الملك فيصل بن الحسين

figure
جلالة الملك فيصل بن الحسين بن علي.

(١) العراق

  • حدوده: شمالًا: جبال أرمينية والأناضول. شرقًا: بلاد إيران. جنوبًا: خليج فارس. جنوبًا بغرب: البادية وحدود نجد. غربًا: البادية وحدود الشام.
  • ألويته: الموصل، السليمانية، كركوك، شبه لواء إربل، ديالى، بغداد، الكوت، الدليم، الحلة، كربلاء، العمارة، المنتفق، البصرة.
  • عدد سكانه: نحو مليونَيْن وتسعمائة ألف١ نفس، منهم مليون ونصف مليون من الشيعة، ومليون ومائة وخمسون ألفًا من السُّنة، وثمانية وثمانون ألفًا من اليهود، وثمانون ألفًا من النصارى، واثنان وأربعون ألفًا من الأديان الأخرى.
  • مساحته: نحو مائتَي ألف ميل مربع.
  • شعوبه: العرب، والفرس، والأكراد، والآشوريون، والأتراك، والأرمن.
  • أهم قبائله: المنتفق، وبنو لام، والبو محمد، وربيعة، وتميم، والدليم، وعنزى، وشمَّر، والأقرع، وعفك، وما يتفرَّع عنها كلها من الأفخاذ والبطون العديدة.
  • مذاهبه: الشيعة: جعفريون، وبعض الزيديين، والإسماعيليين.
    السُّنة: حنفيون، وشوافع، وحنابلة.
    المسيحية: يعاقبة، ونساطرة، وكلدان، وسريان كاثوليك، وروم أرثوذكس، وبروتستانيون. ثم اليهود، والصابئة، واليزيدية، والبارسيون، والهندوس، والبهائيون.

(٢) من العروبة إلى التغرُّب

أبحرتُ من عدن أقصد إلى العراق، فلما وصلت إلى بمباي، التي لا بد من التعرج عليها إذا كان السفر في إحدى بواخر الهند، لقيت في قنصلية أميركا كتابًا من الديوان الملكي في بغداد كُتِب على الآلة الكاتبة العربية هذا نصه:

حضرة الفاضل أمين أفندي ريحاني المحترم

أما بعد التحية والإكرام، فقد تناول صاحب الجلالة الملك فيصل كتابكم الصادر من لحج في ٧ شعبان، وأمرني بالكتابة إليكم مُعرِبًا عن سروره بقدومكم العراق، ومتمنيًا لكم سلامة الحل والترحال في طريقكم إليه وتوفيقكم فيما نزعتم بهذه الرحلة لأجله.

وقد أرسلت الكلمة إلى بمباي لأجل تصديق جواز سفركم إلى العراق. وأمَّا توجُّهكم إلى الرياض، فقد أرسل السؤال به إلى عظمة السلطان عبد العزيز، ومتى جاء جوابه بعثنا إليكم به والسلام.

بغداد، ١٠ / ٦ / ١٩٢٢
رستم حيدر

هو ذا غير ما ألفته في اليمن والحجاز؛ كتاب غربي الأسلوب حتى في تاريخه، خلو من الديباجة والتنميق، وفيه الدليل على النفرة من تلك الطريقة القديمة التي تبدأ غالبًا بالبسملة وتنتهي ﺑ «إن شاء الله»، ويخبأ الغرض من الكتابة فيها بين مدبجات التبجيل والتمجيد، أو يضمن قصاصة عنوانها «حاوي خير»، فتكون هي الكتاب يقينًا، ويكون الكتاب الرسمي ترهة من الترهات.

قد أحسن الديوان الملكي لدولة العراق المتغربة، ولكن الإحسان في الاقتباس درجات تتجاوز الخروج من المألوف العربي إلى المألوف الغربي. على أني وإنْ كنت أفضِّل الخط على هذه الأحرف العربية السَّمِجة، وأرى في الكلمة المخطوطة حسًّا لا تظهره بل تقتله أحرف الآلة الكاتبة، فقد استبشرت بهذا الكتاب لما يرمز إليه، وإن كان في أول سطر منه ما هو في نظري من قبيح المقتبسات؛ فإن الاستعاضة عن أسماء الأشهر بالأرقام في التاريخ لمن المبالَغات الحديثة بالاقتصاد عند الغربيين. وما كل مظاهر الاقتصاد آية في الحكمة والجمال. أما إذا قيل إن المسألة ذوقية، فجوابي هو أن ذوق الشرقيين فيها أرفع من ذوق الغربيين. وفي كل حال إن الألفاظ أجمل من الأرقام نظرًا وسمعًا ومعنى؛ إذا كُتبت زانها الخط، وإذا لُفِظت زانها النطق.

قد استبشرتُ مع ذلك بكتاب الديوان الملكي لما قرأت خلال سطوره من المقاصد الحميدة في دولة العراق الجديدة. ورأس هذه المقاصد إنما هو فك قيود التقاليد القديمة العقيمة وإن كان في تاريخ الرسائل وإنشائها. بيْدَ أنه يتبادر إلى الذهن فِكرٌ في سؤال: هل يُعَد مجرد التقليد الخارجي من مظاهر الارتقاء؟

سافرت من بمباي إلى البصرة في باخرة بريطانية من بواخر الخليج، وكان حظي فيها أني شاهدتُ مثالًا آخَر من الرُّقي العراقي قبل أن أصل إلى العراق. أجاب أحد المسافرين سؤالي دون أن يدرك ذلك، ودون أن يحدِّثني. هو رجل أبيض الأديم، أشقر الشعر، أزرق العينين، دخل ورفيق له يتقدَّمان نفرًا من الخدم يحملون أمتعتهما، وكأن أحد أولئك الخدامين أخطأ فيما فعل فانهال عليه المسافر الأشقر بالشتائم والمسبات بلغة إنكليزية فيها لكنة قبيحة. اللهجة من البصرة، والشتائم من حانات لندن.

عرفت بعدئذٍ أن رفيق المسافر أرمني، وهو يعرف الإنكليزية أيضًا ولا يحدِّث رفيقه بسواها. وما شككتُ بأنهما عرفا أني عربي؛ لأني كنت مُعلِنًا ذلك على رأسي بالكوفية والعقال. مرَّ اليوم الأول والثاني والثالث فاتفق أن التقينا على ظهر الباخرة صباحًا، فسلَّمت باللغة العربية فردَّ سلامي باللغة الإنكليزية، ثم عرفت أنه ورفيقه من تجار التمر في البصرة، فلم يتنازلا لمحادَثة غير بعض الإنكليز في الباخرة، إلا أنه سألني ذات يوم عن الشهر الإسلامي الذي كنا يومئذٍ فيه، فأجبتُه بكلمةٍ فشكرني بأخرى كانت الخاتمة.

بعد ثلاثة أَشهُر كنت وبعض الأصحاب نشاهد سباقَ الخيل خارج البصرة، فرأيت هناك رفيق السفر الأشقر الأمجد وهو يحمل ناظوره كالإنكليز مطلقًا في عنقه، فبسم لي ابتسامَ التزلف، ثم دنا من أحد رفاقي وسلَّم عليه باللغة العربية — التي لا لكنة فيها — فاستطلعت بعدئذٍ خبرَه اليقين، فقال صديقي: هو من البصرة، من مسيحيي البصرة، سمسار تمر. فقلت: يظهر أن عندكم في العراق طبقةً من الناس شبيهةً بطبقة المتفرنجين في سوريا، المتحذلقين المتفوقين بين قومهم، المتسكسكين أمام الأجانب. فقال: نعم، وهم يتشبَّهون بالإنكليز كما ترى بحمل الناظور ولبس القفازات في الصيف.

أعود إلى سؤالي: هل يُعَد مجرد التقليد الخارجي مظهرًا من مظاهر الارتقاء؟ إن في رفيق السفر هذا جوابًا واحدًا لا أظن القارئ يرتابُ بصحته، ولكنَّ هناك رفيقَ سفرٍ آخَر وجوابًا ثانيًا؛ هناك طبيب إنكليزي كان على عادة قومه الأماجد في السفر يعتزل الناس، فيجلس في الزاوية أو في كرسيه على ظهر الباخرة يدخِّن الغليون ويُطالِع كتابًا، وهو قلَّما يكترث بلبسه. بيْدَ أنه وإن كان «بنطلونه» غير مكوي و«ساكوه» أشبه بالكيس منه بثوب مخيط، فإذا وقف ومشى مشت المهابة في ظله، وأفصحت عن كريم مَحْتِده. دنا هذا الرجل يومًا مني فاعتذر وسلَّم وجلس إلى جنبي قائلًا: أنت عربي؟ فقلت: نعم. فقال: وعلى ما أظن من العلماء. فقلت: سائح طالب علم. فقال: هذا تواضُع منك، قد سمعت مَن حدَّث عنك في بمباي. ثم قدَّم بطاقته فبادَلْتُه الإكرام.

– إني مما أعرفه عن العرب، وهو قليل، أحترم الأمةَ العربية كل الاحترام. أقمتُ زمنًا في الهند، في خدمة الهنود — وليس في الطب سياسةٌ كما تعلم — فما لقيت جزءًا مما لقيته في بضعة أَشهُر في بلاد العرب على هذه السواحل: كرم الأخلاق، الإخلاص، الضيافة. إنك لا تجدها في الهنود؛ أما الشجاعة والرجولة فهما في المسلمين منهم فقط. لا أظننا نقاسي في الهند ما نقاسيه لو كان في الهنود شيءٌ من وفاء العربي وإخلاصه إذا آخاك. قد تكون طالَعتَ تاريخَ الإنكليز في تلك البلاد فتعرف كم من مرة طعَنَنا الهنودُ في الظهر — خانونا وغدروا بنا — بعد أن عاهَدونا على الولاء.

قال هذا ودعا الخادم، فطلب كأسًا من الوسكي والسودا، وسألني متردِّدًا عما إذا كنتُ أشاركه. فأجبت بالإيجاب، فقال: أعرف من المسلمين مَن يشرب الخمر. فقلت: إني مسيحي، وإني آسِف من المسلمين العصريين مَن يظنون التشبُّه بالإنكليز منحصرًا بشرب الوسكي. حبذا المسلم المواظِب من هذا القبيل على دينه. فقال الطبيب: صدقتَ. نحن الإنكليز نبالغ في الشرب، نشرب كثيرًا. خذني مثلًا، إني أشرب الوسكي قبل الأكل، وأثناء الأكل، وبعد الأكل، وأشرب بين الوجبات — كما ترى — وبودي لو اقتدى الإنكليز بالمسلمين. فقلت مميزًا: المسلمين الذين لا يقتدون بكم في شرب الوسكي. وكانت الضحكة مِسْكَ الختام.

عندما وصلنا إلى البصرة صعد إلى الباخرة موظَّفو الجمرك والصحة والشرطة، وأكثرهم من الهنود. وكنت قد أرسلتُ برقيةً من بمباي إلى صديق لي في الديوان الملكي ببغداد علَّه يأمر في البصرة مَن يلاقيني ليَهْديني في الأقل إلى محطة سكة الحديد، فوجدتُ نفسي، ولا أحد يسأل عني، أغربَ في هذا البلد العربي القديم مني في «كراتشي» الهندية،٢ وأنا العربي الذي قضى الأيام والليالي يُطالِع الحريري والجاحظ، ويطحن كريات دماغه في طواحين الكسائي وسيبويه — ولا أقول الرحَّالة الشهير القادم من اليمن — أراني قد نزلت من الباخرة بين قوم لا أفهمُ لغتَهم؛ فيكلِّمني الحوذي بعربيةٍ يضطر أن يترجمها إلى شيءٍ من الإنكليزية يُفهَم. هو أيضًا هندي، ساق جواده الأعرج يجر عربةً مكسرة وفيها بقيةُ آمالٍ مبعثرة تُدعى الريحاني.

رحنا في قفر سبسب خارج البصرة، فاجتزنا معسكرًا مهجورًا، ثم آخَر فيه بعض الجنود الهنود، ووصلنا بعد ساعة إلى محطة السكة، بل إلى بقعةٍ يبدأ عندها الخط. ولا محطة غير كوخ لبيع التذاكر وجدناه مقفلًا، ووجدنا خارج الكون ولدًا عربيًّا، والحمد لله، تلطَّفَ فراح مُلبِّيًا طلبنا يبحث عن الموظف، فعاد بعد ساعة يتبعه رجلٌ — هندي — هو مدير السكة، ولكنه يُحسِن الإنكليزية، فسألته سؤالًا تعمَّدت فيه التعريف علَّه يُكرِمني في الأقل بأن يخصَّني بشقةٍ في العربة وحدي. وكان الرجل فهيمًا كريمًا، فكان لي ما شئتُ. أعطاني تذكرةً وأحلَّني في القطار محلًّا فسيحًا فيه ماء وحمام. وكنتُ قد كتبتُ برقيةً إلى الصديق أمين الكسباني في الديوان الملكي بالعاصمة، وهممتُ بالرجوع إلى بيت البرق لأُرسِلَها فأخَذَها مني قائلًا: سأُرسِلها من هنا رأسًا. ثم أمر بمَن يعتني بأمتعتي وودَّعني قائلًا: اذكرني لدى نوري باشا. الوداع صاحب.

الوداع صاحب. أنت وإن كنتَ كريمًا لمن أغلاط الإنكليز في العراق. والمسيحي المتفرنج وإن كان عالمًا لمن أغلاط التاريخ في العراق. والمتغرب اليوم في القشور فقط، مسيحيًّا كان أم مسلمًا أم إسرائيليًّا، لمن أغلاط الاجتماع في العراق، بل في الشرق كله. حبذا مدنية جديدة تمتِّع الشعوب على السواء بثمارها اليانعة. والحق يقال: إن ما ترمي إليه المدنية الحقة، غربيةً كانت أم شرقية، هو تعميمُ وتعزيزُ قياسٍ واحد في آداب المعامَلة وآداب السياسة بين الأمم، فلا يستشرق الغربي ولا تستشرق الصناعة الغربية إذا ما لفحتها شمس الشرق، ولا يتغرب الشرقي في سطحيات الحياة إذا ما بسم له خادم السيد الأوروبي.

صفرت القاطرة وجرت، فجرَّت وراءها قطارًا مستشرقًا جيء به وبعماله من الهند؛ قطارًا عسكريًّا من بقايا الحرب. لا أظنُّ أمةً من الأمم الأوروبية أو الأميركية تستخدمه لغير الشحن، فتُصلِحه مع ذلك وتجدِّده. والقاطرات في أشد حاجة إلى التصليح من العربات، بل قد تكون اجتازت زمن الخدمة فأمستْ لا تصلح للعمل ولا يصلح فيها للبيع غيرُ الحديد.

خرجنا من ضواحي البصرة مساءً في قطار البريد «السريع» الذي يصل إلى بغداد ساعة الغروب من اليوم التالي، اللهم إذا سلمَتِ القاطرةُ من عاديات الطريق. قد سلمت — والحمد لله — ليلًا، فنهضنا صباحًا، فإذا نحن في أور الكلدانيين في الوقت المعين بلائحة السفر، وهذا خادم عربة الأكل جاءنا بكوب من الشاي قدَّمه من النافذة؛ إذ لا مماشي في هذه العربات تصل الواحدة بالأخرى.

سرنا من أور إلى الدراجة فوقفنا فيها وقفةً نفذت بالعظم صَدْمتُها. وقفنا فجأةً وثبتنا تجاه العاديات ثبات الأبطال. نظرت إلى لائحة السفر فإذا فيها: الفطور في سمارة، ولكن خادم المائدة جاء بعد ساعة يدعونا للأكل، فخرجنا من منازلنا وسرنا نلبِّي دعوته ونستطلع خبر القاطرة، فعلمنا أنها — حرسك الله! — كسرتْ رجلها، وأنهم أرسلوا إلى أور يستحضرون قاطرةً أخرى.

ولَّت ساعات الصباح واشتد الهجير، فصعد الزئبق في ميزان فارنهايت إلى المائة والست درجات، فعدنا إلى المراوح في العربات فإذا هي مثل كل شيء في ذاك القفر نائمة ولا حياة فيها، ثم جاء الخادم يدعونا ثانيةً للأكل؛ الغداء، فوددنا لو أن ساعات الانتظار كلها ساعات أكل وشرب وحديث، فتنسينا مصيبة القاطرة ومصيبتنا في فيافي العراق وقيظه.

جاء ونحن في الدراجة أعرابيٌّ يركب حمارًا يتبعه حريمه وعياله ماشين، جاءوا يبغون السفر إلى بغداد في قطار البريد السريع، وكان وصولهم إلى المحطة بعد الميعاد بخمس ساعات فقط، فقال الأعرابي يخاطب الحرمة أم عياله: ما قلت لك يا سعيدي أن القطار ينتظرنا. وقد انتظر غيره من البدو هذا القطار المستشرق اللطيف. ثم جاءت القاطرة الصالحة من أور بعد الظهر فخرجت بنا من الدراجة وراحت تشيل بذنبها — بارك الله فيها — فأوصلتنا إلى السمارة ساعة الشاي، ثم إلى الديوانية التي كان قد أُعد لنا الغداء فيها فقُدم عشاءً باردًا.

جلست إلى المائدة واثنان من الإنكليز أحدهما ضابط علمت من الشرائط الصفر والحمر والخضر التي على صدره أنه من أبطال الحرب، وعلم — والله أعلم ممَّن علم! — أني قادم من أميركا، فسدَّد توًّا إلى الرئيس ولسون أسهُمَ غضبه.

– قد نزع من يدنا السلاح الذي لا يصلح لضبط أمور العراق سواه؛ سلاح القوة، العزم، الشدة.

فقال رفيقه: لولا تدخُّل أميركا لَكنَّا اليومَ نحكم العراق كما يجب. فكمل الضابط قائلًا: ولخير العراق … وما الانتداب؟ وما تقرير مصير الشعوب؟ ألفاظ هي ليس إلا. قد حكم القويُّ الضعيفَ مئاتٍ من السنين قبل أن اخترع لنا رئيسكم ولسن هذه الكلمة: الانتداب، وحكمه حينًا بالعدل وحينًا بالعسف والشدة، بما تسمونه ظلمًا، وكان الظلم أحيانًا أنفعَ له من العدل. وهل تظن أن هذه الكلمات الجديدة: «الانتداب، تقرير مصير الشعوب»، تصلح الشئون وتحرِّر الأمم؟ ترانا مقيَّدين في هذه البلاد بإرادةِ عصبةٍ لا سيادةَ لها. نعم، عصبة الأمم، وبآراء رجل نظري يحلم الأحلام هو رئيسكم المستر ولسون، فلا نستطيع عملًا مفيدًا لا لأنفسنا ولا لأهل البلاد.

أعجبني من الرجل يقينه وصراحته، فالجرأةُ المعنوية مستحبَّة دائمًا. وما هو بعسكري فقط بل من غُواة الأدب أيضًا، رأى معي كتابًا ﻟ «ﻫ. ج. ولس» فاستعاره ولم يُعِده إليَّ. لعل التبعة في ذلك على القطار؛ لأننا بعد أن دخلنا كلٌّ إلى منزله لم يرَ بعضنا بعضًا، وعندما وصلنا إلى بغداد الساعةَ الثانية بعد منتصف الليل — أيْ بعد الميعاد بثماني ساعات — كان هو ممَّن خرجوا من القطار وأنا ممَّن ناموا فيه. والسبب في ذلك أن ذاك الضابط، وإن كان غريبًا، كان له في المدينة بيتٌ يأوي إليه أية ساعة كانت، أمَّا أنا فلم أنتظر أحدًا من أصدقائي أن يوافيني إلى المحطة بعد منتصف الليل، ولم أُجِزْ لنفسي طَرْقَ أبوابهم أو أبواب الفنادق في تلك الساعة، فنمت، فلم يشأ — على ما أظن — أن يزعجني، فغنم بلُطْفه الكتاب.

نمت ساعةً فأيقظني صوت ينادي بالهندية: بابو، بابو! فتحت النافذة فإذا بأحد الحمالين يبغي خدمتي، فطردته وعدت إلى النوم، ثم بعد دقائق سمعت طارقًا يطرق زجاج النافذة، فنهضت فإذا بحمال آخر ينادي: بابو، بابو! فعمدت إلى العصا وكلَّمته بها. أتتبعني لغات الهند إلى العاصمة؛ عاصمة العباسيين وقطب دائرة الشعراء المحدثين! رُحْ يا ملعون الوالدين! وبعد هذا السب والتهديد بالعصا نمتُ ثالثةً ونهضتُ باكرًا، فنظرت من النافذة يمينًا، ثم من النافذة يسارًا، فلم أجد لبغداد أثرًا من الآثار، ولا رأيت على الرصيف أحدًا من الناس، فساوَرَني شيءٌ من الغم، كثيرٌ من الغم، فقلت في نفسي: الماءُ البارد للغم خيرُ دواء، وعندك الماء يا رجل. فاستحممتُ ولبست ثيابي هادئَ البال متشبثًا بالآمال، علَّ وجهًا من وجوه الأحباب يُشرِق على المحطة مع شروق الشمس.

جاءت الشمس وحْدَها، ولم أجد عند المحطة حتى مَن ينقل أمتعتي إلى المدينة، فبعثت الولد الذي هدَّدته بالعصا يستحضر عربةً وبتُّ أنتظر واقفًا وحدي في ذاك القفر المُفجِع، أفتِّش في الآفاق الأربعة عن بغداد. وبعد نصف ساعة ظهر في جهة النخيل عربة لماعة، يقودها جوادان مُطهَّمان، يزيِّن رأسَيْهما الريشُ الأسود الكبير. فذكَّرني الريش بخيل عربات الأموات في جنازات النصارى، فقلت في نفسي: وأنت في جنازة — جنازة آمالك وغرورك — في جنازة ما كنتَ تتمثله وتتصوَّره ببغداد.

ركبتُ في جنازتي، فساق الحوذي خيلَه شرقًا إلى النخيل، فبدا لنا عندما دخلنا على جانبَيْه شيءٌ من حركة المقاهي في ظلال تخلَّلتها أشعة الشمس، ثم سمعت صوتًا يذبح، وفرقعة ترجرجت الأرض منها. هي عربات النقل — سيارات الجيش الهائلة — يَسُوقها جنود الإنكليز. والغريب أن غبارها وروائحها نفعتني تلك الساعة فأخرجَتْني من الجنازة. هي طلائع الحياة في بغداد اليوم، أمَّا بغداد الأمس ففي كتاب ألف ليلة وليلة تجدها.

وصلنا إلى الجسر، جسر «مود»،٣ وهو مثل الأرجوحة معلَّق بشاطِئَيْ دجلة، بيْدَ أنها أرجوحةٌ من المراكب تنحني تحت أرجل المارين، وتئِنُّ تحت دواليب العربات، وتصفِّق تحت سنابك الخيل، وتصرخ صرخاتٍ مُزعِجة تحت أثقال سيارات الجنود. وكان النهر في صباح يوم من أيلول صغير الموجة لطيفها، يسير سيرًا بطيئًا هادئًا، ومجذاف البلام٤ يحرِّك اللجين فيه فيستحيل ذهبًا في أشعة الشمس. وهناك في الجهة الشرقية تبدو بغداد بقبابها الزرق ومآذنها البيض، وقصورها على الشاطئ تعيد إلى مَن كان شغفًا بمجدِ الزمان الغابر شيئًا من البهجة والانشراح، بيْدَ أن تلك البهجةَ قصيرةُ الأجل، فهي لا ترافقه إلا في النهر أو الشط بلغة أهل العراق.

عبرتُ الجسر فإذا أنا في شارع مهشَّم حزين، كأنه بحاناته ومقاهيه قد خاض عبابَ الحرب العظمى، ووصلتُ إلى نُزُل «مود» فوجدتُ العمَّالَ يشتغلون في الترميم، فقصدت إلى نُزُل آخَر، فإذا الخدم يغسلون صحن الدار، وكان صاحب النُّزُل لا يزال نائمًا، فخاطَبَني الخادم يقول: ولا غرفة واحدة فارغة ولا سرير. ثم دلَّني على فندقٍ في الجوار المبارك فبادرتُ إليه، فإذا هو كالأمل الضائع في صدر الجائع، فأنزلتُ مع ذلك أمتعتي ودفعتُ إلى الحوذي ما تبقَّى من ثروتي، ودخلتُ الغرفَ واحدةً بعد الأخرى أبغي أحسنها، فإذا هي مثالُ المساواة الأعلى: كلها صغيرة مُظلِمة باردة عَفِنة. فقلت: لا حول ولا …!

فطرتُ ثم سألت الخادم عن الهاتف فقال إنه لا يزال نائمًا. فقلت: التلفون أريد. فقال: تجده في «المدجستيك». فسددتُ خطوات اليأس إلى النُّزُل ذي الاسم الجليل، فلقيتُ صاحبه في الباب يستنشق هواء الصباح، فقلت: عندكم تلفون؟ فقال: نعم.

– وهل تظن أن أحدًا في قصر الملك يجاوِبني الآن إذا تكلَّمتُ؟

– ومع مَن تريد أن تتكلَّم؟ مع أمين الكسباني؟

أمين الكسباني عندي كان الجواب. بُهتُّ حقًّا ثم قلت: أساحِرٌ أنت؟ فقال: أنا من تل كيف.٥ ثم نادى الخادم وأمَرَه أن يدلَّني على غرفته.

كان الباب مفتوحًا؛ إذ لا نوافذ للغرفة غير واحدة تفتح مثل الباب على الرواق، وكان الأمين في ثوب النوم واقفًا أمام المرآة يزيِّن روحه، وكانت ذقنه قد ابيضَّتْ بالصابون، فلما رآني ابيضَّ منه الوجه كذلك، ووقعت الموسى من يده، ثم رشَقَني بالشتائم السود.

– متى وصلتَ؟ وكيف تصل قبل الوقت المعيَّن؟ هذه قباحةٌ منك. تشغل أصحابك بك فيستعِدُّون للقائك ثم تُباغِتُهم هذه المباغَتة وأنت الأديب المشهور بالذوق والكياسة؟

– أَلَا تسمح بكلمة؟

– سامَحَك الله! ماذا أقول لمن ناموا باكرًا البارح لينهضوا باكرًا اليومَ لملاقاتك؟ القطار وصل قبل الوقت المضروب؟ يقولون لي: ولماذا لم ينتظرنا في المحطة؟ وإذا قلت: إنه رجل مثل القطار شاذ الطبع والسلوك، فهم لا يفهمون ولا يعذرون!

– ألا تسمح بكلمة؟

– سامَحَك الله! قد خاب ظني بذوقك وأدبك.

فقلت وأنا لا أزال واقفًا في الباب صابرًا على ذي السباب: وأنت الذي قضيتَ حياتك في إنكلترا، وكنتَ على العمل في الليل أدأبَ منك في النهار، أيزعجك الرواح إلى المحطة منتصفَ الليل أو بعده؟ وهَبْ أنك علمتَ أن القطار لا يصل قبل الصبح فما كان عليك أن تحيي الليل إكرامًا لصاحبك على الأقل، لاعبًا ﺑ «البريدج» ثم تخرج ساعة الفجر إلى المحطة تستنشق الهواء؟ الحق يقال يا أمين إن سنة في بغداد أورثتك الكسل والخمول.

بعد هذه المشاتمة تصافَحْنا وسلَّمْنا سلامَ الأحباب، وجلست أطالع آخِر أعداد جريدة اﻟ «تيمس» الإنكليزية التي كانت على الأرض.

– نحن علمنا أن القطار تأخر، ولكنه من عادته أن يتأخَّرَ اثنتَيْ عشرةَ ساعة.

– ما لنا والقطار! عسى أن يكون حالك أحسن من حاله. يظهر أنك ألفتَ الظلمةَ في إنكلترا فأحببتَ الإقامة في مثل هذه الغرفة.

– هذه بغداد، فنادقُها شبيهةٌ بعضها ببعض، ولا فرْقَ بينها في غير الأسماء والأجور.

– أحقًّا ما تقول؟ أَلَا يوجد في هذا النُّزُل غرفةً ترمقها الشمسُ ولو بلحظة؟

أجاب الأمين متبرمًا: هذا أحسنُ نُزُلٍ في بغداد، وقد نجد لك غرفة فيه.

فقلت مصرًّا على المشاكَسة: ومثل هذه الغرفة؟

– أفَلَا تتنازل إلى مساواتنا؟

– أذكر أن للمساواة أقنومَيْن آخَرين؛ هما الحرية والإخاء، وبما أني قد آخيت النجوم واقترنت ثانيةً بالحرية في بلاد العرب، فسأتنازل عن المساواة وأنام على السطح.

فسبَّني بالإنكليزية ثم العربية ثم قال: جرحت ذقني … أَلَا تخشى البرد؟

– أخشى العفونة أكثر من البرد. أين قصر الملك؟

– لا قصرَ لجلالته.

– وأين هو نازل؟

– خارج السور؛ خارج المدينة.

– أَوَلَا يُؤذن لي أن أنصبَ خيمتي خارج المدينة؟ صدِّقني يا أخي إنني أمرض في مثل هذه الظلمات. قد صرت بدويًّا فلا يطيب لي غيرُ الفلاة. أليس عندكم بدو خارج المدينة أنزل — عليهم — معهم؟

فقال الأمين متهكمًا: ولكنك تتنازل فتزور جلالة الملك أولًا، أليس كذلك؟

– طبعًا، طبعًا، لا تؤاخذني.

فضحك وفرح بغلبتي، فأخبرته إذ ذاك بما جرى لي منذ وصولي إلى البصرة حتى وصولي إلى محطة بغداد، فرثى لحالي وغفر لي نزقًا أنساني الواجب. وكنت قد علمتُ وأنا في بمباي بالجراحة التي أُجرِيت لجلالة الملك، وأُخبِرت في الطريق إلى العاصمة أنها نجحت، وأن جلالته قد تماثَلَ إلى الشفاء.

– أَفَلا ينبغي أن أكتب إلى جلالته كتابًا أهنئه بصحته وأُعلِمه بوصولي؟

سنكفيك مئونة الكتابة.

وكان قد أتم صديقي تزيينَ روحه، ولمَّ شعث طبعه، فعادت إليه السكينة، وتجلَّى فيه الحِلْم والوقار، فصار أسلسَ من الماء — كما يقال — وألينَ من أعطاف النسيم. أمَّ الهاتف في النُّزُل وعاد يقول: ستقابل جلالته اليوم. فسُرِرت بذلك.

وبعد ساعة ركبنا سيارة أميركية سارت بنا هائجة تثير النقع في شارع بغداد الجديد، الطويل المستقيم، الوحيد، الذي يمتد من أول المدينة جنوبًا إلى آخِرها شمالًا، وخرجنا من البوابة عند نظارة الدفاع، فمررنا بثكنة إلى اليمين وواصَلنا السير في طريق الأعظمية حتى وصلنا إلى بستان على إحدى حواشيه بيتٌ صغير أنبأت المواعين في فنائه بأنه بيت فلاح يكثر عنده الحليب واللبن، بل هو بيت مدير الزراعة الخاص لجلالة الملك. ثم نزلنا عند بيت آخر صغير داخل البستان، شبيه ببيوت اﻟ «اسبستوس» التي كانت تُبنى أيام الحرب بساعة، وتُنقل من مكان إلى مكان، فإذا هو مفروش بالفرش الأوروبي ببساطة أفصحت عن ذوق لطيف، وفيه خزانة كتب معلق فوقها صورة الملك فيصل مع الكاتب الإفرنسي أناطول فرانس، ومنضدتان وراء أحدهما شاب عصري، وضَّاح المُحَيَّا، عالي الجبين، حَسَن البزَّة، بادَرَ إلى استقبالنا، وكان في ترحيبه مثله في لبسه أنيقًا دقيقًا رسميًّا، هو رستم حيدر السكرتير الأول لجلالة الملك، وصاحب الرسالة التي صدَّرتُ بها هذا الفصل.

شربت القهوة في ديوانه، وتلمَّست في محدِّثي بالرغم عن حجاب الرسميات نفسًا هادئة كيِّسة، وعقلية راقية، وتمتعت بعدئذٍ أثناء إقامتي في بغداد بشيء منها وراء الحجاب، سأشاركك أيها القارئ به. أمَّا الآن فهو الذي عجل، شكرًا له بتحقيق ما جئت من أجله. عمد إلى الهاتف على منضدته ثم قال: سيدنا يقابلكم الآن.

سرنا في ظلال النخيل إلى بيت لا يُعَد في القاهرة أو في بيروت فخمًا ممتازًا، ولكنه مبني على شاطئ دجلة في بستان من النخيل، في جوار الإمام الأعظم، وقبالة المكان الذي ازدهرتْ يومًا فيه المدينة المدوَّرة، مدينة المنصور. دَعْ عنك ذِكْر المنصور والإمام العظيم. البيت قصر حتى ولو كان مجردًا عن المحاسن الطبيعية والتاريخية والدينية كلها، هو قصر لأن ملك العراق الأول مُقِيم فيه.

