مصطفى كامل باشا

في عصر يوم ١٠ فبراير سنة ١٩٠٨ بينما أنا جالس مع أحد زملائي طلبة مدرسة الحقوق الخديوية إذ ذاك على باب داره، جاز الطريق أمامنا رجل ممتطٍ جوادًا، فلما كان بإزائنا وقف برهة فحيانا وقال: «أبقى الله حياتكم، الباشا توفي.» وكان زميلي من المتشيعين للحزب الوطني المتطرفين في تشيعهم، فلما سمع قول الناعي سأله في لهفة: مصطفى باشا كامل؟ فأجابه الرجل منطلقًا جواده: نعم، ولكم طول البقاء، وتركنا أنا وصاحبي واجمين من هول الخبر وإن كان حديث الباشا ومرضه والخوف على حياته بعض ما تواتر في ذلك الحين، وبعد زمن قصير تركت صاحبي عائدًا إلى بيتي فألفيت على الناس في الشوارع والحوانيت من أثر الذهول ما يدل على أن نعي الباشا إليهم مس من قلوبهم أدق أوتار الحزن والألم، ولم يستقر بي المقام في البيت دقائق حتى جاء زميل يبلغني الخبر، ويعلن إليَّ ما قررته المدارس كلها من الاشتراك في تشييع جنازة الزعيم العظيم، وكان يوم ١١ فبراير يوم حداد عام في العاصمة، وفي مصر كلها لم يشغل الناس شيء فيه غير جنازة الزعيم الشاب، فالمدارس والهيئات الوطنية كلها كانت تفكر في تنظيم الجنازة، وأهل الريف كانوا يفدون من أطراف البلاد للاشتراك فيها، والحكومة كانت تعد وسائل الأمن والنظام، والأجانب الذين رأوا العاصمة جللت بالسواد ورأوا أهلها اتشحوا بأسباب الحداد كانوا يفكرون في العمق الذي تغلغل إليه الروح الوطني من سويداء نفس هذه الأمة، فلما سار النعش يحمله على أعناقهم أهل دنشواي الذين حكمت المحكمة المخصوصة عليهم، ثم كان لسعي مصطفى كامل أكبر الأثر في العفو عنهم؛ صمت كل ما في المدينة ولم يبقَ بها أثر لحياة إلا في مشهد وداع هذا الراحل رحلة الأبد، قال المرحوم قاسم أمين في كلماته التي نشرت بعد موته، أي بعد شهرين اثنين من وفاة مصطفى كامل:

١١ فبراير سنة ١٩٠٨ يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل هي المرة الثانية التي رأيت فيها قلب مصر يخفق، المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم دنشواي.

رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا وزورًا مخنوقًا ودهشة عصبية بادية في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، ترى الناس يتكلمون بصوت خافت وعبارات متقطعة وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في كل مكان من المدينة.

ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان.

أما في يوم الاحتفال بجنازة صاحب (اللواء) فقد ظهر ذلك الشعور ساطعًا في قوة جماله وانفجر بفرقعة هائلة سمع دويها في العاصمة ووصل صدى دويها إلى جميع أنحاء القطر.

هذا الإحساس الجديد، هذا المولود الحديث الذي خرج من أحشاء الأمة، من دمها وأعصابها، هو الأمل الذي يبتسم في وجوهنا البائسة، هو الشعاع الذي يرسل حرارته إلى قلوبنا الجامدة الباردة، هو المستقبل.

ولم يكن عجيبًا أن يكتب قاسم أمين على هدوء نفسه وحسن تقديره هذا الذي كتب، ولم يكن عجيبًا أن يحرك مصر من أقصاها إلى أقصاها الحزن لوفاة الزعيم الشاب، فقد جاء به القدر في فترة من فترات حياة هذا الوطن حين بدأت الأمة تنسى مظالم الماضي أيام حكم إسماعيل وتشعر بشدة وطأة الحكم البريطاني الذي قام على أساس من المصالح المادية وحدها، فلم يُعنَ إلا بتخفيف الأعباء المالية ناسيًا كل اعتبار غير تخفيض الضرائب؛ ليخيم على البلاد الجهل، وليكن الغرض الأسمى من التعليم خلق الموظفين، وليشعر المصريون بافتقارهم للحاكم البريطاني وبضعفهم أمامه، فذلك كله هين ويسير ما دامت الضرائب المرهقة وما دامت السخرة والكرباج قد ألغيت، في هذه الفترة التي شعرت فيها الأمة بالحاجة المعنوية للعزة القومية وللكرامة الإنسانية، بعث القدر مصطفى بشيرًا بهذه الحاجات السامية رفيع الصوت، عالي الكلمة، طلق اللسان، قوي الجنان، حلو الأسلوب، يتغنى لقومه بما تشعر به نفوسهم في غور أعماقها، فكان طبيعيًّا أن يلتف الظمأى حول هذا الورد من الكلام السائغ يسمعون عنده الأناشيد التي تطرب لها نفوسهم وتهتز لها قلوبهم ويجد فيها شعورهم الحبيس منفذًا ومتنفسًا، ليكن ذلك الكلام غير ذي غناء، ولتبق القوة الغاشمة قديرة على أن تسير في طريقها، ترفع من شأن المصالح المادية على حساب حاجات النفس المعنوية، فلن يغير ذلك من قيمة هذا الذي يشدو باسم الوطن ومن محبة الناس له شيئًا، ألست ترى إلى الجمع الحافل من العمال يسد جوعه على مائدة ذي المال جزاء كدحه طول نهاره، ثم ما يلبث أن يذهب لسماع الشاعر أو المغني يروي عنده ظمأ روحه؟ وهو لهذا المغني أشد حبًّا منه لمن يمسك عليه حياته المادية؛ لأنه يحس في الشاعر معنى إنسانيًّا، في حين أن سعيه لدى المالك وجزاءه من سعيه لا يجزيه إلا الإبقاء على حياته الحيوانية البحتة.

