كليوباترة

صورة تمثال لها في متحف الفن الحديث بروما.

كليوباترة اسم ساحر خلع عليه التاريخ وخلعت عليه الأساطير من ألوان الفتنة بهاء باهرًا تضاءلت إلى جانبه أسماء الزهرة وأفروديت وسميراميس وسائر آلهة الجمال، وهاتاسو ونيفرت وسائر الملكات، بل تضاءلت إلى جانبه أسماء الملوك، والشعراء، والكتاب؛ فهي ليست جميلة وكفى، وليست مليكة وكفى، وليست ساحرة الحديث وكفى، وليست ذكية وكفى، وليست أديبة وكفى، بل هي ذلك كله وهي أكثر من ذلك كله، هي الفتنة والسحر والذكاء والأدب والنشاط وقوة الإرادة في أسمى ما تصوره معاني هذه العبارات، وهي مع ذلك آخر البطالسة الذين حكموا مصر عصورًا طويلة كانت مصر فيها مهبط وحي الحكمة والشعر والجمال؛ لذلك لم يفُت مؤرخ ولا قصاص ولا شاعر أن يتحدث عن كليوباترة وأن يتغنى بحياتها، وأن يصور هذه الحياة على النحو الذي يجب أن تكون؛ ولذلك كان ما أريق من مداد وما سُوِّد من صحف في الكلام عن هذه الملكة أكثر من مثله مما يمكن لأية إلهة أو ملكة أخرى أن تفخر به.

وكان حظ كليوباترة أن ولدت بالإسكندرية في عصر بلغ فيه نجم روما غاية سموه، وبدأت مصر فيه دور الترف الذي يسبق الانحلال، وكانت الإسكندرية في ذلك الحين عاصمة الدنيا ومستقر كل ما في الحياة من متاع ونعمة، فكان الناس يتكلمون فيها كل اللغات المعروفة، كما كانت الفلسفة فيها ناضرة مستقرة بكل نظرياتها المتضاربة استقرار جوار حسن ليس فيه شيء من الكفاح أو القسوة، فإلى جانب الأبيقورية الناظرة للحياة نظرة سرور بها وحرص عليها واستمتاع بكل ما فيها، المبتسمة سخرًا منها وازدراء لها وإشفاقًا على أهلها، كان الرواقيون ينادون بالزهد في الحياة والأخذ بأسباب التقشف واحتقار عرض الدنيا الزائل، وبلغ بعضهم من ذلك حد الدعوة إلى تعذيب الجسد لطهارة الروح، وإلى جانب مكتبة الإسكندرية العامرة الحاوية ثمانمائة ألف مجلد فيها ما شئت من ألوان الحكمة والعلم والتفكير والفن، كانت تقوم المراقص والملاهي، يهرع الناس إليها لينسوا أنفسهم في لهوها ولينهمكوا في ملذاتها وليمتعوا أبصارهم بجمال ساحراتها الراقصات والمغنيات.

وكانت هذه الحياة المتفجرة بينابيع الحكمة واللهو جميعًا تموج في محيط بلغ كمال العمارة التي قامت خلال ثلاثمائة سنة كانت منذ أنشأ الإسكندر الأكبر المدينة عام ثلاثين وثلاثمائة قبل الميلاد سني نشاط وعظمة لمصر وفلسفتها وعمارتها، فقد اتصل ما بين هذا الثغر البديع الموقع في امتداده على شاطئ بحر الروم وجزيرة فاروس القائمة وسط البحر ترقب غدواته وروحاته بجسر هفتا البالغ غاية العظمة والجمال، والذي انتهى بالجزيرة إلى أن أصبحت جزءًا من المدينة، واتصل بالنيل بقناة كانوب (ترعة المحمودية الحاضرة) التي لم تكن مجرد مجرى للماء والتجارة، بل كانت كذلك مجرى للمسرة والنعيم بما أحاط بها على مدى طولها من حدائق وأعناب ونخيل قامت في أثنائها منازل اللهو ودور المتاع تحيط بها جنات فيحاء جمعت كل أسباب النعمة من زهر عطر وفاكهة نضرة، فأما أهل هذه المدينة فكانوا أهل ذكاء وظرف، وكانوا حريصين على المتاع بكل ما في حياة مدينتهم الزاهرة متاعًا عريضًا، يتهالكون في ذلك على اللهو وعلى المسرة في مختلف صورهما وألوانهما، فكما كانت فراعنتها تفتن في الترف بما يعجز خيال كل مترف في عصرنا الحاضر، كان الشعب — رجالًا ونساء — منغمسًا في حمأة اللذائذ الدنيا مسلمًا نفسه إليها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لكنهم كانوا مع ذلك أميل للاستخفاف بالحياة وما فيها ولو بلغوا من الحياة أعظم مكان، وأي استخفاف أشد من استخفافهم بالفراعنة الآلهة حتى لقد دعوا جد كليوباترة البطين ودعوا أباها بطليموس أوليتا أي العازف بالناي.