حيَّانا جنديان في الباب، ثم استقبَلَنا أحدُ الضباط فدعانا لغرفةٍ فيها طاولة عليها سجل الزائرين، ثم جاء أحد الأمناء يدعونا إلى الطابق الأعلى، فدخلنا وراءَه رَدْهةَ للجلوس، وبعد هنيهة فُتِح باب أفضى بي إلى غرفة النوم. وكان الأسبوع الثالث من الجراحة، وكنت أول مَن حازَ شرفَ الاستقبال بعدها.

الأمير فيصل بن الحسين بن علي بن نُمي، ابن بنت الرسول، قائد جيش الشمال العربي في الحرب العظمى، ممثِّل العرب في مؤتمر فرساي، حامل لواء الوَحْدة العربية في أوروبا، حاكم الشام، ملك سوريا، ملك العراق! قد تتبعتُ وأنا في نيويورك هذه المراحل الباهرة في ذلك التاريخ، تاريخه القصير المجيد، وأنا معجب به كل الإعجاب، مكبر منه الأعمال والأقوال والمقاصد العالية، متأسف أني لم أجتمع به في باريس أو في لندن أو في الشام، محتفظ بكل شاردة من شوارد الشوق والأمل. ثم وفَّقَ الله فارتحلت شرقًا إلى البلاد العربية فكانت عاصمة العباسيين؛ خصوصًا لأن فيها بطل أحلامي، نورًا من الأنوار المقصودة، ومحجة من المحجات المنشودة.

لم أشعر وأنا داخل إلى غرفة النوم، على ما تقدمها من الرسميات الملكية الغربية، بأني داخل على مَلِك من ملوك العرب، هو من أكبرهم شأنًا وأصغرهم سنًّا؛ ذلك لأن الخيال مني رافَق فيصلًا في الخمس السنوات الأخيرة، فأدناني منه فأحسست تلك الساعة أن وراء الستار صديقًا لي وأخًا في الجهاد الوطني؛ وما كان الحس خئونًا.

دخلت فإذا بجلالة الملك جالس على الديوان مكشوف الرأس ملتفًّا بعباءته، فوقف وتقدم يلاقيني، وسلَّمَ عليَّ سلامَ الإخوان، وكان وجهه الذي شبهه أحد كتاب الإفرنج بوجه المسيح أشبه به يومئذٍ على ما أظن منه في الماضي؛ لأن المرض أكسبه لونًا تخفُّ فيه حِدة الحياة وتكاد تضمحل، فيمتزج امتزاجًا لطيفًا بالنور الناعم الجالس هادئًا في عينيه، ثم جوَّفه قليلًا تحت العظم الأعلى فصار يظهر ما فوقه؛ أي الجبين، أكثر اتساعًا ورفعة، وما دونه مستطيلًا مسنمًا. أما في صوته وابتسامه وإشاراته فقد كان أشبه بجلالة الملك أبيه.

شكرته على جميلِ تعطُّفِه في استقبالي يوم وصولي وهو لا يزال في حال النقه، فقال إنه يشاركني في الشوق إلى المشاهدة، ثم هنَّأته بصحته وبعيد جلوسه — العيد الأول لملك العراق الأول — فابتسم ابتسامةً فيها بعض الغم وانتقل بالحديث إلى رحلتي.

«إنها رحلة عجيبة يا أمين، وسيكون فيها — ولا شك — فوائدُ كثيرةٌ للعرب. كنَّا مُرافِقين لك مُعجَبين بكل ما وصَلَنا من أخبارك وبما طالَعناه في الجرائد عنك.»

ثم سألني بعض سؤالات عن البلدان التي زرتها وعن أمرائها وحكَّامها، وكان لا يزال الضَّعْف يمنعه عن الإفاضة بالحديث.

«أحبُّ أن تخبرني كل شيء وسنجتمع فيما بعدُ اجتماعاتٍ عديدة.»

فاستأذنت بالانصراف، فوقف وهو يقول: سنجتمع فيما بعد. ثم اعتذر، وكان ذلك من جميل التواضُع فيه، عما أسماه تقصيرًا في القيام بواجب الإكرام والضيافة.

ولكنه بعد أن خرجتُ دعا الكسباني فحدَّثه بكلمة، فعاد الصديق إليَّ يقول: امشِ إلى النُّزُل بأمر جلالته. وقد أمر أيضًا بسيارةٍ أثناء إقامتك في بغداد.

(٣) لا حكومة ولا انتداب

يومَ وصلتُ إلى العراق كان بركان السياسة قد انفجر من كل جانب، فترامت من النجف الحمم، واستعرت في بغداد النيران، وتصاعد بين الرافدين اللهيب والدخان. في ذاك الحين قام الزعماء يطلبون رفض الانتداب، وانتخاب المجلس النيابي، وإعلان الاستقلال التام، وتأييد العرش، وسُمع بين الأصوات الشاعر الحكيم يقول:

أنا شاعر يبغي الوفاق موحد
بين الشعوب سبيله الإرشاد
ما الفرس والأعراب إلا كتفا
عدل وما الأتراك والأكراد
لم تكفنا هذي المطامع فرقة
حتى تفرق بيننا الأحقاد

وكانت الحركة قد اشتدت قبل عيد الجلوس بأيام، فأثَّرت بصحة الملك وزادت بآلامه التي كانت الزائدة المعوية سببها، فأشار الأطباء بجراحة فأجَّلها جلالته إلى ما بعد العيد. أما الوطنيون، المتطرِّفون منهم والمعتدلون، فلم يؤجِّلوا مما سعوا إليه شيئًا. ويظهر أن صوت الشاعر أثَّر فيهم يومئذٍ تأثيرًا حسنًا، فحملهم على توحيد المطالب والآمال.

وقد كان لحملاتهم ثلاثة أهداف؛ أي الوزارة، والحكومة، والملك نفسه، فاستخدموا لها ثلاثة أنواع من السلاح: سلاح الكلام؛ صوَّبوا مدفعيتهم على الوزارة التي كان يرأسها السيد عبد الرحمن النقيب فاستقالت، وطاروا بطياراتهم الخطابية فوق دار الانتداب فأزعجت المندوب السامي فبات حائرًا لا يدري ما يفعل؛ ولا سيما أن الجيوش يومئذ لم تكن تكفي لإخماد فتنة صغيرة.

أما جلالة الملك فجاءته الوفود يوم العيد، أول عيد لتاج العراق، عيد الجلوس — غير المأنوس — يهنئونه ويطالبونه والحكومة المشارفة بالوعود التي مر العام الأول عليها دون أن يُنجَز شيء منها. وكان في البلاد حزبان سياسيان: الحزب الوطني العراقي، وحزب النهضة العراقية، فاتحدا بعد أن تشاقَّا واجتمعا اجتماعًا خصوصيًّا في اليوم السابق لعيد الجلوس قرَّرا فيه بالاتفاق رفع احتجاج إلى «أعتاب صاحب الجلالة المعظم»، ونقطة الدائرة فيه أن الأمة كانت تنتظر بعد التتويج حكومةً دستورية نيابية، فمرت السنة الأولى، والحكومة لا تعرف أدستورية هي أم نيابية أم ملكية مطلقة. إن الأمة يا صاحب الجلالة تكابِد أنواعَ الأضرار الناتجة عن سوء الإدارة «المتغلب عليها نفوذ البريطانيين المنافي لروح الاستقلال؛ لأنهم اتخذوا سياسةَ التفريق وغيرها من الأعمال غير المشروعة رائدًا لهم». وهذه الوزارة، وزارتهم، أسقطناها لأنها كانت العاملَ الأعظم في مُناهَضة آمال الأمة.

وبما أن المجلس النيابي لم يتألف حتى الآن، وبما أن خطر الانتداب يهدِّد استقلال البلاد وحرية العراقيين، فقد اجتمعت هيئتا المركز العام للحزب الوطني العراقي ولحزب النهضة العراقية، وقرَّرتا عرض الحالة على جلالتكم مسترحمين صدور الإرادة الملكية فيما يلي:
  • أولًا: الكف عن الأعمال المار ذِكرها؛ ولا سيما التدخل البريطاني في الأمور الإدارية.
  • ثانيًا: تأليف وزارة من ذوي الجدارة المخلِصين لكي تطمئنَّ الأمة بإصلاح الحال.
  • ثالثًا: ألَّا تُعقد أية معاهدة ولا تجري أية مفاوَضة بشأنها قبل تأليف المجلس النيابي.
ولم يكتفِ المركز العام لحزب النهضة العراقية بهذا الاحتجاج وهذه المطالب، فأصدر مذكرةً خصوصية من قلب البركان، فيها لفتات إلى الماضي وأنَّات. شكا الحزب سياسةَ الحكومة التي لم يرَ الشعب في خلال سَنةٍ منها فَرْقًا بينها وبين سياسة الحكومة الاحتلالية، ورفع احتجاجَه إلى العالم المتمدن، وإلى كلِّ مَن يؤلمه صوتُ شعبٍ مهضوم الحقوق، منبعث من طيَّات أفئدة مليئة بالآلام والأماني — إننا نحتج على ساسة حكومة بريطانيا الاستعماريين، وعلى الانتداب وأنصاره الممقوتين في البلاد، في هذه البلاد العراقية التي كانت تستعيد في مثل هذا اليوم من العام الماضي ذِكرى المنصور والرشيد والمأمون، «مؤملة أن يكون بلسمًا للجروح البليغة التي أحدَثَها الاستعبادُ السنةَ الماضية في جسمها النحيف.»٦

وهذه الأمة ذات الجسم النحيف والقلب المفعم بالآلام والآمال تعيد عيدَها السعيد بتتويج جلالة مليكها وارتقائه عرش العراق الذي «شُيد فوق جماجم الشهداء»، وتبعث الوفود ليرفعوا إلى جلالته أصدقَ عبارات التبريك، والخطباء ليُسمِعوه أنينها وشكواها.

جاء صباحَ اليوم الثالث والعشرين من شهر آب وفْدُ الحزبين المذكورين، ومعهم جمهور من الأنصار احتشدوا في فناء القصر، فطلب الزعماء من الملك أن يأمر بمَن يمثِّل جلالته لسماع الخطب هناك، فأمر جلالته رئيس الأمناء لينوب عنه، فخطب في الجمع خطيب الحزب الوطني العراقي، الشاعر الضرير الشيخ مهدي البصير، فهيَّج في رئيس الأمناء الشجونَ فانتصب خطيبًا، وحقَّ له الكلام؛ إذ كان الملك أنابه عنه، وحقَّ له أيضًا أن يبرهن على حماسة — وقيل حماقة — فيه أَنْسَتْه أنه موظف في البلاط، وأن المندوب السامي لبريطانيا العظمى قادم في تلك الساعة ليهنئ جلالة الملك بعيد الجلوس، وأن عليه هو واجب الاستقبال والترحيب. وقد اتفق أنه بينا كان حضرة الأستاذ رئيس الأمناء يخطب ضد الانتداب أقبل المندوب السامي السر برسي كوكس ورجال الوكالة البريطانية لأداء التبريك، فاستقبلهم الجمع صارخًا: ليسقط الانتداب! ليسقط الإنكليز!

وكان قد وصل لسعادة المندوب في اليوم السابق برقيةٌ من زعماء النجف، يؤكِّدون له فيها أنهم لا يُنكِرون «صداقة حكومة بريطانيا العظمى، صداقة خالية من المحاباة»، ويُعلِمونه برغائب الأمة العراقية «التي لا يمكنها التنازل عنها مهما كلَّفها الأمر»، وهي المواد الآتية:
  • أولًا: رفض الانتداب بتاتًا، وإعلان حكومة بريطانيا العظمى بإلغائه رسميًّا.
  • ثانيًا: مراجَعة حكومة جلالة ملك العراق لوزارة الخارجية لا لوزير المستعمرات.
  • ثالثًا: رفع تدخُّل ممثِّلي أية سلطة أجنبية؛ لأن في الأمة نفسها الجدارة لإدارة شئونها.

هذا من علماء الشيعة وجلالة الملك يومئذٍ معهم، إلا أن بعض العشائر لبَّوا الدعوةَ التي قيل إن دار الانتداب مصدرها، فاجتمعوا يحتجُّون على العلماء ويُعلِنون ولاءَهم للإنكليز، ثم قدَّموا عريضةً بذلك إلى المندوب السامي، فكانت بيده حجة على جلالة الملك. وقد أشار فخامته بأن سيُعلِن العريضة إذا كان الملك يرفض المعاهدة، فلم يكن لينتظر والحال هذه مثل تلك المفاجأة القبيحة في القصر. أما إذا قيل إن من حقوق الشعب — واليوم يومه — أن يفاجئ السياسيين في أي وقت وأي مكان كان، فيجب أن يكونوا متأهبين له دائمًا، فمن النادر أن يحدث في بلاط ملكي — في غير وقت الحرب أو الثورة — مثلُ هذا التظاهُر الرسمي — رسمي هو بوجود مندوب الملك واشتراكه به — ضدَّ دولة من الدول العظمى، بل هي إهانة اقتبلها السر برسي كوكس هادئَ البادرة ساكنًا، وأظنُّه سُر بها؛ فقد كان مترددًا، كما قلت، في اتخاذ خطة الشدة لقمع ما كان يُنذِر بثورةٍ أخرى في العراق مثل ثورة سنة ١٩٢٠، فأزالت حادثةُ البلاط التردُّد، وشحذت فيه عزمًا كان موضوع ريب الناس.

ولكنه إنكليزي، وأكثر الإنكليز في مثل هذا الموقف واحد، فلم يدع السر برسي الحادث المؤلم يَحُول دون واجبه تلك الساعة، بل دخل على الملك وهنَّأه بعيده الأول، ثم اجتمع بعدئذٍ به فدار بينهما حديث كانت له نتيجتان: الأولى في البلاط الملكي، وهي عَزْل رئيس الأمناء؛ والثانية في دار الاعتماد، وهي الخطة التي أخمدت النيران التي كانت تتصاعد من بركان السياسة المتفجر.

لا ريب أن الأقدار ساعدت السر برسي كوكس في عملِ لم يكن من طبعه ومبادئه؛ لأنه رأيًا وخُلقًا وسياسةً نقيض سلفه السر آرنلد ولسون الذي سبَّب أو عجَّل ثورة ١٩٢٠؛ فالسر آرنلد حاد المزاج، سريع الغضب، شديد البأس، عالي الهمة، قصير النظر، يضرب ولا يحسب للعواقب حسابًا. والسر برسي ليِّن العريكة، هادئ البادرة، طويل الأناة، يعالج الأمورَ بالحنكة التي قلَّما تلجأ إلى القوة. على أنه أدرك ما في الحادث من الخطر على منصبه إذا كان لا يقف موقفَ كل إنكليزي، بل كل إنسان أُهِين رسميًّا وأُهِينت حكومته وأمته. قد يقال إن الملك في عَزْله رئيس الأمناء اعتذر ضمنًا وصراحةً عما بدا، ولكن ذلك لا يكفي، بل قد يزيد الوطنيين شغبًا وهياجًا. فأقدَمَ على العمل الذي اقتبله العراق ساكنًا ساكتًا.

قلت إن الأقدار ساعَدته في سياسة الشدة؛ لأن جلالة الملك بعد عيد الجلوس سلَّمَ نفسَه إلى الأطباء، وكانت الوزارة قد استقالت فأصبحت الحكومةُ كلها بيده — خَلَا له الجو — فأصدر أمْرَه بإقفال الحزبين؛ الحزب الوطني العراقي وحزب النهضة العراقية، وبتوقيف جرائدهما، ثم نفى إلى هنجام٧ الزعماء، وفيهم الحاج جعفر أبو الثمن وحمدي أفندي الباججي والشيخ مهدي البصير، وأخطَرَ مجتهِدِي الكاظمين السيد حسن الصدر والشيخ مهدي الخالصي بتسفير نجلَيْهما، وهما من زعماء النهضة، إلى إيران، ففعلا دون تردد أو احتجاج.

وكان جلالة الملك رهينَ الأطباء وموضوع الإشاعات المتعددة، منها إشاعة موته التي ضجَّت لها العاصمة واتخذها أنصار المنفيين ومَن تبقى من الأحزاب الوطنية حجةً على سكوتهم وإخلادهم إلى السكينة، غير أنه يُستغرَب سكوتُ ثلاث من «حجج الإسلام» المجتهدين؛ وهم: السيد أبو الحسن الأصفهاني، والسيد حسن الصدر، والشيخ مهدي الخالصي، وقد كانوا كلهم زعماءَ النهضة وأعلامها. على أن بعض العشائر المُوالِين للعلماء، مَن لم يعلموا بسكوتهم، ظلوا يُطالِبون بسقوط الانتداب، فسوَّدت الحكومة الإنكليزية صحيفتَها في إرسالها الطيارات ترمي أكواخهم بالقذائف النارية، وقد كانت في غنًى عن ذلك؛ لأن مَن ينادون مع المجتهدين يسكتون إذا هم سكتوا.

أما إذا نظرنا في الأمر نظرةً إجمالية فقد أفلح المندوب السامي، وإنْ كان قد أخمد في عمله — ولو إلى حين — نارَ الوطنية التي رأى نفسَه بعدئذٍ في حاجة إليها ليقاوم بها الأتراك ودسائسهم في الموصل وفي بلاد الأكراد، ولكنه في ذاك الحين لم يكن ليبغي غير أمرَيْن: عَقْد المعاهدة الإنكليزية العراقية، وتأسيس مجلس نيابي يُجِيزها. وكان متيقنًا أن الأمر الأول لا يتم إلا في ثبات الولاء والمؤازَرة بين دار الانتداب وبيت النقيب، فسعى أولًا في تأسيس حزب سياسي معتدل دُعِي بالحزب العراقي الحر، يرأسه السيد محمود بن السيد عبد الرحمن النقيب؛ ليكون عونًا للحكومة في انتخاب المجلس. ثم سعى في إعادة الوزارة المستعفية لإنجاز المعاهَدة. وكان جلالة الملك يُؤثِر غيرَ النقيب رئيسًا، والمندوب السامي للأسباب التي بسطتُها لا يبغي سواه. وسترى بعدئذٍ كيف أن خُذِل صديق الإنكليز الأكبر في العراق بعد توقيعه المعاهَدة المشهورة.

على أن هناك فترة مشئومة مظلمة، قبل التوقيع وبعد رجوعه إلى الرئاسة، كانت السيادة الإنكليزية فيها مشلولةً حقيقةً ومعنى، فلم يكن في البلاد لا حكومة وطنية تُذكر ولا انتداب؛ ذلك لأن الملك فيصلًا عمد بعد شفائه إلى سياسةٍ أزعجتْ دار الانتداب، فقبل مُحَوْقِلًا برئاسة النقيب، وظل متمسكًا بأهدابِ أحزابٍ تلاشت، ووطنية لجأت إلى التقية واستشعرت السكون.

(٤) مآدب الغم

سمعت الإنكليز في العراق يقولون: هذا فيصل الذي أقمناه ملكًا ينقلب علينا في السنة الأولى. ولكن للمسألة وجهة أخرى، ولجلالته قصة غير قصة الإنكليز قصَّها عليَّ في المقابلة الثانية.

كان لابسًا صباحَ ذاك اليوم ثوبًا مدنيًّا وسدارة من لونه، وكان لا يزال في وجهه أثرٌ من العياء والضَّعف، بيْدَ أنه في حديثه كان شديدَ اللهجة صريحها؛ صوت ناعم فيه قوة اليقين، وعين شهلاء يضطرم أحيانًا نورها الهادئ ولا يروع.

«يطلبون مني عقد المعاهدة وفيها نصٌّ صريح على الانتداب، وفي بعض موادها غموض، فتحتمل التفاسير العديدة، فيفسِّرها القوي في المستقبل لتُوافِق مصلحتَه وسياسته. وهذا لا يجوز. هذا غير ما عاهَدوني عليه في لندن. قد صارَحتهم هناك كما أصارِحُك الآن. قلت للمستر تشرشل إني لا أقبل أن أكون مَلِكًا على العراق إلا بشرطَيْن أوليين، وهما استقلال البلاد، وإلغاء الانتداب. فقبل المستر تشرشل بذلك، ووعدني وعدًا أيَّده بكلمة الشرف، وهو أن الحكومة الإنكليزية تعترف باستقلال العراق وتساعد العراقيين بتأسيس حكومة وطنية ذات سيادة تامة وتلغي الانتداب. كل ذلك في مقابل معاهَدة نعقدها والحكومة البريطانية تضمن لها الحقَّ أن يكون المستشارون والأخصائيون في حكومة العراق من الإنكليز فقط، وتضمن لها أيضًا بعض الحقوق في اقتصاديات البلاد … وهم اليوم يقولون إني انقلبت عليهم، وليس فيما أقول وأفعل غيرُ الثبات على العهد والولاء. هذا وعد المستر تشرشل، كلمة شرف بإلغاء الانتداب. والآن يا أخي أمين تجيئني حكومته بمعاهَدةٍ تبتدئ بذِكر الانتداب وعصبة الأمم ثم تكرِّر هذه الألفاظ في أكثر موادِّها. لا والله. لا أوقِّعها ولا آذَنُ بتوقيعها. ولا تتألَّف وزارة جديدة٨ قبل أن يجيئوني بخطة صريحة وكلمة صريحة بأنهم سيبرُّون بالوعد.»

هبْ أن هناك سوء تفاهم، أو أن المستر تشرشل وعد وعدًا حالتْ بعد ذلك السياسة الإنكليزية دون تنفيذه، فموقف الملك فيصل مع ذلك لا يُقدَح به، وأكثر العراقيين يرفضون الانتداب ويمقتونه. فهل يُلام يا ترى إذا فضَّل أن يكون ملكَ العراق على أن يكون فعلًا مأمورَ الانتداب وفوق يدِه يدُ المندوب السامي؟ ولكن هناك أمرًا آخَر لا يتغاضى عنه مَن أحب العدل والإنصاف؛ أن فضل الحكومة الإنكليزية في تتويج الملك فيصل يوازي في الأقل فضل العراقيين الذين بايعوه؛ فقد كان في البلاد يومَ وصوله إلى العراق وقبلَه عددٌ من طلاب المُلك، منهم الشيخ خزعل خان حاكم عربستان، فانسحب بإيعاز من الإنكليز؛ ومنهم ذاك الداهية العراقي السيد طالب النقيب الذي كان يطوف البلادَ يومئذٍ بصفته وزير الداخلية ساعيًا في سبيل المجد الوهَّاج، طالبًا العرش والتاج، فتعقبه الإنكليز وألقَوا القبض عليه بحيلة لا تليق بهم وأَجْلَوْه عن البلاد. وكان نقيب بغداد السيد عبد الرحمن عونهم الأكبر على ابن نقيب الموصل السيد طالب؛ لذلك قيل إن النقيب كان النصير الأعظم لفيصل، وهناك الأمير عبد الله الذي كان يُؤثِره العراقيون على أخيه. أمَّا طريقة الانتخاب فيكفي أن أقول إن الموظفين السياسيين في الألوية كانوا يديرونها.

ليس الملك فيصل ممَّن ينكرون الجميل، ولكنه بين جميلَيْن، هما أحرق من نارين؛ جميل مَن سعى في سبيله، وجميل مَن بايعه، وفي الاثنين مبدآن لا يخطئ مَن يروم الحقيقةَ الوطنية في تفضيل مبدأ مَن بايع منهما على مبدأ مَن سعى. على أنه من الخطل أن يعادي الملك الإنكليز أو أن تعادي الأمة العراقية الحكومة البريطانية. قال جلالته بصراحةٍ لا صراحةَ بعدها: تراني اليوم مُحاطًا بالأعداء ولا صديقَ لي غير الإنكليز، فمن أين لي بحليفٍ لو شئتُ المحالَفة؟ في الغرب، في سوريا الإفرنسيون وهم أعدائي، وفي الشمال الأتراك وهم يكرهونني، وفي الشرق الأكراد وقد تفلَّتوا من يدي، والعجم وهم يدسُّون الدسائسَ بواسطة الشيعة على حكومتي، وفي الجنوب ابن سعود وهو دائمًا يهدِّدنا بالإخوان. مَن لي إذن غير الإنكليز؟ وهل يعقل أني أنقلب عليهم؟ بل هم المنقلبون يا أخي أمين، هم يَعِدُون الوعودَ ولا يبرُّون بها.

عاد جلالته إلى وعد المستر تشرشل فذكَّرني بجلالة أبيه يوم كان الملك يضرب لي الأمثال، ويرمز بالرموز ليبرهن على أنه من النادر أن يجد المرء مَن يفوق الإنكليز في المراوَغة والتلوُّن ونقض العهود: «يطلبون مني التصديق على معاهدةٍ لا تمكِّنني من تأسيس حكومة ثابتة قوية … والحقيقة أنه لو عقدنا هذه المعاهدة يستحيل علينا القيام بها … ترانا الآن نعجز عن تأسيسِ جيشٍ وطني لأن العراقيين لا يُلبُّون النداء؛ لا لأن الوطنية فيهم ضعيفة. لا، لا، ولكنهم يقولون: إذا كان الإنكليز ينوون احتلالَ البلاد تحت طيِّ الانتداب فَلْيُدافِعوا هم عنها. أَوَلَا ترى الحقَّ يا أخي في هذا القول؟»

كان يتكلم جلالته بصوت هادئ، وكان النور في عينَيْه ساكنًا، مع ذلك كنت أرى في أنامله دليلَ الاضطراب؛ إذ كان يُخرِج الخاتمَ من بنصره فيلعب به كأنه سُبحة ثم يُعِيده إليه. وعندما كان يتكلَّم عمَّن يحيط به من الأعداء رفع السدارة عن رأسه ووضعها على الديوان، فأنار جبينه العالي وجهَه فتراءى فيه شيء من الحُسْن جليل، ولا سيما أن لونه الحنطي كان لا يزال مائلًا إلى الاصفرار. إن في الملك فيصل حُسْنًا جذَّابًا، وإن في حديثه لهجةً بليغة مُقنِعة، ولكنَّ الغمَّ الذي يكمن في قلبه يظهر مرارًا في طرفَيْ فمه وفي ابتسامه.

إني أعتقد أن في الملك فيصل مَزِيَّة روحية تحبِّب إليه المثل الأعلى في الحياة، على أنه — وإن كان ملكًا — يرى نفسه في هذا المضمار مثل كل مَن تعشَّق الكمالات، وسعى إليها جادًّا، فرآها كقوس قزح بعيدة دائمًا عنه. وهذا في نظري أحد أسباب الغم، رفيق جلالته الدائم، وإنْ توارى أحيانًا عن الأبصار. هو الغم الروحي الذي يتضاعف في علو المناصب وخطورتها فيكون في الملوك، وإنْ ندر، أشد منه في غير الناس.

قد تشرَّفت بمقابلة الملك فيصل ومجالَسته ومحادَثته في أحوال شتى، رسميًّا وغير رسمي، في البلاط وخارج البلاط، على المائدة الملكية وإلى السماط البيتي، فلم أَرَه مرةً ناعمَ البال مطمئنًّا، بل كان الغم مثل الظل في أذار يظهر في مجلسه ويختفي إذا تكلَّم وإذا سكت.

دُعيت إلى مأدبة أعدَّها في القصر كان جالسًا إليها في صفَّين متقابِلَين عشرون من كبار موظفي الحكومة العراقية والوجهاء، وعشرون من رجال حكومة الانتداب وبعض حريمهم. وكان جلالته جالسًا في الوسط وإلى يمينه قرينة المندوب السامي اللادي كوكس، وإلى شماله القائد العام للجيش الإنكليزي في العراق، وكان قبالة الملك أخوه الأمير زايد، وإلى يمين الأمير المندوب السامي، وإلى شماله آية النساء في العراق وشمعة سياسته الخاتون جرترود بِل. وكان بيني وبين المندوب السامي سيدة إنكليزية، وقبالتي سيدة أخرى، فعلمت من الواحدة أنها حزينة جدًّا؛ لأنها تحب الموسيقى ولا تستطيع أن تقتني «بيانو» في بغداد، وأخبرتني الأخرى بأن زوجها، وهو أحد المستشارين، لا تهمُّه الأزياء ولا قراءة الروايات، وكان القائد العام يحدِّث جارته بما صدر حديثًا من الروايات في لندن. ثم سمعت السر برسي كوكس، وهو من غواة الصيد وله إلمام بعلم الحيوان، يسأل ما اسم اﻟ Badger في اللغة العربية، فساح السؤال حول المائدة شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا، وعاد إلى فخامة المندوب خائب الأمل.

أمَّا جلالة الملك فكان أثناء المأدبة، منذ قدِمَ الحساء إلى أن جاء الخَدَم بالقهوة، صورة من صور اليأس المحزنة، وقد أحاط نفسَه بسيدةٍ لا تُحسِن العربية، وبقائدٍ قاتم الجبين لا يُحسِن كذلك العربية ولا الإفرنسية.

قد رأيته غير مرة يتثاءب وما سمعته والمندوب السامي يتحدثان ولو عن الطقس، وقلَّما هم ذلك الإنكليز، فلا أظنهم — ما عدا المس بِل — أحسُّوا بواجب في مثل هذا المقام تفرضه عليهم في الأقل آداب المائدة، فلا يتحدثون بأمور خصوصية لا تهم جلالة الملك ولا تهم المدعوين من الوطنيين. فقد رأيت حتى جعفر باشا، وهو يُحسِن الإنكليزية، يجتهد في محادَثة جارته التي أبَتْ أن تخرج من موضوع الرواية الإنكليزية الأخيرة، وما يهم العراقيين، بل الشرقيين، يا تُرى من رواية إنكليزية تبحث في أحوال اجتماعية محلية وقتية في قرية من قرى إنكلترا؟

أمَّا جاري الآخر مجيد بك الشاوي، وهو أحد الأربعة الذين يكفِّرونهم في العراق،٩ والرجل الوحيد الذي تجاسَرَ أن يلبِّيَ الدعوة الملكية في ثوب عادي، فلم يكن ليهتمَّ بحديث الخواتين والمستشارين، بل كان يحسو الشمبانيا الكأسَ تلو الكأس، ويضحك لنكات جاره سكرتير مجلس النظَّار السيد حسين أفنان. وقد كان لمجيد بك فضل على جلالة الملك تلك الليلة؛ لأنه في سلوكه فتح بابًا للمُجون. كان واقفًا عند الوداع إلى جنبي فقال له الملك وهو يشير إلى شربه الخمر: شفتك والله شفتك. فأجاب الشاوي وهو يشير إليَّ — لم أدرك وجه الشبه في ذاك الحين: هذا صديقي؛ لأنه صديق المعري. ونحن يا مولانا لا نعرف غير المعري والخيَّام. فضحك الملك فيصل، وكانت ضحكته الأولى في تلك الليلة الحافلة بكبار العراقيين والإنكليز، المشعشعة بنياشين الوزراء وحلي الخواتين.

إني أذكر مأدبةً أخرى خارج القصر وخارج المدينة، مأدبة ويومًا في البساتين وفي معزل عن الرسميات الغربية، هناك في شرقي بغداد على نهر ديالي ناحيةَ بعقوبة، وهي جنة العراق الشمالي، وبالقرب من بعقوبة بلدةٌ على شاطئ النهر تُدعى الهوَيْدِر، فيها ملاك كريم هو فخري بك آل جميل، دعا جلالة الملك وحاشيته لقضاء يوم في ضيافته، ودعا أيضًا بعض الإنكليز، منهم المس بِل والمستر كورنواليس مستشار الداخلية، وصديقهم السيد محمود بن النقيب.

نُصِب السرادق بين أشجار الليمون والرمال، وفُرِش الطريق إليه بالسجاد، ومُدت المائدة تحت النخيل المزيَّن بالذهب والياقوت من التمر، وكان الهواء مفعمًا بطيب الرياحين والأزهار، والطيور تغرِّد على الأفنان وفي مخبآت الأدغال، والكروم مثقلة بأفخر العنب المتعدد الأنواع والألوان، والمس بِل تروح وتجيء حاملةً غصنًا من الرمان أو عنقودًا كبيرًا من العنب فتقدِّمه جاثيةً لجلالة الملك.

وجلالة الملك … لله من غم يأبى الحصر في القصور، فيرافق صاحبَه إلى البساتين في أجمل بقعة من أرض الله! لله من غم يجلس فوق العرش ويلصق بصاحب العرش حيثما حلَّ وجال! لله من غم لا يحترم حتى الإنكليز، وقد يكون له في الإنكليز ما يرويه ويغذِّيه! أظن أن المس بِل كانت تدرك ذلك فتحاول بما لها من فصاحة ولطافة أن تخفِّف وطأته، وتبدِّد في الأقل ظلاله من بساتين آل جميل في ذاك اليوم الجميل، ولكنها — وا أسفاه — لم تفلح، وقد تكون فيما أسرفتْ زادَتِ الظلال قتامًا.

