الفصل الثالث

إحباط «مكيدة» في السكة الحديدية

أثناء صيف عام ١٨٥٤، كان السيد دبليو جيه … — وهو رجلٌ ذو خبرةٍ واسعةٍ في هذا العمل، أو النشاط المهني — يستأجر مسرح ثييتر رويال، في مقاطعة بي. بطريقةٍ أو بأخرى، ليس في سُلطان أمهر مديري المسارح وأبعدهم عن الكلال أن يُهيمن على النجاح، مع أننا لم نعرف قطُّ واحدًا من أفراد جماعة العباقرة المُتقِنين المُتعددي البراعات أولئك — بدايةً من المطرب لاملي العظيم صاحب الشهرة الأوبرالية إلى السيد وايلد صاحب السمعة الرديئة التي لازمته دومًا في مجال الفرق المسرحية الجوالة — لم يكن ليؤكد — لو كان التأكيد سيصدر منه وهو على عتبة الخلود — أنه ظلَّ على نحوٍ متواصلٍ، وبانتظامٍ، ومن دون استثناءٍ، يسعى لاستحقاق ذلك النجاح.

ملابساتٌ عديدةٌ، لا تستطيع أي هيئةٍ إداريةٍ أن تتحكم فيها أدنى تحكُّم — مثل الطقس، وحالة التجارة، والمنافسات في «مجال الترفيه»، وأخيرًا، ولكن بالتأكيد ليس آخرًا، ذلك الشيء الغامض الغريب الأطوار، المتحوِّل، الدائم التغير، المُسمَّى ذوق الجماهير — سوف تُطيح بالحسابات الأولية كلها، وتُحيل الآمال الذهبية إلى خيبة أملٍ باهتة.

لا لوم، إذن، يمكن أن يقع على السيد دبليو جيه …، كما يجب ألا تُستثار دهشةُ القارئ عندما يعلم أنَّ مُغامرةً أكثر خطورةً من المعتاد، حدثت في موسم الصيف، لم تُحقق نجاحًا حتى ساعة كتابتنا هذه القصة. في الحقيقة، لقد انتهت المغامرةُ نهايةً سيئةً للغاية، مثلما يمكن أن يجزم جميع أعضاء شركة السيد دبليو جيه …، على الأقل مثلما يستطيع هو أيضًا أن يجزم.

في صباح أحد الأيام، نهض المدير من، أو — لأكون أكثر دقةً — في فراشه، ليقرأ نصف دزينة خطاباتٍ وصلته لتوِّها بالبريد. أمسك المديرُ الخطابات بنَهم؛ لأنه، كما قال هو فيما بعد، من بين مجموعةٍ منوعةٍ من المناشدات والعبارات الحَشوية الفخمة ردَّدها، كان لديه حِسٌّ داخليٌّ أنَّ «شيئًا جيدًا سوف يَظهر.» وأنَّ «حُسن الطالع كان في انتظاره.»

لم يروِ السيد دبليو جيه …، هذه القصة قط من دون أن يُمهد لها بمقدمةٍ مُسهبةٍ جدًّا حول حُلمٍ رآه في الليلة السابقة لها، ومن دون توضيحٍ للأسباب التي جعلته على يقينٍ من أن الخزينة الفارغة في تلك الليلة والليالي السابقة، كانت لا بدَّ أن تليها «انتصاراتٌ رائعة»، و«منازلُ مُكتظة»، وخزينةٌ عامرة من أجله، وتلك النعمة النادرة الحدوث المتمثلة في راتبٍ كاملٍ لكل واحدٍ من أعضاء شركته. ونحن نُعفي القارئ من هذه التفاصيل. يكفي لما نرمي إليه القولُ إن السيد دبليو جيه …، لم يكن في وضعٍ يُؤهله لرفض «أيِّ عرضٍ مقبولٍ» كان من المُمكن أن ينزل من «أحد النجوم» إلى خشبة المسرح المتواضعة التي يملكها؛ أو من أي رجل أو امرأةٍ آخرين. لذلك راح يقرأ، في صبرٍ وبانتباهٍ، كل رسالةٍ وصلته في ذلك الصباح، مع أن كل الرسائل إلا واحدةً، على الأقل، كانت، في مواسم الرخاء، ستُرمى جانبًا بسرعةٍ مع كلماتٍ أقرب إلى الصراخ منها إلى البساطة. لكن كل الرسائل الحالية، وبعد تفكيرٍ وافٍ، عُدَّت غير مُستحِقةٍ للرد؛ باستثناء الرسالة الأخيرة. كان نصُّ تلك الرسالة كالتالي:

منزل …، مقاطعة إيزلينجتون، لندن، العاشر من شهر يوليو، ١٤٥٤

سيدي، لمَّا أدركتُ، من المديح الذي كرَّره نُقَّادُ جريدة «ذي إيرا» المُتجردون، أنك استأجرتَ مؤخرًا مسرح مقاطعة بي … لموسم الصيف، وأنك قررتَ، بشجاعةٍ تستحق السمعةَ الحسنة التي حُزتها قبل عدةِ سنواتٍ من بدء مشروعك المُشرِّف الحالي برغم مشقته، ألَّا تعرض على مسرحك وأمام سكان مقاطعة بي … إلَّا أعمال شكسبير العظيم وأعمال أشهر كتابنا المسرحيين التقليديين المُعاصرين، تشجَّعتُ أن أعرض عليك عرضًا، آملُ ألَّا ترفضه، وهو عرضٌ، إذا وافقتَ عليه، فإنني أتمنى أن يساعد في جَعل تجربتك (التي أستطيع أن أصفها بالنبيلة) تجربةً مُربِحةً لك، كما تستحق، من دون شك، أن تكون.

يمكنني القول، من دون مزيد من المقدمات، إنه سيكون من دواعي سروري أن أُرتب معك للظهور في سلسلةٍ من الأدوار النسائية الأساسية تحت إدارتك الشجاعة.

إنني، في الحقيقة، لمْ أُحصِّل الكثير من الخبرة — حيث لم أظهر إلا مراتٍ قليلةً في عروض مسرحية غير احترافية — لكنَّ اثنين أو ثلاثة من المستشارين الأكفاء جدًّا أكدوا لي أنني أمتلك نبوغًا ومقدرةً درامية، من الممكن — وأرجو ذلك — أن يُكفِّرا، إن لم يُعوِّضا عن قُصوري في الممارسة. في الوقت نفسه، أنا مُسلِّمةٌ تمام التسليم بوجاهةِ الاعتراض على قلة تمرُّسي، بحيث إنني سوف أكون راضيةً تمامًا عن أداء عدة أدوار دون أيِّ مكافأةٍ على الإطلاق، وسأكون مُستعدةً تمام الاستعداد للتفاوض معك فيما بعد بتسامحٍ إذا نجحَت عُروضي الاحترافية الأولى، كما أتمنَّى بالتأكيد، وأنا لديَّ ما يكفي من التبجُّح لأعتقد أنها سوف تنجح.

