فرح أنطون (١٨٧٤–١٩٢٢)

من مذكرات مفكِّرٍ حرٍّ أيام عبد الحميد

علمتُ في زمن الصبا وأنا في سوريا بأن إسكندر ديماس الأكبر كتب رواية في الثورة الفرنسوية، فاهتديتُ إليها. وما شرعتُ في مطالعتها حتى سباني موضوعها وأسلوبها لا لأمرٍ ما سوى شيءٍ من المشاركة بين بعض حوادثها وحوادث السياسة في البلاد العثمانية في ذلك الزمن. وكانت سكينةٌ كسكينة المقابر تخيِّم يومئذٍ على البلاد والعباد، والجرائد السورية لا تنشر شيئًا «يخدش الأذهان» لأن المراقبة كانت لها بالمرصاد، والصحافة المصرية على قلَّتها يومئذٍ قليلة الانتشار في سوريا، فقلَّما كان للمطَّلع مصادر يستقي منها غير المصادر التي يختارها ويسعى إليها؛ ففي وسط هدوءٍ كذلك الهدوء، وخمولٍ كذلك الخمول، أحسستُ بأن عبارات ديماس في روايته هذه كانت كبروقٍ تسطع وتشقُّ جو الفكر، أو أسواطٍ تَقرَع الآذان وتُنبِّه العزائم والأذهان. وقد يكون اليوم لعباراتٍ كتلك العبارات تأثيرٌ كذلك التأثير في نفوس الرجال الذين اشتدت سواعدهم وقوِيَت ألواحهم حتى بعد زوال الضغط القديم ومشاهدتِهم حوادثَ يومية كحوادثِ تلك الرواية، فكيف بتأثيرها في فتًى صغير السن قليل الخبرة والاطِّلاع.

ولذلك أُولعتُ بهذه الرواية ولعًا شديدًا دون سائرِ رواياتِ ديماس. ولا أتذكَّر أنني قرأتُ روايةً له غيرها قراءةً جديَّةً. وكم من مرةٍ قضيتُ في مطالعتها الليل حتى الساعة الثالثة أو الرابعة صباحًا، ثم انحدرتُ بها من فراشي إلى حفرةٍ في الحديقة كنت أَدفِن فيها صندوقًا صغيرًا يحتوي الكتب والأوراق التي أخشى عليها من عُمَّال الحكومة خوفًا من التفتيش الفجائي الذي كان شائعًا؛ فكنتُ أضعها في الصندوق بين تلك الكتب والأوراق وأُعيد التراب على الصندوق ثم أنام مطمئنًّا.

وقد تكون هذه التفاصيل تافهة في ذاتها، ولكني لم أذكرها إلا لسببٍ سترِد الإشارة إليه. على أن ولوع المرء بكتابٍ أو روايةٍ سببٌ كافٍ في حمله على اشتراك قُرائه فيما أَحبَّه منها، حينما يتخذ الكتابة صناعةً له، وهذا ما جعلني أُفكِّر في تعريب هذه الرواية وإلحاقها ﺑ «الجامعة»١ حين رأيتُ إلحاقها برواية. وهناك أيضًا سببان آخران: الأول: تلذُّذي يومئذٍ ﺑ «مضايقة» مراقبي الجرائد والمجلات في البلاد العثمانية جزاءً لهم على ما عانيتُه بسببهم من الحذر والاتقاء والاحتراس في أثناء مطالعاتي الأُولى. والثاني، وهو السبب الوجيه: رغبتي في إيقاد تصوُّرات أبناء الشرق بهذه الرواية كما اتَّقدَت تصوُّراتي بها في صباي. وقد خُيِّل إليَّ أنني بتعريبها في أثناء ذلك السكون التام والخمول الشامل أفتح في ذلك البناء القديم نوافذَ مطلَّةً على سماء الحرية ليرِد منها النور والهواء، وأنصب أمام قُرائها مثالًا يحتذونه، قمته تحيط بها زرقة السماء وقاعدته مغموسةٌ في الدماء. وقد يكون هنالك سببٌ أَوجهُ من جميع تلك الأسباب التي تقدَّمَت، وهو الداء الذي يقع فيه كثيرون من الصحافيِّين والكُتَّاب، وأعني به: الرغبة في اجتذابِ القُراء بالمواضيع الجذَّابة. ولكن ليس من مصلحة الكاتب أن يعترف مثل هذا الاعتراف ويسجل هذا الكلام على نفسه لأن صناعة الكاتب كصناعة الكهنوت فيها كثيرٌ من الأسرار.

