الفصل التاسع

شبكتا الإنترنت العامة والخاصة

ينبغي للمعلومات أن تكون مجانية؛ كما ينبغي للمعلومات أن تكون بمقابل مكلِّف … وهذان الموقفان المتعارضان لن ينتهيا.

ستيوارت براند، فيلسوف وكاتب ومحرر، ١٩٨٧1
يُستشهَد على نطاق واسع بالجملة الأولى من الاقتباس المنقول عن ستيوارت كجزء من شعار الإنترنت الأساسي؛ أما الجملة الثانية فنادرًا ما يُستشهد بها، لكن ينبغي الانتباه لها جدِّيًّا؛ فالمعلومات التي لها قيمة استراتيجية واقتصادية لدى الشركات والمؤسسات والدول، يمكن أن يكون الحصول عليها باهظ الثمن، وغالبًا ما تعطي ميزةً تنافُسية لصاحبها. والمثال الكلاسيكي الذي يُضرَب على ذلك هو المعلومات المطلوبة لتصميم أول قنبلة ذرية، إلى جانب الجهودِ العظيمة التي بذلتها حكومة الولايات المتحدة للحفاظ على سرية المعلومات، والمحاولاتِ اللاحقة من جانب الاتحاد السوفيتي لسرقة تفاصيل تصنيع السلاح. وإليكم مثالًا أحدث، أُجمِّع سنويًّا بياناتٍ حول مبيعات أجهزة التليفزيون الرقمية في الولايات المتحدة والدول الأخرى كجزء من بحثي حول انتشار أجهزة التليفزيون الرقمية على مستوى العالم. يجمِّع اتحادُ الإلكترونيات الاستهلاكية البياناتِ الأساسيةَ الخاصة بالولايات المتحدة في هذا المجال، وبيعُه التقارير السنوية حول استخدام المستهلكين للإلكترونيات يمثِّل مصدرًا كبيرًا للدخل لديه. وفي حين أن بعض أرقام مبيعات الإلكترونيات العامة تُعلَن في البيانات الصحفية؛ فالقائمةُ الكاملة من البيانات متاحةٌ لغير أعضاء الاتحاد نظير ٢٠٠٠ دولار.2 أغلبُ بيانات التسويق من هذا النوع مسجلةٌ ملكيتها، ويدرُّ بيعها ملايين الدولارات وغيرها من العملات للمنظمات التي تجمِّع البيانات وتحلِّلها وتسوِّقها؛ فعلى حدِّ تعبيرِ ستيورات ينبغي لبعض المعلومات أن تكون مكلِّفة.
في رؤية مختلفة ومثيرة للاهتمام لهذا الموضوع، تفيد ركيزة أساسية من ركائز فلسفة الخيال العلمي السيبراني أن المعلومات ينبغي أن تكون مجانية، لكنَّ شركة نيوز كوربوريشن المملوكة لحوت الإعلام روبرت مردوخ لها منظورٌ آخَر. فرضَتْ جريدةُ وول ستريت جورنال — قبل استحواذ نيوز كوربوريشن عليها في ٢٠٠٧ — على غير المشتركين في نسختها الورقية دفْعَ مبلغٍ مقابل النفاذ إلى محتواها على الإنترنت (تمتَّع المشتركون بميزة الاطِّلاع المجاني على النسخة الإلكترونية). ومردوخ الآن بصدد بسط «نظام دفع» مشابه حول ملكيات نيوز كوربوريشن الأخرى من الوسائط، من شأنه أن يستلزم دفْعَ مبلغٍ مقابل الاطلاع على المعلومات. ويحذو منافسوه حذْوَه؛ فقد تحوَّلت نيويورك تايمز إلى فرض رسم مقابل الاطلاع على أعدادها في ٢٠١١، حيث تسمح بتنزيل ٢٠ مقالًا كلَّ شهر، ثم تفرض اشتراكًا شهريًّا بقيمة ١٥ دولارًا مقابل الاطلاع على المقالات التي تتجاوز هذه العتبة.3 فالوسائط الإلكترونية التي كانت مجانية في السابق، سيصبح النفاذ إليها مقابلَ رسمٍ. لا ينبغي أن يكون لذلك وقْعُ المفاجأة على المستخدمين؛ حيث إن المؤسسات الإعلامية تواجِه صعوباتٍ في تغطية نفقات المراسلين والمحرِّرين وتكاليف التشغيل في عصرٍ يتيح عادةً الاطلاعَ على نُسَخِها الإلكترونية مجانًا.
ثمة مصطلح حيوي لفهم اقتصاديات وسائط الإنترنت، وهو «التربُّح». ثمة ثلاثة نماذج أساسية للتربُّح من المحتوى على الإنترنت:
  • (١)

    «المواقع المجانية التي تسد الإعلانات نفقاتها»، والتي توجِّه انتباهَ المستخدم إلى المعلِنين الساعين إلى تسويق المنتجات لهذا الجمهور (وهذا نموذج اقتصادي تقليدي في البث الإذاعي والتليفزيوني).

  • (٢)

    «نموذج العضوية المتميزة»، حيث يدفع المستخدم مبلغًا شهريًّا أو سنويًّا مقابل الدخول على المواقع «المجانية» مع إلغاء الإعلانات.

  • (٣)

    «نموذج الدفع مقابل الاطلاع»، وفيه لا يدفع المستخدِمُ سوى مقابل ما ينفذ إليه.

ستزداد وتيرةُ فرْضِ رسومٍ في المستقبل مقابلَ النفاذ إلى المعلومات الفريدة من نوعها على الإنترنت التي تحمل أهميةً للقارئ. إلى جانب الموضوع الأساسي المتمثِّل في الدفع مقابل النفاذ إلى محتوى الوسائط على الإنترنت، ثمة مسألةٌ أخرى مهمة تتعلَّق بالكيان الذي يسيطر على النفاذ إلى الإنترنت، مع انتقال جميع أشكال الوسائط إليه. ربما ينبغي للمعلومات أن تكون مجانيةً، لكن الدول ومؤسسات الإعلام لها مصالح شتَّى في تقييد النفاذ إليها على أساس أجندات سياسية وطنية، وسعيًّا لتحقيق أرباح مؤسسية.

إدارة الإنترنت وحوكمته

إحدى أكثر قضايا الإنترنت إثارةً للنزاع على مدار العقود الثلاثة المنصرمة تتعلَّق بالسيطرة؛ أيْ مَنْ يتخذ القرارات بشأن القضايا الجوهرية مثل تخصيص أسماء النطاقات والسيطرة على الجذر؛ ونعني بهذا الخوادم الرئيسية الرفيعة المستوى الثلاثة عشر التي تحكم حركة مرور البيانات على الشبكة؟ ما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الحكومات في تقرير محتوى الإنترنت الذي بوسع مواطنيها النفاذ إليه؟ هل ينبغي للدول تقييد النفاذ إلى المواقع التي تنشرها مجموعاتُ بثِّ الكراهية والمنظمات الإرهابية والجماعات الدينية مثل فالون جونج في الصين؟ ما الدور الذي ينبغي لشركات الاتصالات عن بُعْد تقلُّده بوصفها المتحكمة في إمكانية نفاذ عملائها إلى الإنترنت؟ لا تزال المعاركُ الدولية تدور حول السيطرة على الإنترنت حتى يومنا هذا مع احتدام الصراع بين حكومة الولايات المتحدة (التي لا تزال تُشرِف على الجذر)، والطلبات المتزايدة من الحكومات والمنظمات والأفراد خارج الولايات المتحدة بقدرٍ أكبر من السيطرة الدولية على الإنترنت. أما داخل الولايات المتحدة، فيدور حاليًّا نقاشٌ بالكونجرس حول قدرة مؤسسات الاتصالات عن بُعْد على التحكُّم في إمكانية النفاذ عريض النطاق لمستهلكيها إلى الشبكة؛ وهذا هو الخلاف حول حيادية محتوى الإنترنت. ومع انتقال السيطرة على الإنترنت من وزارة الدفاع الأمريكية إلى مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، ثم إلى وزارة التجارة الأمريكية (حيث السيطرة المطلقة على الجذر اليومَ)، ثمة ضغوطٌ متزايدة من أجل خصخصة عملياتها وكذلك تدويل حوكمتها. ودعمت الحكومةُ الأمريكية الاتجاهَ الأول، لا الثاني. ويتحرَّى الفصلُ هذا التطوُّرَ وما اتصل به من صراعاتٍ حول الحوكمة لا تزال مستمرةً حتى الوقت الراهن.

عادةً ما تتأرجح درجةُ تنظيمِ قطاعٍ من القطاعات على المستوى الفيدرالي في الولايات المتحدة كالبندول بين تخفيف التنظيم وتشديد التنظيم، بحسب الحزب السياسي المتولي المقاليد. عندما تولَّى الجمهوريون المحافظون مقاليدَ السلطة إبَّان إدارة الرئيس رونالد ريجان بين عامَيْ ١٩٨١ و١٩٨٩، كان هناك تركيز عظيم على رفع التنظيم؛ فإبَّان إدارته (وبعدها في ظلِّ إدارةِ خَلَفِه جورج بوش الأب من ١٩٨٩ إلى ١٩٩٣)، خُفِّض التنظيمُ الحكومي الفيدرالي لقطاعاتٍ كبرى مثل النقل والتمويل والاتصالات عن بُعْد. والتحوُّلُ التدريجي في إدارة شبكة الإنترنت المزدهرة من الحكومة الفيدرالية إلى القطاع الخاص بين عامَيْ ١٩٨٧ و١٩٩٥، يجب أن نتأمَّله داخل هذا السياق السياسي في ظل إدارة رئيسين جمهوريين محافظين.