لذلك كان جزاء وفاقًا أن تحزن مصر على شاعر الوطنية العظيم مصطفى كامل، وكان حقًّا أن يرى قاسم أمين في وحدة هذا الشعور بفقد الزعيم الشاب الذي كرس حياته ليتغنى باسم مصر وليعلن أنه وهبها حياته، وحدةً في الأمل الكبير بمستقبل زاهر.

•••

ولد مصطفى كامل في سنة ١٨٧٤، أي في السنة التي ولد فيها الخديو عباس حلمي الثاني، وقد بعث به أبوه علي أفندي محمد — وكان مهندسًا — إلى مدرسة أم عباس، فمدرسة القربية الابتدائيتين حيث تلقى دراسته الأولى، وفي أواخر أيامه بهما توفي أبوه وكفله أخوه حسين واصف باشا وزير الأشغال السابق، وبعد الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة التجهيزية — الخديوية الآن — لتلقي دراسته الثانوية، وفيها ظهر جريئًا أكثر من زملائه جميعًا، وجرأته هي التي جعلته دون سائر إخوانه يذهب بنفسه فيقابل ناظر المعارف إذ ذاك علي باشا مبارك يشكو له حيف نظام الامتحان حيث أدى إلى رسوبه ورسوب زملائه، وإعجاب ناظر المعارف بهذه الجرأة هو الذي جعله يعدل عن هذا النظام فيؤدي ذلك إلى نجاح مصطفى وكثيرين من زملائه، فلما أتم دراسته الثانوية التحق بمدرسة الحقوق الخديوية في العام المدرسي ١٨٩١-١٨٩٢، ومن ذلك التاريخ بدأ ينشر رسائل ومقالات في الصحف، كما أنه — على ما يذكر مؤرخوه ومن بينهم مدام جوليت آدم — ارتبط بالخديو السابق عباس حلمي الثاني برابطة كانت ذات أثر مباشر في حياته كلها بعد ذلك.

ولم يكن مصطفى كامل هو وحده الشاب الذي اصطفاه عباس الثاني، ولا كان هو وحده الذي أثر ارتباطه به في حياته، بل لقد اصطفى كثيرين من الشبان يومئذٍ ممن توسم فيهم الذكاء والإقدام فعاونهم في دراساتهم وعاونهم بعد الدراسة، وأوفدهم إلى أوربا لمهمات سياسية يؤيد بها سلطته ومركزه كحاكم مصر الشرعي، وسياسة عباس الثاني كانت معارضة تمام المعارضة لسياسة الإنجليز، فإنه ما لبث أن تبوأ عرش أبيه وجده حتى وجد ندًّا له في قصر الدوبارة، لورد كرومر معتمد بريطانيا صاحبة السلطان الفعلي في البلاد بقوتها وبجيش احتلالها وباستئثارها بكل المناصب الرئيسية في الحكومة، وهو ما لبث أن تبوأ عرش أبيه وجده وأراد — مدفوعًا بحماس الشباب — أن يظهر للناس حقه وسلطانه حتى صدمته حادثة الحدود التي اضطر معها إلى الاعتذار عن ملاحظته التي أبداها للقائد كتشنر حين استعراضه الجيش المصري بالسودان، وكان المتقدمون في السن من المصريين الذين شهدوا عهد إسماعيل ومظالم حكومته والذين رأوا حركة عرابي واشتركوا أو لم يشتركوا فيها وشهدوا فشلها وتغلب سلطان الإنجليز عليها وعلى فرنسا وانفرادهم دونها بأمر مصر — كان هؤلاء المتقدمون في السن أشد الناس ترددًا في مشاركة الأمير الشاب الذي اعتلى العرش في الثامنة عشرة من عمره مطامعه ومطامحه، فلم يكن يستطيع الاعتماد إلا على الذين لم يهوِّن عليهم ظلم إسماعيل استبداد الإنجليز والذين لم يضعف الجهل أو البله في نفوسهم معنى الحرية، وكان مصطفى كامل بين هؤلاء بل كان في مقدمتهم، فقد جمع إلى الشباب إقدامًا جاوز حدود الإقدام مع نشاط عصبي لا يهدأ إلا أن يهد المرض صاحبه ويقعده عن حركته الدائمة، وهو لذلك لم يقنع بدراسة الحقوق وبكتابة المقالات في الصحف بل أنشأ — وما يزال في أول سني طلب الحقوق — مجلة أسماها «المدرسة»، صدر أول أعدادها في ١٨ فبراير سنة ١٨٩٢ وجعل نفسه بها زعيمًا لزملائه في الدرس يلقي عليهم النصائح ويرشدهم إلى الواجب ويقدم لهم مختلف المعلومات التي يرشده إليها اختباره الشاب في بطون الكتب والنشرات الدورية.