بما أنني حتى الآن قد أوضحتُ ما أراه وما أتمناه بجلاءٍ وصراحة، أظن أن من الملائم أن أضيف أيضًا أنني لا أستخفُّ بتأثير وسائل المساعدة تلك، والتي تُساهم مساهمةً كبيرة وجوهرية للغاية في تضخيم وتعميق التأثير الذي تتمتع به أصدَقُ وأعلى حالات العبقرية. يُسعدني أن أقول إن صديقاتي، اللاتي يتَّفقن معي في فكرتي عن هذا الموضوع، قد اشترين لي، بسبب ذلك، ملابس شديدة الأناقة، ومجوهراتٍ تُناسبها بمبلغٍ ضخم.

هل ستتفضل بإعارة هذا الخطاب الطويل نوعًا ما انتباهك، وتتكرم عليَّ بردِّك في سطرٍ أو اثنين في أقرب فرصةٍ تناسبك؟

وتفضل، يا سيدي، بقبول فائق احترامي.

إيلين ويلكينسون
المحترم … دبليو جيه …
مسرح ثييتر رويال، مقاطعة بي …
«ملحوظة: لقد أعطيتك اسمي وعنواني الحقيقيين في سرِّية؛ لكنني، بالطبع، لا أُحب أن يظهر ذلك الأول في الجريدة المحلية.»

•••

جلس المدير في سريره ثابتًا متجمِّدًا لبضع لحظات، ثم انفجر قائلًا:

«يا للروعة! رسالةٌ معقولةٌ على أي حال. إن لتلك المرأة روحًا رائعة، أنا واثقٌ من هذا. أنا رجلٌ لا أُحبذ الحياة الزوجية، وقد كبرتُ قليلًا على المغازلة الرومانسية، وإلَّا لمِلتُ إلى الوقوع في حبِّ الآنسة إيلين ويلكينسون في الحال، دون أن تسبق لي رؤيتُها. ولِمَ لا؟ إنَّ الأستاذ، أيًّا كان اسمه، فتى الإعلانات هذا، مُحق؛ إن أفضل ما يُحكم به على الشخصية هو خط اليد وأسلوب التعبير. أرى أنها امرأةٌ رائعة. إنني أومن بذلك وكأنها أُختي الشقيقة، أو — تبًّا — كأنها زوجتي، هكذا كنتُ سأقول. لكن هل بإمكانها أن تُمثل؟ تلك هي المسألة، كما يقول هاملت. ليست كلُّ امرأةٍ ذكيةٍ، أو حتى جميلة، تستطيع أن تُصبح نَجمةً هذه الأيام. والآن، كم هو مؤسفٌ أنها لم تذكر مزيدًا من التفاصيل! إن هذا مُشابهٌ تمامًا لِما يفعله هؤلاء الأذكياء، هؤلاء العباقرة، كما يُسمُّون أنفسهم، وخاصةً النساء منهم. لقد كتبتْ رسالةً مُفرطةً في الذكاء، كما قلت، لكنها أغفلَتْ بعض التفاصيل التي لا بدَّ أنها تعلم أنني سأودُّ أن أعرفها. تُرى كم يبلغ طولها عندما ترتدي حذاءها الصغير؟ أشقراء هي أم سمراء؛ نحيلةٌ أم بَضَّة (عزباء، أنا واثق من هذا). لكن، تبًّا لها؛ كان بإمكانها أن تُخبرني عن عمرها؛ أقصد، عمرها التقريبي، تزيده أو تنقصه، لا يهم. لكنني أعتقد أنها سوف تفعل. إنها تملك ملابس أنيقة، هذا واضح؛ ومجوهرات أيضًا؛ هذا جيد. لا شكَّ أنها شابة، وحسنة المظهر على نحوٍ مقبول؛ أتصورها نحيلة، رشيقة، أنيقة. سوف أُشركها، على الأقل، في الدور الأول. لا أتوقع أن أتسبب في أي ضررٍ بهذا. إنها لن تُكلفني أي شيء، وربما تجلب لي الكثيرَ من الحُليِّ القصديرية. إن الملابس والمجوهرات عوامل جذبٍ للجمهور من الطراز الأول. ألن يُصفق جمهور البلكونات العُليا إذا كان لديها أيُّ شيءٍ من الموهبة الحقيقية؟ ما الذي قد أُخاطر به؟ والآن، لأرى على وجه التحديد بضعة إعلانات، بعض إعلانات الحفلات المسرحية للتعليق على الجدران، وبعضها للتوزيع. أنا واثقٌ أنني سأجني من وراء هذه الفتاة ما يساوي ثمَن هذه الأشياء. سوف أوظفها؛ لقد عقدت العزم على ذلك في عقلي؛ لكن يجب ألَّا أُظهر أنني مُتشبِّث بالعرْض كما قد تتشبث سمكة نهمة تتضوَّر جوعًا بيرقةٍ سمينة.»

هكذا ناجى المديرُ نفسه.

بعد ذلك عدل قلنسوة النوم، وألقى رأسه فوق كسوةِ وسادةٍ بيضاء كبياض الثلج محشوةٍ بزغبٍ حقيقي، وغطَّى نفسه بأغطية الفراش النظيفة، وحاول أن ينام؛ لكن الشمس الساطعة التي أرسلت أشعتها مُبكرًا جعلت النوم عصيًّا، كما أن حلم اليقظة الذي رأى فيه خزانته تفيض بالمال جعل النوم مُستحيلًا. لذا، بعد تقلُّبٍ قَلِقٍ آخر — على طريقة الكسول الذي تتحدَّث عنه قصيدةُ الدكتور واتس — نهض ذلك الرجلُ ذو المُثابرة التي لا تعرف الكلال وطلب وجبة الإفطار.

