الفصل الثاني

ظاهرة ثقافية

هناك أمر محير في مجال علمي أُسِّس بأكمله على الكائنات التي صارت مهمة بالنسبة لنا فقط بعد موتها، بل ولموتها. إن الحفريات تخلب ألبابنا عندما تكون مختلفة تمامًا عن حياتنا المعاصرة على الأرض، ويفصلها عنا فترات زمنية لا نكاد نتخيَّلها، وكذلك عندما تربط بين الأنواع الحية مثلنا نحن وبين أجدادنا المباشرين. أيًّا كان العصر الذي جاءت منه، فإن تلك الكائنات الميتة التي عاشت في أزمنة أخرى تمثِّل بالنسبة لنا خيالًا، وفي الوقت نفسه تبدو مألوفة على نحو غريب. إن الحفريات تكشف لنا عن عوالم بالغة القدم سكنتها وحوش غريبة ونباتات عجيبة، كان وجودها يشبه عالمنا المعاصر بصورة غريبة، ومع ذلك فهو مختلف عنه بصورة تخلب الألباب؛ فهي لا تأسر خيالنا فحسب، وإنما تختبر كذلك أفكارنا عن الحياة نفسها. وفي الواقع، من المستحيل أن نتخيَّل كيف كانت نظرتنا الراهنة للعالم ولأنفسنا ستتغير لو لم نكن نعلم شيئًا عن الحفريات على الإطلاق.

الحفريات قبل عصر التنوير

رغم أن تقبل جمهور العامة لمسألة الطبيعة العضوية للحفريات — أي كونها بقايا كائنات كانت حية ذات يوم حُفظت داخل الصخور ثم تحولت هي نفسها إلى صخر — لم يتحقَّق إلا مع مطلع القرن التاسع عشر، فإن علم المتحجِّرات المعاصر بدأ في الثلث الأخير من القرن السابع عشر مع كتابات روبرت هوك (في «ميكروجرافيا» ١٦٦٥، و«محاضرات ومقالات عن الزلازل» ١٦٦٨)، تلاها عام ١٦٦٩ مؤلَّف «بحث تمهيدي» لنيلز ستينسن (سُمي لاحقًا نيكولاي ستينونيس ويدعى الآن باسم ستينو وحسب). كان هوك عبقريًّا بحق كما كان عضوًا متعدِّد الثقافات بالجمعية الملكية بلندن، وقد درس فيما يبدو علم الجيولوجيا بصورة غير رسمية على الإطلاق. أما ستينو — الذي لم يكن يقل عنه عبقرية — فكان في البداية متخصصًا في التشريح بجامعة ليدن ثم لدى البلاط الملكي لآل ميديتشي بفلورنسا. وقد كرَّس سنوات من عمره لدراسة جيولوجيا إقليم توسكانا، قبل أن يتَّجه إلى حياة من التفاني وإنكار الذات قسًّا وأسقفًا كاثوليكيًّا.

قبل هوك وستينو، كانت تفسيرات الطبيعة وأسباب تكون الحفريات الشغل الشاغل لدى الفلاسفة على اختلاف توجهاتهم. وكانت أولى العقبات في وجه الكشف عن أسرار الحفريات هي أن أيسر مكان يمكن العثور عليها به عند الجروف والجبال. فإذا كانت تلك الحفريات بقايا أسماك ورخويات حقيقية، فكيف وصلت إلى هناك؟ لم يكن يبدو ممكنًا أن تكون الأرض تغيَّرت بهذا الشكل، حتى إن ما كان قاعًا للبحر ذات يوم صار الآن يرتفع عن سطح الأرض لآلاف الأمتار. وجاء ليوناردو دافنشي ليقدم ما بدا أنه الإجابة الوحيدة الممكنة: أن مستويات سطح البحار قد انخفضت؛ وقد قدم ستينو تفسيرًا مماثلًا. أما هوك — من ناحية أخرى — فأصر على أن الجبال ارتفعت من قاع البحر بفعل الزلازل والحرارة الداخلية للأرض. وبدون ميزة الفهم المتقدم للقوى العملاقة التي (عادةً) تشكل وتغير من طبيعة كوكب الأرض بصورة لا تدركها حواسنا، وبدون فهم المدى الهائل للأزمنة الجيولوجية، كانت تلك التفسيرات ستبدو على أفضل تقدير لا يمكن تصديقها.

