الفصل الثالث عشر

موت شجرة الدر وعز الدين

وقع لفظ السلطنة على قلب ركن الدين أجمل وقع؛ لأنه أقصى ما يتمناه، فخفَّ غيظه ومال إلى استطلاع حقيقة ما تقوله سلافة، وظل ساكتًا وهي ترعاه بنظرها، فلما رأت سكوته أمسكت بيده ومشت إلى شرفة في تلك الغرفة تطل على دجلة، وأومأت إليه أن يقعد على وسادة هناك، وقعدت هي بجانبه والماء يجري بين أيديهما، وركن الدين لا يرى شيئًا لعظم ما جاش في خاطره، فقعد قعود المتحفز، وأدركت هي أنه يطلب تفصيل ما ذكرَتْه.

فقالت: «أظنك تحب أن تطَّلع على تفاصيل خبر سلطنة مصر وما فعلتُه في سبيل إعدادها لركن الدين؟ آه لو تشعر يا قاسي القلب بعِظَم حبي! ولكنك ستشعر متَى علمتَ بما ارتكبتُه من الأمور العظام في سبيل مرضاتكَ.»

وتنحنحت ووضعت ضفيرة الشعر إلى جانبها استعدادًا للحديث ثم قالت: «فارقتَ القاهرة وأنت تعتقد أن الملك الأشرف سلطان عليها وعز الدين أيبك وصي عليه.»

فهز رأسه أن «نعم».

فضحكت وقالت: «ذهب هؤلاء جميعًا وذهبت شجرة الدر معهم.»

قال: «إلى أين؟» قالت: «إلى الموت.» فأجفل وقال: «كيف ماتوا؟ إنك تكذبين.» قالت: «سامحك الله على هذه التهمة، أنا لا أكذب، إلا إذا كان ذلك في سبيل مرضاتك. نعم قد ارتكبتُ في هذا السبيل أفظع من الكذب، ارتكبت القتل والخيانة في سبيل ركن الدين، وهو ما زال يضن عليَّ بكلمة أو لفتة.» قالت ذلك وغصت بِريقها وتلألأ الدمع في عينيها، فتأثر ركن الدين من منظرها لكنه تجلد ليسمع تتمة الحديث.

فقالت: «إنك تركت عز الدين وصيًّا على الملك الأشرف، وقد رضي بذلك، وشجرة الدر ساكتة قانعة بالسلامة، ولو بقي الحال على ذلك لم يبقَ لركن الدين سبيل إلى نيل السلطة. وهبْ أنه نالها، فهو لا يكون سلطانًا، بل وصيًّا، والسلطان من بني أيوب، وأنا أريد أن يكون ركن الدين سلطانًا كما وعدته، أتدري ماذا فعلتُ؟»

فتطاول لسماع الحديث فقالت: «أظنك تعلم منزلتي عند عز الدين ومقدار انصياعه إلي لأني كنت السبب في نيله ذلك المنصب بعد خلع شجرة الدر. أنا خلعت شجرة الدر ونصبت عز الدين، وأنا جعلت القوم يختارون سلطانًا أيوبيًّا، ففعلوا وصار عز الدين وصيًّا. فعلتُ ذلك تمهيدًا لك يا قاسي القلب، وقد ذكرت لك عملي هذا ونحن في القاهرة فلم تعبأ بقولي، وأوشكت أن أنقلب عليك وأنتقم منك، لكن قلبي لم يطاوعني، فظلَلْتُ على حسن ظني بك، والقيام على خدمتك، فأغريت عز الدين بالملك الأشرف فألقاه في سجن مظلم سيموت فيه قريبًا إن لم يكن قد مات. وقبض عز الدين على السلطنة بيده ولم ينازعه أحد في ذلك، بقي عليَّ أن أتخلص من عز الدين ليخلو الجو لركن الدين ويكون هو السلطان، وأنا أعلم أن لعز الدين أعوانًا أشداء ولا يسهل قتله، فأغريت به شجرة الدر، وكان قد تزوج بها، فدسست بواسطة بعض الجواري مَن أبلغ شجرة الدر أن عز الدين لا يحبها، وأنه عازم على التزوج بابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وشغلتُ عز الدين عن زيارتها مدة، فتحققت تلك الإشاعة، وأنت تعلم غلظ قلب هذه المرأة، فاشتدت غيرتها حتَّى أغرت بعض الخدم وأوصتهم إذا دخل عز الدين الحمام أن يقتلوه خنقًا، فقتلوه وقالوا إنه أغمي عليه في الحمام فأخرجوه وشاع أنه مات مصروعًا.»

