌ لنا جميعًا (وهذا صحيح إذا كنَّا نعمل في سياق تاريخ واحد للعالم بأسره)، فبجَّلوا المواقع الأثرية وأضفَوا على التاريخ العراقي طابعَ الإنسانية. ومن سخرية القدر أن إدارة بوش الأولى كانت تقتل المدنيين العراقيين الأبرياء، بينما تستغلُّ الروابطَ التي تجمعنا بأسلاف العراقيين بالتزَلُّف إلى حلفائها من العرب وهي تقصف ذات التراث في نفس الوقت. ولكن، وفي نفس هذا السياق، عندما كانت حركة طالبان تدمِّر المواقعَ الأثرية، وُصِفَت أفعالها بأنها أفعالٌ بربرية بجدارةٍ، من قِبَل مَن كانوا يرتكبون نفسَ تلك الأفعال في العراق.

وقد أشار ويليام يونج (١٩٩٩) في بحث أعَدَّه عن عنف الدولة الناشئ داخليًّا، إلى أن إثارة تعاطُفِ علماء الأنثروبولوجيا يكون أيسرَ إذا كانت قضايا حقوق الإنسان تتناوَلُ شعوبًا قَبَليَّةً في نزاعٍ مع إحدى الحكومات، ولكنه يقول إنه عند تعلُّق الأمر بالشرق الأوسط الذي يُشار إلى الضحايا فيه على وجه العموم في الإعلام والمؤلَّفات العلمية باعتبارهم عرقياتٍ أو أممًا، لا تتحمس سوى فئة قليلة من علماء الأنثروبولوجيا لدعم تلك القضايا. ويستطرد مُصرِّحًا بأن علماء الأنثروبولوجيا غير المُعيَّنين في مناصب دائمة، قد يرغبون عن الإساءة إلى زملائهم الذين يعملون في إسرائيل أو تركيا أو إيران أو مصر، أو أي دولة أخرى لا تقبل النقْدَ الأكاديمي لسياساتها المحلية. ويشير تيد سويدنبيرج (١٩٩٥) إلى أن الباحثين عُرضة لتشويه سمعتهم على يد المُستجيبين لأبحاثهم، وفي حالة الأبحاث التي تُجرَى على الفلسطينيين ينقل سويدنبيرج عن مجلة «ذا كرونيكال أوف هاير إديوكيشن» إشارتها إلى أن دراسة الفلسطينيين «لم تكن على الدوام خطوةً سديدةً بالنسبة إلى العلماء الأكاديميين الراغبين في الارتقاء مهنيًّا» (كوجلين، ١٩٩٢: صA8)، ولا يوجد أعرَف منه بذلك؛ إذ إنه في بحثه عن وظيفة في أكبر أقسام الأنثروبولوجيا، كان دومًا يحتلُّ المرتبةَ الثانية بين المرشحين لشغل المنصب، على الرغم من كتابه الرائع «ذكريات من الثورة»، وأعماله المتألِّقة حول موضوعاتٍ تتنوَّع من الجزائر إلى مصر، حتى استخدام النصوص الموسيقية كوسيلة للتعبير السياسي في الشام.

وتَذكُر جولي بتيت (تاريخ النشر غير متوافر) ضرورة «الحصول على إذن المجتمع الأكاديمي والجماهير لسرد قصص العنف التي يعانيها الفلسطينيون»، وتشير إلى أن هذا الإذن صار متاحًا اليومَ أكثر من ذي قبل، وتنقل كذلك عن أحد الفلسطينيين تعليقَه أن إمكانية سرد مثل هذه الأحداث صارت أكبر اليومَ؛ لأن الأمرَ لم يَعُدْ يهمُّ، بما أن الاحتواء أو الهزيمة ربما يخفِّفان من الحاجة إلى تكميم الأفواه أو الرقابة.

من العوامل الأخرى التي تثير سخطَ بتيت الحاجةُ الدائمة إلى «موازنة» أيِّ دراسة حول فلسطين، من خلال إضافة متحدِّث أو حضور إسرائيلي فيها حتى تحظى بالشرعية لدى المجتمع الأكاديمي، ومن ثم الإذعان لإثنوجرافيا تنزع إلى الصمت، بل الرقابة أيضًا على الدراسات والأبحاث نفسها. وتضيف أنه بالرغم من أن اللاجئين الفلسطينيين هم الأكبر والأقدم بين جماعات اللاجئين، فإنه لم يأتِ ذِكْرُهم إلا في فقرة أو فقرتين بالكاد في كتابٍ عن اللاجئين حظي بثناء كبير بقلم زولبيرج وزورك وأجوايو (١٩٨٩)؛ فهناك العنف يتبخر ولا يخلِّف وراءه أثرًا.

ويحضرني موقفٌ بمناسبة ذِكْر قوى تكميم الأفواه؛ كنتُ قد اخترتُ كتابًا بقلم بتيت بعنوان «نساء في شِدَّة» (١٩٩١) لتدريسه ضمن برنامج دراسي أنثروبولوجي تمهيدي، وكان الكتاب عبارة عن دراسة إثنوجرافية حول مخيمٍ للَّاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، وكانت النتيجة أنْ زارني جماعةٌ من أولياء الأمور يسألونني بضغط عن سبب إضفاء طابعٍ إنسانيٍّ على الفلسطينيين وهم إرهابيون، مع التلميح إلى أن ذلك قد يؤدِّي إلى استشراف الصفِّ ميولًا معادية للسامية. وهذا نموذج واحد من حملة اتهامات يتردَّد صداها عبر تجارب مشابِهة على مدار سنوات عدة مضَتْ. غير أن هذا الصمت أضجر عضو الكونجرس الأمريكي بول فيندلي (الجمهوري عن ولاية إلينوي)، ودفعه إلى توثيق عملية تكميم الأفواه هذه في كتابه «المجاهرون بالقول: أشخاص ومؤسسات في مواجهة اللوبي الإسرائيلي» (١٩٨٥)، وتلاه (عام ٢٠٠١م) كتاب «لا سكوت بعد اليوم: مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أمريكا»، وبعد ذلك أصدَرَ أستاذُ العلوم السياسية نورمان فينكلشتاين كتابَه الشهير «ما وراء خوتزباه: حول إساءة استغلال معاداة السامية وتشويه التاريخ» عام ٢٠٠٥م.