جلس الملك في الخيمة بعد أن جال في البستان يلعب بسبحته، ويدخن السيكارة تلو السيكارة، وكان التعب باديًا في وجهه، والحديث لا يجيء إلا تكلفًا واجتهادًا. هي السياسة وهموم العرش، أضِفْ إليها همًّا جديدًا جاء من الشمال؛ فقد كان لانتصار مصطفى كمال وقعٌ في العراق لم يسر الملك ولا الحكومة، وكان بعض الموظفين في الموصل يُفاوِضون بطل الترك في الأناضول. وهؤلاء الإنكليز لا يدعون جلالته ساعةً واحدة، يلزمونه كالظل في كل مكان. حبذا الحكمة في سلوكهم وفي سلوك الوطنيين الذين يظنون أن المآدب لا تتم دون أن يُدعى إليها أحد من دار الانتداب.

إن الملك فيصلًا لَأقربُ ملوكِ العالم اليومَ إلى الديمقراطية، الأمر الذي لا يروق — على ما أظن — الإنكليز الشغفين بأبهة الملك، وقد يضر بجلالته سلوكٌ لم يتعوَّده الموظف الإنكليزي فيسيء فَهْمه أو يعتمد الإساءة. لا أحد ينكر أن يومًا في البساتين لجدير بأن يكون عدو الرسميات، فلا بأس إذا جلس جلالة الملك على الديوان، وهو في ثوب قائد الجيش العراقي، ورفع خوذته، ولكن الموظف في الحكومة الذي يجلس قبالته على كرسي ويمد رجليه، كما لو كان في بيته، ولا ينزع قبعته عن رأسه، يسيء الأدب ويمتهن حرمة التاج. لا أظن أن موظفًا إنكليزيًّا مهما علا منصبه يجلس كذلك في حضرة جلالة ملك بريطانيا العظمى، والملك فيصل دقيق الشعور شديد الحس، لا يستطيع أن يقول الكلمة التي تؤلم أو تسيء، ولا يتبسط في الحديث، ويجيد إذا كان في حضرته مَن لا يرتاح إليه؛ خصوصًا إذا كانت مجالسه كلها التي حضرت خالية من الذكاء الحر أو من الحرية المتشردة البدوية.

إن الملك فيصلًا لَفي حاجةٍ في بلاطه وفي مجالسه غير الرسمية إلى مَن يُحسِن النكتة، إلى ظريفٍ خفيفِ الروح، إلى نديمٍ رسمي. قد عرفت أكثرَ مَن في القصر وما عرفت فيهم مَن يستطيع أن يقوم بهذه الوظيفة المهمة.

كنا ذات ليلة جالسين إلى مائدته الخصوصية، ولم يكن غيري وناجي بك السويدي وحسين أفنان من خارج البلاط، فسألني جلالته سؤالًا أدهشني لأول وهلة، ولكني علمت أنه كثيرًا ما يتباحث وكاتبا سره الفيلسوفان بمثل هذه المواضيع. قال جلالته: ما رأيك يا أمين في التطور وفي الثورة؟ أتعتقد أن عوامل العمران والتمدن الحقيقية هي أصح في التطور أو في الانقلاب؟ فقلت: إني ممَّن يعتقدون بالنشوء والارتقاء في الطبيعة وفي الاجتماع، وأن التطورَ معراجُ الانقلاب الحقيقي المفيد الثابت، وأن الطفرة محال، وأن للثورات دائمًا ردُّ فعلٍ يعود بالناس إلى ما كانوا فيه، وغيرها في هذا الباب.

فعارَضَني كاتب سر جلالته رستم حيدر، وهو شيعي سوري من بعلبك، فشرع يتكلَّم بالثورات والانقلابات في السياسة وفي الدين كأنه دنتون أو كأنه لوتيروس. النشوء بطيء. التطور ضرب من البلادة. والأمة التي تنتظر وتتوكَّل عليه تفقد مثل الأمة الإنكليزية كثيرًا من مزايا النفس الجميلة التي تظهر في الفنون والاجتماعات.

حانت مني إذ ذاك التفاتة إلى الفيلسوف الآخر في الديوان الملكي، إلى ذاك الإنكليزي في خُلقه وعقله، العربي في قلبه وشعوره، إلى أمين الكسباني، فرأيته يرفع بحاجبَيْه ويهز برأسه، ثم سمعته يقول مخاطبًا الملك: رستم يا سيدنا بلشيفي في آرائه.

فقال حسين أفنان: والحمد لله أنه كذلك في آرائه فقط. فضحك جلالته ضحكة كانت الأولى والأخيرة تلك الليلة. ثم سألني سؤالًا آخر ظننته مضحكًا ولكنه لم يُضحِك أحدًا.

– ما رأيك يا أمين في العمامة والبرنيطة؟ وأي شكل تظنه يصلح لنا في العراق؟

فقلت: إن العرب في تهامة وفي اليمن يلبسون الشبقة؛ أي البرنيطة، وهي صنع أيديهم ليقوا رءوسَهم حر الشمس. وهم عرب مسلمون. فما ضر العرب في الأقطار العربية الأخرى؛ وخصوصًا في التي يشتد فيها الحر مثل العراق لو اقتدوا بهم؟

وكان ما قلت بخصوص الشبقة في اليمن جديدًا عند كل الحضور ما عدا جلالته؛ لأنه قاد مرةً حملة على الإدريسي في تهامة، وعلم بتلك الشبقات الكبيرة المصنوعة من القش، فدار الحديث على الخوذة وقبعة البلاط: السدارة، والطربوش، ولم يجئ أحدٌ بكلمة تُضحِك أثناء البحث، على أننا عندما صعدنا من غرفة المائدة إلى رَدْهة الاستقبال وجلس الملك ورستم والسويدي والكسباني إلى طاولة صغيرة يلعبون اﻟ «بريدج»، خرجتُ والباقون إلى الرواق، فأسمعنا هناك أفنان نكاتٍ وددتُ من أجل جلالته لو أنه أسمعنا بعضَها على المائدة.

لا أظنُّ أنَّ ما يسود الملك فيصلًا من الغم ناتجٌ عن همومه الحاضرة فقط. لا أظن أن تاج العراق وَحْده مصدر تلك الابتسامة الناعمة المحزنة، وذاك السكوت الذي يسبق الكلام إلى القلوب. إن فيصلًا، فيما لمع من نجم سعده وهوى في السبع السنوات الأخيرة، لَمِن الأمراء القليل عددهم في العالم اليوم؛ فقد دانت له ساعة قصيرة من الزمان، فظلمَتْه الحوادث في تسابُقها حوله وعليه، فلم يتمكَّن لسرعتها وتعدُّدها من الانتفاع بها.

هو ذا أمير عربي كريم في دائرة خضراء من الشهرة، حولها دائرةٌ حمراء من السياسة الوطنية، يُمازِجها اصفرارٌ من دسائس السياسة الدولية. وهذه — لعمري — حقيقة مآدب الغم؛ مأدبة الشهرة التي يتلوها وجع الرأس، ومأدبة النصر في الحرب يتلوها فشل السياسة، ومأدبة الكرم العربي الممدودة فوق ضريح المطامع العربية.

أما وقد أشرتُ إلى أسباب الغم في جلالة الملك، فينبغي لي، وأنا من المعجَبين بالبيت الهاشمي الذي نصر الأحلاف وجنَّد ألوفًا من العرب على الأتراك والألمان في الحرب العظمى؛ ومن المحزونين لأنه لم يَفُزْ بكل ما كان يبغيه ويحارب من أجله، ومن الطالبين الحقيقةَ قبل كل شيء؛ ينبغي لي أن أعيد النظر في تلك الحوادث التي كان الأمير فيصل قطبَ دائرتها. هي جزء من سيرة حياته التي أصبحت جزءًا من التاريخ العام.

(٥) الثورة في العراق

إن الشهر الذي استقرت فيه السيادة الإفرنسية في سوريا لَشهرُ شؤمٍ على السيادة البريطانية في العراق؛ فقد اختار الإفرنسيس تموز، شهر الحرية؛ ليُقاوِموا شعبًا مجاهدًا في طلب حريته ففازوا، وقد حاوَل العراقيون في هذا الشهر أن يُخرِجوا البريطانيين من العراق فلم يُفلِحوا. وكانت الثورة قد اشتعلت وتأجَّجت في أنحاء العراق كلها، من النجف إلى بعقوبة، ومن المنتفق إلى الموصل وبلاد الأكراد.

جاءت الكلمة من العلماء، وفي مقدمتهم كبير المجتهدين في النجف، فقامت العشائر تردِّدها وتعمل بها، فأرسلت روح التمرد في البلاد سمومَها، فالْتَهمَتِ الأخضر واليابس في المضارب وفي المدن، وعمد الوكلاء السياسيون لبريطانيا إلى البرق والتلفون يطلبون النجدات من البصرة ومن العاصمة. إنه لَأعجبُ ما حدث في العراق بعد الاحتلال البريطاني! هو ذا بلدٌ لا صحافةَ فيه تُذكَر، ولا طرقَ مواصلات حديثة صالحة، ولا قيادة، تعمه الثورة فتربط أطرافه بعضها ببعض، ثم تستمر أشهرًا وهي تزداد قوةً وهولًا، حتى إن العاصمة بغداد كادت تسقط في حوزة الثائرين.

قد أنفقت الحكومة البريطانية ملايين من الليرات، وفادت بألوف من الجنود لإخمادها، وكانت خسارة العراق كذلك كثيرة فادحة. هي ثورة شبيهة بزلزال هائل لا بحادث اجتماعي يُدِيره مع ذلك العقل والحكمة، فلم يكن فيها شيء من الخير لأهل العراق ولا للحكومة المحتلة.

بيْدَ أنها نبَّهت البريطانيين إلى حال في البلاد العربية، بل في الشرق، جديدة، وذكَّرتهم بحال في أوروبا هي بنت الحرب العظمى وأم الانحطاط المعنوي، تلك الحال العامة وقد كادوا ينسونها. إن لكل عملٍ رجلًا، ولكل رجل يومًا، ولكل يوم سياسة. قد كان البريطانيون السببَ الأول في ثورة العراق في صيف ١٩٢٠؛ لأنهم نقلوا إلى البلاد حكومةً هندية قديمة عقيمة، هندية في طريقتها، هندية في سياستها، هندية في رجالها. والهنود بجملتهم لا يفهمون العربَ ولا يحترمونهم، وقد كان رئيس الحكومة البريطانية في هذه الفترة رجلًا من الطراز الأول من أبناء بريطانيا الأشداء الذين شادوا في الماضي معالم مجدها، غير أنه وُجِد في زمان غير زمان أجداده، وبين شعب غيَّرت نفسيته وعقليته حوادثُ الأيام.

السر آرنلد ولسون١٠ الحاكم بالوكالة يومئذٍ في العراق، هو كَهْل في العَقد الرابع من العمر، ومن الإنكليز الذين كانوا يحملون السوط في القرن الماضي، ويحكمون بموجب ضميرهم لخير إنكلترا أولًا ثم لخير الناس. وكانوا في تفوُّقهم مُحسِنين، وفي ظلمهم عادِلين، قُوَّتهم في يقينهم، ويقينهم في أخلاقهم، وأخلاقهم متأصِّلة في فضائل شعب مجيدة، أظهرها الشرف والعدل والصدق والثبات. بيْدَ أن هذه الفضائل أمست اليوم من التقاليد المحترمة، وقد يعيد الزمان إلى التقاليد الحياة والعمل.

قام السر آرنلد ولسون يمثل في العراق أمةً أفقَدَتها الحرب، كما أفقدت أمم أوروبا جمعاء كثيرًا من قُواها المعنوية الروحية، فصارت تفادي بعدلها في سبيل شرفها، أو تتنزل عن شرفها لتحفظ مقامها، أو تتساهل بالصدق لتظل ثابتةَ القدم مسموعةَ الكلمة، أو تتغلَّب وتتلوَّن دفاعًا عن نفسها وكيانها. رجل من حديد يمثِّل أمة من فولاذ اعتراه الصدأ، قام في العراق يحكم باسم الله وبريطانيا العظمى، فوجد شعبًا ظنه كشعوب الهند في القرن الماضي يقبل بالتأديب ويشكر دائمًا المؤدِّب.

قلت إن الحرب أفقدت الأمم الأوروبية كثيرًا من قواها المعنوية، الأدبية والروحية، ولم تُكسب الشعوب العربية، بل الشرقية، غير حب الحرية والاستقلال ونزعة في سبيلهما لا تماثلها شدة حتى النزعات الدينية. ولكن الحروب والثورات، إذا كسرت قيودَ الظلم، لا تعلِّم المظلومين النزاهة والحكمة والعدل، ثم العمل المدني الذي فيه هذه الفضائل الثلاث؛ فَقَدَ الإنكليزي من قواه المعنوية ما كانت تُقدَّر في الأحكام بنصف نفوذه، ولم يَبْقَ في العربي، بل الشرقي، من الخوف والاحترام ما كان يقوم مقامَ النصف الآخَر. كانت بريطانيا العظمى تحكم ثلاثمائة مليون من الناس بثلاثين ألفًا من الجنود. هي حال ولَّت أيامها، فقد أرسلت سبعين ألفًا من جنودها إلى العراق، وسكانه لا يتجاوزون الثلاثة ملايين، ولم تستطع أن تخمد الثورة في أقل من سبعة أشهر.

السبب بسيط؛ إن كلمة الحاكم العادل المستبد تستوجب في تنفيذها — إذا كان لا يحترمها الناس — قوة الشرطة أو قوة الجيش، فكيف بها إذا كان الناس ينفرون منها ويقاومونها؟! زرع السر آرنلد ولسون، أثناء قيامه مقام المندوب السامي، بذور الفتنة، وهو متيقِّن أنها بذور الحكمة والخير، وشارَكه في الزرع وفي الحصاد رجلٌ آخر من رجال الحكم الإنكليزي هو السر آلمير هالداين١١ قائد الجيوش البريطانية يومئذ في العراق. ويظهر أن السر آلمير كان أحرص على صحته وراحته من السر آرنلد؛ فقد اعتاد في الهند أن يتنقَّل مع الحكومة في كل فصل من فصول البرد والحر، فجاء العراق في آخر الشتاء، وما كاد يدخل الربيع الذي هو النصف الأول من صيف هذا القُطر حتى أحسَّ بحرٍّ حمله على التجوال في جبال العجم، ثم نقل مركز القيادة العامة إلى تلك الجبال، بينا البلاد كانت تتمخض بالثورة. أضف إلى ذلك ما كان يحدث بينه وبين وكيله المندوب السامي والوكلاء السياسيين من الخلاف الذي زاد في خلل الإدارة، وفي امتداد الفتنة، حتى إن السر آرنلد بعث ذات يوم يشكوه إلى الحكومة بلندن، فجاءت برقية من الوزارة الحربية تسأل القائد العام: ماذا يعمل في جبال العجم؟ ماذا يعمل في الجبال ونيران الفتنة تشتعل في السهول؟

أمَّا الغاية من هذه الثورة فقد انحصرت كما يظهر بأمرَين، إخراج الإنكليز وإعلان الاستقلال، على أن نهضة يديرها أو يوعز بها، أو يدعو لها المجتهدون لا تخلو من نزعة دينية تتخلل دعوتها السياسية؛ فقد كان المجتهدون في النجف وبعض الزعماء؛ مثل يوسف السويدي وجعفر أبي التمن، يعملون سرًّا في إثارة الفتنة. أما العشائر فقد كانوا مستعدين، وهم دائمًا يستعدون لتلبية أي دعوة تخلِّصهم من دفع الضرائب الباهظة، التي تفرضها الحكومة عليهم وتحاول تحصيلها بالطرق الفعَّالة، القانونية وغير القانونية. فما همهم شيء ولا عرفوا بشيء من مقاصد الزعماء المحتجبين الخفية.

وقد كانت للعشائر قوة في الدفاع والقتال عجزت دونها الجنود البريطانية. أرض العراق — كما هو معلوم — مسطحة بسيطة لا يكاد يكون فيها ملجأ يلجأ إليه المقاتلون في الغارات أو مكمن يكمنون فيه، فبنى العشائر لهذه الغاية المفاتيل. والمفتول هو برج صغير مستدير، علوه من خمسين إلى سبعين قدمًا، فيه دَرَج غالبًا لولبي يتصل بغرفة في رأسه فيها كوى كبيرة من الداخل صغيرة من الخارج يُرصَد منها العدو ويُطلَق منها النار، وهي تختلف حجمًا، فيمكن أن يحاصر فيها من الخمسة إلى العشرين رجلًا عدة أيام. قد رأيت منها في اليمن وفي نجد، ولكنها قليلة هناك.

أما العراق فقد كان فيه ألوف من المفاتيل عند دخول الإنكليز، بل كان في بعض الجهات لكل بيت، أو في الأقل لكل حي مفتول. المفاتيل! إنما هي الويل الأكبر على الجنود الإنكليزية، وهم في الفلوات معرَّضون دائمًا لنارها ولا كنف يحميهم منها، فلا عجب إذا عدَّت حصنَ العراق المنيع، والسلاح الوحيد الذي يخشاه العدو. ولا عجب إذا كان العدو في الزحف والهجوم يسعى أولًا في هدمها، ثم يبني في السهول ما يقوم مقامها لجنوده، وهو المعقل، أو ما يسمونه بالإنكليزية Block House وليس هناك ما يَحُول دون ذلك؛ فالمعقل مربع بسيط له أربع نوافذ عالية وليس له باب، وفي الداخل مواقف للجنود تمكِّنهم من الرصد وإطلاق النار. قد بنى الإنكليز ألوفًا من هذه المعاقل، وفي الطريق من البصرة إلى بغداد كثير منها، وليس بين الواحد والآخر أكثر من مسافة ميل واحد.

أما هدم المفاتيل فيستلزم قوةً وشجاعة واستبسال، وقد بذل الإنكليز فوق ذلك كثيرًا من المال، فكانوا يتقدمون إلى شيخ القرية أو شيخ القبيلة بشرك أو بمعروف أو برش من الرصاص أو المال، فيضغطون عليه أو يستغوونه أو يرشونه أو يغدرون به، والحرب خدعة. قد بذل الإنكليز كثيرًا من المال ومن الرجال في هدم المفاتيل، ولم تكن الطائرات التي حملوا بها على العشائر لتساعد كثيرًا، إلا إذا كانت المفاتيل داخل القرية التي يضربونها، فيهدمون ويحرقون فيها ليهدموا تلك الحصون الصغيرة المخفية، أو ليروِّعوا أهلها المتمردين. لا أظن أن في مظالم الحكم مظلمة تورث العراقيين بغض الإنكليز وتثير عليهم ثائرة الأحقاد مثل الطائرات، ذاك السلاح الطائش الأعمى الذي يقتل النساء والأطفال والأبرياء مع المذنبين.

وعلى الرغم من الطائرات قد حاصر الثائرون كثيرين من الضباط والوكلاء السياسيين، وهم في مراكزهم يدافعون عنها إلى أن تجيئهم النجدة أو يُقتلوا. وقد كان أكثر الموظفين من الجندية فلم يُحسِنوا الإدارة؛ خصوصًا في بلاد أجنبية، ولم يكن بينهم وبين أهلها شيء من العطف، فضلًا عن الخلل في الإدارة العسكرية التي كانت قيادتها العامة معتصمةً في جبال العجم. فلا عجبَ إذا استمرت الثورة سبعة أشهر والعرب فيها فائزون بالرغم من المعاقل المشيدة والمفاتيل المهدومة.

وعلى ذكر المفاتيل، أذكر سوريًّا سعى في هدم مئات منها وكان من المفلِحين، فقد كان في خدمة الإنكليز الإدارية بعض السوريين من المقتدرين المخلِصين، كما جاء في تقرير المندوب السامي إلى دائرة المستعمرات: «وقد كان أحد سوريينا المقتدرين المخلصين عونًا كبيرًا لنا في هذا الموقف الحَرِج.» ولكن كاتب التقرير لم يذكر اسم ذاك السوري. هو الجندي المجهول. فها إني عملًا بالواجب الإنساني لا الوطني أذكر اسم مَن يستحق ضِعفَيْ هذا الثناء. هو سوري من يافا، كان نائب متصرف البصرة يوم كنت هناك، فخدم الحكومة العراقية الإنكليزية في أيامها الأولى العصيبة خدماتٍ جليلةً في وظائف شتى، وحاز جزاء خدماته في النجف خصوصًا وسام الدولة الهندية.

كان جاد غاوي معاون الوكيل السياسي في الشامية،١٢ وكانت المفاتيل في تلك الأيام — كما قلت — أشدَّ أعداءِ الجيوش البريطانية، وأمضى سلاحٍ بيد العراقيين، فتمكَّن جاد غاوي في الشامية من حمل العرب على هدم مفاتيلهم، ولم يبذل من أسباب النجاح غير اللطف والمعروف وقوة الإقناع. داراهم وهو في دارهم، فاكتسب ثقتَهم وحبَّ مشايخهم، فهدموا من حصونهم ما يتجاوز الألفَيْن منها، وكانوا بعد ذلك من أصدقاء الحكومة والإنكليز. قد لا يُذكَر اسم جاد غاوي في التقارير الرسمية، ولكنني سمعته حيثما سرت في العراق، وما سمعته مقرونًا بغير كلمات الحب والتكريم.

أما السر آرنلد ولسون، فلا يزال في العراق من الإنكليز لا من العرب مَن يُعجَب به بالرغم من هذه الثورة، ويستحسن خطته السياسية، ولا غرو، فهو على نزقه وتسرُّعه وعنفوانه حُرُّ الطبع، صريحُ الكلمة، طَلْق المُحَيَّا. وهو حنطي اللون، أسود الشعر والعين، كأنه إيطالي أو إسباني. وله شيء مما كان لروزفلت من المغناطيس في المصافَحة والحديث. قد كان الرئيس الأميركي الشهير يضرب بيده على كتفِ مَن يُحيِّيه عند المصافَحة، فأصبحتْ من عاداته المحبوبة. أمَّا السر آرنلد فلا يضرب بيده، بل بلسانه أو بإشارة من إشارات النفس التي تظهر في اللحظ أو الابتسام أو في نبرات الكلام. قد اجتمعتُ به في البصرة بعد أن رجع من إنكلترا ليرأس شركة النفط الإنكليزية الفارسية في عبَّادان، فسلَّم كأنه من المعارف، وعندما تبادَلْنا السلام تبادَلْنا كلمةً بخصوص السر برسي كوكس، وكان قد علم السر آرنلد بأني أنتظره لأرافقه في السفر إلى العُقير، فقال على الفور: ستنتظر طويلًا. فقلت: إذا كان لا يصل في هذا الأسبوع أسافر وحدي. فقال: حسنًا تفعل. هي الطريقة الوحيدة في النجاح، فخطر في بالي إذ ذاك ما قاله الشاعر العربي، فترجمته له:

وإنما رجلُ الدنيا وواحِدُها
مَن لا يعولُ في الدنيا على رَجُل

فقال السر آرنلد على الفور: عند العرب الشِّعر ولا ريب، وليس عندهم العمل.

هو ذا الرجل الذي كانت سياسته في العراق من العوامل الأولى في ثورة سنة ١٩٢٠، ولا أظنه إذا ذُكِرت مرةً يحس بشيء من الندم؛ لأنه كان ولا يزال يعتقد أن القوة في الحكم بالرغم عن التعنيف خير من اللين والفوضى. أمَّا الرجل الذي جاء في تشرين الأول من هذه السنة ليُطفِئ ما تبقَّى تحت الرماد من جمرات الثورة، ويؤسِّس حكومة وطنية لأهل العراق «وفقًا لرغائب جلالة الملك»، فهو نقيض السر آرنلد على خط مستقيم.

السر برسي كوكس١٣ رجل طويل القامة، نحيل الجسم، بيضاوي شكل الوجه، دقيق الأنف والشفة، أبيض الأديم، أزرق العين. هو إنكليزي لا غشَّ فيه. ظاهره، وهو في سكون، يُنبِئ عن نفس رائقة ولكنها ليست بشفافة. وإذا كان من اضطرابٍ هناك فقلَّما يبدو للنظر. في لطفه ما يدفئ ولا يشع، وفي صراحته شيء يشير غالبًا إلى التعمُّد. هو من السياسيين الذين يحتفظون بسِرهم، وإن كان لا يهم، كأنه رأس مالهم في الحياة، وإذا كشف عن زاوية منه فبعد أن تكون الحوادث قد كشفت عنه الستار كله.

إن سكوت السر برسي هو غالبًا أفصح من نطقه، وإن عمله السياسي، وإن وقف فيه أحيانًا عند حد الغموض أو العجز، لا يخلو من الإخلاص للعراقيين وللعرب. فإذا حصرت النظر في سياسته العربية أرى أن أكبر فضله وأظهر حسناته هو هذا الإخلاص، ولو ظهر في بعض الأحايين في مظهرٍ مائع أو في مظهرٍ مؤلم، فقد قضى مدةً من حياته قريبًا من العرب ولا يزال يحبهم ويُعجَب بمواهبهم الراقدة، ويود أن تكون المنافع في العلائق الإنكليزية العربية مشتركًا فيها على السواء بين الأُمَّتَين.

كنت أتحدَّث وأحد رجال السياسة المعتدلين، غير العرب، وكان السر برسي ونفط العراق موضوعنا، فقال جليسي: إن في سياسته كثيرًا من الزيت. هي استعارة غربية علمية، وفيها — خلا الإشارة إلى زيت العراق — مغزى لطيف؛ فالآلة الميكانيكية إذا كثُرَ زيتُها يخفُّ صوتها وتنعم في احتكاك أجزائها، ولكنها تقف أحيانًا من الاحتقان في مفاصلها فيعتريها الخلل. وكثيرًا ما وقفت الآلة السياسية في دار الانتداب، وكان رئيس المهندسين، بل رئيستهم المس بِل، تَذكر في البلاغات بعضَ أسباب الخلل، ولا تشير مرةً إلى كثرة الزيت والاحتقان.

مهما قيل في السر برسي فإن وجوده في العراق، فيما يُعَد من أهم أزمنة العراق السياسية بعد الحرب، كان خير ضمين لكرامة إنكلترا ومصلحتها، وخير صلة بينها وبين هذا القُطْر الناهض من الأقطار العربية؛ فقد حدث في عهده من الحوادث ما ستكون بهمة العراقيين أول صفحة مجيدة في تاريخ العراق الجديد.

عند وصول السر برسي في تشرين الأول سنة ١٩٢٠ انتهى الحكم العسكري رسميًّا، ولكن شراذم من الثورة كانت لا تزال خارجةً في أماكن مختلفة، فصوَّبَ المندوب السامي باكورة أعماله إليها، فسلَّمت كربلاء، وهي قُطْب الفتنة، في ١٣ تشرين الأول، ثم أنجدت الحامية في الكوفة، فسلَّمت على إثر ذلك النجف، وأذعنت عشائر الشامية والديوانية لأوامر الحكومة، فكان عددُ ما جُمِع من السلاح في هذه النواحي خمسةً وستين ألف بندقية.

أما في لواء ديالي، حيث كانت الثورة في أشد حالها، فقد استمر الاضطراب وما تخلله من الحوادث المؤلمة إلى أواخر سنة ١٩٢١ عندما عُقِدت المعاهدة بين الحكومة ورؤساء العشائر هناك، وظلَّ في الشمال في نواحي الموصل نفوذ الأتراك ينخر كالسوس في عظم السيادة العربية الإنكليزية.

عندما باشَرَ المندوب السامي أعمالَه السِّلْمية أصدَرَ بلاغًا إلى العشائر خصوصًا، وإلى أهل العراق عمومًا، يُعلِمهم فيه بأنه انتُدِب ليساعد في تحقيق أماني الأمة بواسطة زعمائها؛ وليؤسِّس بمُؤازَرتهم حكومة وطنية. على أن ذلك يستحيل قبل أن يستتبَّ في البلاد الأمن والنظام. ولما توفَّقت حكومة الانتداب إلى إيجادِ شيءٍ من ذلك، أصدر بلاغًا آخَر يُعلِم الأُمَّة بتأسيسِ حكومةٍ مؤقتة إلى أن يجتمع المجلس النيابي العام في ١٧ حزيران من سنة ١٩٢١، وأن هذه الحكومة المؤقتة تتألف من مجلس وطني يحكم تحت مشارفة المندوب السامي في كل الأمور ما عدا الخارجية والعسكرية.

إن إصدار مثل هذا البلاغ لَمِن أبسطِ الأمور وأسهلها، ولكن تأسيس حكومة مؤقتة، تحوز ثقةَ البلاد وتكون مَرِنة بيدِ المندوب السامي، هو من الأمور التي يكثر فيها العقد ولا تخلو من النفاثات.

لا ريْبَ أن بيت النقيب، وعلى رأسه الشيخ الجليل السيد عبد الرحمن الجيلاني، هو مسموع الكلمة، محترم الجانب في بغداد، بل في العراق، ولكنه في السياسة، كما هو في الدين، يُؤثِر التقاليدَ على البدع، ولا يرفع على الاعتدال حسنةً من حسنات الوطنية. وقد تتغلَّب في اعتداله المحافَظةً التي يعقد عندها الرأي وتتقلَّص عواملُ التجدد، إلا أن ذلك لا يهم النفاثات في العُقَد اللواتي تمثِّلهن المس بِل.

«إن فضيلة النقيب صديقنا، صديق إنكلترا، وهو ثابت في صداقته، وإن له نفوذًا سياسيًّا مقرونًا بنفوذ ديني لا يضاهيه نفوذٌ في البلاد. إذن هو صديق الأمة وصديق الإنكليز؛ هو الزعيم.» سأعود إلى فضيلة النقيب ومجلسه وسياسته في فصل آخر.

قَبِل مترددًا رئاسةَ المجلس الوطني الذي كان من أعضائه الأخصائي المالي الشهير في العراق ساسون أفندي حزقيل، والسياسي الداهية السيد طالب النقيب، نقيب البصرة، والعالم الفقيه مصطفى أفندي الألوسي، والوجيه الفاضل عبد اللطيف باشا المنديل. كلهم من أصحاب التجلة والكرامة، وليس فيهم ممَّن حارَب في الحرب العظمى، وكان من الشبيبة الوطنية التي تنعكس في آمالها وأقوالها، وفي بعض أعمالها، جمالُ النهضة العربية، وحقيقتُها العالية، إلا جعفر باشا العسكري.

اجتمع المجلس لأول مرة في ١٠ تشرين الثاني، واستمرَّ في الحكم إلى يوم تتويج الأمير فيصل ملِكًا على العراق. وقد كان من أعماله العفو عن بعض المنفيين ممن اشتركوا في الثورة، ومساعدة الضباط العرب الذين خدموا في الحكومة السورية الفيصلية ليرجعوا إلى العراق، وتنظيم حكومة مدنية يُدِيرها موظَّفون وطنيون تحلُّ محلَّ الحكومةِ العسكرية التي كان يُدِيرها الوكلاء السياسيون الإنكليز. ثم باشَرَ المجلس درْسَ إنشاءِ جيش عراقي ودرْسَ قانون الانتخابات التركي، وتصحيحه ليطابق أحوال البلاد الجديدة.

وكان قد تولَّى هذا الأمرَ ناظرُ الداخلية طالب باشا النقيب، غير أن الانتخابات والمطامع الملكية قلَّما تلتئم؛ خصوصًا إذا كان أمر الاثنين منوطًا برجل واحد. بدأت الأمة تطالب بتنفيذ قرار ١٧ حزيران الذي أصدرته الحكومة العسكرية وأجازته الحكومة الوطنية المؤقتة. بدأت تطالب بانتخاب المجلس النيابي العام.

وكان الأمير فيصل قد سافر إلى أوروبا ووصل إلى إنكلترا، وكانت الحكومة الإنكليزية تفكِّر في ملكية العراق وفي نكبة الأمير. أما في العراق، فكان قد ولى بعض الناس وجوهَهم شَطْرَ الكعبة يستمدون من ظلها المبارك الوحي في تشييد ملكهم الجديد، فشاع في البلاد أمرُ الملك حسين وأولاده، وبعث بعض أولئك العراقيين يرغِّبون إليه بأن ينفذ أحدهم ليتبوَّأ العرش الجديد.

أزعج الخبرُ وزيرَ الداخلية الذي فكَّر مليًّا في الأمر فرآه متشعبًا كثير الأخطار. إن للشريف أربعةَ أنجال، وفي كل واحد منهم الخير والبركة، ولكن الأمة العراقية تأبى التفضيل، وقد تسيء الاختيار، فتنقسم على نفسها فيتزاحم ويتهالك الأنجال الأشراف في سبيل مصالحها … وليس في مثل هذه الحال خيرٌ للعراق.

لذلك شرع السيد طالب يطوف في البلاد ليتم إصلاحًا خاصًّا في قانون الانتخابات. كانت المادة الأولى فيه تلك التي تولى بنفسه نشْرَها وتعميمها: ألَّا تنتخبوا شريفًا أجنبيًّا ملكًا عليكم. وَيْحكم! هو ذا السيد طالب، وهو مثل أنجال الشريف من الأشراف، فهو يتكفَّل لكم بمَن يملأ كرسي العرش ولا يكون التاج على رأسه كبيرًا أو صغيرًا. بيد أن المستر تشرشل، وزير المستعمرات الإنكليزية، وهو يومئذ «طنب سارح» مثل السيد طالب، كان يسعى في غير هذا السبيل.