وكانت كليوباترة شديدة الولع منذ صباها بالتجول في أنحاء الإسكندرية والوقوف على كل ما في هذا العالم العامر بكل ما في العالم من حياة وحضارة، وفي تجوالها هذا عرفت وتعلمت كثيرًا، عرفت كل ما وقعت عليه عيناها الواسعتان الجذاب دعجهما الساحر، وكل ما أحاط به ذهنها الحاد، وتعلمت اللغات والآداب وطرائق التعبير العزيزة على مدرسة الإسكندرية يومئذٍ، والتي تمتاز بالتورية والرقة والقوة، وكان لها بالكتب ولع وغرام ليس مثلهما ولع ولا غرام، وكانت أميل للشعر وأشد لذلك تفضيلًا للأوديسي على التوراة وعلى كثير من كتب الحكمة.

وفي هذا الصبا الناعم عرفت وارثة عرش بطليموس الثاني عشر من ألوان الترف وتذوقت من صوره ما لم يعرفه ولم يتذوقه غيرها ممن لم يؤتَ ذكاءها ولا علمها باللغات والآداب، فقد كان أبوها الفرعون العازف بالناي المستغرق في ملاذِّ الحياة بما استحق معه لقب إله الخمر ديونيزوس يدللها بكل ما يلهمه ملك مترف معجب بابنة ليس لها في بنات حواء مثيل، فكان يطوف وإياها مدائن مصر ويركب وإياها النيل من الإسكندرية إلى طيبة ذات الأبواب المائة، يقفان عند ما يحلو لهما الوقوف عنده من المدائن العامرة بآثار مصر القديمة، فإذا تركا طيبة إلى أنس الوجود أقاما فيه من الحفلات ما يجل عن الوصف، وما ليس له مثال إلا فيما أقامته كليوباترة من المآدب لأنطونيو حين غرامه بها ودلها عليه.

على أن الصبية لم تبق في هذا النعيم الملكي طويلًا، وإن كانت لم تحرم منه إلا لتعود إليه فتكون به أكثر متاعًا، ذلك أن أباها طرد من مصر فالتجأ إلى سوريا حتى عاد مع جند الرومان الذين أوفدهم بومبي، وكان أنطونيو على رأس فرقة من هذا الجند تحت قيادة جاليوس، فذهب مع بطليموس الطريد حتى دخل وإياه الإسكندرية دخول الظافر.

وكانت كليوباترة يومئذٍ في الرابعة عشرة من عمرها، فلما أيقنت بانتصار أبيها وبعودته إلى مدينة النعيم اجترأت على اختلاس شارة الملك من برنيس زوج أركايلوس خصم أبيها، وجلست مع خديناتها في شرفة القصر وقد ارتدت ثوبًا رقيقًا أبيض بدا فيه جمالها الساحر أشد سحرًا برغم أنه كان في بدء ترعرعه، ولما أقبل أبوها بعد دخول أنطونيو على رأس الجند إلى القصر أمامه شقت هي وسط الجمع طريقًا واندفعت تعانق أباها باكية من شدة التأثر، وكانت هذه أول مرة رأت فيها عين الروماني الفاتح الطويل القامة العريض الأكتاف الشره إلى كل لهو ومسرة، تلك الفتاة الطفلة ما تزال، والتي برعت برغم ذلك كل قريناتها من فتيات القصر ونسائه، ولم تنس كليوباترة في دلها وتيهها أن توجه إليه نظرة حلوة فيها أكثر من معنى الاعتراف بالجميل لرده أباها إليها وإلى ملكه.

وعاد أنطونيو إلى روما وعاد بطليموس إلى الحكم وإلى اللهو يستمرئ مرعاه ويمعن فيه بعدما حرم زمنًا منه، وكانت ابنته تطوف وإياه أنحاء البلاد ينزلان في المدائن العامرة ويقيمان فيها من أسباب اللذة ما لا يباح لفتاة أن تعرفه، وظلا على ذلك ثلاث سنوات تباعًا انتهت بموت الأب بعدما أوصى بالملك لكليوباترة ولأخيها بطليموس الطفل الذي لم يكن يزيد يومئذٍ على اثنتي عشرة سنة على شريطة أن يتزوج من أخته، وكان زواج الأخ من أخته متعارفًا في الأسرات الملكية يومئذٍ لحرصها على ألا يختلط دمها الفرعوني المستمد من الشمس كبيرة الآلهة بدم الرعايا، وإذ كان هذا الأخ قاصرًا عين له قوام ثلاثة اشتركت الملكة معهم في الحكم وإن استأثرت به دونهم إلى حد عظيم.