كانت هناك صعوبة أخرى تكمن في أن الكائنات التي تحوَّلت إلى حفريات مختلفةٌ بصورة ملحوظة عن الأنواع التي تعيش الآن. فهل كانت نسخًا معيبة من الأنواع الحديثة أم أنها كانت «انحرافات شاذة عن الطبيعة السوية»؟ كان مفهوم «الانقراض» واضحًا بالنسبة لهوك، غير أنه كان يتعارض بصورة مباشرة مع التفسير التوراتي للخلق الذي يتحدَّث عن واقعة خلق وحيدة؛ إذ كانت فكرة الانقراض تعني ضمنًا أنه كانت هناك أكثر من حلقة في مسلسل الخليقة، وأن الإله عندما سمح لتلك المخلوقات بالانقراض كان كمن غيَّر رأيه أو حتى أقرَّ بوجود أخطاء.

حفريات أعلى الجبال

والآن لو أن كل تلك الأجسام كانت في الحقيقة أصداف أسماك، وهي الأقرب في الشبه إلى ذلك، وأن تلك الأجسام توجد على قمم أكبر جبال العالم … فإنه حجة قوية على أن الأجزاء السطحية من الأرض تعرضت لتغيرات شديدة منذ البداية، وأن قمم الجبال كانت في الأصل مغمورة تحت الماء، ويمكن الزعم كذلك أن أجزاءً متنوعة من قاع البحر كانت في ذلك الحين جبالًا.

روبرت هوك، «محاضرات ومقالات عن الزلازل» (١٦٦٨)

وجاء إدراك أن قشرة الأرض تحتوي على طبقات عديدة من الصخور، يبلغ سمكها بضعة آلاف من الأقدام، تحتوي على مجموعات من الحفريات المتنوعة (مترسبة في الغالب تحت الماء)، ليُرغم الباحثين على مواجهة مسألة بناء الجبال وغيرها من عمليات إعادة الترتيب العنيفة لسطح الأرض. فلو أن تلك الحفريات كانت تحيا في يوم من الأيام في البحر وترسبت في قيعان البحار، لكنها الآن تعلو عن سطح البحر بمئات وربما آلاف الأقدام، «فلا بد» وأن الأرض قد ارتفعت لأعلى. غير أن آليات تكوُّن الجبال ظلت سرًّا. ويعدُّ من قبيل الإنجاز غير العادي لعلمَي الجيولوجيا والمتحجِّرات أنهما مضيا قدمًا في نمو وازدهار برغم افتقارهما لهذا التفسير، والذي لم يظهر إلا في العصور الحديثة مواكبًا لاكتشاف الآليات التي من خلالها تحركت أجزاء شاسعة من سطح الأرض عبر الدهور. لو كان هناك برهان مستقل مقبول على أن الأرض بالغة القدم وأنها تعرضت على نحو مستمر لتغيرات من النوع الذي يمكنه أن يرفع الجبال لأعلى من باطن البحار، لكان من الأسهل قبول فكرة أن الحفريات كانت بقايا عضوية حقيقية، وأن الأصداف البحرية يُمكن العثور عليها في الصخور العتيقة الواقعة على ارتفاع آلاف الأقدام أعلى منحدرات التلال. وبالمثل، لو كان هناك دليل قاطع على أن الحفريات هي بقايا لكائنات كانت حية يومًا ما، لكان من الممكن بسهولة تقبل فكرة الأرض العتيقة المتغيرة. وفي هذه الحالة، كان على الفهم أن يمضي قدمًا للأمام ببطء بصورة تكرارية؛ باكتشاف من هنا، ورؤية مستنيرة من هناك.