(٦) عاش الملك

ثلاثة في هذه الحوادث التاريخية عظمتُ همومهم فبلغت الحدَّ الفاصل بين النكبة والنعمة. ثلاثة يُمالِئون الشعب الذي أصبح وبيده التاج والصولجان يهبهما مَن يشاء، ويحطمهما إذا شاء … ثلاثة يهتمون والتاج واحد. أما المستر تشرشل فقد كان همه الأول أن يخفِّف الضرائب عن الشعب البريطاني ليحفظ السيادةَ له ولحزبه في الحكومة، فيضمن لمليكه سلامةَ التاج. وثاني الثلاثة الأمير فيصل الذي فقَدَ تاجَه في سوريا، وراح يُطالِب الحكومةَ التي اعتادت — وفي كل عادةٍ شيءٌ من اللذة — أن تضارِبَ خارجَ بلادها بالتيجان. والثالث سيد من سادات البصرة، فيه شيء من الأسد وشيء من الثعلب، رأى الأمة وبيدها تاج تبغي صاحبه فجاء يخبرها بأن صاحبه النقيب سيد البلاد الأوحد. أما إذا أحببتم أن ينوب عنه السيد طالب، وهو نقيب ابن نقيب مثله، فلا بأس. وراح يطوف البلاد — كما جاء في الفصل السابق — ليتحقَّق رغبة الأمة.

وجاء المستر تشرشل إلى فلسطين، ثم أمَّ القاهرة ليدرس الحالة السياسية في الشرق الأدنى فيدعم بشيءٍ من الإصلاحِ سياسةَ الأحرار في الحكومة. هذا ظاهر الغرض من تلك السياحة، ومن المؤتمر الذي عُقِد في القاهرة. دعا المستر تشرشل رءوسَ الحكومات الإنكليزية في بعض الأقطار العربية للمفاوَضة، فجاء من العراق المندوب السامي يصحبه بعض المستشارين والمس بِل ووزير المالية ساسون أفندي وجعفر باشا وزير الدفاع.

وجاء إلى القاهرة في ذاك الشهر أيضًا؛ أي الشهر الثاني من سنة ١٩٢١، الأميرُ فيصل وحاشيته متنزِّهين، فصفا الجو في العراق للسيد طالب ثم اكفهر، كما سيجيء الكلام. والسبب في ذلك، مهما قيل في التقارير الرسمية، إنما هو مؤتمر القاهرة. «قد اجتمعنا أيها السادة لننظر في طريقةٍ صالحة تُمكِّننا من تخفيض القوات الإنكليزية المسلَّحة في الشرق الأدنى دون أن يلحقَ شيءٌ من الضرر بالسيادة الإنكليزية، ثم للنظر في تأسيسِ دائرةٍ خصوصية للشرق الأدنى في وزارة المستعمرات لتوحيد السياسة والعمل. وبكلمةٍ أخرى، بكلمةٍ وجيزة صريحة، يجب أن نخفض نفقات حكومات الانتداب لنرفع عن مناكب الشعب البريطاني أثقال الضرائب. وإننا نرى أن تنظِّموا في العراق جيشًا من الوطنيين فنتمكَّن من سحب جنودنا من تلك البلاد … قد اجتمعنا أيها السادة … ملك العراق؟ نعم. نعم …» وكان الأمير فيصل وحاشيته قد أمُّوا القاهرة — كما قلت — ترويحًا للنفس.

عاد وفد العراق إلى بغداد فأصدر المندوب السامي بلاغًا في ١٢ نيسان قال فيه: إن ما قرَّره مؤتمر القاهرة يجب أن يُعرض على الحكومة بلندن قبل أن يُعلن. وكان السيد طالب قد أمعن في التطواف والخطابة، وتوسَّع في سياسة الانتخابات والتاج، فأزعج فريقًا من الأمة وخصوصًا فضيلة النقيب الذي كان يدرك من غوامض الأمور، وهو الصوفي الكامل، ما تعجز دونه روحية طالب باشا وعقلية أمثاله. أغمض النقيب الأكبر عينَيْه ونظر إلى ما وراء حجاب الغيب، فرأى هناك وزيرًا من كبار الوزراء، وخاتونًا من كبيرات الخواتين، دَعِ النفَّاثات في العُقَد، فسمع الأول يقول والثانية تترجم: لا ترغب حكومتي لعرش العراق بغير واحد من بيت الحسين بن علي.

ولكن السيد طالب لا يسمع ولا يرعوي؛ ففي مأدبةٍ أدَّبها لبعض الصحافيين الإنكليز، وحضرها عدد من الوجهاء الوطنيين ورؤساء العشائر، وقف بعد أن دارت الكئوس خطيبًا، وكان في جهره عجيبًا: إن في دار الانتداب مَن لا نحبهم؛ لأنهم يتدخَّلون في شئون الأمة التي لها الحق، ولها وحدها، أن تؤمر أن تملك عليها مَن تشاء، وقد صرحت حكومة الانتداب بأنها ستحترم إرادةَ الشعب العراقي ونحن نحترمها إذا فعلت، أمَّا إذا أخلفتْ فها هنا عليها — ونظر إذ ذاك إلى رؤساء العشائر — عشرون ألف بندقية.

كلمة شديدة صريحة ساقت إلى جو السياسة الغيوم والضباب، فقامت الخواتين تبدِّدها. دعت اللادي كوكس السيد طالبًا للشاي، وكانت المس بِل هناك تمثِّل على الدوام النفَّاثات في العُقَد، فسُحِر النقيب ابن النقيب، وخرج من القصر مسحورًا، فاستقبله عند الباب بعض الجنود، فدفعوه إلى سيارة كانت طيارة، حملوه على بساط الريح دون أن يدري بذلك أحد من الإنس، ولم يقفوا به حتى أمسوا خارج العراق، ثم صدر منشور المندوب وفيه الأسباب التي حملته على نفي صاحب المعالي السيد طالب باشا النقيب.

وظل الأمير فيصل سائحًا في جوٍّ صفا أديمه وتلألأت من ورائه طلائعُ الغيب، فوصل إلى الحجاز في أوائل حزيران، يوم ألقى المستر تشرشل خطابًا في مجلس النواب يختصُّ بالعراق، وركب الهجين من جدة إلى مكة ليقوم هناك بالواجب النبوي. تبارَكَتِ الأقدار التي تديرها سياسةُ بريطانيا العظمى؛ فقد أَنْسَت الابن غضبَ أبيه، ثم استيقظت في صدر صاحب الجلالة الرحمة والرضوان، فجاءت منه برقية تقول إن ابنه فيصلًا قد سافر إلى العراق.

وبعد عشرة أيام أشرقَتْ شمسُ الأمير في خليج فارس، فجاءت النقيبَ برقيةٌ ثانية تقول إنه سيصل إلى البصرة في ٢٤ حزيران. وما ضلَّ البخار ولا غوى. وصلت الباخرة في الوقت المضروب فاستُقبل مَن تقلُّ استقبالًا رسميًّا جميلًا في البصرة بالرغم عما كان فيها من عوامل الريب والتردُّد بشأن مَن جاء يجلس على عرش العراق. بيْدَ أن الأمير في محضره وحديثه وخطبه هو أكبر حجة لنفسه على المترددين من الناس. وقبل أن أمَّ بغداد زار المشهد١٤ والحضرة،١٥ فاستمال إليه القلب الجعفري الخفي، ثم في ١١ تموز اجتمع مجلس الوزراء برئاسة النقيب وقرَّر أن يكون الأمير فيصل ملكَ العراق بشرطِ أن تكون الحكومة دستوريةً ديمقراطية نيابية. فأضاف المندوب السامي أنه بموجب تصريحات حكومة جلالة الملك بأن يكون للأمة العراقية حقُّ انتخابِ مَن تشاء مَلِكًا عليها، فلا يعمل بهذا القرار قبل أن يثبته الشعب العراقي. وشرعت الحكومة في الاستفتاء أو الانتخاب أو المبايَعة، فكانت النتيجة واحدة. إن انتخابات هذا الزمان الديمقراطية، خصوصًا في الشرق، لَأضحوكةٌ من أضاحيك السياسة. على أنه بالرغم من مساعي الضباط الإنكليز السياسيين الذين تولَّوا أمر الانتخاب قد اشترط كثيرون من المنتخبين بأن تكون حكومة الملك حكومة مستقلة عن أية سيادة أجنبية كانت؛ أيْ إنهم رفضوا الانتداب.

وكانت حفلة التتويج في ٢٣ آب سنة ١٩٢١، فوقف السر برسي كوكس يعلن أمام الجماهير المحتشدة أن الأمة العراقية أجمعتْ بستة وتسعين من أصواتها على مُبايَعة الأمير فيصل، وأن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى تعترف به ملكًا على العراق. فألقى جلالة الملك خطابًا جاء فيه: إن أول عمل أقوم به مُباشَرة الانتخابات وجمع المجلس التأسيسي.

وبعد انتهاء الحفلة قدَّم المندوب السامي للملك برقيةً من الملك جورج الخامس فيها الكلام المألوف في التهنئة ثم ما يلي: «وإن المعاهدة التي ستُعقد قريبًا بيننا فتثبت التحالُف الذي تحالفناه في أيام الحرب المظلمة، ستمكنني — ولا ريب — من القيام بواجباتي المقدسة لإدخال العراق في عهدٍ جديدٍ من السِّلم والنجاح.» فأجابه الملك فيصل بعد كلام الشكر المألوف بما يلي: «لا أشك بأن المعاهَدة التي ستُعقد قريبًا بيننا ستمكِّن عُرى التحالف الذي قدَّسه في ساحة الحرب العظمى دم الإنكليز والعرب، وأنها ستقام على أساس متين.»

أما الشعب والزعماء والصحافيون فلم يدركوا وهُمْ في نوبةٍ من الحماسة والابتهاج شديدة، خطورةَ هاتين البرقيتين، لم يدركوا أن الملكين عقدا يومئذٍ عقدةً استحال في السنة التالية حلُّها، فكانت السبب فيما شوَّه الأحكامَ الاسمية الانتدابية من الخلل والاضطراب. غمس الصحافيون يومئذٍ أقلامَ الفصاحة في محابر البيان، واستعاروا من البلاغة أجنحةً طاروا بها في سماء الأماني الوطنية والأحلام.

وفي هذا اليوم شخصت أنظار الأمة إلى مليكها تستعيد ذِكْر المنصور والرشيد والمأمون. وفي هذا اليوم تستمد الأمة من ماضي مجد العباسيين نورًا تسير فيه إلى أعالي مجدها الجديد. وفي هذا اليوم تُؤسَّس حكومة عربية حرة دستورية نيابية ديمقراطية مستقلة كل الاستقلال. وفي هذا اليوم سقط منذ سنة ملك سوريا؛ ليعيشَ اليومَ ملك العراق.

بعد سنة أخرى، في عيد الجلوس الأول، ردَّدتِ الصحافةُ آياتِ البلاغة الذهبية، وحلَّقت في سماء الآمال العسجدية، فبرهنتْ على ضَعْف في ذاكرتها أو في سمعها. في مثل هذا اليوم منذ سنة وقف المندوب السامي يُعلِن للشعب باسم جلالة الملك استقلالَ العراق وانتخاب الأمير فيصل ملِكًا على العراق. وفي مثل هذا اليوم أبرق الملك جورج الخامس إلى الملك فيصل يهنِّئه والشعب العراقي ويذكره بالمعاهدة. فلم يكن لا في كلام المندوب ولا في برقية الملك كلمة عن الاستقلال التام.

أمرٌ تساهَلتْ به الحكومة قبل التتويج، وأمرٌ تساهَلتْ به الأمة يومَ التتويج وبعده، ها هنا رأس الخطل والخلل؛ فقد اشترط المُبايِعون في بيعتهم رفْضَ الانتداب فلم يأبه لذلك دار الانتداب. هم المشترطون ونحن الحاكمون. وقد تعاهَدَ المليكان على عقد معاهدة في القريب العاجل فلم تدرك ذلك الأمة، أو أنها أدركتْ ولم تكترث. دَعِ الملوك يتعاهدون، أمَّا الحكمُ اليومَ فللشعوب. هو ذا الأساس الواهي في الملك الجديد، هو ذا رأس الخطل والخلل.

(٧) المعاهدة

باشرت الحكومة الجديدة أعمالها بما أشرت إليه من العجز المعنوي. هو عجز لأن التصريح التام في مثل تلك الأحوال، بل التحديد الأكيد الذي اقتضته تلك الحوادث الخطيرة، كان مفقودًا؛ فلا الملك العربي قيَّد وعده للملك الإنكليزي بالشرط اللازم، ولا الأمة التي بايعت الملك أصرت على الحكومة في البداءة بقبول شرط اﻟ «لا انتداب»، ولا حكومة الانتداب صرَّحت برفضها شرط الأمة في المبايعة. هذا هو العجز المعنوي الذي قلَّ من سلم من نتائجه الخبيثة.

وقد كان في ميزانية الحكومة عجز مالي لا يقل عن المليون ليرة إنكليزية فسدد بقرار من مؤتمر القاهرة — أدخل في ميزانية حكومة إنكلترا — تمهيدًا للعهد العراقي الجديد. بيد أن ذلك القرار أوجب على الحكومة العراقية أن تخصص في ميزانيتها الجديدة ثلاثمائة وخمسين ألف ليرة للجيش العراقي. فكان ذلك عجزًا آخر؛ لأنه تعسر جمع الضرائب من أمة كانت ثائرة وظلت ناقمة معاندة. هما عجزان كانت الثورة السبب المباشر فيهما، تلك الثورة التي أتلفت في الزرع والضرع ما أثَّر في الضرائب تأثيرًا شديدًا، وفكت من عرى الأمن والنظام ما أضعف الحكومة إلى حد لم يكن لها فيها سيادة تحترم. على أن الأمة في حبوط الثورة فقدت الثقة بنفسها وصارت في جرأتها، في جسارتها، أقرب إلى التهويل منها إلى العمل. وما يصح فيها من هذا القبيل يصح في حكومة الانتداب وفي الموظفين الإنكليز عامة، إلا أن طريقة هؤلاء، وهم يظهرون من الضعف قوة، كانت أضمن للستر والكرامة. قد يكون الفرق بين الاثنين فرقًا طبيعيًّا لا خلقيًّا، وقد يكون غير ذلك. أمرهما أمر اثنين تصارعا وتغالبا وكانا في النهاية مغلوبين على السواء فيما أصابهما من ألم ونهك وقنوط. بيد أن آلام الواحد كانت ظاهرة، وآلام الآخر خفية.

ومع ذلك فقط أبت على الكاظم الخفاء. ما كلمت إنكليزيًّا في تلك الأيام، أيام العجز الأدبي والمالي، إلا وكان، بالرغم عن التجلد والشدة والثبات المشهور هذا الشعب بها، متألمًا من الحالة حتى اليأس — «عندنا من الموظفين من يظنون أنفسهم أكبر من كراسيهم فلا يحسنون الجلوس فيها. وعندنا آخرون هم كالأوتاد المستديرة في الأثقاب المربعة متزعزعون متقلقلون.» وقال آخر: «عساكر وضباط في وظائف إدارية ومركزهم الطبيعي إنما هو في الجيش.» وآخر — بارك الله بمن عرف خطأة واعترف به: «حكومة لندن تربط أيدينا وحكومة العراق تزدرينا … النية حسنة وإن كانت الأغلاط كثيرة … نحن في حاجة إلى العراق، والعراق في حاجة إلينا، ولا خير لنا وللعراقيين بغير المصلحة المشتركة والإكرام المتبادل.»

على أنهم وهم ينطقون بالحق ويعترفون بأغلاطهم، يرتكبون الخطأ الفادح في معاهدة تكفل الاستقلال للعراق وتنقضه في بعض موادها، وقد يكون الحق في جانبهم فيما ينقض، من الوجهة المالية في الأقل لا فيما يثبت الاستقلال، ولكنهم لم يصرحوا بذلك. نعطيكم كذا وكذا، فتعطونا كذا وكذا، والاستقلال الحقيقي إنما هو القيام بالعهود. لم يكن في العراق لا من المعتدلين ولا من المتطرفين من يقول هذا القول. طلبوا الاستقلال مجانًا. وهذا لا يكون. ولكن الإنكليز سكتوا فظُنَّ في سكوتهم القبول، ثم جاءوا بالمعاهدة تتقاضاهم ثمن الاستقلال فرفض العراقيون الدفع وجاءوا بالمعاهدة قبل أن يجتمع المجلس التأسيسي الموعود به في قرارات سابقة أثبتت رسميًّا في حفلة التتويج.

إن المرء ليعجب من حكومة عاقلة راقية مثل حكومة إنكلترا، إذ تقدم على عمل في غير بلادها لا حكمة ولا سياسة ولا عدل إلا في عكسه. وهم يطلبون المعاهدة أولًا، ثم يشترطون في القانون الأساسي ألَّا يكون مخالفًا لموادها، ثم يأذنون بانتخاب مجلس نيابي ليجيزها. والمثل الذي يعيب هذا المسلك مثل إنكليزي. على أن العربة جرت الحصان في العراق! فهل تستطيع أن تجره إلى حيث تنتهي وظيفته المضحكة؟

ثبت الإنكليز في غلطهم وفازوا، فهل يثبت الفوز المبني على الغلط؟١٦

أعود حيث انعطفت بالقارئ لأطلعه على القسم السوري من تاريخ جلالة الملك، فأقف به ثانية عند حادثة القصر في تاريخ الحكومة العراقية الجديدة، أعود به إلى تلك الأيام التي لم يكن في العراق لا حكومة تذكر ولا انتداب؛ لأكمل قصة المعاهدة المشهورة. مر العام الأول بعد التتويج وما رأى الناس فرقًا كبيرًا بين سياسة الحكومة الحاضرة وسياسة الحكومة الاحتلالية الغابرة؛ فلم تضع الأمة ثقتها التامة بوزارة النقيب الثانية ولا وضعت الأحزاب المقاوِمة، وعلى رأسها الشيعة، ثقتها التامة بجلالة الملك.

وكانت دار الانتداب بين فريق يعرج ووجهته النقيب، وفريق آخر مثله ووجهته القصر، يحاول الانتفاع بالحالتين ليصل إلى الغاية المنشودة؛ والغاية عقد المعاهدة، إلا أن هذا التمهيد في المعاهدة يا فخامة المندوب، وفيه نص صريح على الانتداب، لا تقبل به الأمة ولا يمكننا من العمل وإياكم بما فيه خير البلدين. أجل، قد كان حتى النقيب من المحتجين.

استمرت المفاوضات بين بغداد ولندن بخصوص ذاك التمهيد وبعض بنود في المعاهدة هي من بابه، وقد كانت دار الانتداب شديدة اللهجة على الوزارة الخارجية — قد خفَّضنا كثيرًا نفقات الحكومة يا مستر تشرشل، أسقطنا أكثر من ثلثيها، فأصبحنا ولا قوة لدينا تنفذ أوامر الحكومة وتجمع الضرائب، وكل تخفيض في النفقات في بلدان الشرق، كما لا يخفى على فخامتكم، يلازمه أو يتبعه ضعف في الحكومة، ومع ذلك مشينا وإياكم بما تأمرون … والحرب سهلة في الخريطة يا مستر تشرشل. أنتم تبغون عقد المعاهدة ولا تراعون واقعة الحال. أليس من الممكن أن تتنازلوا عن الانتداب … أو عن النص عليه في الأقل؟

سمع المستر تشرشل شكوى دار الانتداب ببغداد، فنُقِّحت المعاهدة، وألغي ذلك التمهيد المشئوم، وأضيف إلى المادة الأولى مادة احتياطية بخصوص السيادة الوطنية، وأبدل في المادة الثالثة الشرط الإيجابي بشرط سلبي، ثم في المادة الحادية عشرة أضيفت جملة احتياطية طويلة لا إكرامًا للعراقيين ولا للإنكليز، بل إرضاءً لحكومة ولايات أميركا المتحدة.١٧

أما المعاهدة نفسها فيمكن تلخيصها بعشرين كلمة؛ وهي أن حكومة إنكلترا تمد الحكومة العراقية بالمال والسلاح وبالمساعدات الإدارية والتقنية بشرط أن تقبل نصائحها وأوامرها في كل ما يتعلق بذلك. في هذا شيء من الاستقلال، فيه يستقل العراق عن دول الأرض كلها سوى دولة بريطانيا العظمى؛ ولكي يدرك القارئ ما هو اعتمادها على هذه الدولة أتوسع بما تقدم من خلاصة المعاهدة فأستعرض ما يلي من أهم بنودها.

إن جلالة ملك بريطانيا العظمى يتعهد بأن يقدم ما يقتضي من المشورة والمساعدة إلى دولة العراق (المادة الأولى)، وأن يقدم من الإمداد والمساعدات إلى قوات العراق المسلحة ما يتفق عليه من وقت إلى آخر (المادة السابعة)، وأن يسعى بإدخال العراق في عضوية جمعية الأمم بأقرب ما يمكن (المادة السادسة).

ويتعهد جلالة ملك العراق في مقابلة ذلك بألَّا يعين في الحكومة العراقية من الموظفين الأجانب غير الإنكليز (المادة الثانية)، وأن يقبل المشورة التي يقدمها ملك بريطانيا بواسطة المندوب السامي في جميع الشئون المهمة؛ وخصوصًا الشئون المالية (المادة الرابعة) وكذلك الخطة التي يشير بها في الأمور العدلية لتأمين مصالح الأجانب (المادة التاسعة)، وأن ينظم قانونًا أساسيًّا لا يخالف في مواده هذه المعاهدة ليعرض على المجلس التأسيسي للتصديق.

وقد اتفق المتعاهدان بأن تضمن المساواة بين رعايا بريطانيا العظمى ورعايا الدول الداخلة في جمعية الأمم في الأمور المتعلقة بالضرائب أو التجارة أو الملاحة، أو ممارسة الصنائع والمهن … إلخ (المادة الحادية عشرة)، وأن تكون مدة المعاهدة عشرين سنة.

في اليوم العاشر من تشرين الأول سنة ١٩٢٢م/١٩ صفر ١٣٤١ﻫ اجتمع في باب السيد عبد الرحمن النقيب أشراف بغداد ورئيس الوزارة في الحكومة العراقية جمهور من الناس صاخبين مشاغبين، وهم يبغون مخاطبة الوزير، فحمل أحد الحجَّاب خبرهم إلى سيده فأذن لهم بالدخول. كان قد وقَّع المعاهدة صباح ذاك اليوم فدخلوا يحتجون عليها وعليه، فسألهم قائلًا: باسم من تحتجون؟ فأجابوا باسم البلاد؟ فاحتدم فضيلته غيظًا وانتهرهم قائلًا: ومن أنتم لتحتجوا باسم البلاد؟ عودوا إلى بيوتكم وأشغالكم. أنا صاحب البلاد! فخرجوا احترامًا ساكتين، وما كانوا مقتنعين ولا راضين.

ثم نشرت الجرائد صورة المعاهدة مصدرة ببلاغ من صاحب الجلالة إلى الشعب العراقي يقول فيه أن قد اعترض سير المفاوضات مصاعب جمة «ولكننا تمكنَّا من التغلب عليها، والوصول إلى هذا الحل المرضي … وهي خطوة واسعة في سبيل تحقيق أمانينا الوطنية … فقد اعترفت بريطانيا العظمى باستقلالنا السياسي واحترام سيادتنا القومية». ثم يدعو الناس لمؤازرته ولاتخاذ الخطوة الثانية وهي مباشرة انتخاب المجلس التأسيسي، ووضع القانون الأساسي للأمة. فقرأ الناس البلاغ الملكي والمعاهدة وما كانوا مقتنعين ولا راضين، وقرأها أشياع الحكومة ساكتين احترامًا وآسفين.

بعد شهر من يوم التوقيع سقطت وزارة النقيب. كنت يومئذ في العقير، وكان عبد اللطيف باشا المنديل١٨ عندي في الخيمة عندما استلم برقية من عبد المحسن بك السعدون في بغداد يخبره فيها بأن جلالة الملك قد عهد إليه بتأليف وزارة جديدة، ويسأله أن يكون وزير الأوقاف فيها. وفي ذلك اليوم نفسه علمتُ من السر برسي كوكس السبب في سقوط الوزارة فحزنت لما علمت. اجتمعت الصداقة بالسياسة مرة في قديم الزمان فقالت الواحدة للأخرى: وكان سلامه عليَّ وداعًا.

وبعد سنة وثلاثة أشهر من يوم التوقيع اجتمع المجلس التأسيسي في بغداد، وكانت الأمة لا تزال مقاومة لتلك المعاهدة، مناوئة لأنصارها القليلين، فرفض المجلس إنفاذها، ثم انتقلت الوزارة الإنكليزية إلى حزب العمال ولم تتغير في سياستها الخارجية، فأصدر المستر مكدونلد بلاغًا رسميًّا أعلن عزمه على إحالة المعاهدة إلى عصبة الأمم إذا لم تُقبل بحذافيرها في ١١ حزيران. وكانت معضلة الموصل يومئذ قيد البحث بين مندوبي إنكلترا وتركيا في الآستانة، فاتخذتها الحكومة الإنكليزية سلاحًا آخر تروع به الأمة العراقية. أتبغي الزيادة من هذه القصة المحزنة؟

دُعي المجلس التأسيسي لعقد جلسة فوق العادة بعد أن ارفضَّ في ١١ حزيران دون أن يبرم المعاهدة، فلم يحضر الجلسة غير تسعة وستين عضوًا من مائة وعشرة أعضاء، فاقترعوا على المعاهدة فكان معها ستة وثلاثون وضدها أربعة وعشرون، أما التسعة الباقون فرفضوا الاشتراك في الاقتراع.

هذه هي نتيجة ذاك المسلك السياسي الذي رأينا العربة فيه تجر الحصان، بل هذي هي النتيجة لتلك الخطة السياسية التي يبدأ صاحبها بالسقف قبل أن يهتم بأساس البيت. فقد قبلت دولة بريطانيا العظمى معاهدة أبرمتها أقلية صغيرة في المجلس التأسيسي العراقي، ولا شرف في قبولها؛ لأنه يخالف تلك القاعدة الأساسية للحكم الدستوري المحترم في بلادها.

(٨) أصحاب المعالي

قد كان من حظي في بغداد أني لم أضطر أن أقيم دائمًا في فندق من فنادقها الفخمة، فأروض الجسم في إحدى غرفها منذ اليوم للقبر، وآكل تحت الأرض في السراديب من المآكل التي لا يعرف لها تاريخ ولا قومية. والفضل في خلاصي لشاب أديب كريم، له جذور وفروع في تاريخ الدين والدنيا تحير علماء الأنساب والآثار، ولا تقيه مع ذلك من النار؛ فهو فارسي الأصل، إنكليزي التربية، شيعي المذهب، دارويني العقيدة، نبوي السليلة قديمًا وحديثًا. أقول قديمًا وحديثًا، وإليك البيان: هو في الأول سيد من السادة الذين يتصل نسبهم عن طريق الحسين بفاطمة الزهراء، وهو في الآخر غصن صغير يابس من شجرة النبوءة الحديثة التي زرعها «الباب» في بلاد العجم في القرن الماضي، ثم نقلها «البهاء» إلى حيفا، فاستثمرها «عبد البهاء» خال صديقي ونقل من ثمارها إلى أوروبا وأميركا. وهو مع ذلك وفوق ذلك أستاذ في علم الاقتصاد.

عرفته يوم وصولي إلى العاصمة. جاء به الكسباني أمين يقول: هذا الحسين بن الحسين، وعنده من كل فن خبر. كان من الواجب أن يسموه فنونًا ولكنهم أساءوا اختيار الجمع فسموه أفنان — حسين أفنان، سكرتير مجلس الوزراء والصلة المرنة المفيدة بين الوزارة والعرش ودار الانتداب. فقلت: سبحان الله الذي جمع مساوئ الثلاثة في شخص واحد. فقال الكسباني: وقد أضاف إليها مساوئ أخرى. فضحك أفنان فأنارت الضحكة وجهه القمري — المستدير كالقمر — وعندما سمعني أشكو من الفندق فخامةً فيه، وفي مآكله وأغانيه، قال: غدًا — إن شاء الله — نريحك منها. وكان قد استأجر بيتًا له والكسباني فأعد لي فيه غرفة لا تهجرها الشمس في النهار، ولا الهواء ولا الغبار. هي بغداد، وما فيها غير فصلين في السنة: فصل الغبار وفصل الوحل. وصلت إليها في الفصل الأول، ثم سافرت إلى نجد وعدت إليها في الفصل الثاني كي لا يفوتني شيء من محاسنها …

رفيقي خليلي، ولا أخاطبكما شعرًا. قد تحسنان وقد تسيئان في وظيفتيكما، قد تكونان في ما تكتبان وتترجمان، وتسعيان وتجربزان، خيرًا للانتداب يومًا وشرًّا على الأمة، أو خيرًا صافيًا للاثنين في بعض الأحايين. أما في صفتكما البرمكية في محلة الأشراف، في ذاك البيت الذي كان مفتوحًا دائمًا، ليس لي فقط بل للشمس والغبار والضوضاء، فكنا نعتصم من الحر بسردابه في النهار، كما تذكران، وبسطحه في الليل، فلم يكن فيكما وأنتما الرفيقان المضيفان غير الخير الصافي على الدوام.

(٩) عبد الرحمن النقيب١٩

قال الحسين يوم اجتماعي به في الفندق: قد قابلت صاحب الجلالة سيد الكسباني، فيجب أن تقابل صاحب الفضيلة والمعالي سيدي. فقلت: إني في الحالين طائع. وسرت وإياه إلى بيت جميل على شاطئ دجلة كان في تلك الأيام قطب السياسة والسياسيين، كما هو قطب الأتقياء والمتعبدين … والمزارعين. فإن سيدي النقيب يهتم بالأرض اهتمامه بالسماء.

وكان أول اجتماعي به في القاعة التي تجتمع فيها الوزارة، والتي وقعت فيها بعدئذ المعاهدة. هو ذا شيخ في العقد الثامن من العمر، يحمل في قلبه أفراح الثمانين وأتراحها، هادئ البال، ويحمل في رأسه فلسفة روحية سياسية زراعية خالية من غش الأوهام والخيال، ويحمل في مفاصله داء أقعده فألجأه إلى العصا يتوكأ عليها من عقر داره إلى بهو الاستقبال. وكان يومئذ يحمل فوق ذلك كله الحمل الأثقل والأخشن، حمل المعاهدة البريطانية العراقية وسياستي العرش ودار الانتداب.

رجل عدل القامة، وافر موضع النطاق، براق العين، ناصع الجبين، قصير اللحية، بسام المحيا، يلبس الأنابيز البيضاء وهي دائمًا كالثلج، ويجلس على الديوان، وإلى يمينه عصاه وبالقرب منه على قيد ذراعين الزائر الجديد، وقبالته على ديوان آخر شيوخ مثله أجلاء، ولكنهم دونه سنًّا. هم أولاده. وكان قد أخبرني صديقي بأن فضيلة النقيب، على علمه وحصافته وروحانيته، يتقزز من لمس أيدي الناس، فلما دخلت وقفت أمامه محني الرأس مسلمًا وكان قد وقف لاستقبالي ومد يده مصافحًا، فدهش الحضور كما علمت بعدئذ، ولكني زرته وأنا في بغداد مرارًا، وشرَّفني مرارًا بأن دعاني لمائدته، فآكلني وصافحني دون أن يغسل بعد ذلك يديه، كأني به وهو أكبر المقربين من سدة مولانا عبد القادر العلوية، وحامل مفتاح حجرته القدسية، نظر بعين الغيب إلى ما وراء الحجب، فرأى في هذا الرحالة رغبة في التصوف لا تزال طفلًا، فأحب أن يغذيه بتعطفه وبقربه وبشيء من الكرامة في يده.

وكان أول ما حدثني به من مدهشات مجلسه أنه قص عليَّ في بضع دقائق قصة العالَم منذ سقوط أمنا حواء إلى سقوط الأتراك في بغداد، ثم قال: وتاريخ الإنسان يا أفندي مثل تاريخ الأمم … مقدمات لنتيجة واحدة هي السقوط. ونحن العرب؛ خصوصًا العراقيين، أوفر الأمم حظًّا من هذا القبيل. العراقيون يا أفندي أنت تذكر ما قاله الحجاج بن يوسف. فقلت: ولكننا في زمان غير زمان الحجاج. فقال على الفور: أما أهل العراق فلا يتغيرون؛ خلصناهم من الأتراك، ومن العجم، ومن الاحتلال العسكري، ونحن نسعى الآن في خلاصهم من الفوضى وهم لا يريدون، ولا يرضون، ودائمًا ناقمون … هل رأيت في كل سياحتك يا أفندي شعبًا يحسن صنع الحبال والمشانق، ولا يجد من يجربها فيه غير نفسه؟ وهل يستخدمون المشنقة في إعدام المجرمين في أميركا؟

قلت: عندهم الكرسي الكهربائي. فسألني أن أصفه ثم قال: خوش طريقة. يلزمنا عدد من تلك الكراسي في العراق. فقلت: العفو إذا خالفت سيدي النقيب؛ فإن أمة توكل أمرها إلى مثله لتجد في أساليب السياسة وطرق الحكمة حلًّا مرضيًا لمشاكلها كلها.

