آل خليفة

figure
سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة وابنه.

(١) البحرين

  • حدودها: البحرين جزر في خليج العرب؛ أهمها جزيرة مستطيلة، وبضع جزر صغيرة منها واحدة إلى الشرق هي المحرق وأخرى إلى الغرب هي البِدَيِّع. وهذه الجزر قريبة من الخط الواحد والخمسين من العرض الشرقي، ويشطرها الخط السادس والعشرون من الطول الشمالي.
  • مساحتها: أربعمائة وخمسون ميلًا مربعًا.
  • عدد سكانها: مائتا ألف نفس.
  • أهم مدنها: المنامة والمحرَّق والرفاع والحد والبِديِّع.
  • مذاهبها: السنة من المذاهب الأربعة، والشيعة من الجعفريين والإسماعيليين، ثم الوهابية، وفيها عدد كبير من الهندوس والفرس وبعض النصارى واليهود.

(٢) سلسة من المدهشات

ما أخطأت الظن مرة ببلاد عربية مثل خطئي بالبحرين، وما دهشت في قطر من الأقطار التي زرتها دهشتي أول يوم في هذه الجزيرة، ولا غرو فالجهل يجسم الدهشات. قال أحد الأصدقاء في الحجاز، وهو يصف لي الطريق إلى نجد: ستسافر من بمباي إلى البحرين، ومنها في مركب شراعي إلى العقير. فظننت البحرين جزيرة صغيرة حقيرة يأوي إليها الصيادون، وظننت شيوخها من البدو الذين يسكنون الخيام، بل كنت عند وصولي أظنها معبرًا إلى الأحساء. وماذا ينفع التظاهر بالعلم إذا فضحتك أول كلمة منك بعد السلام؟ أما وإني أمقت الادعاء فلا أحاول إخفاء جهلي، وهو جهل عام يكاد يشمل كل أدباء العرب. إني أعترف عني وعنهم.

أول ما يستلفت نظر الغريب عند وصوله إلى البحرين؛ خصوصًا إذا كان قادمًا من البحر الأحمر، عمران مدينة المنامة وقصورها المشرفة على البحر ثم المراكب الشراعية «الجلابيت» التي تشق من مياه الخليج ازرقاق لا صفاء بعد صفائه، ولا حفيف ألطف من حفيف هواء الخليج وهو يداعب الشراع ويهمس في أذن الصباح كلمات الأمان والترحيب. إنه لينطبع في تلك الآونة من اللونين؛ لون الشراع ولون الماء، صورة في الذهن هي كلوحة السينما في تغيرها المستمر وحركتها الدائمة؛ ذلك لأن مياه البحرين قلما تخلو من «الجلابيت» السارحة المارحة فيها على الدوام. أما البواخر فهي ترسو على أربعة أو خمسة أميال من البر.

وإذا ما السائح وطئ أرض الجزيرة وجال في أسواقها يستلفت نظره كذلك حركة تجارية لا ينبئ حتى ظاهرها بكل ما هناك، فهو يشاهد في المخازن من الملبوس والمأكول والمشروب ومن أسباب الزينة والترف ما يندر إلا في المدن الكبيرة مثل بمباي والقاهرة، أما إذا دخل أحد بيوتات التجارة فيستوقف نظره لأول وهلة الدفاتر الضخمة والكتاب. ها هنا إدارة ونظام، ودواوين يجلس عليها الزائرون لا الزبائن، فيشربون القهوة ويدخنون. هو الشرق في مظهريه القديم والحديث. وفي هذه البيوتات التجارية صناديق من حديد، وأكياس من النقود، ذهبًا وفضة، وبريد تراعي أوقات سفره وقدومه، وحسابات ومراسلات، وليس فيها شيء من البضاعة، وقلما يشاهد فيها غير حركة الكتاب وحركة الزائرين. أما السبب في ذلك فهو بعد أن تعلمه بسيط.

إن البحرين مثل الكويت محطة للتجارة بين الشرق والشطر الشرقي من شبه الجزيرة، ويصح أن يقال فيها من هذا القبيل إنها سوق من أسواق نجد؛ لأن قسمًا كبيرًا مما يدخل إليها من الهند وإيران والعراق ومن أوروبا وأميركا عن طريق الهند يباع في نجد. وإنك لترى منه أيضًا في أسواق بريدة وعنيزة وحايل، بل يصل منه حتى إلى اليمن وعسير والحجاز؛ لأن القوافل من تلك الأقطار العربية تجيء عن طرق نجران وقلعة بيشه والخرمة إلى الرياض والأحساء. تجيء بين اليمن وحبوبة وتعود حاملة من البضائع ما يدخل إلى نجد عن طريق البحرين والكويت.
figure
مقاطعة الأحساء.

ولا نزال في سلسلة المدهشات؛ فإن في البحرين إذا كنت ممن يهمهم الأدب والشعر، نهضة أدبية اجتماعية مباركة. أجل، إن في هذه الجزيرة من الأدباء والشعراء عددًا ليس بقليل، وذكاءً ليس بضئيل، إن فيها نهضة تقارن أخواتها في الكويت وفي العراق، وتقارن روحًا وطموحًا على الأقل أخواتها في سوريا ومصر؛ فهذا ناديها الأدبي وفيه المجلات العربية أكثرها وأحسنها، وهذه غرف القراءة، وفيها من الكتب الحديثة والقديمة أنفسها، وهذه المدرسة الابتدائية وفيها يُعلم بعض العلوم التي لا تزال تُعد في اليمن مثلًا من بواعث الكفر والضلال، وفيها من المعلمين المصري والعراقي والنجدي. إن البحرين ليست سوى معبر إلى نجد! حبذا المعبر وما فيه من مدهشات الثقافة والعمران.

وإليك بمزيد منها. لست كما قد يعلم القارئ ممن يعجبون بالمرسلين ويستحسنون التبشير بالأديان، ولكن في البحرين معهدًا أميركيًّا ديني الأصل طبي وتهذيبي العمل،١ وهو مؤلف من كنيسة يخدمها قسيس، ومدرسة كانت يوم زرت الجزيرة مقفلة، ومستشفى وصيدلية يديرهما طبيب فاضل وبعض السيدات اللواتي يساعدنه ويبثثن عملًا لا قولًا روح التهذيب والارتقاء في زيارتهن أسيرات الحجاب والحريم.

ولكن هذه الرسالة الأميركية المؤسسة في البحرين والكويت والبصرة تستطيع أن تضاعف خيرها وتعممه لو أقلعت عن التبشير وحصرت ما لديها من أسباب البر في الطبابة وفي التعليم المجرد من حب الهداية الروحية؛ ذلك لأن المسلمين؛ وخصوصًا العرب منهم، راضون رضى عجيبًا بدينهم ولا يرغبون في سواه بديلًا، وأكثرهم لذلك يبتعدون عن المدارس التي يديرها المرسلون، فلو فرضنا أن في مدرسة الكويت أو البحرين، وهي تجعل من دروسها الكتاب المقدس، عشرين تلميذًا فإن هذا العدد يزداد أضعافًا إذا ألغي التعليم الديني أو قرئ الكتاب المقدس في المدرسة كما يقرأ التاريخ. إن المرسلين أنفسهم ليعلمون ذلك، وهم في مدة خمسين سنة لم يتمكنوا من هداية خمسة من المسلمين، فما الفائدة من التبشير إذن؟ حبذا مدارس أميركية لا مفزعات دينية فيها تهرب المسلمين.

ومما أدهشني في اليوم الأول من إقامتي في البحرين — وليس فيما أقول غير الجد والإعجاب — تلك الأتن البيض التي تفوق حسنًا ونشاطًا حمير الحساء. ومعلوم — أن حمير الحسا ملوك الحمير، وأتن البحرين أميرات الأتن. أما السبب في حسنها وسمنها وتدملك ربلاتها، وفي نشاطها المقرون بالحكمة، فهو أن أهل البحرين يطعمونها السمك ثم يفكِّهونها بالتمر. وهو ذا مخزن السمك. لا تبادر إلى التصليح، أيها الأستاذ، فالساحة لا تفيد المعنى، إنما المخزن بعينه أريد وكأنه مخزن قمح أو شعير، ترى فيه السمك الذي يصنعون منه السردين في أوروبا مركومًا كركام الرمل، فهم يجففونه ويبيعونه مثل القمح أو الشعير بالأكياس.

أما «دبابة» المستر فورد الأميركاني التي تزعج السياح حتى في البادية وفي أقصى زوايا الأرض الموحشة، فهي اليوم من الكمالات في البحرين، ولكنها غدًا تصبح من المبتذلات المجلجلات شأنها في كل مكان، فيلحق شرها بتلك الأتن الطاهرة الجميلة. إلا أن في البحرين صعوبات في السفر لا يصلح لها آلة أو إنسان. جاءني ذات يوم بعض الأدباء يدعونني لزيارة الشيوخ في المحرق،٢ وكانت ساعة الجزر فلم نستطع الوصول إلى الجلبوت الذي كان في البحر إلا إذا اخترقنا السبخة حفاة وخضنا المياه حتى الركاب، فركبنا الأتن إلى الجلبوت، وشكرنا الله أن في هذا المضمار لا تباري «الدبابة» الحمار.

ليس كل من يبحرون من المنامة والمحرق أو إليهما يركبون الأتن ساعة الزجر، بل إن أكثرهم رجالًا ونساء، وقد شمروا عن السيقان وعما فوقها في بعض الأحيان، يخوضون المياه بين الشاطئ والجلابيت وهم يمزحون ويضحكون كأنهم يسبحون ويلعبون. لا أظن أن مشهدًا من مشاهد الرقص في باريس أو من مشاهد السباحة في مياه بيارتز في الصيف يضاهي في العري والبهاء هذا المشهد البحراني وقد ورفع ستاره للشمس والسماء. بيد أن مسرحه مسرح الفطرة والسذاجة، فلا سبيل للهمس، ولا باب لما ساء من الفكر والإيماء. وأغرب ما فيه أن النساء المحجبات يشمرن كالرجال. لم أتمالك مرة أن ظهرت دهشتي، وبيدي آلة التصوير، إذ رأيت إحدى النسوة تنزل من الجلبوت إلى المياه وقد شمرت بكرم فضاح، فقال رفيقي: شيء مألوف. خذ صورتها ولا بأس، فصورت آية النشور، أما الوجه فمحذور.

نزلنا في المحرق وسرنا إلى قصر الحاكم صاحب السمو الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، فإذا في الزقاق إلى أصل الحائط بعض الأعراب عاقدون الحبوة، وإذا في الفناء الكبير جمهور آخر لا يقل عن المائة جالسون في مجالس من اللبن والحجر كلٌ يحمل سيفه أو عصاه، وقد خيم عليهم السكوت كأنهم الأصنام. مشيت في الفناء لا أدري أفي مجلس الحاكم أنا أم في معبر آخر إليه. ولما وصلت إلى وسط تلك الساحة الرهيبة وقف أحد الجالسين في الصدر، وهو شيخ صغير القامة، قصير اللحية، طاعن في السن، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فأجلسني في مجلس من الحجر إلى يمينه. هو الشيخ عيسى بعينه. رحب بي ولامني؛ لأني نزلت في المنامة ولم أنزل في المحرق ضيفًا عليه.

ثم أمر بالقهوة في إبريق من النحاس كبير جميل، يحمله رجل أسود عمليق لابس معطفًا أحمر مزركشًا بالقصب، يتبعه ولد في ثوب رسمي كذلك يحمل الفناجين. وقف الاثنان أمام سمو الشيخ وقوف الجندي أمام القائد العام فسلما واليد على الرأس، ثم أخذ صاحب الإبريق فنجانًا من الولد فصب فيه وقدمه لمولاه، ثم صب ثانية وقدم الفنجان للضيف فتناولته باليد اليسرى دون أن أدرك وقتئذ خطئي. لست أدري ما حل بي تلك الساعة فكنت في حديثي كما كنت في عملي متعثرًا، قل هي سلسلة من المدهشات، وقد كنت هذه المرة مصدرها لا موضوع تأثيرها.

دُهِشَ الشيخ عيسى ولا ريب من فعلتي الأولى، وعندما شرعت أحدثه أمام ذاك الجمع الصامت الساكن في موضوع رحلتي نظر إليَّ وفيه شيء أشد من الدهش. وما كدت أذكر أمراء العرب وحاجتهم إلى التعارف والتفاهم حتى وثب من المجلس، فوقف الحضور كلهم مثله بغتة، وتقدم مني يشير أن أتبعه. مشيت وراءه يصحبنا بعض حاشيته وأنا بينهم مثل مذنب يساق إلى السجن. على أن سمو الشيخ، عندما صرنا في الشارع، التفت إليَّ، وقال: «هؤلاء العربان لا يفهمون، ونحن لا نتكلم في السياسة أمامهم. نمشي إلى البيت فنتحدث هناك.»

مشينا إلى بيته الخاص فصعدنا إلى غرفة فيه على السطح لا يدنو منها «العربان»، ولا يصل إليها من الرقباء أذن أو عين. وكان معنا حفيده الشيخ محمد بن عبد الله وآخران من الأسرة الشريفة. جلسنا وأنا لا أزال ألوم نفسي على ما بدا مني، فقال سموه دون أن يُقصر اللطف في لهجته: تكلم الآن. فجمعت شتات الفكر وأفضت في الموضوع وهو منصت يهز برأسه. ثم قال: العرب لا يتحدون. فقلت: وهل تلبون دعوة الملك حسين إلى اجتماع يعقد في مكة من أجل البحث في شئون العرب والإسلام؟ فأجاب قائلًا: إذا لبى سلطان نجد الدعوة فنحن نلبيها.

وقفنا عند هذا الحد في السياسة ورحنا بعد أن ودعنا سموه نزور ابن عمه الشيخ إبراهيم بن محمد المشهور الذي حكم الجزيرة عدة سنين، وكان له والإنكليز مواقع سياسية انتهت بنفيه وبوفاته في المنفى، أما ابنه الشيخ إبراهيم فهو أشد ميلًا إلى الأدب والشعر منه إلى السياسة، بل هو شيخ الأدباء والشعراء في البحرين، ومن خيرة رجالها. تلقى العلم في الحجاز من كبار العلماء وله إلمام بجل الفنون. هو رجل عصري في آرائه وأحكامه، يطالع المجلات العربية، ويتبع الحركة الفكرية والثقافية في العالم، ويسعى، وهو الرئيس الثاني لمجلس المدارس، في تمهيد السبيل في البحرين إلى بعض خيرها.

حدثنا الشيخ إبراهيم في مجلسه عن جمال الدين الأفغاني الذي عرج مرة على البحرين قال: لم يكن في تلك الأيام من يعرف لجمال الدين مقامًا ولا من يكترث به، حتى إنه لم يجد في هذا البلد من يضيفه. هذا منذ ثلاثين سنة، أما اليوم فترانا نرحب بالعلم ورجاله. وإن أدباء البحرين يفتخرون بزيارة الأديب اللبناني الذي قال فيه سركيس …

ثم انتقل محدثي من مجلة سركيس إلى مجلتي المقتطف والهلال، فسرني ثناؤه على أصدقائي البعيدين كما سرني ما خصني به؛ لأنه خلو من المبالغة والمجاملة. وما كدت أقول لنفسي: ما أحلاه! حتى جاءت القهوة وجاءت معها كلمة استفهام طيها التأنيب. قال الشيخ إبراهيم وأنا أمد يدي إلى الساقي: وما السبب في تناولك فنجان القهوة في مجلس الشيوخ باليد اليسرى؟ قد انتقدوا عليك ذلك. فقلت وأنا صادق في عذري: إن في اليمنى وجعًا عصبيًّا يضطرني في بعض الأحيان إلى استعمال اليسرى. فقال فضيلة الشيخ: عذر مقبول وسننشره في البلد دفاعًا عنك. فقلت: وعسى أن يعلن العذر بسرعة إعلان الذنب. فضحك فضيلته ومن في المجلس.

قد يستغرب القارئ اهتمام عالم لمثل هذه الأمور التافهة، ولكنها ليست بتافهة عند العرب، فإنهم على اختلاف طبقاتهم يواظبون على آداب الجلوس في المجالس، وعلى المائدة أو إلى السماط، مواظبة الطبقة العالية من الأوروبيين؛ فترى البدوي في مضربه مثل الأمير في قصره، يحافظ على المقامات ويرعى حقوقها، وعلى العادات والتقاليد ويحسن التمييز في أدق خصائصها.

أما امتناع الشيخ إبراهيم عن مشاركة أدباء البحرين في الحفلة التي أقاموها للأديب اللبناني، فلا أظنه من هذا الباب، فلو كان المقام السبب في الإحجام لما ترأس الحفلة الشيخ محمد حفيد الشيخ عيسى، ولما حضرها غيره من الأسرة الشريفة، إنما الحقيقة هي أن الشبان الذين أقاموا الحفلة أرادوا أن تنحصر بهم فلم يدعوا لها الشيخ. وكنا قد اجتمعنا حلقة حول السماط في دار الشيخ إبراهيم العامرة، كان هو فكرها اللامع، فحدثنا في أحوال البحرين وتاريخها حديثًا فيه لذة وفائدة، ثم شرفني بكلمة تفصح عن وطنية، جلبابها الحكمة وتاجها العلم، أنقلها إلى القارئ مثالًا من نثره وفضله:

حضرة الأستاذ الكريم

دعاني لكتابة هذه السطور، والدواعي جمة، ما يدعو المشتاق لبث أشواق، والرفيق للتحدث مع رفاق. ومجال القول في الشئون الإنسانية واسع، كلٌ يأخذ فيه بحسب أمياله ومقتضى حاله، وأهم ما يتحدث به الإخوان وإن تناءت بينهم الأوطان، وهو ما يتواصون به من رفع شأن أمتهم بين الأمم وتنبيه أذهان خاصتهم إلى مطالب عصرهم. وإذا نظرنا إلى ذلك بعين الاستحسان من وجه عام فلا شك أننا نظرنا إليه بعين الوجوب من وجه خاص على من رزق من الاقتدار على الكتابة حظًّا وافرًا، وتفرغ لها بعد أن خاض البحار والقفار، وفاز بصحبته الكبار والصغار، وحاز مزية الاختيار، وقدر له قبل ذلك أن يعيش في العالمين القديم والحديث، ويرى مظاهر الحياة من الفريقين، فلا ريب أن يكون لكلامه التأثير التام في بني أمته، فعسى ألَّا يحرم أبناء الأمة العربية من أخيهم الأمين ما يقوي نهضتهم من اختباراته الثمينة ونصائحه المفيدة، فالرائد لا يكذب أهله، والفاضل لا يمنع فضله.

من المخلص
إبراهيم بن محمد آل خليفة

الرائد لا يكذب أهله. ما أجملها كلمة من شيخ أدباء البحرين! وقد ردد صداها الشبان نثرًا ونظمًا وأضافوا إليها كلمات فيها من الحماسة والصراحة ما يجدر بالشباب. إني لا أزال أذكر من كلام الشيخ محمد رئيس النادي الأدبي قوله: احمل سلامنا إلى جميع إخواننا الناطقين بالضاد، وبلغهم أننا قد أخذنا على عاتقنا السعي في تحقيق أمنيتنا وهو رفع شأن أمتنا عن طريق العلم … وإننا مستعدون لمصافحة كل من يمد يده إلينا للتعارف والتواد والتعاون والتعاضد.

والشيخ محمد هو ابن الشيخ عبد الله كبير أنجال أمير البحرين، كبيرهم عقلًا ووطنية وعزمًا، فلا يخلو كلامه من إشارة سياسية.