بحث الفلاسفة كذلك فرضية تقول إن التحجر لم يكن عملية طبيعية وأن الحفريات لم تكن «حقيقية» على الإطلاق. أولًا — وبمنتهى البساطة — قد تكون الحفريات مجرد حوادث وقعت في الطبيعة؛ أي قطع من الصخر تحاكي في صورتها كائنات حقيقية ليس إلا، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فعلى سبيل المثال الأحجار التي على شكل قلب أو قدم يسهل العثور عليها داخل الترسبات الطباشيرية. أو بدلًا من ذلك، ربما تكون من صنع الإله — أو الآلهة — الذي خلقها بقوته الخارقة للطبيعة؛ وفي هذه الحالة لا بد أن الإله ذاته هو من خلق كذلك جميع الصخور التي على هيئة طبقات والتي تحتوي على الحفريات، بجانب جميع البراهين الواضحة الأخرى على القِدم والتغير. وفي الرواية التوراتية التي وردت في «سفر التكوين»، لا بد أن هذا الأمر وقع خلال الأيام الأولى للخلق عندما كانت الأرض قد تشكَّلت لكن الكائنات الحية لم تكن قد خُلقت بعد. وربما كان فيليب هنري جوس هو أول من شرح الطبعة المتطرفة من «نظرية الخلق» في مؤلفه «أومفالوس» (١٨٥٦). فقد اعتبر جوس أن الإله الذي كان قادرًا على خلق الأرض وكافة الكائنات الحية عليها، كان في مقدوره في يسر وسهولة تتبيل صخوره المنحوتة حديثًا بحفريات تبدو عتيقة في الوقت نفسه. ولما لم يكن هناك — ومن الممكن ألا يكون هناك — دليل عملي على مثل هذا التفسير الذي وضع خصيصى ليخدم غرضًا بعينه، فإن قبولها كان (ولا يزال) مسألة عقائدية أكثر منه قيامًا على العلم المادي، وهنا يظهر إلى الوجود السؤال الفلسفي المترتب على ذلك التفسير: لماذا يفعل الإله ذلك؟

ثمة احتمال مختلف تمامًا، وهو أن الحفريات ربما كانت تشكيلات من صنع إحدى الخصائص الطبيعية للصخور ذاتها؛ أي عملية ما تنتج محاكاة معدنية للكائنات الحقيقية. وكانت تلك الخاصية تسمى عادةً «القوى التشكيلية». واعتمدت الفكرة على فرضية تقول بأنه إذا كان النبات ينمو من التربة، فلماذا لا تنمو الحفرية من بين الصخور؟ وفي حين أن تلك الفكرة كانت شائعة في القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، فلم يكن أحد يتخيَّل كُنْهَ الطبيعة المادية — أي العنصر المسبب الفعلي — للقوى التشكيلية. إلا أنه كان هناك ربط واضح مع ظاهرة التبلور، كما أن العديد من الحفريات الزائفة توجد على هيئة تبلور للأملاح أشبه بالسرخسيات فوق مستوى سطح الانفصال الطبقي.

حول قضية الانقراض

من المؤكد أن هناك العديد من الأنواع في الطبيعة لم نرها مطلقًا، ويجوز أنه كانت هناك كذلك العديد من مثل تلك الأنواع في عصور العالم السابقة التي ليس لها وجود في الوقت الحاضر، وأشكال عديدة من تلك الأنواع الآن، التي ربما لم تكن موجودة في فترات زمنية سابقة: فنحن نشهد ما يتمخَّض عنه تباين الأنواع، وتباين أنواع التربة والمناخ، وغيرها من الأحداث الظرفية الأخرى.

روبرت هوك، في محاضرة ألقاها بالجمعية الملكية ٢٥ يوليو ١٦٩٤

ثمة رأي وسط، وهو أن الحفريات نمت من نوع ما من البذور، ترسبت في الصخور عند الخلق، ثم نبتت بعد ذلك. وقد يفسِّر هذا الرأي حقيقة أنه كثيرًا ما كان يُعثر على الحفريات أعلى منحدرات جبلية. وكان هناك تفسير مواكب لذلك، وهو أن تلك البذور كانت في حقيقة الأمر نتاج مخلوقات البحر الحية التي انتشرت نحو اليابسة بفعل الرياح والأمطار، ثم سقطت في أخاديد داخل الصخور، ونبتت هناك بصورة عشوائية تشوبها العيوب؛ مما نتج عنه تشوه كائنات الحفريات فلم تعد نسخًا مطابقة للكائنات الحية.

أما آخر التفسيرات وأوضحها وأكثرها شعبية بين الناس لمجرد فكرة وجود الحفريات، ولجزء كبير من الحالة الجيولوجية للأرض، فهو طوفان نوح. حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت فكرة أن معظم أراضي أوروبا وأمريكا الشمالية مغطاة بطبقات سميكة من الرمال والحصى الذي حمله الماء، وأن وديانها منحوتة بفعل نشاط المياه، تبدو وكأنها تقدم دليلًا وافرًا على واقعة الطوفان العظيم. ولا يزال هناك من يؤمنون — على سبيل المثال — بأن طوفان نوح وليس دهورًا من التآكل بفعل نهر كولورادو، هو الذي شكل الأخدود العظيم بولاية أريزونا المعروف باسم جراند كانيون.

fig2
شكل ٢-١: ليست حفرية: هذه الترسبات المعدنية (اسمها العلمي بيرولوزيت، وتتكون من أكسيد المنجنيز) من حجر سولنهوفن الجيري الذي يستخدم في الطباعة الحجرية، نبتت على شكل يشبه السرخسيات لكنها بالتأكيد مادة غير عضوية.