وقد شرَّفتِ الحكومة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد هذه الرواية حين الشروع في نشرها في «الجامعة» ببضعِ تلغرافاتٍ كانت تبعث بها إلى الولايات السورية كلما صدر جزءٌ من «الجامعة» وفيه جزءٌ من الرواية. ولمَّا كانت أجزاء «الجامعة» يُبعث بها (مضمونة) في البريد الفرنسوي فقد كان البريد الفرنسوي يعيد إلى إدارة «الجامعة» الأجزاء المرسلة إلى داخلية البلاد العثمانية والتي تسبقها إلى الثغور السورية تلغرافاتُ الآستانة، بينما كانت الأجزاء التي تسبق تلك التلغرافات إلى الثغور تمر وتصل إلى أصحابها في الداخلية دون ممانع. ولمَّا تحققتُ أن كلَّ الضرر واردٌ من اطِّلاعِ قلم المطبوعات بالآستانة على «الجامعة» قطعتُ «الجامعة» عن قلم المطبوعات في الآستانة والنظارات قطعًا مطلقًا، حتى عن مشتركيها في الآستانة، فبطل إرسال التلغرافات مدةً من الزمن. وقد ظننتُ أنني بقطعي «الجامعة» عن الآستانة قد وجدتُ دواء الداء، وما كنتُ أدري أن داء الآستانة يومئذٍ داءٌ لم يكن له دواءٌ قبل قيام شوكت باشا وجيشه؛ فإن حكومة الآستانة لم تَلبَث أن أَمرَت بمنع دخول مجلة «الجامعة» إلى البلاد العثمانية بسبب نشرها هذه الرواية على الأخص.

وقد انقضى الآن عشر سنوات على نشري هذه الرواية قضيتُ منها ٤ سنوات في جهات أوروبا والولايات المتحدة وكندا. وعند وصولي إلى باريز، لأوَّل مرة في حياتي، كان أوَّل ما عملته أنني زرت أشهر الأماكن التي وقعَت فيها وقائع هذه الرواية كالتويلري والمجلس البلدي وفرسايل، وساحة الباستيل التي ليس فيها اليوم من آثار الباستيل شيءٌ سوى تَذكارٍ نُصِب في وسط ذلك المكان يُذكِّر الناس بهجوم الشعب على الباستيل وإظهاره لأول مرة قوَّته على قوة المَلَكية. والمكان اليوم ساحةٌ متسعة تحيط بها القهاوي، وكأن أرضه في ظلام الليل ونور النهار لهدوئها وقلة الزحام فيها كائنٌ تعِب لحمله ثقلًا هائلًا عدة قرون جلس يستريح ويتنفس الصُّعَداء لخلاصه من ذلك الثقل الهائل الذي كان فوقه كصخرةٍ هائلةٍ ملقاة على قلبه، أو «كوحشٍ هائلٍ رابضٍ على قارعة الطريق يفترس الناس» كما قال ديماس. وقد وقفتُ غير مرة في ذلك المكان وأخذتُ أقول وأنا أجول في أنحاء تلك الساحة الهادئة: هنا كان سجن الفكر والقلم والعقل، هنا كان مدفن الكُتَّاب والفلاسفة والساسة من معارضي الحكومة، دُفنوا فيه أحياءً ولكنهم ما لبِثوا أن تمطَّوا وهم في مدفنهم فرفعوا عنهم بقوة الفكر الذي لا يُسجَن حجارة القبر ونبذوا الأكفان وفتحوا جميع قبور الاستعباد لجميع المدفونِين وأخرجوهم إلى نور السماء! هنا كان أول ما سطع نور الله على الأرض وأنار طريق الشعوب وفتح السبل في وجهها بعد أن كانت مسدودة! هنا كانت أول واقعةٍ فاصلة بين حق الشعب وحق الملك فصرع الأوَّل الثاني! هنا كان مولد الديمقراطية مدفن الأوتوقراطية والأرستقراطية! هنا كان مهبط رسالةٍ جديدة للبشر كرسالة أحمد يصونها سيفٌ ماضٍ كسيفه! هنا كان مِزْود بيت لحم الثاني الذي وُلِد فيه المسيح الثاني ولكنه «عُمِّد» بالسيف والنار والدماء لا بماء الأردن! هنا ظهر الله يومًا ظهورًا أجلى من ظهوره على جبل سينا أو علِّيقة موسى! هذه هي الأفكار الشائعة بين الجمهور في شأن الثورة الفرنسوية ومبادئها. وقد تغذَّى في صباي لحمي ودمي من هذه المبادئ، وقرأت «تاريخ تييرس وميشله» وشيئًا من «تاريخ كارليل» في شأنها حتى أصبحت أُحرِّم على نفسي رشقي لها ولو بوردة حتى في المبادئ التي بطَل اعتقادي بها …

(مقطع من مقدمة فرح أنطون لرواية «ديماس» التي عرَّبها عن الثورة)
١  اسم المجلة التي أنشأها فرح أنطون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