وهذا التراجع في المراجعات النقدية المُطَّلِعة أسهَمَ بدوره في التغيُّرات الهيكلية/المؤسسية التي نشهدها في الجامعات. ويشير باتريك ويلكِن — عالم أنثروبولوجي في كلية جولدسميث، جامعة لندن — في مستهل مقال نادر كتبه بعنوان «المثقفون والإعلام وحرب الخليج»، إلى أنَّ «إحدى أبرز سمات التغطية الإخبارية لحرب الخليج في الصحافة الأمريكية السائدة كان عدم الاكتراث شبه الكامل بالوفيات بين العراقيين (هيرمان، ١٩٩١: ٥) … في تجاهلٍ تام للتبعات المدمرة لمثل هذه الحرب الأحادية» (ويلكِن، ١٩٩٥: ٣٧)، ويتساءل: «أين كانت الأصوات المعارضة؟» قائلًا إن ذلك الصمت هو نتيجة للتغيُّرات الهيكلية والتغيُّرات المؤسسية التي تسبَّبَتْ في تراجُعِ التعليقات النقدية المُطَّلِعة. ويرى ويلكِن أن التوسُّعَ الهائل في الجامعات يعني أن المثقفين قد انصهروا داخِلَ الدولة؛ أي إنهم قد خضعوا للتنظيم المؤسسي؛ ممَّا أدَّى إلى زيادة التخصُّصِ، واختفاء العلماء أصحاب الخبرات الشاملة من غير المتخصصين، وعدم قدرة شخصيات عامة مثقفة شهيرة على تقييم حدث سياسي ضخم بحجم حرب الخليج (أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر) تقييمًا نقديًّا. ويستعرض كتاب «ثقافات المحاسبة» (ستراذيرن، ٢٠٠٠) نماذجَ لدراسات إثنوجرافية لتلك التغيُّرات التي حدثت في المجتمع الأكاديمي بما يوفِّر السياقَ المناسِبَ لملاحظات ويلكِن.

ويدلِّل ويلكِن على رؤيته من خلال الاستشهاد بثلاثة مثقفين من الشخصيات العامة، ممَّنْ كانت أحاديثهم عموميةً وخاليةً تمامًا من أي لمحة للمعارضة، ولا تقدِّم معلوماتٍ مفيدةً للمعارضين؛ وصَفَ أولهم حرب الخليج بأنها «واقعٌ افتراضيٌّ»، أو شكل من أشكال الحروب لا يحتاج فيه المرء إلى التصدِّي فعليًّا للحرب، بينما رأى الثاني أن الحرب حتمية نظرًا لاستحالة الفصل في النزاع، أما الثالث فكتب أن الحرب مجرد انعكاس لنزعة طائفة من المحاربين في الولايات المتحدة. ومعه حق في أنها جميعًا تقييمات غير نقدية. كانت الصحافة وقتَها خالية بالفعل من أي معارضة من الشخصيات الأكاديمية باستثناء أستاذين جامعيَّيْن، ليس أيٌّ منهما عالمًا أنثروبولوجيًّا؛ هما نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد، وتبعهما نورمان فينكلشتاين الذي كان يعمل وقتها في جامعة ديبول، التي رفضت تثبيت تعيينه عام ٢٠٠٧م، على الرغم من ثنائها عليه ووصفها له بأنه عالمٌ غزير الإنتاج ومدرسٌ متميزٌ.

ويتساءل ويلكِن في الجزء الذي تناوَلَ فيه الصمت الأنثروبولوجي في مقاله: «أين الأصوات الأنثروبولوجية لتقابل الادِّعاءات المتعصِّبة (أو الادِّعاءات العنصرية)؟» مشيرًا بتساؤله هذا إلى صمت أغلب علماء الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة وتهاونهم في المملكة المتحدة؛ الدولتين المشاركتين في عمليات القصف في حرب الخليج وفي العنف السلبي المتمثِّل في العقوبات التي فُرِضَت على العراق، ونتج عنها وفاة عددٍ ضخم من المدنيين تجاوَزَ عددَ ضحايا القصف النووي على هيروشيما وناجازاكي.

