سياسة الخوري بطرس

وجاء عيد مار روحانا،١ وهو خاتمة فصل الصيف، وشاء وكيل وقف عين كفاع أن يكون عيد الضيعة ممتازًا بحضور الحبيس، فعرض رأيه على الأهالي في أثناء تجمعهم كعادتهم، تحت سنديانة الكنيسة، لمعالجة شئون الساعة، وطال الأخذ والرد حول موضوع الحبيس.٢ وأخيرًا أقرُّوا دعوته، وكلَّفوا خوري الرعية ووكيل الوقف أن يأتياه في خلوته، ويكلِّفاه أن يشرِّف الضيعة في يوم عيدها الأعظم ويحتفل بالذبيحة الإلهية.

وعصارى نهار الأحد، قبل العيد بيومين ثلاثة، ذهب خوري الرعية، وكان وكيل الوقف يريد من كل قلبه أن يقيم الحبيس قداس عيد مار روحانا، فيذكر تقليد القرية، بعد عشرات السنين، أن الحبيس أقام قداس العيد على عهد الوكيل فلان!

أما خوري فكان يقول في نفسه وهو يصعد في عقبة٣ مار عبدا:٤ هذه إهانة لي. معناتها أن الحبيس أفضل مني! صح فينا قول المثل: الكنيسة القريبة لا تشفي.٥
وفي تلك الهنيهة تذكَّر «الصينية» وما تجمعه من فلوس، فثار واهتاج حتى نسي أن وكيل الوقف يرافقه في هذه الرحلة المشئومة، فنبر قائلًا: الأوفق أن نعرقلها …
figure

فصاح به الوكيل: ما هي يا خوري بطرس؟

فانتبه الخوري وخاف أن يفتضح سره، فقال: ماش. ماش.٦

فضحك الوكيل وقال: لا ماش ولا لاش. أنا سامع يا بونا.

وكان الخوري في هذه الفترة قد استعد على مخرج ينقذه من المضيق الذي حُشِر فيه، فقال للوكيل: أنت عارف أن ابني إبراهيم طلب مني أن يكون في خدمة المير، وأنا مثل جميع أهل بلادي نطيع الأمير غصبًا عنا، وننتظر الساعة التي نتغلب عليه فيها. هذي هي القضية.

وكان الحبيس وراء شجرة فوق الطريق يتفحص أمر القادمين، فعرف أنهما من الغائصين في السياسة الحزبية إلى الأذقان، فأسرع وتوارى في كنيسة مار سمعان، وقال لرفيقه: اصرفهما عنا، ولكن بعد أن تعرف ما يريدان …

وقعد واضعًا أذنه على نافذة صغيرة يلتقط الحديث، ولما انجلت له الغاية، ورآها دينية رعائية٧ خرج إليهم.

وبعْدَ السلام والكلام طفق يعتذر عن تعذُّر مخالطة الناس عليه، بعدما نذر الوحدة والانقطاع.

فقال له وكيل الوقف: الدعوة يا بونا لقداس لا لعرس. رح وارجع الدرب الدرب. هذا عيد تتجمع فيه ألوف مؤلَّفة من المؤمنين بشفاعة قديسنا. قديسنا عظيم، عجائبه ما لها حدٌّ ولا طرف. لا بد من أنك قرأت «سنكساره».٨ كتبه لنا، مع صلاة المساء والستَّار٩ والليل والصبح، الشدياق١٠ جبرائيل آصاف العرموني. كذلك كتب لنا صلاة مار عبدا، هذا الدير الذي أنت فيه.

فتبسم الحبيس وقال: بيت آصاف عندهم مار روحانا وعندهم مار عبدا.

فقال الخوري: أنت تعرفهم، يظهر أنك كسرواني.

– أنا عبد من عبيد الله يا ابني، كل بلد لي فيه إخوان بالرب أنا منه.

فقال الخوري: ﻫ ء … أنت كسرواني، عرفتك من لهجتك.