وفي يونية سنة ١٨٩٢ سافر لأول مرة إلى فرنسا ليؤدي امتحان الحقوق الأول بباريس، وكان طبيعيًّا أن تأخذ بلبه الغض حضارة الغرب وأن تؤثر في أعصابه الحساسة مظاهر الحياة الناشطة والحرية المنظمة، وكانت فرنسا يومئذٍ قد أفاقت من كبوة سنة ١٨٧٠ حين قهرتها ألمانيا، وجعلت تذكر في حسرة تدليها من الصف الأول في تصريف سياسة العالم، والشعور بالألم يحفز الإحساس ويفيض على اللسان الشكوى والطموح والأمل، وقد تأثر مصطفى كامل بهذا أيضًا كما تأثر بالحضارة وبالحرية، وزاده تأثرًا معاودته الحضور للامتحان في سنة ١٨٩٤ بباريس، وفي أواخر هذه السنة بتولوز حيث نال إجازة الحقوق، ومن ذلك اليوم انفتحت أمام خياله الشاب آفاق الحياة وآمالها، ولعل مما وجه هذه الآمال وجهتها ما وقع له مصادفة من مقابلة الكولونيل بارنج شقيق لورد كرومر وما دار بينهما من حديث كان له في العالم السياسي قيمة وترتبت عليه حملة صحفية اشترك هو فيها فحالفه الفوز، فاتجهت إليه الأنظار، فرسم له القدر بذلك طريق حياته، فقد نشرت جريدة الأهرام الصادرة في ٢٨ يناير سنة ١٨٩٥ مقالًا عنوانه (حديث ذو شأن) موقعًا بإمضاء مصطفى كامل حاويًا لما دار بين المصري الشاب وبين الضابط الإنجليزي من مناقشة أفضى فيها الضابط بكل سياسة إنجلترا في مصر مؤيدة بالدليل القاطع الذي لا يعرف حجة ولا جدلًا: دليل قوة السيف والمدفع، وأفضى فيها المصري الشاب بحجة مصر وحقها وباعتمادها لنيل هذا الحق على قوته في ذاته وعلى أوربا التي لا تنظر إلى إنجلترا في وادي النيل بعين مطمئنة، ولعل هذه الفقرة من أقوال مصطفى كامل تفسر نشاطه في المستقبل وتفسر السياسة التي اتبعها إلى سنة ١٩٠٤ حين تم الاتفاق الودي بين فرنسا وإنجلترا اتفاقًا انضمت إليه ألمانيا والنمسا، قال مصطفى: «إن لمصر أن تأمل من أوربا نجاتها وخلاصها، ولنا أوربا بأسرها التي تناديها صوالحها العدة بأن تنصرنا نصرة لتلك الصوالح التي سعيتم من يوم احتلالكم البلاد في تقويض أركانها.»

وربما كان للخديو ومصطفى كامل ولكثير من المصريين يومئذٍ العذر في اعتمادهم على أوربا والتجائهم إلى بعض دولها لمناوأة البعض الآخر، فلم تكن سياسة أوربا الاستعمارية قد استقرت يومئذٍ على أساس ارتضته دولها الكبرى، واطمأنت معه كل واحدة منها إلى أنها نالت من الغنيمة الحظ الذي يكفيها، والتي تكفي قواها للدفاع عنه ولاستغلاله وامتصاص دمه، بل كانت المنافسات ما تزال على أشدها بين إنجلترا وفرنسا، وكانت ألمانيا الناشئة متطلعة إلى مثل الإمبراطورية البريطانية، وكانت النمسا تنظر إلى ماضيها بعين الوجل إذ تراه يرتجف، وكانت سياسة الباب العالي في الأستانة قائمة على الاستفادة من هذه المنافسات الدولية، فلم لا تقوم سياسة مصر على الاستفادة من هذه المنافسات الدولية، فلم لا تقوم سياسة مصر على هذه القاعدة أيضًا؟ ولم لا تستفيد مصر من تطلع هذه الدول جميعًا إليها لتتخلص منها جميعًا ولتصل إلى نوع من الحيدة يكفل لها ولو الاستقلال الداخلي الواسع النطاق الذي وصل إليه إسماعيل باشا؟

والواقع أن فرنسا كانت ما تزال دامية الجرح لفشل سياستها بمصر بعد إحجامها عن الاشتراك مع إنجلترا في التدخل المسلح سنة ١٨٨٢، وكان ألمها أشد لأن هذه الضربة كانت في حكم القاضية على ما نالته في وادي النيل من نفوذ منذ حملة نابليون في سنة ١٧٩٨، ومنذ اصطفائها محمد علي وسعيد من بعده، ومنذ قيامها بحفر قناة السويس ونشر الثقافة الفرنسية في بلاد الفراعنة، وزاد الجرح إيلامًا أن الفشل لم يقف عند مصر، بل تناول نفوذ فرنسا في الشرق الأقصى بسبب تغلب إنجلترا عليها في الهند وفي غير الهند من الممتلكات.

وقد أراد الخديو مستترًا وأراد مصطفى كامل أن يستفيد من هذه السياسة غاية الاستفادة، وكانت القاعدة التي رسمت أن تطالب الدول الأوربية إنجلترا بتنفيذ وعدها بالجلاء عن مصر، وأن تدفع الدول الأوربية إلى هذه المطالبة ببيان ما تقوم به إنجلترا في وادي النيل من أعمال تدل على قصدها البقاء فيه، وكان حديث مصطفى كامل مع الكولونيل بارنج خطوة أولى وخطوة قوية في هذا السبيل، ولم تمض على هذه الخطوة أسابيع حتى استصدرت إنجلترا من الحكومة المصرية دكريتو بتأليف محكمة مخصومة تحاكم المصريين الذين يعتدون على جنود جيش الاحتلال أو ضباطه، وانتهز مصطفى كامل الفرصة للاستفادة من هذا الحادث أيضًا، ثم كان أن جاء مسيو دلونكل عضو مجلس النواب الفرنسي إلى مصر في ٢١ مارس سنة ١٨٩٥، ولعله وحده، بل لعل الحكومة الفرنسية وحدها لم يكونا كل السبب في حضوره، وقد استقبله مصطفى كامل بالإسكندرية وظل معه يصل بينه وبين المصريين من الطبقات المختلفة حتى غادر مصر عائدًا إلى بلاده في ١٣ أبريل من ذلك العام، وفي يوم ١١ أبريل أولم دلنكل للصحفيين بالإسكندرية وخطبهم فرد عليه مصطفى كامل شاكرًا إياه وشاكرًا فرنسا منتظرًا منها معونة مصر وتأييدها.