بعد قليلٍ أُحضرت هذه الوجبةُ الصحية؛ وبمساعدة سيدٍ عجوزٍ كان قد رأى أيامًا أفضل من هذه، لكنه الآن يعيش كعمالةٍ زائدة في المسرح، أو عالة على المدير العظيم، أعدَّ ذلك النبيلُ ردًّا على خطاب مُراسِلته الجميلة، وكان نصه كالآتي:

مسرح ثييتر رويال، مقاطعة بي …، الحادي عشر من شهر يوليو، ١٩٥٤

سيدتي، يُشرفني أن أُعلمكِ أنني تسلَّمتُ رسالتكِ المهذبة للغاية والمكتوبة ببراعة، التي أرسلتها بالأمس. تلك الرسالة، في ظني، هي نتاج عقلٍ رفيع الثقافة، وهي رسالةُ سيدةٍ تُضمر شعورًا ساميًا (لكنه سليمٌ جدًّا) تجاه الرسالة النبيلة التي قُدِّر للفن المسرحي، تحت إدارةٍ يقظة الضمير، أن يُحقِّقها.

لقد اقتنعتُ تقريبًا، يا سيدتي، بعدما قرأتُ رسالتك بقبول عرضك العادل والمعقول للغاية، وأنا موافقٌ على تحمُّل التكاليف الباهظة التي سأتكبَّدها من أجل الدعاية والاستعدادات الأخرى اللازمة لظهورك في دور شخصياتٍ مسرحيةٍ تقليدية. لكنني واثقٌ تمام الثقة أنك ستغفرين لي التردُّد الطفيف الذي سبَّبه التريُّث وإعادةُ النظر في الأمر (والذي ليس دائمًا الأفضل، برغم أن أحد الشعراء قال إنه كذلك). ثَمَّةَ بضعة أمور صغيرة أريد بعضَ المعلومات عنها؛ وإذا كان بإمكانك إما أن تأتي إلى مقاطعة بي … بنفسك (وهو ما أجرُؤ في تواضعٍ على أن أقترح أنه سيكون الأفضل)، أو تجعلي صديقًا حصيفًا — رجلًا على دراية وفهم بالمِهنة — يأتي لمُقابلتي نيابةً عنكِ، أعتقد عندئذٍ أننا نستطيع أن نُنجز اتفاقًا يُرضي الطرفين من دون شك.

أرجو أن تتكرَّمي بإخباري المزيد عن هذا الموضوع بالخطاب التالي، حيث كنتُ على وشك إمضاء اتفاقاتٍ أُخرى عندما وصلتْني رسالتك بالأمس؛ وإذا لم نصل إلى اتفاقٍ لأيِّ سببٍ كان، فسيكون من الضروري لي أن أَعقد تلك الاتفاقات الأُخرى في الحال.

مُرسِله إليكِ يا سيدتي، خادِمُكِ المطيع
دبليو جيه …
الآنسة إيلين ويلكينسون

كانت هذه الرسالة مصدرَ بهجةٍ للآنسة إيلين ويلكينسون وصديقاتها؛ فقد رأين أن الاتفاق قد أُنجز فعليًّا.

كانت الآنسة ويلكينسون، في بعض النواحي، امرأةً ذات عقلية مُستقلة وحازمة من دون شك. لقد قرَّرت هي وصديقاتُها بعد التشاور أنه ينبغي لها أن تتوجَّه من لندن إلى مقاطعة بي …، وتُنهي المفاوضات. ولم تجد صعوبةً في هذا؛ ففي أقل من نصف ساعةٍ بعد وصولها إلى المدينة كانت قد اتفقت مع المدير على كل ما أرادت الاتفاق عليه. جرى الاتفاقُ على أن تؤدي دورًا من دون أجرٍ أو مكافأة. حاول المدير أن يحصُل على مُقابلٍ ماليٍّ نظير سماحه لها بالظهور على خشبة مسرحه؛ فقد اقترح أنه يجب أن يحصل على ٥٠ جنيهًا إسترلينيًّا نظيرَ ما أنفقه من تكاليف (وهو ما لم يتجاوز ١٠ جنيهاتٍ إسترلينية في الحقيقة)، وأصرَّ لبضع دقائق على أن يحصل على ٢٠ أو ٢٥ جنيهًا؛ لكن الآنسة أكَّدت له أن صديقاتها أنفقنَ الكثير جدًّا على ملابسها وتعرِف أنه سيكون من المُستحيل أن تحصل على أي شيءٍ آخر منهن، وأنها لا تستطيع، في الحقيقة، أن تطلُب منهن شيئًا. وأضافت، بلهجةٍ تنمُّ عن صدقٍ قاطع، أنه إذا كانت خدماتها المجانية لن تُسوِّغ له المخاطرة بالإنفاق على الإعلانات والطباعة، فلا بدَّ لها أن تتخلى، في الوقت الحاضر، عن أملها في الظهور على مسرح ذا ثييتر رويال، بمقاطعة بي … أدرك المدير خطورة إيقاف تفاوضٍ لن يخسر بسببه، مهما حدث، أكثر من مقدارٍ ضئيلٍ من المال، إن كان سيخسر أيَّ شيء، وربما سيجني منه مبلغًا لا بأس به. لم تؤدِّ المقابلةُ بهذا الرجل الداهية المُتمرِّس إلى أن يتوقَّع أن يجد في الآنسة إيلين ويلكينسون نسخةً مشابهة للآنسة أونيل، أو كيمبل، أو تري؛ لكن ثقته في أنها ستُصبح نجمةً من الدرجة الثالثة أو الرابعة، أو أنها — على حدِّ تعبيره — «منحة سماوية مثالية» أُرسلت له في محنته، قد تأكَّدَت. سأل المدير بضعة أسئلة، كان بعضها مُتعلقًا بالملابس والمجوهرات، وبدَفقٍ من العبارات التقليدية عن البهجة التي يشعُر بها لمساعدته في تنمية طموحٍ واعدٍ وإظهارِ عبقريةٍ دفينة، وافقَ على قبول الخدمات المجانية التي ستُقدِّمها الآنسة.

إن القارئ، فيما أرجو، لن يتوقَّع منِّي أن أصف نوع الإعلانات التي وضعها السيد دبليو جيه … في صحف مقاطعة بي …، أو التي ألصقها على جدران تلك المدينة. كان هذا المدير يعتقد أنه عبقري في هذا المجال، وأنا مُلزمٌ أدبيًّا بأن أقول، وهو كلامٌ في صالحه، إن السيد فينسنت كروملز ما كان ليستطيع أن يُنجز عمله في موقفٍ كهذا أفضل من السيد دبليو جيه …؛ لذلك يكفي أن أُضيف أنَّ الظهور الأول للمُمثلة «التراجيدية» الجديدة على أي خشبة مسرحٍ قد أُعلن عنه بأكثر الأساليب فعالية.