وقد ملكت قلب المصريين في الفترة الأولى من فترات حكمها بما كانت تغدقه عليهم من صنوف المتاع وبسحرها إياهم بفتنة جمالها، حتى دعيت إذ ذاك حبيبة الشعب وملكة كل نعيم، لكن عهدها بذلك لم يطل، فقد بعث منيلوس يطلب إليها إرجاع الجند الرومانيين الذين ظلوا عندها، وإذ كان هؤلاء الجند قد استوطنوا الإسكندرية وتزوجوا فيها ومتعوا بنعيمها فقد أبوا مغادرة مصر واستغاثوا بالشعب، ثم جاء من بعد ذلك ابن بومبي لنفس القصد، وكان لأبيه على أبيها فضل إعادته إلى ملكه مما أجلسها هي على العرش بعده؛ لذلك رأت واجبًا عليها أن تحسن وفادته، وقابلته فرأت فيه غير أخيها الطفل الذي فرضه الملك زوجًا لها، فقبلته ضيفًا في قصرها وأجابته إلى ما طلب أن كان أبوه يومئذٍ في حرب مع قيصر، وقد غاظ ذلك أخاها منها فانضم إلى المؤتمرين بها وعاون على انتقاض الشعب عليها ومحاولته قتلها، وإذ كانت لا تملك الفرار من طريق البحر فرت في ذهبية إلى الصعيد كسيرة القلب أن لم يفعل جمالها في أولئك السكندريين فعله، ونزلت طيبة على صورة لم تعهدها أيام زيارتها المدينة الخالدة مع أبيها المترف المتلاف، وبدلًا من أن تجعل مقامها في طيبة الأحياء جعلت مقابر الملوك موضع نجواها كأنما كانت تريد أن ترقد بينهم تنتظر البعث وإياهم آملة في الآخرة ملكًا أكثر من ملك مصر ثباتًا، لكن أصواتًا انبعثت إليها من جوف مقابر هؤلاء الفراعنة العظام تناجيها: أن لا ملك بغير إقدام ولا جلالة من غير كبرياء ولا حكم لمن لم تملك نفسه شهوة الفتح، وأيأستها دعة المصريين من أن تجد منهم أي عون أو مدد، ففرت إلى سوريا وهي في مقدرتها على سحر أهلها أكبر أملًا وفي فتنتهم بجمالها أشد ثقة ولم يخنها حدسها، فما كادت تستقر في ربوع الشام حتى سحرت أهلها بجمالها وبلاغتها وإقدامها فالتفوا حولها واجتمع منهم جيش سارت هي على رأسه ممتطية جوادها، لكن المصريين بعثوا هم الآخرين بجيوشهم ورابطوا على حدود ما بين مصر والشام، ووقف الجيشان وجهًا لوجه لا يلتقيان.

وفي هذه الأثناء هزم قيصر بومبي في موقعة فرسالا وفر المنهزم إلى مصر علَّه يجد موئلًا في بلد له عليه وعلى القائم على عرشه فضل سابق، لكن أوصياء بطليموس الطفل علموا أن قيصر يطارد غريمه، وخشوا إن هم حموا هذا الغريم أو ألجأوه أن يصب عليهم قيصر جام غضبه، فقتلوا اللائذ بهم، فلما نزل قيصر عليهم وعلم ما فعلوا ركبه الهم وحزن غاية الحزن وأمر أن تقام لبومبي أفخر طقوس الجنازة.

وعرفت كليوباترة أمر ذلك كله، وعرفت أكثر منه أن قيصر لما علم بما بينها وبين أخيها من حرب نصب نفسه حكمًا بينهما عملًا بوصية أبيها أن تحمي روما ملك أبنائه من الشتات والدمار، هنالك فكرت في أن تلجأ إلى هذا الحكم ترفع إليه ظلامتها غير جاهلة ما قد يحمله لها من ضغن أن حمت ابن خصمه وأن مدت بومبي بالرجال والذخيرة، لكنها كانت واثقة من سحرها مطمئنة إلى مقدرتها وفتنتها مؤمنة بأن لا نجاح من غير إقدام، وزادها طمأنينة ما كان من بكاء قيصر حين علم بقتل بومبي، فتركت الجند واستصحبت مؤدبها الأمين أبولو دور، واجتازا طريق البحر حتى وصلا أمام الإسكندرية، بقي أن تدبر الوسيلة للمثول في حضرة قيصر، وكليوباترة نحيفة القوام بضة لينة الملمس، فليس يعجز أبولو دور أن يحملها وأن يزعم أنها بعض المتاع وأنه من رجال روما يريد إيصال ما يحمله لقيصر، فالتفَّت الصبية الفاتنة في بعض أسمال وأردية من غير أن تبدل شيئًا من زينتها الملكية وعطرها، وحملها مؤدبها على كتفه، وزعم حين سأله الحراس عن غايته أنه موصل ما يحمل إلى بعض ضباط قيصر، واجتاز معسكر الرومان حتى أنزل حمله في رفق أمام الظافر على عاهل روما، الباكي عليه حين وفاته.