ويذكر المرحوم علي بك فهمي كامل في السيرة التي وضعها لأخيه أنه بعد أيام من ذلك وساعة سفر علي مع الأورطة البيادة الأولى أسرَّ إليه مصطفى بأنه مسافر إلى باريس، وقد دهش علي لهذا السفر المفاجئ على غير ميعاد وبلا سبب، وربما دهش له لسبب آخر حين ذكر له أخوه أن سفره إنما تدعو إليه «المسألة المصرية» لما يقتضيه هذا السفر وهذه المسألة والدعوة لها من طائل النفقة.

وسافر مصطفى إلى باريس، والحق أنه قام بالدعوة فيها بطريقة تدل على مهارة لا تتاح لفرد، بل تدبرها جماعة، وعلى نشاط لا يؤتاه كثيرون، فذكر بداءة أنه موفد من قبل الحزب الوطني المصري، والحزب الوطني على ما نعرفه نحن اليوم وعلى ما خلفه مصطفى كامل في سنة ١٩٠٨ لم يكن له وجود في سنة ١٨٩٥، لكن الحزب الوطني هو الاسم الذي كان يطلق على العرابيين، وإذًا فهو يذكر الفرنسيين بهذا الحزب الذي تغلب عليه الإنجليز وحدهم حين تنحى الفرنسيون عن وادي النيل.

ثم إنه جعل أساس دعوته فضلًا عن ذلاقة لسانه لوحة فنية بديعة لم يذكر لنا مؤرخوه من الذي نقشها ومن الذي أمر بنقشها، وتمثل هذه اللوحة فرنسا واقفة في قوس نصر قام على نصب رفيع يجري النيل من تحته، وقد قامت مصر على شاطئه مقيدة يحرسها جندي بريطاني، وتقدم جماعة من المصريين إلى فرنسا يستنجدونها لتفك إسار وطنهم، ونقش على اللوحة بالعربية وبالفرنسية هذه الأبيات:

أفرنسا يا من رفعت البلايا
عن شعوب تهزها ذكراك
انصري مصر إن مصر بسوء
واحفظي النيل من مهاوي الهلاك
وانشري في الورى الحقائق حتى
تجتلي الخير أمة تهواك
ومن هذه اللوحة طبعت ألوف وُزِّعت في أنحاء العالم ونشرت في كل صحيفة بعد أن قدمها مصطفى كامل بعريضة إلى رئيس مجلس النواب الفرنسي نيابة عن المجلس، ومما جاء في هذه العريضة قوله:

جاءت الأمة المصرية تستغيث بهذه الأمة الكريمة — فرنسا — التي حررت عدة من الأمم، فهل تجاب إلى استغاثتها وتضرعها؟ وهل لفرنسا أن تؤيد بهذا العمل الجليل مكانتها في العالم الإسلامي الواثق بها؟ على أن ذكر اسم مصر عندما تكون حرة مستقلة بجانب الأمم العديدة التي حررتها فرنسا ليس بالفخار القليل لها، فلتحيا فرنسا محررة الأمم.

كان لهذا العمل الذي قام به مصطفى كامل نيابة عما سماه الحزب الوطني ضجة كبيرة في العالم لفتت إليه الأنظار من كل صوب وجعلت الصحف في مختلف الدول تهتف باسمه، خلا الصحف الإنجليزية التي تناولت هذا العمل بالتقريع وعزته إلى مقامات خاصة في مصر، وشد هذا النجاح الأول من عزيمة مصطفى كامل، ومكن له من الاتصال بكبار الساسة وما يزال في مقتبل شبابه، وزاده جرأة وإقدامًا فجعل يطوف عواصم أوربا يتحدث فيها إلى الصحفيين والساسة مذكرًا إياهم بوعود إنجلترا بالجلاء عن مصر وبمصالح دولهم في أن يتم هذا الجلاء، ثم عاد إلى باريس فنشر فيها رسالة عن أخطار الاحتلال الإنجليزي لمصر، وفي ١٣ نوفمبر سنة ١٨٩٥ كتب إلى لورد سالسبري ردًّا على خطاب كان الوزير الإنجليزي قد ألقاه في جلد هول عن سياسة أوربا نحو تركيا، وفي خطابه دافع مصطفى كامل عن المسلمين وعن دولة الخلافة، وفي ٣ يناير سنة ١٨٩٦ كتب إلى المستر جلادستون يطلب إليه — برغم وجوده بعيدًا عن الحكم — تصريحًا في شأن مصر؛ فأجابه جلادستون بخطاب وردت فيه العبارة المأثورة: «وافى زمن الجلاء فيما أعلم منذ سنين.» وعاد بعد ذلك إلى مصر حيث أقام بها حتى أغسطس إذ شد رحاله إلى أوربا من جديد، وفي أثناء مقامه بمصر ألقى خطابه الأول بالإسكندرية كما كثر المتصلون به من المصريين، وفي هذه الفترة أيضًا نشرت له جريدة الإكلير الفرنسية التي تصدر بباريس حديثًا عن الحملة المصرية الإنجليزية إلى السودان معتبرًا إياها وسيلة إلى إطالة أمد الاحتلال الإنجليزي إطالة لا نهاية لها، وفي هذه الفترة أيضًا اتصل علنًا بالخديو اتصالًا زاد العلاقات بين لورد كرومر وعباس توترًا، ثم سافر في أول أغسطس إلى باريس حيث استمر هناك في نشر الدعوة لمصر على أمل أن يحمل فرنسا وغيرها من دول أوربا على التدخل لمصلحتها، وفي هذه المرة كان يذكر الخديو عباس ويموله نحو مصر وأن «خطته هي انتظار الظروف ليستعد أحسن استعداد للوثوب والنزال لاسترداد حقوق البلاد المهضومة»، ولم يغفل ذكر المسلمين والخليفة، وبعد أن قام بنشر الدعوة في باريس سافر إلى برلين ومنها إلى فيينا فالأستانة حيث وصلها في أواخر أكتوبر وقابل فيها جلالة السلطان، قال في كتاب له إلى أخيه علي فهمي كامل: «وكان جلالته — كما أبلغني الباشكاتب — يود الإنعام عليَّ برتبة أو نيشان ولكني أظهرت عدم رغبتي في شيء من ذلك حتى لا تروج بضاعة الأعداء ضدي ويتهمني أبناء الوطن العزيز بالعمل حبًّا في الظهور وفي مثل هذه الألقاب الكاذبة.»