جاء الظهور الأول للآنسة إيلين ويلكينسون في ظروفٍ مواتية. لم يكن ثَمَّةَ ما يُنافس على جذب الجمهور في مقاطعة بي … في تلك الليلة. كان ثَمَّةَ عرضٌ مصورٌ للأرض المُقدسة سيُقام في المدينة في ذلك الأسبوع، لكن رؤية المُلصقات الكبيرة لمسرح ذا ثييتر رويال نبَّهَت إمَّا وَرَعَ مالكِ المكان أو حصافتَه المالية؛ الذي «انتقل» إلى المدينة المجاورة، حيث لم يكن للصورة الجيدة عاملُ جذبٍ مضاد، وحقَّق العمل نجاحًا مُجزيًا. حقَّقت الليلة الافتتاحية للعمل نجاحًا واضحًا. كان المسرح في الحقيقة مُمتلئًا حتى نصفه بالجمهور، مما سمح لمُخيلة المدير المُفعمة بالحيوية أن تجعله يُعلِن عن تكدُّس المسرح، وأن يعتذِر عن التصرُّف الفظ الواضح المُتمثِّل في رفض تلقِّي أموال التذاكر على أبواب مسرحه. من نواحٍ أخرى لم يكن العمل مُخفقًا، وحقَّق أرباحًا للمدير من دون شك، إن لم يكن للآنسة وصديقاتها؛ اللاتي ألتمِس صبرَ القارئ بشأنهن، وبشأن أي جزءٍ مالي من قِصتنا.

يجب ألَّا أنسى أن أصف مظهر الآنسة إيلين ويلكينسون وملابسها وصفًا شاملًا. لقد كانت في سنِّ السادسة والعشرين تقريبًا، ذات قوامٍ ممشوق نوعًا ما، وكان وجهها مُستديرًا لكنه شاحب، وكانت تظهر عليه علامات انطفاء اللون، وكانت عيناها السوداوان مُتراجِعتَين قليلًا إلى الداخل، أو كانت تعلوهما جبهةٌ متقوسةٌ أكثر قليلًا من المعتاد في جباه السيدات. كانت تلك الجبهة أوسع قليلًا، وربما أعلى قليلًا — لكنها كانت أوسع بالتأكيد — من المُعتاد في جباه بنات جنسِها. كانت قامتها أطول من المتوسط إلى حدٍّ ما، فلم تكن طويلة، وكانت ذات طلعةٍ مهيبة، أو مظهرٍ قيادي. لقد تلقَّت ما لا بدَّ أن يُعَد، بالنسبة لامرأة، قدرًا كبيرًا من التعليم؛ لكنه لم يشتمل على أي اتساعٍ استثنائي أو مُميَّز في مقدار التثقيف أو الرُّقي. وإيجازًا لمُحرَزاتها وقدراتها العقلية، ووضْعِ وصفهما في صياغةٍ مألوفة، يمكن أن نصِفَها بأنها «امرأةٌ ذكية»، لكنها لم تكن عبقرية، ولم تكن حتى تمتلك درجةً عالية من الموهبة، لكنها كانت تتمتع بالصبر والمُثابرة، مع أنهما لم يكونا بارزَين؛ لأنها في الحقيقة لم تُظهر سِمةً واحدةً بارزةً بروزًا واضحًا، أو لم تُظهِر ما يُسمَّى بأسلوب توماس كارليل، بالفردانية. إن النقَّاد المحليين، الذين لم يُبالغوا في الثناء على أداء السيدة، ولم يستهجنوه مُطلقًا، قد صرَّحوا تباعًا أنه «مُشرِّف، لائق بسيدة، واعٍ، مدروس جيدًا، مصقول، ومُستحسن.» تجاوز أحد النقاد المُعادِين حتى اقترب كثيرًا من الهجوم بقوله إنَّ السيدة كانت «عينةً متوسطةَ الجودة من الأشخاص المتوسطي القدرة السائدين في وقتنا.» لكن هذا كان أقسى شيءٍ قِيل فيها. كانت الجماهير راضيةً عنها بصورةٍ مقبولة؛ أما ملابسها، التي أُشير إليها إشارةً خفيفةً، أو بالأحرى أُلمِع إليها في إعلان الحفل المسرحي، فقد تلقَّت الإعجاب الذي تستحقُّه في المقصورات، وباحة المسرح، والشرفة العُليا.

سريعًا ما قضى الوقت — مُحطم الأوهام، الصانع والهادم العظيم للمكانات المرموقة — على السحر الذي أضفَتْه المهارةُ الإعلانية للمدير على هذه السيدة. أصبح واضحًا في أقل من أسبوعٍ أن الآنسة إيلين ويلكينسون لن تصنع له ثروة، أو تُعوِّضه في الحقيقة عن الحظ العاثر الذي مُنِي به في هذا الموسم. لقد عوَّضته جيدًا جدًّا، لكنها لم تُحقِّق توقُّعاته. إلى أي مدًى تخلَّفَت عن التوقُّعات التي وضعها، أُفضِّل ألَّا أقول؛ لذا عزم على التخلُّص منها حالَما ينتهي عقد العمل الأول. لكنَّ أزمةً وجفوةً وقَعَتا قبل هذا الإنهاء الطبيعي للعقد؛ فلم ينقضِ سوى أُسبوعٍ على الظهور الأول حتى وقع سوءُ تفاهمٍ بسيط بين واحدةٍ من أعضاء الشركة وبين بطلتِنا، التي لجأت إلى المدير، ولم تجد فيه النصيرَ الذي كانت تأمُل أن تجده. وقد أدَّى هذا إلى اعتراض، وأدَّى الاعتراض إلى فسْخ العقد. وهنا — ودَعُونا نقول هذا إنصافًا للطرفَين — أظهر كِلا الطرفَين درجةً من اللياقة، إن لم يكن من سموِّ الأخلاق، لا يُظهِرها المُمثلون والمديرون عادةً، كما شهدت سجلاتُ إحدى محاكم العدل العُليا، منذ فترةٍ ليست بالطويلة؛ فقد اتفقت الآنسة إيلين ويلكينسون والسيد دبليو جيه … — بأفضل طريقةٍ لائقةٍ بسيدةٍ فاضلة، وخليقةٍ برجلٍ فاضل — على أن يتفرَّقا، وتفرَّقا بالفعل. لم ينطق أيٌّ من الطرفَين بكلمةِ غضبٍ واحدة. لقد أُرسِلت العباراتُ الأخيرةُ من الفندق الذي تُقيم فيه السيدة إلى حجرة المدير الخضراء، وكانت عبارات مديح. وغطَّى ذَوقُ المدير انسحابَ ملكة التراجيديا تغطيةً أنيقة. من حُسن الحظ أنها لم تُثِر رغبته في الانتقام، الذي كان مِن المُمكن أن يؤدي به إلى اتخاذ مسلكٍ — أملًا منه في الإضرار بسُمعتها وآمالها المهنية — ربما كان سيرتدُّ بالضرر عليه هو. في الواقع، لقدرة المدير على التفكير في الموضوع بهدوء، رأى أن مصلحته، مثل مصلحة السيدة أيضًا، تكمُن في الحفاظ على الظهور بمظهر الناجحين؛ لذا صرَّح أن عملها في مسرحه لم يكن سوى تجربة، وأن نجاحها الرائع في مقاطعة بي … سوف يتبَعُه قريبًا ظهورُها في العاصمة الكبرى، ما لم يُقنعها بعضُ صديقاتها (نظرًا لارتباطها الشديد بهن)، اللاتي كنَّ مُعترِضات على مسار طموحها، بأن تترك المسرح؛ الأمر الذي يعتقد هو أنه سيكون كارثةً قومية.