في عام ١٩٨٤، دشَّنَتْ مؤسسةُ العلوم الوطنية الأمريكية هيئةَ الحوسبة العلمية المتقدمة، التي موَّلت إنشاء مراكز بحثية تستخدِم أجهزةَ الكمبيوتر الفائقة في سان دييجو، وإربانا-شامبين في إلينوي، وبيتسبرج، وبرينستون بنيوجيرسي.4 ولربط هذه المراكز الجديدة مع منشآت الكمبيوتر المحلية القائمة، اقترحَتْ مؤسسةُ العلوم الوطنية الأمريكية إنشاء عمود فقري رقمي وطني جديد؛ شبكة إن إس إف نت. وإنشاء هذه الشبكة الوطنية الجديدة الفائقة السرعة جعَلَ شبكةَ أربانت البالغة من العمر ١٥ عامًا تبدو بطيئةً وعتيقةً. إحدى الشبكات الإقليمية التي كان من المزمع ربطها بالعمود الفقري الفائق السرعة كانت مجموعةَ المعلومات البحثية التعليمية في ميشيجان (ميريت). اختِير هذا الاتحاد عام ١٩٨٧ في عطاء تنافُسي نظَّمَتْه المؤسسةُ، ومُنِح عقدٌ لخمس سنوات لترقية وتشغيل شبكة إن إس إف نت السريعة النمو.5 وعلى الرغم من أن اتحاد ميريت كان اتحادًا غير هادف للربح من جامعات ولاية ميشيجان، ضم شركاؤه المؤسسيون شركة آي بي إم صانعة أجهزة الكمبيوتر وشركة مايكروويف كوميونيكيشنز (إم سي آي)، وهي شركة للاتصالات عن بُعْد.6
واجهَتْ مديري مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية مشكلةٌ كُبرى تمثَّلَتْ في سياسة الاستخدام المقبول التي وضعتها الوكالة، والتي حظرت الاستخدامَ التجاري لشبكة إن إس إف نت؛ فالعمود الفقري كان مُخصَّصًا «للبحث والتعليم المجانيَّيْن».7 سعى مديرو المؤسسة (بمباركة إدارة ريجان التي انتهجَتْ رفْعَ التنظيم الحكومي) إلى خصخصة الشبكة كسبيلٍ للالتفاف حول سياسة الاستخدام المقبول. كانت خصخصة شبكة إن إس إف نت حتميةً؛ حيث سعَتْ أعدادٌ متزايدة من أصحاب المصالح التجارية إلى تقديم خدمات على الشبكة الجديدة الأعلى سرعةً. ضمَّتْ هذه الشركاتُ شريكَي اتحادِ ميريت: آي بي إم وإم سي آي، إضافةً إلى مقدِّمِي الخدمة المحليين مثل بي إس آي نت في شمال فيرجينيا.
نجحَتْ شبكةُ أربانت نجاحًا بالغًا في احتضان توسُّع شبكة الإنترنت الناشئة، لكنها خرجت من الخدمة رسميًّا في ٢٨ فبراير من عام ١٩٩٠. تَلْفِتُ جانيت أباتيه الانتباهَ إلى أن ما حدث كان أكثر من مجرد «تمرير للمسئوليات» داخل الحكومة الفيدرالية من وكالة أربا إلى مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية؛ بل مثَّلَتْ تلك النقلةُ نهايةَ السيطرة العسكرية الأمريكية على الشبكة العالمية.8 المفارقةُ في هذه النقلة أنه بعدَها بعقدين من الزمان أنفقَتْ وزارةُ الدفاع الأمريكية ١٠٠ مليون دولار في ٢٠٠٩ كجزءٍ من عمليةِ إنشاءِ قيادة سيبرانية جديدة (سايبركوم). الغرضُ من القيادة الجديدة هو تحسينُ القدرات الهجومية في حربٍ سيبرانيةٍ ضد دول أخرى، وفي الوقت نفسه بناء جُدُر نارية دفاعية للحيلولة دون هجومِ هذه القوى ذاتها على المؤسسات والشبكات الرقمية الأمريكية.9 وسنعود إلى موضوع الحرب السيبرانية العالمية في الفصل الرابع عشر الذي يدور حول مستقبل الإنترنت.

