زوجُ النبيِّ

كانت السيدة خديجة — رضي الله عنها — أول زوجات النبي — عليه السلام — وأحبهن إليه، عاش معها زهاء خمس وعشرين سنة، ولم يتزوج عليها، ولا فكر في الزواج بغيرها في حياتها، مع أنه بنى بها وهو في نحو الخامسة والعشرين وهي في نحو الأربعين، وبقيت معه إلى أن أوفت على الخامسة والستين.

ثم توفيت حوالي السنة العاشرة بعد الدعوة؛ فلم يعرف عنه أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، وسمَّى عام وفاتها «عام الحزن»؛ لأن الحزن لم يفارقه طوال أيامه، ولم يفارقه — في الواقع — بقية حياته كلها، وإن سكنت سَورته مع الأيام كما تسكن كل سَورَة لاعجة مع ذلك العزم الصادق والقلب الصبور.

وتزوج بالسيدة عائشة بعد وفاة السيدة خديجة بسنوات.

فكان التقابل بين الزوجين من أتمِّ ما تأتي به المصادفة حين تكون المصادفة أحكم من التدبير والتقدير، ولعل هذا التقابل لم يخل كل الخلو من القصد الخفي، وإن لم تتجه إليه النية في وضوح.

ويبدو لنا أن النبي — عليه السلام — كان أحوج ما يكون إلى هذا التقابل العجيب في حياته الزوجية.

فالفتى اليتيم الذي فجع في حنان الأمومة منذ طفولته الباكرة لم يكن أنفع له من زوجة كريمة رشيدة كالسيدة خديجة التي أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام، ولا تزال في هذه الحالة على حاجتها القصوى إلى التثبيت والكلاءة والتشجيع.

أما النبي في الخمسين من عمره فقد كان أنفع له وأبهج لفؤاده أن يغدق حنان الأبوة على زوجته التي تظفر منه بالحظوة والمودة، وأن يستروح من شبابها وجمالها نعمة تسعده في جهاده، وربيعًا يظلله في وحشة عمره.

كانت خديجة أمًّا ترعاه.

ثم كانت عائشة طفلة تنعم بتدليله.

وكانت خديجة تسعده بالعقل والحنكة.

ثم كانت عائشة تسعده بالطرافة والجمال.

وكانت خديجة تصاحبه قبل الدعوة، وهو يطلب الأنصار في طوية النفس قبل أن يطلبهم في عالم النضال والبلاء.

ثم كانت عائشة تصاحبه بعد الدعوة، وهو صاحب دين جهر وبهر، فكانت هي أول سفرائه بالإصهار إلى رجالات العرب ورؤساء العشائر والبيوت.

كان تقابلًا بين الزوجين الفضليين من أعجب ما تأتي به المصادفة، بل من أعجب ما يأتي به التدبير، وليس هناك تدبير معروف.

فالذي نعلمه من خطبة النبي — عليه السلام — للسيدة عائشة أنها كانت من المصادفات التي لم يتحدث بها قط قبل أن تُقتَرح عليه.

نعم إنه — عليه السلام — قال لعائشة يومًا: «أُرِيتك في المنام مرتين أرى أنك في سَرَقةٍ من حرير ويقال: هذه امرأتك! فاكشف عنها، فإنما هي أنت. فأقول: إن يك هذا من عند الله يُمضِه.»

ولكن الحديث يدلنا على مبلغ ما كان في ضمير النبي — عليه السلام — من هذه النية، وقد يفهم منه أنه كان — عليه السلام — يناجي نفسه الشريفة بأمنيته في الزواج، فطابقت السيدة عائشة مثال هذه الأمنية، وكان هذا من بواعث حبه إياها لمطابقة الرؤية ما تمثله في الرؤيا.

فأما الخطبة، فالذي نعلمه من الروايات المتواترة أنها جاءت بعد اقتراح من سيدة بارة آلمها ما لحظته من حزن النبي على زوجه العزيزة عليه. فقالت له: أي رسول الله! ألا تتزوج؟ فسألها: من؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. ثم سألها عن البكر فذكرت عائشة «بنت أحب خلق الله إليك» … وسألها عن الثيب فذكرت سودة بنت زمعة. فأوفدها إلى بيت أبي بكر، وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات.

هذه السيدة هي خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون من أجلاء الصحابة الذين حرموا الخمر في الجاهلية، وعاش بعد الإسلام عيشة النسك والحكمة. وبقية حديث الخطبة أنها ذهبت إلى أم رومان — أم عائشة — فبادأتها بالحديث قائلة: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة. فاستمهلتها حتى ترى أبا بكر، وقيل إن أبا بكر سأل حين بلغه الأمر: وهل تصلح له وهي بنت أخيه — يظن أن المؤاخاة بينه وبين النبي قد بلغت مبلغ القرابة التي تمنع المصاهرة — فكان جواب النبي لها: «قولي له: أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي» كما جاء في هذه الرواية.