إن بين أدباء تلك الجزيرة العربية الجميلة شابًّا ورد أدبه بوساطة المجلات العربية في الغرب والشرق فاستقى من الموردين، فصفت روحه واشتدت لهجته، هو عبد الله بن علي آل زايد، سلك الكهرباء بين الأدباء، وكأني به يكمل كلام الرئيس في خطبته تلك الليلة إذ قال: قل للغربيين إنك زرت مصر والحجاز واليمن والعراق ونجد والبحرين، فرأيت في هاته الأمصار شعوبًا نفضت عنها غبار الكسل واستعدَّت للعمل، شعوبًا تتوق إلى مصافحتكم وأنتم الأصدقاء وإلى مصادقتكم وأنتم الزملاء، ولكنها لا ترضى بحال من الأحوال أن تكونوا لها بمثابة السادة … قل لهم: إن الشعب العربي هو أستاذكم الأول، ومعلمكم القديم، فلا تقابلوا الإحسان بالإساءة وتجعلوا ثواب إرشاده إطالة استعباده … قوموا لهم بمقام الناصح المحرر، لا الجبار المسيطر. دعوا الزمان الذي كيَّفكم يكيِّفهم والعوامل التي أعدتكم تعدهم.

هذا من عبد الله بن علي نثر فيه صراحة، فيه حقيقة، وقد عم ذلك كله بقصيدة جاء فيها، وهو يصف أهل المشرق:

غنيهم بخيل والمداوي
عليل والأجانب أولياء

نعم، غنيهم بخيل في المشاريع العامة الثقافية والصحية، والمداوي عليل بما في خرجه من عقاقير الخزعبلات والتقاليد السقيمة، فإذا ما أصبح الغني فيما ذكرت كريمًا، والمداوي سليمًا من سموم الخرافات، فتيقن يا أخي عبد الله بن علي بأن الأجانب يصبحون أصدقاء وزملاء.

في البحرين — كما رأيت — نهضة سياسية هي قرينة النهضة الأدبية. أجل، إن في البحرين من ينشدون الوحدة العربية، وفي نادي البحرين من يرفعون النهضتين إلى مستوى الفلسفة العالي، ومستوى الإنسانية الأعلى. فقد سمعت أيضًا تلك الليلة أديبًا من أدباء الفرس، والفرس مهد الفلسفة والحرية الروحية، يذكر الشاعرين الصنوين عمر الخيام وأبي العلاء المعري. قال محمد صالح الخانجي: إني أحب المعري والخيام، وإني شغف بأشعارهما، وقد سرني بنوعٍ خاص ما بلغني من ميلك إليهما وغرامك بأفكارهما … إن البشر لم يزالوا كما كانوا ما سلف من الزمان وكما وصفهم المعري والخيام … إن الأديان الحنيفة روحها واحد، وإنما تختلف الشرائع التي تتضمن أحكام المرافعات وفصل الخصومات … فالأديان بروحها ومغزاها تدعو للاجتماع والاتحاد … الشرقيون كلهم عائلة واحدة … خلاصهم وسعادتهم في أن يسود النظام بينهم والوفاق والتضامن.

مرحى، مرحى.

ها قد أطلعت القارئ بالقرائن والأمثال على بعض ما سمعت في البحرين — ولهذه أسباب تاريخية وطبيعية سيجيء ذكرها — وسأعرض كذلك لأسباب الشكوى والأنين في أصوات الأدب والشعر.

(٣) مهد الحضارة والشراع

قال بعض المؤرخين: إن خليج العجم هو مهد الحضارة، بل مهد الجنس البشري، وأن سكانه الأقدمين؛ أي سكان الجزر فيه، هم أول من رفعوا شراعًا في البحار، واقتحموا أخطار الأسفار، فمارسوا الملاحة وأتقنوا علمها، وكانوا الصلة العاملة بين الشرق والغرب. وقال آخر من أن الفينيقيين هم من هذه الديار العربية؛ فقد جاء في بعض كتابات المصريين القديمة ذكر البُنْط Pount وهم اسم الفينيقيين قبل أن يحتلوا بلاد الشام. «والظاهر أنهم من أصل عربي؛ فقد نقلت التقاليد القديمة أنهم ظعنوا من الديار المجاورة لخليج فارس إلى سواحل البحر المتوسط.»٣
وجاء في التاريخ القديم تأليف رولنسون الإنكليزي الذي يسند كلامه إلى أصح الثقات مثل هيرودوط واسترابون: إن أقدم الدول الآسيوية تأسست عند فم الخليج،٤ فضلًا عن الأثريين الذين يقولون: إن القرنة؛ أي البلدة الكائنة عند ملتقى دجلة والفرات اليوم، هي المكان السعيد العالي الذي سقط منه الأبوان الكريمان — هي جنة عدن، أو كانت. ولا تزال شجرة الخير والشر قائمة فيها — ومثمرة — حتى اليوم.

إن علماء التاريخ وعلماء الآثار إذن متفقون مع الأنبياء، على أنه مهما كان أمر الأساطير ومداها من الحقائق الطبيعية والتاريخية، فمن المعقول أن الفينيقيين، وهم من الشعوب الشرقية السامية ومن رجال البحار الأولين، نشئوا في جوار الخليج أو فيه، وكانت أسفارهم في البداءة بين الهند والشام ومصر، ثم ظعنوا إلى سواحل سوريا وخاضوا البحر المتوسط، فوصلوا إلى قادش وبلاد الغال، وأصبحوا في تلك الأيام الصلة التجارية الوحيدة بين الشرق والغرب الأقصى.

ومما قاله رولنسون أنهم كانوا يسافرون من أرواد ببلوس برًّا إلى الخليج العجمي فيبحرون منه إلى الهند وسيلان، ثم يعودون وهم يحملون الذهب من أوفير،٥ كأنهم بعد ظعنهم غربًا إلى سوريا كانوا يعودون إلى بلاد هي بلادهم، وقد توارثوا علومها مع علم الملاحة بعضهم عن بعض. ولا عجب إذا كان الخليج وجواره منشأ الفينيقيين ومطلع أنوار المدنية الأولى، فإن أبناء هذه الربوع هم الذين مصروا أرض الكلدانيين وشيدوا قصور بابل وآشور.

من المؤرخين من يقول إن الصينيين كذلك نشئوا في جوار الخليج وظعنوا شرقًا إلى البلاد التي هي اليوم بلادهم، ولكننا وإن عدنا مع علماء التاريخ خمسة آلاف سنة فلا يلزم، وموضوعنا البحرين، أن نعود إلى الأساطير قبل ذاك العهد أو بعده. إن في جزيرة البحرين نفسها ما يثبت رأي رولنسون، وهرودوط واسترابون، في أصل الفينيقيين. إن في الجزيرة أثرًا تاريخيًّا لم يكشف بعد كل سره.

ركبنا ذات يوم السيارة وسرنا من المنامة جنوبًا، فمررنا بأرض ظلُّ نخيلها ظليل ومياهها الجارية في القني غزيرة، ثم بخرائب قديمة عربية، ثم بغابات وآكام أفضت بنا إلى أرض تقفر تارة وطورًا تزدهي اخضرارًا، حتى إذا اجتزنا بضعة أميال وصلنا إلى قرية علي، فانكشف أمامنا مشهد غريب؛ خصوصًا وهو في جزيرة صغيرة مجهولة كالبحرين، تلال أو أطلال تظنها لأول وهلة آثار مدينة قديمة، ولكنها آكام هرمية اصطناعية قائمة في سهل فسيح، بل في قفر سبسب بين المنامة والرفاع يدعى المراقيب.

هي مدافن البحرين وقد نبت فيها العوسج والقيصوم، هي مدينة الأموات في كف الزمان، وفيها أحياء كالمدينة متفرقة متعددة، وفي كل حي مئات من القبور. مدينة دارسة لا يعرف لها تاريخ، كأن سكانها خلقوا وماتوا قبل أن يستكشف الإنسان للقراءة سلمًا وللكتابة مسمارًا.

صعدنا إلى رأس أكمة علوها زهاء خمسين قدمًا، ثم نزلنا إلى جهة منها فيها أثر البناء — باب كبير وعضادة ونصف عضادة وعتبة أمست أسكفة تحت الأقدام. دخلنا فإذا نحن في بيت فيه غرفتان بنيتا بالحجارة الضخمة الواحدة فوق الأخرى، ويظهر أن الأموات كانوا يدفنون في هذه الغرف واقفين أو جالسين، أو أن هذه القبور العالية كانت لأمراء الجزيرة وأعيانها. هي تختلف علوًّا، ولكنها لا تنقص عن الثلاثين قدمًا، ولا تزيد على الخمسين. ولكن شكل الغرف والمعابر فيها واحد لا يتغير، وكلها في جوار قرية علي. أما المقبرة الفسيحة الأرجاء، المقبرة العامة على ما أظن، فهي تمتد بعيدًا في جهتي الشرق والجنوب، وفيها ما يزيد على الستة آلاف قبر، يراوح علوها بين الخمس الأقدام والعشر. هي من أكبر مدافن الشرق، ولا يبعد أن تكون أقدمها عهدًا.

ومع ذلك لم يهتم بها علماء الآثار والتاريخ اهتمامهم بغيرها، وقد يكون السبب في ذلك خمول ذكر الجزيرة عند عامة الناس وبعدها عن جادات السياح المألوفة، بيد أن رجلًا إنكليزيًّا اسمه دوران٦ جاء إلى البحرين سنة ١٨٧٩م، وكان أول من فتح مدفنًا من تلك المدافن على ما أعلم وباشر الحفر والتنقيب، فوجد هناك مع عظام الإنسان قطعًا من عظام الخيل، وشقفًا من الفخار، وآنية من العاج، وسجفًا وستائر بالية، وأخشابًا ناخرة من السوس والديدان. إلا أنه لم يذكر أنه عثر على كتابة أو صورة محفورة في تلك القبور.
ثم جاء في سنة ١٨٨٩ سائح إنكليزي آخر هو تيودور بنت٧ وأمعن في التحري والتنقيب، فعثر على آثار صناعية بعث بشيء منها إلى المتحف البريطاني، فدرستها لجنة المتحف وقالت إنها فينيقية الأصل، فأثبتت في ذلك رأي المؤرخ رولنسون الذي مر ذكره، وأثبتت ضمنًا أن هذه القبور قديمة جدًّا؛ لأن هجرة الفينيقيين من هذه الجزيرة إلى البحر المتوسط هو منذ خمسة آلاف سنة، كما يرتئي المؤرخ رولنسون أن هناك دليلًا آخر على قدم عهد هذه المدافن، وهو أن لا أثر فيها، على أهميتها، للكتابة أو للتصوير الرمزي.

إن في التاريخ القديم إشارة أخرى إلى فينيقية البحرين؛ فقد كتب أحد القواد المقدونيين، عندما جاء إلى خليج العجم من قبل الإسكندر مستقصيًا طريق الهند، أنه زار مدينة فينيقية على الساحل الغربي من الخليج، ثم جزيرة تدعى نيرين، وهي على ما يظهر دارين العرب، ولا تزال قربها اليوم إسكلة بحرية تدعى الجبيل. فضلًا عن ذلك أن على شاطئ عمان الشرقي بلدة كبيرة اسمها صور، سكانها عشرة آلاف وأكثرهم نوتيون، لديهم مائة سفينة كبيرة وألفان من السفن الصغيرة تسافر إلى الهند والبصرة وبورت سعيد. وصور هذه من المدن القديمة، وقد كانت في الماضي، مثل صور الشهيرة على البحر المتوسط، محطة تجارية بين الهند وبلاد بابل.

هاك أدلة التاريخ والآثار والديار التي لا تزال عامرة على أن الفينيقيين ظعنوا من خليج العجم، بل من بلاد العرب الشرقية إلى البحر المتوسط. وإذا كان يريب القارئ شيء من ذلك فلا مجال على ما أظن للريب في أحد أمرين: إما أن الفينيقيين من أصل عربي، وهم مثل العرب ساميون، وإما أن العرب من أصل فينيقي. فإذا صحت رواية رولنسون رجحت القضية الأولى، وإذا صحت رواية قائد الإسكندر رجحت الثانية، أما إذا كان لا ريب في الروايتين فمنشأ الفينيقيين ومعاهدهم كلاهما في هذه الجزر، وهذا الساحل العربي من الخليج.

ولا فرق عندي في كل حال إذا كان العرب الأصل أو الفرع، فإذا كانوا الأصل فمرحبًا بالفينيقيين أبنائهم، وإذا كانوا الفرع فمرحبًا بالمتحدرين من الفينيقيين. لست من الذين يتلذذون بتعليل النور، وتحليل روائح البخور، وإن ما أتيقنه هو أن بين الشعبين العربي والفينيقي صلة جوهرية قد لا ترى ولكنها لا تنكر، بل هي تُرى في سنة الوراثة وأدلة الحياة في الحال. إليها إذن أعود بالقارئ.

إن أهل البحرين مثل أهل الكويت، بل مثل كل العرب الساكنين على سواحل الخليج لا يزالون من عشاق اليم وسادة الشراع، بل هم اليوم الملاحون السائدون في الخليج وفي البحر الأحمر، هذا إذا استثنينا السفن البخارية. أجل، إن العرب اليوم مثل الفينيقيين قديمًا قابضون أعلى زمام الملاحة، رافعون فوق ساري الجد علم الشجاعة والإقدام. لا أنهم اكتشفوا من مصادر الرزق والثروة غير نقل البضائع والمتاجرة في الأمصار البعيدة، فقد اعتاضوا عن التنك والزجاج بالخفيف النفيس، بأثمن ما يستخرج من أعماق البحار.

لا أعرف من تاريخ اللؤلؤ غير شيء من حياته الطبيعية، أما اكتشافه وأول من تاجر به من الرجال، وأول من خدع به امرأة، وأول من تحلى به من النساء، فتلك أمور أجهلها. وقد يكون فاتني ما قاله الأثريون والمؤرخون والروائيون في أول من فتح صدفة واستخرج الدرة منها، وأول من صاغها واستغوى الغواني بها. قد جاء في التاريخ القديم ذكر ذهب أوفير ولم يذكر — على حد علمي — لؤلؤ خليج العجم الذي هو مهد الحضارة والشراع، ومهد تلك الصدفة التي يكمن فيها المال والجمال.

إن اللؤلؤ مصدر الثروة في البحرين وأشهر ما اشتهرت به الجزيرة، فقد قدر ما يخرج منها سنويًّا بثلاثين مليون روبية؛ أي مليوني ليرة إنكليزية.٨ وقد أجمع الأخصائيون أن مغاص البحرين هو أكبر مغاص في العالم، مثلما أجمع الصاغة أن لؤلؤ البحرين يفوق صفاءً وحسنًا سائر اللآلئ. ولا بأس، ونحن في الموضوع، من الإلمام بسيرة هذه المخلوقة العزيزة الغالية، وأن ما أورده الآن هو من كتب العلم والخبراء لا من دواوين الشعر والشعراء.

اللؤلؤة بنت المحار، بيتها الصدفة، وبيت الصدفة البحر على الدوام لولا يد الإنسان. أما المحار فعرب البحر الأحمر يقسمونه إلى قسمين: الصدف وهو الكبير الذي يندر اللؤلؤ فيه، والبلبيل؛ أي صغير الصدف منبت اللآلئ. فإذا ما استخرجوا الدرة من البلبيل يرمون بصدفتها ولكنهم يحتفظون بالصدف الكبير فيتجرون به. وقد قيل لي: إن قيمة ما يصدر من الصدف واللؤلؤ من البحر الأحمر لا يتجاوز المليون روبية؛ لأن مغاص اللؤلؤ فيه قليلة صغيرة.

أما قصة الصدفة فهاكها بالإيجاز: هي في يوم الولادة تلقي بيضها الأصفر على وجه الأرض في قعر البحر، وهو مثل حب الخشخاش يتجمع حفنًا فيتلون منه القعر، ثم تنشأ البيضة فتعدو كحبة العدس، فينبت لها عروق خضراء براقة مائلة إلى الازرقاق، تنمو حتى تصير كالأنامل طولًا، وهي دقيقة كالشعر، شديدة كحبل من مسد وترسب عروق الصدفة فتثبت في مكان صلب من القعر، ومنها ما يطفو فيتحرك بحركة البحر ويتفرق بعضها عن بعض، بل يظل يتدحرج حتى يلقى صخرة أو شجرة أو مكانًا صلبًا من القعر تدق أوتادها فيه، تمكن عروقها منه، وهي لا تأخذ بالنمو إلا بعد أن تنتهي من الدوران، وتثبت في المكان، فتفتح إذ ذاك فمها؛ أي صدفتها، للغذاء، وجله من الطين.

كأني بالقارئ يقول: وعدتنا بترجمة اللؤلؤة فجئتنا بقصة المحار. على أني قلت: إن اللؤلؤة بنت المحار، وفي القول من الشعر أكثر ما فيه من العلم، أما الحقيقة العارية الباردة المؤلمة فهي أن اللؤلؤة بنت مرض يصيب المحار، أو بالحري نتيجة خلل يعتري نظام الإفراز فيه، والذي يظنه علماء الحيوان هو أن حبة رمل أو بيضة أو حشرة تدخل مع الغذاء، فتتهيج منها أغشية المحارة فينتج عن ذلك إفراز غير طبيعي يتكون منه كتلة كلسية لماعة هي اللؤلؤة.٩ فإذا جاءت الكتلة هذه متوسطة في اللحم كانت نفيسة، وإذا لامست أو قاربت الصدف كانت رديئة.

وفي سبيل هذه الكتلة الكلسية يفادي الكثيرون من رجال الغوص بصحتهم وبأرواحهم، فأكثرهم يرعفون حينما يرفعون إلى وجه البحر، ومنهم من يصابون بداء الرئة؛ ذلك لأن الغوص يلزمه مع الجرأة والخفة نفس طويل، والنفس إذا طال تعبت الرئتان، وإذا طال تحت الماء جاء فوق الإمساك ضغط تنفجر منه في بعض الناس الشرايين.

أما موسم الغوص فهو «من أول برج الثور إلى أوائل برج الميزان»١٠ كما يقول الشيخ النبهاني١١ الذي يعود إلى الأفلاك مثل كل أعرابي ليحدد الأزمنة. وقد أخبرنا في كتابه أنه «أورد صفة الغوص»، وإن كانت معلومة؛ لأنه اطلع على رحلة ابن بطوطة فرآه يصف مغاص الجواهر بخلاف ما يشاهد في هذا الزمان.

السفن التي تستخدم اليوم للغوص هي على نوعين: السنبوك والجلبوت، أما في الماضي فقد كانت على شتى منها البغلة والبقَّارة وكلها شراعية. وأهل الغوص يعبرون عن مجموع السفن بالخشب، ويسمون ابتداء الموسم الركبة، وانتهاءه القُفَّال، وهم يدعون اللؤلؤ قماشًا والجواهر دانات.

في البحرين يباشر صغار الغاصة العمل قبل ابتداء الموسم، فيجيئون في فصل الشتاء إلى ساحل البحر، ويغوصون في عمق ذراع أو يزيد يلتقطون ما يجدونه من الصدف. وهؤلاء يُسمون «المَجنَّى»، فإذا أبحروا وغابوا يومين أو ثلاثة يسمون «العزاب» لعزوبهم؛ أي بعدهم عن المدينة. وهناك صنف آخر هم «الخانجية»؛ أي الذين يتجهزون لغيبة أسبوعين في الغوص أو ثلاثة أسابيع. ثم يتأهب أهل البحرين للغوص العام إذا مضى النصف الأول من برج الثور، ويقفلون راجعين إذا دخل برج الميزان، فيبيعون ما يغنمون من البحر ويتقاسمون.