فقال وكيل الوقف: خوري بطرس! ما لك وما لضيعته! الحبيس لجميع المؤمنين. وخاطب الحبيس قائلًا: يا محترم أرجو منك أن تقدس لنا يوم العيد، فأهل الضيعة جميعًا يلتمسون بركتك ودعاك، لا يحق لك أن ترفض دعوة ربانية لوجه الله، ربما كان بين الناس رجل ما اعترف ولا تناول منذ سنين، يلهمه ربه بوجودك فيعترف ويتوب على يدك.

فقال خوري الرعية، وهو بين ضاحك وعابس: يعني أنهم يعترفون له ولا يعترفون لي؟

فقال وكيل الوقف: أقصد يا معلمي، أن غرباء كثيرين يحضرون العيد، أشكال وألوان، ومع ذلك كثيرون لا يعترفون لك؛ لأنك تعرفهم …

ابنك، مثلًا، لا يعترف لك، الإنسان إنسان، يستحي حتى في كرسي الاعتراف.

فسكت الخوري وهو يقول: طيِّب طيِّب، الحق معك …

وكان الحبيس مطرقًا، فيظن الناظر إليه أنه يتأمل لحيته، مع أنه كان يتخيل لحية الأمير بشير الذي عاد مظفرًا فشرَّد خصومه.

وطال السكوت فقال وكيل الوقف: وعدتنا يا محترم؟١١

– نعم يا ابني، ولكن أنتم مغشوشون بقداستي، أنا أحقر عبيد الله. أنا عبد خاطي.

فضحك وكيل الوقف وقال وهو يتهيأ لتقبيل يد الحبيس: ليت كل الخاطئين مثل حضرتك.

قال هذا وودَّع وانصرف، ولما وصلا إلى سنديانة كنيسة الضيعة، قعدا يستريحان تحتها، فقال خوري الرعية لوكيل الوقف: حقيقة إنك فصيح يا جنا.

فضحك الوكيل وقال: تعيش وتفيق يا خوري بطرس! يقول المثل: لا يقطع الشجرة إلا فرع منها،١٢ ومع ذلك ما ساعدتني على إقناع الحبيس مع أنه من طغمتك.١٣ ثم سفق١٤ صلعته١٥ سفقةً ردَّدَتِ الكنيسة صداها وقال: الآن فهمت. هذه هي التي قلت إنك تريد أن تعرقلها. لكل ساقطة لاقطة١٦ يا خوري بطرس.

فتضاحك الخوري وقال: إذا كنا لا نعرف أصله وفصله، فكيف يجوز أن نحترمه هذا الاحترام؟ ومَن يدرينا ما هو؟ ومع ذلك لكل شيء وقت. ما أتت الساعة بعْدُ.

هذا ما كان يدور من حديث بين الوكيل وخوري الضيعة. أما الحبيس فكان في الأيام التي سبقت العيد يحاسب نفسه ويتذكر ماضيه، يتذكر كيف كان عائشًا ناعم البال مستريحًا في مدرسته الكبرى عين ورقة، يعلِّم الناس ويهذِّب العقول، يبثُّ في الناشئة مبادئ الحرية الصحيحة عملًا بقول الإنجيل: تعرفون الحق والحق يحرركم.

تذكر كيف كان يسوس شبابًا من أبناء الشعب ليخلق منهم ثوَّارًا على الاستعباد.

تذكَّرَ كيف كان يحدثهم عن الثورة الفرنسية، كيف تغلَّب الشعب الفرنسي على مستعبديه الإقطاعيين، وقد كانوا أفظع جرائم من إقطاعيِّي لبنان وأشد قوة.

وتذكَّرَ كيف اقتلعه المير من محيطه، محيط مدرسة عين ورقة؛ ليجعل منه قاضيًا يتستر خلف أحكامه وينتقم من الناس.

وتذكَّرَ كم كان ينصح المير ليكفَّ عن ظلم الشعب، وأن الشعب خير له من الإقطاعيين الذين يستعين بهم على تدويخ١٧ الرعية وإذلالها، ثم كيف كان الأمير لا يعمل بهذه النصائح، ولا يبالي إلا بالكراسي، ولا يهمه إلا استرضاء هذا الزعيم وذلك، يُشرِكهم في المنافع١٨ والحكم لتظل له الكلمة الأولى.