سار العديد من الباحثين على خطى ستينو — مثل رجل الدين توماس بيرنيت (١٦٨١)، والطبيب جون وودوارد (١٦٩٥) — في الاعتقاد بأن العبارة الواردة في الإنجيل والتي تقول: «وانفجرت كل ينابيع الغمر العظيم» أثناء الطوفان كانت تصف قشرة الأرض وكأنها تنشق مثل البيضة، منتجة الجبال، وكل الدلائل التي نراها من حولنا «لأرض محطمة وممزَّقة». وتوسع وودوارد في الفكرة إلى حد أنه اعتبر أن الطوفان عندئذ أذاب أو علَّق كل المادة التي بداخل قشرة الأرض ورسبها في طبقات منفصلة، كلٌّ حسب الكثافة النوعية. في كل تلك النظريات، تمثِّل الحفريات بقايا لكائنات أهلكها الطوفان. وعند محاولة تكوين تفسير مادي وجيولوجي للحفريات، كان على أولئك الكتاب أن يتجاهلوا أمورًا مثل الوجود المسبق لجبال في نفس الرواية التي يحاولون إثباتها، لكنه لا يوجد أي مغزى الآن من وراء دحض تلك النظريات. غير أنه مع ذلك تتبقى صعوبة واحدة واجهت الباحثين المعاصرين تجدر الإشارة إليها: فلو أنه — طبقًا لحساباتهم — كان تعداد سكان العالم قبل الطوفان ٨ ملايين نسمة، وأنهم هلكوا جميعًا باستثناء أسرة واحدة، لكان من الواجب أن تصير الحفريات البشرية أمرًا شائع الوجود لا أن تكون غائبة (حتى اكتُشف إنسان نياندرتال عام ١٨٥٦).

في حقيقة الأمر، يكشف لنا سجل الصخور — طبقة تلو الأخرى، وعصرًا تلو الآخر — عن عوالم منقرضة متعددة ومتداخلة، كلٌّ منها له كائناته التي تميزه. ومن ثم، فإن أي تفسير قائم على فكرة الطوفان يجب أن يشتمل على الكثير والكثير من الفيضانات. وفي الأساس، السبب الرئيسي لإخفاق فرضية الطوفان أن قشرة الأرض لم تتشكل بواسطة حادثة واحدة، وإنما بواسطة ما لا يعد ولا يحصى من الأحداث. ولقد تغيَّر وجه الحياة على الأرض عبر مليارات السنين، مدفوعًا بعدد لا يحصى من «الصدمات الطبيعية المتوالية». وفي النظرية الحديثة، أن الأرض تشكَّلت عن طريق التآكل والترسيب، والزلازل والبراكين، وحركة مساحات هائلة من قشرة الأرض نتيجة لعمليات جرت في أعماق طبقة الدثار شبه الصلبة (تكتونيات الصفائح). أما المسمار الأخير الذي دُق في نعش نظرية الطوفان فقد قدمه لويس أجاسي، الذي أوضح عام ١٨٣٧ أن العديد من جلاميد الصخور عجيبة المنظر، والرمال والحصى الذي حمله الماء، والتي بدت دليلًا على أنه كان هناك طوفان كانت في الواقع نتاج نشاط جليدي وقع في العصر البليستوسيني. وترجع التغيرات التي طرأت على الحياة النباتية والحيوانية قبل وبعد وأثناء فترات النشاط الجليدي على مدار اﻟ ١٫٨ مليون عام الماضية إلى تحولات مناخية هائلة بين الحقب الجليدية والحقب بين الجليدية التي تكون أكثر دفئًا. وقد تبيَّن في نهاية المطاف أنه حتى البشر كان لديهم أسلاف قديمة من الحفريات. لقد صارت الحفريات الدليل الرئيسي على نظريات التطور.