وإلى هذا الحين لم يكن في تقدير أحد أن صلة من أوثق الصلات ستنعقد بين النبي وصفيه الحميم؛ لأن عائشة كانت مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي من أصحاب أبيها في الجاهلية، فتحرج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، وقال لأم رومان زوجته: والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط. ثم لقي أبا الفتى وأمه يسألهما فيما ينتويانه، فأقبل الأب على امرأته يسألها: ما تقولين؟ فالتفتت الأم إلى أبي بكر وهي تقول متعللة: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه؟ فلم يجبها، وسأل زوجها: ما تقول أنت؟ فلم يزده على أن أجاب: إنها تقول ما تسمع.

فعلم أبو بكر يومئذ أنه في حل من نقض وعده لمطعم بن عدي، واستقبل النبي خاطبًا، فتمت الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات، وأصدقها النبي — عليه السلام — أربعمائة درهم على أشهر الروايات.

وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي — عليه السلام — في السنة الثانية للهجرة، فيحسبها بعضهم تسعًا، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع سنوات.

وهو اختلاف لا غرابة فيه بين قوم لم يتعودوا تسجيل المواليد؛ إذ قلما يسمع بإنسان — رجلًا كان أو امرأة — في ذلك العصر إلا ذكر له تاريخان أو ثلاثة لميلاده أو زواجه أو وفاته، وقد يبلغ الاختلاف بين تاريخ وتاريخ في تراجم المشهورين فضلًا عن الخاملين عشر سنين.

والأرجح عندنا أن السيدة عائشة كانت لا تقل عند زفافها إلى النبي — عليه السلام — عن الثانية عشرة، ولا تتجاوز الخامسة عشرة بكثير.

فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال.

ويؤيد هذا الترجيح أن السيدة خولة اقترحتها على النبي وهي في السن المناسبة للزواج على أقرب التقديرات إلى القبول؛ إذ لا يعقل أنها تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح الزواج على النبي وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات أخرى.

ويؤيد هذا الترجيح — من غير هذا الجانب — أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة.

فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ لأنها بلغت سن الخطبة، وهي قرابة التاسعة أو العاشرة، وبعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين.

وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانًا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام.

فإذا كان أبو بكر — رضي الله عنه — قد وعد بها ذلك الموعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي عليه السلام.

ولهذا نرجح أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه، وأنها هي — رضي الله عنها — كانت تسمع تقديرات سنها ممن كان حولها؛ لأنها لم تقرأها بداهة في وثيقة مكتوبة، فكان يعجبها — على سُنَّة الأنوثة الخالدة — أن تأخذ بأصغرها، وكانت هي كثيرًا ما تدل بالصغر بين أترابها فلا تنسى إذا اقتضى الحديث ذلك أن تقول: وكنت يومئذ جارية حديثة السن، أو كنت يومئذ صغيرة لا أحفظ شيئًا من القرآن، إلى أشباه ذلك من أحاديثها في هذا المعنى.

ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما يقوله المستشرقون على النبي بصدد زواجه بعائشة في سن الطفولة الباكرة، وكل تقدير غير ذلك فهو تقدير مرجوح.

•••

وقد ملكت ربة البيت الصغيرة بيتها الجديد من اللحظة الأولى؛ لأنها كانت تدل فيه بمكانة الزوجة المحبوبة عند زوجها العطوف، وبمكانة البنوة الناشئة عند الأبوة الرحيمة، ومكانة ابنة الصديق العزيز التي أضفى عليها المودة والإيثار ما كان بين النبي والصديق من مودة هي أوثق وأبقى من مودة الرحم؛ لأنها مودة الوفاء والإعجاب والإيمان، أو مودة الحياة وما بعد الحياة.

وقد سجلت لنا السيدة عائشة خطرات نفسها خطرة خطرة، ووصفت لنا في بيتها الجديد كل صغيرة وكبيرة ظاهرة وخافية، ولكنها لم تذكر لنا قط كلمة واحدة تنم عن وحشة الانتقال من بيت إلى بيت، ومن معيشة إلى معيشة، ومن ظل أبوين إلى ظل رجل غريب عنها لا تعرف عنه إلا ما تعرفه عن النبي كل صبية مسلمة في سنها الباكرة؛ لأن عطف محمد هو العطف الغامر الذي لا يُلجِئ إلى عطف سواه، وقد أغنى زيدًا عن أبيه وأمه فآثر حياة الأسر مع سيده على حياة الحرية مع أبيه وأمه، فأحرى بمثل هذا العطف أن يغني الفتاة التي تأوي إليه فتلوذ منه بعطف زوج وعطف أب وعطف صديق.