وكذلك جعل من أوربا ميدان نشاطه السياسي فكان يقضي فيها معظم شهور السنة متنقلًا بين عواصمها متحدثًا إلى رجال الصحافة والسياسة فيها داعيًا إياهم ليستوفوا إنجلترا وعودها بالجلاء عن مصر متحدثًا عن المصريين تارة وعن المسلمين طورًا، كل ذلك في لهجة أدنى إلى الاعتدال وإن وصفها الإنجليز بالتطرف، وقد بقيت من أساليبه في الدعاية السياسية إذ ذاك تلغرافات الاحتجاج على ضرب الإسكندرية وغير ضرب الإسكندرية من الحوادث التي أدت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، لكن السياسة الإنجليزية من جانبها كانت جادة في السعي لتحقيق ما أفضى به الكولونيل بارنج إلى مصطفى كامل مما نشره في يناير سنة ١٨٩٥.

فكانت الحملة لاسترداد السودان واسترداده بالفعل وعقد اتفاقية ١٩ يناير سنة ١٨٩٩ وفتور الدول وفي مقدمتها فرنسا عن القيام بأي سعي جدي لمناوأة إنجلترا في مصر، ولكن ذلك لم يفتَّ في عضد مصطفى كامل، ولم يضعف من نشاطه وإقدامه، وإن يكن قد دعاه أو دعا الذين يعمل معهم للتفكير في وسائل أخرى، وكان الالتجاء إلى الباب العالي بعض هذه الوسائل.

ولعل التفكير في هذا الالتجاء كان من أثر انتصار الدولة العلية في الحرب البلقانية، وفي هذه الأثناء كثر تردد مصطفى كامل على الأستانة وازداد إعجاب السلطان عبد الحميد به، فأنعم عليه في سنة ١٨٩٩ برتبة المتمايز ثم بالرتبة الأولى، وذلك في ظرف شهرين اثنين كما أنعم عليه برتبة الباشوية بعد ذلك بسنين قلائل.

ولم يكن في مقدور تركيا أن تقاوم إنجلترا في مصر أكثر مما تقاومها أية دولة من الدول الأوربية، وهذه الظروف مجتمعة دعت مصطفى كامل والذين يعمل معهم ليروا عقم سياسة الاقتصار على نشر الدعوة في أوربا وحدها والاعتماد على الدول لإجلاء إنجلترا عن مصر، وليفكروا في استنهاض الشعب المصري نفسه بالتعليم وبدعوته لتقدير عزته القومية وكرامته الوطنية، وبهذه الفكرة تأسست مدرسة مصطفى كامل في سنة ١٨٩٩ وصدرت جريدة اللواء في ٢ يناير سنة ١٩٠٠، ومن ذلك الحين قامت سياسة مصطفى على أساس من توثيق عرى روابط مصر بتركيا باعتبارها الدولة المتبوعة من جهة والدولة الإسلامية القوية التي يمكن أن تتجه الشعوب الإسلامية لها بالرجاء من جهة أخرى، أما فيما يتعلق بسائر الدول الأوربية فقد ضعف رجاؤه فيها، وإن ظل مستمسكًا منه بخيوط لعلها كانت بقية ذلك الأمل القوي القديم الذي جعله يرفع صوته عاليًا خمس سنوات تباعًا في عواصم أوربا، أو لعلها الحرص الطبيعي في الإنسان على ألا ينكر شيئًا من ماضيه، أما سياسته في استنهاض الشعب المصري فكانت تقوم على غرس الكراهية في نفوس المصريين للإنجليز وحكمهم مصر وملء النفس المصرية بالإيمان بحق الوطن وبالتفاني في محبته والإخلاص له وبالأمل دائمًا في ثمرة السعي الصالح لفائدته.