فقال وهو يمكِّن النفي بيديه: لا، لا، لسنا بسياسيين. ما عندنا من علم السياسة إلا اليسير، وهذا اليسير التقطناه في اختلاطنا برجال السياسة الحقيقيين. مثلنا مثل اللص والفيلسوف؛ جاء اللص في ليلة مقمرة إلى بيت الفيلسوف يبغي السرقة، فدخله من النافذة وكان الفيلسوف جالسًا في الزاوية يشكر الله الذي أنار بيته بنور القمر، فجال اللص في البيت وهمَّ بالخروج وهو خائب الأمل، فخاطبه الفيلسوف قائلًا: إذا كنتُ أنا صاحب البيت لا أجد فيه شيئًا في ضوء الشمس، فهل تؤمِّل أنت الغريب أن تجد في ضوء القمر شيئًا فيه؟

فقلت: ولكني لم أدخل البيت من النافذة يا مولاي. فضحك حتى استلقى وهو ينظر إلى أنجاله تارة وطورًا إليَّ وإلى أفنان ويقول: غلبني. غلبني.

ثم أخبرني قصة تفصح عما فيه من حب النكتة، ومن البراعة في التهكم قال: زارنا الأسبوع الماضي رجل أميركي مندوب أحد الجرائد هناك، وجلس هناك — أشار إلى الديوان قبالته — وأخذ يتكلم — خوش كلام — وهو يسألنا سؤالات في السياسة، وفي الامتيازات، وفي النفط، ويجيب عليها بنفسه، ونحن مثل الفيلسوف الذي قصصت عليك قصته جالسون في زاوية السكوت نشكر الله الذي أنار بيتنا السياسي بنور القمر، ولكننا استأنسنا بهذا الأميركي … جاء مثلكم في النهار ولم يدخل من النافذة. ولكن لسانه مثل سيف ذي الفقار — خوش لسان — هل كل الأميركيين مثله حذقًا وعلمًا؟ عندما قام يودع شكرناه على زيارته وعلى ما استفدنا من حديثه، وخطر لنا يومئذ أن نسأله عن أغراس النخل التي أخذت من هذه البلاد إلى أميركا، وزرعت هناك، ولكنه لم يفسح للسؤال مجالًا، فهل لك علم يا أفندي بتلك الأغراس؟ هل نجحتْ في أميركا؟

فأجبته قائلًا: إذا أذنتم باستعارة استعارتكم أقول: إن بيتي الزراعي مثل بيت الفيلسوف الذي وصفتم.

فضحك وقال: وأنا مثلكم دخلت من الباب لا من النافذة. ثم نظر إلى أنجاله وهم جالسون أمامه متكتفين يبتسمون ولا يضحكون، فقال: أراني مع الأفندي مغلوبًا … مغلوبًا اليوم. يجب أن يزورنا مرة أخرى. فقلت: هو أحب ما أحب في هذا البلد، ثم كملت جملتي السابقة: أما البيت فلكم كل ما فيه. أذكر أني قرأت مرة أن وزارة الزراعة في وشنطن استجلبت من البصرة أغراسًا من النخل وغرستها في الولايات الجنوبية.

– إذن علمك وعلمنا واحد.

– في هذه المسألة فقط.

– بيتنا بيت الفيلسوف، أنتم تسوحون طالبين العلم، ونحن نأخذ علومنا من الكتب وممن نجتمع به مثل فضلكم.

فاعتذرت وشكرت، وكنت قد نظرت إلى أفنان فأعطاني الإشارة، فقمت أودع، فنهض فضيلته ومد يده ثانية يصافحني.

إن للسيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني، سليل مولانا عبد القادر — قدس الله سره — طائفة من السالكين المتعبدين منتشرة في أقطار الشرق كله، وله في بيته جيلان من الأنجال؛ الجيل الأول كان جالسًا معنا، وهم ثلاثة تتراوح سنهم بين الخمسة والخمسين والستين، يحضرون مجلس والدهم فلا يتكلمون إذا كان عنده زائر، إلا إذا سئلوا، ولا يضحكون مهما كانت النكتة ظريفة، ضحكة عالية. أما الجيل الثاني وعدده ستة أو سبعة صبيان، فمن هذا الزمان حقيقة ومجازًا؛ لأن بينه وبين الأول فترة مقدارها نحو أربعين سنة. والسبب في ذلك سر احترمناه.

زارني ذات يوم كبيرهم، وهو لا يتجاوز السابعة عشرة، فلم يكن مثل الصحفي الأميركي الذي زار فضيلة أبيه. سألني أن أقول له ما الفرق بين الانتداب والاحتلال، فأجبته، فقال: ولكن البريطانيين يعترفون باستقلال العراق ولا يخرجون منه. وجاءني ثانية ومعه بضعة فتيان من أقاربه ورفاقه في المدرسة يبغون السلام والتعرف ثم الاحتجاج على الإنكليز، فاتخذت في مقابلتهم الخطة التي اتخذها النقيب في زيارتي له؛ أي إني سبقتهم إلى السؤالات فكانوا في أجوبتهم مدهشين.

– وإذا كانت اللغة الإنكليزية لغة الحكومة المحتلة أفلا تتعلمونها؟ فأجاب أحدهم: إذا كانوا ينوون الإقامة في بلادنا يجب أن يتعلموا لغتنا. وقال آخر: نتعلم لغتهم ويتعلمون لغتنا فيفهم إذ ذاك بعضنا بعضًا. وقال الثالث، وهو صغيرهم: إذا كان لا خير في الأجانب فلا خير في لغتهم. فأجابه النقيب قائلًا: اللغة شيء والسياسة شيء آخر؛ فإذا تعلمنا لغتهم نتعلم طرقهم السياسية ونحاربهم بها. فرد عليه الصغير وهو يضرب الأرض برجله: أنا لا أستعير يد رفيقي لأضرب بها. أنا أقاتلك بيدي.

– ولكن السياسيين لا يضربون بأيديهم.

– يضربون بأرجلهم إذن؟ لنا أرجل مثلهم. ألا لا يجهلن أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا.

صفق له رفاقه ثم عادوا، وقد وبخهم الأكبر، إلى التأدب. وكنت أخشى أن ينتقل هذا الوفد العراقي الوطني العجيب من الكلام إلى الأيدي فنهضت أكشف الساعة، فكان الصغير أول من فهم الإشارة، فنهضوا وسلموا مودعين.

كنت أقيم ببغداد بين وليين كريمين، عرفت الواحد منهما لأول مرة في عدن، وهو هناك ولي البلد له مقام بقبة، وعشيرة وأحبة، وصندوق إحسان يملؤه كل شهر الأتقياء، فيوزع المال على الفقراء. هو عَيْدروس المدفون — كما قيل — في عدن، وله في بغداد مقام وعباد. أما الولي الآخر الذي كان قربي، بل كنت أنا السعيد بقربه، فهو أشهر من عيدروس وأعظم، إذا لم يكن كرامة وقداسة، فسيادة ونفوذًا. كيف لا ومن شاطئ دجلة تشع شمسه شرقًا وغربًا فتنير ضفتي الكنج والنيل. كيف لا وهو مولانا عبد القادر الكيلاني المدفون رمزه المادي تحت تلك القباب اللازوردية في جامع يعد من أفخر وأجمل ما في بغداد. هناك شرقًا من سريري على السطح مطلع الأنوار، فكنت كل يوم عندما أنهض صباحًا أمتع نظري وروحي بمشهد الشروق على مسرح القداسة، فأرى الشمس تكوِّن من الغيوم البيضاء المتقطعة، فوق قباب عبد القادر المتعددة، ما يشبه قطعان الغنم وهي تسرح في مروج من النرجس الذهبي العين، والعصفر الذهبي الجبين، كأنها الزوار جاءت من العجم والهند لتستقي من الموارد القدسية، وتحيا في المروج القادرية … عبد القادر الكيلاني، من إحسانك لا تنساني!

وما كان — كرَّم الله وجهه — لينساني وأنا في بغداد، فكان يوحي إلى فرع دوحته الأكبر السيد عبد الرحمن حبًّا موضوعه هذا الغريب في جوار الحبيب، وكنت أنا المجذوب إلى تلك الشخصية الفسيفسائية، كأنها كُوِّنت من ألوان تلك المروج وتلك القباب فوق ضريح عبد القادر؛ ليتأكد القارئ أني مجد فيما أقول، قد لا أستحسن سياسة النقيب، وقد لا تهمني إلا في سبيل الأدب مصادر القداسة حوله وفيه، ولكنني ممن يعجبون بمظاهر الحياة الفريدة، أينما كانت، وبشواردها المجيدة، كيفما باتت، ولا سيما إذا تمثَّلت في مثل هذا البشر السوي والشيخ الكريم.

ما رددت مرة دعوة للسيد لمجلس أو لمائدة، وكنت كلما دنوت من صميم ذاتيته ازداد إعجابًا بها، وأن بين النقيب ومائدته وجه شبه لطيف، في الاثنين غذاء كثير، وفاكهة وأباذير. في الاثنين فيض برمكي أصمعي، فترتاح إلى الأول العين والمعدة كما يلتذ بالثاني السمع والفؤاد.

وما عرفت أشجع منه، على سنِّه ودائه، إذا مدت الأيدي إلى الزاد، على أنه لا يشبه الأكول في أنه يهمل من يؤاكله. كنت أسمعه يتكلم، وأراه يتصرف بالألوان الواحد تلو الآخر، وعينه على ضيوفه، يشجعهم ويحرضهم على الهجوم.

– خوش حباري يا أفندي أمين. من صيد اليوم. لا تزهد بها … إذا كنت لا تتكلم يا حضرة الكسباني أفلا تأكل؟ … أفنان لا يحتاج إلى من يغريه بشيء.

وكان الكسباني أمين على علمه وأدبه وسياحاته في الأرض — وسنه — يخجل كبنت السادسة عشرة إذا وجه إليه الكلام في مائدة النقيب، أو مائدة الملك. فيغص باللقمة ويزداد ارتباكًا. قليل الكلام، قليل الأكل … في المواقف الرسمية. ولكني — والحق يقال — رأيته سكوتًا خجولًا حتى في حضرة السيدات.

بيد أنه تغلب مرة على حيائه ونحن إلى مائدة النقيب، فأكثر من أكل الزيتون — أكل على ما أذكر ثلاث حبات — وهو يحن إلى صحراء الشويفات. فجاءنا من مولانا في اليوم التالي جرة من الزيتون وأخرى من الزيت. أتبغي أوضح من ذلك دليلًا على عجيب مواهب النقيب وتعددها؟ إن القابلية للطعام كمثل غيرها من المحاسن البشرية، بل هي، مثل الكرم والذكاء والتيقظ وحسن الحديث، واحدة من المواهب التي يغدقها الله على من يشاء من عباده. وقد خص هذا الرجل الكبير بكثير منها كلها. إني لا أنساه حياتي وهو يأكل كالشاب، ويحدث كالشيخ، ويراقب من طرف خفي كالمرأة، فلا يفوته شيء مما له ومما عليه.

وما كنا في الحديث لندنو من السياسة إلا نادرًا. أذكر أنه مر بالموضوع مرة فقال إنه شديد الرغبة في العزلة، ولولا إلحاح المندوب السامي وزملائه في بداءة الأمر، قبل التتويج وبعده، لما كان يقبل أن يدير سياسة البلاد، ولكنه بعد أن وقَّع المعاهدة وأحس أن الفكرة في القصر تزداد صلابةً وظهورًا عليه، وأن دار الانتداب تميل تسللًا إليها، ورأى فوق ذلك أن مقاومة المتطرفين تزداد شدةً وعنادًا، نزع بحكم رد الفعل إلى التسلط والاحتفاظ بمنصبه، ولما صدر أمر الحكومة بمباشرة الانتخابات للمجلس التأسيسي، وأصدر على أثره أحد المجتهدين في النجف فتوى بأن الانتخاب مخالف لقواعد الإسلام، رأيت فضيلة النقيب مضطربًا وسمعته غضوبًا:

– في البلاد وطنيون كثيرون وكلهم رجال سياسة، ولكن ليس في رءوسهم عيون تريهم ما هم فيه. أين هم من البلاد، وأين البلاد منهم؟ كانوا أمس تحت أقدام الترك، واليوم يبيعون البلاد إلى الترك بفلس لينتقموا ممن يظنونهم أعداءهم. نحن أخذنا الأمر على عاتقنا، ولا نسأل التوفيق من غير الله، ولا نتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى … أما اجتمعت بالوطنيين يا أفندي وسمعتهم يتبجحون؟ غدًا تجتمع بكبارهم في كربلاء والنجف … نصف هذا الاجتهاد جهل، ونصفه عناد.

ذكرني كلامه وتغيُّظه بالكلمة الإنكليزية المأثورة التي قالها الفيلسوف جونسون فترجمتها لفضيلته: إن حب الوطن ملجأ المنافقين الأخير.٢٠ فسرَّ بها جدًّا.

– خوش كلام. خوش حكمة. الإنكليز يا أفندي أمين أحكم الناس بالرغم من سيئاتهم كلها. هم ينافقون ولا شك، ولكنهم لا يسمون نفاقهم اجتهادًا ولا يخلطون الدين بالسياسة. هم يحبون أنفسهم ولا شك، ولكن حب الذات يختلف عندهم عما هو عند سواهم. عند الألمان مثلًا حب الذات نيئ بارد لا تقبله الناس، أما عند الإنكليز فهو ناضج وفيه شيء من الأبازير هي لبعض الناس مثل السم. عند الإنكليز العلم، وعندهم المال، وعندهم الحكمة، أما الوطنيون في البلاد فأي شيء عندهم؟ هل هم يحبون البلاد أكثر منا وهي بلادنا قبل أن تكون بلادهم؟ وأكثرهم لا يزالون من الأجانب … أعد المثل الإنكليزي: حب الوطن آخر ملجأ للمنافقين — خوش كلام، خوش حكمة.

ولكنه بعدئذ، ولعله كان عالمًا متجاهلًا بأن السياسة، بريطانية كانت أو عراقية، لا تعرف الثبات والوفاء، فقد استنصره واستخدمه الإنكليز إلى أن تمت مقاصدهم فيه، إلى أن تم توقيع المعاهدة، وبعد ذلك هجروه. وقبل الهجر، عندما أراد السيادة والتغلب، خذلوه.

(١٠) عبد المحسن السعدون

في النادي العراقي روح اجتماعية وطنية صحيحة؛ لأنها مبنية على المساواة والإخاء؛ ولأنها فوق ذلك مختلطة؛ أي إنها عراقية بريطانية. ما رأيت الإنكليز قبل اليوم ولا سمعت بهم يخالطون اجتماعيًّا من يحكمونهم أو يساعدون في حكمهم من الشعوب. أما في العراق فالروح الجديدة يستبشر بها. قد تعرف في لعب الورق شيئًا من أسلوب خصمك في السياسة. والذي أدهشني من الموظفين والمستشارين البريطانيين في العراق أن أكثرهم يحسنون التكلم بالعربية. كنت أجتمع بهم في النادي وأرى بعضهم جالسين إلى تلك الطاولة الخضراء، يحاولون كسب روبية من زملائهم العرب.

أجل إن في النادي طاولة خضراء يجتمع إليها الوزراء بعد الظهر، ساعة الشاي؛ ليحافظوا على الموازنة النفسية بينها وبين تلك الطاولة الأخرى في السراي. فقد كُتب لي أن أرى الوزراء يلعبون ساعة بالورق ليبددوا هموم الأوراق الرسمية والمعاهدات. وليس في ذلك ما يؤاخذون عليه، بل فيه برهان على أن للفلسفة العملية مقامًا عندهم محترمًا.

إن الطاولة الخضراء في النادي العراقي مثل الحكومة العراقية قليلة الموارد محدودة الخراج، ولها أن تفاخر غيرها بالكيفية لا بالكمية. هي برجالها تفتخر لا بألعابها وأموالها. هاك على رأسها الأخصائي المالي ساسون أفندي، مَن وكلت الأمة إليه أمر ماليتها، يجيء كل يوم، وهو أثبت في ذلك من قيِّم النادي؛ ليفادي بشيء من ماليته. ولكني لم أسمع أنه خرج مرة خاسرًا، أو أن أرباحه كانت تتجاوز الخمس روبيات. وكلهم في لعب اﻟ «بريدج» أخصائيون، إلا أن الكسباني أمين كان يسدد حسابه في الفندق من حسابه في النادي؛ لأنه في اﻟ «بريدج» مثله في التحفظ السياسي سيد الأخصائيين.

قد ذكرت النادي لأني اجتمعت فيه لأول مرة بزملاء سيدي النقيب، بساسون وصبيح ونوري وياسين، وبالسعدون عبد المحسن موضوع حديثي الآن، وأظنني فضحت نفسي فيما كنت أجهل من أمر آل السعدون وما لهم من السيادة والنفوذ في العراق، على أن من يقابل وزيرًا لأول مرة في تلك الحال لا يلام إذا نسي التاريخ أو تناساه. ظننتها جلسة «بوكر»، وظننت الأعضاء مثل غيرهم في أندية القمار فسلمنا وما تحدثنا، بل نسيت الرجل فخجلت بعدئذ مما كان. ضاع وجه السعدون بين الوجوه العديدة التي كانت تمر صورها أمامي في تلك الأيام فلا ينطبع في الذهن منها إلا القليل، ثم اجتمعت به مرة ثانية في نادي الحرب العراقي الحر الذي خطبت فيه، وكان هو جالسًا إلى جنبي، فسلم عليَّ فسلمت وأنا أذكر صورة وجهه ولا أذكر أين بدت لي سابقًا، فسألته، فأضحكني بلطفه وابتسامه.

اجتمعنا بعد ذلك مرارًا، وكنت كل مرة أدنو منه أراه بعين التصور قبل أن أراه بعين الجسم، فيتمثل أمامي لابسًا العباءة والعقال، راكبًا الهجين، قائدًا إلى الغزو العربان. أجل، إن صاحب المعالي عبد المحسن السعدون هو الوزير الأول في وزارته الذي تبدو فيه العروبة الحقة، والثاني هو عبد اللطيف باشا المنديل. أما الآخرون ففي ظاهرهم مستعجمون؛ ناجي السويدي أشبه برجل من شمال أوروبا؛ صبيح بك نشأت هو في تركيته أظهر منه في عروبته؛ جعفر ونوري من الأكراد، وساسون أفندي حزقيل من العالم … من الإسرائيليين في العالم. أما السعدون فمن العراق، من صميم العرب، ووجهه أصدق أخباره الصادقة.

هو رجل في العقد الرابع من العمر٢١ ربع القامة، أسمر اللون، حسن البزة، أوروبي حتى رأسه — حتى الاستثنائية أريد — فالرأس أسود الشعر قصيره ومثل كلة المدفع مستدير، والعين فيه كالمشعل بين الليل والغسق، والفم عدل إلا أنه قاسٍ قلَّما يبسم وقلَّما يتكلم، ولكنه عندما يتحرك يؤنس، إذ تسارع إليه نفس جذابة فتمتزج بكلماته القليلة، وفيها مضاء وليس فيها جفاء. رجل سكوت، وكل سكوت لغز لمن لا يعرف شيئًا من سابق حاله. على أني ألِفتُ السكوت فيمَن سافرت معهم من العرب، فكنا نسير ساعات في النهار جنبًا إلى جنب دون أن نفوه بكلمة واحدة، وكنت غالبًا أعجب بما يخبئه السكوت فيهم من شمم وكرم وذكاء.
وهو ذا السعدون عبد المحسن العربي السكوت، ويحق لي أن أقول الآن: السكوت العزوم؛ فقد برهن في وزارته التي استمرت سنة٢٢ على أنه فعال لا قوال، وعليم فيما يفعل حكيم. كانت نفسية البلاد من حيث المعاهدة، التي رُفعت منها لفظة الانتداب ولم تمس قيوده، كما وصفت فيما سبق، عندما استلم زمام السياسة العراقية، فأقدم السعدون على عمل يعد من أهم أعمال وزارته ولسان حاله يقول: لا نضحك من الأمة فنصور لها الانتداب خيالًا زائلًا، ولكننا نخفف عليها ثقل القيود. فتم عقد الملحق بين حكومة العراق وبريطانيا الذي بموجبه أنزلت مدة المعاهدة من عشرين سنة إلى أربع سنوات.٢٣

ولتلك المعاهدة ملحقات أخرى تتعلق بالجندية والمالية والقضاء، وبشروط استخدام الموظفين البريطانيين في الحكومة العراقية. فتوفقت وزارة السعدون إلى عقد الملحق الذي يتعلق بالقضاء، ودرست الملحق الذي يختص بالموظفين البريطانيين، فقدمت به لائحة فلم تقبلها حكومة الانتداب، وسعت في تحسين الصلات بين العراقيين والبريطانيين، فكان سعيها مبرورًا وإن لم يكن مثمرًا، وجاهدت في سبيل الميزانية فأفلحت، إذ أعادت إليها التوازن بالرغم عن التخفيض الذي أجازته في رسوم الأراضي الأميرية ورسوم المواشي والنخيل، ولكن هناك صخرة اصطدمت بها فحملها ذلك على الاستقالة.

يذكر القارئ أن في المعاهدة بندًا يوجب على الملك ووزارته وضع دستور للبلاد ثم انتخاب المجلس التأسيسي للنظر فيه وتنفيذه، فقد وضعت وزارة سعدون الدستور وأصدرت قرارًا يوجب مباشرة الانتخاب، فاعترضها في ذا السبيل ما اعترض الوزارة السابقة من مقاومة علماء الجعفرية (الشيعة)، ولكنها تغلَّبت عليهم بعض التغلب؛ إذ قد تم في عهدها انتخاب المنتخبين الثانويين ولم يبقَ سوى انتخاب الأعضاء.

هي ذي العقبة الكئود. قد سمعت ما قاله النقيب عند تغيظه في هؤلاء الأقوام، وأكثرهم من الأعجام. إن بسياستهم الوطنية أصولًا ونزعات كلها أو جلها — ولا شك — مذهبية إيرانية، وإن لعلمائهم في العراق نفوذًا يفوق نفوذ أعلى المقامات الرسمية، وفيهم المجتهدون الذين «يجتهدون» دائمًا أن يعرقلوا مساعي الحكومة. أزعجوا السعدون كما أزعجوا سلفه النقيب. فأصدروا الفتاوى الدينية ضد الانتخاب والانتداب.

هاك ما حمل السعدون، السكوت العزوم، بالرغم من تردد الملك والمندوب السامي، على العمل الذي يعد من أكبر أعماله، إذا اعتبر فيه العزم والشجاعة فنفى إلى الحجاز آية الله الشيخ مهدي الخالصي أكبر مجتهدي الكاظمية٢٤ والعراق؛ فأحدث ضجة في البلاد ظن أنها ستفضي إلى ثورة ثانية، على أنه لم يكن من نتائجها غير احتجاج نفر من العلماء فساروا إلى إيران مغضبين.

أما جلالة الملك فقد كان يؤيد في البدء قولًا وفعلًا سياسة وزارته بالرغم عن احتجاج الشيعة في العراق وإيران، وبما أن أكثر أهل الشيعة في العراق من التبعة الإيرانية، وهم ثابتون فيها، فقد أصدر منشورًا طلب منهم فيه أن يتجنسوا بجنسية البلاد؛ ليحق لهم التمتع بالحقوق التي يتمتع بها العراقيون، فزادهم المنشور سخطًا وتمردًا، وقام أولئك الذين ظعنوا إلى إيران يتقدمون الشعب الإيراني في التظاهرات على الملك فيصل، وعلى المندوب السامي البريطاني، ثم أعلنوا مقاطعة البضاعة البريطانية.

قد احتجت كذلك حكومة طهران إلى حكومة العراق، فأحس بعض الخاصة في الدواوين بسلك كهربائي إنكليزي في ذاك الاحتجاج، هزَّ دار الانتداب في بغداد فتأثر القصر والمجلس، فقال جلالة الملك بعد المذكرات ما قاله فخامة المندوب. ولكن العلماء استمروا مكابرين معاندين فقالوا: إنهم لا يرجعون إلى بلادهم إلا إذا نفذت أربعة شروط، وهي: إخلاء الإنكليز للقطر العراقي – استقالة الوزارة الحاضرة – تحديد زمن الانتخاب – إدخال عدد من الشيعة في المجلس النيابي، قال المندوب السامي … فقال الملك فيصل … فقالت الوزارة: الوداع.

وما أجمل التغيظ في الرجل الجريء العادل. قد جاءني من معالي الوزير كلمة بعد استقالته يقول فيها: «أحببت أن أسعى لرفع الغشاوة الفكرية عن إخواننا الشيعة وإنارة بصائرهم بالحقائق، فبينت لهم أن الموكل موهوم والموكل غشوم. لقد قمت بهذا الأمر في هذا المحيط وهذا الزمان، وتحملت من الأعباء ما تحملت لأفتح طريقًا لأخي الوزير الشيعي فيتمم ما بدأت به، وحينئذ يبدأ بتغيير عام لطرد جيوش الرياء والأوهام، وينفخ في صور الإخاء والمساواة وتتم نبوءة أشعيا الفيلسوف حيث السباع والغنم يرتعون سوية، ويسود سلام في العالم وسلامة الضمير في بني الإنسان.»

هو ذا عربي يحلم مثل النبي أشعيا الأحلام، وينشد المثل الأعلى في العالم، وهو في موقف العمل — كما تبين — يفقه حقائق الحياة الوضيعة وما بينها كلها من صلة العقل والخيال، وإن السعدون صريح إذا قال، مخلص إذا مال. سألته عن رأيه في السياسة العراقية الوطنية وما هي عقيدته تجاه الإنكليز، فأجاب بما لا يقبل التفسير والتأويل: «إني أعتقد أن منفعة الوطن تقضي علينا في الوقت الحاضر بأن نكون في سياستنا تجاه الإنكليز مصادقين لهم؛ لأننا محتاجون اليوم أشد الاحتياج في نهضتنا السياسية الحاضرة إلى يد مساعدة ودماغ راقٍ نسترشد به، ولا نجد في هذا الباب خيرًا من الإنكليز، ولكن على شرط ألَّا يجحف ذلك باستقلال البلاد أو بمنافعها.»

(١١) جعفر العسكري٢٥

زرته لأول مرة في وزارة الدفاع التي كان يومئذ وزيرها، وكان الحر شديدًا، فدخل والعرق يتصبب من جبينه يجر ما فرضه الله عليه من وزر السمن، كأنه مدفع يتحرك بنفسه، أو كأنه في ساحة القتال حيث لا ترسم ولا تجمل. جعفر باشا لا يكذب اسمه، فهو أولًا وآخرًا عسكري، يسرع ولا يتكلف فيما يقول ويفعل. سلم سلام الأحباب ونزع «ساكوه» وجلس في الكرسي وراء منضدته وهو يروح بمروحة من القش ويتكلم. فتمثل أمامي رجلًا أميركيًّا، رجل عمل وأهلية، من أولئك الذين يديرون إدارات كبيرة بالضغط على زر كهربائي، أما وزير الدفاع في الحكومة العراقية فكان يصفق كفًّا على كف ليعطي أوامره، وهذا لا يهم عند روح العمل الجديدة التي تتمثل في جعفر وزملائه … روح العمل العصرية المجردة من خزعبلات الأبهة الشرقية وسخافات اللياقة كلها.

– والله يا أستاذ عندنا رجال وعندنا وطنية، ولكن الإدارة مفقودة والمال، أين المال؟ مثلنا، أو بالحري مثل الحكومة التي تولت في البدء أمرنا، مثل شاب ورث ثروة من أبيه فخسرها في القمار. بذل البريطانيون في سنة واحدة من المال في البلاد ما يكفي جيشًا وطنيًّا كبيرًا خمس سنين، ولا أثر ولا نتيجة لما بذلوه. والآن نحن في أشد حاجة إلى المال، هم ينفضون أيديهم ويرونا كيسًا فارغًا. مبدئي الوطني وأملي وعملي تتوقف كلها على تنظيم الجيش العراقي. يقول لنا الإنكليز: ساعدوا أنفسكم نساعدكم. وهذا صواب، ولكنهم أفسدوا علينا وهم لا يدرون موارد المساعدة. عندما تكون البلاد في هياج سياسي يصعب على الحكومة فيها أية كانت أن تجبي أموال الخراج.

– وما هو عدد الجيش العراقي الذي باشرتم تنظيمه؟ وما هي حالته؟

– عدده خمسة آلاف، وحالته المعنوية غير ما تروم. لا تظن أن السبب في ذلك نقص في الوطنية. لا والله! إنما هو دليل من أحد الوجوه على الوطنية، وهذه هي الورطة التي نحن فيها الآن؛ ندعو شبان البلاد إلى التجند فلا يلبون، وإذا لبوا فيجيئون يعرجون ولسان حالهم يقول: إذا كان الإنكليز يبغون الإقامة في البلاد فليدافعوا هم عنها. ومن وظيفتي أنا أن أقنعهم بأن الإنكليز، وهم في البلاد، غير مقيمين فيها، وأنهم وهم الأغنياء بالمال والرجال، لا يستطيعون الدفاع عنها مع رغبتهم فيها. هل تعرف وزيرًا في حكومات العالم اليوم هذا موقفه في السياسة والمنطق؟

جعفر باشا حر الكلمة صريح الإشارة والعبارة. سألته رأيه في أحد رجال السياسة العراقيين الذي كان يومئذ من المرشحين لرئاسة الوزارة، فقال: أي رجل آخر أحسن منه. درهم من الأهلية يا أستاذ خير من قنطار مقامات. البلية الكبرى في هذه المقامات التي ليس فيها غير الادعاء والسخافة.

وهو إن رفعته الجدارة إلى أعلى المقامات لا يكتفي بما عنده من خبرة وحكمة، بل يسعى دائمًا فيما فيه زيادة وتحسين. قد أخبرت القارئ في مطلع هذا الفصل بأن حسين أفنان سكرتير مجلس الوزراء هو أستاذ في علم الاقتصاد، ولا فرق في مصادر علمه أصلية كانت أو منتحلة، فكنت أرى الحسين مكبًّا على ترجمة آدم سميث٢٦ وغيره من أساتذة هذا العلم وأعجب بإخلاصه، وبقوله: خير لي أن أترجم عن الثقات من أن أجيئهم بما يجلب اللعنات. إنك لترى الفقيه والأديب والوزير في مَن يَحضُر تلك الدروس الاقتصادية، ولست مبالغًا فيما أقول.

دهشت يوم أخبرني جعفر باشا بأنه يحضر دروس السيد أفنان وازددت إعجابًا بمعاليه. اطلب العلم من المهد إلى اللحد. ليس أشرف من الحديث النبوي المأثور غير الحديث النبوي المتجسد في وزير من وزراء العرب، وهو تلميذ من تلاميذ كاتب سره. جاء جعفر باشا يزورني يومئذ في البيت ويدعوني للعشاء في بيته.

– لا نظنك تؤاخذنا ونحن لا نزال فيما هو أشبه بالكوخ، ولكنه خارج البلد فتمر في طريقك ببساتين يروقك منظرها.

ثم تطرق في حديثه إلى الإنكليز، وهو معجب بهم متخوف منهم، الإنكليز وجعفر مثل الحية والعصفور، ولكن الوزير العراقي وإن وقف أمام الحية مسحورًا، فلا يمكِّنها منه. اسمع ما يقول:

– يجب أن نتفاهم وإياهم ونتفق، وخير البر عاجله. الإنكليز يختلفون عن بقية الناس. هم وحدهم يا أخي … ممتازون! نزلوا من السماء في قفة. أفلا ترى كيف يسلكون في نهارهم وفي ليلهم؟ يلبس الجندي منهم البنطلون القصير فيكشف ساقه حتى الركبة — ابن عم البرابرة — ولكنه في المساء، إذا دعي للعشاء، تراه في ثوبه الرسمي وفي سلوكه كأنه من الأعيان. فلو كانت هذه الحرية لنا لكنا برابرة في النهار وفي الليل … يجب أن ندرس هؤلاء الإنكليز ونفهمهم، ونتفاهم وإياهم. هم لازمون لنا في الوقت الحاضر.

وقد حاول في السنة التي تولى فيها رئاسة الوزارة أن يفهمهم ويتفاهم وإياهم، فدرست وزارته ملاحق المعاهدة الثلاثية الباقية؛ أي تلك التي تتعلق بالجندية والمالية والموظفين الإنكليز، ولكن المجلس التأسيسي، أو بالحري اللجنة التي عينها المجلس لدرس تلك الملاحق والاتفاقيات، رأت أن الشروط فيها فادحة فتفاقمت على الوزارة الاحتجاجات، فاستقالت.

(١٢) ياسين الهاشمي

كان ياسين باشا٢٧ من المغضوب عليهم في دار الانتداب يوم كنت في بغداد، وكانت المس بل مع ذلك تعجب به وتحترم آراءه. وقد يصح فيها وفيه ما قلته في جعفر باشا والإنكليز؛ هما مثل العصفور والحية، على أن الآية تعكس ها هنا، فلا تنحصر الحكمة والجاذب في المرأة.