لكل من يشتغل في الغوص اسم يعرف به، فيدعى كبير السفينة «ناخوذاه»، والذي يغوص «الغَيص»، والذي يجر حبال الغيص «السَيْب»، والمساعد لهم «الرظيف»، ثم الخادم التلميذ هو «التيَّاب». هؤلاء والبحرية يخرجون في جلبوت مزود بالزاد والماء إلى مكان من أمكنة الغوص المعروفة التي يبعد أبعدها ثلاثين ميلًا عن البر، ويتراوح العمق الذي يغوصون فيه بين ثلاثة أبواع وأربعة عشر باعًا. يسيرون إلى موارد الخطر والثروة وهم يغنون أو يرددون بعض الآيات أنغامًا ساحرة، يسيرون في ظل الشراع مطمئنين، وإذا اشتدت الريح فيجاهدونها في سبيل الدر والحياة — توكلنا على الله … صلِّ على النبي …

ها هم في مكان الغوص، وقد طوي الشراع ورسا الجلبوت. هات الحبال يا سيب. هات الحديد١٢ يا رظيف. هات الديين١٣ يا تياب. وهو ذا الغيص وقد وضع الفطام١٤ في أنفه، والحديد في رجله، والديين في عنقه، ثم يمسك نفسه وقد حجب وجهه بكفيه ويطيح. توكلنا على الله! صوت موجة تتقلقل فتتكون حلقات، فتكبر، فتتفكك، فتتلاشى. راح تحتها الغيص يبغي الجواهر في المحار.
وهو حالما يصل إلى القعر يفتح عينيه وينزع من رجله الحديد أو الحجر فيرفعه السيب بالزَّيْبل١٥ إلى السفينة. ومنهم من يلبس قفازًا من جلد ثم يشرع يمشي على يديه، ورجلاه مرفوعتان والجدا١٦ بين إبهامهما، وهو يلتقط الصدف ويضعها في الزنبيل، فإذا ضاق ذرعه أو امتلأ زنبيله جذب الجدا؛ أي حبل الزنبيل، فيصيح السيب: نَبَر!١٧ بينا هو يسحب الحبل والغيص متمسك به، فإذا صار على وجه الماء نزع الفطام من أنفه وتنفس، ويأخذ السيب الزنبيل فيفرغه في وسط السفينة ويدفعه إليه فيعود إلى الغوص. وهكذا إلى أن ينتهي النهار. وهم يسمون المرة الواحدة من النزول والصعود «تبَّة»، وهي لا تقل عن الدقيقة ولا تزيد على الثلاث الدقائق؛ أي مقدار ما يستطيع أن يستمر الغيص تحت المياه. بعد انتهاء الغوص كل يوم عند الغروب أو قبله يفلقون الصدف ويخرجون ما يجدونه من اللؤلؤ فيها. أما إذا فرغ زادهم أو ماؤهم فيأتون إلى البر ليتزودوا ويعودون إلى العمل حتى انتهاء فصل الصيف.

الناخوذاه هو مدير العمل، فيجمع اللؤلؤ كله ويتولى بيعه، فيأخذ من مجموع قيمته الخمس ويقسم الباقي بين رجاله بعد أن يحسم من قسمة كل واحد قيمة زاده، فيعطي الغيص نصف قيمة الأربعة الأخماس، والرظيف ثلثي الباقي، والسيب الثلث الآخر. أما التياب فليس له غير أكله وفائدة التمرين على الغوص. هؤلاء هم الغاصة؛ أي الذين يستخرجون اللؤلؤ بأنفسهم وعلى حسابهم.

أما الذين يغوصون لحساب غيرهم فهم يستأجرون السفن، ومنهم من يستدين المال. والذي يكري السفن ويقرض المال يأخذ خمسي قيمة اللؤلؤ الذي يجمعونه. وهم؛ أي الغاصة، يتقاسمون الثلاثة أخماس الباقية بحسب القاعدة التي مر ذكرها، أما أولئك الذين يكترون السفن فقط فلا يدفعون غير نصف خمس اللؤلؤ أجرة السفينة، إلا أن الغالب في الطريقتين الأولى؛ أي التي ينال بها صاحب السفن والمال خمسي قيمة اللؤلؤ المجموع.

وهناك تجار اللؤلؤ في البحرين؛ فهم يبيعون ما لديهم منه في الجزيرة إلى تجار أوروبيين وإلى البنيان الذين يجيئونها في الموسم لهذه الغاية. أو إنهم يسافرون به إلى بمباي فيبيعونه هناك. ومن هؤلاء التجار من يسمون «بالطواويش»، وهم الذين يخرجون إلى محل الغوص ويشترون من النواخذة بعض الجواهر، فيدفعون ثمنها إما نقدًا، وإما تمرًا وزادًا. والنواخذة يفضلون الزاد في بعض الأحايين؛ لأنه يكفيهم مئونة الرجوع إلى البر للتموين.

قلت إن من الغواصين من يصابون بداء الرئتين، وأكثرهم حينما يخرجون من الغوص يرعفون، وقلما يهمهم ذلك، فهم لا يخافون إلا من الدَّوْل عدوهم الأكبر. وما هو الدَّوْل؟ عدت إلى الدميري والقزويني فلم أعثر في بحر علومهما على الدول، ولا جاء ذكره عرضًا حتى في الكلام على أعجب المخلوقات. في كل حال إني، وإن ذكرت ما قاله القزويني في الصدف وتكوين الدر، أميل إلى سواه من الثقات؛ وخصوصًا إذا كانوا من هذا الزمان؛ لذلك أفسح للشيخ خليفة بن محمد النبهاني الذي خبر الغوص بنفسه ورأى بأم عينه الدَّوْل، قال — وقاه الله شره:

الدَّوْل حيوان هلامي لا يهتدي في سيره لجهة، وإنما تقذفه الأمواج على وجه البحر. هو بقدر الكف فأصغر، مدور له خيوط طوال نحو ذراع فأطول، كأنه حرير مشتبك. فإذا لامس هذا الحيوان جسم ابن آدم أحرقه حرقًا مبرحًا، وربما أعاب الموضع الذي لامسه، ولو رُفع هذا الحيوان من الماء وأصابته حرارة الشمس مقدار خمس دقائق لذاب وتحلل ماءً ولم يبقَ له أثر …

أهل الغوص يلبسون ثيابًا ضيقة ملامسة للجسم اتقاء شره، ويوجد كذلك نوع آخر يسمى اللوَيْتي، وهو مثل الدول هلامي، ولكنه أحمر اللون، وضرره أخف من ذاك، فإذا لامس الجسم أحرقه بدون تبريح فيرم اللحم فيبقى أثره وألمه نحو ساعتين، أما إذا سخن الجسم الملذوع على النار فالألم يزول منه.١٨

بقي أن أذكر السبب في تفوق لؤلؤ البحرين وهو من عجائب الطبيعة في هذه الجزيرة. قد أجمع العارفون بأن الماء العذب يحسن اللؤلؤ، فاستُنتج من ذلك أن المطر هو سبب ذاك الحسن، وأن الصدف يصعد إلى وجه البحر ليشرب من ماء السماء. غير أن الحقيقة العلمية في التصاق المحار بالصخور قبل نموه تفسد هذا القول، ولو صح أن المطر هو سبب الحسن لكان لؤلؤ جزيرة سيلان، لكثرة الأمطار فيها، أحسن ما في العالم. وقد فاتت هذه الحقيقة القزويني الذي نقل عن البحرانيين كلمة نصفها صحيح ونصفها خطأ. قال: إن صدف الدر لا يوجد إلا في بحر تصب فيه الأنهار العذبة. والحقيقة هي خلاف ذلك؛ فلو قال: إن أحسن صدف الدر … إلخ، لجاء بالصواب.

الماء العذب يحسن الدر، ولكنه إذا صب في البحر فقد صفاته، أما الأنهار فليس منها في البحرين، وإنما هناك ينابيع من المياه العذبة هي من عجائب الطبيعة: ينابيع وسط البحر تحت المياه المالحة، ومنها ما هو قريب من السواحل.

في البحرين نحو خمسة وعشرين نبعًا مشهورًا يبعد بعضها عشرين ميلًا عن البر، ويعلوها البحر من الثلاثة إلى السبعة أبواع. مياه عذبة تحت المياه المالحة تفور من الأرض على الدوام. وتلك التي تقرب من الساحل تظهر ساعة الزجر للعيان فيستقي أهل المحلة منها. على أن البحارنة يغوصون للبعيدة العميقة كأنها اللؤلؤ فيملئون منها القرب بأن يجعلوا القربة أو الإناء فوق الفوارة إلى أن يمتلئ. ومن هذه الينابيع التي يشرب منها أكثر أهل البحرين القريبين من السواحل تشرب كذلك المحار، فتتحسن فيه تلك الكتلة الكلسية البراقة. هي السبب ولا مراء في جمال لؤلؤ الجزيرة ذاك الجمال الممتاز.

وأغرب من كل ذلك أن تلك المياه العذبة تصل إلى سواحل القطيف والأحساء وتجيء البحرين من مرتفعات نجد، من وراء الدهناء، فقد تتبع علماء الجغرافية الذين ساحوا في البلاد مجاري مياهها ومصب أنهرها الغائرة. من المعلوم — مثلًا — أن الرياض تعلو عن البحر ألفًا وثمانمائة قدم، وأن جبال العارض هي فوق الرياض، وهي كلسية تمتص جل ما يتبخر من المياه فيجري تحت الأرض ويصب في وادي حنيفة، بل إن مياه العارض ووادي حنيفة تجتاز الدهناء والنفود فتصل إلى الخليج.

قال المستر هوغارس:١٩ لا شك أن قسمًا من هذه المياه (أي مياه العارض واليمامة) عملًا بتحدر الأرض ترشح تحت ما يعترضها من ظهور الجبال، فتجري خلال الطبقات الحصوية وتظهر على الساحل فتسقي واحات الأحساء والقطيف، وتتكون منها الينابيع العذبة في مياه البحرين.

(٤) البحرين

إن البلاد الواقعة على الساحل العربي الشرقي كله، من البصرة إلى عمان، كانت تدعى في قديم الزمان البحرين، وقد أطلق العرب الاسم عليها لأنها — على ما أظن — على شاطئ البحرين، بحر عمان وبحر فارس، وجعلوا عاصمتها هجر، ثم خص هذا الاسم بقسم منها بين القطر والقطيف وهو الأحساء؛ لأن الطامعين بالسيادة من أمراء العرب تنازعوها فتقاسموها، فاستمرت تتجزأ وتصغر حتى كاد الاسم يمسي بلا مسمى. ولكن الذين نزحوا إلى أقرب الجزر الكبيرة من الساحل الشرقي، أو بالحري هربوا من الجور طالبين الاستقلال والاطمئنان احتفظوا بالاسم فأطلقوه عليها.

كانت قبلئذ تدعى أوال، ذكرها ياقوت في معجم البلدان قال: إنها جزيرة يحيط بها البحر في ناحية البحرين. وأوال صنم لبكر بن وائل وأخيه تغلب، فسميت الجزيرة باسمه؛ لأن بني وائل مع عبد قيس كانوا يسكنونها في ذلك الزمان.

وموضوعي الآن الجزيرة نفسها الحاملة اسم تلك المقاطعة التي تكبرها مائة ضعف. هي جزيرة صغيرة ومع ذلك كبيرة. صغيرة في مساحتها التي لا تتجاوز الأربعمائة والخمسين ميلًا مربعًا، كبيرة في غرائب تاريخها الطبيعي والسياسي. وهي على صغرها عامرة بمائتي ألف من العرب والأعاجم من الشرق والغرب. بيد أنها لا تزال عربية الأصل والحكم، عربية اللغة والروح؛ لأن أكثر سكانها من العرب الأصليين، عرب نجد، وفيهم من المذاهب الإسلامية المالكي والشافعي والحنبلي والحنفي والجعفري. أما الجعفريون فهم مثل الهنود يعدون من الأجانب؛ لأنهم إيرانيون أو إيرانيو التبعة.

ليس بين مسقط والبصرة أجمل من مركز هذه الجزيرة، وليس أصلح منه للتجارة أو للحرب، فهي تتوسط الخليج في زاوية حصينة منه، كأنها بارجة راسية في جون متسع بين قطر والقطيف، أو كأنها باخرة دنت من الساحل الذهبي المحيط بها ترفع علم السلم والتجارة، بل كأنها، وهي عند مهد اللؤلؤ، جوهرة كبيرة في جيب الخليج، فلا عجب إذا تسابق إليها الفاتحون في قديم الزمان، وتنازعها من الأمم ذوات الصولة والعرفان. وهي لا تزال محط رحال التجار يجيئونها من الهند وفارس، ومحط رحال الطامعين بالسيادة على خليج العجم.

إن البحرين لمثل مدينة كبيرة في ازدحام سكانها، ولولا موارد الثروة من اللؤلؤ فيها، ولو لم يكن مجال التجارة فيها متسعًا، لانتزح عنها نصف سكانها؛ إذ قلما تجد في العالم خارج المدن بقعة من الأرض معدل سكانها أربعمائة وخمسون نفسًا في كل ميل مربع. قابل بين البحرين ونجد — مثلًا — فيظهر لك فارق بعيد بين الاثنين. في مملكة ابن سعود اليوم مليونان ونصف مليون من العرب على الأكثر يعيشون في أرض مساحتها أربعمائة ألف ميل مربع في الأقل، فيكون معدل سكان الميل الواحد المربع ستة أنفس لا غير، ولكن نصف هؤلاء من البدو؛ أي الرعاة وأصحاب المواشي، ونصف أرضهم من الرمال والمفاوز التي لا ماء فيها ولا كلأ. فالميل المربع قليل على أعرابي واحد مع عياله وأنعامه، كما أن الميل المربع في البحرين، على كثرة مياهها وخصب تربتها، قليل جدًّا على أربعمائة وخمسين من عباد الله لولا اللؤلؤ — كما قلت — ولولا أسواق نجد والحسا.

جاء في التاريخ أن هذه الجزيرة كانت عامرة بالسكان في قديم الزمان؛ فقد كان فيها ثلاثون مدينة ومعها ثلاثمائة من القرى، ولكنها، وهي دائمًا مطمح الفاتحين والمستعمرين، ابتليت بما يتقدمهم ويرافقهم ويتبعهم من الفتن والحروب، فتداعى قسم من عمرانها واضمحل، ولم يبقَ فيها اليوم سوى ثماني مدن وبعض القرى التابعة لها، أما سكانها الذين لا يغوصون ولا يركبون لرزقهم البحار، فهم يزرعون الأرض، والذين لا يزرعون يتاجرون.

أكبر مدن البحرين المنامة٢٠ وهي على الطرف الشمالي الشرقي من الجزيرة الكبيرة، عدد سكانها أربعون ألفًا من العرب والإيرانيين والهنود والأوروبيين، وفيهم المسلم والمسيحي واليهودي والفارسي والهندوسي، هي الميناء العام للبحرين ومركز أحد قسمي حكومتها المزدوجة، القسم البريطاني؛ ومحور التجارة، فيها بيت البريد والبرق والمحجر الصحي، ومرفأ ومخازن كبيرة للجمرك أمر ببنائها الشيخ عيسى آل خليفة. وفيها أيضًا «قلعة الديوان» التي بناها أحد ملوك فارس، وكثير من البيوت الفخمة الهندسة والبناء، إلا أن أرضها سبخة يفسد منها الهواء فتكثر فيها الحميات. وعلى مسافة نصف ساعة من المنامة غربًا بجنوب أثر تاريخي قائم في ساحة تدعى سوق الخميس؛ لأن هناك تقام كل أسبوع سوق للبيع والشراء. ذاك الأثر التاريخي هو من عهد عمر بن عبد العزيز الأموي، وهو بقية مسجد قديم ومنارتين متقابلتين طول الواحدة نحو خمسين ذراعًا. وهناك بالقرب منه عين تسمى أبا زيدان وفي جوارها ما هو أهم من الآثار القديمة؛ أي أثر ينابيع من البترول.

إذا سرنا شرقًا بجنوب من هذا المكان واجتزنا المراقيب، حيث مدافن البحرين القديمة التي مر ذكرها، نصل بعد ساعة إلى الرفاع، مدينة الأمراء السابقين من آل خليفة، وفيها بقية قلعة قديمة تبدو في أساس القلعة الجديدة التي شيدها الشيخ سليمان بن أحمد. وحول الرفاع رياض مشهورة؛ أهمها الصُّخير تكثر فيها العيون والآبار والنخيل، وتقع على ربوة إلى جانب الرفاع الغربي أسسها الشيخ حمد الحاكم الحالي، وهي لطيفة الهواء، عذبة الماء، فسيحة الفناء. الصُّخير هي حمى الشيخ حمد، وحمى الصحة والسكينة.

من الصخير نشرف على جبل الدخان، ولا دخان فيه اليوم، لا لبركان ولا لإنسان. هو جبل مستطيل: فيه غار كبير، داخله بيت بقبقباب منحوتة كأنه من بناء الإنسان، وفي رأس الجبل برج قديم متهدم. وإذا استمر السائح شرقًا من الرفاع يصل إلى سترة، أو كما يقول البحارنة: «حالة سترة». هم يسمون «حالة» كل قرية يحيط بها الماء فيجعلها شبه جزيرة، وهي مقيظ الشيخ خالد أخي الشيخ حمد بن عيسى، وفيها وفي القرى التابعة لها عيون كثيرة ونخيل وبساتين.

هذه من المدن والقرى في الجهة الشرقية. أما في الغربية فالبديع قبالة الرفاع وعلى ساعتين من المنامة هي مسكن الدواسر وغيرهم من العرب الأشاوس، ومن قراها قرية جَوْ، نزلها في قديم الزمان أحد مشايخ العرب المشهورين بالهمة والإقدام يدعى الشيخ أحمد رزق، فعمرها وبنى فيها المساجد والبرك الكبيرة لحفظ المياه، فقال أحد المؤرخين فيه: سكن الشيخ رزق بلدة الجو، وبنى قصورًا شامخة إلى الجو. ثم ظعن ونزل الزُّبارة في رأس بر قطر. وكان في نيته أن يفصل هذه البلدة عن قطر بخليج يحفره بينها وبين البر طوله ثلاثون ميلًا، ولكن قومه، وهم من أهل البادية، لم يرضوا بذلك لاحتياجهم إلى المفالي في بر قطر يجعلونها مرعى لأنعامهم.

أما عاصمة البحرين الرسمية العربية؛ أي المدينة التي يسكنها الشيوخ، فهي المحرق الكائنة في جزيرة صغيرة شرقي المنامة على مسافة نصف ساعة منها في الجلبوت. وهي تفضل المنامة بطيب هوائها لبعدها — كما يزعم العرب هناك — عن النخيل، فهم يظنون أن الأوبئة تكمن في ظلاله، والأصح أنها تكمن في المستنقعات التي يسببها نقص أو إهمال في ري النخيل. المحرق مركز النهضة الثقافية اليوم، وفيها المدارس والنادي الأدبي والشبان الغواة بالأدب والعلم. وفي جزيرة المحرق مدينة أخرى اسمها الحد، يسكنها السادة العلويون وبعض آل ابن علي المشهورين في تاريخ البحرين. ويتبع كل من هاتين المدينتين خمس قرى يشرب أهلها من ينابيع البحر العذبة.

إن الماء القراح غزير في البحرين لو أنهم يحفرون له الآبار والقني فيجمعونه في عيون يستقي منها الجميع. أما اليوم فالينابيع كلها هي قرب البحر؛ لذلك يقصدها سكان المدن في الصيف فيقيمون حولها بيوتًا من جريد النخل موقتة يتفننون في بنائها لتقيهم حر الشمس ولا تمنع عنهم الهواء. وقد قيل: إن مياه هذه الجزيرة مهما ردم من آبارها تزيد على ما يلزم أرضها ويحتاج إليه سكانها.

نعم، قد ردم في الماضي كثير من آبارها. والقصة — كما يرويها العارفون من أهل البحرين وبعض المؤرخين — هي أن عبد الملك بن مروان الأموي لما رأى من أهل الجزيرة بطرًا في غناهم وتمردًا على خلفاء بني أمية، أمر بردم العيون ليقل زرعهم وأموالهم فيفتقروا ويخضعوا للأمراء. هو مثال مما دونه التاريخ من أساليب الحماقة في الحكم. وإن من يقارن بينه وبين سياسة الأمويين في الأندلس، وما أوجدوه من أسباب الزراعة هناك، يستغرب جدًّا هذا الأمر ويكاد ينكره. على أني شاهدت في رحلتي ما يثبت أن العرب في أحقادهم وثاراتهم وحروبهم ينكلون مثل هذا التنكيل بأعدائهم وبأنفسهم. قد رأيت عيونًا في نجد كانت سبب الشقاق بين القبائل، فلما استولت عليها قبيلة دمرتها وردمتها لكيلا يشرب منها العدو إذا خرجت بعدئذ من حوزتها. عليَّ وعليهم يا رب!