الحفريات والفلسفة

يمكننا القول بصورة عامة: إن الحفريات تمنحنا نظرة شاملة عن الحياة نفسها، تعرض الحياة داخل بعد زمني تصبح فيه وجهة النظر التي تقوم على أن الإنسان هو محور الكون لا معنى لها. وسواء كان رأي المرء أن الحفريات تمثل عمليات طبيعية أشبه بالقانون، أو أن العالم بأسره — بما فيه الحفريات — جاء بسبب (ولا يزال هكذا) ظواهر خارقة للطبيعة، فستظل الحفريات دومًا جزءًا محوريًّا من النقاش.

وفي حين أن بعض القضايا الفلسفية وجدت حلًّا لها منذ عهد بعيد، إلا أن المشكلة الأساسية (أو الجوهرية، إن جاز التعبير) بالنسبة لمعظم وجهات النظر الدينية لم تذهب أدراج الرياح. ببساطة، إن شهادة الصخور (لو جاز أن نستعير ونحرِّف عنوان كتاب ألفه هيو ميللر الذي يخاف الإله في عام ١٨٥٧) تتناقض مع فكرة عملية الخلق الواحدة الواردة في الفصل الأول من سفر التكوين. ومفهوم الانقراض بأكمله يسير في اتجاه مناقض تمامًا لعقيدة أن الإله — بعد أن خلق العالم كله في حدث واحد — خلقه على أكمل وجه. إلا أنه، في حين تقدم الحفريات صعوبات جمة للقراءة المتحفظة الحرفية للإنجيل، فإن جناحًا أكثر ليبرالية من المسيحية سعى منذ ذلك الحين نحو التوافق مع الأدلة العلمية للعلوم الجيولوجية.

كانت أنماط التشابه والاختلاف بين الكائنات الحية محور الاهتمام الرئيسي للبحث الفلسفي منذ العصور الكلاسيكية. إن «سلسلة الوجود الكبرى» مفهوم يعود تاريخه إلى عصر أفلاطون وأرسطو، ثم طوره ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتس. وهنا، كل شيء في الخلق يمكن تخصيص موضع له بالنسبة للتسلسل الهرمي المثالي الممتد من العدم عند قاعدته وحتى الإله على قمته. فالإنسان هو التالي للإله والملائكة، والقردة تجيء بعد الإنسان وهلم جرًّا. وتأتي البكتيريا البدائية (لو كانوا يعرفون البكتيريا) عند القاعدة، فوق المعادن مباشرةً. وفي هذا التسلسل الهرمي، كل «نوع» أكثر تعقيدًا وإتقانًا من — وبصورة ما يعتمد على — النوع الأدنى منه. وهذه السلسلة ثابتة، فالكل من خلق الإله، وهي تمثل لنا التناسق المثالي لخلقه. وأي كائن حي يمكن تحديد مكانه داخل السلسلة؛ ومن الممكن أن نضع كذلك أي اكتشاف جديد بسهولة في مكانه الصحيح بين الآخرين.

جاء إدراك وجود عالم هائل من الحفريات في البداية ليدعم هذه الرؤية ثم ليتحداها بعد ذلك، مثلما فعلت الدراسة التي أخذت في الازدهار والمعرفة العملية بعالم الأحياء التي تمخضت عنها عمليات استكشاف العالم بدءًا من القرن السادس عشر فما يليه. وسرعان ما ظهرت أنواع عديدة وكثيرة من الكائنات؛ وظهر أنه على أقل تقدير يجب أن يكون هناك العديد من السلاسل وليس سلسلة واحدة. وحلت فكرة التنوع محل فكرة العلاقة الخطية في تاريخ الحياة؛ فصارت سلسلة الوجود الكبرى أقرب إلى شجرة الحياة. وبمجرد أن صار من الواضح أنه كان لا بد من وجود عدة سلاسل منفصلة، كان من الضروري أن نفترض وجود كائنات تربط بينها. وعندما كان تشارلز داروين يدرس الطب بأدنبرة (١٨٢٦–١٨٢٨)، قام بأولى مغامراته في الأبحاث المعملية مع أستاذه روبرت جرانت. كان جرانت من الأتباع المخلصين لأفكار عالِم الحيوان الفرنسي جان باتيست لامارك الثورية. فدرس جرانت وداروين معًا «الحيوانات نباتية الشكل» — شقائق النعمان البحرية — وهي مجموعة من الكائنات مفترض أنها تتشارك الخصائص مع الحيوانات والنباتات.