كنت أجتمع بياسين باشا في النادي فأسمعه يجهر برأيه ضد الإنكليز، أو بالحري ضد حكومة الانتداب، وكانت المس بل تدعوه لمائدتها فيجيء في ثوبه اليومي وبآرائه التي هي مثل ثوبه طليقة، لا تقيد فيها ولا ادعاء.

وكان على الدوام كئيبًا، وكانت الكآبة بليغة مستحبة، تنظر من عينه السوداء كأنها تقول: إن هدوء نفسه، وحسن وجهه، وشجا صوته، إنها كلها مني. ظننت تلك الكآبة من خلقه، ولكني علمت بعدئذ أن ابنه الصغير الوحيد كان مريضًا ولا يرجى شفاؤه فأُغلقت في وجهه أبواب الطب كلها، وانصرف عنها وعن الأشغال يسعى بما عسى أن يصل إلى عرش الرحمة الأعلى، فيأذن الله بشفاء صغيره العزيز.

لم يستجب الله طلبة عبده. وعندما رحت أعزي ياسين باشا الذي كان يومئذ وزير الأشغال في وزارة السعدون، استقبلني هاشًّا ولم يأذن بتلك الكلمة المألوفة التي لا تغني فتيلًا. ما شاء الله كان. هو مثل داود النبي: تقي في المصيبة، فيلسوف في الأحزان.

ولكنه في السياسة لا يستسلم دائمًا إلى الأقدار، أمَا وفي ذلك الوقت كان رئيس الوزارة التي خلفت الوزارة الجعفرية، وكان رئيس اللجنة، لجنة تدقيق المعاهدة، التي عينها المجلس التأسيسي، فماذا عسى أن يكون موقفه في سياسة أصبح لا يملك غير طرف واحد منها؟

جاء في تقرير اللجنة أن في بنود المعاهدة والملحقات ما يثقل كاهل العراق، فلا يمكنه القيام بتعهداته، ثم تطلب اللجنة التعديلات الآتية:
  • التصريح باستقلال الدولة العراقية.

  • التصريح بإلغاء الامتيازات الأجنبية قضائية كانت أم اقتصادية.

  • الحكومة العراقية حرة في تنظيم ميزانيتها السنوية.

  • التصريح بأن الحكومة العراقية ستصبح حرة مستقلة ذات سيادة تامة عند دخولها في عصبة الأمم، أو عند انتهاء الأربع سنوات.

وهاك تعديلات فرعية تتعلق بالاتفاقيات المالية والعسكرية.

فمهما قيل في وجوب هذه التعديلات كلها لا أظن معالي الوزير الجديد يسعى في نقض قاعدة مالية أجمعت الأمم على صحتها. يقول العراق لبريانيا: يجب أن تسحبي قواتك من العراق ويجب أن تقرضيني مالًا لأنشئ جندًا وطنيًّا يقوم مقامها. فتقول بريطانيا للعراق: يجب أن تعطيني ضمانة على المال وستبقى بعض قواتي في البلاد إلى أن تسدد الدين.

هو ذا المشكل الذي يُرجى حله في عهد الوزارة الهاشمية خصوصًا؛ لأن فيها أخصائيًّا في التجنيد هو رئيسها، وأخصائيًّا ماليًّا هو ساسون أفندي.٢٨

(١٣) جرترود بل

النادي العراقي مختص بالرجال دون النساء، ولكني سمعت يومًا صوت امرأة في غرفة القراءة، فدخلتها فإذا هناك المس بل وأحد الوزراء يتجاذبان أطراف الحديث كما يقال. وكنا يومًا مدعوين أنا والسيد أفنان لمأدبة فمررنا بأحد المستشارين ظنًّا منا بأنه وزوجته من المدعوين، فقال المستشار: أنا أرافقكم أما الست فلا. يظهر أن الليلة مختصة بالرجال. فقلت: وقد سمعت أن المس بل ستكون هناك. فقالت السيدة زوجة المستشار: ولكن المس بل … وسكتت.

نعم، إن المس بل في صفتها الرسمية لمن الرجال، فهي لا تقيد نفسها بما يقيد بنات جنسها. وهي تغضبهن؛ لأن الحرية التي ألفتها لا تأبه للاصطلاحات العقيمة. على أن الوظيفة تضطرها أحيانًا إلى ما يظنه الناس تعمدًا في الخروج عن المألوف. وهي في صفتها الرسمية تعمل عمل الرجال، بل هي شبه وزير دار الانتداب، وعليه سأفسح لها في هذا الفصل مجالًا. ولا أظن أصحاب المعالي الوزراء يستنكرون أو يعترضون.

إن السيدة جرترود بل كاتبة أسرار المندوب السامي في الأمور الشرقية، أو رئيسة القلم الشرقي في دار الانتداب٢٩ لمن أولئك الإنكليزيات القليل عددهن اللواتي يستشرقن أو يتعربن لدافع فيهن نفسي بل روحي، يصعب تعليله على ما أظن بغير ناموس التناسخ أو الوراثة البعيد الأسرار والأسباب. إن امرأة عالمة، نشيطة، حصيفة، ذات عزم ومضاء مثلها، لتجد في بلادها من دواعي العمل والشهرة والفخار ما يرغبها عن البلدان الأجنبية، ولكن نزعة فيها إلى الشرق، إلى العرب، تغلبت على كل آمالها ومطامعها، فجاءت الشرق الأدنى سائحة، طالبة علم، وجالت في البلاد العربية، فقطعت الصحراء إلى جبال شمر وحائل، وآخت العربان، ووضعت كتبًا عن العرب والبلاد العربية والسورية فيها العلم مقرون بالعطف والإخلاص، ثم جاءت أيام الحرب إلى بغداد فكانت للقيادة العامة والوكلاء السياسيين عونًا كبيرًا في إدارة شئون البلاد.

إن المس بل لتعلم من أمور العراق وعشائره ومشايخه وأشرافه وتجَّاره والسياسيين فيه ما يندر أن يعلمه سواها، وهي تتكلم العربية بلسان تخف اللكنة فيه، وتجالس العرب فتستأنس بهم، ولا تكلف ولا عناء، كأنها تجالس من تحب من أبناء جنسها، بل كأنها عربية بنت عربي.

امرأة طويلة نحيلة جليلة، تكاد تكون مجموعة أعصاب وأفكار، هادئة الإشارة واللهجة، هادئة البادرة، يتغلب في حديثها العقل، وتتغلب في عقلها السياسة. وهناك شيء من القلب، بل أشياء ناضجة مستوية، تزاحم العقل والسياسة أحيانًا فتجيء تارة عفوًا وطورًا تنم عن اجتهاد وعناء.

حدثني أحد المستشارين قال: طريقة المس بل السياسية قديمة، وهي مع ذلك لا تركن في الأمور لعقلها دائمًا ولا لقلبها. وقال آخر: الناس يأبون التأديب أسواء كانوا عراقيين أم إنكليز.

ولكن المس بل لا تجبه العراقيين بالقاعدة والقضيب كالمعلمة المرشدة، بل تجيئهم مرارًا وهي تحمل هدية بدل القضيب. هو ذا قلبها عربون إخلاصها أيها الزعيم الوطني. هي أم المؤمنين يقينًا. وإذا رفضت الهدية والمشورة، إذا أبيت النصح والامتثال، فهو ذا السجل وفيه سيرة حياتك منذ دببت ودرجت إلى يوم وقفت مستعطفًا أو محتجًّا في دار الانتداب.

لذلك لا يبادلها العراقيون الحب والوداد، ولكنهم يحترمونها، ويعجبون بها، ويودون لها ما يوده المرء لعمته أو الفتاة لخالتها. لا تحبينا كثيرًا — عافاك الله — ولا تتدخلي كثيرًا في أمورنا.٣٠

(١٤) أصحاب القوافي

لولا الشعراء في العراق لسئمتُ السياسيين، ولولا السياسيون لفررت هاربًا من الشعراء. وبكلمة أوضح: لولا الفريقان حولي لكنت من الهالكين. بيد أني مشيت مثل البهلوان على حبل الاحتفالات والتكريم، أحمل بيدي خيزرانة التوازن وفي أحد طرفيها أكرة السياسة وفي الآخر قيثارة الشعر. تباركت الأمة التي يتوازن فيها الشعر والسياسة.

ليس في أمم الأرض على ما أظن من يهتم بالسياسة اهتمام الأمة العربية، وليس في الأقطار العربية كلها من يشغفون بالسياسة شغف العراقيين. في مدينة بغداد — مثلًا — ثلاثمائة مقهاة، وفي كل مقهاة عشرون سياسيًّا في الأقل يدخنون الأرجيلة ليل نهار، ويديرون شئون العرش والانتداب، ولكل سياسي رأي في السياسة الدولية وسياسة العراق غير رأي زميله وجاره. إلا أنهم لحسن الحظ يدخنون وينسون. إن في الأرجيلة لتعتصم الأمة!

معروف الرصافي

ولكن في هذه الأمة أناسًا ممتازين يدخنون ويكتبون، فيجمع اليراع أحلامًا يولدها التنباك ويبددها، ويحفظ القرطاس من النغمات والنقمات ما لا تعددها. هم الشعراء. وأكثرهم، بل كلهم في العراق اليوم، سياسيون ينظمون، أو نظَّامون يعالجون السياسة كرمًا منهم، وفي مقدمتهم شاعر تجاوزت شهرته حدود بلده، فرحبت بها سوريا ومصر والآستانة، وأجلستها على ديوان الفخر والإعجاب.

وقد وصلت هذه الشهرة إلى الفريكة في شخص صاحبها المحبوب معروف الرصافي يوم كان عربيًّا — بدويًّا — في قلبه ولهجته، وفي نظمه وقيافته. نام معروف الرصافي يومئذ في خيمة الناسك المشرفة على الوادي، وأكل من جفنته، وشرب من إبريقه، ثم سافر إلى الآستانة أولًا وثانيًا، وكان فيها من المرشدين الواعظين، وعاد منها يلبس الطربوش والثياب الإفرنجية، فأفصح ذا التطور الظاهر عما خفي منه فيه. أجل، قد أفسد الأتراك، أو بالحري مدنية الآستانة — وهي في هذا الباب أشد وأسرع فعلًا من مدنية باريس — قد أفسدت شيئًا من السذاجة الجميلة في شاعر عربي مجيد. احترقت حواشي تلك السذاجة فتغير لونها وطعمها، وصار الشاعر سياسيًّا، وصار العربي مسلمًا، أو بالحري صار الشاعر في سياسته وفي إسلامه تركيًّا من أتراك الزمان.

على أن الرصافي وهو ممن خصهم الله بشعلة النبوغ — والنبوغ طموح، والطموح جهاد مستمر — لم يقف في التطور عند حد يريب ويعيب، بل ظل يشتغل في الأدب والشعر حتى أمست السياسة التركية الإسلامية بعيدة عنه، تكاد لبعدها لا ترى، وحلت محلها سياسة عربية قومية، مجردة من كل نزعة دينية، وكل صبغة مذهبية، وكأني بمعروف قد عاد إلى تلك الخيمة، خيمة الناسك، فذكر فيها الجفنة والإبريق، وعقيدة الأخ الصديق، الذي كان مثله هدفًا لعوامل التطور الشديدة. فقد صار ناسك الفريكة رحالة، فراح يجول في الأرض غربًا وشرقًا، حتى اجتمع بعد سنين بصديقه الشاعر في بغداد، وهو يشغل وظيفة صغيرة في وزارة المعارف.

وكان معروف أول المرحبين، وأول من قال شعرًا فيه زمجرة وفيه أنين. شكا إلى صديقه القديم حالًا وهو فيها فقال:

أقمت ببلدة ملئت حقودًا
علي فكل ما فيها مريب
أمرُّ فتنظر الأبصار شزرًا
إليَّ كأنما قد مرَّ ذيب
وكم من أوجه تبدي ابتسامًا
وفي طي ابتسامتها قطوب
سكنت الخان في بلدي كأني
أخو سفر تقاذفه الدروب
وعشت معيشة الغرباء فيه
لأني اليوم في وطني غريب
وما هذا وإن آذى بدائي
ولا هو أمره أمر عجيب
ولكني أرى أبناء قومي
يدبر أمرهم من لا يصيب

وحمل على السياسيين في العراق، الوطنيين منهم والإنكليز، وحمل كذلك على الأغنياء والأعيان، وشكا الدهر والزمان، كان صديقه الرحالة يحمل في حقيبته دواء لكل أدواء الإنسانية، وترياقًا لسموم الحكومات الانتدابية والاستعمارية:

أأمين لا تغضب عليَّ فإنني
لا أدعي شيئًا بغير دليله
من أين يرجى للعراق تقدُّم
وسبيل ممتلكيه غير سبيله
لا خير في وطن يكون السيف
عند جبانه والمال عند بخيله
والرأي عند طريده والعلم
عند غريبه والحكم عند دخيله

ما كنت لأغضب على صديقي الشاعر لو لم أكن جئت العراق من قطر عربي ليس فيه جزء صغير مما في العراق من دلائل الرقي وطلائع الأدب والعمران، إلا أن غضبي عتاب إخوان، ولعب صبيان، إذا قوبل بغضب أصحاب المناصب العالية، والسيادات الدينية البالية، وليس غضب هؤلاء وهم رجال بشيء إذا قيس بغضب سيدة سائدة، لها الأمر وهي أجنبية، ولها نفوذ يمتد حتى إلى إدارات الجرائد العراقية.

قد أغضب الرصافي المس بل فحالت دون نشر قصائده في الجرائد. وهذا قليل من كثير جاءه منها بالأساليب الدقيقة الخفية؛ لأنها وهي امرأة راقية، وهي فوق ذلك سياسية، لم تناصبه العداء بالطرق الاعتيادية، ولا أخطأت كما أخطأ سابقًا دار الانتداب في نفيه الوطنيين الأحرار، كأنها قالت في نفسها: هو شاعر، والشعراء يلتذون بالسجن ويفتخرون بالمنفى، وفي الاثنين ما يكفيهم مئونة العمل، فيضمن لهم خبز يومهم والعزلة للنظم والتأليف. دعت المس بل معروفًا وشأنه، ولم تلجأ في تونيبه إلى غير الدقيق الخفي من أساليب النقمة عندها. وكان معروف يومئذ ناقمًا على العراق كله كما تقدم وعلى كل من فيه:

سأنصب للهواجس حر وجه
يعود إلى الشروق به الغروب
وأضرب في البلاد بغير مكث
أجوب من المهامه ما أجوب
إلى أن أستظل بظل قوم
حياة الحر عندهم تطيب

وكان أمله أن المس بل، وهي ولية الأمر، تسمع في الأقل هذه الشكوى منه، فأرسل إليها كتابًا يقول فيه: إنه يحترمها؛ لأنها عالمة، ولكنها في الأمور الوطنية ليست أعلم منه، وأنها إذا أحسنت العمل يخلد ذكرها في التاريخ، وإلا فلا رادع لشعره عنها، «وإني أرجو أيتها السيدة أن يكون لغضبك نتيجة ظاهرة.»

سكنت الخان في بلدي كأني
أخو سفر تقاذفه الدروب
وعشت معيشة الغرباء فيه
لأني اليوم في وطني غريب

أفلا ترثي المس بل لحاله، وقد سئم الإقامة في بلاد لا خير ولا ما يشبه الخير فيها، فتسعى بإبعاده أو بسجنه أو بنفيه؟ إنما الرصافي لم يفقه عقلية المرأة المهذبة ولا أدرك السر الأول من أسرار قلبها، فهو يطلب منها ما يبغي حقيقة ولا يخفي عرضه أو يموه به، فلو قال لها: إني أفضل زاوية مظلمة في سرداب من سراديب بغداد على قصر في الآستانة لكانت سعت ولا ريب بإبعاده عاجلًا عن العراق، بل بتسفيره إلى الآستانة.

أما العلماء الناقمون على الرصافي، أو بالحري الناقم هو عليهم، فإنهم يجدون قصتهم في بيتين من شعره:

لقد مزقوا أحكام كل ديانة
وخاطوا لهم منها ثياب رياء
وما جعلوا الأديان إلا ذريعة
إلى كل شغب بينهم وعداء

ولا همهم أأبعد الرصافي عن العراق أم لم يبعد، فهم يعلمون أن الشاعر المجيد الحر الذي تتناسخ وتتناقل أشعاره الناس قبل أن تطبع يستطيع أن يضربهم أينما كان. وقد تجيء الضربة شديدة بالنسبة إلى بُعد مرماها؛ لذلك اقتصروا على تكفيره في بلده وشرعوا يشنعون به لدى العامة، حتى صار يُنظر إليه إذا ما مر «كأنما قد مر ذيب»، وهو — والحق يقال — ذئب الحرية في العراق؛ يثب على كل من يحاول قتلها أو تقييدها.

لمعروف الرصافي عقيدة في الدين والآخرة تكاد تكون مادية، ولكنه وهو الحكيم المدرك حدود علمه، قلما يفصح عنها تأكيدًا وتفصيلًا فيما يكتب وينظم. وعندي أنها في هاته الحال السديمية أشد تأثيرًا فيما يقصد بها من إصلاح العقائد والتقاليد. قال لي مرة: لا تصطلح البلاد العربية وترتقي إلا بالفكر. وأنا أفهم وهو يفهم ما يريد بما قال، فلو نطق كعالم بموجب قياس العلم والمنطق لما كان يؤثر في الناس كفره المزعوم.

ولرب قائل يقول: ما لك وأنت تكتب عن شاعر تقدم في شعره السياسة والدين؟ الجواب: أن الباحث اليوم في أحوال الشرق عمومًا والعرب خصوصًا يرى أن للسياسة والدين الشأن الأول في أمورهم كلها. أجل، إن في مصبغتَي السياسة والدين تصطبغ الأقوال والأعمال والآمال، فيندر الشعر الصافي والنثر الأدبي فيما ينظمون ويكتبون، وعندما أجد في ثمرات العقول الكبيرة الحرة ما يعارض النعرات المبتذلة الذميمة بنزعات جديدة في الفكر والاعتقاد أقدِّمها عملًا بأهميتها على غيرها. كذلك سلكت في تشريح جزء من شخصية الرصافي الممتازة.

أما الشاعر فيه المجرد من نعرات الناس، ومن النزعات السياسية كلها — الشاعر الذي لا يعرف في الحياة غير الشعر والجمال والحقيقة العلوية فيهما — فهو دائمًا فوق الجماعات والأحزاب، لا يعتبر في الأنساب غير النسب الذي بينه وبين البلابل، والعواصف، والكواكب، والأزهار، ولا وطن له غير وطن الفكر والعلم والحرية؛ فهو إذا سألته: ما الشعر؟ يجيبك قائلًا:

وما الشعر إلا كل ما رنَّح الفتى
كما رنَّحت أعطاف شاربها الخمرُ
وحرَّك فيه ساكن الوجد فاغتدى
مهيجًا كما يستنُّ في المسرح المهر
فمن نفثات الشعر سجع حمامة
على أيكة يُشجى الحزين لها هدر
ومن شذرات الشعر حوم فراشة
على الزهر في روض به ابتسم الزهر
ومن ضحكات الشعر دمعة عاشق
بها قد شكا للحب ما فعل الهجر
ومن جمرات الشعر رنة ثاكل
مفجعة أودى بواحدها الدهر
ومن نفحات الشعر ترجيح مطرب
تعاود مجرى صوته الخفض والنبر
وإن من الشعر ائتلاف كواكب
بجنح الدجى باتت يضاحكها البدر
وإن ابتسام الغيد عن كل أشنب
ليطرب نفسي فوق ما أطرب الشعر

هو ذا الشاعر الحقيقي، هو ذا الرصافي ينطق بلغة زملائه وأقاربه في البساتين وفي السماء.

جميل صدقي الزهاوي

وللرصافي زميل ونسيب من الناس يشاركه الإقامة في العراق، كان ينبغي لي، لو اعتبر السن والعلم في الشعر، أن أقدمه عليه، ولكن الشاعر هو شاب أبدًا، والعلم في الشعر يكسبه حكمة ولا يزيده جمالًا. على أن لجميل صدقي الزهاوي منزلة في الشعر العربي اليوم لا يشاركه أحد بها، فهو في علمه، وفي شعره أقرب نوابغ العرب إلى المعري أبي العلاء. وإذا صح مبدأ التناسخ والحلول يكون «رهن المحبسين» قد عاد إلى هذه الدنيا بعد ألف سنة، فاتخذت روحه الزهاوي محبسًا جديدًا، ومعقلًا من الفكر مجيدًا. أوَليس شبيهًا بصوت صاحب اللزوميات صوتُ من قال:

نم بعيدًا في خلوة الأجداث
من رغاء الخطوب والأحداث
إنما الموت خير ما خلفته
لبنيها الآباء من ميراث

وما كان المعري في هذا التجسد الجديد موفقًا في الصحة والعافية؛ لأن شللًا في رجل من حل فيه يمنعه عن المشي. جاء في اللامية الزهاوية:

وقد أحاول أن أسعى فتمنعني
رجل رمتها يد الأيام بالشلل

فاضطرته إذا خرج من البيت إلى الركوب، وكان اختياره في المركوب اختيار الشاعر الفيلسوف. هو ذا الزهاوي راكبًا أتانه البيضاء كأنه من مدينة المنصور المدورة لا من بغداد الجديدة. ولكنه يلبس الطربوش لا العمامة فيبدو شعره من تحته خُصلًا منثورة شاردة، لكل منها يد من الهواء تداعبها فتبعدها عن أختها، وقد يتصل بعضها بشعر لحيته الشمطاء «البلشفية» التي لا تخضع حتى لمقرض أو لمشط. وهي تظهر في أشد المظاهر الفوضوية في الشوارب منها الثائرة على كل نظام. وقد اختبأ تحت الشوارب جل ذاك الفم البليغ الذي هو ختم الغم إذا سكت، وباب الصواعق والأضاحيك إذا تكلم. أما الأنف فمنبسط الأطناب مستريح تحت عين دامعة تشكر النظارات على ما تجسمه وتوحده لها من ألوان الحياة. ويشرف على هذه الآيات في التكوين المنثور جبين رفيع نصيع منيع.

أما ثيابه فإفرنجية، ولكنها كذلك حرة أبية، لا يهمها الشكل والزي، وقلما تلفت الأناقة فيها النظر. بنطلونه كالكيس حول الساق، قميصه مفكوكة الزر عند العنق، ومستقلة في بياضها — غير الناصع — فلا يحتل قسمًا منه شيء مما تدعوه ربطة رقبة. شيخ زاهد بكل شيء إلا بالعلم والحرية، وليلى الأخيلية. أجل، إن للزهاوي ليلاه، تطرد من نفسه الظلمات، ومن قلبه الشبهات، ومن بيته الطالبات، هي عروس شعره، عروس حياته، عروس أفكاره وأحلامه، وهي كذلك رمز سياسته:

كان يهوى ليلى ابن عم لليلى
فابتغاها من أهلها كخطيب
ولقد أخبروه من بعد حين
أن ليلى قد زوِّجت بغريب

وإن هذا الشاعر ليشرك في بعض الأحايين بحب ليلى كل عاشق حزين. هي ليلى الإباحية التي يخاطبها فيقول:

ليلى أطلي على العا
شقين ليلى أطلي
تري أعزة قومٍ
مطأطئين بذل
تري صدورًا من الشو
ق والصبابة تغلي
عدي وان كان وعد الـ
ـحبيب رهنًا بمطل

ثم يتفلت الشاعر من يدي الوطني والفيلسوف، ويركب وعروسه الأتان البيضاء، إلى الصحراء، أو يختلي بطيفها في داره، فيسمعه من الشعر الرقيق المنسجم ما يقارن أجمل نفثات «المجنون»:

أبيت في الدار وحدي
معاتبًا لخيالك
قد غرني أنه كا
ن باسمًا كمثالك
لا تسأليني عما
أصابني بعد ذلك
ما زلت أضمر حبًّا
مناسبًا لجمالك
أبيع كل حياتي
بساعة من وصالك
إني بحبك يا ليـ
ـلى لا محالة هالك
فهل سأخطر يومًا
إذا هلكت ببالك؟

جاءني الشاعر الفيلسوف ذات يوم يحمل إليَّ شكاية هي ظاهرًا عن ليلى وعشاقها: «ما هم والله أهلًا لها، ينظمون الشعر للأخيلية ويقدمون الهدايا للأجنبية. والملك فيصل لا يكترث، وإذا اكترث فلا ينصف، أوَلم أقل له في قصيدتي:

لا يرأس الناس في عصر نعيش به
إلا الذي لقلوب الناس يمتلك

والشاعر يا أستاذ من الناس، وله فوق ذلك حق على الناس، فيمَن يملكون أو يأمرون. ترانا نحمل النار بأيدينا إلى أمة تكاد من الدنق تموت، فيوقفنا في الباب أناس لا يساوون قلامة ظفر؟»

هي الحقيقة في كل قطر من الأقطار العربية، ولكنها في العراق مجسمة في كبار شعرائه. أعجب بشعراء غاضبين شاكين، وقد تنازلوا عن مكافحة الزمان إلى مكافحة الإنسان، إلا أنهم يختارون — ولا شك — الأقران، أو من يدنو من الأقران. حمل الرصافي على سيدة أجنبية من أجل ليلى وعشاقها، وجاء الزهاوي يشكو مَن مدَحه بالأمس وكانت لا تزال قوافيه ترن في البلاد.

– سألوني يا أستاذ أن أكون شاعر الملك وعينوا لي راتبًا شهريًّا، فقلت: لا أمدح بالأجرة. وإني أقبل الوظيفة بشرطين: ألَّا أقول إلا عندما أرى المدح واجبًا، وأن يكون الراتب لوظيفة غير المدح.

فعضب جلالته، وكان لي على بعض الأصحاب السائدين حق المساعدة، فاغتنموا فرصة غضب الملك وانقلبوا علي. والله يا أستاذ ما قبلت أن أكون شاعر الملك الرسمي إلا بالشروط التي ذكرت … معاذ الله أن أصير في آخر هذا الزمان مداحًا بالأجرة!

هذا نصف القصة، سمعته غير مرة في بغداد كما رواه الزهاوي، وسمعت كذلك النصف الآخر. أما جلالة الملك فيصل فقد كان بين النصفين، تتجاذبه أكثر من إرادتين. وإني أروي القصة كلها لما فيها من نور يضيء بعض زوايا الملك الجديد. إننا نرى في البداءة جلالة الملك بين شاعرين هما صنوان؛ هما شاعرا العراق الأولان. وللشاعرَين أصحاب من ذوي السيادة والنفوذ في المدينة وفي البلاط. وبين الشاعرَين، بل بين الشعراء على الإطلاق، منافسة دائمة تكاد تكون طبيعية. قد فات ذلك جلالة الملك فأغضب في إنعامه الشاعرين معًا.

ولو كان ممن مارسوا الشعر وخبروا طبائع الشعراء لاختار لهذه الوظيفة أحد أبناء الطبقة الثالثة أو الرابعة؛ لأنهم يحسنون المديح أكثر من سواهم، ولكان كفى نفسه عداء شاعرَي العراق الكبيرين، بل كان في استطاعة جلالته أن يعمل أحسن من ذلك، فيقول لمن حببوا إليه «الشاعر الرسمي»: إننا في بداءة أمرنا، ولا حاجة لنا بمدَّاح مأجور. أو أنه يقول: شاعر البلاط من كمالات الملك ونحن اليوم أحوج إلى الضروريات. أفلا تظنه مفلحًا لو اتخذ هذا المسلك ورفض أن يعين شاعرًا رسميًّا، فيصير شعراء العراق كلهم شعراء البلاط … وبدون أجرة؟

ظُلمتُ والله يا أستاذ. أنا لا أبغي أجرة على المديح إذا مدحت، وإني لا أمدح دون فكر أو نصح. ألم أقل لفيصل:

تلقي اعتمادك لاستتمام نهضتهم
على الذين بنهج الحق قد سلكوا
على أناس لصدق القول قد لزموا
على رجال لغل النفس قد تركوا
على الألى عرك الأيام أظهرهم
عركًا طويلًا وللأيام قد عركوا

ومن يا ترى عركتهم الأيام مثل الزهاوي؟ ولكن الشاعر يخدم بلاده فيما لا يحسن الخدمة أحد مثله. فقد تقلَّد الزهاوي مناصب في الدولة كثيرة، وكانت يومًا له ويومًا عليه، وكان في ذلك واحدًا من كثيرين، وقد تعددت صفاته في فنون الأدب، فشغف بالعلوم الطبيعية، وألَّف كتاب «الكائنات» وكتاب «الجاذبية وتعليلها»، وكان فيها واحدًا من مئات الغواة. ومن غرائب اجتهاده وتنوع علومه أنه كتب رسالة في سباق الخيل، وكتابًا في علم الداما. وفي هذا الكتاب العجيب ذكر ألف لعبة من مخترعاته؟ فلو لم يكن الزهاوي شاعرًا وطنيًّا لقلنا إن في تعليم الأمة لعب الداما وظيفته الأولى. ولكنه شاعر كبير بالرغم عما في شعره من مبتذل القول مثل:

العلم ثروة أمة ويسار
والجهل حرمان لها وبوار
إن التوقف في زمام حازم
فيه تقدمت الشعوب لعار
من راح يمشي في طريق مستوٍ
أمن العثار فما هناك عثار

ومثل قوله في مطلع قصيدة «الجهل والعلم»:

ألا إن ليل الجهل أسود دامس
وإن نهار العلم أبيض شامس
وتشقى حياة ما لها من مدرِّب
وتشقى بلاد ليس فيها مدارس

هي حقائق لا ريب فيها، ولكنها من الحقائق المعروفة المبتذلة، وقد أصبح الاعتقاد بها عند الغربيين من باب الاعتقاد بوجوب الرياضة — مثلًا — أو الأكل، أما عند العرب فالأمر غير ذلك. وإنه ليغتفر للشاعر في أمة تطرب للشعر طرب الغربيين للموسيقى إذا وضع لها حقائق كل يوم — حقائق أيام العمل — في قوالب شعرية.

من مزايا الشاعر الحقيقي أن البؤس في الأمة يحزنه حتى الألم، فيصيح كأنه هو الأمة البائسة الموجوعة، فيسمع صيحته من قد خشنت أو تخدَّرت من الآلام أعصابهم، فيستفيقون طالبين الدواء والشفاء. هذه هي وظيفة الشاعر الكبرى في أمة كان للعلم فيها ربوع زاهرة أمست كالقفر اليباب.

ولكن في شعر الزهاوي غير هذه الحقائق … حقائق أيام العمل، إن فيه كثيرًا من حقائق الآحاد أيضًا والأعياد، هو الشاعر الذي يبهجه أريج الأزهار، وبريق الأنوار، فيود لو كان بإمكانه أن يداوي بها البؤس والظلام … البؤس الذي منشؤه الخمول، والظلام الذي هو الجهل.

إننا نقدس سرًّا في الأكوان، فحبذا ما نقدس دواءً لما نقاسيه! حبذا الحياة، حياة النمو العارم والتجدد الدائم، ولكن الجهل عدو هذه الحياة وعدو الله، والمتاجرون بالجهل رؤساء الأديان، ورؤساء الأديان في كل بلد لا يخفُّ شرهم إلا بمثل الزهاوي والرصافي وشعرهما. وها هنا في هذه الأمة الجديدة سبب التغيظ الجديد ومصدره. أولئك الجامدون في مكانهم وفي علومهم يكفِّرون الناس فيدفعون ذوي النبوغ فيهم إلى الكفر بالله، فيخرج الزهاوي إذ ذاك من المبتذلات، ومن الوطنيات، وينظم ديوانًا كاملًا في «نزعات الشيطان» فيسمعك من الحقائق التي هي كالنصل اليماني، ويسمعك بعد الزمجرة ضحكة لا تنسى زمانك صداها وصدى التهكم فيها:

توقفت لا أدري تجاه الحقائق
أأني خلقت الله أم هو خالقي

إن الزهاوي في «نزعات الشيطان» مثل أبي العلاء في «رسالة الغفران»، وقد يفوق معري اليوم معري الأمس جسارة وبريقًا، فتصل يد شيطانه حتى إلى العرش الأقدس، وحتى إلى لحية صاحب العرش. على أنه بعد التطاول والتجديف يستغفر الله ويعود إلى عمل كل يوم، فيرى الغرب في الشرق فاغرًا فاه، ضاربًا بعصاه، فيزجره بالمبتذلات ويهدده:

يا أيها الغرب إن الشرق مضطرب
يا أيها الغرب إن الشرق مغتَصب
خفف من الوطء فالأيام تنقلب
الشرق يشبه بركانًا به حمم
أخاف من أنه يا غرب ينفجر
يا سرحة الماء أنت اليوم وافرة
وأنت ناعمة خضراء ناضرة
لا تأمني الدهر فالأيام قاهرة
يا سرحة الماء إن جاء الخريف غدا
فإنما هذه الأوراق تنتثر

ثم بين التجديف والتعنيف يسمعنا الشاعر من نغماته الناعمة الصافية ما هو من صميم الشعر الذي يستأثر بمعناه الإيماء، فالسكوت، فترى الدمعة فيهما تروي الابتسامة، وترى الابتسامة تحضن الدموع كما يحضن ورق الورود الندى. من ذلك قوله مخاطبًا سماء العراق:

انظريني ليلًا إذا العنادل غنت
سحرًا فوق منكب الشجراء
انظريني ليلًا إذا الشمس غابت
بعيون النجوم في الظلماء
انظريني إذا الطبيعة أصغت
في الدياجي إلى خرير الماء
انظريني إذا الحوادث رامت
هدأة في الصباح أو في المساء
انظريني إذا الخريف تراءى
آسيًا من أشجاره الجرداء
انظريني إذا غدا الروض خلوًا
من زهور أو زهره من وراء
انظريني من الفروج خلال الـ
ـسحب سرًّا بعينك الزرقاء
انظريني إذا نظرت بعيني
وهي شكري إليك عند البكاء

كاظم الدجيلي

إن في العراق من العلماء من لا يزال في المعقل الذي مات فيه «ملفان» المسيحية يوم قضي على ما كان للكنيسة من سيادة ثقافية في العالم. ومهمة الملفان في مراقبة آداب الدنيا والدين لم تكن لتنحصر بالكنيسة الكاثوليكية، بل تجاوزتها إلى علماء أكسفورد٣١ البروتستانتيين الذين كفَّروا في النصف الأخير من القرن الماضي داروين وأصحابه لقولهم بمبدأ النشوء والارتقاء، على أن زمن اﻟ «ملفان» في المسيحية قد ولى.