ومع ذلك فالجزيرة لا تزال غزيرة المياه كثيرة النخيل والبساتين، فيها من أنواع التمر مائة نوع ويزيد. وقد شاهدت في الجزيرة عددًا من دواليب الهواء مجلوبة من الولايات المتحدة، فتضاعفت مياه البساتين التي يكثر فيها أنواع الثمار؛ كالليمون والموز والخوخ والكمثرى والعنب والرمان.

كأني بأهل البحرين، وقد أدركوا الضرر الذي سيلحق بتجارة اللؤلؤ من الاختراع الياباني؛ أي توليد اللؤلؤ بالطريقة الصناعية، بادروا إلى أميركا يستنجدونها بما عندها من أسباب الزراعة والري الحديثة. فإذا كانت اليابان تباري المحارة فتحط من قدرها، فالبحارنة يشمرون عن ساعد الجد ليضاعفوا في الجزيرة مواردها الزراعية.

(٥) البحرين في التاريخ الإسلامي٢١

كانت البحرين؛ أي البلاد التي على الساحل من البصرة إلى عمان، مستعمرة فارسية قبل الإسلام وفي السنين الأولى من البعثة النبوية، ولكن عمالها كانوا غالبًا من أمراء العرب، وكان سكانها من المجوس واليهود والنصارى ومن عرب نجد، وأكثر هؤلاء من عبد قيس ووائل وتميم. وفي السنة الثامنة للهجرة أرسل النبي أحد الصحابة العلاء الحضرمي؛ ليدعو أهل هذه البلاد للإسلام أو للجزية. كان المنذر بن ساوي التميمي يحكمها يومئذ من قبل ملك الفرس، فلم يتردد في الاختيار بين دين التوحيد والوثنية، بل بين حكم قريش وحكم الأعاجم.

جاء العلاء الحضرمي، وقد كان من رجال الصحابة وصاحب كرامات، يدعو المنذر وأهل البحرين للإسلام، ولكنه لم يتمكن من هدايتهم كلهم. قبل المنذر وعربانه الدعوة حبًّا بالجنة ورجاء التخلص من ملوك الفرس، ورفضها الآخرون، فتركهم العلاء في ضلالهم يعمهون بشرط أن يقاسموه غلاتهم من الحب والتمر، فقبلوا بذلك، وعاد الصحابي الحضرمي إلى مكة يحمل إلى النبي بشرى النصر المبين وكثيرًا من الغنائم والأموال.

بيد أن أهل البحرين بعد موت النبي ارتدوا قائلين: لو كان نبيًّا لما مات. فجاءهم العلاء ثانية ومعه جيش من المسلمين، فأدب أهل الردة وقتل كثيرين منهم، ولكنه لم ينتصر كل النصر، فكتب إلى أبي بكر يستمده، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد، وهو يومئذ في اليمامة؛ ليتوجه إلى البحرين ينجد فيها العلاء. جاء خالد فزعًا — كما يقول العرب حتى اليوم — وكان قد فر كثيرون من أهل الردة إلى الجزيرة، وتحصنوا فيها فأمر العلاء رجاله بالزحف عليها.

كان هذا الصحابي — كما قلت — صاحب كرامات مجاب الدعوة، وهاك منها اثنتين: بينما كان رجاله يجتازون مفازة لا ماء فيها خلَّصهم من الموت عطشًا بأن صلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا. فجاءت سحابة كأنها جناح طائر فقعقعت عليهم وأمطرت حتى ملئوا الآنية وسقوا الركائب. ثم جاءوا السواحل فوصلوا إلى الخليج فلم يجدوا سفنًا فيه، وكان المرتدون قد أحرقوها، فصلى العلاء ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجزنا. وأخذ بعنان فرسه وهو يقول: جوزوا باسم الله فمشى ومشى وراءه جيش عدده أربعة آلاف، فلم يبتل لهم قدم ولا خف ولا حافر.٢٢

بعد أن أدَّب العلاء أهل البحرين وردهم إلى الصراط المستقيم حمل على الزبارة في قطر وقتل فيها المكعبر عامل كسرى، ثم عاد إلى البحرين فأمِّر عليها، إجابة لطلب أهلها. ثم خاض عباب الخليج فوصل إلى الشاطئ العجمي ودخل بلاد فارس فاتحًا. وبعد ذلك ولاه الخليفة عمر على البصرة بدلًا من عتبة بن غزوان، وولى على البحرين عثمان بن أبي العاص ثم الربيع بن زياد الحارثي. سافر العلاء صاحب الكرامات والفتوحات إلى البصرة، ولكن الله لم يشأ أن يصل إليها، فاستدعاه إليه في الطريق وهو قريب منها، فلبى العلاء الدعوة، ولا يزال قبره معروفًا هناك.

دالت البحرين للخلفاء الراشدين ثم لبني أمية إلى زمان عبد الملك بن مروان، ذاك الذي أمر بردم عيون الجزيرة ليفقر أهلها فيلينوا للأمراء، ولكن عبد الملك لم يكن من المفلحين: فقد سبقه إلى استثمار الفقر رجل يدعى أبا فديك الخارجي، فاستولى على الجزيرة سنة كاملة، وكانت جنود ابن مروان قادمة إليها فدخلتها منتصرة وقتلت أبا فديك وستة آلاف من رجاله الخوارج، فعادت إذ ذاك السيادة إلى بني أمية في الشاطئين العربي والعجمي من الخليج.

ولكنها لم تخلص من الاغتصابات، ففي سنة ١٠٥ﻫ خرج على العامل الأموي في البحرين مسعود بن أبي زبيبة العبدي، فتغلب عليه ونصب الأشعث بن عبد الله الجارودي مكانه، فحكم الجارودي الجزيرة تسع عشرة سنة، ثم عاد الأمويون الكرة عليها، فتم لهم الاستيلاء الذي لم يدم بعد ذلك طويلًا؛ لأن دولتهم كانت قد بدأت تتقلص وتضمحل، فصار العباسيون يحلون محلهم في البلدان والأمصار، فاحتل عقبة بن سليم البحرين من قبل أبي جعفر المنصور، وظل عمال الخلفاء ببغداد يحكمون في الجزيرة والأحساء حتى سنة ٣٤٩ﻫ عندما استولى عليها رجل يدعى صاحب الزنج٢٣ أحد الأنبياء الكاذبين.

كان صاحب الزنج شويعرًا في بغداد يحوم مستجديًا على مجلس المنتصر بن المتوكل وحول حاشيته، ثم جاء البحرين وهو يدعي أنه من السادة العلويين، فدعا القوم لطاعته فتبعه أناس وخالفه آخرون، فأدى الخلاف إلى التحزب فالقتال، وكان أصحاب البحرين أول من آمنوا به، فرفعوه إلى مقام النبوءة، وجمعوا له الخراج، وقاتلوا من أجله الأعداء، وقد قضى صاحب الزنج فترة في البادية اقتداءً بالأنبياء يستنزل على نفسه الوحي، فأوتي في تلك الأيام — وهو الشاهد على ذلك — آيات من النبوءة ظاهرة، فطفق يسب الخلفاء الراشدين ومعهم عائشة والزبير. كأن النبوءة تبدأ بالمسبات!

قال ابن الأثير وابن خلدون: إن صاحب الزنج كان يرى رأي الخوارج، وقد دعي بهذا الاسم لأنه في بادئ أمره كان يدعو الغلمان من الزنج الذين يسكنون في نواحي البصرة فيعدهم بالعتق في الدنيا وبالجنة في الآخرة، بل كان يستغويهم بشيء من الجنة سلفًا. قيل إنه كان يأمر بالقبض على النساء من ولد الحسن والحسين والعباس ويبيعهن في عسكره بيع الإماء والأمتعة بدرهمين وثلاثة، فيشتري الزنجي عددًا من الشريفات ببضعة دراهم.

لا عجب إذن في تلبيتهم دعوته للجهاد، فطفق يشن الغارات الواحدة تلو الأخرى، وله في أكثرها الغلبة والغنائم. وفي سنة ٢٥٥ﻫ ادعى صاحب الزنج النبوءة وكتب على رايته الآية: إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، وراح وزنوجه يسلبون وينهبون باسم الله. إن الغريب في حكم أولئك العباسيين أن مثل هذا الطاغية يثبت أربع عشرة سنة في طغيانه، فحكم في هجر اليوم وفي البصرة غدًا وتارة في الأحساء وطورًا في البحرين: فارًّا، كارًّا، صائلًا، طائلًا، قبل أن يتمكنوا منه فيقتلوه.

قال أحد المؤرخين، وهم يبالغون في الكلام على حروب صاحب الزنج: إنه قَتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة شخص! ولم يقتل في أكبر مواقع الحرب العظمى هذا العدد أو نصفه من الناس.

كأنه كتب لأهل البحرين مثلما كتب للعباسيين أن لا يدوم السلم والأمن طويلًا في ملكهم السعيد. قُتل صاحب الزنج سنة ٢٧٠ﻫ فتنفست بغداد الصعداء، ثم ظهر في سنة ٢٧٨ﻫ أبو سعيد القرمطي. ويا لهول القرامطة!

جاء أبو سعيد حمدان من خوزستان إلى العراق، فنزل في الكوفة فمرض ذات يوم فساعده رجل يدعى كرميتة لحمرة في عينه (اللفظة نبطية ومعناها حمرة العين)، فلما شفي من مرضه سمي باسم ذلك الرجل، فخفف الاسم بعدئذ فقيل: قرمطة. وكان أبو سعيد قرمطة من الزاهدين المتقشفين ومن تلامذة عبد الله القداح الأهوازي والإسماعيلي الذي أسس في يومه جمعية سرية باطنية من مقاصدها الظاهرة التوفيق بين العرب والعجم والتأليف بين الأديان كلها، أما مقاصدها السرية، السياسية والدينية، فقد ظهرت على يد القرامطة بأفظع مظاهرها.

دعا أبو سعيد وهو في العراق إلى إمام من أهل البيت، قيل إنه محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل إنه محمد بن الحنفية. كان القرامطة بعدئذ يدعون تارة لهذا وطورًا لذاك، وفي كلتا الدعوتين فتنة على العباسيين. بل إن حركة القرامطة، أصلًا وفعلًا، هي حركة إيرانية دينية سياسية ضد الخلافة والعرب، وإن ما ارتكبه الخلفاء العباسيون من المظالم وما اعترى ملكهم من الضعف والفساد؛ خصوصًا عهد المعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر — ألقاب مملكة! — كان ينفِّر منهم الناس ويساعد كل من قام عليهم من الأعداء.

لذلك اجتمع على أبي سعيد خلق كثير، وجلهم من البادية؛ لأنه خفف عنهم أثقال العبادة، فاختصر الصلاة وجعلها فرضين صباحًا ومساء، وأعفاهم من صوم رمضان، فأحب البدو أبا سعيد وأكبروه وعظموه، وقالوا إنه الإمام المنتظر بعينه. فنشأ مذهبه ينتشر انتشارًا عجيبًا، فأشفقت دار السلام على أربابها منه، فجندت عليه الجنود، فصدها بعربانه وحاربها في أماكن عديدة وهزمها، ثم راح السيف ينشر في البلدان الدنية والقصية ما تأصل في قلوب القرامطة من عقيدة فيها نفي العقائد كلها، فاشتدت حروبهم على الخلفاء، وانتزع زعماؤهم الملك من عمال العباسيين في عمان والحسا والقطيف والبحرين، أما شمالًا فإن جيوشهم اجتازت البادية والحماد فوصلت إلى بعلبك، ومنهم من غزا الحجاز واليمن.

وقد نظم الشاعر ابن مقرب العيوني تاريخهم، فأشار في قصيدته إلى ما كان من أمرهم أولًا ودمارهم آخرًا على يد جدوده. قال:

سل القرامط من شظَّى جماجمهم
فلقًا وغادرهم بعد العلى خدما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم
وأرجفوا الشام بالغارات والحرما
ولم تزل خيلهم تغشى سنابكها
أرض العراق وتغشى تارة أوما٢٤
وحرقوا عبد قيس في منازلهم
وصيروا الغرَّ من ساداتها حمما
وأبطلوا الصلوات الخمس وانتهكوا
شهر الصيام ونصوا٢٥ منهم صنما
وما بنوا مسجدًا لله نعرفه
بل كلما أدركوه قائمًا هدما

وقال المؤرخ الإنكليزي غُبن: إن القرامطة هم من أهم العوامل في سقوط الدولة العباسية. قد استمرت فتنتهم ستين سنة وتزيد، وبلغ القتال بينهم وبين جيوش الخلفاء أشده في السنوات الوسطى منها؛ أي منذ سنة ٢٨٩ﻫ/٩٠٢م إلى أن دخلوا مكة بقيادة زعيمهم أبي طاهر سنة ٣١٧ﻫ/٩٣٠م، فكان في ذلك الفتح ختمة المجد وختمة الفظائع والهول.

دخل أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي إلى مكة بجيوشه راكبين خيلهم، وأعملوا السيف بالحجاج، فقتلوا في المسجد الحرام وفي مكة وشعابها زهاء ثلاثين ألف رجل وألوفًا من النساء، ووقف أبو طاهر عند الكعبة وسيفه بيده وصفَّر لفرسه فبالت هناك، ثم صعد على باب الكعبة وشرع يقول، بينما كان رجاله يرمون رءوس الشهداء في بئر زمزم:

أنا لله ولله أنا
يخلق الخلق وأفنيهم أنا

بعد ذلك أمر بقلع الحجر الأسود من محله فحمله القرامطة إلى الحساء، ولكنهم بعد اثنتين وعشرين سنة أعادوه إلى مكة. أما أن الحجر الذي أعادوه هو ذاك الحجر بعينه فالله أعلم.

دخلَتِ البحرين في حوزة القرامطة عهد المكتفي بن المعتضد، وظلت في حوزتهم إلى أن ضعف أمرهم وبدأت سيادتهم تتلاشى. فقام لقتالهم عندئذ ثلاثة من العرب هم الأمير عبد الله بن علي العيوني في الأحساء، ويحيى بن العياش في القطيف، وأبو البهلول محمد الزجَّاج في البحرين. ثم اقتتل هؤلاء على ما غنموا. وقد كان أبو البهلول ضامنًا لخراج الجزيرة فعصى فيها فجهز عليه القرامطة جيشًا من عرب عبد قيس، فبرز لهم بجيش من البحارنة فكسرهم في أول وقعة وطرد عمالهم من الجزيرة، ثم خطب له فيها بالإمارة فاستقام أمره بضع سنين، ثم ظهر عليه زكريا بن العياش الذي استولى أبوه يحيى على القطيف.

وما عتم أن استولى زكريا على البحرين بعد أن كسر البهلول في وقعة شديدة، فطمع بضم الأحساء أيضًا إلى ملكه، فخرج إليها من القطيف فلاقاه في الطريق أميرها عبد الله بن علي آل إبراهيم العيوني بجيش جرار فكسره في الوقعة الأولى وقتله في الثانية، ثم استولى على القطيف والبحرين؛ وفي ذلك قال شاعرهم ابن مقرب:

وصار ملك ابن عياش وملك أبي الـ
ـبهلول مع ملكنا عقدًا لنا نظما
تم النصر للأمير عبد الله فأسس الإمارة العيونية التي استمر حكمها في البحرين نحو مائتين وخمسين سنة، ثم انتزع العجم الحكم ثانية من العرب، وذلك أن أحد ملوك فارس الزنجيين٢٦ الذين استولوا على المملكة بعد انقراض الدولة السلجوقية، وهو أبو بكر بن سعد الزنجي، حمل على العرب في جزيرة قيس فهزمهم واحتلها، ثم اجتاز بجنوده البحر إلى جزيرة البحرين، فأخذها، واستولى بعدها على الأحساء والقطيف وغيرها من بلدان الخليج. واستمر حكم الزنجيين حتى بعد أن ظهر جنكيزخان فشابه القرامطة بمدة دولته — ستين سنة — وبأهوالها.

وبعد مائة سنة من عهد المغول الأول جادت الليالي، ليالي الدمار والبلاء، بابنها الثاني تيمورلنك، فكمل أعمال جده جنكيزخان الفظيعة، واستولى على البحرين فيما استولى عليه من البلدان قبل دخوله بغداد. ثم خرجت الجزيرة بعد موته من حكم المغول ودخلت في حوزة شعب جاء من الغرب هذه المرة لا من الشرق، شعب ينشد ولا شك التجارة، ولكنه يسعى في طلبها سعي المعمر لا المدمر.

فبينا كان المغول في الشرق حاملين على كل مظهر من مظاهر الحضارة والعمران، يفتحون البلدان ويدمرونها، ويذبحون العباد، ويزرعون الويل والأحزان في كل مكان، بينا كانت هذه الغيمة السوداء الكثيفة مخيمة على الشرق الأدنى، تحجب عنه النور، وتفسد كل ما في الحياة من عوامل النشوء والبر، كان قد راش الفكر البشري في أوروبا فشرع يجول في سماء العلم والبحث والاكتشاف، وكانت الملاحة التي هي يد التجارة اليمنى أول ما انتفع بثمار الفكر والعلم، فراحت ترفع علم الجد والإقدام وراء الأوقيانوس في البلدان القصية.

جاء زمن أبطال البحار، ومن أولئك الكشافين الربان البرتغالي فسكو دي غاما٢٧ الذي أبحر حول «رأس الرجاء الصالح» ومخر عباب الأوقيانوس الهندي، فوصل إلى سواحل تلك البلاد العجيبة الهند، ضالة الأمم الغربية، وكان أول من أسس لدولته مُلكًا في الشرق وجاء بعده زميله ألفونسو دالبو كرْكِه٢٨ فرفع علم دولته في مسقط ودخل المضيق، مضيق هرموز، فاستولى عليه وحصَّنه تحصينًا، وتقدم في الخليج متفقدًا الجزر والأساكل فيه وهو يبغي الوصول إلى البصرة؛ ليفتح طريقًا لمستعمرة بلاده في الهند، وقد حاول سنة ١٥١٣ أن يحتل عدن فلم ينجح، لكنه تقدم في أسطوله في البحر الأحمر واحتل جزيرة كمران قرب الحديدة، ثم استولى البرتقاليون على جزيرة البحرين وعلى القطيف فحصنوهما كما حصنوا هرموز ومسقط، إلا أنهم لم يستولوا على الأحساء؛ لأن العثمانيين كانوا قد سبقوهم إليها، وبسطوا سيادتهم عليها، فعدوها يومئذ جزءًا من اليمن الذي كانوا قد احتلوا بعض نواحيه.

كان خليج العجم في قديم الزمان كما هو اليوم مفتاح الطريق للتجارة بين الشرق والغرب، ولا تطمئن دولة غربية في الهند ولا يستقر أمرها إذا لم تكن هي القابضة بيدها على هذا المفتاح. أما إن الخليج أسهل وأصلح الطرق لتجارة الهند فغني عن البيان؛ هو أقل أخطارًا من البحر الهندي، وأقرب خطًّا وأسهل؛ لأنه في مأمن من العواصف والرياح، هو حصن إذا شئت وبابه مضيق هرموز حيث تكاد بلاد إيران تتصل ببلاد العرب. فضلًا عما في هذه الطريق من البلدان العامرة، فمن سواحل الهند إلى جزائر الخليج إلى البصرة، فبغداد فسوريا فمصر فأوروبا — هي طريق الكنوز.

أدرك ذلك أهل البرتقال قبل أن يدركه الإنكليز، ولكن أبناء الجزر وإن كانوا قد جاءوا إلى الهند بعد مائة سنة من مجيء فسكو دي غاما، فقد تغلبوا على البرتقاليين بعد جهاد طويل مستمر، تخلله الجم من الحيف والتعسف، فأخرجوهم كما أخرجوا الفرنسيس بعدهم من تلك البلاد.