إن سلسلة الوجود الكاملة يجب ألا تكون بها ثغرات؛ ولكن مع أن سجل الحفريات المتنامي سد كثيرًا من الثغرات بين المجموعات، إلا أنه في الوقت نفسه فتح ثغرات جديدة وكشف عن وجود مجموعات جديدة تمامًا (منقرضة). وأصبحت قضية الانقراض قضية محورية؛ لأنها أوضحت أن السلسلة — أو السلاسل — يمكن أن تُقطَع. لم يكن هناك ذرية للأنواع المكتشفة حديثًا من الحفريات ذات الأسماء المثيرة؛ الزواحف العملاقة مثل الموزاصور والإكتيوصور والتيراصور، واللافقاريات من أمثال ثلاثيات الفصوص والجرابتوليت. لقد انقرضت تلك السلالات وانقطع نسلها من الأرض؛ وربما هذا ما حدث مع معظم السلالات. كما أن العديد من المجموعات الموجودة من الكائنات الحية لديها أعضاء انقرضت، ولعل من أبرزها الماموث والماستودون، التي لا شك أنها من أنواع الفيلة، غير أنها انقرضت ولم يعد لها وجود بين الأحياء.

من الصعب علينا أن نعي مدى الذعر الذي شعرت به تلك الأجيال من الدارسين وحتى عموم الناس عندما اضطروا لمواجهة فكرة الانقراض؛ فكرة أن عالم الأحياء لا يمثِّل مجموع «الخلق» (أيًّا كان المعنى الذي تحمله تلك الكلمة)، والنتيجة الطبيعية لها أنه لا توجد حياة، سواء كانت في القدم أو في عصرنا الحديث، يمكن اعتبارها كاملة أو تامَّة الإتقان؛ وإنما الحياة في تغير مستمر وإنها ليست جامدة. وبُذِلت العديد من المساعي لاستبعاد حدوث الانقراض. كان أبسطها أننا لم نبحث بعد في كل مكان في العالم: فقد يكون هناك في مكان ما من العالم لا تزال إكتيوصورات وثلاثيات الفصوص حية. وفي محاولة لتبرير ذلك الرأي، كتب جون راي يقول في عام ١٦٩٣: «الذئاب والقنادس … كان موطنها الأصلي في بعض الأوقات إنجلترا (ولا تزال كذلك) لكن كثيرًا منها يوجد في بلدان أخرى.» وكتب توماس جيفرسون — وهو نموذج لرجل عصر التنوير بحق — أوصافًا لحفريات الماستودون المجلوبة من بيج بون ليك بولاية كنتاكي. وكان يعتقد أن الماستودون ربما لا يزال حيًّا في أقصى الغرب، وكان يأمل أن تعثر عليه حملة لويس وكلارك الغربية التي أُرسِلت بين عامي ١٨٠٤–١٨٠٦.

يعتمد مفهوم سلسلة الوجود على ثلاث فرضيات أساسية: الوفرة (وجود جميع الصور الممكنة «للوجود») والاستمرارية، والتدرج. في النهاية، جاء الاتساع الهائل لتنوع الكائنات، في كلٍّ من المكان والزمان، ليتغلب ببساطة على نظريات سلسلة الوجود الجامدة، مهما أضفيت عليها العقلانية حتى تمتد لتستوعب أحداث الخلق المتعددة في المكان والزمان. وقد جعل مفهوما الاستمرارية والتدرج من المنطقي للفلاسفة أن يسألوا عما إذا كانت الكائنات ليس لها أيضًا صلة قرابة من زاوية الوراثة والجينات، وذلك من خلال عملية التطافر؛ أي التطور. في عام ١٦٩٣، كتب لايبنتس (في إعادة صياغة مباشرة لعبارات كتبها روبرت هوك في «ميكروجرافيا» عام ١٦٦٥) أنه لو كان الانقراض حقيقة واقعة، لكان «حريًّا بنا أن نؤمن … أنه حتى أنواع الحيوانات طرأ عليها التحول عدة مرات.» وتساءل الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، في كتابه «محاورات في الدين الطبيعي» (١٧٧٩)، عما إذا كان من الأقرب للمنطق أن نفترض أن المخلوقات الحية المعقدة كانت لها أصول من كائنات أبسط منها من أن تكون قد وجدت من خلال نوع من الخلق الإعجازي من قبل ذكاء مبدع ذي قدرة غير محدودة لكننا لا نعلمه. وخلال عصر التنوير، تحولت سلسلة الوجود إلى سلسلة الصيرورة؛ أي منظومة ديناميكية زمنية تشتمل على نوع ما من عملية عَرَضية تاريخيًّا.

