إسماعيل باشا صبري

لم تمضِ على وفاة المغفور له إسماعيل صبري باشا غير سنوات قليلة ومع ذلك فقد بدأ الناس لا يذكرون عنه إلا أنه كان شاعرًا مجيدًا، فأما أنه كان وكيلًا للحقانية في آخر أيامه، وأنه درج قبل ذلك في وظائف الحكومة المختلفة حتى بلغ هذا المنصب، فهذا ما يسحب النسيان عليه ذيله رويدًا رويدًا، وهذا ما يعتبر الجانب القليل الخطر من حياته، ولا عجب في ذلك؛ فلقد كان الشعر هو الجانب المنير من روح إسماعيل صبري والذي يجعله أحد رجال التاريخ الحديث، والناس لا يذكرون من الكبراء إلا مواضع عظمتهم الحقة، المواضع التي تتصل فيها نفوسهم بنفس الإنسانية كلها اتصالًا تتأثر به النفس الإنسانية تأثرًا باقيًا على الأجيال في تعاقبها، فأما هذا العمل اليومي الذي يقوم به كل منا ويستطيع غيره أن يحل محله فيه، فأما هذا الجانب من الحياة الذي يتكرر فيه الفرد من غير أن تظهر له شخصية خاصة ممتازة، فأما النيابة والقضاء ووكالة محكمة الاستئناف ومنصب النائب العمومي ووكالة الحقانية مما تقلب فيه إسماعيل صبري؛ فتلك المراكز على خطرها وجلالها وما تخلعه على صاحبها في حياته من جاه ومقام عظيم، إنما يتصل صاحبها بالجيل الذي يعيش فيه، إلا أن يمتاز في أعمال هذه المناصب امتيازًا يترك أثرًا تتناقله الأجيال، ولم يترك إسماعيل صبري في هذه الناحية من حياته ذلك الأثر؛ لذلك كان له من جاهها مدى حياته ما يكون لغيره، فأما ما بقي له فذلك الضياء النفساني الذي يتجلى في شعره القليل، والذي يعتبر على قلته آية في الجمال تهتز لها نفوس كل الأجيال، والذي يبقى من أجله اسم إسماعيل صبري على الزمان؛ لأنه — على حد قول الأستاذ علي الجارم في مرثيته إياه:

لم يمت من يزول من عالم الحس
وتأبى آثاره أن يزولا

ولد المرحوم إسماعيل صبري في ١٦ فبراير سنة ١٨٥٤ ودخل مدرسة المبتديان التجهيزية فمدرسة الإدارة، وفي سنة ١٨٧٣ التحق بالإرسالية المصرية لفرنسا فنال إجازة الحقوق في سنة ١٨٧٨، وهذه الإجازة هي التي فتحت أمامه أبواب السلك القضائي من مساعد نيابة لدى المحاكم المختلطة إلى وكيل وزارة الحقانية، على أن الجانب النفسي الأقوى منه لم يكن الجانب التشريعي أو الجانب القضائي، بل كان جانب تجاوب الأوزان والأنغام والشعر، وكثيرًا ما رأيت رجالًا يكونون دون غيرهم من أهل حرفهم في الكفاية والمقدرة، ولكنهم يمتازون بجانب آخر لهم فيه نبوغ، هؤلاء يحجب فيهم جانب النبوغ الجانب الآخر ويجعله يبدو ضعيفًا، بل كثيرًا ما يجني جانب النبوغ على الجانب العملي للحياة، لما يكره النبوغ عليه من وهبته الطبيعة إياه من مجهود مستمر وحياة خاصة، فإذا الجانب العملي يكاد يُنسَى إلا ما تمليه عليه الملكات الممتازة من قوة واقتدار.

