عائشة

ولدت عائشة لأبي بكر الصديق من زوجته «أم رومان»، واسمها زينب أو دعد، مختلف فيه، كما اختلفوا في نسبها، واتفقوا على أنها من كنانة.

وكانت قبل بناء الصديق بها زوجًا لصاحبه في الجاهلية عبد الله بن الحارث بن سخبرة، وولدت له ابنه الطفيل، ثم مات، فخلفه عليها أبو بكر ليحفظ بيت صاحبه وحليفه.

ومن المتفق عليه أنها كانت امرأة ذكية، أسلمت وهاجرت، ولقيت عنتًا شديدًا في سبيل دينها وزوجها، ويروى عن النبي — عليه السلام — أنه قال: «من سرَّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان.»

وقد اختلفوا في سنة وفاتها، من قائل إنها توفيت في حياة النبي عليه السلام، إلى قائل إنها عاشت إلى أيام عثمان رضي الله عنه، والأرجح في رواية البخاري أنها عاشت إلى أيام عثمان.

ولا يعرف على التحقيق في أي سنة ولدت السيدة عائشة رضي الله عنها، ولكن أقرب الأقوال إلى الصدق وأحراها بالقبول أنها ولدت في السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة قبل الهجرة، فتكون قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها أو قاربتها يوم بنى بها الرسول عليه السلام.

وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أنها كانت بيضاء، فكان — عليه السلام — يلقبها بالحميراء، وكانت أقرب إلى الطول؛ لأنها كانت تعيب القصر كما مر في كلامها عن السيدة صفية، وكانت في صباها نحيلة أو أقرب إلى النحول، حتى كان الذين يحملون هودجها خاليًا يحسبونها فيه. قالت في حديث لها مشهور: «… وأقبل إليَّ رهط الذين كانوا يرحلون لي — أي يحملون الرحل على البعير — فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. إنما يأكلن العلقة من الطعام … فلم يستكثر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه؛ إذ كنت مع ذاك جارية حديثة السن.»

ثم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة كما جاء في كلامها في حديث آخر: «… خرجت مع النبي في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم. فقال للناس: تقدموا! فتقدموا. ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسكت. حتى إذا حملت اللحم وكنا في سفرة أخرى، قال للناس: تقدموا! فتقدموا. ثم قال: تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقني؛ فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك.»

وعلمنا من بعض أحاديثها أنها وعكت مرة فتمزق شعرها، فمن ثم وصيتها على ما يظهر بالشعر حيث تقول: «إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه.»

وعلمنا من رواة وقعة الجمل أنها كانت جهورية الصوت، تخطب العسكر من هودجها في ساحة الحرب فيسمع خطابها.

وعلمنا من جملة أوصافها وأخبارها أنها كانت حية الطبع موفورة النشاط كدأب العصبيين من النساء والرجال، وكان أبوها — رضي الله عنه — من أصحاب هذا المزاج ولا مراء.

والظاهر أنها ورثت عنه كثيرًا من خَلقه وخُلقه على السواء؛ فقد كان الصديق جميلًا حتى جاء في بعض الروايات أنه لقب بالعتيق لجماله، وكان نحيلًا دقيق التكوين كما هو مشهور، وكانت فيه حدة طبع مع حدة ذكاء، وكان كريمًا سريعًا إلى نجدة المعوزين والضعفاء، وكان صادق المقال لم يؤخذ عليه كذب في الجاهلية ولا في الإسلام، وكان ماضي اللسان قديرًا على إفحام من يجترئ عليه، وتشبهه السيدة عائشة في هذه الخلائق شبهًا كان يوحي إلى النبي — عليه السلام — كلما سمعها تجيب من يساجلها أن يقول: إنها ابنة أبي بكرٍ! إنها ابنة أبي بكرٍ!

وقد راضت حدتها زمنًا كما كان أبوها يروض حدته طوال حياته، ولكنها لم تبلغ من ذلك ما بلغه أبوها؛ لمكان الرجل من القدرة والحاجة إلى سياسة الدنيا، ومكان الفتاة من الضعف ومن الحظوة التي تغنيها عن الصرامة في مغالبة النفس ومراس الخطوب في كفاح الحياة.