ويُقِرُّ ويلكِن أن مؤتمرًا قد أُقِيم حول حرب الخليج في كلية لندن للاقتصاد، وفيه عالَجَ علماءُ الأنثروبولوجيا الحربَ عقلانيًّا ومجازيًّا، وانتهوا إلى أن: أنظمة القرابة الكردية والشيعية كانت قائمةً على التقسيم، والعراقيين كانوا خاضعين لنظام أبوي، وزعيمهم مضطرب عقليًّا، والأنظمة العربية/الإسلامية تمثِّل جزءًا من المشكلة. كما ذكر كذلك تعليقات منسوبة إلى إرنست جيلنر يقول فيها: «العالم المتقدم فقط بتفانيه في التنمية الاقتصادية هو الوحيد الذي يمكن الوثوق به وائتمانه على امتلاك الأسلحة العالية التقنية؛ نظرًا لأن الغرب لم يَعُدْ يُقدِّر العدوانَ أو يهتم بالسيطرة على المزيد من الأراضي. أما صدَّام من ناحية أخرى، فقد أثبَتَ عدمَ جدارته بحمل هذه الأمانة.» (ويلكِن، ١٩٩٥: ٥٩) بل وذهب أحد الملاحظين (مير-حسيني، ١٩٩١: ٦) إلى الجزم بأن الأنثروبولوجيا ليس لديها ما تقدِّمه «في عالَمٍ تحكمه الواقعيةُ السياسية»؛ أي في عالَمٍ تتحكَّم فيه قواعدُ المصلحة الذاتية. وانتهى ويلكِن إلى أن علماء الأنثروبولوجيا المثقفين قد خضعوا للتنظيم المؤسسي في إطار ما أطلق عليه سي رايت ميلز (٢٠٠٨: ١٨) «انعدام المسئولية المنظَّم». إن الإعلام يريد أشخاصًا قادرين على التعليق على الإطار الأشمل للأحداث، بينما يتحسَّر ويلكِن على حال علماء الأنثروبولوجيا الذين يفضِّلون التركيزَ على «الدراسات الإثنوجرافية الدقيقة» والتحليلات الداخلية. ويجوز أن نُعبِّر عن الوضع بأسلوب مختلف، وننتظر من الإعلام أن يرغب في معرفة العمق الأكبر للأحداث الذي تستطيع الأنثروبولوجيا توضيحَه.

إنَّ مشكلة العراق وأفغانستان ليست ناتجةً عن سوء فهم ثقافي أو عدم كفاءة، ولكنها في حقيقتها دعاية لإخفاء الدمار الشامل الذي تخلِّفه الحرب. إن ادِّعاء سقوط نظامٍ شَرِس داوَمَ على تلقِّي الدعم العسكري والاقتصادي من الغرب على مدار عقد كامل على يد معارضة مُقسَّمة أو بفعل حرب على النظام الأبوي، هو مجرد حجَّة واهية، وليس ذلك فحسب، بل إنه يعيد إلى الأذهان أيضًا مفهومَ الاستشراق أو «الأبحاث العلمية الغربية المتسرِّبة»، التي طالما كتب عنها إدوارد سعيد. كما أن نقص المعلومات أو فيض المعلومات المغلوطة يساهِمُ بدوره في تبليد الأحاسيس. وقد كتب عالِم الموسيقى دوايت رينولدز (١٩٩١: ٢٠) عن الترجمة الثقافية، مشيرًا على سبيل المثال إلى أن توماس فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز يُعَدُّ مناهِضًا لمبدأ «التسامُح مع العرب»، بوصفه المنطقةَ بأنها «ظاهرة فريدة ثقافيًّا، أرضٌ لا يقصد فيها أحدٌ أيَّ شيء، ولا يفهم فيها أحدٌ أيَّ شيء.»

ومن بين المحاولات التي بُذِلَت من أجل كسر حاجز الصمت، ذلك المشروع الذي ذكرناه في الفصل السابع الذي حمل اسم «قوى التغيير: الفنانات في العالم العربي» (١٩٩٤)، وهو معرض فنيٌّ لفنانات عربيات ينتمين لتيارات الفن الحديث، وفيه عثر المجلس العالمي لفنون المرأة على فنانات عربيات موهوبات، كثيرًا ما تعرَّضَتْ حياتهن للخطر بسبب أصواتهن المعارِضة التي انعكست في لوحاتهن التي تصوِّر العنف، والتعذيب، والحرب، والثورة، والمقاومة. وكان الهدف وراء الجهد المبذول لإقامة ذلك المعرض هو إرجاع الطابع الإنساني إلى العالَم العربي المعاصِر، من خلال مجالٍ تستطيع النخبةُ الغربية استيعابَه، كما أنه لفت الانتباه بأساليب مرئية إلى الصمت المطبق على الأحداث. وقد افتُتِح المعرض في المتحف الوطني لفنون المرأة (١٩٩٤) في واشنطن العاصمة، وجالَ في عشر مدنٍ كبرى حول البلاد، وهو أول معرض كبير يُقام على الإطلاق للثقافة العربية المعاصرة. واشترك روَّاد المعرض في ردِّ فعل واحد: فنانات عربيات؟ فنانات ينتمين إلى العالم العربي؟ فنانات عربيات يعبِّرن عن آرائهن؟ لم يتخيَّلوا أن يروا فنانين عرب يعبِّرون عن آرائهم، فضلًا عن أنهن لسن فنانين عرب بل فنانات عربيات. هذه هي قوة ترديد المعلومات المغلوطة.

وبالرغم من أن حجم التغيير منذ الحادي عشر من سبتمبر ضئيلٌ، فإنه قد يكون من السابق لأوانه أن نحكم على الأمور. ففي بادئ الأمر لم نكن نسمع سوى صوت عالم الأنثروبولوجيا ويليام بيمان، وفي مقالاته في صحف ميلووكي جورنال سنتينل، وذا بالتيمور صَن، وذا كولومبيا ديسباتش، يتناول بيمان الأسبابَ الجذرية للأحداث كالعلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، التي يتعرَّض للشجب بسببها لما بَدَا أنه تبرير لا تفسير لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. وجدير بالذكر أن بيمان اختتم إحدى مقالاته القديمة (١٩٨٩) بجزئية تتناول سباق التسليح الأمريكي وإمكانية اندلاع حرب في الخليج، ولكن مَن ذا الذي أصغى إليه حينها؟