وكانت هذه هي الساعة التاريخية التي اتجه فيها الزمن غير وجهته، الساعة التي وقف إزاءها القصاص والمؤرخون، أذهلهم البهر وسحرتهم الفتنة كما أذهلا قيصر وسحراه، نضت الملكة الصبية ما التفت به من أطمار وأسمال وبدت في زينة الملكة وعطرها وجلالها، أكانت طويلة أم قصيرة؟ أكان أنفها كبيرًا أم صغيرًا؟ لم يعرف قيصر في هذه اللحظة من ذلك شيئًا، واختلف المؤرخون فيه خلافًا كبيرًا، وكأنما كان لجمال هذه الفاتنة من الروعة ما لأشعة الشمس من قوة تحول دون التحديق بها، وكأنما بقي هذا الجمال في قوة سحره بعدما مر على صاحبته من عصور وقرون، فكل يختلف في صورته وفي قسماته، على أن كليوباترة لم تحاول فتنة قيصر بجمالها، بل ارتمت عند قدميه ضارعة مستغفرة، وجعلت تتكلم وتشكو وتستعطف، وكان صوتها أفعل سحرًا من جمالها، وكانت عبارتها أنفذ إلى القلب من صوتها إلى شغاف الفؤاد، ومن جمالها الذاهب باللب.

جعلت تتكلم وتشكو وجعل قيصر ينصت ويصغي، ثم صار لا يسمع دفاعًا ولا شكوى بل أنغامًا دونها صوت البلبل وعزف الناي وانتهى بكليوباترة وبه الأمر أن وقفت وجثا هو على قدميها ضارعًا مستغفرًا، ثم حملها على كتفه كما حملها إليه أبولو دور وذهب بها إلى مضجعه.

وكان قيصر برغم تجاوزه الخامسة والخمسين محبًّا للنساء، كما كان مثار إعجابهن بقوامه ونظرته وبروحه المذهب الرقيق وعزمته الصادقة القوية؛ لذلك اتصل بينه وبين كليوباترة منذ هذه المقابلة الأولى بما سحره عن كثير مما كان اعتزم لمجده ومجد روما، وجلست هي إلى جانبه في قصرها المنيف تعجب به وتثير إعجابه، وملكته حتى لم تبق في شك من حكومته بينها وبين أخيها، ودعا هو أخاها الطفل ليصلح بينهما، فلما دخل عليهما قرأ في عيونهما ما هاج الدم في عروقه الضعيفة، وما دعاه ليلقي التاج عن رأسه، وليخرج صائحًا في الشعب وفي جند روما داعيًا إلى الثورة على أخته وعلى قيصر لعهر كليوباترة ولخيانة صاحبها، ولم يرد قيصر أن يقاتل لقلة جنده ولحرصه على استبقاء هذا الطفل مغمضًا عينه على ما يفعل الحبيبان، فاسترضاه وصالحه على تنفيذ وصية أبيه بإشراف روما، ورضي الغلام آملًا أن يطمئن له الأمر فيصير ملكًا وفرعونًا وإلهًا، وظل هو وكليوباترة يرتشفان من كأس الحب وينهلان أعذب موارد الهوى بما يتفق وروحيهما المهذبين، ولقد كانا بذلك سعيدين كل السعادة، ولم يكن ورد سعادتهما مقصورًا على اتصال الغرام بين ابنة الملك العازف اللدنة القوام، الموسيقية الصوت والنفس، الرطبة الخلق، الندية النظرة الرشيقة رشاقة الراقصة، وبين قيصر الساحر الحلو الحديث، بل كان ورد سعادتهما الحق هو الحب، كبل كل واحد منهما صاحبه بأغلال هذه العاطفة القاسية السامية في قسوتها فسعد كل بأغلاله، وكانت كليوباترة أكثر سعادة لأنها استردت مع هذا الحب ملك مصر، ووضعت يدها على تاج روما وصرفت قاهر السكسون والجرمان وسائر دول أوربا عن حروبه في سبيل الجمهورية ليحارب في سبيلها وليقهر أوصياء أخيها، وليثبِّت لها أركان عرشها بعدما ثبتت في قلبه، وظل كذلك ستة أشهر لا يعرف من أمر روما شيئًا ولا يبعث إلى روما بخبر، وإن عرفت روما من أمره مع ملكة مصر كثيرًا، وزادت به ارتباطًا وازداد لها عبادة حين حملت منه، إذ ذاك لجَّا في أسباب المسرة يلتمسانها في كل مكان ويرتجيان النعمة من كل الآلهة، فأقاما أعيادًا عند الأهرام وأبي الهول، وفي أبيدوس عند قبر إيزيس وأوزوريس، وفي دندرة حيث معبد هاتور إلهة النسل الخصب وفي طيبة ذات الأبواب المائة، وفي أنس الوجود، وفي كل معبد وعند كل إله.