والمعهود في أخلاق الناس أن الحدة تلازمها سرعة الغضب، كما تلازمها سرعة الصفح والنسيان في معظم الأحيان.

وليس في أخبار السيدة عائشة ما يناقض هذه المشاهدة التي تعم النساء كما تعم الرجال، فليس مما ينقضها أنها — رضي الله عنها — بقيت على موجدة من مسألة الإفك طوال حياتها فلم تنس قط مقالة أحد من القائلين أو الساعين فيها؛ إذ ليس أهول على نفس الفتاة خاصة، ولا أوجع لضميرها من مطعن يهدم سمعتها، ويعصف بهناءتها، ويفقدها الرجل الذي تحبه، والمكانة التي تبوأتها، وأهول ما يكون ذلك على البريئة العزيزة التي يهولها الأمر على قدر ظلمها فيه، وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة. فلا يقاس على موجدة السيدة عائشة في مسألة الإفك سائر خلائقها ودوافع ضميرها، فليس في غير هذه المسألة ما ينم على شيء يتجاوز الحدة العارضة إلى الضغينة الباقية.

حدَّث مسروق الهمداني قال: «دخلت على عائشة وعندها حسان، وهو يرثي بنتًا له، ويقول:

رَزَانٌ حَصَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ
وتُصبِحُ غَرثَى من لحومِ الغوافِل

فقالت عائشة: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز وجل: وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ فقالت: «أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره؟!»

وهذا لأن حسان بن ثابت كان ممن نسب إليه شعر في مسألة الإفك لا يرضي السيدة عائشة.

على أنها قبلت عذره كما جاء في رواية أخرى ونهت عن شتمه، وذلك فيما رواه يوسف بن ماهك عن أمه، حيث تقول: كنت أطوف مع عائشة بالبيت فذكرت حسان فسببته، فقالت: بئس ما قلت، أتسبينه وهو الذي يقول:

فَإِنَّ أَبِي ووالِدَهُ وعِرْضِي
لِعِرضِ مُحمدٍ منكم وقَاءُ

فقلت: أليس ممن لعن الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قالت: لم يقل شيئًا، ولكنه الذي يقول:

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ
وتُصبِحُ غَرثَى من لحومِ الغََوَافِلِ
فَإِن كان مَا قَدْ جَاءَ عِنِّي قلته
فَلا رفعت سَوطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي

وقال هشام بن عروة عن أبيه: «كنت قاعدًا عند عائشةَ فمر بجنازة حسان بن ثابت فنلت منه، فقالت: مهلًا! فذكرتها كلامه، فقالت: فكيف بقوله:

فَإِنَّ أَبِي ووالِدَهُ وعِرْضِي
لِعِرضِ مُحمدٍ منكم وقَاءُ

ولا شك أن الذي ذكرته السيدة عائشة لحسان لا ينسى، وأن الذي صفحت عنه بعد ذلك كثير، وأن حمد الصفح هنا أولى من ملاحظة التذكير والتبكيت.

•••

أما كرم السيدة عائشة فهي فيه إلى النجدة أقرب منها إلى السخاء، وهي فيه على آسال من أبيها العظيم رضي الله عنه، تنقذ من الأسر وتغيث من البلاء، وتعطي من هو في حاجة إلى العون العاجل ما تيسر لها العطاء، وكانت في كرمها على حال سواء في أيام النبي — عليه السلام — حين لا مال لديها إلا القليل الذي هي أحوج إليه، أو في أيام الفتوح التي تيسر لها فيها من المال ما لم يكن قبل بميسور.

كان لعتبة بن أبي المهلب جارية حبشية اسمها بريرة زوَّجها على غير رضاها عبدًا من عبيد المغيرة فكرهته وأعرضت عنه، وهي أهل لمن هو أصلح وآدب منه. فرحمتها السيدة عائشة فاشترتها وأعتقتها، وخاطبت فيها النبي — عليه السلام — فقال لها: ملكت نفسك فاختاري!

وكان زوجها يتعلق بها، ويتبعها حيث سارت وهي معرضة عنه، فتعجب النبي بين أصحابه يومًا من فرط حبه لها وزهدها فيه، وقال لها: اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك! قالت: أتأمرني؟ قال: لا، إنما أنا شافع. فقالت: إذن لا حاجة بي إليه.