يقودنا ذِكر الفندق إلى توضيح أن السيدة قد استأجرت جناحًا — مكوَّنًا من غرفة جلوس وغرفة نوم — في أحد أفضل فُندقَين في المدينة، وما من مدينةٍ أخرى في إنجلترا تستطيع فنادقها أن تتفوَّق على فُندقَيْ مقاطعة بي …، اللذَين أقامت المُمثلةُ في واحدٍ منهما. لم أصف أحداثَ وصولها، ولا الصخب الذي تسبَّبت فيه بين السيدات، والخدَمِ من كِلا الجنسَين في البناية. فلم يكن هذا ضروريًّا، لكن سيكون من لُطف القارئ أن يستنتج أن رحيلها كان حدَثًا مُهمًّا.

قالت الآنسة إيلين، لعاملة النظافة المسئولة عن الغُرف العُليا، ليلةَ رحيلها: «ماري، تذكَّري أنني ذاهبةٌ إلى لندن بالقطار السريع غدًا، ولديَّ الكثير لأفعله، كما ترين، في إعدادِ وحَزمِ أغراضي. لا تدعيني أنام لِما بعد الثامنة من صباح الغد. وهل يُمكنني أن أجد شخصًا ما أستطيع أن أعتمد عليه ليساعدني؟»

أجابت الخادمة: «سوف أُساعدكِ يا آنستي، إذا أحببتِ.»

«يا إلهي، شكرًا لكِ، أنا ممنونةٌ للغاية؛ لكنني لا أُحبُّ أن أُتعبكِ كثيرًا هكذا بمفردك. سوف أَقبل عرضكِ، لكن أَلَا يُمكنكِ أن تأتي بشخصٍ آخر — واحد من خدَم الطابق السفلي — ليساعد هو الآخَر؟»

«لا يا آنستي، يُؤسِفني أنني لن أستطيع أن أستغنيَ عن سوزان، عاملة التنظيف في غرف الطابق السفلي، كما أن الخادمة لدَيها الكثير من العمل لتُنجزه بحيث أخشى أن سيدي قد يلومني إذا طلبتُ منها أن تساعدنا. لكن غاسلة الملابس امرأةٌ أمينةٌ جدًّا، رغم فقرِها؛ هل أستبقيها عندما تأتي في صباح الغد؟»

«بالتأكيد؛ فكرةٌ جيدةٌ جدًّا منكِ. ومن سيُرافق حقائبي إلى المحطة لِحين وصولها في أمانٍ عندما تُحزم؟» ثم قالت مُتنهدة: «يا لخيبة الأمل! ليتني طلبتُ من أحد أبناء عمِّي أن يأتي ويعتني بهذه الأشياء من أجلي.»

«حسنٌ، أما عن هذا يا آنستي، فإن خادمنا المسئول عن مسح الأحذية رجلٌ موثوقٌ للغاية. يمكنكِ أن تثقي به. باركك الربُّ يا آنستي، إن مندوبي البيع المُتجولين يأتمِنونه على الكثير والكثير من مئات الجنيهات كل ليلة. تعرفين، عندما يكتُب أحد مندوبي البيع المُتجولين رسائله، فإنه يريد أن يُرسِل إلى بلده، إلى المؤسسة التي يعمل لحسابها، كلَّ المال الذي حصل عليه، ويَعدُّ ما معه من الجنيهات الإنجليزية الذهبية في الليل، ويقول لخادم مسح الأحذية: «جون، ها هي ذي مائتا جنيه ذهبي؛ أحضِرْ لي جنيهاتٍ ورقيةً بدلًا منها.» ويقول له خادم مسح الأحذية: «نعم يا سيدي.» وأحيانًا ما يأتي بالأوراق النقدية من مكانٍ، وأحيانًا من مكانٍ آخر. وليس مَن يفعل هذا مندوبَ بيعٍ واحدًا، ولا مندوبَيْن، وإنما كثيرون منهم يفعلون هذا بانتظام. يمكنكِ الوثوقُ بخادمنا المسئول عن مسح الأحذية يا آنستي. أؤكد لكِ أنه لن يسرق خاتمًا واحدًا من خواتمكِ، ولو كانت من الألماس — وهي، فيما أعتقد، وفيما يتعلَّق بهذا الأمر، من الألماس حقًّا — وتُساوي ألف جنيه إسترليني.»

ربما بدأ القارئ يعتقد أن رئيسةَ عاملاتِ الغُرَف الفصيحةَ كانت تُكنُّ شيئًا من العطف لخادم مسح الأحذية. ربما كانت كذلك؛ لكن بما أن تلك النقطة لم يكن لها علاقةٌ بلُغز اختفاء خزانة الملابس، لم أتوقَّف للتحقيق فيها، ولا أستطيع أن أُقدِّم أي معلومة.

تَقرَّر في النهاية أن تحصل الممثلة على العون المُشترَك لكلٍّ من رئيسة عاملات تنظيف الغرف وغاسلة الملابس الأمينة في تعبئة المجوهرات والملابس؛ على أن يُساعد خادم مسح الأحذية — الذي كان سيرافق الأمتعة النفيسة بعد ذلك وهي تُنقَل إلى المحطة، بعد أن أَشركَته مادحتُه هو الآخَر — إذا احتاجتا لمساعدته، في العمل التمهيدي.