وتركها على سجيتها تلعب بالعرائس في بيت زوجها كما كانت تلعب بهن في بيت أمها وأبيها، وربما جاءها صواحبها الصغار «فينقمعن — كما قالت — من رسول الله، فكان — عليه السلام — يسير بهن إليها ليلعبن معها».

وقالت جاريتها بريرة تصفها وهي في السنوات الأولى من زواجها: «ما كنت أعيب عليها شيئًا، إلا أنها كانت جارية صغيرة، أعجن العجين وآمرها أن تحفظه فتنام، فتأتي الشاة فتأكله.»

وكان — عليه السلام — يتعهدها بما يسرها، وإن عجب الصحابة الذين لا يفهمون وقار الدين كما يفهمه، ولا تتسع صدورهم لما يتسع له صدره. ودخل عليها أبوها وعندها قينتان تغنيان في يوم منى، والنبي — عليه السلام — مُضَّجع مُسجًّى في ثوبه، فصاح بها: أعند رسول الله يصنع هذا؟ … فكشف النبي عن وجهه وقال: دعهن فإنها أيام عيد.

وكان السودان يلعبون في يوم من أيام العيد بالدق والحراب، فسألها عليه السلام: تشتهين أن تنظري؟ قالت: نعم. قالت: «فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة — كنية الحبشة — حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم! قال: فاذهبي.»

وربما مر أبوها — رضي الله عنه — بالبيت فيسمع صوتها عاليًا في حضرة النبي عليه السلام، فيدخل غاضبًا يتناولها ليلطمها وينهرها قائلًا: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله. فينهض — عليه السلام — ليحجزه، ويقول لها بعد خروجه: رأيت كيف أنقذتك من الرجل؟

وفي مرة من هذه المرات خرج أبو بكر مغضبًا، ثم عاد فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما.

فقال النبي: قد فعلنا.

ولم يخف هذا العطف الذي لا نظير له بين الأزواج على السيدة عائشة، وهي ما هي في ذكائها وعلمها ببيوت الصحابة وغيرها، وازدادت به علمًا يوم شاركها الزميلات في بيت النبي، وقد شاءت الدواعي السياسية والدينية أن تتعدد زوجاته، وتتعدد صلات المصاهرات بينه وبين قبائل الجزيرة العربية، فقد عرفت مكانها وهي بين تسعٍ من الزميلات كما عرفت مكانتها وهي موشكة أن تنفرد في بيت النبوة، وكان عليه السلام يعدل بينها وبين زميلاتها فيما يملك العدل فيه. أما ميل قلبه فكان يستغفر الله فيه قائلًا: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.»

وشكرت له هذا الإيثار، وفخرت به في معارض حديثها كلما بدا لها معرض للشكر أو للتحدث بنعمة الله عليها، فقص عليها النبي يومًا قصة النسوة الإحدى عشرة اللواتي اجتمعن فتذاكرن أوصاف أزواجهن من خير وشر، وكانت الحادية عشرة منهن — وهي أم زرع — مُحِبَّة لزوجها، فوصفته بأحسن ما يوصف به الأزواج في السر والعلانية. فقالت السيدة عائشة:

بأبي وأمي، لأنت يا رسول الله خير لي من أبي زرع لأم زرع.

وهي القائلة بعد وفاة النبي في مزاياها التي اختصت بها دون أترابها:

فضلت على نساء النبي بعشر! لم ينكح بكرًا قط غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه دون غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم ينزل وهو مع غيري، وقُبِض وهو بين سحري ونحري وفي الليلة التي كان يدور عليَّ فيها ودفن في بيتي.

وكان هذا التمييز سر البيت النبوي في مبدأ أمره، ثم شاع في الجزيرة العربية حتى كان صاحب الهدية من المسلمين يؤخرها ليبعث بها إلى النبي وهو في بيت عائشة.

فوقع التغاير الذي لا محيص منه بين الزوجات، وأرسلن إليه إحداهن — أم سلمة — فأعرض عن حديثها ثلاث مرات، فلما أثقلت عليه قال لها: «لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة غير عائشة» — يريد بالثوب البيت في بعض التفسيرات، من قولهم ثاب إليه يثوب فهو في الثوب الذي لا يزال يرجع إليه.