وعجيب مع ذلك كله، ومع أن مصطفى كامل كان ذكيًّا جريئًا، ومع أنه أمضى ما أمضى من السنين في أوربا، ومع إعجابه بالمدنية الأوربية إعجابًا تكرر ذكره في كتبه ورسائله؛ عجيب مع ذلك أنه كان رجعيًّا في دعوته الاجتماعية، فلقد ظهر كتاب المرحوم قاسم أمين عن تحرير المرأة في سنة ١٨٩٩، وكان منطقيًّا أن يلقى التأييد الحار من جريدة الزعيم الشاب أول ظهورها في يناير سنة ١٩٠٠، لكن الأمر كان على نقيض ذلك، فقد كان اللواء خصمًا لدودًا لقاسم أمين ولأفكاره وكان ميدانًا لأشد المطاعن عليه، وظل اللواء كذلك في شأن الإصلاحات الاجتماعية كلها محافظًا بل رجعيًّا مستمسكًا بالقديم أشد الاستمساك، ولئن جاز لنا أن نعلل خصومته لقاسم أمين بما لقيه قاسم من تجهم الخديو له تجهمًا حرم عليه وهو مستشار بمحكمة الاستئناف أن يدخل القصر، فإن تعليل رجعية اللواء في الشئون الاجتماعية قد يبدو عسيرًا إلا إذا كانت العلة هي بعينها التي دعت الأمير ورجاله للوقوف في وجه قاسم وأفكاره، هذه العلة في رأينا هي تمليق الشعب فيما هو عزيز عليه من عادات وأوهام لاستغلاله في الغايات السياسة التي يريد الأمراء والملوك استغلاله فيها، وتلك هي علة تمليق الأمراء والملوك والدعاة السياسيين لرجال الدين لأنهم حفظة هذه العادات والأوهام، فلو أن عباسًا أو لو أن مصطفى كامل عضد قاسمًا في رأيه في تحرير المرأة لأدى ذلك لفتور الشعب عنهم وتردده في اتباعهم، ولو أن عباسًا أو لو أن مصطفى كامل أراد أن يهز أوهام السواد في الناحية التي تعرض الشيخ محمد عبده لهزها لفتر الشعب كذلك وتردد، والداعية السياسي تاجر يزن الأمور والحقائق بنتائجها لا بقيمتها الصحيحة ولا بما تحتويه، وما دام غرس كراهية الاحتلال البريطاني في نفوس المصريين وملء قلوبهم بالإيمان الوطني يعوق سبيل الدعوة للإصلاح الاجتماعي فليكن الداعية السياسي، وليكن الأمير محافظًا بل رجعيًّا بل عدوًّا ظاهرًا محاربًا لكل فكرة حرة.

ونجحت دعوة مصطفى كامل أعظم نجاح، ذلك بأن نفوس الشباب في مصر كانت متعطشة إلى نغمة جديدة تحيي فيها الأمل بحياة عزيزة، وكانت هذه النغمة قد اختفت منذ الحوادث العرابية إلى أن جاء مصطفى كامل، وبرغم وجود كثيرين ذوي مقدرة لا تقل عن مقدرته وذوي تفكير أنضج من تفكيره، فلم يكن أحد منهم في إقدامه ولم تكن حمية الشباب ملتهبة في نفس هؤلاء التهابها في نفسه، وعاون على نجاحه أسلوب جديد في الخطابة لم يكن مألوفًا من قبل، هو الأسلوب الوجداني الذي امتازت به خطابات الثورة الفرنسية، هذا الأسلوب المعتمد على الجمل الضخمة التي تندفع بها المجاميع من غير روية عادة إلى الغاية التي يريدها الزعماء، «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة»، «بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لبي وجناني، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر»، «لو انتقل قلبي من الشمال إلى اليمين … إلخ»، بهذا الأسلوب الوجداني وبقوته الخطابية النادرة المثال وبمخاطبته شعور الشبيبة وباستنهاضه همتها وبأناشيده عن الوطن ومحبته وارتقائه، بذلك كله استطاع الزعيم الشاب أن ينهض بأعباء دعوته مؤيدًا من الخديو عباس وأصدقائه بادئ الأمر، شاعرًا بقوته بعد ذلك، ممليًا إرادته على الذين كانوا يملون من قبل عليه إرادتهم، مستأثرًا بكل أمر وبكل رأي، مطاعًا من كل أنصاره وأتباعه الذين لم يتسامَ واحد منهم ليتطلع إلى مثل مكانته، متقدمًا دائمًا إلى الأمام يتبعه شباب الأمة كلها، رافعًا بذلك علم النهضة مرددًا نشيد الأمل في المجد والعظمة بصوت تهتز له الأفئدة وتخفق له الجوانح فلا تعرف الخطر ولا تأبه له ولا تشعر باقترابه بل بوقوعه.

بإزاء هذه الحركة الوطنية المتدفقة حرارة وإيمانًا لم يكن لإنجلترا إلا أن تضاعف المجهود لبلوغ غاياتها السياسية في مصر، ولم يكن لورد كرومر ممثلها في مصر يومئذٍ بالرجل الذي يستهان به، فحارب هذه الحركة وطعنها من جانبين: اتهمها بالتعصب الإسلامي ليستثير أوربا المسيحية، واتهمها بالعداوة للأجانب ليؤلب الدول في صف إنجلترا، وما أيسر ما تصدق الأذن الأوربية كلمة التعصب الإسلامي وعداوة المصريين المسلمين للأجانب المسيحيين؛ لذلك أنفق مصطفى كامل كثيرًا من جهوده في مصر وفي أوربا لنفي التهمتين، وكان من ذلك أن أنشأ جريدتين في مصر إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية، على أن إنجلترا لم تقف من مجهوداتها عند هذا الحد، بل واصلت المسعى السياسي حتى عقدت الاتفاق الودي مع فرنسا في ٨ يناير سنة ١٩٠٤ وبه حصلت على إطلاق يدها في مصر على ألا تغير نظام مصر السياسي، وأقرت ألمانيا والنمسا هذا الاتفاق، فأقرت الدول الثلاث بذلك معاهدة السودان التي عقدت في سنة ١٨٩٩، وبهذا الاتفاق الودي انهار ركن من أهم أركان سياسة مصطفى كامل، بل انهار مجهوده منذ سنة ١٨٩٥ إلى سنة ١٩٠٠ حين كان كل عمله التجوال في عواصم أوربا لاستفزاز دولها كي يقتضوا إنجلترا تنفيذ وعودها بالجلاء عن وادي النيل.

والواقع أن هذا الحادث صدم المصريين يومئذٍ صدمة قوية، فرنسا هذه التي طالما علقت مصر عليها الآمال، فرنسا التي رفعت البلايا عن شعوب تهزها ذاكراها، فرنسا محررة الأمم ومعلنة حقوق الإنسان والمنادية بالحرية والإخاء والمساواة، هي التي تمضي الاتفاق الودي تؤيد به سياسة الاستعمار، فتترك إنجلترا تطلق يدها في مصر مقابل ترك إنجلترا إياها تطلق يدها في مراكش! يا لخيبة الأمل! وأين إذًا محل الرجاء؟!