تركت رئيسةُ العاملات السيدةَ بعد إبرام هذه الترتيبات، وبالطبع قصَّت كلَّ ما حدث، ربما بأسلوبٍ يُوحي بالأهمية، على الخدم الآخرين في الفندق. أثارت فكرةُ احتكار واحدةٍ من الخادمات الأعلى رتبةً للثقة كلها، والربح كله المتوقَّع من الحدَث، القليل من الغيرة. كما تسبَّب الوصفُ الرائع لفخامة وبريق ملابس وجواهر الممثلة في إثارة إحساسٍ قويٍّ بالفضول، لم يُخفِّفه نومُ الليل المُنعش.

في صباح اليوم التالي، بدأت تعبئة الجواهر والملابس في حوالي الساعة التاسعة. بدأت الخادمتان والمُمثلة في العمل، ووضع الخادم المسئول عن مسح الأحذية نفسَه (مُتوقعًا ثناءً وافرًا) بالكامل تحت تصرُّف السيدة. وجدت إحدى الخادمات، كذلك، نفسها غيرَ مشغولة، فعرضت خدماتها الإضافية. لم تعتقد رئيسةُ عاملات تنظيف الغُرَف أن خدماتها تلك كانت ضرورية؛ لكنَّ حرص الآنسة ويلكينسون على جعل المهمة خفيفةً بقدْر الإمكان أَقنعها بأن تُصرَّ على أن تستفيد المرأتان الأُخريان من هذه المُساعَدة الإضافية.

أخيرًا أُودِعت الجواهرُ، التي لم تكن شديدة الندرة ولم تكن كثيرة العدد بما يجعل امرأة من النبيلات اللواتي يتمتعن بحظوة تفوق الآخرين قانعةً بها، لكنها كانت أغلى بكثيرٍ جدًّا مما تمتلكه مُمثلةٌ في العادة، والتي تأكَّدتُ من أنه لا شكَّ في كونها حقيقيةً؛ أُودِعت، مع أثواب الساتان، والحرير، والدانتيل، بأمانٍ في عدةِ صناديق. عُنون كلٌّ من هذه الصناديق بعنايةٍ، ثم سُلِّمت إلى مسئول مسح الأحذية، الذي سار خلف العربة التي كان يجرُّها أحدُ ماسحي الأحذية الأقل منه رتبةً، من الفندق إلى محطة السكة الحديدية. أدَّى المندوبُ الموثوق فيه لدى نزلاء غرفة وكلاء البيع المتجولين كذلك مهمةَ مرافَقة الأمتعة النفيسة وهي تُوضَع في عربةٍ مُقفلةٍ تحت حماية حارس القطار، كما أنه — أقصد الخادم المسئول عن مسح الأحذية — لم يغادر المحطة مُطلقًا ولم يرفع عينَيْه عن العربة إلى أن انطلق القطار. لا شيء أكثر وضوحًا، ولا أقل قابليةً للتشكيك فيه، مِن الحقيقة المتمثلة في أن الصناديق كانت تحتوي على المجوهرات والملابس، وأن عربة الحارس كانت تحتوي على الصناديق، عندما انطلقت القاطرة البخارية بسرعةٍ فائقةٍ إلى العاصمة، حاملةً المُمتلكات وصاحبتها، وأشخاصًا آخرين، في ذيلها.

لديَّ كلمةٌ هنا عن المُمثلة في صباح اليوم الذي غادرت فيه.

فيما بعد قالت رئيسةُ عاملاتِ تنظيفِ الغرَف لزملائها من الخدم: «مسكينة هذه المرأة، لكنها كانت مضطربة. إنها لم تستطع أن تتناول إفطارها، وما كانت ستأخذ معها لقمةً من أي شيء، لولا أنَّني أكَّدتُ عليها أن تفعل؛ لكنكم، كما قلت، لا تستطيعون أن تحصلوا على أي شيءٍ حتى تصِلوا إلى لندن. فالقطار لا يتوقَّف إلا مرةً واحدةً، في مقاطعة آر …، ولن تجدوا أي شيءٍ شهيٍّ هناك. لذا ذهبتُ إلى نادلة الفندق وقلتُ: «اصنعي لي بضع شطائر شهية للآنسة ويلكينسون؛ فهي لم تتناول أي شيءٍ على الإفطار، وستحتاجُ لتناوُل شيء قبل أن تصل إلى لندن.» وهكذا أحضرتُ لها بعض الشطائر، ووضعتُها في حقيبة يدِها، وقلت لها عندئذٍ: «آنستي، يجب أن تأخذي معكِ شيئًا قليلًا لتأكليه».»

لمَّا لم تقع حادثةٌ في الطريق، وصل القطار في موعده إلى محطة لندن. لم تتناول السيدة — التي سافرت دون إفطارٍ — شطائرَها، لا مناصَ من افتراض هذا، فبدأت تُحسُّ بإعياءٍ عندما اقتربت من العاصمة. لكن القطار توقَّف في الحال؛ لذا توجَّهت مباشَرةً إلى المقصف لتأكُل كعكةً، وبعد بضع دقائق عادت لتُحضر أمتعتها.

لم تجد الأمتعة؛ بطريقةٍ أو بأخرى اختفت هذه الصناديق النفيسة! كيف تُراه حدث هذا؟ أُصيبت السيدة بالذهول؛ فباستثناءِ فُقدان زوجٍ — وبافتراضه زوجًا جيدًا — أو طفلٍ حبيب، ما كان لشيءٍ أن يُعذِّب قلب امرأةٍ هذا العذاب الشديد كما فعل الثَّكْلُ المُفاجئُ والكامل للملابس والمجوهرات بهذه الطريقة. لقد شبكَت يديها، وراحت تذرَع المحطة جيئةً وذهابًا بسرعةٍ، وتصيح: «أين صناديقي؟ أين هي؟» ولم تجد مَن يُواسيها. قدَّم المسافرون القليلون المُتبقون والموظَّفون آراءً تباينَتْ في درجة حصافتها؛ لكن الجميع اتفقوا على أنه كان أمرًا غريبًا، ولا بدَّ من التحقيق فيه.

أخيرًا ركبت الممثلةُ الذاهلة، التي لو كانت قد قدَّمت أداءَها في محطة السكة الحديدية تلك في مدينة بي … لكان رائعًا بما يكفي ليأسر جمهورها، ركبت إحدى عربات الأجرة، وعادت باكيةً إلى البيت.