أما حكم البرتقاليين في البحرين فلم يدم أكثر من أربعين سنة، يستدل على ذلك من كتابة على صخر في جزيرة صغيرة غربي المنامة تدعى جَدا٢٩ أخذ البحارنة حجارة منها لتجديد قلعة عجاج التي كان قد شيدها البرتقاليون، وهذه القلعة جددت بعد أن جلا البرتقاليون عن البحرين.
قال المؤرخ: شكا حاكم دلهي، وهي عاصمة الهند، إلى العثمانيين ظلم البرتقال للمسلمين، وطلب منهم المساعدة، فجهز لهم السلطان سليمان القانوني أسطولًا جاء به إلى الهند، فتحاربوا مع البرتقال حتى أخرجوهم منها … ثم جاء الأسطول العثماني إلى مسقط والبحرين، وأخرج من كان فيهما من البرتقال كذلك.٣٠

وقد كانت للإنكليز في إخراجهم نهائيًّا من الهند يد قوية عاملة، عاملة في سبيل شركة الهند الشرقية لا في سبيل العثمانيين.

أما جلاء البرتقاليين عن البحرين فالمؤلف يزيدنا علمًا بذلك. قال: حصل اختلاف شديد بين أمراء جزيرة البحرين وكان أكثرهم من الشيعة، فرفعوا شكواهم إلى الشاه عباس الأول الصفوي وطلبوا منه الحماية لقربه منهم موضعًا ومذهبًا.

فأجاب الشاه عباس طلبتهم وخلصهم من السيادة الغربية، ولكنه بسط عليهم حمايته الشاهانية، فعادت البحرين إلى حوزة من حكموها مرارًا في سالف الزمان والأوان، عادت مستعمرة فارسية كما كانت يوم جاءها الصحابي العلاء الحضرمي يدعو أهلها للإسلام.

ولكن الحكم الفارسي في البحرين، وقد تسرب إليه ما كان قد اعترى الملك في بلاد فارس من الخلل والفساد، تخلله فترات من حكم العرب، حتى إن آخر عامل عربي من عمالهم، وهو الشيخ نصر آل مذكور، استنجد حكومة إيران في حملته على آل خليفة في الزبارة فلم تنجده، وكانت الوقعة بينه وبينهم (سنة ١١٩٧ﻫ/١٧٨٢م) السبب في فراره إلى بوشهر وفي دخولهم إلى البحرين منتصرين.

(٦) آل خليفة

كانت الزبارة٣١ في الماضي من البلدان العربية العامرة، تجارتها الكبرى اللؤلؤ، وسكانها من آل ابن علي والجلاهمة، وهم من عرب العتوب؛ أي بني عتبة، وهؤلاء فصيلة من جمَيْلة، وجميلة فخذ من عنزى. وكان آل خليفة، وهم من أكبر عشائر بني عتبة، يسكنون بأرض الهدَّار من بلدان الأفلاج بنجد، فنزح الشيخ خليفة وأهله إلى الكويت في أواخر القرن الحادي عشر للهجرة. وبعد وفاته هجر ابنه الشيخ محمد الكويت وجاء بأهله إلى الزبارة، فنزلوا على أبناء عمهم الجلاهمة وآل ابن علي.

كان الشيخ محمد بن خليفة ورعًا تقيًّا، حصيفًا حكيمًا، جاء من الكويت مغلوبًا على أمره وظاهر قصده شراء اللؤلؤ، جاء يبغي التجارة لا السيادة، فكان حظه من الاثنين وافرًا. أحبه أهل الزبارة لورعه وكرمه وأصالة رأيه، فرغبوا إليه وإلى قومه أن يقيموا بينهم ثم أمَّروه عليهم.

وعندما توفي الشيخ محمد تاجر اللؤلؤ السياسي خلفه ابنه الشيخ خليفة الذي لم يرث من أبيه غير شيء من التقوى مزجه بشيء من الشعر، وقد حج سنة ١١٩٧ﻫ. وتوفي في مكة، فخلفه في الحكم أخوه الشيخ أحمد، وهو يدعى الفاتح — أحمد الفاتح الذي احترب وآخر عامل من عمال الفرس في البحرين؛ أي الشيخ نصر آل مذكور، فغلبه واستولى على الجزيرة.

لما استقر حكم آل خليفة في الزبارة، عاد أهلها إلى الاتجار، فكانوا يقصدون إلى البحرين لشراء اللؤلؤ الذي كانوا يبيعونه في الهند، وكان البحارنة من أهل الشيعة، وهم يومئذ يكرهون أهل السنة ويضمرون لهم العداء. فحدث ذات يوم خلاف بين الفريقين أفضى إلى قتال قتل فيه أحد خدم آل خليفة، فثأر له أهل الزبارة، وحملوا على البحارنة، فاستغاث هؤلاء بحاكمهم الشيخ نصر، فأعد لهم أسطولًا من السفن مجهزة بالجنود وتولى بنفسه القيادة، ولما دنوا من الزبارة خرج عليهم أهلها بالسفن فحاربوهم وكسروهم شر كسرة، فأقلعوا هاربين إلى بوشهر. أما البحرين، فكانت قد خلت من الحامية، فسار إليها الشيخ أحمد بقومه، واستولى عليها سنة ١١٩٧ﻫ/١٧٨٢م، وهي السنة التي توفي فيها أخوه الشاعر الورع في مكة. كانت تجارة اللؤلؤ من عوامل الفتح الأحمدي كما كانت سابقًا من دواعي الفلاح في إمارة أبيه الشيخ محمد علي الزبارة.

أقام الشيخ أحمد عاملًا من قبله على البحرين، وعاد إلى عاصمته في قطر، على أنه لم يستمتع وقومه بثمار النصر غير بضع سنين؛ لأن ابنه الشيخ سلمان الذي خلفه كان خوارًا ضعيف الرأي والإرادة، وكان قد نبغ في تلك الأيام رجل في نجد فراح يكتسح البلدان والأمصار ويستولي على القبال الدانية والقاصية؛ هذا الرجل هو الأمير عبد العزيز آل سعود إمام الوهابية الذي كان قد وصل بجيوشه إلى الأحساء، فخاف عرب الزبارة أن يستولي عليهم، فظعنوا يتقدمهم الشيخ سلمان إلى البحرين.

هربوا من الوهابية القاهرة، من خطر البر، فوقعوا في خطر أدهى وأشد جاءهم من البحر يقوده ويدفعه السيد سلطان حاكم مسقط، وكأن السيد سلطان أدرك اعوجاجًا في حكم البحرين الجديد فجاء يقوِّمه بأسطوله وسيفه، فبادر إليه الشيخ سلمان مواليًا لا معاديًا؛ لأنه لم يرغب بإكراه البحارنة على القتال، وكان قد اطلع — كما يقول المؤرخ — على بعض مكاتباتهم إلى حاكم مسقط يرغبونه في الاستيلاء على بلادهم. هذا من الشيخ سلمان إنصاف في الحكم وعدل في الرعية. الإرادة للشعب! ولكن الصلح الذي عقده والسيد سلطان، والذي بموجبه قدم أحد إخوانه رهينة إلى حاكم مسقط الظافر، لا يعد في عين عنزى وربيعة من شيم الرجال. ولَّى السيد سلطان ابنه السيد سعيدًا على البحرين وعاد بالرهينة والغنائم إلى مسقط.

أما العتوب فعادوا إلى الزبارة بذلهم وهم لا يزالون موكِّلين أمرهم إلى الشيخ سلمان. ولكنهم نهضوا لاسترجاع البحرين بعد أن توفي أخوه الرهينة في مسقط، وشرعوا يفاوضون أمير نجد بذلك؛ طلبوا منه المساعدة فأجاب طلبهم حبًّا وكرامة، ولم يدركوا ما كان قد ظهر وشاع من مقاصد الرجال القومية والدينية، مع أنه كان قد استولى يومئذ على الحرمين.

أبشروا يا عتوب! هذا إبراهيم بن عفَيْصان أحد قواد ابن سعود الأباسل، جاء بجيوشه يسترجع ملككم — يسترجعه يا بني عتبة ليضمه إلى ملك أهل التوحيد وابن سعود، وكذلك كان. دخلت قوات الزبارة ونجد إلى البحرين فضربوا السيد سعيدًا فهزموه وأخرجوه من الجزيرة.

وكان الكلام لابن عفيصان: البحارنة مشركون ولا يصلح المشركين إلا أهل التوحيد، أما آل خليفة فأعفاهم القائد النجدي من الإصلاح؛ فاعلًا أو مفعولًا، وأذن لهم بالرجوع إلى الزبارة، فعادوا ثانية مدحورين مغبونين، وشرعوا يفكرون برفع أمرهم إلى حضرة الإمام في الدرعية علَّه يرسل من قبله من يؤدب ابن عفيصان، أو علَّه في الأقل يأذن لهم بالرجوع إلى البحرين. وبينا هم يفكرون والشيخ سلمان صدرهم يفكر أكثر من الجميع، إذ أقبلت عليهم سرية من سريات الفاتح الكبير فاستولت على الزبارة وأمرت آل خليفة بالسفر إلى نجد، وكان الأمير سعود قد خلف وقتئذ أباه عبد العزيز.

سافر في سنة ١٢٢٤ﻫ ثلاثة من آل خليفة ليقابلوا إمام الوهابية في الدرعية. فلما وصلوا إليها أكرم الأمير سعود وفادتهم ولم يأذن لغير أعيان الزبارة بالرجوع، أما آل خليفة فأنزلهم في القصر ضيوفًا عليه، وأسراء بين يديه.

فلا يستغرب رجوعهم إلى السيد سعيد بن سلطان الرجل الذي أخرجوه من البحرين، يستنجدونه هذه المرة ليخرجوا ابن عفيصان منها، وكان الشيخ عبد الرحمن بن راشد آل فضل رسول أخواله آل خليفة إلى حاكم مسقط، ولكنه، على عزمه ودهائه، لم يظفر من السيد سعيد بغير المال عونًا. أخذ الشيخ عبد الرحمن المال وسافر إلى بلاد فارس، أو بالحري إلى فَرْس المقاطعة الجنوبية، وفيها مستعمرة عربية من عرب النصور، فألف منهم جيشًا — بالمال تقوم الحروب — وأرسل إلى أخواله يخبرهم بذلك ويطلب منهم أن يتأهبوا للهجوم، فجاء آل خليفة برجالهم من الزبارة واتحدوا مع ابن أختهم عبد الرحمن وجنوده فتواقعوا مع جيش ابن عفيصان وكسروه وأخرجوه من الجزيرة. أقلع النجدي هاربًا إلى قطر ونزل هناك على رجل يدعى ارْحَمَة بن جابر الجلاهمة.

بعد أن استولى عبد الرحمن آل فضل على البحرين ونقل آل خليفة إليها، تبعهم قوم من العرب كثيرون، ولما علم الإمام سعود بخروج ابن عفيصان مهزومًا حاول استرجاع الجزيرة من الشيخ عبد الرحمن بوساطة أحد أخواله الأسراء في الدرعية، فأرسل الشيخ عبد الله بن أحمد منهم يصحبه بعض رجاله ليستطلعوا خبر عبد الرحمن ويروا ما إذا كان استولى على البحرين لنفسه أو ليعيد إليها سيادة آل خليفة. هي السذاجة في النوابغ وفيمَن لا يزالون على الفطرة الأولى.

لا نعلم ما أوصى به الإمام سعود رجاله، ولكن المؤرخ يقول: إنهم جاءوا إلى الشيخ عبد الرحمن بالخشن من الكلام — كيف يجرؤ العيال أن يستولوا على البحرين وآباؤهم في قبضة الإمام؟ فقال الشيخ عبد الرحمن: دونكم العيال، فإنهم حاضرون. فتقدم إذ ذاك الشيخ خليفة بن الشيخ سلمان وقال: نحن أخذنا البحرين لأنفسنا ولا حاجة لنا بآبائنا، وقد يئسنا منهم وسمينا بأسمائهم.٣٢
كفَّر الولد الشجاع عن ضعف أبيه فأغضب رجال نجد، فقالوا يهددون الشيخ عبد الرحمن: لو كان يمكن للخف والحافر أن يطآ البحرين لنثرناها حصاة حصاة. فأجابهم قائلًا: لو كان يمكن لقُبَّيت الجابري٣٣ أن يطل على الدرعية لجعلنا عاليها أسفلها.

ولكن الأقدار بعثت على الدرعية بغير «قبيت الجابري» ليهدمها؛ ففي تلك السنة أو بعدها بقليل جاء إبراهيم باشا المصري يحارب أهل نجد، فشغل الإمام ابن سعود عن الأجزاء الصغيرة، مثل قطر والبحرين في ملكه المترامي الأطراف، فأطلق سراح بني خليفة وتركهم وشأنهم، فعادوا إلى الجزيرة يتولون فيها زمام الأحكام.

لم يصفُ لهم الجو مع ذلك؛ لأن قطر قريبة من البحرين، وفي قطر أرحمة، وعنده ابن عفيصان. وكان أرحمة بن جابر الجلاهمة عزيزًا في قومه جبارًا عنيدًا، فلم يدن لآل خليفة، بل كان يباريهم في السيادة ويسعى في انتزاع الإمارة من أيديهم، ثم جاء ابن عفيصان يزيده غلًّا ونفورًا، فوُحدت النزعتان والثأران، وكان يُنتظر من رجلَي قطر مباشرة القتال، ولكن آل خليفة عندما استقر أمرهم في البحرين، جهزوا أسطولًا من السفن الشراعية وأبحروا إلى قطر. توكلنا على الله! نحرقها إن شاء الله! وكان أرحمة وابن عفيصان قد علما بذلك فتأهبا للحرب. توكلنا على الله! هي لنا إن شاء الله!

خيم الليل فأوقف الخليفيون سفنهم أمام المكان المقيم فيه أرحمة وابن عفيصان وهو يدعى الخوَير. وكان أرحمة ملاحًا ماهرًا وقائدًا خبيرًا فلم تسره مناورة أسطول العدو إذ رأى أنواره — تعبئة هذه السفن يا إبراهيم تنبئ بوجود الشيخ عبد الله بن أحمد فيها. فقال إبراهيم متهكمًا: والشيخ عبد الله من المحبوسين في الدرعية. هات الدليل على نبوءتك يا أرحمة.

– تعبئتها تعبة قائد خبير، ولا يمكن أن يكون غير الشيخ عبد الله. ثم استدعى زورقًا وأشعل فيه سراجًا، وأمر أحد رجاله أن يقف به وراء السفن، فلما رأى قائد الأسطول ذلك خشي أن يكون النور نور سفن أرحمة، فأمر سفنه أن تقف وراءه دفعًا لهجوم يجعله محصورًا بين العدو والبلد، فلما رأى أرحمة ذلك تيقن أن الشيخ عبد الله قائد الأسطول، وأعجب بدهائه وبمقدرته الحربية.

– لا تسرني هذه الحركة يا إبراهيم. هيا بنا إلى البحر.

خرجوا بالسفن إلى البحر، وعند انبلاج الفجر تقابل الفريقان فأدرك أرحمة أن من الحزم ألا يقاتل القوم؛ لأن قوته لم تكن كافية، فاغتاظ ابن عفيصان عندما قال له ذلك وظنها جبانة منه، فأوعز إلى أحد رجاله أن «يحورب»:٣٤
لا خير في رجل يجر جريرته
وإذا تضايق دربه خلاها٣٥

فغضب أرحمة واعتزى قائلًا: لا بالله ما نخليها. ثم أمر بنشر الشراع وبرز للقتال.

اشتبكت السفن بعضها ببعض، فتلاطمت الأشرعة، وأنَّت الأخشاب من الصدمات، ولصقت سفينة أرحمة بسفينة راشد بن عبد الله، فجاء أبوه يدعمه بسفينة من الجنب الآخر كيما يمنعه ساعة الخطر الأشد من الفرار، وكأني بأرحمة وقد عاين الشيخ عبد الله يقول لابن عفيصان: أتبغي الدليل على نبوءتي؟ خذه يا إبراهيم.

حمي الوطيس بين الجمعين، فدوَّت البنادق بالرصاص، وأبرقت خلال الدخان السيوف، وسالت الدماء من المراكب فخضَّبت الأمواج، واشتعلت النيران في الخشب والأشرعة، فتطايرت منها الشهب وتساقطت الشظايا الملتهبة — تبغي الدليل على نبوءتي؟ خذه يا ابن عفيصان. راحت القتلى تسابق الرصاص إلى قعر البحر، وفيهم راشد بن الشيخ عبد الله، ثم حجبت النيران والدخان سفينة أرحمة، وقهقهت فوق عرشتها زبد الموج المخضب بدم الأبطال، فنجا سيد الجلاهمة وحليفه ابن عفيصان على لوحة من خشب — هل رأيت حرب العتوب يا إبراهيم؟ ولكن الهول أصمَّ ابراهيم وعقل منه اللسان.

أما أرحمة فلم يكن ممن تسكتهم الهزيمة وتصمتهم الأهوال، لم يوفق في شركته وابن عفيصان إلى مراده، فسافر بعد تلك الوقعة إلى مسقط يخطب ود حاكمها سعيد بن سلطان.

– آل خليفة أعداؤك يا سعيد وأعدائي، كسروك مرة وكسروني، ولست يا سعيد ممن ينامون على الضيم. لا بالله!

وحلف أرحمة بعز العتوب، وحلف سعيد برأس أبيه.

ثم ناصب صاحبُ مسقط الخليفيين العداء؛ وذلك أنه قبض ذات يوم على تجار من البحارنة كانوا يقصدون الهند، وفيهم الشيخ عبد الرحمن آل فضل عدوه الأكبر، فعرجوا على مسقط فاعتقلهم في برج القلعة، وكتب إلى أهل البحرين يطلب منهم الطاعة والخراج، فأجابه الحاكم الشيخ سلمان، وكانت منه حيلة من حيل السياسة والحرب: إننا بغنى عن هؤلاء، وقد نسيناهم وسمينا بأسمائهم.

أما السيد سعيد فكان قد تأهب للحرب، فجاء بأسطوله إلى البحرين بصحبة أرحمة الجلاهمة، فنزلوا في سترة على شاطئ الجزيرة، وأقاموا هناك ثلاثة أيام فلم تظهر طلائع البحارنة. فتهكم سعيد قائلًا: عتوبك غابوا؛ أي ماتوا! فغضب أرحمة؛ لأنه عتوبي، وعندما ظهرت أعلامهم خلال النخيل في صباح اليوم التالي صاح قائلًا: هم عتوبي ظهروا يا سعيد. توكل على الله.

ولم تكن ساعة بعد التحام الجيشين حتى أسفرت الوقعة عن هزيمة أهل مسقط وفرارهم إلى البحر، فلما رجع السيد سعيد إلى بلاده همَّ بقتل تجار البحرين المعتقلين عنده، ولكن أخته موزة نهته عن ذلك وأنَّبته قائلة: هم في جوارنا وأسرى بيدك؛ فأي فخر في قتلهم. دوِّل على البحرين وخذ بثأر أخيك؛ أي جهز عليها مرة ثانية. وأخوه كان قد قتل في وقعة سِترة.

أثرت في سعيد شهامة أخته موزة ثانية تأثيرًا حسنًا، فعاد إلى البحرين، ولكنه سالم أهلها هذه المرة فعقد معاهدة مع أميرهم الشيخ سلمان الذي سلَّم الجزيرة سابقًا إلى أبي سعيد دون قتال، ومن شروطها أن يدفع أهل البحرين قسمًا من الخراج إلى حاكم مسقط، فيطلق سراح المعتقلين عنده.

وبعد وفاة الشيخ سلمان الرجل المسالم تولى الحكم أخوه الشيخ عبد الله، وهو الحاكم الثالث من آل خليفة في البحرين. وكان أرحمة لا يزال حيًّا يرزق وخصمًا لا يموت إلا قتالًا، لكن الزمان والكروب أوهت منه العظم وذهبت بالبصر. أما القلب الذي تعشق الأخطار في سبيل المجد فلم يعترِه وهيٌ أو نصب، ولم يخمد فيه ذاك النور الذي لا يرى شرفًا في غير الشجاعة والثبات. قام أرحمة ومعه بعض قومه يعيد الكرة على البحرين، أرحمة وحده هذه المرة لا حليف ولا شريك له، فدخل القطيف راكبًا سفينته المشهورة «غطروشة» فجرَّد عليه الشيخ عبد الله السفن، وقد شحنها بالرجال وخرج يقودها بنفسه.