وتوسلن بالسيدة فاطمة — رضي الله عنها — لما يعلمن من قبول أبيها لكل شفاعة تأتيه منها، فقالت له: «إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر. قال لها: يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه» — يشير إلى عائشة.

ويسيرٌ على الزميلات المتنافسات أن يدركن حب النبي لعائشة، ويلحظن أنها كانت أحبهن جميعًا إليه، وأقربهن جميعًا إلى فؤاده.

ولكن الذي لم يكن يسيرًا عليهن أن يدركنه أو يلحظنه أنها هي — رضي الله عنها — كانت أشدهن حبًّا له، ونفاذًا إلى نفسه، واتصالًا بقلبه ولبه.

فكلهن كن يحببنه، ويتنافسن على قربه، ولو كان فيه التنافس على الموت وفراق الدنيا ومن فيها. وحدثهن يومًا عمن تلحق به بعد فراقه الدنيا فقال: «أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا» … فجعلن يقسن أيديهن، وما منهن إلا من تتمنى أن تكون هي صاحبة اليد الطولى، ثم ظهر لهن أن المراد بالطول هنا طول اليد بالصدقة والعمل الصالح … فغبطن زميلتهن زينب بنت جحش؛ لأنها استحقت اللحاق به لعملها بيدها، وإكثارها من الصدقات على مستحقيها.

إلا أن الحب الذي يبدو من فطنة عائشة لسرائر النبي أعمق وأقوى، فما منهن من لصقت بنفسه كما لصقت بها، ومن نفذت إلى معانيه كما نفذت إليها، ومن عاشرته في روحه وطويته كما عاشرته بروحها وطويتها، وفي كلامها من الشواهد على ذلك ما ليس في كلامهن، على تيسر الوسائل لهن أن يعرفن مثل ما عرفت، وأن ينقلن عنه مثل ما نقلت، وليس أدل على اقتراب الحب من هذا الاقتراب الذي امتازت به عليهن؛ فكان إيثار النبي لها ضربًا من العدل على هذا الاعتبار.

لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها، وكانت تحبه حب الزوجة لزوجها والمرأة لرجلها، وكانت تعجب بجماله كما تعجب بأدبه وعظمة قدره.

وكان يسرها أن تستمع إلى صوته، وتصغي إلى ترتيل حديثه، كما يسرها أن تستوضح معناه؛ لأنه — كما كانت تقول لسائليها — لا يسرد كسردكم هذا ولكنه «يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه».

وكانت تغار عليه أشد غيرة عرفتها امرأة على زوجها، وربما خرج من عندها في ليلتها فإذا هي تتبعه إلى حيث ذهب مخافة أن يلم ببيت زميلة من زميلاتها، ووجدته في ليلة من هذه الليالي قد ذهب إلى المقابر يصلي للشهداء ويستغفر لهم، فعادت إلى بيتها تقول لنفسها: بأبي أنت وأمي، أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا! ولكنها لبثت مكروبة الصدر مما خاطرها من خاطرها الأول ومن خطأ ظنها. فلما قفل عليه السلام إليها لحظ ما بها فسألها: ما هذا النفس يا عائشة؟! فقالت: بأبي أنت وأمي، أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتمَّ أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع … وخرج مرة أخرى ثم عاد إليها فإذا هي في مثل تلك الحالة، فقال: أغرت؟ قالت: وهل مثلي لا يغار على مثلك؟ فقال: لقد جاءك شيطانك!

ولم تنسَ قط أن تتحلى بما يروقه من مرآها، فكانت تلبس المعصفر والمضرج، وتتحرى ما يعجبه من الطيب والحلية، ودخلت عليها امرأة وهي معصفرة فسألتها عن الحناء، فقالت: شجرة طيبة وماء طهور، وسألتها عن الحفاف فقالت لها: «إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي.»

•••

ومن الجائز — أو ربما كان الواقع — أن زميلاتها أمهات المؤمنين كن يغرن على النبي مثل غيرتها، ويجهدن في رضائه مثل جهدها، ولكنهن — ولا ريب — لم يبلغن شأوها في حبها إياه حين نفهم من الحب ذلك الاقتراب بين النفسين بالبداهة والشعور، وليس في أحاديثهن عنه مثل ما في أحاديثها عنه من ذلك الإحساس بالقرب وذلك النفاذ إلى الطوية، وليست المسألة هنا مسألة الكثرة أو القلة في الأحاديث، فربما كان تعليل الكثرة في أحاديث عائشة عن النبي أنه كان — عليه السلام — أكثر تحدثًا إليها وارتياحًا إلى مجالستها ومسامرتها، ولكنها مسألة الرفق في الأداء والخبرة بالمعنى والقدرة على الاستيحاء والشعور الباطن بقلة الحواجز بين النفسين واتصال الحس بينهما واللقانة.