أسفرت استشارتها مع أصدقائها عن استشارة أحد المحامين. وقد رأى ما رآه شخصٌ آخَر من قبله، وهو أن المسئولية القانونية لشركة السكة الحديدية كانت واضحة، وأن الأدلة كاملة تقريبًا. كان من الممكن، بوجهٍ عام، إظهارُ قيمة الملابس والمجوهرات؛ كان كل ما يلزمه أن يحصل عليه هو دليل مُحدَّد لقيمتها. كان من الممكن كذلك إثباتُ تسليم الصناديق للحارس في مدينة بي …، وذلك عن طريق شاهدٍ مُستقلٍّ إلى أبعد حد، شاهدٍ يعرف أمانتَه عددٌ لا حصر له من مندوبي البيع المتجولين. أما محتويات الصناديق فكان من الممكن إثباتها عن طريق شهادةٍ مُماثلةٍ في استقلاليتها للشهادة الأولى. قال المُمارس القانوني إنه لم يسبق له أن تولَّى قضيةً أفضل من هذه. كان على الشركة أن تُوضِّح ما الذي حلَّ بالممتلكات التي تتبَّعَها خادمُ مسح الأحذية تتبُّعًا لا جدال فيه البتَّة حتى وصلت إلى أيدي موظفيها. كيف سيفعلون هذا؟ أعاد المحامي سؤاله وكأنه يُناجي به نفسه، وكانت نصيحته الواضحة للغاية أنه يحق للآنسة ويلكينسون أن تطالِب الشركة بالتعويض، وأنه ما من شيءٍ، سوى معجزةٍ، يستطيع أن يمنعها من الحصول على حقوقها القانونية؛ تعويضًا كاملًا وكبيرًا عن الملابس الضائعة والمجوهرات النفيسة، إلى آخره.

كتب المحامي الخطابَ المُعتاد، وعندما لم يأتِ الردُّ عليه على هيئة شيكٍ مصرفيٍّ بالمبلغ المطلوب يُصرَف من مصرفيي الشركة، أصدر مذكرة قانونية، وأقام دعوى قضائية في محكمة كوينز بينش بمقاطعة ويستمنستر.

قصَّ كلٌّ من رئيسة عاملات تنظيف الغُرَف، والخادم المسئول عن مسح الأحذية، وغاسلة الملابس الأمينة، والخادمة، وماسح الأحذية الأدنى رتبة، الجزءَ المتعلق به من هذه القصة. قُدِّم دليلٌ آخر على قيمة الأشياء، ولم تملك الشركة في الحقيقة أي رد. لم يستطيعوا التشكيك في حقيقة أن الأمتعة سُلِّمت لموطفيهم، أو في قيمة محتويات الصناديق. فلو كانوا فعلوا هذا، لكان معنى ذلك اتهام عددٍ من الشهود النزيهين مَوثوقي السُّمعة بالحلف الكاذب. كل ما استطاع عملَه السادةُ الخبراء الذين تولَّوا مهمة الدفاع عن المُدَّعَى عليهم هو أنهم استجوبوا الشهود؛ الأمر الذي لم يُسفر عن شيءٍ سوى تعزيز أدلة الثبوت، وقالوا في مرافعة، في الحقيقة إنه أمرٌ غريبٌ وغامضٌ. نعم، كان ثَمَّةَ موضوعٌ آخر يستحق التعليق. لقد قال كذلك السيد لينكس، وهو أحد مستشاري الملكة القانونيين، والمستشار القانوني الأول للمُدعى عليهم، إنه مُلزمٌ أدبيًّا بالاعتراف بأن الشهود قد أظهروا كل العلامات التي تدل على أنهم شهودٌ أمناء وصادقون، وإنه ليست لديه شكوى من الشهود الذين قُدِّموا، لكنه يعتقد أنه أمرٌ لافتٌ للنظر، وشديد الجور لمُوكِّليه — فضلًا عن كونه ظرفًا مُريبًا — أن المُدَّعية الجميلة لم تُستَدع للمثول أمام المحكمة. وقال صديقه العلَّامة، السيد سرجينت بيردلايم، إن هذه السيدة لا يمكنها أن تُدلي بأي شهادةٍ في القضية. ثم أكمل السيد لينكس كلامه قائلًا: «سوف يلاحظ المحلفون أنها لم تُستَدع كشاهدة إثباتٍ أساسية لصالحها — إذ اكتمل الأمر من دونها — لكنني أعتقد أن استجوابي لها ربما يكون في صالح المُدَّعى عليهم، أقصد أصحاب شركة السكة الحديدية المحترمة الذين أشرُف بتمثيلهم.»

بدا أن واحدًا أو اثنين من المُحلفين مالا إلى الامتعاض من هذا الهجوم على المُدعية، وبدا أنهما عدَّاه محاولةً لجعل حُكمهما بعيدًا عن النزاهة والتجرُّد. كان السيد سرجينت بيردلايم يتوق إلى أن تُتاح له الفرصة، أو يتفجع على عدم امتلاكه الفرصة، كون الشركة لم تَستَدْع أي شهود، للرد على ما كان سيُسميه هجومًا جائرًا وعديم الضمير للغاية على سيدةٍ لا تشوب سمعتها شائبة.

لخَّص القاضي الأدلة، واستدار المُحلفون، وأخذوا دقيقتين للتشاور في مقصورتهم، ثم حكموا لصالح المُدعية الجميلة بمبلغ ٢٥٠ جنيهًا إسترلينيًّا، قيمة الملابس والمجوهرات الضائعة.

سيطر شعورٌ بعدم الرِّضا على مُحامي الشركة، مع أنه، على حدِّ قوله، لم يعرف كيف كان من الممكن أن يحكم المُحلفون بأي حُكمٍ آخر. وراح يؤكد بشدة أن مال موكليه قد سُلِب بالاحتيال، واشتبه في أن تكون الآنسة إيلين ويلكينسون عضوةً في جماعةٍ من المُتآمرين. فقد قال في همسٍ مسموعٍ للسيد لينكس، عندما كان ذلك السيد يُعيد صياغة مذكرة الدعوى مذيلةً بنتيجة المحاكمة لتقديمها إلى الشركة: «إنه عمل تلك العصابة يا سيدي، ثِق في هذا.»

لم تدفع شركة السكة الحديدية المال. فقد نجح مالِكوها في تقديم دوافع قانونية وجيهة بناءً على إفاداتٍ خطية قوية بما يكفي لإقناع القضاة بالموافقة على «أمرٍ شَرْطي»، مُطالِبين المُدعية بإظهار سببٍ يمنع من إقامة محاكمة جديدة في القضية. ظهرت تلك الحجةُ في صورة استدعاءٍ آخر قُدِّم إلى المحكمة لجعل ذلك الأمر الشَّرْطي الذي يستلزم محاكمةً جديدةً أمرًا لا مناصَ منه، وهكذا أُتيح للمُدَّعى عليهم ثلاثة أسابيع تقريبًا ليبدءوا تحقيقاتهم.