خصخصة الإنترنت الأمريكي في تسعينيات القرن العشرين

إحدى المهام الحيوية في تشغيل شبكة الإنترنت تخصيصُ عناوين بروتوكول الإنترنت IP للمستخدمين الجدد حال انضمامهم لشبكة الشبكات العالمية. يمثِّل رقم بروتوكول الإنترنت عنوانًا مميزًا لتوجيه البيانات إلى هذا النظام ومنه.10 ما يراه المستخدم في صورة اسم موقعه الشخصي (مثلًا: mysite.net) هو في الواقع سلسلة من الأرقام يبلغ طولها ١٢٨ بت، وهو عنوان بروتوكول الإنترنت القابل للبحث. حتى ١٩٩٠ كان حقُّ تعيين عناوين بروتوكول الإنترنت من سلطة هيئة أرقام الإنترنت المخصصة، وكانت تحت قيادة الدكتور جون بوستل بمعهد علوم المعلومات بجامعة جنوب كاليفورنيا. وقد تطوَّع لأداء هذه المهمة التي لن يجني منها الكثير في ١٩٨٨، لكن اتضح في النهاية أنه دورٌ قويٌّ مع زيادة استخدام الإنترنت زيادةً مهولة في نهاية ثمانينيات القرن العشرين.
ساعد بوستل في إنشاء نظام أسماء النطاقات (.com .edu .gov وكل أكواد البلدان خارج الولايات المتحدة) الذي يألفه كل مستخدم للإنترنت. كان «الجذر» هو النطاق الرفيع المستوى، وكانت السيطرة على جذر نظام أسماء النطاقات في يد هيئة أرقام الإنترنت المخصصة. وفي إطار عملية الخصخصة، كانت السيطرة المطلقة على جذر نظام أسماء النطاقات متاحةً لأعلى مُزايِد.11 اكتسبَتْ خصخصةُ الإنترنت زخمًا عام ١٩٩٠ عندما فاز كيانٌ غيرُ حكومي — شركة نتوورك سوليوشنز — بحقِّ تخصيص أسماء الإنترنت وأرقام بروتوكول الإنترنت بوصفها متعاقِدًا من الباطن مع شركة جوفرنمنت سيستمز، التي فازت بمزاد فيدرالي لتشغيل شبكة إن إس إف نت. وفي إطار جهود المسئولين بمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية إلى الخصخصة، سعوا إلى إشراك الشركات غير الحكومية في إدارة وتشغيل الشبكة الوطنية، وهو تطوُّرٌ لم يَلْقَ استحسانًا من الجميع في الدوائر كافة. وبتأمُّل الأمر من منظورنا الحالي، كان ذلك تطوُّرًا ضروريًّا إنْ كان المنتظَر من شبكة الإنترنت أن تتخطَّى كونها شبكةً لأنظمة الكمبيوتر الجامعية والأجهزة الحكومية. وفي صيف عام ١٩٩١، أنشأَتِ الشبكاتُ بي إس آي نت وسي إي آر إف نت وألترنت نقطةَ التبادُل التجاري على الإنترنت لتيسير استخدام أصحاب المصالح التجارية لشبكة الإنترنت السريعة النمو.
اتسمت بداية تسعينيات القرن العشرين باكتشاف استخدام الإنترنت كشبكة اتصال وتبادل للمعلومات من قِبَل آلاف المستخدمين الجدد غير المنتسبين إلى جامعات أو أجهزة حكومية. شهدت الفترةُ صعودَ خدمات الإنترنت الجديدة التي أُطلِق عليها أنظمة لوحات النشرات، والتي تميَّزَتْ بإتاحة النفاذ عبر الطلب الهاتفي للمشتركين المسدِّدين لمقابل الخدمة. كان بوسع مستخدمي أنظمة لوحات النشرات تسجيلُ الدخول على الشبكة من كمبيوتر شخصي بالمنزل أو بالمكتب، وتبادُلُ الرسائل مع غيرهم من المشتركين في صورة بريد إلكتروني، أو في غُرَف الدردشة ومشاركة الأخبار والبرمجيات. كان أحد أوائل هذه النُّظُم «ويل» (الرابط الإلكتروني العالمي) الذي تأسس في منطقة خليج سان فرانسيسكو على يد ستيوارت براند (صاحب الاقتباس في صدر هذا الفصل) ولاري بريليانت.12 بدأ النظام كلوحة نشرات يمكن النفاذ إليها عن طريق الطلب الهاتفي، ثم تَحوَّلَ إلى مقدِّمٍ لخدمة الإنترنت عن طريق الطلب الهاتفي، ثم غُيِّرَتْ هيئتُه مجددًا ليكون منتدًى على الإنترنت للمشتركين يديره موقع salon.com. جرى ربْطُ أنظمة لوحات النشرات بشبكة فوقية عالمية معروفة باسم فيدونت كانت تحاكي البنية الأكبر لشبكة الإنترنت بوصفها شبكة لشبكات.13
بحلول منتصف تسعينيات القرن العشرين، نشأ «كونٌ موازٍ» (موازٍ لكون المستخدمين من الحكومات) مؤلَّف من مقدِّمي خدمات الإنترنت التجاريين. كان ذلك تطوُّرًا مفيدًا؛ حيث مكَّنَ صعودُ مقدِّمي خدمات الإنترنت التجاريين من نموِّ شبكةِ الشبكات في الولايات المتحدة بصورةٍ أسرع ممَّا كان منتظرًا إنِ احتفظَتِ الحكومة الفيدرالية (إما وزارة الدفاع وإما مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية) بسيطرةٍ مُحكمةٍ عليها. كانت المشكلة أن نجاح الشبكة السريعة التوسع سبَّبَ مشكلات متصاعدة، تعلَّقَ بعضها بالتربح من خدمات الإنترنت. في ١٩٩٥، حصلت شركة نِتوورك سوليوشنز على حق تحصيل رسم مقابل أسماء نطاقات الإنترنت، وكان ذلك تغيُّرًا في السياسة سبَّبَ غضبًا بين المستخدمين المعنيِّين بآثار الخصخصة، وإحساسَ البعض أن نِتوورك سوليوشنز تبتزُّ المستخدمين. بدأت الشركة في فرض ١٠٠ دولار لتسجيل اسم النطاق لعامين، ثم حصَّلَتْ ٥٠ دولارًا كلَّ عام بعد ذلك.14 على الرغم من أن ذلك كان مبلغًا زهيدًا للمواقع التجارية، شعر بعض المستخدمين لأغراضٍ شخصيةٍ أن الرسوم مبالَغٌ فيها. بدأ آنذاك التهافت على الإنترنت في الوقت الذي «تجمَّعَ» فيه روَّادُ الأعمال ودافَعُوا عن حقهم في تملُّك أسماء النطاقات العامة القيِّمة مثل toys.com، business.com، flowers.com. أدى النمو المهول في تسجيل أسماء النطاقات إلى تنامي دَخْل نِتوورك سوليوشنز بسرعة، فحصَّلت الشركة ما يربو على ٢٠٠ مليون دولار من رسوم التسجيل في سنة ١٩٩٩ وحدها. كان كثيرٌ من مؤسِّسي الإنترنت الأكثر إيثارًا يَعتبرون نِتوورك سوليوشنز شركةً جَشِعةً تهتم بتعظيم أرباحها الفاحشة التي تجمعها من طلبات التسجيل أكثر من اهتمامها ببَسْط نطاقِ خدماتها.15
مع اتساع نطاق الاستخدام غير الحكومي للإنترنت في تسعينيات القرن العشرين، أصبحت الشبكة منتدًى نابضًا بالحياة للتبادُل الحر للأفكار والآراء والوسائط وكذا محتوى الراشدين. أُنشِئ عدد من مواقع لوحات النشرات ذات المحتوى المخصَّص للراشدين؛ حيث أدرَكَ المشتغلون في تقديم المواد الإباحية أن مواقع الإنترنت يمكن أن تدرَّ عائدًا خرافيًّا بتكلفة منخفضة نسبيًّا. ودائمًا ما كان منتجو المواد الإباحية ومستهلِكوها «أولَ المستخدمين» لتكنولوجيات الوسائط الجديدة، من مسجِّلات الفيديو إلى اسطوانات السي دي والدي في دي، والآن محتوى الفيديو العالي الدقة على الإنترنت. ومما لا شك فيه أنهم سيقودون الطريق في تطوير وتبنِّي التكنولوجيات الثلاثية الأبعاد والرباعية الأبعاد والهولوجرافية في المستقبل القريب.16 وعلى الرغم من أنه مسموح للراشدين النفاذُ بحريةٍ إلى هذا المحتوى (وقد تخلَّى مسئولو الملاحَقة القضائية المحليون النَّشِطون عن مُلاحَقتِهم مع تحوُّل إنتاج المواد الإباحية إلى الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين)؛ فإن معظم المجتمعات على مستوى العالم تسعى إلى منع الأطفال من مشاهدة المواد الإباحية، وثمة شبهُ إجماعٍ على تجريم المواد الإباحية التي يظهر بها أطفال. وفي هذا السياق، سعى مشرِّعو القوانين الأمريكيون إلى حجب محتوى الراشدين على الإنترنت عن الأطفال مع بدء المواقع الإباحية في الانتشار على الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين.
في ٨ فبراير من عام ١٩٩٦، أصدر الرئيس بيل كلينتون قانون الاتصالات عن بُعْد لعام ١٩٩٦ في مكتبة الكونجرس.17 كان هدف القانون تشجيع المنافسة بين شركات الاتصالات عن بُعْد الأمريكية برفع القوانين المنظمة التي حظرت تقديم الخدمات الجديدة التي تستخدم نُظُمَ بثٍّ مُشابِهةً (مثل خدمات النطاق العريض التي تقدِّمها شركاتُ التليفزيون المدفوع والهاتف). وبرفع التنظيم الحكومي عن هذه الشركات، كان هدف الكونجرس هو زيادة المنافسة؛ ما سيُفضِي إلى تحسُّنِ خدماتِ الاتصالات عن بُعْد وانخفاضِ الأسعار للمستهلكين، في الوضع المثالي. وفي حين أن التركيز الأساسي للقانون كان على رفع التنظيم الحكومي عن الاتصالات عن بُعْد؛ فإن أكثر أجزاء القانون إثارةً للخلاف تضمَّنَ تشريعًا مناهِضًا للمواد الإباحية في قسمه الخامس، قانون آداب وسائل الاتصال. جرَّمَ هذا التشريعُ العرضَ على الإنترنت لأي محتوًى يُعتبَر «فاحشًا أو خليعًا» على أي شخصٍ دون سن الثامنة العشرة في الولايات المتحدة.18
في ردِّ فعلٍ إزاء الموافَقة على قانون الاتصالات عن بُعْد لعام ١٩٩٦ (ولا سيما تضمين قانون آداب وسائل الاتصال)، نشر الكاتب جون بيري بارلو على الإنترنت «إعلانَ استقلالِ الفضاء السيبراني» في اليوم التالي، ٩ فبراير.19 كان بارلو أحدَ مؤسسي مؤسسة الجبهة الإلكترونية في ١٩٩٠ مع ميتش كابور (الرئيس التنفيذي لشركة لوتس للبرمجيات)، وجون جيلمور (الذي يحمل رقم الموظف ٥ في صن مايكروسيستمز وأحد مُنْشِئي شركة سيجناس سوليوشنز).20 في الإعلان، صرَّح بارلو بما يلي:
يا حكومات العالم الصناعي، يا عمالقةً بَالِينَ من لحم وفولاذ، آتي إليكم من الفضاء الإلكتروني، الموطن الجديد للعقل. باسم المستقبل، أسألكم يا من تنتمون للماضي أن تدعونا وشأننا؛ لا حللتم أهلًا ولا نزلتم سهلًا؛ ولا سلطان لكم حيث نجتمع … يتكون الفضاء الإلكتروني من معاملات وعلاقات، ومن الفكر ذاته، وكلها مصفوفة كموجة ناتئة في شبكة اتصالاتنا. عالمنا موجود في كل مكان وفي اللامكان في الآن ذاته، لكنه ليس حيث تعيش الأجساد. نحن نخلق عالمًا يمكن للجميع أن يدخلوه بلا ميزة، وبلا حكم مسبق على عرقهم، أو على قدرتهم الاقتصادية أو العسكرية، أو على محل ميلادهم. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغضِّ النظر عن قدر تَفَرُّد هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكرَه على الصمت أو على الامتثال. مفاهيمكم القانونية عن الملكية والتعبير والهوية والحراك والسياق لا تنطبق علينا؛ فكلها مبنية على المادة، ولا مادةَ هنا.21
كانت رؤية يوتوبية للإنترنت بوصفه حقلًا جديدًا لا متناهيًا، وهذا منظور أمريكي منقطع النظير، ولا عجبَ أنه نابعٌ من رجل تربَّى بمزرعة مترامية الأطراف بشمال غرب وايومنج. إن روح الروَّاد الذين عمروا الغرب مستقرة داخل بارلو وغيره من أمثال ستيوارت براند وجون جيلمور، الذين تراءى لهم الإنترنت من منطلقات مشابهة كمنتدًى يسهل النفاذ إليه؛ حيث حريةُ التعبير هي العنصرُ الغالب، وحيث لا ضرورةَ لاستثمارات ضخمة كي تكون ناشرًا أو إذاعيًّا. وكما صرَّح بارلو في مقالٍ نُشِر عام ١٩٩١:
تخيَّلِ اكتشافَ قارة شاسعة مترامية الأطراف تمتد إلى ما لا نهاية. تخيَّلْ عالمًا جديدًا يزخر بموارد أكثر مما قد يستنزف طمعنا المستقبلي، وبفُرَصٍ أكثر مما سيستغل روَّادُ الأعمال في أي زمان، وبنوعٍ فريدٍ من الأملاك التي تتسع رقعتها مع التنمية. تخيَّلْ مكانًا حيث لا يخلِّف المعتدون وراءَهم أثرًا، حيث يمكن سرقة البضائع مرات لا نهائية وتظل مع ذلك في حوزة مالكها الأصلي، حيث يمكن لشركة لم تسمع عنها من قبلُ أن تمتلك تاريخَ شئونك الشخصية.22
fig35
شكل ٩-١: جون بيري بارلو. الصورة: جويتشي إيتو.
كانت هذه الرؤية للفضاء السيبراني كمنتدًى لا متناهٍ للتعبير الحر عن الأفكار، تصطدم صدامًا بالغًا بتلك الرؤى التي سعت إلى فرض الرقابة على محتواه (باسم حماية أطفال أمريكا). كان الزلل في التشريع أنه كُتِب بلغةٍ بلغَتْ من الصرامة أن بعض الأعمال الأدبية والفنية والمعلومات الصحية والرسومات الطبية على الإنترنت قد تُفسَّر في بعض المناطق الأكثر محافظةً في الولايات المتحدة على أنها «فاحشة أو خليعة». رفع الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية قضيةً ضد وزارة العدل الأمريكية والنائب العام جانيت رينو، ودفع بأن قانون آداب وسائل الاتصال غير دستوري، ومما يُضاف إلى رصيد النظام القضائي الأمريكي أن محكمتين من المحاكم الدنيا أيَّدَتَا موقفَ الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، إلا أن الحكومة الفيدرالية استأنفَتْ حكمَهما أمام محكمة الولايات المتحدة العليا.23
في واحد من أهم الأحكام القضائية الأمريكية بخصوص الاتصالات عن بُعد في العصر الحديث، قضت المحكمة العليا بأغلبية ٧ قضاة مقابل اثنين في ٢٦ من يونيو لعام ١٩٩٧، في قضية رينو ضد الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية؛ بأن قانونَ آداب وسائل الاتصال غيرُ دستوري؛ فقد وجدَت الأغلبية أن مصطلح «خادِشٌ بشكل واضح» الذي ينص عليه القانون كان غامضًا على نحوٍ مُبالغ فيه، وأن القانون خالَفَ حقوقَ الوالدين الواردة بالتعديل الأول للدستور، والخاصة بتحديد ما ينبغي لأطفالهم التمكُّن من الاطلاع عليه على الإنترنت. دعم الحكمُ حقوقَ الراشدين في الولايات المتحدة التي ينص عليها التعديل الأول بوصفها أولويةً أعلى للمجتمع من الرقابة على الإنترنت. كان للحكم تداعياتٌ بعيدةُ الأثر تجاوزَتْ محاولات الكونجرس فرْضَ الرقابة على محتوى الإنترنت. وفي كلمة القاضي جون بول ستيفنز الموجزة كجزءٍ من قرار الأغلبية، قال إن الإنترنت «وسيلة فريدة — يعرفها مستخدِموها بالفضاء السيبراني — ليس لها موقعٌ جغرافي محدَّد، بل متاحة لأيِّ شخصٍ في أي مكان بالعالَم.»24 ثم زاد: «لا تسيطر جهة بعينها على الانضمام إلى الويب، كما أنه لا توجد نقطةٌ مركزية يمكن منها حجب الخدمات أو المواقع الفردية من الويب.»25 على الرغم من أن القاضي ستيفنز كان مُحِقًّا نظريًّا في نقطته الأولى، فإننا سنجد أن الولايات المتحدة لا تزال تفوق الجميع من منطلق السيطرة على بنية الإنترنت على مستوى الجذر. وبخصوص نقطته الثانية، سنتحرَّى حالاتٍ بعينها حيث انتهجَتِ الدولُ حجبَ النفاذ إلى المواقع التي تعتبرها مهدِّدةً للنظام السياسي أو غير قانونية.