أحاطوا بأرحمة البطل الضرير في ميناء القطيف، فأمر بنشر الشراع وطلب ميدانًا متسعًا للقتال، فأجيب إلى طلبه. أفسحوا لغطروشة فخرجت إلى عرض البحر، ثم انقضوا عليها من كل جانب. وكان أرحمة وهو جالس عند خزانة السفينة ومعه ابن له صغير إلى جنبه وعبده طرَّار واقف فوق رأسه يسأل عن السفن الهاجمة عليه، وعن قوادها فيخبرونه فيقول: هذا لا يجرؤ على مقابلتنا … هذه لا تلحقنا. ثم يصدر الأوامر للنوتية بينما رجاله يبادلون العدو إطلاق الرصاص. وعندما دنت سفينة الشيخ أحمد بن سلمان من «غطروشة» أخبروه بها فقال: هذا يطابقنا لا محالة؛ لأن جنبه لا يلامس ناعمات الأبدان؛ أي إنه لم يتزوج.

بعد قتال بالرصاص شديد تلاصقت السفينتان، فتجالد الفريقان، واشتد الضرب بينهما والطعان، بينما أرحمة الضرير يحارب بلسانه وجنانه، فيحرض رجاله، ويصدر أوامره، ويسأل تارة ابنه، وطورًا يستخبر عبده طرارًا.

– أين صاروا يا ولَيْد؟

– عند الدقل.٣٦

– جنِّبوا. جنِّبوا … والآن أين صاروا؟

– صعدوا النَّيْم.٣٧

سكت أرحمة سكوته الأبدي، إذ قرن كلمته الأخيرة بالعمل، فأخذ ابنه ووضعه في حجره، وعمد إلى نار فألقاها في ذخيرة البارود التي كانت تحته؛ «بيدي لا بيد عمرو»، فدوى دوي غرقت فيه أصوات البنادق كلها، وضحك الزبد المخضب بالدماء فوق عرشة الغطروشة.

تسمى هذه الوقعة في تاريخ البحرين: «ذبحة أرحمة الجلاهمة». قل: هي مجده وتخليده. رحم الله كل من مات بطلًا في ساحة الوغى.

كان لأرحمة ابن آخر اسمه بشر، حاول الأخذ بثأر أبيه فراح إلى صاحب مسقط السيد سعيد يستنجده على آل خليفة. وبما أنهم كانوا قد امتنعوا عن دفع الخراج جاء سعيد، إكرامًا لبشر بن أرحمة، يعلمهم حفظ العهود، فخرج له الشيخ عبد الله بجيشه وكسره في أول وقعة وقتل من رجاله ثلاثة آلاف.

عجايب يا بني عتبة عجايب
ثلاثة آلاف ما فيهم شايب
وقد حارب في هذه الوقعة مع آل خليفة مزيد بن هذال وبعض قومه العمارات.٣٨

أخذت نشوة النصر مأخذًا من الشيخ عبد الله فحببت إليه الفتح والاستعمار، وكان قد تجدد بينه وبين أمير نجد الخلاف فجهز جيشًا بحريًّا وسار به إلى دارين ففتحها، ثم إلى تاروت فاستولى عليها، ثم إلى سيهات في القطيف فحاصرها، فجاءت جيوش نجد توقفه في فتوحاته، وقامت تساعدهم الفتنة في بيته، بل أفقدته تلك الفتنة ما كان قد استولى عليه في القطيف.

إن السبب في مثل هذه الفتن المألوفة في بيوت أمراء العرب هو غالبًا تعدد الزوجات الذي ينشأ عنه ضغائن بين الأشقاء، ومنافسات بين الأمهات؛ خصوصًا إذا كن من قبائل مختلفة.

كان للشيخ عبد الله عشرة أولاد؛ منهم ثلاثة أمهم من آل بني علي — العشيرة التي مر ذكرها في الكلام على أهل الزبارة — فخرجوا على أبيهم يطالبون بالإمارة وقصدوا إلى الحوَيلة٣٩ يستنجدون أخوالهم فيها، فأرسل الأب عليهم جيشًا بقيادة حفيد أخيه الشيخ محمد بن خليفة بن سلمان، فهاجمهم في الحويلة وهزمهم في الوقعة الأولى، فتابوا وقالوا لأبيهم: إننا من الطائعين، فعفا عنهم وأذن لهم بالرجوع إلى البحرين.

ولكن روح الفتنة التي خرجت منهم حلت بالرجل الذي حمل عليهم باسم أبيهم، وظهرت قرونها بعد ثماني سنوات من وقعة الحوَيلة؛ ذلك أن الشيخ محمد، حفيد الرجل المسالم الشيخ سلمان، قام على الشيخ عبد الله كأن يتقاضاه أجرة تأديب أولاده، فحاصره في المحرق. وكان ابنا أخيه سلمان، الساكنان يومئذ في الرفاع، يميلان إلى عمهما وهو يثق بهما، فاستنصرهما على ابن أخيهما الثائر عليه، وجهز لكل منهما جيشًا كبيرًا، فاحتربوا في وقعتين فاندحر في الثانية الشيخ محمد بن خليفة، وبعد أن وكل أخاه الشيخ عليًّا بأن يرعى الفتنة سرًّا راح يستنجد الأعداء على الأقرباء.

سافر أولًا إلى نجد فصده أميرها، فعاد إلى قطر وأرسل إلى آل إبراهيم الذين كانوا يومئذ في جزيرة قيس من أعمال فارس يدعوهم لقتال أعدائهم السابقين حكام البحرين، فلبوا الدعوة مسرعين ومعهم الجلاهمة يرأسهم بشر بن أرحمة، وكان الشيخ محمد في قطر والشيخ علي في البحرين يتعاونان في إضرام نار الفتنة وتجهيز الجيوش لها.

أزف يوم القتال، فخرج الشيخ علي بجيش على الشيخ عبد الله فكسره وتقدم إلى الرفاع فاستولى عليها، ثم جاء الشيخ محمد بجيشه فزحف على المنامة ودخلها منتصرًا. وكان الشيخ عبد الله في المحرق فعبر إليها ووقع بينه وبين الثائرين قتال كان عليه وبالًا، فلجأ وبعض رجاله إلى القلعة فتحصنوا فيها، وما كان الحصن حصينًا. فرَّ الشيخ عبد الله من القلعة هاربًا إلى بلاد فارس، ومنها جاء إلى الكويت يستنجد حاكمها فلم ينجده، فسار منها إلى نجد، وكان نصيبه هناك الفشل أيضًا، فسافر بعدئذ إلى مسقط فمرض فيها، ومات بعد أيام حزينًا طريدًا.

حكم الشيخ عبد الله بن أحمد بن محمد بن خليفة في البحرين اثنتين وعشرين سنة، قضى جلَّها في قمع الفتن، وفيما عقم من الحروب، وخلفه محمد الثائر، الشيخ محمد بن خليفة بن سلمان، الذي كان السبب في انقسام آل خليفة إلى حزبين: حزب آل عبد الله، وحزب آل سلمان. وهذا الشقاق بما نشأ عنه من الفتن والحروب أدى إلى تدخل الإنكليز، فتح الثلمة التي يتعشقها «سفين» السياسة. سأقص قصة الإنكليز في حينها ومكانها.

أما الآن فالحلقة التي نحن فيها من هذا التاريخ تتعلق بالشيخ محمد بن خليفة آل سلمان. وقد علم القارئ مما تقدم من سيرته أنه كان شجاعًا عزومًا مقدامًا، ولكنه لم يعلم بأنه كان ذا بداهة عجيبة تدنو من الرؤيا فتمكنه من تفسير الأحلام، والتنبؤ بما تخبئه الأيام. أما في السياسة فقد كانت الحرباء مثاله الأعلى، ولا غرو، فالدولة العثمانية كانت قد بدأت ترمق الكويت والأحساء والبحرين بنظر الأم الرءوم، وكانت الدولة الإيرانية لا تزال تحلم برجوع ابنتها الضالة فترأم حبل سيادتها في الخليج، وكان الإنكليز — بعد أن ثبتت قدمهم في بوشهر — يسيرون في المضيق بين الدولتين إلى مقاصدهم الكريمة. فهل يلام الشيخ محمد إذا قام بينهم كالبهلول يدهشهم تارة، وطورًا يضحكهم، ولا يرضي باطنًا أحدًا منهم؟ قيل: إنه كان ينشر في القلعة علمين؛ علمًا عثمانيًّا فوق البرج الغربي منها وعلمًا إيرانيًّا فوق البرج الشرقي، حتى إذا حاولت إحدى الدولتين التحكم بأموره ادعى النسبة إلى الأخرى. ولكن الإنكليز أدركوا سر هذه السياسة، وعلموا أن في العرب أنفسهم من لا يسره نجاحها.

تولى الشيخ محمد الحكم سنة ١٢٥٨ﻫ/١٨٤٢م، فحكم مطمئن البال ست سنوات لم يخرج عليه أثناءها أحد من أعدائه، لكن يظهر أن أبناء سلفه الشيخ عبد الله الذين هربوا بعد سقوط أبيهم إلى الدمام في القطيف كانوا يتأهبون لذلك؛ فقد كان في القطيف يومئذ آل ابن علي وزعيمهم عيسى بن طريف الطامع بملك البحرين، فاتحد وآل عبد الله وجاءوا إلى قطر يشهرون الحرب على الشيخ محمد، فبعث أخاه عليًّا على رأس جيش كبير نازلهم في أم سوية فقُتل في الوقعة عيسى بن طريف، وقفل الشيخ مبارك بن عبد الله وإخوانه هاربين إلى الدمَّام … «يلزمنا يا أولاد بويي حليف آخر … دونك يا مبارك وابن سعود.»

وكان أمير نجد يومئذ فيصل بن تركي الذي نهض للحرب يسترجع ملك أجداده، فأجاب طلبتهم بأن بعث يمدهم بجيش في البحر وسار يقود بنفسه جيشًا بريًّا، وعندما أبحر آل عبد الله وأنصارهم إلى البحرين كان الشيخ محمد قد حشد الجيوش برًّا وبحرًا لمقاومتهم، فغلبهم ثانية في وقعة بحرية قتل فيها الشيخ مبارك وابن عدو آل خليفة الألد بشر بن أرحمة، ثم حاول آل عبد الله ثالثة أن يأخذوا بثأر أبيهم فلم يفلحوا، فبعد أن حاصرهم الشيخ علي أخو الشيخ محمد في الدمام أحد عشر شهرًا وأضعف شوكتهم، لجأ إلى ابن سعود ليكون هذه المرة وساطة الصلح بينهم وبين ابن عمهم، فقام الأمير فيصل بهذه المهمة المبرورة، وكان من المفلحين، فعاد آل عبد الله إلى البحرين فعفا الشيخ محمد عنهم وأكرمهم غاية الإكرام.

ومع ذلك لم يصف الجو للشيخ محمد؛ فلم يكد يخمد نار الفتنة في القطيف حتى اشتعلت في قطر التي كانت يومئذ تابعة للبحرين، فقام أهلها وعلى رأسهم الشيخ قاسم بن ثاني يخلعون نير الطاعة ويهددون آل خليفة بابن سعود.

فأرسل الشيخ محمد أخاه عليًّا ليؤدب العصاة، فوصل الشيخ علي بجيشه إلى الدوحة عاصمة قطر، ودخلها بغتة، فأعمل في أهلها السيف ثم دمرها تدميرًا. جاء بعد ذلك الشيخ قاسم إلى البحرين يلتمس العفو فألقاه الشيخ محمد في السجن، فهاجت لذلك قبائل قطر بأسرها، وفي مقدمتهم عرب النعيم، وجاءوا بأسطول من السفن يهاجمون البحرين، فلما وصلوا إليها وجدوا جيشًا في البحر مستعدًّا للقتال، فحدث في مكان اسمه دامسة معركة شديدة، تلاصقت فيها السفن فشبكت بكلاليب الحديد، وتجالد الفريقان فاحمر وجه الماء من دم القتلى، وكان الفوز للبحارنة.

وكانت وقعة دامسة هذه (١٢٨٤ﻫ/١٨٦٧م) السبب في تدخل الإنكليز بشئون البحرين.

لست ممن يشكُّون في أن الإنكليز يبغون السلم ويسعون في توطيد الأمن في الخليج العجمي، بل هم يبغون السلم ويسعون في توطيده في كل مكان يتخذونه طريقًا لتجارتهم وسبيلًا لتأييد سياستهم في الهند. وقد بان للقارئ فيما سردته من تاريخ البحرين أن الخليج — وهو أهم هذه الطرق — كان دائمًا مسرحًا للفتن والحروب التي يسببها حب السيادة والاستعمار. جاء الإنكليز بعد أهل البرتقال وقصدهم الاستيلاء عليه، والمحافظة فيه على الأمن والسلامة، فبسطوا شيئًا من سيادتهم ونفوذهم على بعض الجزر والأساكل على الساحل العجمي؛ منها بوشهر التي هي اليوم٤٠ مركز الحاكم العام.

وراحوا ينشدون الأمن والسلام — والسيادة طبعًا — في الجهة العربية منه. نريد الخليج طريقًا آمنة للتجارة أيام السلم، ونريده أيام الحرب وهو مفتاح الهند بيدنا وحدنا. إنما هذه هي غاية الإنكليز الأولى والأخيرة، ولا ريب بذلك. أما الوسائل التي اتخذوها لتحقيق هذه الغاية، والسياسة التي انتهجوها لتعزيز سيادتهم في الخليج، فتلك قصة أخرى لا أحرم القارئ طرفًا منها.

قلت إن الشيخ محمد بن خليفة كان شاذًّا في بداهته إلى درجة تصبح البداهة فيها ضربًا من الرؤيا، ولكنه لم يرَ شيئًا — وا أسفاه — مما كنَّته الأقدار في تقرب الإنكليز منه، جاءه الوكيل السياسي من بوشهر يخطب وده ويدعوه لعقد معاهدة تضمن له سلامة بلاده ومساعدة بريطانيا،٤١ فمن يرفض هاتين النعمتين؟ وكان الشيخ محمد كما أوضحت محاطًا دائمًا بالأعداء من القبائل ومن آل بيته، تزعزع حكمه الفتن والحروب، فرأى الحكمة والمصلحة في عقد المعاهدة، وإن كان من شروطها أن يتنازل حاكم البحرين عن حقوقه في تجهيز الجنود البحرية والسفن الحربية، فقد تعهدت بريطانيا في مقابلة ذلك أن ترد عن البحرين كل غارة بحرية. هذه خلاصة المعاهدة أو الاتفاق.
فلما ثار أهل قطر على حكومة البحرين وجاءوا يهجمون على الجزيرة، خشي الشيخ محمد من استيلائهم عليها بينا هو يفاوض الوكيل السياسي في بوشهر٤٢ وينتظر النجدة منه، فكانت وقعة دامسة وكانت فاتحة المحنة.

ركب الوكيل السياسي مركبًا حربيًّا وجاء يحتج على الشيخ محمد بأنه خرق المعاهدة بينه وبين بريطانيا، ولكن الشيخ محمدًا وكل أخاه عليًّا بالأمر وسافر إلى قطر قبل أن يصل الوكيل إلى البحرين، فعدَّ الوكيل ذلك اعترافًا منه بنكث العهد وفرارًا من التبعة والجزاء، فأمر بإطلاق مدافع البارجة على القلعة التي كانت تزدهي بعلمي تركيا وإيران، ثم طلب من الشيخ علي أن يتولى الحكم بدل أخيه الذي سقطت إمارته بخرقه المعاهدة. قبل الشيخ علي، وكان من قبوله الشقاق بينه وبين أخيه. فقد أشار إلى ذلك ابن أخيه شاعر البحرين الشيخ إبراهيم في القصيدة التي يرثي بها والده، حيث قال:

فنازعك الشقيق وكان قدمًا
حسامك والأمور لها انتزاع
وأغرى الدهر بينكما وهاجت
على الإفساد بينكما الرعاع

كان الشقيقان متحابين يخلص أحدهما للآخر، ولم يبدُ في خلال ثلاثين سنة التي فيها حاربا وأدارا الشئون معًا أقل ميل في علي إلى منازعة محمد الحكم والسيادة. كانا — والحق يقال — مثال الوداد والوفاء حتى مجيء الوكيل السياسي من بوشهر، فكان الأخلق به أن يكتفي بما فرضه على البحرين من المال؛ أي مائة ألف روبية تعويضًا وتأديبًا، ولا يزرع في سياسة البلاد الداخلية تلك البذرة التي تأصلت في البيت المالك ولا تزال تنتج الفتنة والشقاق.

بعد أن تولى الشيخ علي الحكم سافر أخوه الشيخ محمد إلى الكويت فتدخل آل الصباح يصلحون بين الشقيقين، فكتب الحاكم يومئذ الشيخ عبد الله إلى الشيخ علي يسأله أن يرجع الأمر إلى ما كان عليه، فقبل الشيخ علي بذلك. فجاء الشيخ محمد يصحبه حاكم الكويت وأخوه إلى البحرين، ولكنهم علموا قبل أن ينزلوا إلى الجزيرة بأن الشيخ عليًّا عدل عن رأيه وأصر على أمره. ولا شك أن اليد التي كانت تؤيده هي اليد التي أقامته حاكمًا.

لا يحكم الصياد أشباكه
إلا إذا عكر بطن الغدير

عاد الشيخ محمد، الذي لم يُقهر مرة في حياته، إلى ما فيه من قوة ودهاء، فنزل في دارين وشرع يتأهب هناك للقتال، فحشد جيشًا من بني هاجر وأعلن الحرب على أخيه، فخرج له الشيخ علي بجيشه فاقتتلوا قتالًا شديدًا ذُبح فيه الشيخ علي وتفرق جيشه، فعاد الشيخ محمد إلى الحكم الذي ما زالت الفتنة تشتد فيه والمحن تزداد يومًا فيومًا.

كان أبناء الشيخ عبد الله من الذين نصروا الشيخ محمد على أخيه، وهم مسرورون بما حدث بين الأخوين المغتصبين الحكم من أبيهم، ثم بادروا إلى الانتفاع بما أسلفوه من مساعدة فادعوا أنهم كانوا السبب في انتصار الشيخ محمد وقاموا يناهضونه، ثم قبضوا عليه فسجنوه في القلعة التي كان يرفع فوقها العلمين التركي والإيراني. وقد قال لهم الشيخ محمد عندما اعتقلوه، وكان في نبوءته صادقًا: لن يطول حكمكم أكثر من ثلاثة أشهر.

وكان الأمر كذلك، إذ قبل أن يتم الشهر الثالث جاء الوكيل السياسي من بوشهر في مركبه الحربي وتولى أمور البحرين المضطربة، «فاستشار» الأهالي، بعد أن أطلق بضعة مدافع على سراي المنامة، فيمَن يختارون حاكمًا عليهم، فأجمع رأيهم على الشيخ عيسى بن الشيخ علي الذي قتل في الحرب الأخيرة، ثم طَرد من البحرين بني هاجر، وهم أتباع آل عبد الله، وأخرج الشيخ محمد بن خليفة من القلعة فاصطحبه ومحمدًا بن عبد الله في البارجة، فأنزلا في جزيرة ثم نقل محمد بن خليفة من تلك الجزيرة إلى بمباي، ثم إلى عدن، فأقام فيها عدة سنين أسيرًا. بعد ذلك شفع فيه السلطان عبد الحميد إلى الحكومة البريطانية، فأذنت له بالسفر إلى مكة، ولكنه لم ينعم فيها، فقد مات هناك سنة ١٣٠٧ﻫ، كما مات الشيخ عبد الله في مسقط حزينًا طريدًا.

(٧) الشيخ عيسى والإنكليز

عندما قُتل الشيخ علي آل سلمان آل خليفة — كما ذكر في الفصل السابق — سافر ابنه الشاب الشيخ عيسى مع إخوته وبني عمه إلى قطر، فنزلوا على قبيلة النعيم فيها، وعندما استفتى الوكيل السياسي البريطاني أهل البحرين بعدئذ في حاكمها أجمع رأيهم على الشيخ عيسى،٤٣ فكتب إليه الوكيل يخبره بذلك ويسأله أن يعود، فعاد بمن كان معه من عشيرته وقبيلة النعيم ونزلوا في المحرق، ثم نصِّب حاكمًا على البحرين في آخر شعبان سنة ١٢٨٦ﻫ/١٨٧٠م، وهو في الواحد والعشرين من سنه.٤٤ فعاد الحكم إلى آل سلمان، وكانت فيه خاتمة الفتن والحروب الأهلية.