وما زالت بعد ذلك في خدمة السيدة عائشة تخلص لها، وتذكر لها عطفها عليها، ولا تنسى لها جميلها.

وقد أعانها على هذا الخلق السمح أنها رزقت القدوة القريبة بسيد المواسين للضعفاء ومعلم الجابرين لكسر القلوب، فما من شأوٍ بلغته في هذا المعراج الرفيع إلا ارتفع بها رسول الله إلى أعلى منه وأجمل. كانت عندها فتاة يتيمة اسمها الفارعة بنت أسعد فزوجتها لنبيط بن جابر الأنصاري وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها، فلما عادت سألها عليه السلام: ما كان معكم لهو فإنه يعجب الأنصاري؟ هلا بعثتم جارية تضرب بالدف وتغني؟ فسألته: ماذا تقول يا رسول الله؟! قال: تقول: أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم.»

وحدثت مولاتها أم ذرة — وهي من الثقات — أن ابن الزبير بعث إلى السيدة عائشة بغرارتين فيهما مال يبلغ مائة ألف درهم، وكانت صائمة فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس، ثم أمست فقالت: يا جارية هاتي فطري. قالت أم ذرة: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحمًا تفطرين عليه؟ فقالت: لا تعنفيني! لو كنت أذكرتني لفعلت!

وقال ابن سعد عن عروة بن الزبير: «رأيت عائشة تصدَّق بسبعين ألفًا، وإنها لترقع جانب درعها.» وأيسر ما يستفاد من هذه الروايات على اختلاف مكان رواتها من الثقة أنها — رضي الله عنها — كانت مشهورة بالكرم والإحسان إلى مستحقيه.

وقد كانت بنت أبيها في أكثر من خصلة واحدة من هذه الخصال النادرة بين الرجال والنساء، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في خصلة الصدق التي بها اشتهر، ومن أجلها نُعِتَ بالصديق، وغلب هذا النعت عليه حتى أوشك أن ينسى الناس اسمه الذي دعاه به أبواه. وقد امتحن صدقها في مآزق عسيرة البلاء للنفوس فتمحصت عن معدن كريم وعرق سليم، ودلت على أصالة هذا الميراث النفيس من أبيها العظيم؛ ففي الغاشية التي أطبقت على العالم الإسلامي من جراء الخلاف على الخلافة تطايرت الأحاديث الموضوعة من هنا وهناك، وتعمد أناس أن يصوغوا من عندهم حديثًا لكل حزب ينصره ويرضيه ويكبت خصمه ويخزيه، وافتنَّ الوُضَّاع في محاكاة الأحاديث النبوية ذلك الافتنان الذي شقي به المحققون للروايات بعد ذلك بسنين. وكانت السيدة عائشة تشترك في خصومات المتخاصمين على الخلافة باختيارها، أو تساق إلى المشاركة فيها على كره منها، وكانت هي أول من يُسمع له إذا روت حديثًا يدمغ خصومها ويعزز أنصارها، ولكنها لم تنقل قط في كل ما ثبتت نسبته إليها حديثًا واحدًا تمسه الشبهات من قريب أو بعيد ولا تؤيده الأسانيد الأخرى، ولم تحرف كلمة واحدة إلى غير موقعها طواعية لإغراء تلك النوازع النفسية التي تطيش بالألسنة أو تضلل العقول، وهو امتحان ليس أعسر منه امتحان في هذا الباب، ولهذا كانوا يروون عنها الأحاديث فيقولون: حدثتنا الصديقة بنت الصديق!

ومن الصفات التي شابهت فيها أباها الذكاء المتوقد والبديهة الواعية، ولم تقصر فيها عن شأوه.

بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها بين الرجال والنساء على السواء في سرعة الفهم وقدرة التحصيل، والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها.

قال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة بن الزبير. فقيل له: ما أرواك! قال: وما روايتي في رواية عائشة! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.

وقد كان عروة بن الزبير أشد الناس حبًّا لخالته السيدة عائشة وإعظامًا لها وتوقيرًا لسيرتها، ولكن الذي روي عنها من الشواهد الشعرية في أخبارها التي نقلت إلينا يدل على صدق ما وصفها به من غزارة الحفظ وحسن الاستشهاد.