والحق أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألهمَتْ بعضَ علماء الأنثروبولوجيا بالفعل؛ حيث عبَّر آرثر كلاينمان وآخَرون عن الصدمة التي زعزعَت الاستقرارَ الشعوري الأمريكي، كما عرَضَت دايان فرانس عالِمة أنثروبولوجيا الطب الشرعي من جامعة كولورادو الحكومية، وعلماءُ آثارٍ من جامعة كولومبيا وغيرها من الجامعات، تقديمَ خدماتهم في موقع جراند زيرو. أما عالِم الأنثروبولوجيا نبيل أبراهام، الذي درس المجتمعات العربية-الأمريكية في أماكن منها ديربورن، ميشيجان، فقد تحدَّثَ عن قلق ومخاوف تلك المجتمعات والغضب العنصري الذي تلا الهجمات الإرهابية وأثره عليها. ومرة أخرى حاولت كاثرين لوتز وضْعَ الأمور في سياقها، والإجابة على الأمريكيين الذي سألوا: «لماذا يكرهوننا؟» بينما تحدَّثَ علي قليبو من القدس عن سماحة الإسلام. ولكن كان علماء الأنثروبولوجيا من المناطق المعنيَّة هم مَن تقدَّموا ليعلِّموا الناس وينصحوهم حول كيفية إعادة بناء أفغانستان مستقلةً بعد عقود من التدخُّل الخارجي. وعلى الرغم من وجود شخصيات أخرى تميَّزَتْ بالفصاحة وبلاغة القول، مثل ديفيد إدواردز (انظر الصفحات ١٧٩–١٨٦ في عدد شتاء ٢٠٠٢م من دورية أنثروبولوجيكال كوارتارلي)، فإن أشرف غني (٢٠٠١) كان صاحب الحضور الأوسع انتشارًا في برامج مثل «ساعة إخبارية مع لِهرر» و«أخبار إيه بي سي المسائية»، ومحطات بي بي إس وسي بي سي، وصحيفة فاينانشيال تايمز؛ حيث كان يوضِّح بعناية ماهيةَ الكارثة المتمثِّلة في أفغانستان اليومَ، مستعينًا بمعرفته بالاقتصاد والتحالُف السياسي لينصح بالتحرُّك المستقبلي المناسب. ولكن، من ناحية أخرى، فإن كلًّا من روبرت فيرنيا وبي جيه فيرنيا، اللذين تصدَّرَتْ كتبُهما قائمةَ الكتب الأعلى مبيعًا بعد سنوات من البحث الأنثروبولوجي في العراق ومصر والمغرب، فقد تعرَّضَا لتجاهُلٍ كبير من الإعلام والحكومة (فيرنيا وفيرنيا، ١٩٩٧)، بل حتى في اجتماعات الأنثروبولوجيين الأمريكيين عام ٢٠٠٣م — التي نُوقِش على رأس جدول أعمالها عملياتُ نهب المواقع الأثرية في العراق، إلى جانب وفاة المدنيين الأبرياء هناك — لم يُدْعَ أيٌّ منهما للحديث بالرغم من حضورهما.

تبليد الأحاسيس

ليست الأنثروبولوجيا مجرد عملية كشف عن الأفكار داخل إطار العلم نفسه، بل تعتمد في تشكيلها كذلك على البيئة الاجتماعية السياسية الأعرض (وُلف، ١٩٩٩)، والخطوة الأولى لتجنُّب أن تحدِّد الأيديولوجيات السائدة الأوسع نطاقًا جدولَ أعمالها، هي اكتشاف كيفية تأثير تلك الأيديولوجيات على علم الأنثروبولوجيا. ولكن إن تجاهلنا التأثيرات الخارجية لصالح التركيز على الأبعاد الداخلية، فسوف يفوتنا جانبٌ كبيرٌ من البُعْد المتعلِّق بالقوة والسلطة، وهذا هو ما يسلِّط بيمان ولوتز الضوءَ عليه. ربما يكون العالَمان العربي والإسلامي هما — على الأرجح — المنطقتين الوحيدتين في العالم اللتين تعانيان من عدم وجود دراسات إثنوجرافية متعددة المواقع خاصة بهما تقوم بإقامة الصلات. ولكنَّ إريك وُلف (١٩٩٩: ١٣٢) حافَظَ على تفاؤله: «هذا العلم واحد من العلوم القليلة جدًّا المتبقية القائمة على الملاحظة، [و] … نحن قادرون على النظر في احتمالية تعدُّد المسبِّبات.»

وقد تعدَّدَتْ مسبِّبات الصمت الشامل الذي ساد إبَّان حرب الخليج، ولكن لم يتم إبراز أيٍّ من هذه المسبِّبات، بل نادرًا ما تُذكَر في الدراسات الأنثروبولوجية؛ ومنها: (١) الحماس الديني؛ المسيحية مقابل الإسلام، واحتمالية عدم انتهاء الحملات الصليبية أبدًا (على الأقل منذ خطاب البابا أوربانوس الثاني الحماسيِّ عام ١٠٩٥م، الذي تحدَّى فيه أوروبا المسيحية أن تواجه الإسلام على عتباته). و(٢) الهيمنة العسكرية؛ المجمع العسكري الصناعي الذي حذَّرنا منه الرئيس أيزنهاور، الذي يعمل أحيانًا بمعزل عن الحكم الديمقراطي. و(٣) العنصرية؛ تلك الحاجة لتجربة الأسلحة (والأشخاص الذين يستخدمونها) للتأكُّد من صلاحيتها، ولا أفضل من تجربتها على الجماعات البربرية أو «الأعراق الأدنى». و(٤) الأيديولوجيات؛ تأثير الأيديولوجية الصهيونية القوي والنافذ على المثقَّفين الغربيين. (٥) والأهم على الإطلاق تبليد الإحساس تجاه أشكال الحرب المختلفة، بما يعني عدم الاضطرار لمواجهة حقيقة الحرب أبدًا أو حقيقة العنف السلبي الذي يليها، وتبرير الحروب من خلال معايير مزدوجة. وقد لعبت الأيديولوجيات، الدينية والسياسية على حد سواء، والعنصرية والمصلحة الذاتية والبراجماتية دورًا في تكميم أفواه المعارضة في الماضي والحاضر. ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ارتخت قبضة الصمت قليلًا؛ إذ تساءَلَ الأمريكيون «لماذا يكرهوننا؟» وانبرى علماء الأنثروبولوجيا وغيرهم في محاولة الإجابة عن هذا التساؤل وغيره من التساؤلات حول الإسلام والمنطقة. ولكن إن أردنا استنباطَ أيِّ شيء من ردود الأفعال المسيئة على أعمال كاثرين لوتز وويليام بيمان غير المتوافقة مع التيار العام، فربما نضطر جميعًا لمواجهة المزيد من الصعوبات في المستقبل.