قد انتهجت في كتابة هذه النبذة ما قد يكون الطريقة المثلى في التاريخ، فغربلت الحوادث، واخترت منها الأعم الأهم، وعلقت عليها في بعض المواضع بالإيجاز الذي يوجبه المقام، وأفضت ببعض المواقع تتميمًا للصورة الذهنية، صورة الزمان والمكان والأحوال، واجتنبت أولًا وآخرًا الإطراء والإطناب، فوصفت الرجال بما تمليه أعمالهم على المؤرخ.

ولو أني تمشيت على أسلوب التاريخ الذي بين يدي لكان ينبغي لي في الكلام على الشيخ عيسى بن علي أن أقول: إنه «استلم زمام الملك بيد الحزم والتدابير، فدانت له القبائل والعربان، ونشر رايات العدل والأمان، وقمع بسيفه البغاة والعدوان، وشاد بعلمه وحلمه وتقواه ركن الدين، وأظل بأغصان فضله الأرامل والمساكين، فألقى السعد عصا تسياره بقصره، وخصه بين الأنام بنصره … إلخ».

ولكن التاريخ هو غير السجع، يجب أن يكون للتاريخ عينان وعقل ووجدان، ولا بأس إذا كان له شيء من البداهة والتصور. أما القلب فلا حاجة له فيه، ولا يجوز. إن التاريخ الصادق هو شاهد لا قلب له، وهو الآن يشهد ويقول: إن للبارجة البريطانية التي كانت في ثغر البحرين يوم استفتي البحارنة، يدًا قوية في ذلك السعد الذي «ألقى عصا تسياره» في قصر الشيخ عيسى. ويقول أيضًا: إن ملكه الذي استمر خمسًا وخمسين سنة كان أكثر عدلًا وسلمًا وإصلاحًا من ملك من تقدمه من أجداده؛ ولذلك أسباب منها ما يتعلق بشخصه الكريم، ومنها ما يتعلق بالإنكليز، ومنها ما هو ناشئ عن روح الزمان في المدنية والعمران.

كان الشيخ عيسى كريمًا جوادًا، فقد أنعم على القبائل التي كانت معه في قطر بمبالغ جسيمة من الأموال يوم تقلَّد الإمارة، وأعطى في جلسة واحدة أربعين رأسًا من الخيل الأصائل، ووصل بني عمه بالطرف النفيسة والجواهر والبساتين. هي السجية الأولى التي كان يسترسل إليها ويعتمد على ما فيها من قوة البرهان والإقناع، حتى إنه لم يكن ليرى غير الكرم في بعض الأحايين سبيلًا إلى توطيد الحكم وتعزيزه، وقلَّما استبقى من واردات البلاد شيئًا لنفسه، بل كان ينفقها كلها، منذ كانت تعد بالألوف إلى أن صارت تعد بالملايين، على وفود العرب، وأفراد عشيرته، ثم في الإصلاحات العامة.

اعتمد الشيخ عيسى على الكرم، وقلما اعتمد على غيره من مزايا النفس، أريد بذلك أنه لم يكن ليثق كثيرًا بنفسه أو يعتمد عليها، بل كان في جل أموره وكلًا؛ فإذا جرب إنسانًا، ولو تجربة طفيفة، اعتمد عليه ووثق به على الدوام، فيصم أذنه عن كل ما فيه ذكر مساوئه أو الإشارة إليها، وقد نشأ من هذا الضعف خلل في الأحكام وفي جباية الخراج.

أما العدل فقد كان غالبًا معززًا في عهده. والحق يقال: إن الشيخ عيسى نفسه لم يظلم إنسانًا، عرضًا أو عمدًا، في مدة حكم زاد عن نصف قرن؛ فقد كان دائمًا يتحرى العدل والإنصاف، ولكن ذلك لا ينفي ما كان يحدث من المظالم في دوائر أحكام البحرين، وإن سدل عليها أستار من التمويه؛ لأن الرجل — كما قلت — كان وكلًا فلا ينتبه إلا بعد حين إلى أعمال معتمديه.

ولم يكن الشيخ عيسى يميل إلى الجديد والتجدد، بل كان منذ حداثته محافظًا كل المحافظة على القديم، فلا يغير شيئًا مما درج عليه، ولا يرغب بشيء فيه بعض الخروج عن المألوف، وظل كذلك حتى أصابه في آخر أيامه سهم من روح الزمان، وحاقت به سنن الرقي والعمران، فقام يساعد في إنشاء المدارس ويأمر ببناء المحاجر والمرافق العامة في بلاده. وقد وضع أول حجر في أول مدرسة بيده، وخصها براتب شهري بعد أن افتتح جريدة الاكتتاب بمبلغ وافر من المال.

ومن سجاياه الممتازة، فضلًا عن الكرم وحب العدل، أنه كان صادقًا في ولائه وفيًّا؛ فقد أحسن الظن بالسياسة البريطانية؛ لاعتقاده أن بريطانيا لا تريد إلا نشر تجارتها وتعزيزها، ولكنه جهل — كما يجهل الكثيرون حتى من البريطانيين أنفسهم — ما كان منطويًا من مقاصد تلك السياسة،٤٥ فأمن مناوأتها. أجل، إن إخلاص الشيخ عيسى للإنكليز خمسًا وخمسين سنة، للإنكليز الذين ساعدوا في إقامته حاكمًا، ثم أذلوه وامتهنوا حرمة ملكه مرارًا، ثم أسقطوه عن العرش الذي رفعوه إليه. إن إخلاصه لهم، وحسن ظنه بهم، لمن الفضائل التي قلما نجدها في غير العرب من الشعوب الشرقية؛ وما كان ذلك إلا لأنهم ساعدوه في بداءة أمره، ولأنه عاهدهم على أشياء منها الاعتراف بالاتفاق السابق بينهم وبين عمه الشيخ محمد، ذلك الاتفاق الذي قضى على أسطول البحرين وجعل البلاد متكلة على بريطانيا في الدفاع عن نفسها.

ومع ذلك لم يحنث الشيخ عيسى بعهده، ولا عقد اتفاقًا سريًّا مع دولة أخرى من الدول. كتب إليه مدحت باشا عندما كان والي بغداد يعرض عليه مساعدة الدولة بعد اتفاق ودي بينه وبينها، فدفع الكتاب إلى أصدقائه البريطانيين وكتب إلى مدحت يقول: حسبي بريطانيا صديقة وحليفة. وقد فاوضته كذلك الحكومة الألمانية بوساطة معتمدها التجاري في البحرين، فكان جوابه: لا أقدم على بريطانيا أحدًا، ولا أعاون عليها عدوًّا. كثيرًا ما اعترض رجاله على هذه الثقة المطلقة، وفيها التغاضي عن المساوئ، فكان الشيخ يقول: إن بريطانيا أثبت الأمم الأوروبية في المعاهدات، فقد اعترفت باستقلال بلادي وحرية حكومتي ولا أريد أكثر من ذلك.

فهل قام الإنكليز بما توجبه عليهم الصداقة، بل العهود بينهم وبين شيوخ البحرين؟ قد اعترفت إنكلترا باستقلالهم، فهل احترمت هذا الاستقلال؟ سأتخذ من تاريخ البحرين عهد الشيخ عيسى بن علي ثلاث حوادث فيها الجواب على هذا السؤال، وسأرويها بما يجيزه التدقيق من الإيجاز.

أما أول هذه الحوادث فهو ضرب الزبارة سنة ١٣١١ﻫ/١٨٩٣م التي كانت أول ما حكم آل خليفة في قطر عندما جاءوها من الكويت، وبعد أن نُقلوا منها إلى البحرين غدت عشًّا للفتن والثورات؛ ذلك لأن فيها الجلاهمة وآل ابن علي وبني هاجر النازعين دائمًا إلى الفتن طمعًا بالسيادة والحكم. فقاموا سنة ١٣١١ﻫ ينفخون في نار الفتنة فأضرمت في الزبارة ونواحيها، وتأهب الثائرون للهجوم على الخليفيين في البحرين، فرأت الحكومة وجوب إخماد الفتنة، ولم ترَ إلى ذلك وسيلة غير الأسطول الذي كان لا يزال عندها قسم منه، فتشاور الشيوخ وأقروا بذلك، ثم بعثوا يعرضون الأمر على الوكيل السياسي لبريطانيا في بوشهر ويستأذنونه، فحذرهم الوكيل من نقض الاتفاق، فطلبوا منه الدفاع عن البلاد، ذلك الدفاع الذي يوجبه الاتفاق، فتعلل الوكيل أولًا، ثم اشترط في مقابلة الدفاع شروطًا جديدة؛ منها أن يكون لبريطانيا وكالة في البحرين، ويكون للوكالة الحق بالمشارفة على قضايا الرعايا البريطانيين، فماذا يفعل شيوخ آل خليفة في مثل هذا الموقف الحرج؟ ويلهم من الثائرين الزاحفين على بلادهم! وويلهم من البوارج البريطانية الراسية في الخليج إذا هم دافعوا عن البلاد! قبلوا بالشروط الجديدة، فأبحرت إذ ذاك البوارج إلى الزبارة وفرَّقت بقنابلها الثائرين.

والحادثة الثانية حدثت بعد عشر سنين (سنة ١٩٠٣) وهي بنفسها طفيفة، ولكنها خطيرة في نتائجها: خادم ألماني أهان ابن أخي الشيخ عيسى فضربه، فشكاه الخادم إلى رئيسه، فرفع الرئيس الدعوى إلى الوكيل السياسي البريطاني٤٦ وإلى حكومة ألمانيا.

وبعد أيام اتفقت الحكومة المحلية والرئيس الألماني فاعتذرت عما فرط من ابن أخي الحاكم، ودفعت إلى الخادم ثلاثة آلاف روبية. على أن هذه التسوية لم ترضِ — على ما يظهر — الوكيل السياسي في بوشهر، وكان يومئذ السر برسي كوكس، فجاء بمراكبه الحربية فرست في مياه البحرين وأنزلت بعض جنودها إلى البر، ثم عرض الوكيل لائحة بما تطلبه الحكومة البريطانية جزاء ضرب الألماني، فنفذت مادة مادة. حُرق ما تبقى من سفن البحرين الحربية، وحكم على ابن أخي الشيخ عيسى بالنفي خمس سنين قضاها في الهند، وأحيل إلى الوكالة البريطانية بالبحرين النظر في دعاوي الأجانب كلها.

أما الحادث الثالث في سياسة الاستيلاء التدريجي فقد حدث في شهر أيار من سنة ١٩٢٣. ولا بد قبل أن أرويه من تمهيد: في البحرين من التجار والعمال النجدي والإيراني، وقد علم القارئ أن الاثنين بموجب الاتفاق الأخير بين حكومة البحرين وحكومة بريطانيا به يعدان من الأجانب، فيجب أن تسمع دعاويهما في دار البليوس؛ أي الوكيل السياسي البريطاني بالمنامة.

وهذا البليوس — ابتغاء حزب له من الإيرانيين — سعى في عزل رئيس بلدية المنامة ونصب مكانه أحد تجارهم محمد شريف خان بَهدور الذي اشتهر بكرهه للعرب، وقد كان لهذا الرئيس صنيعة البليوس نفوذ في الأحكام يدنو من نفوذ الحكومة الوطنية ويتجاوزه في بعض الأحايين. هذا هو التمهيد.

أما الحادث فهو أنه في أوائل أيار من تلك السنة سُرقت ساعة من بيت تاجر نجدي، فاتُّهم بالسرقة رجل فارسي، فقام بعض أهل بلاده يدافعون عنه، فأدى ذلك إلى اختلاف بينهم وبين النجديين، فتحزب الفريقان واشتعلت في القلوب الأحقاد الكامنة، فأفضى النزاع إلى القتال. وكان محمد شريف رئيس البلدية يغري العجم في هذه الفتنة بقتل العرب.

ولما كان المتقاتلون كلهم من الأجانب فقد اكتفت الحكومة بحفظ الأمن ما استطاعت. ولا أظن مما شاهدته في البحرين يوم كنت هناك أنها كانت تستطيع كثيرًا.

أبرق البليوس خبر الفتنة إلى الوكيل السياسي في بوشهر، فجاء مسرعًا تصحبه بارجتان، وكان أول ما طلبه من الحكومة أن يعتزل الشيخ عيسى الحكم، فأبى الشيخ، فأصر الوكيل، وجمع فريقًا من الناس فأعلن فيهم عزل الشيخ عيسى وتولية ابنه الشيخ حمد مكانه. وهذه البوارج في الثغر نلفت إليها نظر الوطنيين المشاغبين.

ثم تبع العزل والنصب سلسلة من الإجراءات السياسية؛ فقد ألغيت المحاكم الوطنية، وعينت من واردات الجمارك وغيرها، التي تحولت إلى بنك بريطاني في المنامة، رواتب شهرية للشيخ حمد ومن دونه من أفراد الأسرة الحاكمة. وقد تأسس ديوان يدعى مركز الحكومة ليقوم مقام المحاكم الوطنية يحضره الشيخ حمد والبليوس، فينظران معًا في شئون البلاد الداخلية.

هذه هي قصة البحرين والإنكليز عهد الشيخ عيسى بن علي؛ من حكومة مستقلة ذات أسطول حربي، إلى حكومة ولا أسطول، إلى حكومة يراقبها وكيل سياسي بريطاني، إلى حكومة تشارك في إدارة شئونها الداخلية والأجنبية حكومة بريطانيا بوساطة بليوسها ووكيلها في الخليج، إلى … والليالي بالحادثات حبالى!

(٨) النهضة الوطنية

لم يكن للوكيل السياسي في البحرين قبل انقلاب أيار سنة ١٩٢٣ غير حق النظر في قضايا الأجانب، ولكنه كان يتدخل بشئون البلاد على قدر ما تسمح به الأحوال وتمكنه منه السياسة التي تستمد قوتها من مصالح التبعات الأجنبية ومشاكلها، ومن البوارج الراسية في الخليج. وكان هذا التدخل ينعم ويخشن ملمسًا بالنسبة إلى البليوس؛ أي الوكيل، وصفاته الشخصية؛ إذ ليس بين بريطانيا وحكومة البحرين معاهدة مسجلة، بل هناك اتفاقات كما أسلفت، تضمن للإنكليز ما حازوه تدريجًا من نفوذ في البلاد، وتضمن للبلاد حريتها واستقلالها.

سألت عن شكل الحكومة عندما كنت هناك فعلمت أنها ثلاثة أشكال: وطنية وأجنبية ومختلطة. وكان سمو الشيخ عيسى يومئذ يدير الأولى، والبليوس يدير الثانية، ورئيس البلدية العجمي صاحب الكلمة النافذة في الثالثة. وقد أنشأت هذه الحكومة المثلثة الزوايا أربعة أنواع من المحاكم: الأهلية؛ أي الشرعية، وهي التي تنظر وحدها في دعاوي الوطنين. والأجنبية؛ أي دار الوكالة البريطانية، وهي تنظر وحدها في دعاوي الأجانب كلهم. والمختلطة؛ أي التي كان رئيس البلدية يومئذ عضوًا من أعضائها للنظر في الدعاوي بين الوطنيين والأجانب. ثم محكمة الغوص، ولها قانون خاص يتساوى به الأجانب والوطنيون.

ولكن انقلاب أيار ذهب بالشكل والشعار، فعزل الشيخ عيسى — كما قلت — وألغيت المحاكم الوطنية، ثم عزل محمد شريف رئيس البلدية إجابة لطلب ابن سعود. إذ عندما وصلت أخبار الفتنة إلى القصر بالرياض، وعلم السلطان عبد العزيز بما كان لهذا الرجل في إثارتها وإغراء قومه بعرب نجد، طلب من البريطانيين عزله، فعزلوه حالًا. ثم أدغمت المحاكم على أنواعها بالمجلس الذي يشترك في رئاسته الشيخ حمد بن عيسى والبليوس، فأمست الحكومة المثلثة حكومة مزدوجة، وأمسى الحاكم الوطني شريكًا للحاكم البريطاني.

ها قد وصلتُ إلى معظم أو كل الأسباب فيما سمعته من الشكوى والأنين هناك، وأشرت إليه في مطلع هذا القسم. قلت إن في البحرين نهضة وطنية، ولكنها سياسيًّا مقيدة. كانت قبل أيار قانطة فأمست بعده منكوبة، وكان السبب في القنوط السبب نفسه في النكبة، لا يختلف إلا في درجتي الشدة والمدى. ومن المسئول؟ إذا سألت البحارنة يجيبون: الإنكليز. وإذا سألت الإنكليز يجيبون: البحارنة.

هناك حقيقتان في تاريخ البحرين وسياستها الخارجية لا أظن أحدًا من الفريقين ينكرهما؛ الحقيقة الأولى التي ألفت إليها نظر البحارنة هي أن البحرين، عندما كان لها أسطول حربي قبل عهد الشيخ عيسى بن علي، كانت وجيرانها في احتراب دائم. وقد علمتُ مما شاهدته وتحققته في البلاد العربية كلها أن بلية العرب الأولى — كانت ولا تزال — هي النزوع في كل قبيلة، بل في كل عشيرة، إلى الاعتزال والاستقلال. لا يعرف العرب من مبدأ التضامن غير ما توجبه القبيلة، أو يدعو إليه في بعض الأقطار المذهب الديني. لا يخضع العرب بعضهم لبعض إلا كرهًا، ثم ينزعون إلى السيادة المستقلة إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا. الجهل هو عدو التضامن، والجهل المسلح هو عدو الرقي والعمران؛ فالسلاح بيد العرب اليوم — اللهم إذا كانوا لا يخرجون على روح البداوة فيهم أولًا فيجمعون شملهم تحت علم واحد — هو مضر بهم، مضر جدًّا. لا يزال أكثر الأمراء جاهلين، أو أنهم من المحافظين على القديم البالي، المقاومين لمبدأ الرقي والتجدد. فما الفائدة من القوة بأيديهم؟ ما الفائدة من أسطول يمكننا من الاستيلاء على قطر والقطيف والأحساء إذا كنا لا نوسع في الملك غير القوة الغاشمة، الجاهلة ما في روح الزمان من أسباب الرقي والعمران؟ يلزم البلاد العربية في هذا الزمان عشرون سنة في الأقل من السلم الدائم المستمر، فتؤسس المدارس أثناءها … تفتح على الدوام، وتنفتح لأبنائها الأذكياء أبواب العمل في الصناعة والزراعة، وفي علوم الاقتصاد والإدارة. هذي هي الحقيقة الأولى التي لا يجهلها أدباء وعقلاء البحرين.

أما الحقيقة الثانية التي ألفت إليها نظر الإنكليز، فهي أن السياسة العربية التي تمشوا عليها في الماضي لا تصلح اليوم، لا لهم ولا للعرب.

هي تضر بمصالح بريطانيا ليس في البلاد العربية فقط، بل في الشرق أجمع، وتضر بالاسم البريطاني وكل ما يرمز إليه من علم وكرم أخلاق وثقافة. السياسة الإنكليزية في البلاد العربية تخبطت في مضيق جانب منه مظلم، وجانب براق فيه وشل من الماء خدع المحبين، يخفيه سراب خدع الأعداء. مثَل ذلك في البحرين ووعدُها الشيوخ بالدفاع عن البلاد إذا هم دمروا أسطولهم الحربي. على أن كل دفعة من ذاك الدفاع أفقد البحرين — كما بينت — شيئًا من حريتها واستقلالها؛ فقد كان الدفاع درجات إلى الاستيلاء، فمن يثق بعد ذلك بوعود الإنكليز وعهودهم؟ أما إذا كانوا يبغون رفع العلم البريطاني فوق دار الحكم في الجزيرة فليس أسهل من ذلك. إن دولة من الدول الصغيرة التي لا تبلغ قوة أسطولها جزءًا صغيرًا من قوة الأسطول البريطاني لتستطيع ذلك في يوم واحد. ولعمري، إن مثل هذا الاحتلال خير من تلك السياسة التي هي كالبركان أو الزلزال، لا يظهر شيء من قصدها الحقيقي إلا مرة كل خمس أو عشر سنوات.