لكن «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة» فلنجاهد، واستمر مصطفى كامل في جهاده، وما يزال له في دولة الخلافة بعض الرجاء وما تزال دعوة الشعوب الإسلامية للالتفاف حول دولة الخلافة كوسيلة لتحررها محور دعوته، فلما كانت أوائل سنة ١٩٠٦ حدث ما زعزع من رجاء مصر في الدولة العلية هي الأخرى، ذلك أن أعادت تركيا الخلاف الذي أحدثته حين تبوأ عباس عرش أبيه في سنة ١٨٩٢ بأن أرادت أن تخرج شبه جزيرة سينا من الأراضي المصرية، فوقفت إنجلترا وأصرت على أن تكون حدود مصر هي المبينة في الفرمان الذي أصدره السلطان لإسماعيل باشا في سنة ١٨٧٣، وقد قبلت تركيا ذلك في تلغراف أرسله الباب العالي في ٨ يناير سنة ١٨٩٥، لكنها أرادت أن تفسر هذا التلغراف في سنة ١٩٠٦ تفسيرًا خاصًّا فتجعل حدود مصر تنحدر من رفح إلى السويس فإلى العقبة، فوقفت إنجلترا مرة أخرى، ولما احتلت القوة التركية طابة، وهي قرية على مقربة من العقبة داخلة ضمن الحدود المصرية، خاطب السير إدوارد جراي وزير الخارجية البريطانية إذ ذاك سفيرَ تركيا في لندرة بما معناه: أن قوات الإمبراطورية على استعداد لتأييد مركز إنجلترا في مصر. وقد استمرت المشادة في هذا الموضوع بين تركيا وإنجلترا زمنًا وقف في أثنائه مصطفى كامل بجانب تركيا يدافع عن مطالب دولة الخلافة جهد طاقته، على أن تركيا انتهت آخر الأمر بالتسليم بمطالب إنجلترا، فكانت هزيمة مسقطة لكل أمل في معونة تركيا، وكذلك تداعى الركن الثاني من أركان الدعوة التي كان مصطفى كامل قائمًا بها.

ولقد كان من شأن تداعي هذه الأركان واحدًا بعد واحد أن يكشف عما تستره هذه السياسة من الخيال، على أن حادثًا جديدًا وقف فيه مصطفى كامل موقف المدافع عن العدالة والإنسانية بمعناها الصحيح ستر ما انكشف من فساد الاعتماد على أوربا وعلى الباب العالي، ذلك هو حادث دنشواي، فقد خرج جماعة من الضباط والعساكر الإنجليز من القاهرة قاصدين الإسكندرية فمروا في طريقهم بقرية دنشواي فنزلوا لصيد الحمام بأجرانها، واعترضهم الأهالي وحدث تصادم انتهى بجرح أربعة من المصريين بينهم امرأة وبإصابة بعض الضباط الإنجليز إصابة فر من جرائها أحدهم الكابتن بول فأصابته ضربة شمس مات متأثرًا بها.

وعلى أثر هذا الحادث عقدت المحكمة المخصوصة التي شُكِّلت بديكريتو سنة ١٨٩٥ لتنظر في هذه القضية وحكمت على أربعة من الأهالي بالإعدام وثمانية بالجلد وآخرين بالأشغال الشاقة، ونُفِّذ هذا الحكم بطريقة همجية لا عهد للإنسانية بها منذ عصورها المظلمة، فقد نصبت المشانق التي أرسلت إلى قرية دنشواي قبل صدور حكم المحكمة أمام منازل الأهالي مباشرة ونصبت إلى جانبها آلات الجلد، وغداة صدور الحكم نفذ على صورة يقشعر من هولها البدن، فكان كل محكوم عليه بالإعدام يعلق في المشنقة ويبقى معلقًا أمام أنظار أهله وأبنائه إلى أن يجلدوا اثنين من المحكوم عليهم بالجلد، وكان هؤلاء يجلدون بكرابيج ذات ثمانية ألسن معقود طرف كل لسان منها بقطعة من الرصاص، ومن حول المشانق والمجالد وفوق أسطح المنازل وقف الناس من أهل هؤلاء التعساء وذويهم يشهدون جلودهم تشوى بالكرابيج وجثثهم فارقتها أرواحها معلقة في المشانق، ومستشار الداخلية الإنجليزي واقف يحافظ على النظام لهذا المشهد الذي أبدعته إنجلترا في مطلع القرن العشرين، ما أشدها وحشية! وما أتعسها حضارة!

هنا يجب أن يرتفع الصوت عاليًا دفاعًا عن الرحمة وعن الإنسانية وعن العدالة وعن كل المعاني التي جاهدت الإنسانية أجيالًا وقرونًا لتثبيتها في النفوس، وأي صوت أرفع من صوت مصطفى كامل، وأي أسلوب وجداني كأسلوبه! وهذه الدعاية السياسية التي فشلت بإزاء قوة إنجلترا في أوربا وفي مصر لا بد أن تنجح إذا استغلت لكشف هذا الظلم وللاستفادة منه لتحريك النفوس، وقد نجح مصطفى كامل في هذا أكبر نجاح، والحق أنه لم يرتكب في التاريخ الحديث فظاعة تعدل فظاعة تنفيذ حكم دنشواي، ولم تُثِر حادثة من الحوادث الشعور القومي في مصر ما أثارته هذه الحادثة، ولقد صدق مصطفى كامل إذ قال: إن عشرات السنين كانت أقصر من أن تحيي شعور الشعب كما أحياه هذا الحادث؛ لذلك ظل يكتب ويخطب في مصر وفي إنجلترا بيانًا لبشاعة هذا الظلم الذي بلغ من بشاعته أن اضطر لورد كرومر إلى اعتزال منصبه في مصر مع اعتراف الكل له بأنه من أقدر الساسة البريطانيين وأعظمهم أثرًا في حياة الإمبراطورية.