والقضية الشاملة لكل هذه الجوانب، التي أرى أننا بحاجة للتعمُّق في شأنها، هي قضية تبليد الإحساس. إن تبليد الإحساس هو تحديدًا ما جرى في ألمانيا النازية وسمح بمرور الإبادة الجماعية دون أن يحفل بها أحدٌ، وهو كذلك ما جرى زَرْعه داخل هؤلاء المُحرِّكين لعمليات الإبادة الجماعية العديدة على الساحة المعاصرة. وليست الإبادة الجماعية جزءًا من النسيج القومي والأحداث الداخلية الخاصة بالأمم فحسب، ولكنها كذلك جزءٌ لا يتجزَّأ من الحروب. واللامبالاة التامة لتبعات العمليات العسكرية الأحادية، سواء التي تجريها الولايات المتحدة أو حلفاؤها في العراق، أو الولايات المتحدة في ليبيا أو السودان، أو الإسرائيليون في لبنان، أو قوات «التحالف» في أفغانستان، أو الناتو في ليبيا عام ٢٠١١م. هذه اللامبالاة تتغذَّى على الصمت الذي ربما يكون، في أعماقه، عنصريةً مترسِّخةً بعمق ضد العرب والبلاد الإسلامية بشكل عام؛ عنصرية ثقافية متخفية في هيئة الاستشراق الذي تطرَّقَ إليه أغلبُ علماء الأنثروبولوجيا تطرُّقًا سطحيًّا، على عكس المواقف المستنيرة التي اتبعوها في أماكن أخرى.

ويستحيل أن تتوافر معرفة حقيقية حول أيِّ منطقة في العالم، في وجود العديد من الخرافات والموضوعات المحظور تناولها. تَفكَّرْ؛ في أي جزء من أنثروبولوجيا العالم العربي نتناول تأثيرَ المصالح الاقتصادية الغربية على الخليج، تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية؟ أين نتناول العلاقات بين دول النفط والدعم الغربي للأنظمة الديكتاتورية؟ أين الدراسات التي تتناول خرافةَ أن إسرائيل هي الدولة «الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، رغم أنها تمارس التمييز العنصري؟ قد نرى أن عمل دراسة حول سحب إسرائيل للمياه والتربة السطحية من جنوب لبنان إلى داخل إسرائيل عبر الأنابيب، مع قصف محطات الطاقة في بيروت بشكل متقطِّع، قد يُسهِم في الدراسة الأنثروبولوجية للإمبريالية. أيٌّ من علماء الأنثروبولوجيا يتناول حقيقةَ أن إسرائيل قوة عسكرية تمتلك تحت يديها قوةً تكنولوجيةً تُمكِّنها من محو العالم العربي من الخريطة في يومٍ واحدٍ؟ أيٌّ من علماء الأنثروبولوجيا يتناول العنصريةَ المُطبَّعَة وازدواج المعايير؟ لم يزَل ممكنًا قولُ أشياء عن الإسلام لو قِيلَت عن المسيحية أو اليهودية لَما قُبِلَت، وكثيرًا ما نعمل تحت هذه القيود، وبسهولة شديدة كذلك. ينقل أحد المصادر عن قضية العقوبات وفاةَ ٤٠٠٠ طفل عراقي في الشهر، تخيَّلْ أثرَ وفاة عدد مماثِل من الأطفال من الولايات المتحدة أو إسرائيل. كم عالِم أنثروبولوجيا يعمل على توثيق أوضاع مناطق الحرب في بقية العالم ويشمل العالَمَ العربي ضمن ما يوثِّق؟ من المفترض أن يكون علماء الأنثروبولوجيا، على وجه الخصوص، الأكثر حساسيةً من سيطرة القوى الثقافية المهيمِنة عليهم. إننا نعاني من أجل أداء عملنا، وبالمثل تعاني الشعوب التي ندرسها، وبالمثل بلادنا.

لو نظرنا في المعلومات الثقافية المضلِّلَة المنتشرة حول العالم الإسلامي، وبين العالم الإسلامي والغرب، لَاكتشفنا أنها بمنزلة النموذج الثقافي الموازي للمعلومات البيولوجية المضلِّلَة التي نشرها النازيون عن اليهود والغجر والمثليين جنسيًّا والمُعاقين وغيرهم. وإذا كان التضليل البيولوجي بهذه الشناعة، فلِمَ لا نتناول الناحية الثقافية بنفس النقد؟ وإذا كانت معاداةُ السامية غيرَ مقبولة، فلِمَ لا نُطبِّق المنطقَ ذاته على السامية المعادية للعرب، التي تتخفَّى أحيانًا تحت عباءة الإسلاموفوبيا (علي وآخرون، ٢٠١١)، ولا يفطِن إليها أحدٌ باعتبارها معاداةً للسامية؟ عند تجاهل البيِّنات، يصير من السهل أن تنحرِفَ الأسئلةُ التي تخضع للرقابة الذاتية عن مسارها وتتعلَّق بالأمور السياسية. وقد كان جديرًا بنا حقًّا أن نتعلَّم من كتاب بيير بورديو «مختصر نظرية الممارسة» (١٩٧٧) أن الأشياء التي لا تُذكَر علنًا قد تكون مُستَغَلَّة عن قصدٍ لخدمة مصالح الجماعات ذات السلطة، ويُذكَر هنا أن قليلين فقط هم مَن كسروا حاجز الصمت قبل إعلان إدارة جورج بوش الابن الحربَ على العراق.

