خاتمة

… وهنا أيها القارئ نُشرف على هنيهة الوداع بعد صحبةٍ طويلة، وما أُحبك أن تطوي الكتاب إلا وقد حملتَ معك هذه الخُلاصة ذات السطور القليلة.

لقد شَهدتَ موكبًا حافلًا من أُدباء ومصلحِين وقادةٍ ثائرِين وحوادثَ جسامٍ في بلاد من العالم، وشَهدتَ موكبًا حافلًا من أُدبائنا ومُصلحينا؛ شَهدتَ الأفغاني والكواكبي والمرَّاش والنديم وإسحاق والشميِّل والريحاني وجبران وغيرهم وغيرهم … فعرفتَ أولًا أن تاريخنا الفكري في مطلع نهضتنا الحديثة يُباهي بصفحاتٍ خيِّرة نيِّرة من رجالٍ جريئِين مُتعمقِين. وعرفتَ ثانيًا أن هؤلاء الأفذاذ من أُدبائنا ومُفكرينا لم يبتروا ما بينهم وبين ماضينا، ثم لم يقطعوا ما بينهم وبين الدنيا، ثم لم يقفلوا على أنفسهم في «صوامعَ وأبراج»، ولكنهم شخَصوا إلى قديمنا وتعلَّموا، وأطلُّوا على العالم وتفقَّهوا، ونظروا في أحوالنا وشئوننا، وطلعوا من ذلك كله بلواءٍ نقَشوا عليه مطامحنا ورسموا أمانينا. أمَّا هذا اللواء فهو الوطنية، وأمَّا هذه المطامح والأماني فهي الحرية والرقي والهناء للأمة بخاصتها وعامتها.

لقد عرفتَ أيها القارئ أن وطنيتنا الحديثة وُلدت في حضن الشورى والديمقراطية، واتجهت إلى الشعب، واستندَت إلى قوته وكفاءته ومصلحته. طالبَت وطنيتنا، أول شيء، بدستورٍ ديمقراطي تُصان حُرمته، طالبَت بمجلسِ نوابٍ تنتخبه الأمة انتخابًا حرًّا ليُعبِّر عن إرادتها، طالبَت بإطلاق الحريات للقول والاجتماع والكتابة والتنظيم، طالبَت بإلغاء الامتياز وإعلان المساواة أمام القانون، طالبت بنشر الثقافة، وإدخال مجانية التعليم وإلزامية التعليم، طالبَت بإنهاض مستوى المرأة؛ لأن «الأمة نسيج الأمهات.» طالبَت بتربيةٍ قومية جامعة تُشعِر الفرد بالمسئولية أمام المجموع، وتُؤاخي بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف المنابت والمذاهب؛ لأن «الدين لله والوطن للجميع.» طالبَت بتشجيع المشاريع العمرانية لتحسين الزراعة وحالة الزرَّاع، وطالبَت بتنشيط أرباب الصناعة الوطنية وترقية حالة الصنَّاع …

لقد عرفتَ أيها القارئ كل هذا. وإنه لتراثٌ مجيدٌ، أثمره العقل النيِّر وجاد به الشعور الخيِّر، هذا التراث الذي خلَّفه لنا أدباؤنا ومفكرونا، وإن مسألة حفظه وحمايته وتكميله، في الدور الجديد الذي نُقبل عليه ويُقبل العالم خارجًا من أشد المعامع هولًا، لهي مسألةٌ تتعلق بشرفنا ومصيرنا، نحن ورثةَ أولئك الميامِين، السابقِين في محاربة الاستبداد من أجل الشورى، ومكافحة الاستعباد من أجل الحرية!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