على أن المصريين كانوا قد رأوا فشل السياسة الأولى التي جروا عليها: سياسة الاعتماد على فرنسا ثم على أوربا ثم على الباب العالي، وقدر جماعة منهم أن لا بد من الأخذ بسياسة أخرى هي إعداد الأمة بأدوات الاستقلال من علم وخلق وغرس الإيمان بنفسها في نفسها لا لمجرد كراهية الإنجليز ولا حبًّا في الباب العالي ومقام الخلافة السامي، ولكن حبًّا في الاستقلال والحرية لذاتها، وكان لطفي بك السيد وزير المعارف السابق لسان الذين فكروا هذا التفكير والذين اعتزموا لبث دعوتهم إصدار جريدة «الجريدة»، على أن نفس مصطفى كامل لم تطاوعه ليرى في ميدان الخدمة السياسية العامة من يرى غير رأيه؛ لذلك هاجم «الجريدة» قبل صدورها وهو من أعرف الناس بصديقه لطفي السيد وبالذين كانوا على رأيه، ولعل هذا الخلق في الزعيم الشاب هو الذي دعاه أن يبعث من أوربا على أثر إعلان المرحومين سعد زغلول باشا وقاسم بك أمين تشكيل لجنة لتأسيس جامعة مصرية أهلية محتجًّا على عملهم بأنه سبقهم إلى الفكرة فيجب أن يكون تنفيذها تحت رعايته.

وخلف سير الدون غورست لورد كرومر كمعتمد لإنجلترا في مصر، فجرى مع الخديو على سياسة غير سياسة المشادة والنزاع التي كانت سائدة بين عابدين وقصر الدوبارة إلى ذلك التاريخ، وطمع الخديو في أن ينال من وراء هذا الاتفاق مع معتمد بريطانيا سلطة لعل السعي لها هو الذي دفع به لاصطفائه من اصطفى من الشبان ليعلموا باسم مصر كي يخليها الإنجليز فتبقى السلطة فيها محصورة في يد حفيد إسماعيل، وغيَّر ذلك من الخديو على مصطفى كامل، وذلك شأن الملوك، يصطفون من يصطفون ما دام لهم في ذلك مأرب خاص، فإذا انقضى المأرب انصرفوا عنه وأنكروه، ثم إن مصطفى رأى دعوة لطفي السيد إلى الاستقلال التام أبعد مدى من الدعوة إلى جلاء إنجلترا وبقاء مصر تابعة لتركيا؛ لذلك قال في الخطبة البديعة التي ألف بها الحزب الوطني وألقاها في تياترو زيزينيا بالإسكندرية ما نصه: «فليعلم أعداء مصر أننا نطلب لها الاستقلال، ونطلب لها ذلك الاستقلال بأعلى أصواتنا وعلى مسمع من أمم الأرض كلها، وأننا إذا خطبنا الود لأمة أو لدولة فإنما نعمل كغيرنا ونتبع ناموس الطبيعة القاضي بأن من اتفقت مصالحهم يجتمعون ويتناصرون.» ومع هذه الكلمة الصريحة في المطالبة بالاستقلال والحرص عليه كانت الفقرة الأولى من برنامج الحزب الوطني هي استقلال مصر الداخلي وفاقًا لمعاهدة لندرة في سنة ١٨٤٠، ولعل ذلك إنما نص عليه تفاديًا من معارضة القانون والتعرض لتهمة التآمر لقلب النظام الذي كان موجودًا.

ولم يوهن فتور العلاقات بين مصطفى كامل والخديو ولا الخلاف بينه وبين الأحزاب المصرية الأخرى من همته العالية في الدفاع عن منكوبي دنشواي، وقد كلل مسعاه بالنجاح فصدر الأمر العالي بالعفو عنهم في عيد جلوس الخديو الذي تلا هذه الحوادث أي في ٨ يناير سنة ١٩٠٨.

•••

بعد ذلك بشهر واحد كان مصطفى كامل على سرير المرض ينتظر الموت في ثبات وصبر، والأمة من حوله يخفق قلبها فرقًا على هذا الابن البار الذي أذكى ضرام الوطنية في شبيبتها، فلما كان يوم ١٠ فبراير أطبق الموت جفني الزعيم الشاب وما يزال في مقتبل عمره، ولما يبلغ الخامسة والثلاثين، لكن هذه السنوات الثلاث عشرة التي جاهد فيها مصطفى (من ١٨٩٥–١٩٠٨) هي في الواقع حياة طويلة؛ لأنها حياة جليلة بنشاطها وبأعمالها، جليلة بإيمانها وسعيها، وفي عصر ذلك اليوم بينا أنا جالس مع زميل لي من طلبة الحقوق مر بنا من نعى الزعيم لنا، وفي اليوم التالي خفق قلب مصر من أقصاها إلى أقصاها حزنًا عليه وجزعًا ألا يخلفه من يكون مثله ذكاء ومقدرة وقوة إيمان.

وودع مصطفى هذا العالم وقد عمل لوطنه في عشر سنوات ما لم يعمله غيره في عشرات السنين، بل ما لم تعمله أجيال بأسرها؛ لذلك بقيت ذكراه تحييها مصر كل عام، ومن حيت ذكراهم فأولئك لهم الخلد في ضمير الدهر وكفى بذلك جزاء موفورًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