تمهيد

يتناول هذا الكتاب تكنولوجيات المعلومات والاتصالات القائمة على الكمبيوتر وآثارَها الضخمة على الحياة المعاصرة. في الدول الأكثر تقدُّمًا، تجد الشاشاتِ الرقميةَ في كل مكان، من الشاشات الصغيرة بالهواتف المحمولة حتى شاشات العرض العملاقة بدور السينما. إن الموظف التقليدي في عصر المعلومات يقضي يومَه مستغرقًا في التكنولوجيا الرقمية، ثم يرجع إلى منزله لمجموعة أخرى من الأجهزة الرقمية من أجل التواصل ومعالجة المعلومات والترفيه. وفرت التكنولوجيات للمجتمعات نطاقًا لا نظيرَ له من أدوات التواصُلِ بين الناس والربطِ بين الأجهزة. فبإمكانك الوصول إلى أي شخص في العالم يملك هاتفًا محمولًا — وهم حاليًّا خمسة مليارات من بين سكان كوكب الأرض البالغ عددهم سبعة مليارات نسمة — ببضع نقرات على لوحة المفاتيح. كما سيُتاح لنِسَب متزايدة من هؤلاء المشتركين الحصولُ على خدمة إنترنت كاملة بترقيتهم إلى خدمات شبكة الجيل الثالث والجيل الرابع، وربما ستكون هواتفُهم المحمولة الضئيلةُ الحجم حلًّا جذريًّا لرأْبِ الصدع الرقمي بين مَن يملكون المعلومات والمحرومين منها على ظهر هذا الكوكب.

إنه عصر غير مسبوق في تطوُّر الإنسانية. شهد الذين وُلِدوا بعد عام ١٩٤٠ تعزيزًا مدهشًا للعقل البشري عبر إمكانية الوصول، باستخدام شبكة الإنترنت، إلى مجموع معلومات العالَم المخزَّنة. تضاءلَتْ حواجزُ اختلاف اللغات البشرية التي تعوق الاتصال بين أجزاء الكوكب بفعل الترجمة عبر الإنترنت، والتي ستتحسَّن دقتُها في هذا القرن. ولا يكفينا، كمجتمع، الوصولُ إلى هذا الفيض من المعلومات؛ فيجب أن تتوافر لدينا الأدواتُ الفكرية لاستيعابها كلها، والحكمةُ على المستويَيْن الفردي والمجتمعي لاستغلالها استغلالًا رشيدًا. وقد حسَّنَتِ الأجهزةُ الرقمية من وصولنا إلى المعارف، لكنها لم تستطع بعدُ إكسابَنا الحكمة.

شهدتُ في حياتي قدرةَ التليفزيون على بثِّ الأحداث في الزمن الحقيقي وقتَ وقوعها في أي مكان على الكوكب. بدأْتُ حياتي المهنية في مجال تكنولوجيا التعليم وإنتاج الوسائط في الوقت الذي شهد ظهورَ أوائل أجهزة الكمبيوتر الشخصية على المكاتب بأماكن العمل. وقد أوصلنا الكمبيوتراتِ بأجهزةِ تسجيلِ الفيديو لتقديم برامجَ تدريبيةٍ على الكمبيوتر مرتبطةٍ ببرامج فيديو ذات صلة. وأتذكر أثناء إعدادي رسالةَ الدكتوراه، في أوائل تسعينيات القرن العشرين، أن صديقًا اصطحبني إلى أحد معامل الكمبيوتر لأشاهد أمرًا جديدًا يجري على شبكةٍ متصلةٍ يُطلَق عليها الشبكة العنكبوتية العالمية. في ذاك الوقت، لم تكن لدينا أي فكرة عن أنه سيحل يومٌ سيتسنَّى فيه لأي شخصٍ إنشاءُ موقعٍ شخصي على الإنترنت في أقل من ٣٠ دقيقة، باستخدام قوالب متاحة على مواقع ويبلي أو ويكس أو جوجل. وإنَّ موقعًا على الإنترنت لتكوين علاقات اجتماعية سيضم أكثر من ٨٠٠ مليون مشترك من مختلف أنحاء العالم؛ كان سيصبح فكرةً مثيرة للضحك في عام ١٩٩٥؛ أما اليومَ فأزور صفحتي على موقع فيسبوك يوميًّا بحثًا عن منشورات أصدقائي الجديدة. إننا نعيش في عصرٍ متاح فيه الوصول إلى تكنولوجيات مُدهِشة في المعلومات والاتصالات، تستدعي إلى الذهن ملاحظةَ آرثر سي كلارك: «أيُّ تكنولوجيا متقدِّمة بما فيه الكفاية يتعذَّر تمييزها عن السِّحْر.»

يدور الكتاب حولَ الاستخدام العالمي لهذه التكنولوجيات وآثارها على المجتمع. بعضُ هذه الآثار يعود بالنفع في تحسين التواصل والتفاهم بين البشر، والبعضُ الآخر أقل نفعًا لأنه يحضُّ بوتيرة متزايدة على تبنِّي أنماط الحياة الكسولة والاتكال على التكنولوجيا. والقصص التي تعرض كيف تطوَّرت تكنولوجيات المعلومات والاتصالات لتصبح بالشكل الذي هي عليه اليوم؛ هي قصصٌ مثيرة وتشكِّل جزءًا معتبرًا من هذا الكتاب. لن يفوتنا التأمُّل في مستقبل هذه التكنولوجيات ونحن نعزِّز من ذكائنا الشخصي والجمعي، وسنُفرِد لهذا الموضوع مساحةً في فصول الكتاب. آمل أن يشجِّعكم تناولي لهذه الموضوعات على التفكير الناقد في التكنولوجيات التي نستخدمها اليوم، وكيف يمكن أن تحسِّن حياةَ البشر في المستقبل أو تنتقص منها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