في محاولتين مبكرتين لاستيعاب الإحساس بالعملية دونما إقصاء تام لصحة العناصر الثابتة من السلسلة، غيَّر الفيلسوفان والعالمان الفرنسيان شارل بونيه (١٧٢٠–١٧٩٣) وجان باتيست روبينيه (١٧٣٥–١٨٢٠) العبارة المجازية إلى عبارة أخرى وهي سلم الطبيعة. وفي هذا السلم، تنتقل الكائنات بمرور الزمن لأعلى على درجات السلم من خلال عملية التحول. ومن ثم، فإن ثدييات اليوم ارتقت السلم من مرتبة أدنى وسط الزواحف، وقبل ذلك كانت أسماكًا وديدانًا. وديدان اليوم لم ترتقِ بعدُ لتصبح أسماكًا أو ثدييات. وفي منظومة بونيه، عملت ظروف بيئية متنوعة على إثارة عملية «فقس» تسلسل هرمي من البذور الجنينية التي استقرت في مكانها لحظة الخلق والكامنة داخل «الأرواح» الأصلية للكائنات، جاعلة إياها — خطوة بخطوة — ترتقي نحو الكمال. وفي تلك الحالات، يتضمَّن ارتقاء السلم نوعًا ما من الكشف الحرفي أو الرمزي أو التنفيذ الفعلي لخطة إلهية موضوعة سلفًا. وظلت تلك الأفكار وفية للمفهوم الغائي (الموجه نحو الغاية) الأصلي للسلسلة.

نظر إرازموس داروين (١٧٣١–١٨٠٢، جد تشارلز داروين) وغيره من مفكري أواخر القرن الثامن عشر إلى العملية نظرةً أكثر جسارة، طارحين فكرة أن المسألة سارت مدفوعة بتطافر مستمر للأنواع موجه بتغيرات في «الأنظمة التوليدية» (أي علم الجينات الإنمائي) للكائنات وأيضًا بفعل البيئة. وطرح لامارك (١٨٠٢) مخططًا مختلفًا، وفقًا له كانت هناك سلالات عديدة ومختلفة دائمًا منفصلة بعضها عن بعض (وبالتالي ليست شجرة، وإنما هي مرج من النجيل). كلٌّ منها نشأ من خلق تلقائي لشكل شديد البساطة من أشكال الحياة، وكان نسل تلك السلالات قد تسلَّق بعد ذلك سلم بونيه وفقًا لنمط معد سلفًا من التطافر. وفي مخطط لامارك، ينتمي البشر — وهم أقرب الكائنات إلى الكمال — لأولى تلك السلاسل التي خلقها المسبب الأول؛ ومن ثم فإنها السلسلة الأقدم والتي قطعت الشوط الأكبر تجاه الهدف الأسمى؛ ألا وهو الوصول للشكل الأقرب إلى الإله. والأنواع شديدة البساطة من الكائنات الحية الموجودة اليوم كان تاريخ خلقها أحدث، ولقد بدأت لتوها الرحلة. أما النمط الشامل للازدياد في التعقيد الذي نراه في سجل الحفريات، فيُفسر باعتباره مجرد مسألة وقت. وفي هذا المخطط، لم يندثر في الحقيقة أي نوع من الكائنات، كل ما هنالك أنه ربما لا يكون ممثلًا حاليًّا في أيٍّ من تلك السلاسل؛ فسلالة أو أخرى من الزواحف الحية سوف تنتج من جديد إكتيوصورات — على سبيل المثال — أو الطيور ذات الأسنان. تخيل تشارلز لايل، في كتابه «مبادئ الجيولوجيا» (١٨٣١–١٨٣٣)، وقبل تحوله لاعتناق الداروينية، نوعًا من الدورات، وفيها سوف تنتج التغيرات البيئية الملائمة في المستقبل الأنواع التي سبق أن انقرضت، من جديد.