ومن البديه أنها لم تبلغ هذه المنزلة في حب النبي وفهمه طفرة واحدة، ولا في سنة واحدة أو سنتين، بل لبثت السنوات الأولى من عشرتها له وهي تقترب من الأنس به إلى المعرفة بنفسه وعقله والترقي إلى عظمته ونبله … حتى أدركت ما يتاح لها أن تدرك من تلك العظمة التي تعلو على هامتها وهامات الرجال من حولها، ولكنها هي — ببداهة المرأة وبداهة الحب الأنثوي — كانت تستقرب ما يبعد على غيرها، وتستعيض ما يفوتها من الفهم الواضح بما يفوتهم من اللقانة الباطنية والوعي المستسر في الأخلاد.

ومضت السنوات الأولى في عشرة النبي وهي تفقه من أحاديثه ما تيسر لها أن تفقه، ولا تقرأ كثيرًا من القرآن، أو كما قالت في حديث الإفك: كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن … والتمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.

وقد أمهلها النبي في هذه السنوات رفقًا بها وإعدادًا لفهمها وعزمها، ولكنه لم يفتأ رويدًا رويدًا يشركها في العبء الذي ينبغي أن تنهض به زوجة النبي وأم المؤمنين، وسفيرته الأولى إلى عالم النساء في عصره وفيما يليه من العصور.

فكانت تحضره إذا بايع النساء أو صلى بهن أو جلسن إليه يسألنه في أمور الدين وآداب الزوجية، ويتفق كثيرًا أن يعرض عن الجواب حياءً فيوكلها بالتفسير والإسهاب حيث يعز الفهم على سائلاته اللواتي يستقصين في السؤال.

سألته أسماء بنت شكل من نساء الأنصار، كيف تكون الطهارة من المحيض؟ فقال لها: «خذي فرضة ممسكة فتوضئ ثلاثًا» أو قال تطهري ثلاثًا … فقالت: وكيف أتطهر؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، وأعرض بوجهه حياء، فاجتذبتها السيدة عائشة وكفتها عن سؤاله.

وما زالت — رضي الله عنها — تعي من سنن النبي في المسائل النسائية وغير النسائية حتى احتاج الرجال أن يسألوها، ويرجعوا إليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شئون عامة وخاصة، ومن أعم المسائل التي روجعت فيها أن معاوية كتب إليها لتوصيه وترشده فأرسلت إليه تقول: سلام عليك، أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله يقول: «من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مَئُونة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس».

فلم يكن أعجب من سؤال معاوية في تعميمه إلا حسن الاختيار في هذا الجواب، وهو ألزم ما يزود به الملوك من وصية وإرشاد.

وقد نهضت السيدة عائشة بأمانة التبليغ والتعليم أحسن نهوض وأوفاه، فتورعت عن كتمان شيء من الأشياء التي تُسأل عنها ولها اتصال بقواعد الدين وأصول التطهير وشروط العبادات ونواقض الصلاة والصيام، فأسلوبها في تبليغ هذه الأحكام هو أسلوب التعليم، وأسلوب أم المؤمنين في خطاب بناتها وبنيها من المسترشدات والمسترشدين، ولم يكن في مقدورها أن تتوخى أسلوبًا غير هذا الأسلوب ولو عرضت لأخص الأمور التي تسكت عنها النساء؛ لأنها المرجع الذي لا يغني عنه مرجع في سنن النبي ومأثوراته وأعماله، فمن الإخلال بالأمانة النبوية أن تسكت عن سنة مطلوبة يُعرِّضها السكوت للضياع.

ولقد تكون هذه السيدة الفضلى التي أفصحت عن كل فتوى نسوية سئلت عنها وهي ما تأذن لعمها في الرضاع أن يراها إلا بعد مراجعة النبي عليه السلام، فأسلوبها في تفصيل السنن النبوية والقواعد الشرعية إنما كان فريضة الأمانة وضريبة الوفاء، ولم يكن شيمة الطبع واللسان.

•••

ودامت هذه الحياة الزوجية النادرة زهاء تسع سنين إلى أن توفي النبي عليه السلام.

ومن الحق أن توصف بأنها حياة زوجية سعيدة؛ لأننا لا نعرف بين أزواج الهداة والعظماء من ظفرت بأسعد منها أو كانت أرضى من السيدة عائشة عن حياتها.

ففي طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة قط بكدر أو مساءة تعود فيها التبعة على أحد من الزوجين.