ووضعت كليوباترة غلامًا دعته قيصرون وخلعت عليه كل ألقاب الفراعنة آلهة مصر وعواهل روما وحكامها، ثم أبحر قيصر إلى روما ولحقت هي به في أبهة الملك وجلاله، وفي حاشية ليس للرومان بها عهد، وقيصر ظافر والشعوب عباد من ظفر، وقد أقام لمناسبة عودته أعيادًا أسرف خلالها فيما خلعه على الشعب من أعطيات ونعم زادت الشعب له عبادة وأنسته ما كان من انصراف قيصر عنه إلى كليوباترة عامًا كاملًا، لكن هذا الشعب لم يعجب من كليوباترة بجمالها الرائع المترفع، لأن زعماءه وقادته جعلوا يستعطفونه على كالبورينا زوجة قيصر.

ولم يعن قيصر من ذلك بشيء، بل أقام لابنة بطليموس قصرًا على نهر التبر جمع فيه من ألوان النعيم ما أبدعه خيال الملكة، وجعل يزورها فيه فتقيم له من المراقص وصنوف اللهو ما ينسيه كل هموم الحكم ومتاعبه، ثم جعل يستقبل أصحابه في قصر التبر ولا يخفي عليهم من صلته بكليوباترة شيئًا، وبالغ في الحفاوة بها حتى أقام لها هيكلًا نصب فيه تمثالها على صورة الزهرة إلهة الجمال والحب، ودار في خاطره أن يتزوج منها برغم وجود كالبورينا زوجته وبطليموس الطفل زوجها، ومع أن مجلس الشيوخ لم يكن ينظر إلى هذا الزواج بعين الرضا فقد فكر في أن يعدل قوانين روما بما يبيح للرجل أن يعدد زوجاته ما دام لا عقب له، ولقد كان فاعلًا وكان قيصرون يصبح يومئذٍ وارثه على عرش روما ويتغير وجه التاريخ وتبقى مصر مقرًّا للحضارة كما كانت لولا أن دبرت المؤامرة لقيصر وأن قتله أصحابه يوم أعياد المريخ في العام الرابع والأربعين قبل الميلاد.

بكته كليوباترة ثم عادت إلى مصر مع حاشيتها وأبنائها، وتركت أخاها الملك زوجها فنسيه التاريخ ولم يعرف أحد عنه بعد ذلك خبرًا، وأقامت بالإسكندرية متوجسة خيفة أن يوقع بها خصوم قيصر وقَتَلَتُه، لكن الحروب التي قامت بين أصدقائه وقتلته انتهت بانتصار أنطونيو وأصحابه في موقعة فيليب، ولم يزل ذلك وجلها وظلت في خشية من أن ينزل أكتاف ابن أخت قيصر مصر وهو لابنها من قيصر ألد عدو، لكن نجمها كان ما يزال نجم سعادة، فتقاسم المنتصرون ملك روما ووقع الشرق لأنطونيو، وأنطونيو صديق قيصر ومحبه، وأنطونيو رجل شهوة لا صبر له أمام امرأة، وأنطونيو معجب بجمال كليوباترة منذ سنين، عابد إياها مذ كان يزور قيصر في قصر التبر، مع ذلك لم تر كليوباترة أن تبعث إليه وفودًا تهنئه بالملك كما بعثت سائر ممالك الشرق التي وقعت في حكمه، وهي لم تمده في حروبه مع قتلة قيصر بمدد من مال أو رجال، فغاظ ذلك أنطونيو وبعث إليها رسولًا أن تحضر بنفسها لتدافع عن ذنوبها، وظل الرسول في قصرها أيامًا عاد بعدها مسحورًا بها آخذًا نفسه بالدفاع عنها حتى تحضر إجابة لطلب سيده، وبقيت هي زمنًا تعتذر عن عدم مسارعتها لاجتياز البحر بشتى الأعذار، وبقي رسول أنطونيو خلال ذلك يحدثه عن فتنتها بما أذهب صبره، ثم بعثت هي أنها آتية إليه في تارسيس وذكرت موعد وصولها فخف الحاكم إلى المدينة ينتظرها، وأقبل أسطولها يشق عباب البحر حول سفينها السابح تدفعه أشرعة من خز، ويحمل مقدمه الرفيع تمثال آلهة البحر، وتبدو في وسطه مقاصير زينت بأفخر الرياش، وقد ذهب بالشعب لما رأى كل هذا الجمال والجلال فصاح: «هذه أفروديت بل هذه الزهرة أتت تزور إله لهونا المحبوب.»