ولم يكن لجانب النبوغ الشعري في إسماعيل صبري تاريخ قديم معروف، وقد عبر شوقي في رثائه إياه عن ذلك بقوله:

إن فاته نسب الرضى فربما
جريًا لغاية سؤدد وطراف
شرف العصاميين صنع نفوسهم
من ذا يقيس بهم بني الأشراف
قل للمشير إلى أبيه وجده
أعلمت للقمرين من أسلاف

وكثيرًا ما كانت المواهب الممتازة لا ترجع إلى تاريخ قديم معروف، بل كثيرًا ما رأيت هذه المواهب الممتازة تتجلى في أشخاص لا تلمح في تاريخهم أية مقدمة لها، وهي قد تجلت في نفس إسماعيل صبري مذ كان في السادسة عشرة من عمره، وقبل أن يختط طريقه إلى السلك القضائي، فقد نشرت له مجلة روضة المدارس وما يزال في هذه السن مقاطيع شعرية تلمح خلالها روح الشاعر، وإن كانت في تلك الحين قد كانت متأثرة أشد التأثر بأغراض الشعر في عصر إسماعيل من مدح الأمراء وذوي السلطان، وروضة المدارس كانت يومئذٍ مجلة أدبية تعمل لإحياء اللغة العربية والشعر العربي.

ولما سافر في الإرسالية وأقام بمدينة اكس أتيح له الاطلاع على الأدب والشعر الفرنسي، ويدل شعره في السنوات الأخيرة على أنه تأثر بهذا الشعر كثيرًا وأنه انطبع منه في نفسه حظ غير قليل، على أنه لم يستطع في أول أمره أن ينقل إلى الشعر العربي روحًا غربية مثلما فعل شوقي مثلًا، فأنت ترى في شعر صبا شوقي الشيء الكثير المتأثر تأثرًا باديًا بحياة شوقي في أوربا، أما إسماعيل فكان منذ أول حياته شاعرًا مقلًّا، وكان — على ما يظهر من شعره — لا يتأثر سريعًا، ولكن ما يؤثر فيه يبقى عالقًا بنفسه حتى يكون له مظهره ولو بعد حين.

والظاهر أن التقاء الحياتين الشرقية والغربية والشعرين الشرقي والغربي في نفس إسماعيل صبري أَحدث أثرًا عميقًا امتزج مع غريزة حياته، فقد كان رجلًا رقيقًا كل الرقة دمث الأخلاق حاضر البديهة، اجتمع له كل ما يعرف من صفات «ابن البلد» وظرفه، وإنك لتسمع ما يرويه عنه أصحابه من ذلك الشيء الكثير، فكان إذا سئم إنسانًا من الناس ولم تطاوعه نفسه الرقيقة على الإغلاظ له في القول؛ طلب إلى صديقه حافظ إبراهيم أن يوقع بينه وبين هذا الثقيل حتى لا يضطر لمقابلته أو التحدث إليه، وكان كثير التندر، حتى لقد تحكم عليه النكتة فلا يرى بأسًا من أن يقول إنه لو نزل كتاب مقدس في القطب الشمالي لوعد الله عباده النار أعدها للمتقين، وكان ظرفه وخفة روحه وسرعة بديهته يلهمانه في كثير من المواقف ما لا يلهم المنطق، اعترف أمامه متهم بجريمة القتل فلما خلا مع زملائه للمداولة ورأى أن العقوبة هي الإعدام؛ ذكر لهم أنه يشك في اعتراف هذا الرجل لأنه لا يرى في سيماه معنى شجاعة يمتاز به على سواه من أمثاله، وجيء بالرجل إلى غرفة المداولة وقال هو له: أتدري أن اعترافك هذا يجعلنا نحكم عليك بالإعدام، فكان جواب الرجل: لكن العمدة لم يقل هذا، بل قال لي حين دفع لي الجنيهين: إني سيُعفَى عني لأني كنت في السجن حين ارتكاب الحادثة، وتبين فعلًا أن الرجل كان في السجن فلم يكن له في الحادثة يد، وقضى ببراءته.