وأخطر ما ألمَّ بهذه الحياة الزوجية في السنين التسع كلها حديث الإفك، وغضب النبي من زوجاته جميعًا لتنازعهن في فترة من الزمن، وإلحافهن عليه في طلب المزيد من النفقة والزينة.

فأما حديث الإفك فلا يد للزوجين فيه، وقد امتُحِنَت به أريحية النبي وعطفه على أهله؛ فأسفر عن خير ما تطمح إليه الزوجة من حنو وسماحة وإعزاز.

وأما غضب النبي من زوجاته لتنازعهن وإلحافهن في طلب النفقة، فعارض مضى مرة، ومضى أمثاله عشرات المرات في كل حياة زوجية بين جميع طبقات الناس، وكان خير درس لأمهات المؤمنين يعلمهن أن يصبرن على ضرورات العيش كما يصبر النبي عليها؛ لأنهن قدوة في القناعة ومغالبة الهوى ولسن بقدوة في الترف ونعمة العيش، وقد خُيِّرنَ بعد هذا الدرس بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، وهو الصبر على سنة الأنبياء وأمهات المؤمنين.

ومما لا شك فيه أن السيدة عائشة قد خامرها الأسى في هذه الحياة الزوجية لشيء لا حيلة لها ولا للنبي فيه، وهو الحرمان من الذرية التي كانت تتوق إليها كما تتوق كل أنثى، ولا سيما بعدما علمت من حب النبي لزوجته الأولى، ووفائه لعهدها، وترديده لذكراها؛ لأن له البنين والبنات منها.

وظهر ألمها هذا حين قالت للنبي وهي حزينة كاسفة: كل صواحبي لهن كنى! … قال فاكتني بابنك عبد الله! يشير إلى عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء. فجعلت تكتني به وتحبه ذلك الحب الأموي الذي يستمد القوة من الحنو والشوق والحرمان.

واتفقت الأقوال على أنها — رضي الله عنها — لم تحمل قط إلا رواية جاء فيها أنها أسقطت ولدًا سماه النبي عبد الله، فكانت لهذا تكنى بأم عبد الله.

وراقها أن تدعى أم المؤمنين، وأن يناديها الناس يا أمه يا أمه! فكان في هذا النداء تعزية كما كان فيه تشويق وتذكير.

والمرأة لا يهون عليها فقد الذرية ولا سيما إذا أحبت الزوج الذي تود أن ترزق منه الذرية، ولكنها إذا التمست التهوين فلن تجد تهوينًا أبر بها وأروح لقلبها من شعورها بعطف زوجها عليها، وأنها بلغت من ذلك العطف ما لا تزيده الذرية التي تتمناها.

•••

قلنا في كتابنا عبقرية محمد: «لسنا ندري لِمَ طالت الفترة التي مضت على أزواج النبي جميعًا بغير عقب، ولكنا لا نستبعد تعليلها باجتماع المصادفات التي لا يندر أن تجتمع في أمثال هذه الأحوال، فعائشة البكر التي لم يتزوج النبي بكرًا غيرها قد مات عنها عليه السلام وهي دون العشرين، وهي سن قد تبلغها المرأة ولا تلد، وإن كانت ولودًا فيما بعدها. أما أزواجه الأخريات اللاتي تزوجن قبله فلا نعلم من أخبارهن أنهن أعقبن لأزواجهن الأولين خلفًا غير رملة أم حبيبة وهند بنت أمية المخزومية، وهذه كانت مسنة يوم بنى بها النبي عليه السلام، وفي عمر لا يستغرب فيه امتناع الولادة، فكلهن ما عدا هاتين لم يلدن للنبي ولا لزوج قبله. واجتماع هذه المصادفة ليس بالعجيبة المعضلة التي يصعب تعليلها إذا تذكرنا أن النبي قد توخى في اختيارهن تلك الأغراض العامة التي أجملناها في الفصل السابق، ولم يتحر منها النسل خاصة: وهي الإيواء الشريف والمصاهرة، وبعضهن — بل معظمهن — قد لقين من الشدائد والمخاوف وعناء الهجرة البعيدة ما يعقم الولود، فإذا أضفنا إلى ذلك معيشة الكفاف وضريبة العظمة النبوية التي أشرنا إليها على سبيل الاحتمال، واشتغال النبي فيما بين الخمسين والستين بتعزيز الدين وقمع الفتن ودرء الأخطار، لم يكن فهم تلك الظاهرة الحيوية بالأمر العصي على التعليل.»

وفي صدد الكلام عن عائشة في كتاب خاص بها يدعونا سياق التحليل والتعليل إلى مراجعة البحث والعلم في ظواهر حياتها البيتية، إن كان للعلم كلمة تقال في هذا الموضوع.