الصراع الدولي حول حوكمة الإنترنت

في عام ١٩٩٧، سعت عدة مجموعات لبناء هيكل جديد للحوكمة الدولية للإنترنت كبديلٍ لسيطرة شركة نِتوورك سوليوشنز على نظام أسماء النطاقات. كان لفينتون سيرف، رائد الإنترنت والمبتكر المشارك لبروتوكول التحكم بالإرسال/بروتوكول الإنترنت، دورٌ حيوي في إنشاء جمعية الإنترنت في ١٩٩٢.26 وحين كانت الولايات المتحدة تخطو في ١٩٩١-١٩٩٢ نحو خصخصة الإنترنت، كان سيرف وجمعية الإنترنت المنشأة حديثًا يلتمسان نظامَ خصخصةٍ دوليًّا بديلًا من أجل «طرح هيكل منظِّم ومقر مؤسسي ومصدر للتمويل مستقل عن وزارة الدفاع الأمريكية وعن الحكومة الأمريكية بوجه أعم»، كما أشار جولدسميث ووو.27 اشترك كثير من مؤسسي الإنترنت، من بينهم سيرف، في إنشاء جمعية الإنترنت، ومن الواضح أنهم فضَّلوا فكرة وجود منظمة دولية تنظِّم شبكة الإنترنت المُخصخصة بدلًا من مؤسسة أمريكية تهدف للربح مثل مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.
ولخدمة هذا القصد، شكَّلت جمعية الإنترنت في ١٩٩٨ «اللجنة الدولية المخصصة» الرفيعة المستوى المُشكَّلة من منظمات قوية لها اهتماماتٌ شتَّى في سياسة الإنترنت وحوكمته. وترأَّسَها دون هيث، الرئيس التنفيذي لجمعية الإنترنت، وضمَّتْ ممثِّلَيْن من فرقة العمل المعنية بهندسة الإنترنت عيَّنَهما جون بوستل الذي تولَّى هيئة أرقام الإنترنت المخصصة. كما ضمَّتْ ممثِّلين عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية والجمعية الدولية للعلامات التجارية، وكلا الكيانين مهتمٌّ بمراقبة حقوق التأليف والنشر والعلامات التجارية على الإنترنت. ومن بين الأعضاء الأحد العشر للجنة الدولية المخصصة، كان الممثل الوحيد للحكومة الأمريكية هو جورج سترون من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، المكلفة بالسيطرة الأمريكية على الجذر آنذاك.28
أصدرَتِ اللجنةُ الدولية المخصصة وثيقةً بالغةَ الأهمية أجملت التغييرات الكُبرى في حوكمة الإنترنت، وحملت العنوان «مذكرة تفاهم النطاقات العامة الرفيعة المستوى».29 كان اسمها المعقد نبوءة بالاستقبال الفاتر الذي حظيت به من قِبَل المنظمات والمؤسسات المعارِضة لنقل حوكمة الإنترنت إلى كيان دولي. اقترحت المذكرة نقْلَ قدرٍ معتبر من السيطرة على حوكمة الإنترنت إلى منظمة سويسرية غير حكومية — منظمة كور (المعروفة رسميًّا باسم المجلس الدولي لأمناء التسجيل) — وجمعية الإنترنت؛ وبذلك ستسلب تسجيلَ النطاقات من شركة نِتوورك سوليوشنز والسيطرةَ على الجذر من الحكومة الأمريكية. كذلك اقترحَتِ المذكرةُ إضافةَ سبعة نطاقات عامة جديدة رفيعة المستوى مثل .web و.shop وكان الاتحاد الدولي للاتصالات عن بُعْد، ومقره في جينيف بسويسرا، داعمًا رئيسيًّا آخَر للمذكرة. وينظم الاتحاد الدولي للاتصالات عن بُعْد الاتصالات عبر الوطنية، بما في ذلك التخصيص الدولي لترددات الراديو ومدارات أقمار الاتصالات عن بُعْد.30
عندما سأل مراسل الرئيس التنفيذي لجمعية الإنترنت؛ دون هيث، عما إذا كانت الجمعية ستحتاج إلى موافقة الولايات المتحدة للمضيِّ قُدمًا في مقترحها، أجاب بأنه «لا خيارَ» أمام الحكومة الفيدرالية.31 وهذه الثقة بأن الحكومة الأمريكية ستذعن طوعًا إلى نقل السيطرة إلى كيان دولي كانت خطأً فادحًا؛ ففي اليوم التالي لتوقيع ٥٧ منظمة على المذكرة في جينيف في ١ مايو من عام ١٩٩٧، صرَّح مسئول حكومي أمريكي (على الأرجح إيرا ماجازينر، خبير سياسة الإنترنت بالبيت الأبيض) إلى موقع سي نت نيوز بما يلي:
إننا نقول بكل وضوح إننا لن ندعم خطةَ اللجنة المُخصصة بشكلها الحالي؛ فلا يتضح بشكل كامل الدورَ الذي ستتقلَّده منظماتُ الأمم المتحدة، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، لكننا نشعر بالقلق حيال احتمال تقلُّد هذه المنظمات لدور ضخم في العملية؛ ما يترتب عليه أن العملية لن تكون في يد القطاع الخاص. كما أن ثمة بعض الشواغل الأخرى بشأن تناوُل قضية متعلقة بالإنترنت في محفلٍ اختصَّ عادةً بإصدار تنظيمات للاتصالات عن بُعْد، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات.32

وعلى الرغم من أن المسئول لم يصرِّح بأن الحكومة الأمريكية عارضت الخسارة الممكنة لسيطرتها على الجذر، كان ذلك أحد الأسباب الكُبرى وراء معارضتها. كان المزمع انتقال السيطرة لتكون في يد اتحاد دولي بقيادة مجتمع الإنترنت في ١ يناير من عام ١٩٩٨، لكن ذلك لم يتم. وفي وثيقة خضراء (وثيقة تُصْدِرها الحكومة تضمُّ مقترحاتٍ سياساتيةً تُطرَح للنقاش بالبرلمان لسنِّ قانون، وتختلف عن الوثيقة البيضاء التي تضم المقترحات النهائية المفضية إلى سنِّ مشروعِ القانون) صدرَتْ في ٢٨ يناير كإشعارٍ بسنِّ قانون مقترح لطلب تعليقات من الأطراف المعنية، اعترضَتِ الوكالة الوطنية للاتصالات عن بُعْد والمعلومات على الفقدان المحتمل للسيطرة على الجذر، واقترحت نقل إدارة أرقام الإنترنت المخصصة إلى منظمة خاصة. كان ذلك رفضًا مباشرًا لمذكرة تفاهُم النطاقات العامة الرفيعة المستوى، ونقل السيطرة المقترح إلى جمعية الإنترنت والمجلس الدولي لأمناء التسجيل. وهنَتْ عزيمةُ مؤيدي المذكرة في الولايات المتحدة، لا سيما جون بوستل، أحد مهندسي المشروع البارزين، بهذا الرفض لجهودهم لتدويل حوكمة الإنترنت.