إلى جانب هذه الصفات التي يمتاز بها «ابن البلد» المصري مما تأثرت به نفس إسماعيل صبري الشاعرة بمخالطتها الوسط المصري، كان رجل اجتماع بالمعنى الإفرنجي الصرف، أي رجل دنيا إذا أردت ترجمة العبارة الفرنسية Homme du monde ترجمة حرفية، وكان له أصدقاء كثيرون جدًّا من الجاليات الأوربية المقيمة بالقاهرة، وكان يغشى اجتماعات من يختارهم من أهل هذه الجاليات بمقدار ما يغشى اجتماعات الظرفاء وأولاد البلد.

على أنه مع كل هذه الوداعة والظرف ومع ما كان يسيل به خلقه من رقة، كان أبيًّا لا يقيم على ضيم، ذكر لي أصدقاؤه الذين عرفوه طوال حياته أنه برغم ما تقلب فيه من كبرى مناصب الحكومة كان المصري الوحيد الذي لم يقابل لورد كرومر ولم يدخل الوكالة البريطانية في مصر، وأنه حدث بينه وبين رياض باشا — وكان رئيس النظار — جفاء لحكم أصدره ماسًّا ببعض المحسوبين على رياض باشا، فلما جاء في أحد المواسم إلى عابدين ومثل بين يدي الخديو توفيق ثم خرج من لدنه إلى رياض باشا مهنئًا إياه كرئيس حكومة أوقفه رياض باشا ولم يأذن له بالجلوس، وكان ابن رياض باشا واقفًا عند باب الحجرة التي يجلس فيها أبوه، فقال إسماعيل صبري مخاطبًا الابن بمسمع من الأب: قل لأبيك يحترم الناس كي يحترموه، وروى عثمان باشا مرتضى في حفلة تأبين إسماعيل صبري أن أحد قناصل الدول الأجنبية طلب إليه — وكان محافظًا للإسكندرية — أن يشيع جنازة غني من أهل جاليته ترك ثروة طائلة كسبها في مصر وأوصى بها كلها لبلاده، فكان جواب المحافظ أن اعتذر؛ لأن المحتفل بجنازته لم يفكر في مصر التي أثرى فيها، فليس يطلب من مصري أن يفكر في مجاملته حيًّا أو ميتًا.

دعة وظرف ورقة وحسن معاشرة وإباء، اجتمعت كلها في نفس شاعر التقت فيه الحياتان الشرقية والغربية وألهمتها الطبيعة ذوق الجمال، وبخاصة ما كان منه متعلقًا بالنغم الشعري، فماذا ترى يكون أثر ذلك كله في شعره؟ فأما الرقة فقد تنفست في شعر صبري غزلًا بالمرأة وهيامًا بجمالها أيًّا كانت هذا المرأة، وأنت ترى من ذلك شيئًا غير قليل حين تذهب إلى مراجعة شعر صبري الغنائي، لكنك تراه ماثلًا بصورة حلوة جميلة آخذة باللب في قصيدته البديعة (تمثال جمال) وبخاصة في هذه الأبيات منها يخاطب المرأة الجميلة أو كما سمَّاها «لواء الحسن»:

إن هذا الحسن كالماء الذي
فيه للأنفس ري وشفاء
لا تردي بعضنا عن وِرْده
دون بعض، واعدلي بين الظماء
ساعفِي آمال أنضاء الهوى
بقبول من سجاياك رخاء
وتجلَّي واجعلي قوم الهوى
تحت عرش الشمس بالحكم سواء
أقبلي نستقبل الدنيا وما
ضمنته من معدات الهناء
واسفري تلك حلى ما خلقت
لتوارى بلثام أو خباء
واخطري بين الندامى يحلفوا
أن روضًا راح في النادي وجاء
وانطقي ينثر إذا حدَّثْتِنا
ناثر الدر علينا ما نشاء
وابسمي، روحانية لا تدعي
أن هذا الحسن من طين وماء
وانزعي عن جسمك الثوب يبن
للملا تكوين سكان السماء
وأري الدنيا جناحي مَلكٍ
خلف تمثال مصوغ من سناء