فليس من الغريب أن يتأخر حمل المرأة إلى ما بعد العشرين ثم تلد مرات، وقد كان من المحتمل — بل الراجح — أن السيدة عائشة تجاوزت العشرين حين وفاة النبي عليه السلام.

وإذا كان تأخر الحمل إلى ما بعد العشرين لا يطَّرد لزامًا في أحوال النساء فهو من العوارض التي تشاهد ولا تستغرب إذا اتفق لها سبب يرجع في تعليله إلى العلم والمشاهدة.

والعوارض التي نستطيع أن نهتدي إليها في تاريخ السيدة عائشة هي أنها قد أصيبت فيما دون العاشرة بحمى مزقت شعرها كما ذكرت هي في بعض أحاديثها، وأنها كانت توعك من حين إلى حين، كما يفهم من قولها في حديث الإفك: «واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك … ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي … فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي …» وقد علمنا من حديث الإفك أنها إذا فوجئت بخبر محزن أو مغضب تصاب بحمى نافض كما يصاب الذين تعاودهم حمى البرداء في هذه الحالات.

والأطباء الذين سألتهم عن هذه الحمى التي تسقط الشعر وتتجدد لها معاودة تنهك الجسم رجَّحوا أنها البرداء (الملاريا) أو التيفويد، والأولى أرجح؛ لأنها كانت فاشية بأعراضها المعروفة بين أهل المدينة في أيام الهجرة.

قالت السيدة عائشة: «لما قدم رسول الله المدينة، وهي أوبأ أرض الله، أصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه وأصابت أبا بكر وبلالًا وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول الله في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي. فدخلت عليهم وهم في بيت واحد، فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال:

كُلُّ امْرِئ مُصبحٌ فِي أهلِهِ
والمَوتُ أدنَى مِن شِرَاكِ نَعلِهِ

فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لَقَدْ وَجدتُ المَوتَ قَبلَ ذَوقِه
إِنَّ الجَبانَ حَتفُهُ مِن فَوقِه
كُلُّ امرِئ مُجاهِدٌ بَطَوقِه
كَالثَّورِ يَحمِي أَنفَه بِروقِه

قلت: والله ما يدري عامر ما يقول.

وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:

أَلَا لَيتَ شِعرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً
بِوادٍ وَحَولِي إِذخَرٌ وَجَليلُ١
وَهَلْ أَرِدَنْ يَومًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ
وَهَلْ يَدنُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطفِيلُ٢

قالت عائشة: فجئت رسول الله فأخبرته، فقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حُمَّاها فاجعلها بالجحفة» وهي في الطريق من مكة إلى المدينة.

فإذا كانت حمى البرداء قد أصابت السيدة عائشة فيما دون العاشرة وظلت عقابيلها تعاودها، فأيسر ما يقال هنا إننا حيال عارض ذي بال يلتفت إليه في تعليل ما أسلفناه.

وسألت أفاضل الأطباء في ذلك، فقالوا: إن هذه الحمى لا تعطل الحمل ضرورة، ولكنها قد تعطله من طريق إضعاف الجسم كله حتى يتغلب على عقابيلها.

قلت: وإذا أضيفت إليها معيشة الكفاف؟

وإنما سألتهم هذا السؤال؛ لأن المتواتر عن معيشة النبي — عليه السلام — في بيته أنه كان لا يشبع من خبز البر أو الشعير ثلاث ليال متواليات، وأنه لم يشبع من خبز وزيت مرتين في يوم واحد، وأنه هو وأهله كانوا لا يصيبون من المطاعم إلا بمقدار ما يدفع الجوع.

فكان من جواب الأطباء: أن عقابيل الحمى وقلة الغذاء من الأسباب التي لا يعدوها النظر في بحث هذا الموضوع، فإذا صحت مع هذا رواية السقط فهي دليل على أثر تركته الحمى يعترض وظيفة الحمل والولادة.

وأيًّا كانت هذه العوارض فهي كل ما لدينا من أسباب المراجعة العلمية التي تعلل لنا حرمان السيدة عائشة — رضي الله عنها — من نعمة الذرية. نلمُّ بها لأن الإلمام بها لا غنى عنه في هذا المقام.

•••

وأية كانت علة هذا العارض فالأمر الذي لا شك فيه أنه لم يكدر صفو المودة والبر بين النبي وأهله، وأنه لم يمنع هذه الحياة الزوجية أن تكون قدوة للمقتدين في العطف وأدب المعاشرة، وكانت هي العروة الوثقى كما وصفها النبي عليه السلام. فإذا سألته السيدة عائشة بين الفينة والفينة مدلة بمكانها عنده وعطفه عليها: كيف حال العروة يا رسول الله؟ قال: على عهدها لا تتغير.