جدول ٩-١: الأحداث الرئيسية في حوكمة الإنترنت في القرن العشرين، ١٩٨٤–١٩٩٩. (المصدر: جيه أباتيه، «ابتكار الإنترنت» (كمبريدج: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ١٩٩٩)؛ جيه جولسميث وتي وو، «مَن يسيطر على الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود» (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ٢٠٠٦)؛ كيه هافنر وإم ليون، «عباقرة صنعوا الإنترنت: تاريخ الشبكة العنكبوتية» (نيويورك: تاتشستون، ١٩٩٦)؛ التسلسل الزمني للإنترنت من إعداد هوبز (٢٠١٠)؛ إم إل ميولر، «التحكم بالجذر» (كمبريدج، ماساتشوستس، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ٢٠٠٢))
التاريخ الحدث الفاعلون الرئيسيون
١٩٨٤ طرح نظام أسماء النطاقات الرفيعة المستوى .edu .com .gov جون بوستل، وجامعة جنوب كاليفورنيا، وشبكة أربانت، وشبكة إم آي إل نت، وشبكة سي إس نت، وبول موكابتريس، ومضيِّفات ومستخدمو شبكة يو إس إي نت.
١٩٨٥ وكالة اتصالات الدفاع تعهد بمسئولية إدارة جذر نظام أسماء النطاقات إلى معهد علوم المعلومات بجامعة جنوب كاليفورنيا، والمدير الدكتور جون بوستل. معهد علوم المعلومات، ووكالة اتصالات الدفاع، وجامعة جنوب كاليفورنيا، وجون بوستل.
١٩٨٦ تشكيل فرقة العمل المعنية بهندسة الإنترنت. كان للفرقة تأثير نافذ على صياغة سياسة الإنترنت والتكنولوجيا عن طريق الإجماع والتآزُر. تشكَّلَتِ الفرقة على يد مجلس أنشطة الإنترنت، الذي تشكَّل بدوره على يد مجلس الرقابة على تشكيل الإنترنت.
١٩٨٧ مجموعة المعلومات البحثية التعليمية في ميشيجان (ميريت) تفوز بعقدٍ للشراكة في إدارة شبكة إن إس إف نت. مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، واتحاد ميريت.
ديسمبر ١٩٨٨ إنشاء هيئة أرقام الإنترنت المخصصة بجامعة جنوب كاليفورنيا. تعيين جون بوستل مديرًا لها. معهد علوم المعلومات بجامعة جنوب كاليفورنيا، ومعهد ستانفورد للأبحاث.
١٩٨٩ مقدِّمو خدمة الإنترنت الأوروبيون يُنشِئون مجتمعَ شبكات مقدِّمِي الإنترنت الأوروبيين لتنسيق شبكتهم من مقدِّمِي الإنترنت. مجتمع شبكات مقدِّمِي الإنترنت الأوروبيين.
مايو ١٩٩٠ فوز شركة نِتوورك سوليوشنز بالحق في تخصيص أسماء الإنترنت وأرقام بروتوكولات الإنترنت كمتعهِّد من الباطن لشركة جوفرنمنت سيستمز صاحبة العطاء الفائز. شركة نِتوورك سوليوشنز، وشركة جوفرنمنت سيستمز، ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.
يوليو ١٩٩٠ تشكيل مؤسسة الحدود الإلكترونية. جون بيري بارلو، وجون جيلمور، وميتش كابور.
يوليو ١٩٩١ إنشاء نقطة التبادل التجاري على الإنترنت لإتاحة إمكانية استخدام الإنترنت للمستخدمين التجاريين. شبكة بي إس آي نت، وسي إي آر إف نت، وألنترنت.
٣٠ أبريل ١٩٩٥ شركة ميريت نِتووركس تُوقِف العمودَ الفقري لشبكة إن إس إف نت؛ «ما أنهى عمليًّا ملكيةَ حكومة الولايات المتحدة للبنية التحتية للإنترنت.»* ميريت نِتووركس، ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.
١٤ سبتمبر ١٩٩٥ فرض ٥٠ دولارًا كرسمٍ سنويٍّ مقابلَ تسجيلِ أسماء النطاقات التي كانت مجانيةً فيما سبق. مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية تفوز بعقد لتسجيل الأسماء. مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.
٨ فبراير ١٩٩٦ إصدار قانون الاتصالات عن بُعْد، الذي تضمَّنَ في قسمه الخامس قانونَ آداب وسائل الاتصال. الرئيس ويليام جيه كلينتون، والكونجرس الأمريكي.
٩ فبراير ١٩٩٦ نشر إعلان استقلال الفضاء السيبراني على الإنترنت. جون بيري بارلو، ومؤسسة الحدود الإلكترونية.
١ مايو ١٩٩٧ توقيع مذكرة تفاهُم النطاقات العامة الرفيعة المستوى في جينيف بسويسرا، التي اقترحَتْ منظومةَ حوكمةٍ دولية لإدارة الإنترنت. اللجنة الدولية المخصصة، وجمعية الإنترنت، والاتحاد الدولي للاتصالات عن بُعْد.
٢ مايو ١٩٩٧ صرَّحَ مسئولو الحكومة الأمريكية أنهم لن يدعموا مذكرةَ تفاهُمِ النطاقات العامة الرفيعة المستوى. إيرا ماجازينر، وفرقة العمل الفيدرالية المشكَّلة من أجهزة حكومية.
٢٦ يونيو ١٩٩٧ قضَتِ المحكمةُ العليا الأمريكية بأغلبية ٧ قضاة مقابلَ اثنين في قضية رينو ضد الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية بأن قانون آداب وسائل الاتصال غير دستوري. المحكمة العليا الأمريكية، ووزارة العدل، والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، ومؤسسة الحدود الإلكترونية.
١ يناير ١٩٩٨ التاريخ المرتب لنقل السيطرة على الإنترنت إلى جمعية الإنترنت والمجلس الدولي لأمناء التسجيل في جينيف. حكومة الولايات المتحدة تعترض على هذا النقل؛ ما ترتَّبَ عليه عدم حدوثه. جمعية الإنترنت، والمجلس الدولي لأمناء التسجيل، وحكومة الولايات المتحدة، والاتحاد الدولي للاتصالات عن بُعْد.
٢٨ يناير ١٩٩٨ جون بوستل يعيد توجيه أقسام من ملف نطاقات الجذر من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية إلى هيئة أرقام الإنترنت المخصصة بجامعة جنوب كاليفورنيا. جون بوستل، ومسئولو الجذر عن ٨ مناطق بالولايات المتحدة.
٣٠ يناير ١٩٩٨ الوكالة الوطنية للاتصالات عن بُعد والمعلومات تُصْدِر إشعارًا بسنِّ قانون مقترح مشفوعًا بوثيقة خضراء للتوكيد على استمرار سيطرة الولايات المتحدة على الجذر. الوكالة الوطنية للاتصالات عن بُعد والمعلومات التابعة لوزارة التجارة الأمريكية.
٤ فبراير ١٩٩٨ بوستل يعيد مقاليد السيطرة على دليل الجذر إلى مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، بعدَ تسويةِ الخلافات مع إيرا ماجازينر ومسئولي جامعة جنوب كاليفورنيا. جون بوستل، وإيرا ماجازينر، وإدارة جامعة جنوب كاليفورنيا، ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.
يوليو ١٩٩٨ مؤتمر لبحْثِ وثيقةٍ بيضاء يقترح تطبيق حوكمة دولية على الإنترنت من خلال إنشاء «مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة». جمعية الإنترنت، وهيئة أرقام الإنترنت المخصصة، والحكومة الأمريكية، ونقطة التبادل التجاري على الإنترنت، وجمعية إيديوكوز، وآي بي إم، ومايكروويف كوميونيكيشنز، وسيسكو.
١٩ سبتمبر ١٩٩٨ إنشاء مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة والتزامها بعقدٍ مع وزارة التجارة الأمريكية. مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة، ووزارة التجارة الأمريكية.
١ يناير ١٩٩٩ انتقال دور هيئة أرقام الإنترنت المخصصة كقيِّم على النطاقات العامة الرفيعة المستوى إلى مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة. مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة، وهيئة أرقام الإنترنت المخصصة، ومعهد علوم المعلومات، وجامعة جنوب كاليفورنيا.
أباتيه، «ابتكار الإنترنت»، ١٩٩.

يوم سيطر جون بوستل على النطاقات الرفيعة المستوى

كان جوناثان بوستل (١٩٤٣–١٩٩٨) رائدًا من روَّاد الإنترنت، بدأ بالتعاون مع زميله بالدراسات العليا فينتون سيرف والأستاذ ليونارد كلاينروك في العمل على أول عقدة على شبكة أربانت بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (راجع الفصل الرابع)، ثم عمل لاحقًا بمعهد علوم المعلومات بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس.33 وبموجب عقدٍ من معهد ستانفورد للأبحاث، شغل بوستل منصب المحرر لسلسلة «ريكويست فور كومنتس» الصادرة عن جامعة جنوب كاليفورنيا، والتي عُنِيَت بتوثيق العمليات التقنية لشبكة الإنترنت. تنظِّم إصداراتُ السلسلة العملَ اليومي للشبكة الدولية الضخمة، ولعب بوستل دورًا محوريًّا في هذه العمليات قُبَيْل وفاته. لا توجد غرفة تحكُّم رئيسية للإنترنت، لكنْ إنْ كانت موجودة قبل عام ١٩٩٨؛ فإن المسئول التقني الرئيسي عنها سيكون جون بوستل. في عصرٍ كان كثير من علماء الكمبيوتر متمرِّدين على التقاليد غالبًا، كان بوستل شخصًا لا تلمس فيه اختلافًا عنك في الرؤى والأفكار، وكان يطيل شعره ويطلق لحيته، واعتاد الذهابَ للعمل مرتديًا بنطلون جينز وصندلًا. كان إنسانًا عطوفًا ورقيقًا لكن صعب المراس في المسائل التي تمسه.34 لا بُد من هذه الإطلالة على شخصية بوستل عند تحليل سبب استحواذه الجزئي على السيطرة على الإنترنت في ٢٨ يناير من عام ١٩٩٨.
ولما كان بوستل مديرَ هيئة أرقام الإنترنت المخصصة بمقرها بجامعة جنوب كاليفورنيا، تمتَّع بقدر عظيم من السيطرة في صنْعِ القرارات بشأن نظام أسماء النطاقات، وكيفية تخصيص عناوين بروتوكولات الإنترنت الفريدة إلى أجهزة الكمبيوتر المرتبطة بالإنترنت.35 فأي جامعةٍ أو شركةٍ أو مقدِّمٍ لخدمة الإنترنت أو جهازٍ حكومي في العالَم يريد الاتصال بالإنترنت، كان عليه الاستعانة بهيئة أرقام الإنترنت المخصصة لتحديد أي خادم جذري سيستخدمه، وهذا بدوره سيحدِّد عناوين بروتوكولات الإنترنت الفريدة التي ستُخصَّص إلى أجهزة الكمبيوتر في شبكته. وحيث إن الهيئة كانت الجهة المنوط بها تعيين العناوين على مستوى الكوكب، فقد تمتَّعت بحوكمةٍ على هيكل النطاقات الرفيعة المستوى .edu .com .gov وحظيت كذلك بسلطةِ التسمية في تخصيص عنوان بروتوكول إنترنت فريد لكلِّ جهاز كمبيوتر متصل بالإنترنت.
fig36
شكل ٩-٢: جون بوستل من معهد علوم المعلومات التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا تولَّى الإشراف على سياسات تخصيص عناوين بروتوكولات الإنترنت من ١٩٦٩ حتى وافَتْه المنيَّة في عام ١٩٩٨. الصورة: آيرين فرتيك، خدمة جامعة جنوب كاليفورنيا الإخبارية، حقوق التأليف والنشر محفوظة لعام ١٩٩٤، جامعة جنوب كاليفورنيا.