وبعث أنطونيو برسوله يدعوها للعشاء عنده، فاعتذرت بأنها متعبة ودعته إلى سفينها، فلم يغضب ولم يتردد بل طار إليها وقضى شطرًا من الليل في حضرتها نسي فيه الذنوب ونسي العقاب ونسي كل شيء غيرها، ثم دعته في الليلة التالية إلى وليمة عشاء في قصرها ودعت معه جمعًا من الأمراء وأرباب الدولة، وما كان أشد بهرهم حينما رأوا الليل ينقلب في ذلك القصر نهارًا ورأوا فيه من التماثيل والآنية والطنافس والخدم وألوان الطعام يتناولونها وتطربهم أنغام الموسيقى تطير في الجو مع ريح العطر والزهر، وتمتزج مع أنغام أجسام الراقصات اللدنة بما لم يحط به خيال أحد منهم من قبل، وكليوباترة وسط هذا الجمال الساحر أروع فتنة وأشد سحرًا، وأبدى أنطونيو دهشته متى نظمت الملكة هذا القصر وما فيه، فابتسمت قائلة: إنه رسولها الذي بعثت به من أسابيع ثلاثة هو الذي صنع هذا بأمرها.

ودعاها أنطونيو إلى قصره ودعا معها الأمراء وحاول أن يجاريها في البذخ والنعمة ثم ابتسم آخر الوليمة أن رأى محاولته عبثًا، ودعته وأمراءه إلى وليمة ثانية قالت إنها تكلفها ثلاثة ملايين درهم فأنكر أنطونيو ذلك عليها، وراهنته إنها فاعلة، وكلف هو أحد الأمراء أن يحصي التكاليف، ولما رأى أن لم تزد الملكة شيئًا على ما فعلت في الوليمة الأولى أبدا لها أنه قمرها، فاستمهلته وخلعت من أذنها قرطًا فيه جوهرة منقطعة النظير كان الإسكندر أهداها لبعض أسلافها وألقت بها في كوب به خل، فذابت وشربت هي الكوب وما فيه وقمرت أنطونيو، وظلت فعلتها هذه يقصها المؤرخون على أنها بعض العجائب.

وأسرع أنطونيو بالنظر فيما لديه من شئون الملك وعاد وكليوباترة إلى مصر واندفعا في سبيل الغرام تهيج سماء مصر في نفسيهما ما انطوتا عليه من حب اللذات واستباحة كل ألوانها والافتنان فيها، على أن أنطونيو لم يكن مهذبًا كقيصر، بل كان جنديًّا خشنًا فج الذهن لا يعرف الرقة ولا يحيط من الأدب أو اللغات بشيء، وإنما حببه إلى الجند ورفعه إلى مقام قيصر سهولة في العبارة التي كان يخطبهم بها ونزول منه إلى مشاركتهم في تذوق اللذات الدنيئة السافلة التي كانوا يتذوقونها، فلم يكن حي من أحياء الدعارة في روما أو بغي من بغاياها لا يعرفه، وكان من أسباب فخره أن أعقب من الأولاد حيثما ذهب ما لا عدد له، فألفت فيه حياة بهيمية قوية لم تكن في قيصر، ولكنها لم تجد فيه حياة العاطفة الإنسانية التي تغذي القلب، وإن قصرت عن إلهاب الدماء، على أن هذا الخلاف بينهما اضطر أنطونيو إلى أن يتعلم ويحضر من الدروس ما يخفف من شعوره بأنه دون كليوباترة، ودفعها هي لتنزل عن التفنن في رقة المتاع إلى هذه البهيمية الثائرة، وقد أنفت ذلك في بادئ الأمر حين كان حرصها على أنطونيو راجعًا إلى حاجتها السياسية له، لكنها تذوقته بعد ذلك وبلغت من تذوقه أن لم تكن تطيق مفارقة صاحبها حين جولاته في أحياء الدعارة واللهو، ولم تأنف أن تدفع بكتفيها أيًّا من رجال تلك الأحياء ونسائها على طريقتهم، وبقيا غارقين في نعمتهما حتى حملت، وخيل إليها أن سيربط الحمل بينها وبين صاحبها كما ربط بينها وبين يوليوس من قبل، لكنه رآها ثقلت حركتها وخمد شعاع روحها، فعاد يفكر فيما كان غافلًا عنه من شئون الدولة، ورأى أن لا مفر له من العودة إلى روما ليصالح أكتاف بعدما حزبت عليه فلفيا زوج أنطونيو وهبت لمحاربته، وليستعديه على أهل فينيقيا والشام الذين انتقضوا على روما وخلعوا نيرها، ولم تُجدِ توسلات كليوباترة إليه كي يبقى ولو إلى حين وضعها، فلما قابل فلفيا في اليونان أنزل عليها من سخطه ما كسر قلبها، وغادرها إلى روما فماتت قبل وصوله إليها، وأصلح موتها بينه وبين أكتاف وتزوج من أخته أكتافيا برضا مجلس الشيوخ، وكانت أكتافيا عدل كليوباترة في سنها وجمالها، وكانت أم طفلين من زوجها الأول، محبة لحياة العائلة ونظامها بما يسر لها أن تسيِّر زوجها وفق رأيها، فأنطونيو ككل رجل له مثل هذه الطبيعة الحيوانية يهون على كل امرأة أن تقوده، ولقد ذهبت معه إلى اليونان وظلت معه زهاء ثلاثة أعوام أعقبت له في أثنائها ابنين شغلت بهما وبأولادها الآخرين وبأولاد أنطونيو من فلفيا، فأحرج ذلك صدر أنطونيو منها وجعل يراها أمًّا لا يعنيها منه إلا أبوته لأبنائها، من غير أن تعير مجده ولا عظمته اهتمامًا كالذي كانت تبديه كليوباترة، إذ كانت تدعوه أنطونيو الأكبر، وبلغ من حرج صدره أن اتهمها بأنها أحن على أُخُوَّتها لأكتاف منها على زَوْجِيَّتِها له، ثم بعث بها إلى روما وانطلق هو إلى سوريا يجني ثمار النصر الذي أحرزه بعض قواده.

