محمَّد جميل بيهُم

الثورة الفرنسية والمرأة
بينما كان الفريق الأكبر من نساءِ أشرافِ فرنسا مسترسلًا في أواخر القرن الثامن عشر، كان فريقٌ آخر من نسوة الشعب يتداول بما صارت إليه حالة المرأة، ويتحد على المطالبة بمساواة الجنسَين. بيد أن الروح العامة كانت غير ملائمة لهذا الطلب؛ لأن معظم الأمة وفي مُقدِّمتها العلماء الذين يُسمَّون بالجمَّاعِين Encyclopédistes كانت تنكر عليهن المساواة. ولا جرم فقد كانت أفكار جان جاك روسو (١٧١٢–١٧٧٨) هي السائدة على الرأي العام، ومعلومٌ كم كانت تَعتبر المرأة قاصرةً ومخلوقةً لأجل لذةِ الرجل وانشراحِ قلبه.
وكانت الآمال في تحرير المرأة معقودةً على الثورة الإفرنسية (١٧٨٩) ولا سيَّما لِما بذله الجنس اللطيف على مذبحها من التضحيات، من مثلِ مدام رولاند ولوسيل سمولن. ولكن حكومة تلك الثورة أنكرتِ الجميل وأيَّدتِ استعباد النساء. غير أنها مع ذلك أفادت القضية النسائية بطريق العرض بما أَلفتَت إليها الأنظارَ حينما أَعلنتِ المساواة العامة، فانتصر للنساء بعضهم مثل سياس١ وكندرست Condorcet، وكتب كثيرون — رجالًا ونساءً — مُؤيدِين حقوق المرأة، واشتُهِرت من بينهم في أثناء ذلك الآنسة أولامب دي كوج (١٧٤٨–١٧٩٣) وهي تُعتبر في فرنسة بمثابة ماري ولستنكرفت في بريطانيا العظمى، أو حاملة لواء القضية النسائية.

أمَّا حكومة الثورة فهي في الواقع لم تُرِد أن تقف محايدةً إزاء القضية النسائية، وإنما أَنكرَت على أربابها اجتماعاتِهم وضجتهم، واستَكبرَت تطرُّف بعض النساء، فأصدرت أمرًا في سنة ١٧٩٥ تحظر فيه على النساء الاشتغالَ بالسياسة والاشتراك بالاجتماعات، وشَرعَت تُطارِدهنَّ حتى لم يعد يُسمع لِقضيتهنَّ هَمس. ولمَّا تبوَّأ العرش نابليون الأول قضى على كلِّ أملٍ نسائي، وبنفوذه على متشرِّعي فرنسة جعل الأُسرة في القانون بمثابة الفرقة العسكرية، قائدها الأب، وعلى المرأة والأولاد الطاعةُ العمياء، طاعة الأجناد.

ولمَّا استعاد آل البوربون العرش (١٨١٤–١٨٣٠) شرع بعض المُفكِّرِين يحركون من جديد بكتاباتهم أسلاك القضية النسائية فتهتز معها أفئدة جمهورٍ من النساء على وجهٍ خاص. وقد أنشأ بعضهن صحيفتَين لهذه الغاية، وهما: جريدة «المرأة الحرة» و«الشرارة»، ولكنهما لم تكونا من ذوات الأعمار الطويلة؛ لأن الرأي العام كان لا يزال غير مستعدٍّ لقبول فكرتهما.

وقد عقد النسائيون الآمال على الجمهورية الثانية التي أُعلنت سنة ١٨٤٨، واستبشروا حينما استُقبلت ممثلاتهم في قصر الحكومة، ووعدتهن خيرًا، ولكن أجل هذه الجمهورية كان قصيرًا، فعادت المَلَكية سنة ١٨٥٢، وعادت معها الصرامة ضد المرأة، وأَصدرَت أمرًا بنفي مدبِّرات الحركة النسائية.

وفي أثناء ذلك صار لبعضِ نساءِ فرنسا ضلعٌ بالعلوم والمعارف، فشرَعنَ يطالبن بحقوق المرأة بالحجة العلمية والبرهان، فألَّف فريق منهن الكُتب، مثل مدام آدم٢ وجني داريكورت، وكتب فريقٌ آخر منهن بالصحف مثل مدام أندره له يو وغيرها. وأنشأت حنة درون جريدة سمتها «رأي النساء». وفضلًا عن ذلك استمَلنَ كثيرًا من الرجال وأشهرهم ليون ريشر فنهضوا بقوة للانتصار لهن.

واستَمر أنصار المرأة، ولا سيما في أثناء شدة وطأة المَلَكية عليهم، يذكُرون مواعيد الجمهورية فيحنُّون إلى عهدها، فعُقدت بينهم وبين الحزب الجمهوري رابطة المصلحة وشرعوا بمظاهرة هذا الحزب. ولمَّا أُعلنت الجمهورية الثالثة (١٨٧٠) الحاكمة الآن اعترفت لهم بخدماتهم، وهي وإن لم تحقق لهم أمانيهم إلا أنها أَطلقَت لهم حرية العمل، فدَخلَت القضية النسائية منذ ذلك في دَورٍ جديد.

(عن كتاب «المرأة في التمدُّن الحديث»)
١  الراهب Sieyès.
٢  جولييت آدم اشتُهرت في البلاد العربية لصداقتها مع مصطفى كامل الزعيم الوطني المصري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