فصاح ركن الدين: «مات عز الدين؟!» قالت: «مات وماتت أيضًا شجرة الدر.»

فقال: «وشجرة الدر أيضًا ماتت؟! وكيف ذلك؟» قال ذلك وقد غلبته الدهشة.

قالت: «لما توفي عز الدين بايع القوم ابنه نور الدين علي، وكنت قد ربيته، وهو يصغي لقولي، فلما تولى أنبأته أن شجرة الدر هي التي قتلت أباه، وحرضتُه على الانتقام له، فأوعز إلى نساء بيته فأماتوها ضربًا بالقباقيب على رأسها، وطرحوا جثتها في خندق القلعة فأكلت الكلاب نصفها ودفن النصف الباقي في مقابر السيدة نفيسة.»

فبغت ركن الدين لذلك الحديث وقال: «أكنتِ أنت السبب في ذلك كله؟!»

قالت: «نعم، أنا السبب في ذلك، وقد ارتكبتُ هذه الأمور في سبيل مرضاتك، فأنت إذا نزلت مصر الآن لا تجد من يقاومك، وهذا نور الدين علي في قبضة يدي، إذا شئت قتلته أيضًا، فتكون أنت سلطان مصر.»

فأدهشته تلك الفظاعة والقسوة من امرأة، وخُيِّل له أنه قبض على السلطة بيده، فاختلج قلبه في صدره، وأطرق لحظة يفكر، فوقع نظره على خصلة الشعر بجانب سلافة، فعادت صورة شوكار إلى ذهنه، وتذكر أن شجرة الدر كانت السبب في خطبتها، وأن هذه المرأة الخائنة اعترفت بأنها كانت سبب قتل كثيرين، ورجح لديه أنها قتلت شوكار أيضًا. وما يمنعها أن تقتله إذا خامرها شك في صداقته ويئست منه؟ فتحير في أمره معها. فلما رأته ساكتًا قالت: «أرأيتَ ماذا ارتكبتُ في سبيل حبك يا قاسي القلب؟ وأنت تحاسبني الآن على جارية تستطيع أن تبتاع أحسن منها بمائة دينار؟ دع عنك الجفاء، ولننسَ الماضي ونذهب إلى مصر لتتم سعادتك، وهذه أموالي بين يديك.»

فمر بخاطره أنه إذا أطاعها صار سلطانًا ونال البغية التي طالما شغلت باله وتمناها قلبه، لكنه ما لبث أن أنكر ذلك على نفسه وتصور شوكار وما أصابها بسببه، فنهض على رغم إرادته فنهضت سلافة معه وهي تحسبه اقتنع بأقوالها، فمد يده إلى خصلة الشعر وتناولها، وجعل يتفرس فيها، فقالت سلافة وهي تداعبه: «أظنك تأسف على صاحبة هذا الشعر، ولكن ما لك وله وهذا شعر امرأة حية تخاطبك وتتمنى رضاك؟» وأشارت إلى خصلة من شعرها مرسلة على كتفها.

فقال: «وشوكار؟ هل ماتت؟» فقهقهت وقالت: «ألم أقل لك إنها ماتت؟» قال: «قلتِ ذلك نقلًا عن الملاحين وقد يكذبون.»

قالت: «بل هم صادقون، ولماذا يكذبون؟» قال: «قد يكون لهم غرض.»

فنظرت إليه نظرة هيام وقد احمرت عيناها من فرط ما جاش في خاطرها من أمره، ثم قالت: «لقد أحرجتني يا ركن الدين لأؤكد لك موت هذه الجارية. إنها ماتت، وأنا دبرت قتلها، وقد فعلت ذلك أيضًا في سبيل الحصول عليك لئلا يكون وجودها حائلًا بيني وبينك، وهي تتمة الفظائع التي ارتكبتها لأجلك.»