وتراه كذلك في هذه الأبيات يخاطب بها امرأة لا تدري أية واحدة هي من أَلْوِية الحسن التي تزدحم عادة في نفس ذوي الظرف والرقة ممن لا تحتمل نفوسهم طغيان الحب المستبد يذعن له الفؤاد والقلب والنفس والجوارح جميعًا إذعان خضوع وإيمان واستسلام، وهو مع ذلك بإذعانه راضٍ وبذُلِّه سعيد:

زِيني النَديَّ وسيلي في جوانبه
لطفًا يعم رعايا اللطف ريَّاه
ريحانة أنت في صحراء مجدبة
من الرياحين حيَّانا بها الله
إن غاب ساقي الطلا أو صد لا حرج
هذا جمالك يغنينا مُحيَّاه

لعلك تلمح فيما نقلنا من هاتين القصيدتين — أو المقطوعتين إن شئت — شيئًا غير الغزل بجمال المرأة من غير تقيد بامرأة معينة، ولعلك تلمح فيها من الموسيقى أكثر مما اعتدت أن تلمح فيما تستمع إليه من شعر غير إسماعيل صبري، وإنك لواجد هذه النغمة الموسيقية الحلوة الرقيقة في أكثر شعره وإن لم يكن في شعره جميعًا، بل إنك لواجدها حتى في القصائد التي يكلف الشاعر نفسه أن يكون حماسيًّا فيها كقصيدة فرعون وقومه، بل إنك لواجدها حتى فيما يتكلف فيه الحكمة كقصيدة الساعة وما نظمه عن نجم هالي، وذلك طبيعي وقد كان إسماعيل صبري مشغوفًا بالغناء طول حياته إلى غير حد حتى كانت الحياة عنده قطعة من الموسيقى، أو قل كان خير ما في الحياة عنده قطعة من الموسيقى، وكان سمعه أكرم حواسه عليه، أليس في رثائه يقول حافظ إبراهيم:

لقد كنت أغشاه في داره
وناديه فيها زها وازدهر
وأعرض شعري على مسمع
لطيف يحس نبو الوتر

والحق أن إسماعيل صبري لم يولع في حياته بشيء ولعه بالغناء، ولم يجاهد وهو في مناصب القضاء لترقية شيء في مصر أكثر من جهاده لترقية الغناء، كان ذلك شأنه منذ عهد الخديو إسماعيل باشا، أي منذ أن نشأ يقول الشعر إلى أن مات، وكان لا يقف من شعره الغنائي عند الشعر العربي بل كان يختلط بالمغنين ورجال الموسيقى وكان يضع لهم أدوارًا باللغة المصرية، وكان لذلك موضع محبة رجال الفن الموسيقيين والمغنين واحترامهم.