بعد انتهاء إدارة مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية لشبكة إن إس إف نت في عام ١٩٨٧، واختيار اتحاد ميريت كمقدم للخدمة، كانت هيئة أرقام الإنترنت المخصصة لا تزال تتمتع بالسيطرة على الجذر وتخصيصات عناوين بروتوكولات الإنترنت. إلا أنه عندما فازت شركة جوفرنمنت سيستمز بعقد إدارة الشبكة في عام ١٩٩٠، أوكلت من الباطن حقوقَ أسماء النطاقات إلى شركة نِتوورك سوليوشنز. تهكَّمَ بوستل على ما اعتبره موقفًا استعلائيًّا منهم؛ إذ شكَّلوا كيانًا احتكاريًّا بموافَقة الحكومة. من المؤكد أنه استشاط غضبًا بوصفه في طليعة مؤيدي الحوكمة المشتركة حيالَ كونهم يجنون ملايين الدولارات من عمليات تسجيل النطاقات كلَّ عام مُحتكِرين إياها. حين كان يتقلد منصبَ مدير هيئة أرقام الإنترنت المخصصة، كان يتولَّى إدارةَ عملية شفافة جرى بمقتضاها تخصيص عناوين بروتوكولات الإنترنت، إلا أن ريع التسجيل كله آل إلى شركة نِتوورك سوليوشنز. أصبح بوستل (إلى جانب فينتون سيرف، زميله بالمدرسة الثانوية والجامعة) واحدًا من كبار مؤيدي جمعية الإنترنت وشاركها في صياغة مذكرة تفاهم النطاقات العامة الرفيعة المستوى في عام ١٩٩٧، بمشاركة ٥٧ شركة وجهازًا حكوميًّا دوليًّا.

fig37
شكل ٩-٣: إيرا ماجازينر، خبير سياسات الاتصالات عن بُعْد والسياسات الصحية بالبيت الأبيض إبَّان إدارة كلينتون، يُلقِي خطابًا في عام ٢٠٠٧. الصورة: جويتشي إيتو.
لبوستل مصادره لدى الحكومة والقطاع ذاته، ولا بد أنه بلغه شيء حول المواقف التي اعتزمَتِ الوكالةُ الوطنية للاتصالات عن بُعْد والمعلومات اتخاذَها حيالَ وثيقتها الخضراء الوشيكة. بيَّنَ بوضوحٍ الإشعارُ بسنِّ قانونٍ مقترحٍ، الصادر عن الوكالة الوطنية في ٣٠ يناير من عام ١٩٩٨، معارَضةَ الحكومة الأمريكية لنقل حوكمة الشبكة إلى جمعية الإنترنت، ما قضى عمليًّا على مذكرة تفاهُم النطاقات العامة الرفيعة المستوى، التي بذل فيها مئاتُ الأفراد من الاتحاد آلافَ الساعات. في الخامسة مساءً من عصر يوم ٢٨ يناير، أرسل بوستل رسائل إلكترونية من هيئة أرقام الإنترنت المخصصة بلوس أنجلوس إلى ثمانية أشخاص كانوا يتحكَّمون بخوادم الإنترنت الجذرية الثانوية في مناطقهم. وفي عمل جريء مثير للإعجاب، أوعز إليهم بإعادة توجيه خوادمهم من الجذر أ بشركة نِتوورك سوليوشنز، إلى جهازِ كمبيوتر يتحكَّم به في هيئة أرقام الإنترنت المخصصة. لم تجرِ إعادةُ توجيه أربعة خوادم جذرية تابعة للحكومة الأمريكية في ناسا ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية وشبكتين عسكريتين.36 وفي إشارةٍ إلى ثقتهم في بوستل وولائهم له، استجاب المشغِّلون الثمانية لأوامره على الرغم من أن بول فيكسي، مدير الخادم كيه، أَطْلَعَ أسرتَه على أنه قد يُزَجُّ به في السجن من جرَّاء ما أقدَمَ عليه.37 وعلى الرغم من أن بوستل لم يسيطر على الاثني عشر خادمًا جذريًّا ثانويًّا كلهم، كان بوسعه إنْ أراد أن يُضِيف اعتباطيًّا أسماء النطاقات السبعة الجديدة التي تناولَتْها مذكرةُ تفاهُم النطاقات العامة الرفيعة المستوى.38 ويشير ميلتون ميولر، باحث الإنترنت، إلى أنه «لا شك في أن إعادة التوجيه كانت تحديًا مباشِرًا للحكومة الأمريكية.»39 وفي مقابَلةٍ أجراها ميولر في عام ٢٠٠٠ مع بول فيكسي حول دوافع بوستل لاتخاذه تلك الخطوات، قال: «كانت تلك طلقة تحذيرية أطلقها بوستل، يرسل منها رسالة إلى شركة نيتووك سوليوشنز مفادها أنها على الرغم من مقوماتها لا يتسنَّى لها الاستغناء عنه.»40
أغلب مستخدِمِي الإنترنت آنذاك لم يلحظوا أيَّ تغييرٍ في عمل الشبكة، لكنَّ مسئولِي الأمن القومي في حكومة الولايات المتحدة لحظوا تغييرًا. كان إيرا ماجازينر، خبير سياسات الإنترنت بإدارة كلينتون يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا عندما بلغه أمر إعادة التوجيه. كان ماجازينر على معرفةٍ ببوستل؛ حيث تبادَلَ معه الآراءَ من قبلُ بشأن معارَضة الولايات المتحدة لمذكرة تفاهُمِ النطاقات العامة الرفيعة المستوى. فاتصل ببوستل على الفور (ومشرفه بمعهد علوم المعلومات) بجامعة جنوب كاليفورنيا للاستفسار عمَّا كان يفعله. ادَّعَى بوستل أن ما حدث كان مجرد اختبار، وعندما أعرَبَ مشرفه عن ذُعْرِه من هذا التوضيح، وعَدَه بوستل بإعادة توجيه الخوادم الثمانية الثانوية مرةً أخرى إلى شركة نِتوورك سوليوشنز.41 وعندما صدرت الوثيقة الخضراء بعدها بيومين، أُضِيف إليها أنَّ أيَّ تغييرٍ غير مصرَّح به لهيكل الجذر سيكون من ذاك الحين فصاعدًا جريمةً فيدراليةً في الولايات المتحدة.
إن «التمرُّد» الأسطوري الذي أقدَمَ عليه بوستل يوضح أن الحكومة الفيدرالية — عندما تحين اللحظات الحَرِجة — يمكن أن تتخذ تدابيرَ حاسمةً متى رأى المسئولون أن الأمن القومي والمسائل الاقتصادية معرَّضان للخطر. وفي الوقت الذي ضغطت فيه شركة نِتوورك سوليوشنز بقوةٍ على أعضاء الكونجرس والإدارة لحماية سيطرتها الاحتكارية على تسجيل أسماء النطاقات، انشغل مسئولون آخَرون بالحكومة الأمريكية بالأمن السيبراني مع تحوُّلِ الإنترنت إلى وسيلةٍ عالميةٍ جبَّارة للاتصالات عن بُعْد. ثمة مقولة قانونية شائعة تفيد بأن: «الحيازة تسعة أعشار الملكية». أوجز إيرا ماجازينر الموقفَ بتصريحه في مقابلة بأن: «الولايات المتحدة دفعَتْ مقابلَ شبكة الإنترنت، وأنَّ الشبكة أُنشِئت تحت رعايتها، وفوق ذلك، أي إجراء أقدَمَ عليه جون بوستل وشركةُ نِتوورك سوليوشنز كان بموجب عقود حكومية.»42

مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة كمسارٍ وسيط

بعد محاولة بوستل وشركائه المُحبَطة للسيطرة على خوادم الإنترنت الجذرية الثانوية في بداية عام ١٩٩٨، اقترحَتْ إدارةُ كلينتون (بقيادة إيرا ماجازينر، خبير سياسات الاتصالات عن بُعْد) إنشاءَ منظمةٍ دولية لإدارة منح أسماء النطاقات. طُرِحت هذه الفكرة بمؤتمرٍ لنقاشِ وثيقةٍ بيضاء أُقِيم في ضاحية رِستون بواشنطن، فيرجينيا في يوليو من عام ١٩٩٨. ومع أن الإدارة اقترحَتْ إنشاءَ «مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة»، وأن يرأسها مجلسَ مديرِين مُشكَّلًا دوليًّا، لم ترغب الولايات المتحدة في التخلِّي عن قبضتها على الجذر إلى المؤسسة.