حدثني أحد أدباء البحرين قال: إذا كان هناك فرق بين الاستعمار الإنكليزي واستعمار الدول الأخرى، فهو أن هذا كالجزار الذي يقتل شاته دفعة واحدة، وذاك من يعذب الشاة وخزًا بالإبر حتى الموت.

ولو لم أكن شاهدت وسمعت ثم تحققت ما شاهدت وسمعت، لكنت أقول إن محدثي يبالغ فيما يتكلم، ولكنها — ويا للأسف — الحقيقة بعينها لا مبالغة فيها.

أما أن سياسة بريطانيا في البحرين هي غير سياستها في الأقطار العربية الأخرى، فمما لا شك فيه. وقد أوضحت مبدأها المرن في معالجة شئونها الخارجية بحسب اختلاف المكان والزمان، وشرحت ذاك المبدأ في سياستها العربية في كلامي على لحج والنواحي المحمية. وبما أن بريطانيا تدير هذه السياسة بوساطة وزارة الهند بلندن، ثم بوساطة حكومة الهند في دلهي، فلا أظن أنها عالمة كل العلم بما يحدثه من المشاكل وكلاؤها السياسيون في البلاد العربية؛ ولا سيما في خليج فارس. فضلًا عن أن الوكيل يموه في بعض الأحايين دفاعًا عن عمله وحفظًا لمركزه. قد توخيت الصراحة التامة فيما أكتبه بهذا الشأن غيرة على الاسم البريطاني وحبًّا بتحسين وتعزيز العلائق الودية بين بريطانيا والبلاد العربية. ومما ينبغي أن أذكره أن كثيرًا ما يسوِّد صحيفتها أحد أبنائها المقربين الذين لا يكونون في الشرق مؤمرين لولا نفوذ بعض أصدقائهم وأقاربهم في الحكومة بلندن.

حدثني أحد الموظفين البريطانيين في حكومة العراق عن ثورة ١٩٢٠، وعندما علم أني مسافر إلى البحرين قال: ستجتمع هناك بواحدٍ ممن وصفت. وكان قد أفاض بالحديث في طبقة من الموظفين البريطانيين الذين يتخذون السر آرنلد ولسون مثالًا في الحكم، فيحذون حذوه في سياسته، وليس لهم شيء من حسناته، هم من الضباط الذين لا يصلحون لغير الخدمة العسكرية، فلا يفهمون العرب، ولا يحبونهم، ولا يعطفون أقل العطف على قضيتهم.

جئت البحرين وما تمكنت من الاجتماع بالوكيل البريطاني فيها، ولكني مما سمعته — وقد حدثني به الكبير والصغير والوطني والأجنبي — تحققت ما قاله زميله في حكومة العراق؛ فقد كان يقاوم كل فكرة إصلاح في الجزيرة غير التي يكون له فيها الكلمة الأولى والأخيرة، ولا يرى حقًّا في غير القوة، ولا عدلًا في غير العسف والاستبداد. فهل يا ترى سياسة دَونِن ستريت بلندن أو سياسة بوشهر؟ وما هي سيئات الوكيل وسيئات الأصيل؟

إن البليوس موظف له رئيس في بوشهر، وللوكيل في بوشهر رئيس في دلهي، ولولي الأمر في دلهي رئيس في وزارة الهند بلندن، ولرئيس تلك الدائرة مستشاران أو وزيران في الوزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، ولهاتين الوزارتين سياسة ثابتة قديمة التقليد غامضة المقاصد في الشرق وفي البلاد العربية، تتمشى دائمًا عليها. أضف إلى ذلك أن كثيرًا ما تصدر الأوامر من إحداهما مبنية على هذه الخطة لا على الجديد المهم من الأحوال في البلاد التي تختص بها، فتجيء الأوامر وما فيها غير اليسير من الحكمة والعدل، بل ما فيها أحيانًا شيء من الحكمة والعدل، فتصل إلى رجل متصلف متعسف، قصير النظر والأناة، فينفذها بالحرف ويثير على أمته غضب الأهالي وكوامن بغضائهم.

فلو كان الوكيل حصيفًا حكيمًا، مدركًا عوامل التقدم في البلاد التي هو فيها، عطوفًا ولو بعض العطف على مساعي الوطنيين في سبيلها، لكان يطلع حكومته على حقيقة الحال ويسألها التبصر بها والاسترشاد بشيء من حقائقها في تكييف الخطة السياسية وتلطيفها، ولو كان الوكيل رجلًا كبيرًا، مثله الأعلى العدل في كل الأحوال، أو لو كان في الأقل دمث الخلق، لين الجانب، محبًّا للعرب، لكان يتمكن من خدمة بلاده بما فيه كذلك مصالح البلاد التي وكل بها. ليس هذا بالأمر المستحيل، وليس مثله بالرجل النادر في الحكومة أو في الأمة البريطانية.

أعود إلى الحادث الذي أوجب هذا البيان. طلب أهالي البحرين في السنين الأخيرة ثلاثة مطالب من الحكومة، كلها ولا شك عادلة، فوقفت السياسة البريطانية تصدهم وتقاوم مسعاهم. طلبوا تشكيل جمعية تشريعية، فأجاب الشيخ عيسى بالإيجاب وأبى البليوس؛ طلبوا تنظيم بوليس وطني، فرضي الشيخ عيسى ورفض البليوس؛ قدموا لائحة إصلاح استحسنها الشيخ عيسى وعزم على تنفيذها، فقامت عليه وعلى الوطنيين قيامة الوكيل وبذل ما لديه من قوة لإحباطها.

سمعت شكاوى الوطنيين في البحرين، وسمعتها فيما اتصل بي من أخبارها بعدئذ في الفريكة، فأفسحت لها مجالًا في هذا الكتاب تستحقه، وكتبت إلى أحد الأفاضل هناك كتابًا أقتطف منه ما يلي:

إن في الأمر ما يضعف الأمل بالإنكليز، ولكن التاريخ لا ينبئنا بحادث من الحوادث كانت فيه إحدى الأمم القوية الاستعمارية متغلبة وحدها على أمة أخرى صغيرة، بل نرى غالبًا أن المغلوب يساعد على نفسه الغالب المنتصر. ماذا يحمله على ذلك؟ الجهل والضعف والجبن والمصلحة الخاصة والطاعة العمياء … أما الطاعة العمياء فقد تفيد في سبيل وطنية عامة كبيرة كما لو كان العرب كلهم اليوم يطيعون ابن سعود مثلًا أو الملك حسينًا أو الإمام يحيى بن حميد الدين ويمتثلون لأوامره. عندئذ يعز العرب، وعندئذ يصلح الأوروبيون سياستهم في الشرق، وعندئذ، إذا طغى في البحرين أو في قطر آخر طاغٍ أجنبي أو وطني، تذكرونه بكلمة ذاك العربي إلى الخليفة الثاني وتقوِّمون أمره بحد السيف.

أما الآن فعليكم أن تقتبسوا العلوم وتصبروا، وإني أعتقد أن العلم بالاقتداء هو أسرع فعلًا وأثبت؛ لذلك أستحسن وجود الشركات الأجنبية المجردة من كل صبغة سياسية في البلاد؛ فإنها تعلمنا الاقتصاد والنظام والإدارة من حيث لا ندري أو نشاء، والعرب في حاجة شديدة إليها كلها …

ما جنى على العرب يا صديقي غير أنفسهم. كنا وكنا وكنا … حديث مبتذل. يوم أقفلت المدارس في البلاد فعمَّ الجهل وتوارثه الأبناء كنا الجانين على أنفسنا، المقيِّدين بالجهل أرواحنا، وبالخرافات عقولنا. واليوم نرى العلم والمال بيد الأوروبيين. ويوم كان الاثنان بيد العرب أخذهما الأوروبيون عنهم. فهلا اقتدينا بهم في الماضي فنأخذ عنهم اليوم ثم نأخذ عنهم ونربي في الوقت نفسه روح القومية الشاملة فينا؟! لو كنت في سوريا وعرفت سبب بليتها لقلت: أما نحن فعرب من صميم العرب وديننا الإسلام، فلا سبيل إلى التفرقة قوميةً ومذهبًا، ولو كان لكم عشر سنوات من التعليم المدني العام لفقتم غيركم في الربوع الساحلية. وهذا ما أبغيه لكم: التعليم في المدارس، التعليم بالاقتداء، إلا أن العربي الكسلان إذا رأى ما هو مدفون في أرضه من الخيرات تتغير نفسيته وعقليته وكذلك أعصابه! فلا تيأس يا صديقي، ولا تظن أن الله يخص جيلًا واحدًا من خلقه بالكمالات كلها.

وإذا شئت أن أحدثك كطبيعي لا كإلهي أقول: إن الناموس الطبيعي الذي يعمل في عالمَي الحيوان والنبات يعمل كذلك في الإنسان وفي الاجتماع البشري، ومن النادر أن يرى الإنسان نشوءًا تامًّا، بداءة ونهاية، في نوع واحد من النبات أو جيل واحد من الناس. أما نحن الذين نقاسي ما نقاسيه في هذا الزمان فقسمتنا قسمة مَن يجيء في آخر دور النشوء أو في أهم أطواره، فنرى بعين البصيرة نتيجة ما مضى وما هو كائن، فنتألم لأنها دنية منا وقصية؛ دنية لأننا نراها، وقصية لأن اليد لا تصل إليها. لنحمد الله أننا نراها في الأقل فنقبل قسمتنا قانعين وعاملين في الوقت نفسه في السبيل الذي هو روح الناموس والتطور.

تلذ لي محادثتك وأنت من المفكرين؛ فكل مفكر يتألم، ولكن ليس كل من يتألمون واحدًا: منهم من يقتلهم الأمل، ومنهم من يزيدهم قوة على العمل. الأمة المتألمة اليائسة تموت … تساعد المتغلب عليها. والأمة المتألمة الطويلة الأمل الناهضة الثابتة في نهوضها، إنها لتحيا، وإنها لتساعد أبناءها على المتغلبين.

١  هو الرسالة العربية The Arabian Mission التابعة للكنيسة البروتستانية الهولندية في أميركا.
٢  في البحرين والكويت كما في نجد يطلقون اللفظة بالجمع على الحاكم.
٣  لغة العرب الجزء الثاني.
٤  موجز التاريخ القديم، تأليف جورج رولنسون Ancient History by George Rawlinson.
٥  أوفير هي البلاد الشرقية التي اشتهرت قديمًا بكثرة نضارها. وقد اختلف المؤرخون في موقعها؛ فمنهم من قال إنها كانت على الشاطئ الهندي قبال عمان، ومنهم من قال إنها في أفريقية الشرقية.
٦  Capt. Durand.
٧  Theodore Bent.
٨  وقدَّر ما يخرج من الكويت بقيمة ثمانية ملايين روبية، ومن القطيف بأربعة ملايين، ومن الجبيل بستمائة ألف روبية، ومن عمان بخمسة عشر مليونًا، ومن جزيرتي لنجه وقيس، وهما قرب الساحل العجمي، بمليون ونصف. قد يكون في هذه الأرقام بعض المبالغة، ولكنها لا تقل عن ثلاثة أرباع القيمة المذكورة. وقد أخبرني العارفون بأن مغاص اللؤلؤ يمتد من دبي في عمان إلى رأس المشعاب جنوبي الكويت، وكله في الجانب الغربي — أي العربي — من الخليج.
٩  أما رأي علماء العرب، فقد قال القزويني في الجزء الأول من كتابه عجائب المخلوقات: إن الرياح وقت الربيع تحمل إلى بحر فارس رشاشات من بحر أوقاس، وفيه ماء شبيه بالزئبق مثل الغراء، فيتولد منه الدر بأن تقع تلك الرشاشات في محل الصدف فيلقمه الصدف كما يلقم الرحم المني. فربما وقعت فيه قطرة كبيرة فتنعقد درًّا كبيرًا، وربما تقع رشاشات فتنعقد منها أجزاء صغار كما ترى في أكثر الأصداف. هذا رأي القزويني وليس فيه شيء من العلم.
١٠  برج الثور وبرج الميزان يشتملان في دورتيهما على الأشهر التي تعرف عندنا بأشهر الربيع والصيف؛ أي من الشهر الخامس حتى التاسع — من آيار إلى أيلول.
١١  قد قرأت في وصف الغوص ما كتبه الشيخ خليفة بن محمد النبهان، وهو ينطبق على ما سمعته من الثقات فلخصت بعضه.
١٢  وقد يكون حجرًا أو رصاصًا يتراوح وزنه بين الاثني عشر والخمسة عشر رطلًا، يجعله الغيص في إحدى رجليه ليسرع به إلى قعر البحر.
١٣  الديين: زنبيل من حبال الليف مشبكًا مثل الغربال إلا أنه واسع الخروق.
١٤  الفطام مثل الملقط مصنوع من قرن الوعل أو من عظم السلحفاة يجعله الغيص في أنفه ليمنع النفس.
١٥  الزيبل: حبل مربوط به الحجر ومتصل بالسفينة.
١٦  الجدا: حبل آخر مربوط به الزنبيل. والاثنان يتولاهما السيب.
١٧  «نَبَر»: كلمة يرددونها عندما يجذب الغيص الحبل برجله طالبًا من رفاقه بهذه الإشارة أن يرجعوه إلى وجه الماء.
١٨  تاريخ البحرين.
١٩  في كتابه «التوغل في البلاد العربية» D. G. Hogarth, Penetration of Arabia.
٢٠  كانت تسمى المنعة فحرفها الأعاجم الذين استولوا عليها. ومن قائل: إنه كان فيها قصر لمنام أحد ملوكها السابقين فسميت به.
٢١  قد اعتمدت في كتابة هذا الفصل والفصل الذي يليه على تاريخ البحرين، تأليف الشيخ خليفة بن محمد النبهان المطبوع في مطبعة الآداب بغداد سنة ١٣٣٢ﻫ.
٢٢  في رواية أخرى أنهم اجتازوا إلى دارين لا إلى أوال، وكانت يومئذ دارين جزيرة عامرة يؤمها عرب نجد للمسابلة.
ودارين لا تبعد كثيرًا عن بر القطيف حتى إنه يستطيع الناس ساعة الجزر أن يمشوا من البر إليها. فالرواية الصحيحة إذن — وإن كانت تنفي كرامة العلاء الحضرمي — هي أنهم اجتازوا إلى دارين لا إلى أوال.
٢٣  هو علي بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد قيس.
٢٤  اسم بلدة من بلدان عمان.
٢٥  أي نصبوا صنمًا.
٢٦  لا علاقة لهؤلاء بصاحب الزنج.
٢٧  فسكو دي غاما Vasco de Gama ولد سنة ١٤٥٠ وتوفي سنة ١٥٢٤.
٢٨  ألفونسو دالبو كركه Alfonso d’Albuquerque ولد سنة ١٤٥٣ وتوفي سنة ١٥١٥.
٢٩  هذه صورة الكتابة التي على حجارة جبل جدا: نقل من هذه الجزيرة مائة ألف حجر لتجديد قلعة البحرين على يد العبد فيروز في زمن وزارة جلال الدين شاه في شعبان سنة ٩٦٩ﻫ و١٨٦٨م — تاريخ البحرين للشيخ خليفة بن النبهان.
٣٠  بعد أن تغلب السلطان سليم على المماليك سنة ١٥١٧م فكر في احتلال عدن؛ ليجعلها مركزًا لحملة على البرتقاليين في الهند، فجاء ابنه سليمان في سنة ١٥٣٨ بأسطول كبير يحقق رغبة أبيه، فاحتل عدن وأقام حامية فيها، ولكن العرب قاموا بعدئذ على الترك فذبحوا حاميتها وسلموا البلد إلى البرتقاليين، فجاء الأسطول العثماني ثانية إلى عدن فأخرج البرتقاليين منها وأعاد الحكم العثماني فيها، ثم استأنف السير إلى الهند ليتم حملته على أهل البرتقال هناك.
٣١  بلدة على شاطئ قطر قبالة جزيرة البحرين.
٣٢  يقول العرب عندما يفقدون أحدًا من أهلهم: سمينا باسمه.
٣٣  القبيت: أنف السفينة. والجابري: اسم سفينة عبد الرحمن.
٣٤  حورب: أي هزج، وهي من اصطلاح اللبنانيين وعرب نجد.
٣٥  هذا من الشعر الذي يدعى في نجد بالنبطي؛ أي العامي.
٣٦  الدقل: الصاري.
٣٧  النَّيْم: سطح مؤخر السفينة.
٣٨  لا يزال بنو هذال وشيخهم اليوم فهدبك مؤمرين على هذا الفخذ من عنزى الذي يسمى العمارات. وهم من عشائر الشمال يقيمون في أرض عند وادي حوران بين سوريا والعراق.
٣٩  الحويلة قرية في الطرف الشمالي من قطر.
٤٠  سنة ١٩٢٢.
٤١  حدثني أحد أفاضل البحرين قال: كان للبحرين أسطول شراعي كبير مسلح بالمدافع والذخيرة استفحل أمره، فاستولى حكام الجزيرة على قطر والقطيف، فخشي الإنكليز عاقبة ذلك؛ لأن مصلحتهم تقضي بأن تبقى بلدان الخليج متنافرة متشاقة لكل منها أمير مستقل، فأخطروا أمراء البحرين بأن القتال في البحر ممنوع، وأن لبريطانيا حقًّا بمنعه تعترف لها به الدول الكبرى، فلا يجوز أن يخرج أسطولكم إلى عرض البحر، وإذا خرج فالأسطول الإنكليزي يقوم بواجبه. فاحتج الشيوخ الأمراء أن بلادهم جزر مفتوحة ثغورها لا حصن لها إلا الأسطول، فإن لم ندفع به الأعداء ملكوا بلادنا ورقابنا، وإذا لم نهاجم هوجمنا. فأجاب الإنكليز: إذا كان الأمر كذلك فإن حكومة بريطانيا، إذا امتنعتم عن الهجوم البحري، تتعهد برد الأعداء عن بلادكم.
٤٢  بوشهر: هي على الشاطئ الفارسي، وتبعد نحو مائة وخمسين ميلًا عن البحرين شرقًا بشمال.
٤٣  هو عيسى بن علي بن خليفة بن سلمان بن أحمد الفاتح بن محمد، تاجر اللؤلؤ، ابن خليفة الذي نزح من الأفلاج بنجد ونزل في الكويت. وآل خليفة من بني عتبة وهي فصيلة من جميلة، وجميلة فخذ من عنزى تمت إلى بني أسد فربيعة فعدنان.
٤٤  ولد الشيخ عيسى في محرم سنة ١٢٦٥ﻫ، وأمه ابنة عيسى بن طريف آل ابن علي الذي خرج على الشيخ محمد عم الشيخ عيسى لما كان حاكمًا.
٤٥  حدثني موظف سابق في الوكالة السياسية البريطانية بالبحرين قال: كان يجيئنا ويخرج من عندنا كثير من الرسائل والبلاغات السرية. إن في دار الوكالة منها ما يملأ بضعة صناديق، ويدهش فحواها كثيرين حتى من رجال الحكومة بلندن.
٤٦  ليس لبريطانيا قناصل في الخليج العجمي؛ لأن وظيفة القنصل تجارية، ومصالحها في الخليج تقتضي أن يكون لها هناك ممثلون سياسيون، وهؤلاء في المنصب اثنان: الموظف السياسي  Political Offiicer والوكيل السياسي Political Agent، وفي الخليج وكيل سياسي أول مركزه في بوشهر يرجع إليه الوكلاء والموظفون السياسيون في الكويت والبحرين ولنجه وغيرها في الأساكل والجزر. أما مرجع الوكيل السياسي في بوشهر فهو حكومة الهند. وبما أن في البحرين كثيرين من الهنود فقد أطلقوا على الوكيل السياسي فيها لقبًا هنديًّا؛ فهو يدعى هناك بَليوس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١