ولقد كان له في هذا الباب فضل كبير: رفع الأدوار الغنائية من درك كانت فيه، فجعلها ذات معانٍ رقيقة تمثل عواطف طاهرة وميولًا سامية، وأدواره (قدك أمير الأغصان) و(الفجر لاح قوموا يا تجار النوم) وغيرهما لا تزال من أفضل الأدوار المصرية التي تُغنَّى إلى وقتنا الحاضر، وقد عرفه الناس جميعًا بذلك حتى كان حجة يرجع إليه، روى لي أحمد شوقي بك حادثة غاية في اللطف، تلك أنه كان عنده وهو يشغل منصب النائب العمومي يومًا وكانت مصر تموج أفكار أهلها بحادث سياسي وقع فيها، وفيما هما جالسان يتحدثان دخل حاجب ومعه مظروف حكومي كبير فقطع ذلك حديثهما وانتظرا أن يجدا فيه إشارة إلى الحادث السياسي وما يجب اتخاذه من الإجراءات بإزائه، فلما فض إسماعيل باشا المظروف وقرأ ما بداخله هز رأسه مبتسمًا، ذلك أن علي باشا شريف رئيس مجلس الشورى يومئذٍ قد بعث في هذا المظروف بدور غنائي وهو يطلب إلى النائب العمومي إصلاحه، ولهذه المناسبة قص إسماعيل باشا صبري حادثًا وقع في قرطبة حين كانت الدولة الإسلامية على وشك الزوال منها، وكانت طرقها تجري دمًا لاقتتال الناس فيها؛ ذلك أن فتاة أطلت من نافذتها منادية صديقة لها في نافذة مقابلة تطلب إليها وترًا تصلح به عودها، وكذلك يطلب رئيس مجلس الشورى إلى النائب العام أن يصلح له دورًا غنائيًّا بينما تموج البلاد بحادث سياسي لا تعرف نتائجه.

ولهذا الولع بالنغمة وبالغناء ترى الكثير من شعر إسماعيل صبري صالحًا لأن يكون صوتًا يغنى فيه، اسمع إلى قوله يخاطب سيدة تدعى ألكسندرا:

انثري الدر يا سَمِيَّةَ إِسْكَنْـ
ـدرَ لا فُضَّ عِقدُهُ من فيك
وأميطي عن الحقيقة ما يحـ
ـجب عنا جمالها من شكوك

وقوله:

أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة
ولا بشافعة في رد ما كانا
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنًا
حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا
هلَّا أخذت لهذا اليوم أُهْبَته
من قبل أن تصبح الأشواق أشجانا
لهفي عليك قضيت العمر مقتحمًا
في الوصل نارًا وفي الهجران نيرانا

وغير ذلك مما يغنى فيه من شعر إسماعيل صبري كثير.

أنت لا تستطيع أن تطلب إلى شاعر بلغ من الرقة ما بلغ إسماعيل صبري وشغف بالغناء شغفه أن يكون ممن يجاهدون الحياة ويحاولون إخضاعها لرأيهم أو أن يكون قوي الإيمان مما في الحياة بشيء، فالمرأة وجمالها والغناء وألحانه والموسيقى وأنغامها صور يطرب لها الحس وينطبع طربه في النفس فيدعوها إلى الطمأنينة للحياة والاستهتار بما يشغل الناس أنفسهم فيها من شئون، والتوافر على المتاع بهذا الطرب والحرص على استدامته والفزع لذلك من الموت، ويذكر الذين عرفوا إسماعيل صبري معرفة صحيحة أنه كان كذلك، لكنك مع ذلك ترى في شعره نزعات تكاد تكون صوفية، وترى إلى جانب ذلك شيئًا من التبرم بالحياة ومن إيثار الموت واستعجاله، أليس يُذكِّر بتغزل عمر بن الفارض شيخ الصوفية في الذات الإلهية قول إسماعيل صبري:

يا رب أهلني بفضلك واكفني
شطط العقول وفتنة الأفكار
وَمُرِ الوجود يشف عنك لكي أرى
غضب اللطيف ورحمة الجبار
يا عالم الأسرار حسبي محنة
علمي بأنك عالم الأسرار
أخلق برحمتك التي تسع الورى
ألَّا تضيق بأعظم الأوزار

أو ليست الحكمة كل الحكمة في قوله:

أواه لو عقل الشباب
وآه لو قدر المشيب

أو لم يقل الفلكيون إن نجم هالي المذنب الذي مر بالأرض في سنة ١٩١٠ كان سيحرق الأرض ويقيم القيامة فابتهج إسماعيل لذلك وقال:

أنت نعم النذير يا نجم هالي
زلزل السهل والرواسي ذعرًا
إن يكن في يمينك الموت فاقذفـ
ـه شواظًا على الخلائق طُرًّا
أغدًا تستوي الأنوف فلا ينـ
ـظر قوم قومًا على الأرض شَزْرًا
أغدًا يصبح الصراع عناقًا
في الهيولي ويصبح العبد حرًّا
إن يكن كل ما يقولون فاصدع
بالذي قد أمرت حييت عشرًا

بل ألم يدعُ صبري الموت كما دعاه فوست مستعجلًا إياه كي ينقذه من عذاب الدنيا حين قال:

يا موت خذ ما أبقت الـ
أيام والساعات مني
بيني وبينك خطوة
إن تخطها فرَّجت عني

فكيف مع هذا كله يكون بشًّا للحياة طروبًا بما فيها فزعًا من الموت ومن العدم؟! وكيف مع هذه الحكم التي نراها في شعره يكون كل شغله بجمال المحسوسات من منظور ومسموع؟! هذا اعتراض يرد للذهن لأول وهلة، لكن الشاعر لا يكون شاعر حكمة ولا شاعرًا نفسانيًّا لمجرد ذكره خواطر فلسفية وعتها ذاكرته أكثر مما اهتزت لها نفسه، ثم هو لا يكون برمًا بالحياة مؤثرًا الموت لبعض أبيات قد تدفعه إلى قولها شئون خاصة، فالبيتان الأخيران اللذان رويناهما لإسماعيل صبري — في رواية بعض من عرفوه — لما كان يلقى في حياته العائلية من أسباب الشكوى، وأما ذلك التصوف الذي نراه في الأبيات الأولى فليس إلا مظهرًا لما وعت الذاكرة راجع نفس الشاعر في ساعات تغص فيهما النفس بنعيم الحياة حين يفيض عنها فيضًا يجعلها تستغفر وتتوب برهة لتعود إلى نعيم الحياة وفيضه بعد ذلك مباشرة، فأما الشاعر النفساني فهو الذي يحس في أعماق نفسه بمعانٍ قوية تظهر في شعره، ولو تحدث عن ظواهر تعُدُّها أنت وأعدها أنا تافهة في الحياة، من ذلك كثير من شعر أبي العلاء المعري، ومنه كثير من شعر الإفرنج، كنت أعيد منذ بضعة أيام قراءة قصيدة (موت الذئب) لألفرد دُفيني وأستعيد منها المعاني القوية التي تجيش في نفس الشاعر الفرنسي وتتجلى في كل قصائده، مثل هذا الشاعر النفساني إن كان دينيًّا يرى في جمال المرأة وفي تجاوب الموسيقى وفي ألحان الغناء معانيَ دينية، وهو يرى هذه المعاني الدينية في موت طفل وفي موت ذئب كما يراه في الحب وفي كل صورة من صور الحياة ولون من ألوانها، وإن كان شاعر عاطفة أو شاعر فلسفة تجلت العاطفة والفلسفة في شعره كله، فإذا رأيت له شعرًا لا يعمره الجانب النفسي القوي من جوانب حسه أو شعوره أو تفكيره كان لك أن تحكم بأن ما اختزنته الذاكرة مما لم يؤثر في النفس أثرًا عميقًا هو مبعث هذا الشعر، وما تختزنه الذاكرة مما ينظمه الشاعر ليس هو المعبر عن نظرته للحياة وتقديره لما فيها.