في سبتمبر عام ١٩٩٨ أُنشِئت مؤسسةُ الإنترنت للأسماء والأرقام المُخصصة رسميًّا، وكان مقرها الرئيسي كائنًا بمارينا ديل ري بكاليفورنيا، إضافةً إلى مكاتب إقليمية في بالو ألتو بكاليفورنيا، وواشنطن العاصمة، وبروكسل في بلجيكا، وسيدني في أستراليا.43 بلغت مدة التصريح بإنشاء المؤسسة خمس سنوات، وجرى تمديدها في ٢٠٠٦ لمدة خمس سنوات أخرى؛ إلا أن وزارة التجارة الأمريكية (عبر الوكالة الوطنية للاتصالات عن بُعْد والمعلومات) أرسلَتْ خطابًا إلى مؤسسة الإنترنت بيَّنَتْ فيه أن الحكومة «لا خططَ لها لنقْلِ إدارة ملف نطاقات الجذر التابعة لسلطتها إلى مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المُخصَّصة.»44 من الواضح أنه لا توجد مصلحة فورية (أو بعيدة المدى) للحكومة الأمريكية في التخلِّي عن السيطرة المطلقة على الجذر إلى مؤسسة الإنترنت أو أي جهةٍ أخرى غير حكومية.

الإنترنت كوسيلة لنشر الديمقراطية

بعد منتصف الليل مباشَرةً بتوقيت القاهرة، وفي الساعات الأولى من يوم الجمعة الموافق ٢٨ يناير من عام ٢٠١١، حجبَتِ الحكومةُ المصرية النفاذَ إلى الإنترنت على المستوى الوطني. وعلى الفور انهارَتْ حركةُ البيانات على الإنترنت بنسبة ٩٠ بالمائة من وإلى بلد يبلغ تعداده ٨٠ مليون نسمة.45 استخدَمَ المحتجُّون المناوِئون للحكومة، تحت قيادة وائل غُنيم، مسئول تنفيذي إقليمي بجوجل، موقعَيْ فيسبوك وتويتر على مدار الأسبوع السابق لتنظيم الحشود في عدة مدن مصرية، بما فيها القاهرة. أنشأ وائل غنيم صفحةً على فيسبوك إحياءً لذكرى خالد سعيد، التاجر السكندري الشاب الذي قُتِل على يد الشرطة المحلية. حملت الصفحة اسم «كلنا خالد سعيد»، ونشرت صورًا مروِّعة للإصابات التي لحقت بخالد. سرعان ما أصبحت الصفحة قبلةً لتمرُّد المواطنين على المستبدِّ حسني مبارك، الذي قبع بسدة الحكم لرَدَحٍ من الزمان، لدرجة أن الشرطة السرية المصرية ألقَتِ القبضَ على منشئ الصفحة وائل غُنيم واحتجزَتْه بمعزل عن العالَم الخارجي لمدة ١٨ يومًا. حينَها جذبَتِ الصفحةُ ٣٥٠٠٠٠ مستخدِم على فيسبوك، عبَّئوا الاحتجاجات بالشوارع التي استمرت بعد إلقاء القبض على وائل.46 تنحَّى مُبارك عن رئاسة مصر في ١١ فبراير، وهو بذلك ثاني مستبدٍّ من دول شمال أفريقيا يطيح به مواطِنوه الذين تمَّتْ تعبئتهم عن طريق موقعَيْ فيسبوك وتويتر.
أثبتَتْ تكنولوجيات الاتصال عبر الإنترنت فاعليةً كبيرةً في الالتفاف حول الجهود الحكومية للرقابة على وسائط الإعلام الجماهيرية بعد سقوط المستبدِّ التونسي زين العابدين بن علي، الذي أدَّت إليه احتجاجاتٌ تمَّتْ تعبئتها عبر الإنترنت. ويتضح أن الحكومة المصرية تمتعت بالقدرة على حجب النفاذ إلى الإنترنت على المستوى الوطني مثل إطفاء مصباح كهربائي (وكذا أغلب تغطية شركة فودافون للهواتف المحمولة).47 أظهرت الاحتجاجات في مصر ورد فعل الحكومة إزاءها أن المستبدِّين أمثال الرئيس مبارك يفهمون مفعولَ تكنولوجيات الاتصال الجديدة لتأجيج التمرد ضد حكم استبدادي، وسيتخذون خطوات لمنع نفاذ الجماهير إليها. ينبغي للمعلومات أن تكون حرة، لكن الحكومات القمعية لن تألوا جهدًا من أجل منع التدفق الحر للأفكار.
في الكتاب المستشرف للمستقبل «مَن يتحكم بالإنترنت؟» (٢٠٠٦)، يتحرى جاك جولدسميث وتيم وو العلاقة بين الجغرافيا وشبكة الإنترنت، التي يقولان إنها بصدد التفكك والتحوُّل إلى «شبكة تحفُّها حدودٌ».48 ويتعارض هذا المفهوم مع فكرة توماس فريدمان عن «العالَم المسطَّح»؛ حيث تتخطى عالميًّا الارتباطاتُ عبر الإنترنت الحدودَ الوطنية. يُقِيم وو وجولدسميث حجةً مُقنِعة هنا؛ حيث يدفعان بأن صورة الجماهير عن الإنترنت كشبكة حرة لا حدودَ لها تتجاوز الحدودَ الوطنية؛ هي محض وهم. ويقولان: «تستوعب شبكةُ الإنترنت المحدودة اختلافاتٍ حقيقيةً ومهمة بين الشعوب بمختلف البقاع، وتجعل من الإنترنت وسيلةَ اتصالٍ أكثر فاعليةً ومنفعةً نتيجة لذلك.»49 وتؤكد الانتفاضة الشعبية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط مفعولَ الإنترنت كأداة للتشجيع على نشر التواصل الديمقراطي، وتبيِّن السببَ وراء أن الحكومات القمعية تسعى إلى التحكم في النفاذ إلى تطبيقات حرية التعبير عن الرأي مثل فيسبوك وتويتر. مَن كان يتخيَّل أن رسالة من ١٤٠ حرفًا يمكن أن يكون لها من القوة أن تُسقِط حكومات؟ لكن الأحداث الأخيرة في مصر وتونس أظهرت مفعولَ الإنترنت كوسيلة للاحتجاج.

طرح حجب مصر للإنترنت سؤالًا على كثيرٍ من المدونات بالولايات المتحدة: «هل تملك حكومة الولايات المتحدة زرَّ إيقافٍ عمومي؟» لكن الخبراء طمأنوهم أن شبكة الإنترنت في الولايات المتحدة بدرجةٍ من التشعُّب لا تسمح لمستبدٍّ أو نظام قمعي بحجبها بسهولة. فلا توجد نقطة مرور مركزية لمنع المعلومات المتدفقة إلى الولايات المتحدة أو منها، وهي تتحرك عبر مئات الكابلات البحرية. إلا أن الكيان المتحكم في جذر الإنترنت، كما بيَّن جون بوستل في ٢٨ يناير من عام ١٩٩٨، له سلطة السماح بالنفاذ إلى الشبكة أو حجبه؛ وربما يكون هذا هو السبب وراء اعتراض الحكومة الأمريكية على التنازل عن السيطرة على الجذر ومؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المُخصصة.

الرسوخ الاجتماعي للإنترنت

يعرِّف البعض الإنترنت على أنه شبكة عالمية غير مرئية في معظمها من خطوط الألياف البصرية وأجهزة الراوتر الرقمية وملايين أجهزة الكمبيوتر المتصلة. في حين أن وجهة النظر هذه صحيحة على المستوى الوقائعي؛ فإن النظر إلى المسألة من هذا المنطلق الحرفي فيه مغالاةٌ في التبسيط بشكل واضح؛ فكما يبيِّن هذا الفصل، أصبح الإنترنت ساحةَ معركةٍ على مَن يتولَّى السيطرة على هيكله وتشغيله وحوكمته. وقد أكَّدت الحكومة الأمريكية على أنه ما دامَتْ هي مَن موَّلت إنشاء الإنترنت ومراحل تطوير الشبكة الأولى؛ فإنه ينبغي أن تكون لها الأولوية في اتخاذ القرارات الأساسية بشأن حوكمتها. وتُلقِي المعارك حول حوكمة الإنترنت بالضوء على الرسوخ الاجتماعي للإنترنت كشبكةِ اتصالٍ عالمية جامعة تتخطى الثقافات والحدود الوطنية، كما تُظهِر الجهودَ ذات الصلة التي تبذلها بعضُ الحكومات لفرض حدودٍ وطنية على التدفُّق الحر للمعلومات. ينبغي للمعلومات أن تكون حرةً، وهذه الفلسفة تقضُّ مضاجعَ بعض الأنظمة الاستبدادية.