ثم تذكَّرَ كيف أنه عيل صبره ولم يستطع أن يظل في منصب القضاء؛ لأنه رثى للشعب المسكين الذي رآه يُسَاق كالغنم، ويُضرَب كالبقر، ويطوَّع كالخيل؛ لتكمل مشيئة الأمير. وإذا بان حق في غير الجانب الذي يؤيده المير، فذلك الحق محكوم عليه بالإعدام.

إن الشريعة في فم الأمير، وما القاضي إلا منفذ لإرادته. فما استطاع الخضوع لهذا الطغيان، ولا التغلب على صوت ضميره الذي كان يدعوه إلى مناصرة الحق، والعمل بروح العدالة.

ثم تنهد وقال: نحن أبناء بيت كان ضحية الإقطاعية، كادوا لعمِّي من قبلي فحطوه عن البطركية، ولكنه صبرَ فظفرَ.

قد يكونون هم الذين أوصلوني إلى ما وصلت إليه من شقاء وتعاسة وتعب بال. أَمَا كنتُ أميرًا في ظل المير؟

أَمَا كنتُ صاحب الكلمة الأولى بعد سعادته؟

ثم زفر زفرة حرَّى وقال: ضاعت …

وكأن الحقيقة التي انتدبته للنضال عنها قد تراءت له في تلك الساعة العصيبة فصاح: لا لا لا. إن راحة الضمير خير من راحة الجسم.

نعم غلبنا وشتتنا في العامِّيَّتين، في عامية انطلياس وفي عامية لحفد، إلا أننا نظل نجاهد حتى نقضي على سياسته الغاشمة، على حبه السيادة الذي هوَّن عنده امتصاص دم الشعب. كل حال يزول، حتى حكم المير بشير بالرغم من جبروته١٩ وطغيانه … لا بأس بهذا الأمير لولا جشعه٢٠ وطمعه. مليح هذا الأمير لولا بغيه وقسوة قلبه. مليح هو لولا مطحنته٢١ ومصبنته٢٢ … مليح لولا احتكاره كل مرافق٢٣ لبنان. يظل هذا الأمير حيًّا حتى تصطدم الناس بالكرسي، فإذا كان ذلك يقتل ويبيد، ويسمل٢٤ العيون ويقطع الأيدي، وينفي ويشرِّد ويُبعِد، ويصير سفك الدماء عنده مثل شربة ماء.

يا تُرَى، ماذا ينفعه الاعتراف والمناولة وسماع القداس؟

أريد رحمة لا ذبيحة، هكذا علَّمنا سيدنا يسوع المسيح.

عفوًا يا أمناء الكنيسة … أأنا شككت؟ حالة تحير. ذهب المير بشير وتولَّى الحكم أميران، وظلت الحكاية كما هي.

يظهر أن الداء في صيدا وعكا، وحكاية المير مع الشعب تنطبق على هذه الحكاية الوجيزة. قيل سأل الحيط الوتد:٢٥ لماذا تشقُّني؟ فقال له: اسأل مَن يدقُّني.

الولاية سلعة تباع بالمزاد عند ولاة صيدا. ترجَّيْنا أن نلتفَّ حول المير بشير ونصون حريتنا واستقلالنا، فإذا به يراعي مصلحته قبل كل شيء، وما يتفق مع مصلحته فهو مصلحة البلاد.

والأميران اللذان وليَا الحكم لم يكونا أرأف بالشعب من بشير. إذن كان يستطاع إصلاحه لو أسعفت الأيام ورضي.

ولكنه أحقد من جمل، يتحين الساعة المواتية ليبطش وينتقم، لا يدعها تفلت منه متى قدر …

ومع ذلك فالأمير ذاهب، أما الشعب فباقٍ، فَلْنعمل لصد الظلم عنه، ولا بأس إن مات الراعي لأجل الرعية.

إن أسرة قد تصير أمَّة، فلا عكس الله الآية لتصير الأمة أسرة … والإقطاعي ابن عم الإقطاعي مهما تباعد بينهما النسب، ومهما فرَّق الدين. والعامِّيُّ أخو العامِّيُّ حيث كانا. فَلْنَسْعَ لتوحيد إخوتنا.