أما العلاقات البيتية التي فرضتها هذه الحياة الزوجية على السيدة عائشة — رضي الله عنها — فقد كانت على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة.

فهي وزميلاتها كن يتغايرن ويتنافسن لا محالة كما تتغاير النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه.

فقصارى ما سمعناه من فلتات الغيرة على لسان السيدة عائشة أنها كانت تقول عن السيدة خديجة: «إنها عجوز حمراء الشدقين» ثم يعاتبها النبي فتندم ولا تعود إلى مثل هذه المقالة … أو أنها عابت السيدة صفية مرة فقالت إنها قصيرة … فاستكبر النبي هذه الكلمة، وقال لها إنها لتمزج البحر إذا مُزجت به. فلم تعد إلى مثلها.

وعلى ما كان بين عائشة وزينب بنت جحش من التنافس الشديد في الجمال والزلفى سنحت لزينب سانحة تقول فيها ما تقوله الضرة المحنقة فلم ينبس فمها بكلمة باطل، وذلك إذ سألها عليه السلام في حديث الإفك فاستعاذت بالله وقالت: «أحمى سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا.»

وأحست سودة إحدى زميلاتها أمهات المؤمنين أنها أسنَّت وضعفت فتركت ليلتها لعائشة راضية، وقالت عائشة تشكرها: «ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة.»

فكل ما روي لنا من تغاير زوجات النبي إن ذكرنا أنهن نساء من طينة الأنوثة الخالدة فلن ينسينا أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل بهن في كنفه ورعايته، وإن تسع أخوات شقيقات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي في عشرتهن الطويلة.

•••

أما قرابة النبي فأعزها قدرًا عنده قرابة السيدة فاطمة وزوجها وبنيها.

وكانت الصلة بين السيدة عائشة وبينهم جميعًا على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل صلة من قبيلها.

فالسيدة فاطمة كانت أحب الناس إليه عليه السلام، كما هو العهد بأبوته الشريفة التي تشمل الناس جميعًا بالحنان والمودة فضلًا عن بناته وبنيه، وسئل — كما قالت عائشة مرة: من أحب الناس إليك؟ فقال: فاطمة! ثم سئل: ومن الرجال؟ فقال زوجها.

وفاطمة بعدُ أم السبطين اللذين كان عليه السلام يلاعبهما ويلاطفهما ويوصي بهما ويسميهما ولديه وهو مشوق إلى إنجاب الأبناء، وهي كذلك بنت خديجة التي نفست عليها عائشة قديم مكانتها وطويل وفاء النبي لذكراها.

فالسيدة فاطمة والسيدة عائشة شريكتان في قلب واحد تتنافسان عليه، ولكنها شركة بين كريمتين.

ومن أثر هذه المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبي ليعدل بينهن وبين عائشة، فقبلت الوفادة.

وربما خطر للسيدة عائشة أن عليًّا — رضي الله عنه — قد تأثر بهذه المنافسة يوم سأل النبي في حديث الإفك فقال: «… لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير.»

ومن الصدق للتاريخ وللطبع الإنساني أن نلاحظ هذه الأمور؛ لأن الطبع الإنساني لن يدع حقوقه على أبنائه، ولن يكون الإنسان من لحم ودم إلا إذا كان فيه للحم والدم نوازعهما التي لا فكاك منها، وإن راضها أدب النبوة ونبل العشيرة، فثابت إلى أكرومة تجمل بالكرامة.

فالصلة بين عائشة وقرابة النبي قد كانت صلة الأدب والتجمل والمجاملة، ولكنها كانت في مجال لا يغيب فيه التنافس على العطف والإعزاز.

والمثل هنا أيضًا قدوة المقتدين في الأسر العليا التي عرفها التاريخ، سواء منهم من أخذ بأدب الدين أو بأدب الدنيا.

وهي على الجملة «حياة زوجية» سعيدة نزلت منها السيدة عائشة منزلة الزوجة المدللة في طوال أيامها، ثم منزلة الشريكة المعينة في عبء التبليغ والرسالة، وبلغت من الثقة بها في المعونة حمادى ما تبلغه شريكة حياة؛ فحفظت من تعليم النبي ما لم يحفظه أحد، وحفظ عندها النبي أغلى الودائع من بعده: صحف الكتاب وسنته المشروعة لتابعيه.

١  نباتان في وادي مكة، أحدهما — وهو الإذخر — طيب الرائحة، والآخر الثمام.
٢  جبلان بمكة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١