بدأت كل أقسام التحقيق في الشركة في العمل، لكن لم تُحقق أي نجاح. بعد ذلك استُؤجرت خدماتي، ولم يكن لديَّ أدنى شك، في اعتقادي الشخصي، أنني سأتمكن من كشف لُغز ذلك الأمر، الذي أدركتُ في الحال كذلك أنه كان احتيالًا، لكنني لم أكن أتوقَّع أن تكون المهمة بهذه السهولة الكبيرة التي وجدتُها عليها. لكنني برغم ذلك أنقذتُ خزينة أموال الشركة من الابتزاز القانوني الذي مارَسَه المتآمِرون، وكشفتُ لغزًا، رغم هروب الحقراء الذين ارتكبوا الجريمة.

لقد أصاب مَن وصف النساء بأنهن مُفسِدات للمؤامرة. إن هذا صحيحٌ جدًّا من ناحية المعنى المباشر، لكنه صحيحٌ أيضًا بمعناه غير المباشر. لقد أحبط تأثيرُ الغيرة الكثيرَ من مُخططات العصابة التي تنتمي لها هذه المُحتالةُ المسرحية؛ إذ أصبحنا نملك الحرية الآن للاعتراف بأنها كذلك. ولا بدَّ أن ننسب الفضل إلى هذا الدافع، ولكن في مناسبةٍ أخرى، في اكتشاف ومعاقبة العديد من أعضاء العصابة البارزين. وإن المجتمع لمَدينٌ بالشُّكر لهذا الدافع في القضاء التام، منذ ما يقرُب من ثلاث سنوات، على تلك المؤامرة البغيضة.

كان للآنسة ويلكينسون مُعجبان من بين المُتآمِرين، وكان كلٌّ منهما على علمٍ بهذا الاحتيال. لقد دبَّر أحدهما، وهو يتألَّم من أثر رفضِها إيَّاه، خطةً لخيانة غريمه ومحبوبته القاسية، وذلك عندما اكتشف أنني تولَّيتُ القضية، وقابلني. وعندما نال وعدًا بضمان سلامته الشخصية، كشف لي الخطة. لقد قصَّ عليَّ، بالتفصيل، كيف اقتُرض المالُ من الشخص الغنيِّ بين المُتآمِرين لشراء المجوهرات والملابس؛ وكيف أُعِدَّت المكيدة؛ وكيف نُفِّذَت. لقد كشف لي أن العمل في مسرح مدينة بي … كان وسيلةً لإعطاء بدايةِ الاحتيال مظهرًا صادقًا، وأن الجناح قد استُؤجر في الفندق لضمان الحصول على شهادةٍ مُستقلة، وأن الجلبة التي أُثيرت حول حَزْم الأمتعة لم تكن سوى مُناورة بارعة صغيرة لحشد شهودٍ أمناء آخرين في المكيدة؛ وأن كل نقطة تفصيلية، حتى فيما يخصُّ المغادرة من دون إفطار، لم تكن سوى مرحلة من مراحل الخداع، وكانت في المرحلة الأخيرة ذريعة يُفسَّر بها تركُ رصيف المحطة والذهابُ إلى المقصف؛ مع إبقاء عربة الحارس تحت المراقبة طوال الوقت، تلك العربة التي شهدت الانتصار الواضح لتلك «الضربة الموفَّقة»، وكان هو جاهزًا للتعامُل مع أي حادثٍ طارئ.

لا شيء أسهل من حل «عقدة» المسرحية. كانت لحظة وصول ذلك القطار السريع، الدقيق دائمًا في مواعيده، معروفة. انطلقت عربة أجرة إلى المحطة عند وصول القطار. ترجَّل منها رجلٌ، بدا بمظهر السادة، واندمج بين حشد المسافرين الذين كانوا يبحثون حقًّا عن أمتعتهم.

قابل رجُلًا آخر كان قد دخل المحطة على قدَميه، وبعدما صافح ذلك الرجلُ زميلَه سريعًا، ركب معه عربة الأجرة نفسها. طالب أحدُ اللِّصَّين بالحصول على الصناديق التي تحتوي على الثياب والمجوهرات في خضم ذلك الهرَج. كانت الممثلة — التي كانت، من دون شك، على علمٍ بالاتفاق — ترى كل هذا. لو كان الحارس علِم وتذكَّر بأي طريقةٍ أن سيدةً هي التي عهدت إليه بالصناديق، أو لو كان أيُّ حدَثٍ عارِضٍ أقنعَ مُوظفي الشركة بضرورة التحقُّق من حق الرجل في أخذ الصناديق، لكانت الآنسة ويلكينسون ستخرج من المقصف، وتوضح أن هذا السيد إنما هو زوجها، وكانت ستغادر معه هو والممتلكات في عربة الأجرة.

كانت المؤامرة في هذه الحالة ستُحبَط — وهو أمرٌ كان سيُثير الغيظ والإزعاج بدرجةٍ كبيرة في نفوس اللصوص — لكن هذا كان سيصبح هو حجم الأذى الذي كانوا سيتحسَّرون من أجله لا محالة. لم تقع مثل هذه الكارثة. رأت السيدة الصناديقَ وصديقيها يخرجون من المحطة في العربة. فأتمَّت التهام كعكعتها، وعندما اعتقدَت أن شريكيها أصبحا بعيدًا عن متناول أيدي رجال الشرطة، بدأت تسأل الحمَّالين عن أمتعتها.

كانت نهاية هذه القصة، فيما أعتقد، ستصبح مُرضيةً أكثر مما هي عليه في الواقع، لو كان بإمكاني أن أُخبر القارئ أن الحقيرين المُتورِّطين في المؤامرة نالوا ما يستحقون من العقاب. لكن الحقيقة لا تُجيز لي قول هذا. بالعكس، لقد علِمَت السيدة ومحبوبها الأثير، بطريقة ما، أن خيانةً قد حدثت داخل العصابة، لذا انسحبا من النزاع القانوني، واختبآ لفترة. عندما قُدِّم استدعاءٌ في محكمة كوينز بينش لجعل المحاكمة الجديدة أمرًا قطعيًّا يقتضي التنفيذ، لم يُدافع السيد سرجينت بيردلايم ولا أيُّ رجلٍ آخر، يرتدي روب المحاماة، عن المُدَّعية. وهكذا نجت الشركة من ابتزاز التعويض ونفقات الدعوى؛ لكنَّ حق العدالة في تسليم الآنسة ويلكينسون وعشيقها المجهول للسجن مع الأشغال الشاقة لمدة بضعة أعوامٍ سُلِب منها بالاحتيال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١