دخل عليها النبي — عليه السلام — وهي تتمثل بالبيتين التاليين:

ارْفَعْ ضَعِيفَكَ لَا يَحُرْ بِكَ ضَعْفُهُ
يَوْمًا فَتُدرِكَهُ العَوَاقِبُ قَدْ نَمَا
يَجْزِيكَ أَو يُثنِي عَلَيكَ وَإِنَّ مَنْ
أَثْنَى عَلَيكَ بَمَا فَعَلْتَ فَقَدْ جَزَى

فقال عليه السلام: لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: «أيما رجل صنع إلي أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه.»

ورأت أباها يجود بنفسه فقالت:

لَعَمْرِي مَا يُغنِي الثَّراءُ عن الفَتَى
إذَا حَشْرَجَتْ يَومًا وضَاقَ بِهَا الصَّدرُ

وعادت تقول:

وَأَبيضَ يُستَسْقَى الغَمَامُ بوجهِهِ
ثِمَالُ اليتامَى عِصمةٌ للأَرَامِلِ

ومما يروى أنها أنشدته في تلك الساعة، وهي ولهى لفراق أبيها:

وكُلُّ ذِي غَيبَةِ يَئُوبُ
وغَائِبُ المَوتِ لا يَئُوبُ

ويؤخذ من بعض ما نقل عنها أنها كانت تسمع شعر زهير وتعجب به، فقالت لإحدى بناته فيما روى الهيثم بن عدي: «إن الحلل التي كساها أبوك هَرِمًا لم يبلها الدهر.»

على أن الفهم والحفظ ملكتان معروفتان للسيدة عائشة كثرت أو قلت الشواهد الشعرية التي وصلت إلينا من أخبارها.

فحسبها أنها قد روت للنبي — عليه السلام — أكثر من ألفي حديث في مختلف المسائل التي تدخل فيها الأحكام الشرعية، والعظات الخلقية، والآداب النفسية، والأصول التي يرجع إليها في الدين والعبادة.

بل حسبها أن يثبت لها عشر هذا العدد من الأحاديث النبوية ليثبت لها أنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ فيما تنقله بحروفه، كما تحسن التعبير فيما تحكيه بكلامها، وأنها تحيط في فهمها وحفظها بكل ما أحاطت به الأحاديث من المعارض والمناسبات.

ومع هذا يروي الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر، ولا يقتصر علمها على وعي الكلمات والعبارات. قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علمًا فيه. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة. وقال مسروق الهمداني: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة.

ومن الأحاديث التي ترفع إلى النبي أنه قال: «خذوا شطر دينكم عن هذي الحميراء»، وهو حديث لم يثبت بالسند الصحيح، ولكن الحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب عليه السلام.

ولا ريب أنها كانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب، كما كانت تقبس من ميراث أخلاقه وطباعه وملكاته، ويستفاد من بعض المنقول عنها أنها كانت تواقة إلى معرفة كل ما نعرف من تواريخ الأمم غير قانعة بأخبار الأمة العربية، ولا بالأخبار التي تعنيها خاصة كأخبار النبي والصحابة والعشيرة الإسلامية، ومنها خبر النجاشي حين هاجر المسلمون إلى بلاده فأوفد إليه المشركون جماعة منهم يحملون إليه الغوالي والنفائس ليبطش بأولئك المهاجرين أو يردهم إلى قومهم، فقال: «ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي فآخذ الرشوة منه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.»

فخفي على السامعين معنى كلامه هذا حتى بلغ السيدة عائشة ففسرته بما انتهى إلى علمها، وهو أن هذا النجاشي كان من الأمراء المغصوبين فأقصاه الملك الغاصب وباعه بيع الرقيق، ثم أعيد إلى ملكه فاقتضى الرجل الذي اشتراه حقه، وأبى هذا النجاشي إلا أن يعطوه الدراهم من أموالهم ليجزيهم بصنيعهم، فذلك إذ يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين رد عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه.

وهو تفسير لا يعنينا هنا أن نستقصيه من الوجهة التاريخية، ولكن الذي يعنينا منه شغف السيدة باستطلاع أحوال الأمم كافة حيثما تسنى لها سبيل الاطلاع.