أخطاء تكرَّرَتْ في غزو العراق

وصف أحد علماء الأنثروبولوجيا وأحد المحاربين القدامى في فيتنام الوضْعَ بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ٢٠٠٠م بلا مواربة، قائلًا: «لقد فقدنا الأذرعَ الثلاث للحكومة: السلطة القضائية حينما اختار القضاة الرئيس؛ والكونجرس حينما تنازَلَ عن واجبه للسلطة التنفيذية؛ والسلطة التنفيذية عندما رفضت الإصغاء للأمريكيين المعارضين.»

لقد وَضَعَ الآباء المؤسِّسون للولايات المتحدة سلطةَ إعلان الحرب في أيدي الكونجرس؛ حيث تتسنَّى مناقشة القرارات مناقشةً مفتوحة، وبالرغم من ذلك صار من حقِّ حفنةٍ من الرجال غير المنتخَبين وامرأة واحدة اتخاذُ قرارات تُخاطِر بحياة القوات الأمريكية المحارِبَة، وحياة الشعب العراقي، ومستقبل المدارس الأمريكية، والرعاية الصحية، وعلاقاتنا مع حلفائنا القدامى. إن تكلفة الحرب باهظة لا يمكن تصوُّرها، وقد اعترض السيناتور بيرد على تنازُلِ الكونجرس عن اختصاصه بإعلان الحرب، في خطابه الذي حمل عنوان «ونحن نتابع مكتوفِي الأيدي مُكمَّمِي الأفواه» (بيرد، ٢٠٠٣). ولكن اتَّحَدَتْ بالفعل الآن الأذرعُ الثلاث للحكومة، وجرى إسكات الأصوات المعارضة بين كبار ضباط الجيش، وكان المبرِّر لكل هذا افتراضاتٍ واهيةً تمَّ حشو رءوس الجماهير بها مرارًا وتكرارًا إلى حد الغثيان: (١) أن العراق يمتلك أسلحةَ دمار شامل، وتوجد صلات تربطه بالقاعدة، و(٢) أن بقية العالم، بما في ذلك الحلفاء من حلف شمال الأطلسي، مخطئون، و(٣) أن العراقيين سيُرحِّبون بنا لتحريرهم، بالرغم من اثني عشر عامًا من العقوبات والآلاف من وفيات الأطفال، وبالرغم من القصف اليومي منذ ١٩٩١م، وبالرغم من عدم شرعية الغزو. هذا النوع من التنبؤات إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على ضعف المعلومات الاستخباراتية، وهذا مثال على ما يحدث حينما ينعزل الرئيس وسط مجموعة مستشارين لا تهمُّهم غير مصالحهم الشخصية. وهكذا ساد الصمت والرقابة الذاتية.

ولكن ما أقلَّ ما نعرف عن العالم العربي! أنظن حقًّا أنه لن توجد تبعات لسياستنا الخارجية المزدوجة المعايير؟ نحن لدينا سياسة لصدَّام حسين وأخرى لأرييل شارون — بالرغم من أن كلَيْهما متوحش ويتحمَّل مسئوليةَ قتل مدنيين أبرياء وتدمير حياتهم — فصدَّام أطلق الغازات الكيميائية على الأكراد، بينما شارون مسئول عن مقتل ١٧ ألف مدني لبناني حتى قبل مجزرة صبرا وشاتيلا، هذا دون احتساب استفزازه للانتفاضة الحالية؛ وكلاهما كان يحصل على أسلحة من الولايات المتحدة. وفي نموذج آخَر لازدواج المعايير، أُدين الهجوم الذي نفَّذَه إرهابيون مسلمون على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول، بينما تستَّرَ البنتاجون على عملية قصف المدمرة الأمريكية يو إس إس ليبرتي عام ١٩٦٧م التي نفَّذَتْها طائرات حربية إسرائيلية (إينيس، ١٩٧٩)، وقضى فيها مواطنون أمريكيون نحبهم. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحةَ دمار شامل، ولكن التركيز على امتلاك إيران لإمكانيات نووية يخيِّم على الحاجة لنزع السلاح النووي على مستوى العالم.

لقد درَّستُ شعوب وثقافات العالم العربي في جامعة كاليفورنيا، بيركلي منذ عام ١٩٦٠م، وصُدِمت طوال تلك الفترة بعمق الجهل بهذه المساحة الشاسعة من العالم. وفي أبحاثي لاحظتُ انعكاسَ رؤى الطرفَيْن؛ فالمؤرِّخون العرب الذين أرَّخوا للحملات الصليبية رأوا أن الصليبيين كانوا مجموعةً من الرعاع الهمجيين، الجاهلين بفنون الطب، المفتقرين للثقافة أو الحضارة، على الرغم من امتلاكهم للتكنولوجيا، وهو نفسه ما قاله غاندي عن البريطانيين حين وصفهم بالقوة الغاشمة. وتنقل الملكة نور ملكة الأردن في مذكراتها «وثبة إيمان» (٢٠٠٣: ٣١٠) عن الرئيس جورج بوش الأب قولَه لزوجها: «لن أسمح لهذا الديكتاتور الضئيل [صدام حسين] أن يتحكَّم في ٢٥٪ من نفط العالم المتحضِّر.» والكلمتان الأهم هنا هما «العالم المتحضِّر». إن جميع الأصوليين بمختلف ألوانهم يرون بحكم طبيعتهم أن عقائدهم هي الأصدق، وأنها أرقى من كافة العقائد الأخرى، التي تدخل جميعًا تحت بند العالَم غير المتحضِّر.