من الواضح أن الحكومة الأمريكية ترى أسبابًا وجيهة مرتبطة بالأمن القومي في الاحتفاظ بالسيطرة على خوادم الإنترنت على مستوى الجذر، وتتجاوز هذه المصالحُ التجارةَ الإلكترونية العالمية التي تُجْرِيها الشركات الأمريكية، فسياساتُ الحوكمة هذه تتعلَّق بمسائل سيطرة جوهرية. ولن يندهش القارئ حين يعلم أن رود بيكستروم، رئيس مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المُخصصة والمدير التنفيذي لها، شغل في السابق منصب مدير مركز الأمن السيبراني القومي، وهو جزء من وزارة الأمن الداخلي بالولايات المتحدة.50 لقد تابعَتِ الحكوماتُ في شتَّى بقاع العالَم عن كثبٍ الاحتجاجاتِ التي أجَّجَتْها شبكةُ الإنترنت في تونس ومصر، وترى الأنظمة القمعية كالموجودة في إيران والصين أن النفاذ الحر إلى الإنترنت تهديد لشرعيتها، في حين أن الدول التي تتيح النفاذ الحر للنت لا تنعم بالاستقرار. يمكن أن تندلع انتفاضةٌ شعبوية بأيِّ بلد حيث تشعر مجموعاتٌ كبيرة من المواطنين بحرمانهم من حقوق المواطنة، وبوسعها النفاذ إلى وسيلةِ اتصالٍ لا يتسنَّى للحكومات السيطرة عليها. لقد كتب إيثيل دي سولا بول، الباحث في الاتصالات، في عام ١٩٨٣ عن استخدام وسائط الاتصال الجديدة، مثل الإنترنت، ﮐ «تكنولوجيات للحرية»؛ ولَكَمْ كان سيسعد إيثيل لرؤية الاستخدام الشعبوي للإنترنت في مصر وتونس.51

هوامش

(1) S. Brand, The Media Lab: Inventing the Future at MIT (New York: Viking Penguin, 1987), 202. Stewart Brand’s initial comment on this issue was at the first Hackers Conference in 1984 and was printed in The Whole Earth Review (May 1985, p. 49) as “On the one hand information wants to be expensive, because it’s so valuable. The right information in the right place just changes your life. On the other hand, information wants to be free, because the cost of getting it out is getting lower and lower all the time. So you have these two fighting against each other.”
(2) Consumer Electronics Association, U.S. Consumer Electronics Sales and Forecasts (2010). Cost retrieved January 30, 2010, from http://mycea.ce.org/Default.aspx?tabid=129.
(3) A. O. Sulzberger, “A Letter to Our Readers about Digital Subscriptions,” New York Times (March 17, 2011). Retrieved March 18, 2011, from http://www.nytimes.com/2011/03/18/opinion/l18times.html?_r=1&scp=1&sq=A%20letter%20to%20our%20readers%20about%20digital%20subscriptions&st=cse.
(4) J. Abbate, Inventing the Internet (Cambridge, MA: MIT Press, 1999), 191–3.
(5) Ibid., 193.
(6) The government partners included Michigan State University, the University of Michigan, and Wayne State University. The operations center for the network is based at the University of Michigan.
(7) E. Krol, The Whole Internet User’s Guide & Catalog (Sebastopol, CA: O’Reilly & Associates, 1992), 353-4. http://www.archive.org/details/wholeinternet00krolmiss.
(8) Abbate, Inventing the Internet, 195.
(9) CBS News, “Pentagon Bill to Fix Cyber Attacks: $100M” (2009).
(10) Until 1995, IP addresses developed under Internet Protocol Version 4 (IPv4) were written as a 32-bit code typically expressed as a string of 11 numbers (e.g., 205.78.526.815). Due to the rapid growth of the Internet since 1995, IP addresses will be expressed as a 128-bit code under Internet Protocol Version 6 (IPv6).
(11) A complete database of all generic (gTLD) and country code (ccTLD) Top Level Domains can be viewed online at the IANA website: http://www.iana.org/domains/root/.
(12) K. Haftner, The WELL: A Story of Love-Death and Real Life in the Seminal Online Community (New York: Carroll & Graf, 2001).
(13) Fidonet now links 10,000 smaller networks. See the global Fidonet website at http://www.fidonet.org.
(14) J. Goldsmith and T. Wu, Who Controls the Internet? Illusions of a Borderless World (Oxford: Oxford University Press, 2006), 35.
(15) Ibid., 36.
(16) 4-D content involves the transmission of sensory information to the viewer that goes beyond 3-D sight and surround-sound. Holographic imagery would allow the viewer to move around a filmed object and see all sides if it.
(18) Ibid. While Title V of the Act primarily banned the carriage of obscene content on cable television, Section 507 made it a criminal offense to transmit indecent or obscene content by anyone who “(A) Uses an interactive computer service to send to a specific person or persons under 18 years of age, or (B) Uses any interactive computer service to display in a manner available to a person under 18 years of age, any comment, request, suggestion, proposal, image, or other communication that, in context, depicts or describes, in terms patently offensive as measured by contemporary community standards, sexual or excretory activities or organs.”
(19) J. P. Barlow, Declaration of the Independence of Cyberspace (1996). Retrieved November 20, 2010, from the EFF site at https://projects.eff.org/~barlow/Declaration-Final.html. As a writer for Wired magazine in the 1990s and as a co-founder of the EFF, John Perry Barlow played a key role in promoting a “hands-off” philosophy toward Internet control by governments and corporations. He was born in Sublette County in northwest Wyoming near the town of Pinedale, and maintained a ranch there for many years. As a teenager he met future Grateful Dead member Bob Weir while attending a private boarding school in Colorado, and this later led to a productive collaboration writing songs for the band. He joined the WELL online community in 1986 and later worked with John Gilmore and Mitch Kapor to create the EFF in 1990.
(20) The Electronic Frontier Foundation has taken a lead role in defending and litigating key issues related to free speech and privacy, among others, related to regulation of the Internet and new media. The EFF website (http://www.eff.org/) contains interesting information about their history and current projects.
(21) Barlow, Declaration of the Independence of Cyberspace.
(22) J. P. Barlow, “Electronic Frontier: Coming into the Country,” Communications of the ACM 34/3 (March 1991).
(23) Federal district courts in Philadelphia and New York ruled, respectively, that the CDA as drafted would unfairly restrict the First Amendment free speech rights of adults, and in New York stated that aspects of the Act intended to protect children from “obscene or indecent” content were too broadly drawn.
(24) ACLU v. Reno (1997). 521 US 844, 851.
(25) Ibid., 853.
(26) ISOC has 28,000 members, who participate in 90 chapters around the world, with offices in Reston, Virginia (Washington, DC area) and Geneva, Switzerland. See the ISOC website: http://www.isoc.org/.
(27) Goldsmith and Wu, Who Controls the Internet?, 37.
(28) M. L. Mueller, Ruling the Root (Cambridge, MA: MIT Press, 2002), 143.
(29) The term “Generic Top-Level Domain” referred to the most commonly used domain names such as .com and .org. The term “Memorandum of Understanding,” or MoU, describes an agreement less formal than a contract between organizations indicating a mutually agreed course of action. The promoters of the transfer of power were known colloquially as “the MoUvement.”
(30) The ITU is an agency of the United Nations, with 191 nations as members. It also develops international communications standards and assists less developed nations with telecommunication infrastructure development. It has four primary divisions: the General Secretariat, Radiocommunication (ITU-R), Standardization (ITU-T), and Development (ITU-D). See the ITU website: http://www.itu.int/en/pages/default.aspx.
(31) “U.S. Rejects Net Name Plan,” CNet News (May 2, 1997). http://news.cnet.com/U.S.-rejects-Net-name-plan/2100-1023_3-279468.html.
(32) Ibid.
(33) M. Waldrop, The Dream Machine: J. C. R. Licklider and the Revolution That Made Computing Personal (New York: Penguin, 2001), 301.
(34) The background information about Jon Postel comes from Vinton Cerf’s eulogy “I REMEMBER IANA” that was published as RFC 2468: http://tools.ietf.org/html/rfc2468. Postel would have appreciated that this moving eulogy was distributed as an RFC to users of the Internet who knew and worked with him. Postel died after heart surgery on October 16, 1998.
(35) In fact, in 1983 Postel requested that Paul Mockapetris create the domain name system the Internet uses today.
(36) Mueller, Ruling the Root, 161.
(37) Ibid., 162.
(38) Goldsmith and Wu, Who Controls the Internet?, 45.
(39) Mueller, Ruling the Root, 162.
(40) Ibid.
(41) Goldsmith and Wu, Who Controls the Internet?, 46.
(42) Ibid., 41.
(43) Note that the headquarters of ICANN is located in the same Marina Del Rey building as USC’s Information Sciences Institute, where Jon Pastel managed IANA in the years prior to ICANN’s creation.
(44) M. A. Baker, “Letter from Meredith A. Baker, Acting Assistant Secretary for Communication and Information, National Telecommunications and Information Administration, to Peter Dengate-Thrush, Chairman of the Board of Directors, ICANN” (2008). Retrieved December 3, 2010, from http://www.ntia.doc.gov/comments/2008/ICANN_080730.html#.
(45) M. Richel, “Egypt Cuts Off Most Internet and Cellphone Service,” New York Times (January 28, 2011). Retrieved January 30, 2011, from http://www.nytimes.com/2011/01/29/technology/internet/29cutoff.html?scp=1&sq=egypt%20and%20internet&st=cse#.
(46) M. Giglio, “The Facebook Freedom Fighter,” Newsweek (February 13, 2011). Retrieved February 19, 2011, from: http://magazine-directory.com/Newsweek.htm. Ghonim had given the username and password to the Facebook site to confederates prior to his arrest. Khaled Said had been murdered by police in Alexandria because he had posted online a video of local police helping themselves to drugs from a local bust.
(47) Egyptians with satellite-provided Internet access did not have it curtailed.
(48) Goldsmith and Wu, Who Controls the Internet?, pp. x–xi.
(49) Ibid., p. xii.
(50) It should be noted that Beckstrom is also a successful software entrepreneur, helped found an international peace-seeking organization, and is a director of the Environmental Defense Fund. See his biography at the ICANN website: http://www.icann.org/en/biog/beckstrom.htm.
(51) I. De Sola Pool, Technologies of Freedom (Cambridge, MA: Belknap Press, 1983).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