أما في الإسلام، ففي بعض الأقطار — كالعراق مثلًا — لا يزال العالم يحمل سهام التحريم والتكفير، يرمي بهما مَن خالفه رأيًا في آداب الدنيا والدين، ولا يحق للشيعة وحدها أن تفاخر بمثل هؤلاء العلماء وإن كثر عددهم عندها؛ فإن عند السنة منهم من يسوِّد الوجه حتى يخفي على «ملافين» كربلاء والنجف.

وهناك في تلك البقعة النائية عن دوائر العلم الغربية بعض رجال الدين المسيحيين الذين يضيق صدرهم كل مرة يُسمع في البلاد صوت حر كريم، فيصدرون الفتاوى بالتحريم والتكفير اقتداءً بفضيلة الشيخ الأعظم و«آية الله» الأكبر، وما الفرق يا ترى بين ثلاثة هم واحد تجاه الحقيقة؟ إلا أن الكرملي والألوسي والقزويني لثلاثة رءوس هي التقليد والتقييد والتعقيد، على جسم واحد، هو التعصب.

وكلهم يكفِّرون الزهاوي والرصافي والدجيلي، ثالث المغضوب عليهم هناك. على أنه في التساهل والصراحة والجرأة الفكرية علم من الأعلام، وقلما يُعد أحد قبله. الشيخ كاظم الدجيلي فيلسوف ينفر من الخيال، وشاعر يهوى صدق المقال، وليس في ظاهره ما ينبئ بوجود الشاعر فيه أو الفيلسوف. ليس في طلعته أو في صوته ما يستميلك إليه أو يستوقفك وأنت غريب، بل في وجهه المخروط الضامر ما يشير إلى النزق والتسرع، اللهم إذا قسنا التكوين الإلهي بمقياس الفن الإنساني، فنقول ونستغفر الله: قد ارتجفت يد المكون في تكوينه، أو إن الناظم أخل بالنظم فلم يك موزونًا. هاك وجه الدجيلي: عيناه بعيدتان الواحدة عن الأخرى، فمه وأنفه كبيران بالنسبة إلى صفحة وجهه، شعر رأسه — وهو دائمًا قصير — يظهر أنه ملتصق بجبينه. أما الرأس ففيه من الأذن إلى القمة طول يخالف أيضًا قواعد التناسق، وهو الدليل الظاهر الوحيد على ما في الرجل من قوى التفكير والحكمة، وليس في صوته إذا حدَّثك ما ينسيك ظاهر صاحبه، أو يستغوي الغرض فيك، فهو دائمًا عالٍ رفيع لا منخفضات فيه ولا منعطفات. تنفر منه لأول وهلة ولا غرو، إلا أنك بعد أن تألفه ترتاح إلى الوتر الواحد فيه. وقد تكون المادة التي يحملها ويرمز إليها السبب في ذلك، إنما هي لب الرجل وكنهه، هي حقيقة وجوده.

إن الدجيلي عقل كله، عقل صافٍ لا يمازجه شيء من الروح والقلب، فيه نور الشمس ونارها، وليس فيه ظل أو خيال. وهو في حريته مثل نور الشمس يحرق وينير، ويحرق أحيانًا نفسه قبل أن يحرق سواه. ما اجتمعتُ في البلاد العربية برجل مثله في صراحته وجرأته وإخلاصه. وأنت في الشرق، حيث اللطف ضارب أطنابه والتجمل حامل أبدًا محرقة الطيب، لتعجب بالدجيلي ضعفَي إعجابك بمثله في أوروبا أو في أميركا. وما تأثير الظواهر بعد أن ينكشف النقاب عن هذه العقلية الباهرة.

رجل ولد في مهد التقليد والتقييد والتعقيد، وهو اليوم مطلق منها كلها، ينبذ المذاهب الدينية، ويحمل عليها، ولا يحتفظ بغير اللب من الدين. له في الحياة عقيدة مادية يجهر بها ويناضل عنها، شغف بالقوة القاهرة وهي عنده الحق، لا يرثي للضعيف، ولا توقفه زخارف التلطيف وأوهام الغيرة والإحسان. هو في شعره أقرب إلى شعراء الجاهلية من حيث لا يرى إلا ما يُرى من حقائق الوجود، ولكنه في ذلك عصري؛ أي إنه اتخذ هذه الطريقة لأنها تساعد أكثر من سواها في تجريد الآداب من ترهاتها، والأديان من خزعبلاتها، والإنسان من أوهامه كلها.

يذكرني الدجيلي بشاعر إنكليزي من شعراء الشطر الأخير من القرن الماضي جرَّد شعره من حلي التقاليد الصناعية كلها؛ من زخارف الخيال، من أوهام الآمال، من مصقول المقال، فجاءت قوافيه كالبرق يشق الظلمات، وكلماته كالنصال وقد جرِّدت من الأغماد. هو الشاعر الكبير شعرًا لا شهرة أرنست هنلي٣٢ القائل:
ولو أحيقت بي الظلمات والأعصار،
وكان الليل من القطب إلى القطب كالقار،
فإلى الأمام ولا اندحار،
إني ربان هذه النفس، إني سيد الأقدار.

وكأن هنلي — وقد كان معاصرًا لنيتشي الفيلسوف الألماني الشهير — يردد شعرًا إحدى كلماته الملتهبة أو شيئًا من فلسفته المكهربة: الإرادة الإرادة. العزم العزم. الاعتماد على النفس. قهر الضعف فلا تمكنه منك. القوة أولًا وآخرًا. خذ هذه الفلسفة نظمًا من شاعر عربي عصري، من «هنلي» الشيعة، من «نيتشي» العراق. قال الدجيلي في مطلع قصيدة «الحياة الاجتماعية»:

حديثك عن غير القويِّ حرام
وسعيك في نصر الضعيف أثام
تحدث بمجد الأقوياء ففيهم
قعود بأحكام الورى وقيام
يؤلمه مذ صار ابن آدم قوة
وما الكون إلا قوة ونظام
إذا كنت بين العالمين أخا قوى
رعتك عيون الناس حين تنام
حمى الغاب بأس الليث من كل طارق
ولم ينج من فتك البزاة حمام
يقولون إن الحق من فوق قوة
وما الحق إلا مدفع وحسام

لولا ما في هذه القصيدة مما لا يخلو شعر عربي منه؛ أي العادي المبتذل من الفكر والتعبير، لجاءت في تجردها، مثل شعر هنلي، من أوهام الخيال وزخرف الآمال، فريدة في بابها. وقد تطرق الشاعر فيها إلى ذكر الأديان فقال:

حكاية أديان الأنام عجيبة
تجمع فيها فرقة ووئام
تريد الهدى والخير للناس كلهم
وكم ثار منها فتنة وخصام
وغايتها القصوى عبادة واحد
حقيقته ما إن ترى وترام
عظيم لديه يصغر الحق كله
وتستصغر الأجرام وهي عظام

مهما كان من تزعزع عقيدة الشرقي فلا يحمله ذلك على الإلحاد، بل يظل مؤمنًا بالله فيما صفا وتعكر من أمره وخمره. وعلى ذكر الخمر، إن للدجيلي أسهمًا في شركة الخيام وأبي النواس كما له في شركة أبي العلاء المعري؛ فقد وصف الخمر ومدحها وذمها كذلك بعد الاختبار، فكان في الثلاثة صادقًا:

ألم يك ما نظمت بها صحيحًا؟
فلي فيها تجارب واختبار

وقد جاء في قصيدة له عنوانها «بوليس بغداد»، وهي إحدى «منظومات السجن»:

أدِرها علينا بالكبير فإننا
كبار ومن شأن الصغار صغيرها
متى يهدر الإبريق عند انسكابها
علينا يزدنا من هواها هديرها

وفي هذه القصائد من التجريد، ومن القول الصريح الشديد، ما يجيز المقابلة بينها وبين «منظومات المستشفى» للشاعر الإنكليزي الذي ذكرت:

إلى أن وردنا السجن والسجن ضيق
وقاعته محدودبات صخورها
يشم حديث العهد منها نتانة
يزيد إذا اشتد الهجير ظهورها
وفي الصبح ساقونا إلى متحكم
بأحكامه غر حكاه غريرها
وعاقبنا كلًّا بعشرين جلدة
فجيء بأسواط دقاق سيورها

في آداب الإفرنج وفنونهم طرائق شتى تشمل أغراض الحياة وطبائع الناس كلها؛ منها ما يدعى الواقعية، وهي طريقة مَن يلتزم فيما يصف أو يفصح عنه الحقيقة المجردة، دون مبالغة ودون تنميق. وقد يجوز إهمال بعض أجزاء فيها حشمة ولياقة، فلا يتقزز القارئ ولا ترتعد فرائصه. وهناك طريقة أخرى نشأت بعدها لتسد فراغًا مزعومًا، فجاء أصحابها وفي مقدمتهم إميل زولا بكل ما هناك من هول الحقائق الواقعة ومرعبات الوجود، وفي شعر الدجيلي شيء من الطريقتين:

يا لك من آمرة ناهية
أحكامها نافذة ماضية
جامعة الأضداد شيطانة
إلهة رشيدة غاوية
قاسية رفيعة الحاشية
سافلة عالية راقية
خبيثة شريرة باغية
طيبة طاهرة زاكية
يدفعها النفع على حب من
ينفعها ولو إلى الهاوية

ليست المرأة من يصف، بل هي … النفس التي حيرت أفكار أرباب النهى السامية. وقد قال فيها ما لا يخرج عن الحقيقة، فكان في هجوه صادقًا ولكنه جائر. والجور من شيمة اﻟ «نيتشيين»، وقد قال في عبادة الناس لله:

عبد الناس إلهًا
ما رأوه ورآهم
طمعًا فيه وخوفًا
منه هل يخفى هواهم؟

بل قال أكثر من ذلك ولم يستثنِ حتى نفسه أو يتناسها:

أرى حياة الورى جهادًا
في معرك دائم النضال
يخدع فيه الفتى أخاه
والخدع قد جاز في القتال
كل امرئ ناصب حبالًا
حتى أنا ناصب حبالي

إن أدب الشاعر الحقيقي وإن أفقره ليقيه من حبائل مثل هذه الحياة، وإن علم العالم وأخلاقه لَيرفعانه عليها فيسلك مسلكًا يغاير ما يسجله على نفسه. هذا — لعمري — فضل الأدب والعلم حتى فيمَن كانت عقيدتهم بالحياة مادية دهرية. والشيخ كاظم الدجيلي بعيد عن التعصب العلمي بُعده عن التعصب الديني. سألني مرة رأيي في الأرواح واستحضارها فقلت: لا أصدق ولا أنفي. يهمني درس الموضوع ولا يلذ لي التشيع. فقال: وأنا من رأيك. الحياة أضداد. وقد تتخذ الأرواح لها جسمًا من الكهرباء في الفضاء. وقد تكون الكهرباء البحر الذي تعيش فيه الأرواح بعد الموت كما يعيش السمك في الماء، بل قد تكون هي مصدر الكهرباء وكنهها فيمتزج بعضها بعد الانفصال عن المادة في الفيض العام، وبعضها تظل مدة على كونيتها الأرضية فتزورنا إذا رغبنا بزيارتها وتبلبل أفكارنا.

إن هذا مثال من عقلية الرجل العلمية. أما عقليته الوطنية فالحدة تغلب فيها، بل هي غالبًا في حالة الاضطرام. أذكر يوم كنا في كربلاء أنه تكلم في مجلس غص برجال الشيعة إخوانه، وكانت الصراحة تسابق التسخط في حديثه، فأشفقت عليه من نقمة المتعصبين. سمعته يمدح الأمة الإنكليزية لما فيها من علم وقوة ونظام، ثم صاح بهم قائلًا: أين العلم وأين القوة وأين النظام عندنا؟ أفي حكوماتنا العربية والعصر الماضي الذي تسمونه مجيدًا إنما كان عصر السفاحين؟ أفي مدارسنا وقد عشش الفساد حتى في الكتاتيب؟ أفي بيوتنا وقد تراكمت في زواياها وفي صحونها أوساخ التقاليد وعفونة العادات القديمة؟ أفي ديننا وقد حلت الخرافات والقداسات المزعومة محل اليقين والعمل المفيد؟

هو ذا الدجيلي يقرع أبناء قومه، أبناء مذهبه، فلا عجب إذا أفتى المجتهدون غير مرة بتكفيره.

مجيد الشاوي

ها قد عرَّفتك أيها القارئ العزيز إلى ثلاثة ممن يكفِّرونهم في العراق. إليك الآن بسجل الكفرة كله. إن الرابع في السجل الكريم عربي تجاوز العقد الخامس من العمر ولا يزال فتيًّا … فتيًّا برأيه، فتيًّا بلهجته، فتيًا بروحه وبواجب راحه. قد شغل هذا العربي مناصب متعددة في الحكومة، وما خرج من واحد منها آسفًا. هو من أولئك الموظفين القليل عددهم الذين يعطون المنصب أضعاف ما يأخذون؛ فيخلصون الخدمة، يعدلون ويصلحون، ولا يكون جزاؤهم غير جزاء من لا يعدل ولا يصلح. يبذلون من قواهم ومواهبهم خيرها، ويخرجون من دار الحكومة والفقر يشيعهم إلى البيت. على أن النزاهة ترافقهم أيضًا وتلزمهم دائمًا فتعزيهم بعض التعزية.

إن الرابع ممن أخص هذا الفصل بذكرهم هو عبد المجيد الشاوي، الشيخ عبد المجيد، الذي يشبه السياسي الإفرنسي كليمنصو، ليس فقط في وجهه، بل في ذكائه المتأجج وسلوكه البسيط الشاذ. وقد تكون صورة الأسد في وجه الشيخ عبد المجيد أظهر من صورة النمر، إلا أنه في صوته لا يهدر ولا يزمجر.

كنا في بهو الانتظار ننتظر الأمر لنصعد إلى بهو الاستقبال، فنسلم على جلالة الملك فيصل، نشترك بالواجب الآخر الذي دعينا له. وكان في المدعوين للمأدبة من الإنكليز العسكريين والمدنيين من جاءوا في أثوابهم الرسمية ونياشينهم تتلألأ على صدورهم، ومن جاءوا يلبسون الأسود القاتم وقد صقلته المكواة وعززت أطرافه وحروفه، ولم يكن بين الوطنيين الذين ارتدوا كذلك الأسود المصقول، والأبيض الناصح المكوي طوعًا للأمر الملكي المطبوع بماء الذهب على رقاع الدعوة، غير واحد لم يكلف نفسه الطاعة وما تستوجبه مثل هذه الرسميات. جاء في ثوبه الإفرنجي اليومي وقد أكسبه الزمان لمعة في حناياه، وهو يلبس قميصًا — أستغفر الله إذا العين أخطأت أو الذاكرة — لا تعرف النشاء حتى ولا المكواة؛ هو عبد المجيد الشاوي، شيخ المعريِّين في بغداد.

كان أول اجتماعي به تلك الليلة فاتحة الحب والإعجاب، لم يزرني في الفندق، ولم يسعَ إليَّ في مكان آخر مثل غيره من الإخوان، ولكنه قال عندما تصافحنا: نحن أبناء عم وليس بيننا واجب المجاملة واللياقة. فلم أفقه مراده ولم أتظاهر بغير ذلك. فقال: أنت ابن المعري وأنا ابن الخيام، والاثنان إخوة، ليس في الأنساب أشرف من هذا النسب. أهنئك وأهنئ نفسي.

وإذا انتسبت وقلت: إني واحد
من خلقه فكفى بذاك تنسبا

أراد المعري بقوله: من خلق الله. ونحن فكرًا ومبدأ من خلق المعري.

فقال أحد الحضور: ولكن المعري كان متقشفًا إلى حد النسك.

فأجاب الشيخ مجيد على الفور: لزوم ما لا يلزم. ونحن كذلك نتقشف إلى حد الاضطرار.

فقال آخر: والمعري يذم بنت الحان.

فأجاب الشيخ الذي أمسى نقطة الدائرة: والخيام يمدحها، وهي تستحق الاثنين. الذي ينقص المعري يكمله الخيام. هما خير الرسل، رسولان صادقان كريمان سويان … فبأي آلاء ربكما تكذبان؟

وقد برهن الشيخ عبد المجيد تلك الليلة على أنه من أتباع الاثنين الصادقَين. رأيته إلى المائدة يحسو من المشعشة الذهبية الكأس تلو الكأس، وسمعته يردد من اللزوميات، وهو يميل إلى جاره السيد أفنان:

رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يعظ النساء
يحرم فيكم الصهباء صبحًا
ويشربها على عمد مساء
يقول لكم: غدوت بلا كساء
وفي لذاتها رهن الكساء

ثم رفع الكأس ولم يبقِ فيها غير النزر فشرب وقال:

وقد شرب الدهر صفو الأنام
فلم يبقَ في الأرض إلا العكر
ليس الشيخ عبد المجيد٣٣ من أصحاب القوافي إلا أن تكون لغيره، وكأني به لا يضيع وقته في النظم وعنده اللزوميات يستعين بها على الزمان وأضاليله، ولا هو ممن يسوِّدون الأوراق ويبيضون مع أنه غزير المادة، صافي الذهن، سريع الخاطر، لا يكبو يراعه إذا راح عاديًا في مضمار الإنشاء، ولكنه مثل سقراط يفضل الكلمة المقولة على الكلمة المكتوبة. هو عبد المجيد كتاب لنفسه، يقرأ منه في المجالس، ويعيد كلماته ويمكِّنها حسبما تقتضي الحاجة. لا يداري، ولا يحابي، ولا يتهيب أحدًا. هو في صراحته مثل الدجيلي والرصافي، ولكنه في سرعة خاطره ونكتته وميله إلى الأحماض أشبه بالنقيب السيد عبد الرحمن.

كنا يومًا في مجلس ابن النقيب السيد محمود، فدار الحديث على حروب النبي محمد، وما كان يظهر فيها من حنان صاحب النبوءة وحلمه. فقال الشيخ مجيد: حنان الذئب على الشاة! وأين الحنان وأين الحلم — رعاك الله — في تحليله الرق وإباحة النساء لرجاله؟ كانت حروبه مثل حروب تلك الأيام، ولا تختلف عنها إلا بالدعوة … وما ذنب النساء في الحروب؟

فأجاب السيد محمود بأن النبي أراد بالنساء خيرًا حينما كان يجيز سبيهن واسترقاقهن؛ لأنه إذا دخلت جنود الإسلام بلدًا فمن باب الشفقة على النساء يأخذ كل محارب قسمته منهن فيعولهن ويحميهن.

فقال الشيخ عبد المجيد: هذا من باب الاجتهاد. ما أظن في النساء قديمًا وحديثًا مَن ترضى أن تكون عبدة أسيرة خوفًا من أن تموت وهي حرة من الجوع. دفاعك مثل دفاع الذئب عن الشاة عندما وثب عليها ليحميها من الضبع … لا نزال متأخرين، متأخرين جدًّا يا سيد محمود، إذا كنا نرى شيئًا من الحق في مثل هذا الدفاع عن مساوئ أجدادنا وفظائعهم … الغريب في أمرنا نحن المسلمين أننا لا نتقدم إلا إذا رجعنا ألف سنة إلى الوراء، لا نرتقي حقًّا إلا إذا رجعنا إلى أبي العلاء المعري، فننبذ الأضاليل كلها وننبذ المتنطعين من علمائنا الذين يبثون الأضاليل ويثبتونها في الناس:

تكذب العقل في تصديق كاذبهم
والعقل أولى بإكرام وتصديق

وقد قال أيضًا المعري، ونعم القول:

ولا تطيعن قومًا ما ديانتهم
إلا احتيال على أخذ الإتاوات
إن الشرائع ألقت بيننا إحنًا
وأودعتنا أفانين العداوات
نعم، وفي قلوبنا منها السم، وفي عقولنا العفونة. يضحكني ويبكيني صياح شعرائنا وخطبائنا؛ يهددون الغرب بنهضة الشرق. ولعمري يجب أن ينهض الشرق على نفسه، قبل أن ينهض على الغرب ومدنيته. ولا نتقدم نحن المسلمين إلا إذا عدنا ألف سنة إلى الوراء … إلى المعري أبي العلاء.٣٤

ابن خلكان والعراق

وفي العراق من الأدباء كثيرون من هم شغفون بالحرية وبروح الأدب الجديد، ولكن هذا الفصل يضيق دون ذكرهم، وهذا الكتاب، «ملوك العرب» لا يسمح بفصل آخر أخصه بهم، إلا أني أفسح لكبيرهم عملًا لا سنًّا، فنقف — ولا كرسي آخر للجلوس بين من ذكرت.

هو ذا دائرة معارف أدباء العراق وابن خلكانهم، صديقهم الأكبر، حامل لوائهم، وناشر آثارهم، روفائيل بطي. وهو منهم في الصف الأول؛ فقد حمله حب الآداب العصرية على تأليف كتاب «الأدب العصري في العراق العربي»، هو عمل أدبي كبير جدير بالبطي المعروف بنشاطه وإخلاصه، وبذوقه وغزارة علمه؛ لذلك سميته دائرة معارف أدباء العراق وابن خلكانهم.

ولروفائيل أسلوب في الإنشاء سهل منسجم جلي، لا تكلف فيه ولا إغراب، وله في معالجة المواضيع مزية مستحبة، هي أنه يقف عند حد بين الإسهاب والاقتضاب، فلا يطولها على نفسه فيمل، ولا يقصرها على القارئ فيضل.

هاك مثالًا من الكتاب الذي أشرت إليه:

قال في الزهاوي:

نشأ الزهاوي في بيئة تصوَّحت أزاهير الأدب فيها بعد الازدهار، ودرست معالم العلم بعد أن ناطحت بعلوها الفضاء، فراعه الجمود الهائل المستولي على المفهوم والأقلام، واستنكر الطريقة البالية التي يتبعها النظامون مقلدين غير مبتكرين … فلم تأنس روحه الناهضة هذه الخطة، وعز على عقله المتوقد ذكاء أن يبقى مصفدًا بأغلال تقليدية.

وقال في الرصافي:

هو أول شاعر جاء قومه العرب بما يحبون وصارحهم بما لا يحبون. لم يعرف للتقليد أو الخضوع للبيئة معنى لا في صناعته ولا أفكاره، كان من شعره صيحات عملت على تقويض معالم الاستبداد الحميدي، كما أنه ما لبث بعد تحية الدستور العثماني، واستبشاره به أن رجع ينعي على القوم تخاذلهم لما شام فيهم من الرجعة.

وقال في الدجيلي:

لو كان للعلم والأدب قيمة في هذه الديار لكان للشيخ كاظم الدجيلي مجال واسع لإظهار مواهبه وجلده على البحث، ولو كان لحرية الفكر حرمة في هذا القطر لرنت حقائق الدجيلي في شعره رنة تحدثت بها المجالس.

إن روفائيل أيضًا من الشعراء العاملين في السبيل الذي فيه التحريم والتكفير، وسيكفرونه — ولا شك — تكفيرًا مضاعفًا؛ لأنه يسيء إلى أصحاب العقائد والآداب العتيقة إساءتين في الفكر وفي الطريقة. أجل، هو من أنصار الشعر المنثور، وقد قال قصيدة له عنوانها «النابغة»:

وجدتني في مجاهل أرض كل ما فيها يثير الدهش والذهول.
ورأيت نفسي مكبلًا بسلاسل التقليد، سجينًا في قفص
الأوهام، أسير عادات، ورهين أوصاب.
حطمت السلاسل، وكسرت القيود، وقوضت جدران الوهم،
وانعتقت مما درج عليه أجدادي،
فصاح إخواني وضجوا، وأعولوا وبكوا.
رأوني خارجًا من سجنهم أتمتع بحرية هم منها محرومون.
شاهدوني أرفل بصحة وسلامة، وهم في آلامهم يتعذبون.
أولئك الذين يتخذون من جهل الشعب علمهم، ومن ضعفه قوتهم.

(١٥) حجر الزاوية

ليس بالشعراء والأدباء يُستدل على ترقي الأمة، ولا بالسياسيين والصحفيين تُسير العقلية المدنية فيها؛ فقد تمتاز أمة بتعدد شعرائها وأدبائها ولا تمتاز بوطنيتها، وقد يدير المحنكون من السياسيين شئونها ولا يعززونها، وقد يقود الصحفيون الرأي العام وليس فيه روح مدنية ترفع البلاد المفككة الأوصال إلى أمة صحيحة سالمة موحدة المقاصد، موثقة العرى.

لم يبق إذن غير المدارس العامة نعتمد عليها في تحسين عقلية البلاد المدنية وتوليد روح وطنية جامعة راقية عاملة، بل هي سياج الوطن وفيها عز الملك وشرف الأمة.

ولكنها لا تكون كذلك، لا تفلح في التكوين، إلا إذا كانت البوتقة واحدة لا تتغير بتغير المكان والمذهب واللغة، إن بلادًا تعددت شعوبها ومذاهبها الدينية ولغاتها، لا يتكون منها وطن عزيز الجانب، رفيع الشأن، مهما كان سلطانها، مهما كان جيشها، مهما كانت ثروتها، إلا إذا قامت فيها مدارس عامة، مجانية، لا مذهبية، تتمشى كلها على برنامج واحد، ويكون التعليم فيها بلغة واحدة هي لغة البلاد الأصلية.

ماذا في العراق من هذه المدارس اليوم؟ استشرت بأول حفلة دعيت للخطابة فيها وكانت في دار المعلمين. فاجتمعت هناك بوزير المعارف يومئذ السيد هبة الدين الشهرستاني ومستشاره الإنكليزي والمدير الأستاذ ساطع الحصري، وبزهاء مائتين من المدرسين في المدارس الابتدائية، وفيهم نفر من السوريين والمصريين. كانت الحفلة عامرة بالخطباء والشعراء، وكان الحديث بعد الحفلة موضوع المدارس والتدريس، فنم عن أشياء نثبتها بعدئذ من مصادر شتى، وهي مما يستوجب الأسف.

لقد ارتكب الإنكليز في العراق أغلاطًا هم أنفسهم يعترفون بها أو ببعضها. فمنها ما كانوا فيه مسيرين، ومنها ما كانوا فيه متعمدين، وهم لا يعتبرون هذه من الأغلاط. مثال ذلك: التعليم الابتدائي.

عندما دخل الإنكليز العراق كانت الطريقة في التعليم تركية؛ أي إن الدولة أجازت إنشاء المدارس الأجنبية الطائفية، وكانت تخصها بشيء من المساعدة المالية، وفي هذه المدارس كان يتعلم التلاميذ دينهم ولغتهم أولًا، ثم مما لا يضر بالروح الطائفية العنصرية من العلوم. لا يخفى ما في هذه الطريقة من عوامل التفريق وأسباب الشقاق، وإذا خفي على الشرقيين فلا يخفى على الإنكليز الذين تمشوا مع ذلك في التعليم العام على طريقة الأتراك. وهذا ما يؤسَف له جدًّا، كأنهم أرادوا أن يثبتوا الأمة في طائفياتها وتقسيمها، ومع أن في العراق من ينصرون الطريقة الحديثة المجردة من المذهبية، ويطالبون ببرنامج واحد في التعليم وبلغة واحدة، والأستاذ الحصري في مقدمة هؤلاء المصلحين، فحكومة الانتداب لا تقبل بذلك. وما عذرها غير عذر الخائف من تسليح خصمه فيخرج عليه متحد القوى.

أما قول الإنكليز أن أهل العراق غير مستعدين اليوم لبرنامج يوحد التعليم العام، وأن الحكومة لا توحد اللغة في الأقل فتجعل العربية لغة التدريس في الموصل وفي كركوك مثلها في بغداد والبصرة، فهو قول يحتاج إلى برهان. لم تقدم الحكومة على هذا العمل ولا الإنكليز أذنوا به. قد كان في إمكانهم أن يقوموا في البداءة بنصف الإصلاح فقط، فتمنع الحكومة عن المدارس الخاصة — الطائفية — المساعدة المالية وتقدم هذا المال، الذي لا يزال يبذل في سبيل التفريق، لوزارة المعارف، وهي أحوج إليه لسد نفقات مدارس الحكومة الابتدائية.

إن هذه المدارس تزداد عددًا كل سنة فتضاعف لدى وزارة المعارف الصعوبات في إدارتها. والحقيقة هي إقبال الأمة العراقية على العلم أكثر من اهتمام الحكومة في تخصيص النفقات وتسهيل الأسباب. وقد يكون بعض التبعة عليها؛ أي على الأمة. إن عدد التلاميذ تضاعف في السنتين الأخيرتين، صعد من ثمانية آلاف إلى سبعة عشر ألفًا. وإن عدد المدرسين لم يزدد أكثر من ثلاثين بالمائة، ولم يتخرج من دار المعلمين في السنة الأخيرة غير خمسة وعشرين مدرسًا. فما السبب في ذلك؟ هناك أسباب أولها الميزانية وآخرها الوطنية العراقية. وإليك البيان والبرهان:

ليس في العراق ما يكفي من المعلمين العراقيين لسد الحاجة في ازدياد عدد الصفوف والمدارس، ولم تكن في ذلك النفر منهم تلك الجدارة التي يتطلبها التعليم الحديث، حتى وإن كانت الجدارة فدار المعلمين لا تكفي لتخريج العدد اللازم كل سنة. إن خير ما يعملون في حل هذا المشكل هو أن يستعينوا بمعلمين من سوريا أو من مصر، ولكن الوطنية العراقية تحول دون ذلك.

هبْ أنها وطنية صحيحة، أفيستغني العراق اليوم عن المساعدة الأجنبية؟ هذا إذا عددنا سوريا من أوروبا، ولكن القطرين شقيقان لغة، وقومية، وروحًا، ومذهبًا. فحبذا وطنية في التعليم أعلى من الوطنية في السياسة! حبذا وطنية مثل التي في مديرية المعارف! إن الأستاذ أبا خلدون ساطع الحصري لمن الأخصائيين في علم التدريس الذي مارسه مدة في أماكن مختلفة وحكومات عديدة، وما هو بسوري ولا بعراقي، هو عربي لا غبار على عربيته غير لهجتها؛ ذلك لأنه، وإن كان ولد في صنعاء اليمن، فقد أقام مدة في الآستانة يخدم الأمة التركية، ثم تجرَّد لخدمة العرب عندما دخلوا الشام، فكان وزير المعارف في الحكومة الفيصلية، ثم سافر مع من سافر إلى بغداد من رجال النهضة وهو لا يزال في وزارة المعارف يدير أهم شئونها.

والأستاذ أبو خلدون من أولئك القلائل الذين حرروا أنفسهم وبيوتهم من قيود التقاليد الاجتماعية. أظن مجلسه هو الوحيد في بغداد الذي تستقبل فيه ربة البيت الزائرين سافرة وتشاركهم في الأحاديث.

أول مرة زرت الأستاذ وحرمه الفاضلة المهذبة اجتمعت في بيتهما بعدد من المعلمين السوريين، الذين يعلِّمون في المدارس الابتدائية، وأكثرهم من خريجي الجامعة الأميركية ببيروت. وكانت وزارة المعارف يومئذ هدفًا لانتقاد فريق من الناس شقَّ عليهم أن يروا بعض التفضيل في معاملة المعلمين السوريين، فقاموا يحتجون على وجود معلمين أجانب في سلك المعلمين. ظننت لشدة الاحتجاج أن أكثرهم من الأجانب، فسألت الأستاذ الحصري فقال: عدد المدرسين اليوم سبعمائة، وعدد غير العراقيين منهم خمسة وعشرون.