وقد أخبرتني إحدى وجيهات الكويت في وقت حرب الخليج الأولى أن غزو الكويت كان خلافًا عائليًّا وجب على العرب حلُّه، بينما تخبرنا الملكة نور أن الملك حسين رأى أن جهوده لإحلال السلام قد فشلت، وأن مهمَّته كانت الحيلولةَ دون دخول القوات الغربية إلى المنطقة، الأمر الذي قد يستفز الإسلاميين الراديكاليين. لماذا لم نَدَع ملك الأردن يتعامل مع المشكلة؟ لو كان السيناتور فولبرايت بيننا اليومَ لأجاب: «عجرفة السلطة.» ولكن كيف يجري التعبير عن هذه العجرفة؟ من خلال الحماس الديني: لعلَّ الحملات الصليبية لم تنتهِ قطُّ؛ من خلال الهيمنة العسكرية: المجمع العسكري الصناعي الذي حذَّرَ منه الرئيس أيزنهاور، والذي يعمل أحيانًا بمعزل عن عملية اتخاذ القرار الديمقراطية؛ من خلال العنصرية: الحاجة لتجربة الأسلحة على شخصٍ ما؛ وأخيرًا التأثير القوي للتضامن بين الأيديولوجية الصهيونية الأصولية المحلية والسياسة الخارجية الأمريكية، وهو وضع حذَّرَ منه فوريستال وزيرُ دفاع الرئيس ترومان بانفعالٍ، باعتباره يشكِّل خطرًا على أمن الولايات المتحدة.

واليومَ نواجِهُ تبعات الغزو الأحادي لدولةٍ ذات سيادة، كانت في وقت الغزو لا تشكِّل أيَّ تهديدٍ على الولايات المتحدة، والأمرُ — تمامًا كما وصفه جارٌ لي — أشبهُ بحمل مضرب بيسبول إلى خلية نحل، بما يعكس الحرية واستسهال التلاعب بحياة الأمريكيين. وكان ازدواج الخطاب من الأمور العجيبة؛ فمن ناحية، نحن نحمل الديمقراطية إلى العراق عن طريق حربٍ أُعلِنَت بأساليب غير ديمقراطية، وكالعادة يتجاهل المروِّجون للديمقراطية تقاليدَ الشعوب التي يحاولون مساعدتها، ويفتقرون لوجود فهم راسخ للديمقراطية السياسية التي أتوا بها. وعلى الرغم من تكرار معلومة أنه لا توجد سوى ديمقراطية واحدة فقط في الشرق الأوسط لحدِّ إثارة الغثيان، توصَّلَتْ دراسةٌ حديثة أُجرِيَت على الأمم المسلمة وغير المسلمة، إلى أنه على الرغم من أن فئة قليلة فقط من مواطني الدول الإسلامية يتمتعون بحقوق ديمقراطية، فإن احترام مبادئ الديمقراطية واحد تقريبًا في المجتمعات الإسلامية والغربية، غير أن ممثِّليهم يُجرى تضخيمهم وتصويرهم بشكل يوحي بالخشونة في وسائل الإعلام. والغزو الأمريكي الحالي لأفغانستان ومن بعده العراق لا يؤدِّي إلا إلى تفاقُم الدائرة المفرغة لصناعة القوالب النمطية المعادية للأمريكيين والمعادية للمسلمين أو العرب.

وقد تواجِهُ الأممُ أحيانًا أوقاتًا تضطرها فيها الأحداثُ إلى اختبار توافُقِ أفعالها مع مبادئها، وفي مثل هذه الأوقات يجد المواطن الصادق الوطنية نفسَه مُجبَرًا على مقارنة المُثُل الوطنية بالأغراض والسياسات الوطنية العاجلة، وتحدِّد القراراتُ التي تُتَّخَذ في مثل تلك المراحل الفاصلة مصيرَ الأمة؛ فإما أن ترتقي باتجاه مُثُلها وإما أن تنحدر مُبتعِدةً عنها. لقد تحوَّلنا تحت قيادة جورج بوش الابن وتوني بلير إلى ارتكاب أعمال عدائية في العراق وسط مناطق سكنية مدنية، فاقَتْ قصْفَ هانوي إبَّان حرب فيتنام، فضلًا عن الأعمال التي تمَّت تحت غطاء قانون الوطنية، والتي تجعل غارات بالمر في عشرينيات القرن العشرين ومآسي المكارثية في خمسينيات القرن نفسه تبدو تافهةً بالمقارنة. النقطة المضيئة وسط كل تلك الأحداث كانت الرفض العالمي للحرب الأحادية. فحركة السلام العالمي تهدف إلى الحفاظ على بقاء العالم، والديمقراطية لا شك قد قطعت شوطًا كبيرًا إلى الأمام، والناس يرغبون في تقرير مصير العالم، وأحيانًا ما يفعلون ذلك بالمعارضة المباشرة لحكوماتهم وفي مواجهة الحديث عن الهجمات النووية. فكما يُقال: «الحكومات تُعلن الحرب، والشعوب تصنع السلام.»

كانت المظاهرات الداعية للسلام قبل حرب العراق هي أقصى جهودنا كمواطنين فيما يتعلَّق بالأمن الوطني؛ فليس جميع الأمريكيين يوافقون على أفعال حكومتهم. وصحيح أيضًا أن المشاركين في تلك المظاهرات الداعية للسلام، الذين كثيرًا ما كانوا يتعرَّضون للمضايقات، لم ينجحوا حتى الآن في التواصل مع حكومتهم؛ لذا نحن بحاجة إلى التحرُّك بدهاءٍ أكبر على الصعيد الدولي، مع اليقين بأنه لا يوجد شيء حتمي في المطلَق فيما يتعلَّق بالمجمع العسكري الصناعي. وحتى أنصار السوق الحرة سوف يجدون أن تعليق أحد المراقبين الصينيين على الإمبريالية الأمريكية حينما قال: «في الصين، نحن نرى أن شراء النفط أرخص من شنِّ الحرب لنهبه»، له وجاهته.