الفرصة سانحة بعد غد. قالوا إنه عيد عظيم تجتمع فيه الناس من بني وبني، فلنهيئ عظة نثير بها الشعب ولا نؤاخَذ عليها، فالكلمة للشعب أخيرًا، مهما طال عمر المستبدين. فالأمير الخيِّر هو مَن يحبه شعبه ويحب هو شعبه.

يقول الكتاب المقدس: لا سلطة إلا من الله. لقد شككت بذلك حين رأيت الظلم بعيني ولمسته بيدي. فكيف تكون السلطة من الله وهي تُشترَى من الجزار٢٦ ومن عبد الله باشا؟٢٧ كيف تكون السلطة من الله ويتولاها مَن زاد في ثمنها وأغلاها؟ أليست مطروحة بالمزاد؟ فكيف تكون من الله؟

قال هذا الكلام بصوت عالٍ، فسمعه خوريه فقال له: سيدنا ماذا تقول؟

فتنهد الحبيس وقال: استرنا، ستر الله عليك. رأيت أهوالًا تُشِيب الرأس وتشكِّك مَن لم يشكَّ في عمره.

سامحني يا الله، أما قلت أنت: إن يد الله مع الجماعة؟٢٨
واحدة بواحدة إن كنتُ أخطأت. ها أنا أتحمل عذابات وآلامًا في سبيل شعبك. نصحتُ الأمير فما سمع، ونهضت بالشعب فرزح،٢٩ وها أنا أقاسي الهوان٣٠ راضيًا قائلًا: فَلْتكن مشيئتك …
١  مار روحانا: اسم قديس يُحتفَل بعيده في ٢٩ أيلول.
٢  الحبيس: الرجل المنقطع عن الناس زهدًا في الدنيا ورغبة في محبة الله.
٣  العقبة: المرقى الصعب من الجبال.
٤  مار عبدا: اسم مكان.
٥  الكنيسة القريبة لا تشفي: لا يرضي المرء ما هو سهل المنال.
٦  ماش ماش: لا شيء.
٧  الرعية: منطقة يتولى أمورها كاهن.
٨  السنكسار: كتاب سيرة القديسين.
٩  صلاة الستار: صلاة تقام بين الغروب والليل.
١٠  الشدياق: رتبة دينية أقل من الكاهن درجة.
١١  المحترم: لقب للكاهن الماروني اصطلح عليه العوام.
١٢  لا يقطع الشجرة إلا فرع منها: (مَثَل) أيْ أنه إنْ لم يكن للفأس قطعة من خشب لا يقطع الشجر، والمثل هنا للدلالة أنه باستطاعة الخوري أن يقنع الحبيس أكثر من غيره؛ لأنه من جماعته.
١٣  طغمة: جماعة أمرهم واحد.
١٤  سفق: لطم.
١٥  الصلعة: مقدم الرأس الذي سقط شعره.
١٦  الساقطة: زلة اللسان، واللاقطة: ما عُثِر عليه بدون تعب.
١٧  دوَّخ: قهر واستولى على أهلها.
١٨  المنافع: ما ينتفع به من مرافق الدولة.
١٩  الجبروت: القدرة والسلطة والعظمة.
٢٠  الجشع: أسوأ الطمع.
٢١  مطحنة المير: كان للمير مطحنة، والويل لمَن لا يطحن بمطحنة المير، ولو كانت أجورها مرتفعة.
٢٢  مصبنة المير: أيضًا كان له مصبنة، والويل لمَن لا يشتري من صابونه، ولو بأسعاره المرتفعة.
٢٣  مرافق: أيْ ما ينتفع به السكان عمومًا.
٢٤  سمل: فقأ.
٢٥  الوتد: ما زُرَّ (أُدْخِل) في الحائط أو الأرض من خشب وغيره.
٢٦  الجزار: أحمد باشا والي صيدا والشام، في أول زمانه أدَّب البدو في مصر ذابحًا منهم أكثر من سبعين ألفًا فلُقِّبَ بالجزار.
٢٧  عبد الله باشا: (محسن زاده جلبي) قائد عثماني أصله من حلب، تولَّى الحكم في عدة ولايات.
٢٨  الجماعة: رجال العصابة.
٢٩  رزح: سقط.
٣٠  الهوان: الذل، التحقير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