في هذه السنوات الثلاث كانت كليوباترة تعاني من الهم والألم أشدهما تبرمًا ولذعًا، علمت بما كان من زواج أنطونيو وأكتافيا على أثر وضعها توءمين دعت أحدهما الشمس والأخرى القمر، فاضطربت للخبر وما كانت من قبل تضطرب من خشية امرأة، وزاد في مخاوفها ما قد يؤدي هذا الزواج إليه من القضاء على آمالها في قيام قيصرون مقام أبيه، هنالك غادرت الإسكندرية إلى دندرة وشغلت نفسها بأن أقامت لهاتور معبدًا ثم انقبضت نفسها لهذه الوحدة التي أحاطت بها فعادت إلى عاصمتها وشغلت نفسها من جديد ببناء قبرها، وكان أكبر جهادها أن تنسى أنطونيو باستدامة العود إلى تذكر قيصر، ونجحت في ذلك نجاحًا سرَّها، لكن هذه الذكرى وذلك الاشتغال بما بعد الموت لم يكونا ليتفقا مع ما يتحرك به الشباب في جسد اعتاد ملذات النعيم ثم قسر على عفة قاسية، فعادت إلى مثل ما عوَّدها أنطونيو من المرح في الأنحاء التي يلهو الشعب فيها، لكن ذلك لم يطفئ من رغباتها ما كان كامنًا.

ولما عاد أنطونيو إلى الشام بعث إليها رسولًا يستقدمها إليه بأنطاكية، ويل له من جريء! أيظن أن ملكة الملوك تطير إليه بعد أن نسيته، بل بعد أن أبغضته وبعد أن هجرها إلى أحضان امرأة غيرها قضى معها أكثر مما قضى مع كليوباترة؟ لكن لا! تضاءل ذلك كله أمام دعوته إياها فطارت تعد عدتها للسفر واجتازت البحر إليه لائمة عاتبة، وكفاها أن أقسم لها أن قلبه لم يعرف غيرها ولم يتعلق بسواها لتعود وإياه سيرتها الأولى، وأنطاكية كانت ثالثة مدائن بحر الروم بعد روما والإسكندرية، فكان لهما فيها من مسارح اللهو ما يسد كل شهواتهما، ولكي تؤمن بحبه إياها عقد عليها زواجه منها وخلع عليها ثلاث ولايات بدل ثلاث السنوات التي غابها عنها.

وبعد زمن نهلا فيه ما طاب لهما من ورد النعيم جهز لمحاربة خصوم روما فيما وراء الفرات، ورفض مشيئتها أن تصحبه لما في ذلك عليها من مشقة، لكنه عاد إلى سوريا محطمًا جيشه، فجاءت إليه من خير مصر مالًا ورجالًا بما أنساه هزيمته، وأقامت معه فأنسته فتنتها كل متاعبه، ثم تلقى رسالة من زوجه أكتافيا أنها آتية من روما في عدة وعديد، فتأثر حين رآها تقابل صده لها وجفوته إياها بهذا الكرم والإخلاص والحب، لكن كليوباترة وقفت في سبيل ما أتت أكتافيا فيه، ورفض أنطونيو أن يرى أخت عاهل روما أو أن يقبل منها مددًا، فعادت إلى المدينة الخالدة ذات التلال السبعة مقهورة آسفة.