فلما سمع إقرارها لم يعد يستطيع التجلد والإغضاء، ونظر إلى ما حوله فلم يجد من يخشى بأسه، ولاحت منه التفاته فرأى عابدًا في الحديقة يشير إليه بيده أن يقتلها، فقال في نفسه: «لِأمرٍ ما يلحُّ على هذا الغلام بقتلها.» فاستل خنجره وطعنها في قلبها طعنتين، فسقطت على الأرض لا تبدي حراكًا، وأغمد خنجره وأخذ صرة الشعر بيده وتحول إلى الباب، ولم يجد في البيت أحدًا يعترضه.

•••

ما كاد ركن الدين يجتاز الباب حتَّى استقبله عابد والفرس معه، وأومأ إليه أن يركب وهو يقول: «لا شلت يمنيك! قد انتقمتَ لسيدتي شوكار، اركب يا سيدي وهلم بنا.»

فركب وخرج من الحديقة، وإذا هي خالية ليس فيها أحد من الناس، فلما صار خارجها قال لعابد: «لماذا تعجلتَ قتلها؟»

قال: «لأني تيقنت من بعض الخدم أنها هي التي تعمدت قتل سيدتي شوكار، فأغريتُ من كان هنا من الخدم بالذهاب إلى باب كلواذي لمشاهدة الخليفة قادمًا إلى الفسطاط الذي نصبوه له، فمضوا وخفتُ أن تقنعك تلك الخبيثة بأنها بريئة فتؤجل قتلها.»

فقال: «بورك فيك من صادق أمين. لقد اعترفتْ بأنها قتلتها، واعترفت بفظاعتها، ولكن كيف عرفتَ أنت أنها تعمدت قتلها؟»

قال: «اغتنمت انفرادي ببعض خدمها وتحدثت في شئون عديدة وقصصت عليهم فظائع زعمتُ أني ارتكبتها بإيعاز مولاي بين قتل ونهب وإغراق. وكنت أقول هذا مفتخرًا، فتحركت غيره أحدهم وقصَّ عليَّ كيف كلفته سلافة مع رفيق له أن يأتيا بشوكار من قصر التاج إلى هذا القصر، وأنها أوعزت إليه سرًّا أن يجعل المسير ليلًا، وأن يغتنم فرصة يحتال فيها لإلقاء الفتاة في دجلة، وقال إنه لم يستطع ذلك إلا قبيل وصوله إلى قصرها؛ لأن قاربًا آخر كان في أكثر الطريق قريبًا من قاربهم لا يعرفون مَن فيه. فقص شعرها بخفة ورماها في دجلة، وذهب بالشعر إلى سيدته شهادة على إمضاء أمرها. فسألتُه: هل رآها غرقت؟ فقال إنه لم يقدر أن يراها لشدة الظلام، لكنه لا يرتاب في أنها ماتت.»

فاطمأن ركن الدين عند سماع هذا الحديث؛ لأنه رأى سلافة تستحق القتل، وقال في نفسه: «ألا يمكن أن تكون شوكار قد نجت بقضاء الله؟» ولم يذكر ذلك أمام عابد، لكنه استحثه إلى سجن الإمام أحمد بن الظاهر.

فساق فرسه، وقد أوشكت الشمس أن تغيب، وإذا بجند هولاكو يركضون من جهة برج العجمي نحو باب كلواذي والناس يفرون من بين أيديهم، فتحول عابد بالفرس إلى الطريق المؤدي إلى سجن الأمير أحمد، وركن الدين يفكر في سلافة من جهة، وفي مصير الخليفة وأهله من جهة أخرى، فأراد أن يلقي نظرة إلى بغداد في نور الشفق عند الغروب، فصعد إلى مرتفع يطل على باب كلواذي وما يجاوره إلى برج العجمي، فرأى التتر زاحفين نحو المدينة، وتحولت شرذمة منهم نحو قصر سلافة وتسلقوا أسواره، فالتفت عابد إلى ركن الدين وقال، هل ترى يا سيدي؟» وأشار بيده إلى القصر.