قبل حرب الخليج عام ١٩٩٠م، وغزو أفغانستان، والغزو الشامل للعراق عام ٢٠٠٣م، كانت الطبقة الوسطى العراقية مستقرَّةً، وكانت تُعَدُّ الأكبرَ في العالم العربي، وكان التعليم والرعاية الصحية يغطيان الشعب كله تقريبًا، وكانت للمرأة إنجازاتها في ساحة العمل المهني وغيره. أما عراق ما بعد الغزو، فلم تُعَدَّ له خطة مراعية لثقافته كخطة الجنرال ماك آرثر قبل دخوله اليابان، التي كانت أولى قواعدها أن «لا تهدر كرامة العدو.»

مراجع

  • Ali, Wajahat, Eli Clifton, Matthew Duss, Lee Fang, Scott Keyes, and Faiz Shakir (2011) Fear Inc.: The Roots of the Islamophobia Network in America. Center for American Progress. Available at http://www.americanprogress.org/ issues/2011/08/pdf/islamophobia.pdf (accessed April 16, 2012).
  • Bourdieu, Pierre (1977) Outline of a Theory of Practice. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Beeman, William (1989) Anthropology and the Myths of American Foreign Policy. In The Anthropology of War and Peace. P. R. Turner and David Pitt, eds. South Hadley, MA: Bergin and Garvey Publisher, Inc.
  • Byrd, Robert (2003) We Stand Passively Mute. Extract from a speech to the US Senate on February 12. Available at http://www.guardian.co.uk/ world/2003/feb/18/usa.iraq (accessed 25 April 2012).
  • Coon, Carleton (1951) Caravan. New York: Holt, Rinehart and Winston.
  • Coughlin, E. K. (1992) As Perceptions of the Palestinian People Change, Study of Their History and Society Grows. The Chronicle of Higher Education. Feb. 19, A8-9, A12.
  • Edwards, David (2002) Bin Laden’s Last Stand. Anthropological Quarterly, 75, no. 1, pp. 179–186.
  • Ennes, James N. (1979) Assault on the Liberty: The True Story of the Israeli Attack on an American Intelligence Ship. New York: Random House.
  • Fernea, Elizabeth Warnock, and Robert A. Fernea (1997) The Arab World: Forty Years of Change. New York: Doubleday
  • Findley, Paul (1985) They Dare to Speak Out: People and Institutions Confront Israel’s Lobby. Westport, CT: Lawrence Hill and Company.
  • Findley, Paul (2001) Silent No More: Confronting America’s False Images of Islam. Beltsville, MD: Amana Publications.
  • Finkelstein, Norman (2005) Beyond Chutzpah: On the Misuse of Anti-Semitism and the Abuse of History. Berkeley: University of California Press.
  • Ghani, Ashraf (2001) The Folly of Quick Action in Afghanistan. Financial Times, September 27.
  • Herman, Edward E. (1991) Mere Iraqis. Lies of Our Times, February, p. 5.
  • Mills, C. Wright (2008) The Politics of Truth: Selected Writings of C. Wright Mills, ed. John H. Summers. New York: Oxford University Press.
  • Mir-Hosseini, Z. (1991) RAI Public Seminar on the Cultural Aspects of the Gulf War. Anthropology in Action, Autumn.
  • Nashashibi, Selma, Laura Nader, and Etel Adnan (1994) Forces of Change. National Museum of Women in the Arts, Washington, DC.
  • Peteet, Julie (1991) Gender in Crisis: Women and the Palestinian Resistance Movement. New York: Columbia University Press.
  • Peteet, Julie (n.d.) Violence, Borders, and Crossings: The Potential for Recovery and Reconciliation. Unpublished manuscript.
  • Pollock, S. and Catherine Lutz (1994) Archaeology Deployed for the Gulf War. Critique of Anthropology, 14, no. 3, 263–284.
  • Queen Noor of Jordan (2003) Leap of Faith: Memoirs of an Unexpected Life. New York: Miramax Books.
  • Reynolds, Dwight (1991) Language, Translation, Culture, Conflict. Prism, IV, no. 3, pp. 18–21.
  • Strathern, Marilyn (ed.) (2000) Audit Cultures: Anthropological Studies in Accountability, Ethics and the Academy. London and New York: Routledge.
  • Swedenburg, Ted (1995) With Genet in the Palestinian Field. In Fieldwork under Fire: Contemporary Studies of Violence and Survival. C. Nordstrom and A. R. Robben, eds. Berkeley: University of California Press, pp. 25–60.
  • Wilcken, P. (1995) The Intellectuals, the Media and the Gulf War. Critique of Anthropology, 15, no. 1, 37–69.
  • Wolf, Eric (1999) Anthropology among the Powers. Social Anthropology, 7, no. 2, 121–134.
  • Young, William (1999) Anthropologists and the Problematic of Human Rights Activism in the Middle East. Human Peace and Human Rights, 12, no. 1, pp. 3–9.
  • Zolberg A. R., A. Suhrke, and S. Aguayo (1989) Escape from Violence. New York: Oxford University Press.

هوامش

(1) Earlier versions of this chapter come from essays published in Anthropological Quarterly, “Breaking the Silence: Politics and Professional Autonomy” appeared in December 2001, pp. 479–483, “Iraq and Democracy” Summer 2003, pp. 479–483, and the latter was part of UC Berkeley Chancellor’s colloquium the week before the invasion of Iraq and aired on national television in the United States.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