•••

وغزارة الاطِّلاع بينة — إلى جانب هذا — من لغة السيدة عائشة التي امتزجت بأسلوبها في كل ما نقل عنها، ولا سيما الخطب والوصف خاصة. فقد كانت لها مادة من اللغة لا تتهيأ بغير محصول كبير من أنباء العربية التي تستقى من أعرق مصادرها.

قالت في خطبة بعد وقعة الجمل تذكر أباها: «… وأبي ثاني اثنين الله ثالثهما، وأول من سمي صديقًا، مضى رسول الله وهو عنه راضٍ، وقد طوقه وهق١ الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فأخذ بطرفيه وربق٢ لكم أثناءه؛ فوقذ٣ النفاق، وغاض نبع الردة، وأطفأ ما حشت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون تنتظرون العدوة وتستمعون الصيحة، فرأب الثأي٤ وأرزم٥ مسقاه، وامتاح من المهواة، واجتهر دفن الرواء٦ حتى أعطن الوارد وأورد الصادر، وعل الناهل٧ فقبضه الله واطئًا على هام النفاق، مُذكيًا نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله فولَّى أمرَكم رجلًا مرعيًّا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين٨ عركة٩ للأذاة بجنبه صفوحًا عن أذاة الجاهلين، يقظان الليل في نصرة الإسلام.»

ووصفت أباها في خطبة أخرى فقالت: رحمك الله يا أبت! فلئن أقاموا الدنيا لقد أقمت الدين حين وَهَى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، وانقبضت عما إليه أصغوا، وشمرت فيما عنه ونوا، واستصغرت من دنياك ما أعظموا، ورغبت بدينك عما أغفلوا، طالوا عنان الأمر واقتعدت مطي الحذر، فلم تهتضم دينك ولم تنس غدك، ففاز عند المساهمة قدحك، وخف مما استوزروا ظهرك.

ووقفت على قبره قائلة — وهو كلام يستغرب تنسيق فواصله وترجيع ضمائره، ولكنه لا يستبعد على عصره:

نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلًّا بإعراضك عنها، وللآخرة معزًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك. إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك، فأنا أتنجز من الله موعوده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك، بالدعاء لك. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك.

وقد كان لها أسلوب فيما يرتجل يناسب موضوعه، كما كان لها فيما يجوز تحضيره أسلوب يناسب ما يحتفل له بالتحضير. فلما حكت عن زواجها بالنبي قالت بأسلوب مرسل سهل، ولكنه مع ذلك جزل فصيح: «… تزوجني رسول الله وأنا ابنة ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمه١٠ فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، وصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي! فأخذتني بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن يصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ضحى، فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين …»

•••

ومع هذه المادة اللغوية التي تنم عن استقصاء مادة العربية من أعرق مصادرها لا نستغرب ما تواترت به الروايات من علم السيدة عائشة بطب زمانها، وما يصح في زماننا أن يسمى بعلم الفلك والظواهر الجوية لإلمامه بمسالك النجوم ومهاب الأنواء وغير ذلك من معارف البادية والحاضرة في عصر الدعوة الإسلامية.

وهكذا تنظر إلى عائشة لنفسها فلا ترى أنها تقصر عن عائشة في المكان الذي خصتها به الآداب العربية، ورفعتها إليه الآداب الإسلامية والحظوة النبوية؛ لأنه مكان قد استحقته لنشأتها في قبيلتها ودخولها في دينها، واستحقته كذلك بما تميزت به بين أترابها من جمال وفهم ومعرفة وبيان.

١  حبل يجعل في العنق.
٢  ربقه: شده في الربق، وهو حبل فيه عرى.
٣  كسر.
٤  أي رقع الفتق وأصلح الخلل.
٥  أي شده.
٦  امتاح من المهواة: أي استقى من البئر العميقة، واجتهر دفن الرواء: أي أخرج خبايا الماء الغزير.
٧  النهل: أول الشرب. والعلل: السقي بعد السقي.
٨  كناية عن سعة الصدر.
٩  من المعاركة؛ أي الاختيار.
١٠  الجُمَّة: مجتمع شعر الرأس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١