فقال: «أرى القوم هاجمين يريدون النهب، ولا أظنهم يجدون من يردهم. سيجدون سلافة مضرجة بدمها، وأظنهم يشتركون مع خدمها في النهب والقتل، تلك آخرة القوم الظالمين. كم كنت أحب أن أطَّلع على ما يجري في بغداد غدًا! هيا بنا إلى الإمام أحمد.»

وقبل الوصول إلى قصره رأوا الحرس وقوفًا بالباب، فتقدم عابد وسأل عن الإمام أحمد هل هو هناك، فأجابه الحارس: «نعم لكنه في شغل شاغل.»

قال: «بماذا؟» قال: «جاءه زائر منذ حين.» قال: «استأذِن لنا في الدخول عليه.» قال: «لا أظنه يأذن لأحد لأنَّ أمير المؤمنين يمنع الناس عن مخاطبته.»

قال: «نحن غرباء، وقد أمسى علينا المساء قبل دخول المدينة ونطلب المبيت إلى الغد.»

فقال: «لا بد من الاستئذان، فماذا أقول له؟»

قال: «قل له إننا من مصر نطلب الراحة الليلة.»

فذهب الحاجب وطال غيابه، وركن الدين لا يزال على جواده، وعابد واقف، وبعد برهة سمعَا وقْع أقدام الحاجب، ثم وصل ومعه رجل آخر تقدم وتفرس في ركن الدين وصاح: «الأمير ركن الدين تفضل يا مولاي.»

فعرف ركن الدين من صوته أنه سحبان، فترجل ودخل معه إلى دهليزٍ نوره ضعيف لا يسمع فيه صوت، وقد استولى الهدوء على المكان كأنه مقر الأموات، فتهيب ركن الدين وتوقع أن يبادئه سحبان بالكلام، فلما رآه ساكتًا قال له: «أنت هنا من زمن بعيد؟» قال: «منذ ساعة.» قال: «وهل الإمام أحمد هنا؟» قال: «نعم.» قال: «أين هو؟»

قال: «يلبس ثيابه للخروج مع الخليفة وأهله إلى الفسطاط لمقابلة هولاكو كما تم الاتفاق في هذا الصباح.»

قال: «ومن أشار عليه بذلك؟»

قال: «جاءه الأمر من الخليفة كما جاء لجميع الأمراء العباسيين.»

قال: «وهل وافقتَ على أن يذهب معهم؟»

قال: «لماذا أمنعه؟ دعه يذهب.»

وبان الغدر في عينيه، فتذكر ركن الدين مطامع سحبان في إرجاع الخلافة إلى الفاطميين، وأنه ينوي قطع دابر العباسيين من الأرض؛ حتَّى إذا لم يجد المسلمون خليفة يبايعونه، هان عليهم مبايعة الخلفاء الفاطميين فتعود دولتهم. ولكن هذا يخالف مطامع ركن الدين، فرأى من الحزم أن يحول دون خروج ذلك الأمير من قصره في تلك الليلة، فاستوقف سحبان وقال له: «لا ينبغي لنا يا سحبان أن نسوق هذا الأمير إلى القتل.»

قال: «إنهم لم يدعوه للقتل، ولكن لمقابلة هولاكو مع سائر بني العباس للكفِّ عن الحرب.»

فضحك ركن الدين وأمسك بكتف سحبان وهزه وقال: «تقول ذلك لي، وقد سمعنا خبر الاتفاق معًا؟ دع الرجل حيًّا.»

قال: «وهل يهمك بقاؤه؟»

قال: «هب أن بقاءه لا يهمني، فلا ينبغي أن يهمك أنت قتله، دعه، أين هو الآن؟»

قال وقد تلعثم وارتبك: «أظنه خرج.»

قال: «لا يمكن أن يكون قد خرج، ينبغي أن تحضره توًّا الساعة.» قال ذلك وبان الغضب في عينيه.

فخاف سحبان غضبه وعمد إلى الملاينة وقال: «أراك قد غضبت يا ركن الدين ولا موجب للغضب، إذا كان الإمام أحمد هنا فهو يُسَرُّ بلقياك.» وأظهر الاهتمام ومشى إلى باب غرفة الأمير وقرعه وركن الدين واقف، فسمع الإمام يقول: «أوشكت أن أنتهي من وضع ردائي.»

فقال سحبان «هنا أحد الضيوف يرغب في لقاء مولاي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