وعد الرومانيون هذه الفعلة على أنطونيو، فلما استرد قواه عاد فحارب خصوم روما وانتصر عليهم، لكنه بدلًا من أن يحتفل بانتصاره في روما ذهب يحتفل به في الإسكندرية ويعتبرها عاصمة تعادل روما، وذلك ما لا طاقة للرومانيين باحتماله، فأثار أكتاف الرومان عليه، وابتهجت كليوباترة لذلك وجهزت أسطول مصر الضخم، وسارت وأنطونيو إلى أثينا في انتظار ما ستتمخض عنه الحوادث راجية الانتصار على أكتاف حتى تجلس قيصرون على عرش أبيه، لكن نجمها كان قد بدأ ينحدر نحو المغيب، فقد التقى الأسطولان في (أكسيم) وكانت الملكة في سفينتها «الأنطونياد» في مؤخرة الأسطول المصري ترقبه، وبدأت المعركة يحمى وطيسها وشعرت الملكة بأن حلمها أن تحكم روما وأن تقيم ابن قيصر مقام أبيه على عرش الغاصب أكتاف يتلاشى، عند ذلك طار صوابها وتولاها الذهول، فلما أفاقت ألفت الريح تهب نحو مصر فأمرت رجالها بالعودة، وما يزال الأمل في النصر مضطربًا بين العسكريين، والتقطت أنطونيو من سفينته وأخذته معها في «الأنطونياد» وعادا إلى مصر وقد تولاه الأسى أن رأى نجمه يأفل وعظمته تذوي وتذبل.

فأما كليوباترة فلم تفل الهزيمة من غرب عزمتها، بل نقلت أسطولها برًّا من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر راجية أن تغزو الهند على نحو ما كانت تفكر مع قيصر، لكن هيرود عدوها في سوريا لم يمهلها أن قتل رجالها وأحرق سفنها، هنالك تحطمت كل آمالها الإمبراطورية واضطرت أن تقف كل حياتها ونشاطها على الدفاع عن مصر.

أسلم أنطونيو نفسه للشراب ليله ونهاره آملًا أن ينسيه الشراب هم انكساره، وظل في شرابه حتى علم أن أكتاف آتٍ من طريق سوريا لغزو مصر وأكبر همه أن يطفئ حياة ابن قيصر وكانت مشابهته لأبيه أكبر شهيد على اغتصاب ابن عمه عرش روما، وأخذ أنطونيو قيادة جيوش مصر لكن الحظ إذا عثر لج به العثار، فانهزم أنطونيو فعاد إلى قصر كليوباترة وأمر أحد عبيده أن يقتله، فأمسك العبد الخنجر وتظاهر بطعن سيده ثم طعن نفسه فهوى فأصغر ذلك أنطونيو في عين نفسه فقضى عليها بأن ألقى بنفسه على النصل وذهب يعالج آلام الاحتضار يسلكها سبيلًا لراحة الموت، وقضى بين ذراعي محبوبته الفاتنة، فبكته أحر بكاء ثم دفنته في القبر الذي شادته حين هجرها، وبالغت في الحزن عليه لما أحست من سوء ما أعد لها القدر من مصير بعده.

ودخل أكتاف الإسكندرية ظافرًا وكل همه أن يقضي على ابن عمه الذي فر من وجهه وحاولت كليوباترة أن تلعب به كما لعبت من قبله بقيصر وبأنطونيو، وفي سبيل أبنائها وفي سبيل ملك قيصرون لم تكن لتعنى بشيء أو تتورع عن شيء، وبرغم حزنها على أنطونيو وجزعها على مصيرها ومصير أبنائها ولزومها القبر تقضي فيه وقتها باكية مكتئبة فقد ظفر أكتاف منها بساعات حديث شهي، وكان كل همه أن يأخذها إلى روما وأن تسير في حفلات نصره ليرضي بذلك شهوة انتقامه وانتقام أخته منها، وليقدم للشعب الروماني منظرًا تبتهج له قلوب الشعوب، منظر ذل العزيز، وعرفت هي هذا فثارت في عروقها كل دماء البطالسة فراعنة مصر الأعظمين، لكنها لم تكن قادرة إلا على نفسها، وكانت قدرت هذا المصير ووطنت عليه نفسها وأوصت خادمًا من أتباعها أن يحضر لها ثعبانًا في فاكهة طعامها يوم تشير له إلى جبينها، وأشارت على هذا الجبين المصقول يوم أيقنت أن أكتاف غريمها يريد أن يذلها، ونزعت التين واحدة بعد واحدة ثم أمسكت الثعبان فوضعت فمه في ثديها ليبعث إليها الموت من خلاله، وكم بعث هذا الثدي الحياة إلى أبنائها وإلى الذين أنعمت عليهم الآلهة بالمتاع بها.

وكان معها خادمتاها إيراس وشارميون فشاركتاها مصيرها بعدما حلَّتَاها بكل حلي ملكها الذي تحطم، والذي حاربت حتى المقادير في سبيل عزه ورفعته منذ مولدها إلى مماتها (من سنة ٦٩ إلى سنة ٣٠ قبل الميلاد).

ويومئذٍ ذهبت إلى بارئها أرواح كثيرين من عشاق فاتنة التاريخ، ويومئذٍ انطفأ نجم كان منيرًا في سماء الجمال والذكاء والقوة والنشاط، وانطفأ معه سراج أسرة البطالسة كما انطفأ من مجد مصر حظ عظيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