كان إسماعيل صبري إذًا متأثرًا بما تتأثر به العين والأذن من صور الحياة وألوانها، وكان هذا هو الذي يوقع على وتر عاطفته أنغام شعره، وكان شعره لذلك جميل اللفظ غاية الجمال، وكان تأثره هذا يجعله معنيًّا بالجمال اللفظي أكثر من كل شاعر سواه، وإنك لتجد أمامك فيما نقلنا لك هنا من شعره مظهر ذلك واضحًا جليًّا، فرب فكرة عادية أو صورة تمر أمامك كل يوم تجدها في هذا الشعر فإذا بها قد اكتست رونقًا وبهاء ما كان لها أن تكتسيهما لو أن شاعرًا آخر هو الذي صاغها، والظاهر أن هذه النزعة القوية عند إسماعيل صبري كانت ذات أثر كبير في الشعر العربي في هذا العصر، فحافظ إبراهيم لا يأبى أن يدعو إسماعيل صبري أستاذه وأستاذ شوقي، وشوقي لا يأبى أن يعترف بأن هذه النظرة التي كان ينظر بها إسماعيل إلى الشعر أثَّرت فيه هو تأثيرًا غير قليل، ولم ينشأ من الشعراء في العهد الأخير من كانت له في الشعر نفسية خاصة تخالف نفسية إسماعيل صبري لتطبع الجيل الجديد كما طبع هو جيله بطابعه.

ولا أستطيع أن أختم هذا البحث العجل عن إسماعيل صبري من غير أن أضع أمام القارئ أبياتًا ارتجلها تسيل رقة وتعبر أرق تعبير عن هذه النفسية التي كانت ترى العاطفة كما كانت ترى كل ما في الحياة حسًّا منظورًا أو مسموعًا، ارتجلها يوم دفن ابن صغير للمرحوم الشيخ علي يوسف فقال:

يا مالئ العين نورًا والفؤاد هوى
والبيت أنسًا تمهل أيها القمر
لا تُخلِ أُفقَك يخلفك الظلام به
والزم مكانك لا يحلل به الكدر
في الحي قلبان باتا يا نعيمهما
وفيهما إذ قضيت النار تستعر
وأعين أربع تبكي عليك أسى
ومن بكاء الثكالى السيل والمطر
قد كنت ريحانة في البيت واحدة
يروح فيه ويغدو نفحها العَطِر
ما كان عيشك في الأحياء مختصرًا
إلا كما عاش في أكمامه الزهر
فارحل تشيعك الأرواح جازعة
في ذمة الله بعد القبر يا عمر

لعلك وقد رأيت من إسماعيل صبري وشعره هذه النفسية المشغوفة بالألوان تشعر — إلى جانب هذا — بما يشعر به كل من يقرأ شعر إسماعيل صبري من أنه كان شاعرًا مصريًّا حقًّا، ومن أن النزعة البدوية كانت لا تعرف سبيلًا إلى نفسه، وأن الرقة التي تسيل بها جوانب وادي النيل والصفو الذي يظل سماءه والخضرة النضرة التي تزين جنباته وأغاريد الطير في هوائه الرقيق، كل ذلك كان ينعكس في نفس إسماعيل صبري بقوة لا تراها في كثيرين غيره من الشعراء، ولعلك لذلك تقر له باللقب الذي لقبه به معاصروه: لقب شيخ الشعراء.

وقضى حياته مغتبطًا بالحياة، حتى إذا كان في أخريات أيامه أصابته ذبحة صدرية قعدت به عن أن ينعم بشيء من الحياة خمس سنوات تباعًا، ولعل بيته يخاطب الموت:

بيني وبينك خطوة
إن تخطها فرجت عني

كان يصدق عليه خلال هذه السنوات الخمس الصدق كله.

وقد خطا إليه الموت هذه الخطوة في منتصب ليل ٢٠ مارس سنة ١٩٢٣، وقضى يومئذٍ متحملًا معه مدرسة حافلة من مدارس الشعر ومذهبًا جليلًا من مذاهب تقدير الجمال، قضى وخلف بعده من أثره مجموعة أشعار لم تطبع بعد لأنه كان يقول إنه وهب شعره للنسيان، وتلك هبة لن تتم، فالنسيان لا يتطرق إلى الكمال ولا يعدو على الجمال؛ لذلك نشر من شعره الشيء الكثير وحفظ أصحابه ما لم ينشر، ولعلنا نسعد برؤية مجموعة شعره مطبوعة عما قريب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