ثم قالت حرمه باللغة الإنكليزية: لو كان في العراق دار معلمين ثانية! ولكن من أين المال؟ الإنكليز لا يساعدون، والعراقيون لا يستطيعون. وهم يظنون أن دار المعلمين تعطيهم المعلمين بالمئات. ليست دار المعلمين مثل معمل الشوكولاتة يعمل مائة صندوق كل يوم … ومن هم الأجانب بين المدرسين؟ نشكر الله ليسوا بأتراك. تأمل يا مستر ريحاني (كانت تكلمني بالإنكليزية؛ لأنني لا أحسن التركية) إنهم ينظرون إلى السوري وإلى المصري نظرهم إلى الأجانب، وليس في السلك كله أكثر من ثلاثة بالمائة. عندنا عشرة معلمين سوريين وستة مصريين وتسعة إنكليز، خمسة وعشرون معلمًا أجنبيًّا، إذا دعوناهم كذلك، بين سبعمائة معلم من العراق.

اثنان ونصف في المائة كان يجب أن تكون عشرين. إن في نفورنا من الأجانب الأوروبيين شيئًا من التعصب في بعض الأحايين، فكيف به إذا كان يشمل من ليس من قطرنا من البلاد العربية! الأجانب السوريون، الأجانب المصريون، الأجانب الأوروبيون. إن هذه العصبية لشبيهة بالمذهبية. والويل لنا إذا كانت تحل محل الوطنية العربية والقومية العامة، ما السوري؛ خصوصًا في دوائر التعليم التي هي غير دوائر السياسة، إلا عربيًّا يساعد في تهذيب ناشئة عربية أينما كانت، في العراق أو في الكويت أو في الحجاز. إني إذا لمت الإنكليز لاتخاذهم في التعليم طريقة الأتراك، ألوم العراقيين أشد اللوم في تضييقهم نطاق الوطنية إلى حد العصبية المذهبية، أو بالحري القُطرية، فعدوا السوريين والمصريين من الأجانب.

ليست دار المعلمين بمعمل شوكولاتة كما قالت حرم الأستاذ أبي خلدون، وليس المدرس من يحسن العلوم التي يدرسها فقط، كما أوضح الأستاذ في كتابه.٣٥ أما وزارة المعارف في مثل هذه الحال؛ أي بين عجزين في المال والرجال، فهي تضطر أحيانًا أن تعين من ليس فيهم الجدارة ليسدوا بعض النقص في المدرسين. وكثيرًا ما يؤدي ازدياد عدد التلامذة بالنسبة إلى عدد المعلمين إلى الجمع بين صفين أثناء التدريس، فيخسر في هذا الجمع تلاميذ الصفين. أفلا يجدر بالحكومة العراقية أن تستعين بجارتها، بسوريا أو بمصر، لتتلافى النقص والخلل؟

•••

من يسكن في المدن الحديثة يألف نظره الإعلانات في الشوارع فيراها ولا يقرأها، كأنها جزء من الحائط أو نقش على العمود الملتصقة به، وتمسي عمد الأسلاك البرقية وعمد المصابيح مثل الأشجار لدى الفلاح يصطدم بها، فيظنها حجرًا في طريقه فيسب بقرته أو حماره ولا يسب الشجرة، كذلك كنت في بغداد وهي في عمد مصابيحها، وفي جدران شارعها الأوحد،٣٦ أشبه بمدينة أميركية يجبهك الإعلان فيها كيفما سرت، وكيفما نظرت، ولكني ما سببت بقرتي ولا حماري، بل كنت أمشي في ذاك الشارع «الجديد» كأني في الدهناء، أنظر إلى الأرض تارة وطورًا إلى السماء، فتقاضتني الأقدار يومًا ثمن هذه المكابرة. نعم، نطحت عمودًا من حديد، فاضطررت أن أقف هنيهة ليعود إليَّ صفاء نظري، فقرأت كرهًا الإعلان الملصق به:

طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

فقلت: والحمد لله! هو ذا في الشرق شيء جديد … إعلان للعلم! بل أخذتني نارية صديقي الزهاوي فصحت مبتهجًا: أيها الغرب! تعالَ انظر ما في الشرق من جديد مفيد. أيها الغرب! هو ذا إعلان يستحيل وجوده في بلادك؛ ليس لأنه غير لازم، بل لأنه لا يُستثمر مباشرة وليس من يقوم بنفقاته.

قرأت الإعلان ثم قرأته معجبًا به مبتهجًا، وصرت بعد ذلك أمشي وناظري لسببين على العمود. تباركت اليد الطابعة، واليد الناشرة، واليد الدافعة المال. وهذا إعلان آخر: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد. وهاك آية أخرى من آيات النور: لا حياة بغير العلم. وهو ذا إعلان للأمة جمعاء: العلم أساس العمران. وإليك على الحائط قاعدة النجاح والسعادة: تهذب وابتغِ ما شئت. والأعجب من ذلك كله هو عند باب اﻟ «سينما» على اللوحة التي تعلن الرواية الأخيرة. هنا تقرأ الإنذار الأخير: بالعلم تحيا وبالجهل تموت!

استطلعت خبر هذه الإعلانات فعلمت أن الحكومة بريئة منها، وأن المحسنين الأغنياء أو الأغنياء غير المحسنين لم يسمعوا بها. إن في بغداد جمعية ثقافية إصلاحية اسمها «المعهد العلمي»، هي مخترع إعلانات العلم، وهي طابعها وناشرها على نفقتها مجانًا لوجه الله. أيها الغرب — العفو يا صديقي الزهاوي — هو ذا الشرق ناهضًا، وقد نبذ النظريات والخيالات والأوهام. هو ذا الشرق أيها الغرب يحتذيك ويفوقك في الغيرة المدنية. هو ذا أسلوب في الإصلاح عملي … هو ذا مثال واحد من مظاهر النهضة الحقيقية في العراق.

سألت عن المعهد العلمي وسددت خطواتي إليه، فاجتمعت هناك بعميده الأول، وهو فيه القوة الدافعة المحركة المدبرة ثابت عبد النور. حدثت ثابتًا فأبهجني وأزعجني معًا. ألفيته شابًّا في العقد الثالث، له من الحسن ما كان ليوسف، وعنده من التسخط ما كان لأيوب. وهو مع ذلك سليم الجسم والعقل، براق العين والجبين، صافي الذهن والصوت، وطنه فوق مذهب أجداده، وشرفه أكبر من دينه. شاب رائع تبسم له الحياة بكل ما فيها من بوادر الأمل وبوارق السعد والمجد، وهو مع ذلك مثل أيوب، بل مثل «دون كيشوت» حاملًا رمحه على الدنيا، كئيبًا على الدوام.

حدثت ثابتًا فأزعجني، سمعته يشكو ويتسخط ويئن، كأنه اصطدم بعمود في جادة الحياة ولا يزال الشرر يتطاير من عينيه — لماذا خلق الله الإنكليز؟ لماذا خلق الخواتين؟ لماذا خلق السادة الأشراف؟ لماذا خلق المنافقين والخونة؟ وجاءني منه بعد أيام كتاب يدعوني لتناول الشاي في بيته — «فتجتمع بصفوة الناهضين أو بأنموذج منهم في الأقل بشبان وطنيين أثبتت التجارب صدق عزيمتهم وإخلاصهم، ومقتهم المنافقين وغيرهم من ذوي الألقاب الضخمة والأبهة الفارغة، الذي ما برحوا يسوقون الأمة من سيئ إلى أسوأ … إلخ.» فنسي ثابت — كما ترى — «صفوة الناهضين» الذين دعاني لأجتمع بهم في بيته.

هم إخوانه في المعهد وفي الجهاد، يسلكون في الإصلاح أوسع السبل وأطولها، سبيل العلم، «تعلم يا فتى فالجهل عار.» وهو عميدهم المسئول عن الإعلانات في شوارع بغداد. إن في هذا المعهد عقولًا عاملة مخترعة فلا مسوغ فيه للنفوس المكتئبة. وقد كانت باكورة أعماله واختراعاته أنه أعاد إلى بغداد الجديدة القديمة إحدى المفاخر العربية؛ أقام جماعة المعهد العلمي سوق عكاظ في عاصمة العباسيين، وكانت أول حفلة باهرة فريدة بعد التتويج، حضرها جلالة الملك فيصل فجلس في فسطاط بين النخيل يسمع الشعراء ينشدون والخطباء يخطبون، وكان قس بن ساعدة في مقدمة الخطباء يمثله أحد الفتيان الأذكياء، وكانت الخنساء في طليعة الشعراء تتلو قصيدتها إحدى الأوانس المسلمات سافرة.

فاز ثابت وزملاؤه في إقامة هذه السوق التي تقام بعناية المعهد كل سنة، وحاز فوق ذلك الجائزة الأولى في النثر. وهو مع ذلك يمشي في جادة الحياة الضيقة فيصطدم بالعمُد فيها. أحببت ثابتًا ورافقته مرارًا، وكنت كل مرة نصل إلى عمود في الشارع الجديد أقف أمامه وأتلو الآية فيضحك. العلم أساس العمران. ليس في ذلك ما يُضحك يا ثابت. إن أمركم كله جد، وإن من يخترع مثل هذه الإعلانات ويسعى في نشرها لمن أكبر الوطنيين، ويحق له أن يفتخر ويفرك يديه، بل يجب عليه أن يشكر الله الذي هداه سواء السبيل. سرِّ عنك ودع المنافقين ينافقون. إن لله في خلقه مقاصد لا يدركها الناس، والإنكليز وأصحاب الألقاب الضخمة من خلق الله.

نعم، وعظت ثابتًا، بيد أن الوعظ ليس من شأني، ولم أتأسف لذلك، بل سررت بالنتيجة. وكيف لا تظهر النتيجة الحسنة وصديقي من الأذكياء النجباء الحكماء. صار يمشي في الجادة الضيقة الواسعة دون أن يصطدم بالعمد، ثم جاءني ذات يوم يخبرني أنه متابع للعمل الذي باشره بالإعلانات. قد فتحنا في المعهد مدرسة ليلية لتعليم الأميين مجانًا، ثم بشَّرني بعد أسبوع بفتح مدرسة أخرى خارج المعهد.

•••

سافرت إلى نجد وعدت بعد أربعة أشهر إلى بغداد، فاجتمعت بثابت عبد النور، ودهشت لتغير ظاهر فيه … في حديثه، وفي وجهه، وفي خطواته. حدثته فما ذكر المنافقين. مشينا في الشارع فكانت خطواته أكثر سدادًا من خطواتي، فلم يصطدم ببشر أو بحيوان أو بشيء من الأشياء الأخرى الجامدة. سألته عن مشروعه فقال: نجاحًا باهرًا يا أستاذ، صار عندنا أربع مدارس في المدينة وهي لا تكفي. تعالَ الليلة ترَ بعينك.

مشيت وثابت في الغسق، في جادات بغداد الضيقة، وهو ينيرها بأنوار آماله العالية وأعماله الناجحة، وسرنا إلى مدرسة من مدارس المعهد فدهشت إذ دخلت مما شاهدت وسمعت. في الغرفة الأولى التي دخلناها صف الأولاد وسنهم تراوح بين الخمس والخمس عشرة، وكلهم يشتغلون في النهار فيحرمون التعليم في مدارس الحكومة. هم من الطبقة الثالثة في الأمة، من الشعب، من العمال، وفيهم بياع الخبز، وبياع الليمون، وفيهم من يساعد أباه الحداد، أو عمه السنكري، وفيهم من يخدم ليتعلم صنعة من الصناعات، وفيهم الحوذي والبويجي وأجير الحلاق.

وقفت عند صغير الصف فوقف ويده على رأسه يجيب على سؤالي، أخبرني بحرية أنه يشتغل في أحد الأفران في النهار، وأنه لا يحب الشغل ولا يحب المدرسة. فقلت: ولماذا تشتغل؟ فقال: عندي أم وعندها قضيب. فقلت: ولماذا تجيء إلى المدرسة؟ فأجاب: أمي تقول: إذا تعلمت القراءة والكتابة أتخلص من الشغل في الفرن. وأخبرني آخر لا يتجاوز الست سنًّا بأنه جاء المدرسة من تلقاء نفسه مع رفاقه في الحي. وقد بان لي من مجمل الأجوبة أن للأم في هذه النهضة الشريفة فضلًا يذكر.

دخلنا الغرفة الثانية في المدرسة، فإذا فيها صف الشبان وبينهم الكهول. جالت عيني في الصف فوقفت عند الكبير فيه، وهو رجل معهم حسن البزة يناهز الخمسين. همَّ بالوقوف ليجيب على سؤالي — النظام على الكبير والصغير — فأشار المعلم تلطفًا أن يقبل رجائي ويظل جالسًا. أخبرني أنه تاجر في السوق يتاجر بالسجاد، وأنه — والحمد لله — ناجح في تجارته مع أنه قضى السنين فيها وهو أمي. ثم قال: ولكن الزمان تغير يا أفندي والرجل الذي لا يحسن الكتابة والقراءة في هذه الأيام يحتقره الناس. فعقَّب جاره على كلامه قائلًا: ويحتقره خصوصًا الأجانب. عار علينا ونحن نطلب الاستقلال ألَّا نُحسِن القراءة والكتابة. وقال آخر، أفصح الصباغ على يديه بصنعته، إنه سمع بهذه المدارس الليلية وكان دائمًا يتوق إلى تعلم القراءة والكتابة بشرط ألَّا يمنعه ذلك عن متابعة عمله في النهار؛ لأنه صاحب عيال وعليه رزقها. ومثله في صف الشباب والرجال كثيرون، فيهم الحداد والدباغ والساعاتي والطيان والبنَّاء والحلاق والفران، وكلهم يؤمون المدرسة الليلية راغبين بجني ثمارها، شاكرين القائمين بها.

قطعنا الجسر لنزور مدرسة أخرى في الكرخ، فعندما وصلتُ إليها رأيت عند الباب جمهورًا من الأولاد والشبان يتسابقون ويتزاحمون كأنهم داخلون إلى «السينما» لا إلى مدرسة ألفباء. ها هي ذي أمة جُنَّت بالعلم. أخبرني مدير المدرسة بأن عندهم ثلاث غرف فقط للتدريس، وفي كل غرفة من الخمسة والسبعين إلى المائة طالب من الأولاد والشبان والرجال، وأنه لو كان عندهم ثلاث غرف أخرى لامتلأت كلها بليلة واحدة.

هنَّأت صديقي وزملاءه جماعة المعهد العلمي بنجاح مشروعهم هذا النجاح المدهش. ومما هو جدير بالذكر أنهم لا يقتصرون في تعليم الأميين على الكتابة والقراءة وبعض مبادئ العلوم،٣٧ فقد وضعوا لمشروعهم نظامًا أقتطف منه ما يلي:
قد رأى مجلس المعهد العلمي في بغداد أنه لا يتمكن من تحقيق مبادئه الاجتماعية إذا لم تستنر الأكثرية بنور العلم الصحيح، وتتلقن مبادئ الأخلاق الراقية … ولهذا، فإنه عزم على مكافحة داء الأمية في بلاد العراق … فوضع نظامًا لهذا المشروع العلمي وقرر إذاعته مع المبادئ الاجتماعية الآتية:
  • حب الوطن من الإيمان.

  • حب النظافة من الإيمان.

  • طلب العلم من المهد إلى اللحد.

  • مقت الكذب واحتقار الكاذبين.

  • حب الخير وعمله.

ويجب على مدير المدرسة أن يلقن الطالب قبل كل شيء هذه المبادئ الخمسة الأساسية. مدارس ليلية تعلم الأميين أبناء الشعب الألفباء وحب الوطن والنظافة والصدق … هو ذا حجر الزاوية في الرقي الحقيقي الثابت، هو ذا الأساس الأمتن في بناء الأمة الجديد، بناء الوطنية الصادقة، القائمة على العلم والتهذيب، المنيرة سبيل الاستقلال التام، هو ذا حجر الزاوية، وهو من صنع العراق.

إنه — وايم الله — لأجمل وأحب ما شاهدت من مظاهر نهضة العرب في الأقطار العربية كلها. مشروع تعليم بدأ بثلاثين طالبًا في غرفة صغيرة من المعهد العلمي، فعم في سنة واحدة مدن العراق الكبيرة كلها من البصرة إلى الموصل، وإن عدد الطلاب الأميين الذين يداومون ويتعلمون ليلًا مجانًا يتجاوز اليوم الخمسة آلاف، وقد يصل إلى العشرة آلاف غدًا بفضل إدارة المعهد المنظمة وأساليبه المبتكرة في التشويق، وفي جمع ما يقتضيه المشروع من المال؛ فقد قررت بلديات المدن التي فيها مدارس أن تشترك في نفقاتها.

وهناك عدد من المؤازرين المتبرعين، وفي مقدمتهم جلالة الملك فيصل، الذي يعطف على المعهد ومشروعه عطف المؤسسين، ويخصه سنويًّا بمبلغ من المال. أجل، قد اهتم جلالته اهتمامًا خاصًّا بمشروع تعليم الأميين، وزار متنكرًا المدارس الليلية فشاهد بعينه مظاهر الفلاح. وحبذا التنكر في غير سبيل اللهو والسرور! حبذا بغداد الجديدة وقد جُنَّت بالعلم، ورشيدها الجديد ينشطها ويساعدها، فيطوف ليلًا كأحد عامة الناس لا ليحدث الصياد، ويضحك من العباد، بل ليقف أمام اللوح الأسود، الذي سيبيضُّ منه وجه الأمة، فيستطلع خبر المتهافتين عليه من رعيته.

والحق يقال: إن جلالة الملك فيصل، مهما كان من شأنه في السياسة والزعامة، لمن أكبر ملوك العرب غيرة على الثقافة، وله في بث روح العلم والعرفان، وفي تشجيع الأدب والمشاريع التهذيبية في الأمة، الفضل الذي سيجعل عهده — ولا شك — ذهبيًّا مجيدًا.

وإني أتمنى أن يكون في كل قطر من الأقطار العربية مشروع مثل مشروع المعهد العلمي وأمير مثل فيصل الأول يعضد المشروع، فيُقضى بعد ذلك على الأمية والجهل في البلاد كلها.

١  في سنة ١٩٢٢.
٢  كراتشي أصبحت عاصمة الباكستان.
٣  Gen C. F. Maude هو الجنرال ث. ف. مود قائد الجيوش البريطانية الذي فتح بغداد (في ٢٤ جمادى الأولى عام ١٣٣٥ﻫ/٩ آذار سنة ١٩١٧م) فسُمِّي الجسر باسمه.
٤  النوتي صاحب البلَم. والبلَم — اللفظة هندية — زورقٌ للعبور والنزهة.
٥  تل كيف: قضاء في لواء الموصل، وأهله موصوفون بالحذق والنشاط.
٦  والغريب العجيب أن أمةً استُعبِدت ألفَ سنة ظلت حيةً سليمةَ الحواس تشكو استعبادَ سنةٍ واحدة في هذا الزمان، ولم يُسمَع لها في الألف سنة مضت صوتٌ ولا صدى.
٧  جزيرة في الخليج الفارسي تجاه بندر عباس.
٨  كانت حكومة الانتداب تحاوِل يومئذٍ إعادةَ تأليفِ وزارة النقيب.
٩  الثلاثة الآخرون هم: جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وكاظم الدجيلي. وسيجيء الكلام عليهم ولهم.
١٠  Sir Arnold Wilson.
١١  Lieutenant Gen. Sir Aylmer Haldane.
١٢  هو قضاء الشامية من متصرفية الحلة، وعدد سكانه سنة ١٩٢٢ نحو خمسة وستين ألف نفس كلهم شيعيون ومن العشائر.
١٣  دخل السر برسي كوكس في سلك الحكومة الهندية سنة ١٨٩٠، وعُيِّن بعد ثلاث سنين نائب قنصل زيلا في بلاد الصومال، وانتقل في السنة التالية إلى بربرة، ثم عين سنة ١٨٩٩ قنصلًا في مسقط، ثم قنصلًا عامًّا في أبي شهر. وفي سنة ١٩٠٩ أُسنِد إليه منصب المندوب السامي في خليج العجم. وعندما شبَّتْ نار الحرب العظمى انتُدِب لأن يكون رئيسَ الحكَّام السياسيين لفرقة D من الحملة الهندية لفتح العراق. ثم ذهب بعد الحرب إلى بلاد إيران بصفة وكيل للوزير البريطاني في طهران، وعاد منها مندوبًا ساميًا لحكومة بريطانيا في العراق.
١٤  قبر الإمام علي في النجف.
١٥  قبر الحسين في كربلاء.
١٦  وها قد مرت خمس سنوات على تلك المعاهدة، ولا تزال الحكومتان البريطانية والعراقية تتفاوضان في أمرها. لا يزال فيها ما يجب إصلاحه أو تعديله أو إلغاؤه. معاهدة ولدت قبل المجلس النيابي والدستور الأساسي أبويها … ولدت بأعجوبة فهل تحيا بأعجوبة يا ترى؟
١٧  المادة ١١ في النص الثاني النهائي: يجب ألَّا يكون ميزة ما في العراق للرعايا البريطانيين أو لغيرهم من رعايا الدول الأجنبية الأخرى على رعاية أية دولة هي عضو في جمعية الأمم، أو رعاية أية دولة مما قد وافق جلالة ملك بريطانيا بموجب معاهدة على أن يضمن لها الحقوق نفسها التي قد تتمتع بها فيما لو كانت من ضمن أعضاء جمعية الأمم في الأمور المتعلقة بالضرائب والتجارة … إلخ.
ولهذه الجملة الاحتياطية التي أضيفت أيضًا إلى المادة ١٤ التي تختص بالآثار القديمة قصة لا تخلو من متعة: من المعلوم أن أميركا لم تدخل في جمعية الأمم. ومن المعلوم كذلك أنها كانت قد اتفقت مع إنكلترا وفرنسا على استثمار زيت العراق، على أن هناك ما لا يعلمه غير بعض الأخصائيين والسياسيين، وهو أن شركة أميركية أرسلت مهندسين من قبلها في شتاء ١٩٢٢ إلى العراق ليتحروا الحقائق العلمية والاقتصادية بخصوص الزيت، فلم يمكنهم المندوب السامي من ذلك، وكانت المعاهدة يومئذ همه الأكبر، فاتصل الخبر بحكومة وشنطن التي احتجت على عمل المندوب السامي، وبعد المفاوضات بينها وبين حكومة لندن أدخلت الجملة الاحتياطية على البندين الحادي عشر والرابع عشر من المعاهدة. فيظهر أن أميركا لا يهمها من العراق إلا ما كان مدفونًا في أراضيه من الآثار، ومن منابع الدولار.
١٨  عبد اللطيف بن إبراهيم المنديل: هو من عشيرة الدواسر، ويمت بنسبه إلى عمر بن الخطاب. ظعن أحد أجداده إلى جلاجل في نجد، ومنها منذ تسعين سنة جاء والد عبد اللطيف باشا العراق، فأسس محلًّا تجاريًّا في البصرة وآخر بعدئذ في بمباي، وآخر في بغداد. وقد سلك عبد اللطيف باشا مسلك والده في التجارة والزراعة فزاد ثروته وأملاكه. وهو حر الكلمة سديد الرأي، يخلص الود لآل سعود؛ وخصوصًا للسلطان عبد العزيز، ويخلص العمل لوطنه الثاني العراق. فقد انتُخب في زمن الحرب عضوًا في مجلس الأشراف في البصرة، ثم أسندت إليه وزارة التجارة في الحكومة العراقية المؤقتة، وبعد التتويج تشكَّلت الوزارة برئاسة النقيب أيضًا، وأسندت إليه وزارة التجارة مرة ثانية، ثم جاء إلى الحسا يزور السلطان عبد العزيز الذي شاء أن يفاوضه في بعض الشئون. وعندما كنا في العقير جاءه من عبد المحسن بك السعدون برقية يسأله فيها أن يرأس وزارة الأوقاف، فقبل عبد اللطيف باشا واستمر في هذا المنصب سنة، ثم انتُخب في ٢٥ شباط سنة ١٩٢٤ عضوًا عن البصرة للمجلس التأسيسي.
١٩  توفي شتاء عام ١٩٢٧.
٢٠  patriotism is the last refuge of the scoundrel—Samuel johnson.
٢١  ولد سنة ١٨٧٩م في الناصرية مركز لواء المنتفق، وكان يومئذ والده فهد باشا حاكمًا في اللواء وأميرًا على جميع عشائره ومقربًا من المآبين، فطلب منه السلطان عبد الحميد أن يرسل أبناءه إلى الآستانة ليتعلموا في المدرسة التي كان قد أنشأها خاصة لأبناء رؤساء العشائر، فأرسل فهد باشا ابنيه عبد المحسن وعبد الكريم، وكان عبد المحسن يوم سافر إلى الآستانة في الثالثة عشرة من سنه، فتخرَّج من المدرسة المذكورة، ثم دخل وأخوه المدرسة الحربية العالية فتخرجا منها ضابطين في الجيش العثماني، فاختارهما السلطان عبد الحميد مرافقين له في المابين، وبقيا في تلك الوظيفة إلى إعلان الدستور، وترقيا أثناء ذلك في الجندية إلى رتبة بكباشي، على أنهما استقالا من الجندية بعد سقوط عبد الحميد، فرجع عبد الكريم إلى وطنه ليهتم بأملاكه التي في البصرة وفي المنتفق، وبقي عبد المحسن مقيمًا في الآستانة، ثم انتُخب نائبًا في مجلس النواب العثماني عن المنتفق، وظل كذلك إلى بداءة الحرب العظمى، فرجع إذ ذاك إلى وطنه العراق وتقلَّد بعد وصوله منصب وزارة العدلية في الوزارة النقيبية الأولى، ثم وزارة الداخلية في الوزارة الثانية التي استقالت في شهر آب سنة ١٩٢٢. وألَّف الوزارة في كانون الأول من العام المذكور واستقال في تشرين الثاني ١٩٢٣. وأنهى حياته منتحرًا وهو على رأس الحكم ثانية وذلك سنة ١٩٢٩.
٢٢  تألفت في كانون الأول سنة ١٩٢٢ واستقالت في تشرين الثاني سنة ١٩٢٣.
٢٣  هذا نص البروتوكول؛ أي الملحق بالمعاهدة:

قد تم التفاهم بين الفريقين الساميين المتعاقدين، على أنه مع وجود نصوص المادة ١٨ يجب أن تنتهي المعاهدة الحالية عند دخول العراق عضوًا في جمعية الأمم، وعلى كل حال يجب ألَّا يتأخر انتهاؤها عن أربع سنوات من تاريخ عقد الصلح مع تركيا. وليس في هذا الاتفاق ما يمنع عقد اتفاق آخر لتنظيم ما يكون بعد ذلك من العلاقات بين الفريقين الساميين المتعاقدين. ويجب الدخول في المفاوضات بينهما؛ لأجل ذلك الغرض قبل انتهاء المدة المذكورة أعلاه.

٢٤  زميله هو السيد صدر الدين.
٢٥  هو مثل سلفه السعدون في العقد الرابع من العمر، وقد تلقى العلوم مثله في المدرسة الحربية في الآستانة، فخرج منها ضابطًا ثم سافر إلى ألمانيا ليتمم دروسه الفنية، وقد بدا من نبوغه لأنور باشا في الحرب العظمى ما حمله على ترقيته إلى رتبة باشا، وإرساله على غواصة إلى بنغازي لقيادة متطوعي العرب الذين كانوا يقصدون الزحف على البلاد الداخلة في المنطقة الإيطالية، فقادهم جعفر وحدث على الحدود المصرية قتال بينهم وبين الجيش البريطاني فجرح في المعركة، فاعتنى به رجال الصليب الأحمر، ونقل بعد ذلك إلى القلعة في القاهرة، فحاول التفلت من الأسر فوقع فانكسرت رجله، فلزم الفراش ستة أشهر.
وكانت الثورة العربية في بداءتها والضباط العرب ينضمون إليها، فكتب لجعفر أن يكون منهم، فجاء سنة ١٩١٧ إلى مكة، ثم أُلحق بالجيش العربي الذي كان مرابطًا حول المدينة، ثم أرسل إلى العقبة فعين قائدًا من قادة جيش الشمال. وبعد فتح الشام تعين مفتشًا عامًّا للجيش العربي في سوريا، ثم حاكمًا عسكريًّا لولاية حلب، ثم رئيسًا لحجَّاب جلالة الملك، وبعد واقعة ميسلون عاد إلى بغداد ليساعد في تأسيس حكومة وطنية، فتعين وزيرًا للحربية في الحكومة المؤقتة؛ أي قبل التتويج، ثم في وزارتي النقيب الأولى والثانية. ولما دعا المستر تشرشل رؤساء مندوبي بريطانيا في الشرق الأدنى لمؤتمر القاهرة كان جعفر باشا ممن رافقوا مندوب العراق السامي، وشاركوا في البحث في أمور العراق المالية والعسكرية، وفي شتاء ١٩٢٢-١٩٢٣ كان مندوبًا للحكومة العراقية في لندن.
٢٦  the wealth of nations, by adam smith.
٢٧  ولد ياسين باشا الهاشمي في بغداد سنة ١٣٠٣. تخرج في المعاهد التركية فيها، ودخل بعدئذ في المدرسة الحربية بالآستانة، وخرج منها في سنة ١٣٢٠ برتبة ملازم ثانٍ، وبعد أن درس سنتين في مدرسة ضباط أركان الحرب تقلد عدة وظائف في الجيش التركي إلى أن أعلنت الحرب العامة وهو وقتئذ رئيس أركان حرب. وقد اشترك في مواقع غاليسيا وغيرها، وكان في رأس الفيلق الثامن لما انهزم الترك في سوريا، فانخرط في الجيش العربي وعين رئيس أركان حرب حاكم سوريا العسكري، ورُفع إلى رتبة أمير لواء، وعين رئيسًا لديوان الشورى. وقد خطفه الإنكليز ونفوه، وبعد رجوعه من المنفى احتل الفرنسيون سوريا فعاد إلى مسقط رأسه بغداد سنة ١٣٤٠ فعين متصرفًا للمنتفق. وبعد أن تولاها مدة شهرين عين وزيرًا للأشغال والمواصلات في وزارة عبد المحسن السعدون، ثم انتُخب نائبًا عن لواء بغداد في المجلس التأسيسي، وكان رئيسًا للجنة تدقيق المعاهدة العراقية البريطانية، ولجنة قانون الانتخاب، ولما أتم هذا المجلس أعماله واعتزلت وزارة جعفر العسكري انتُدب لتأليف الوزارة في ٢ آب سنة ١٩٢٤.
٢٨  كان الوزير الثابت في الوزارات العراقية؛ لأن ليس في العراق من يضاهيه في علم الاقتصاد والتضلع من إدارة الشئون المالية. ولد ساسون حزقيل في بغداد في ١٧ آذار سنة ١٨٦٠، وتلقى علومه في بغداد ولندن، وتخرج في الحقوق بفينا عاصمة النمسا. وقد شغل عدة مناصب إدارية في الحكومة العثمانية إلى أن انتُخب نائبًا عن بغداد في مجلس النواب العثماني من سنة ١٩٠٨ إلى ١٩١٨، وكان رئيسًا للجنة المالية في ذاك المجلس سنين عديدة، وعين مستشارًا لوزارة التجارة والزراعة في الآستانة. ولما تألفت الحكومة المؤقتة في العراق في تشرين الثاني سنة ١٩٢٠ عين وزيرًا للمالية، وبقي في الوزارة المذكورة ثلاث سنوات؛ أي إلى أن استقالت وزارة السعدون. ولما تألفت الهاشمية في شهر آب سنة ١٩٢٤ أسند إليه المنصب نفسه.
٢٩  oriental secretary to the high commissioner.
٣٠  وافتها منيتها في بغداد سنة ١٩٢٦.
٣١  أكسفورد أكبر جامعات إنكلترا، وهي المدينة التي تدعى بهذا الاسم. والملفان يدعى في أكسفورد «دون» Don.
٣٢  ernest Henley.
٣٣  رحمه الله! جيء به مريضًا إلى بيروت في صيف عام ١٩٢٧ فما أفاده تغيير الهواء، ولا نجع فيه العلاج والدواء.
٣٤  ما أصدقها كلمة، وما أبلغها، وما أجدرها بالنقل والترداد! خذوها عن الشيخ مجيد واسترحموا له الله. إنها لمن الحكم التي تضمن الخلود لأصحابها: فكم من شاعر وكم من أديب تغلب على النسيان والفناء بكلمة بليغة ذهبت مثلًا أو ببيت من الشعر تغنت به الركبان.
٣٥  دروس في أصول التدريس.
٣٦  شارع الرشيد.
٣٧  الدروس مقسومة إلى دورات، فيتعلم الطالب:
  • في الدورة الأولى: قراءة، إملاء، حساب، مبادئ معلومات أرضية، مبادئ معلومات مدنية.
  • وفي الدورة الثانية: قراءة، إملاء، حساب، جغرافية، تاريخ، مبادئ الصرف والنحو، معلومات مدنية.
  • وفي الدورة الثالثة: قراءة، إملاء، إنشاء، حساب، تاريخ، جغرافية، صرف ونحو، معلومات مدنية، مبادئ هندسية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١