وهكذا دبت الحياة من جديد في جدل فلسفي قديم. فقد كان موقع البشر في سلسلة ثابتة، خلقت في مكانة تالية للإله والملائكة، شيئًا، والبشر بصفتهم نتيجة لحالة من تدفق المادة (وهو ما يرجع في نهاية المطاف إلى الحركة العشوائية للذرات) شيئًا آخر تمامًا. إن التطور لم يكتفِ بأن رفع يد الإله عن التسبب في وجودنا وخفض مرتبة البشر إلى مكانة القردة المتطورة، وإنما فتح المجال واسعًا أمام قضية الهدف من الحياة ومعناها. وقد يكون اكتشاف سلسلة متدرجة من الأنواع الحفرية التي تربط بين البشر وبين القردة العليا سخرية الأقدار الأخيرة لسلسلة الوجود. أما ربط البشر بالاتجاه الآخر — أي الإله — فقد ظل منطقة خاصة بالدين.

fig3
شكل ٢-٢: «تغيرات مروعة. اندثر الإنسان فلم يعد يوجد إلا في صورة حفرية؛ وعودة ظهور الإكتيوصورات.» دفعت فكرة لايل — التي تقول بأن الحياة تسير في دورات — هنري دي لا بيش لإبداع هذا الرسم الكرتوني الهزلي، وفيه نجد إكتيوصورًا محترفًا يحاضر معاصريه حول التاريخ القديم للإنسان.

للحفريات ومسألة التغير جانب سياسي أيضًا. في أواخر القرن الثامن عشر، كانت مفاهيم الحرية والمساواة والأخوة — وفوق كل هذا التقدم — هي المفاهيم التي تطلبت ليس فحسب إصلاح النظم الاجتماعية المعاصرة لذلك الزمان من جذورها، وإنما اعتمدت كذلك على امتلاك المادة الخام (وهي في حالتنا هذه الإنسانية ذاتها) للمرونة والقدرة على تحقيق أهداف جديدة، وبلوغ محطات جديدة. أما حكومات القلة الأوروبية القديمة من ناحية أخرى، فاعتمدت على السلطة الإنجيلية من أجل الحفاظ على استقرار الأوضاع وثباتها كما هي، وبالتحديد الفصل بين الحطابين وجالبي المياه، وبين أواني الذهب والفضة، وبين السادة والخدم.

وكنموذج للنظم الاجتماعية، كان من الطبيعي أن تهدد نظريات التغيير التي ضمت العالم العضوي بأسره تلك المؤسسة الراسخة. وكان من سوء حظ إرازموس داروين أنه وضع أفكاره عن التغيير أثناء الثورة الفرنسية، عندما لم تكن تلك الأفكار مرحَّبًا بها على الأراضي الإنجليزية. غير أنه بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، صارت تلك الأفكار كالجَوَاد الجامح لا يستطيع أحد إيقافها. بل وقد اكتسبت فكرة التطافر زخمًا شعبيًّا أكبر في عام ١٨٤٤ نتيجة لنشر — تم على يد مجهول — كتاب يحمل أفكارًا شبه لاماركية بعنوان «آثار الخلق» وكان مؤلفه «روبرت تشامبرز»، لإشاراته الواضحة لجيولوجيا جيمس هاتون. ثم جاء تشارلز داروين، الذي تفسر نظريته حول التطور ظهور «التقدم» من منظور أنه عملية. أثناء رحلة داروين على متن السفينة «بيجل» (١٨٣١–١٨٣٦)، وبعد أن تأثَّر بقراءته لمؤلفات تشارلز لايل، قرر داروين وضع بصمته الخاصة كجيولوجي. فجمع حفريات تنتمي للعصر البليستوسيني من حيوان المدرع وحيوان الكسلان الذي يعيش على الأشجار من بونتا ألتا بالأرجنتين في عام ١٩٣٢، وأدرك أن الأنواع الحية حلَّت محل أنواع أخرى أقدم اندثرت بمرور الزمن. وخلال رحلاته الاستكشافية في أمريكا الجنوبية، رأى كذلك أن بعض الأنواع الحية تحلُّ محل بعضها في المكان؛ ومثال ذلك الأزواج الشمالية والجنوبية لأنواع طائر الرية أو الروحاء.

الزمان

من بين الدروس الرئيسية المستفادة من علم الجيولوجيا ومن الحفريات؛ أن الأرض نفسها قديمة العهد جدًّا؛ فهي تبلغ من العمر حوالي ٤٫٥ مليارات عام (على الأساس التقليدي أن المليار يعني ألف مليون)، وأنها في حالة تغير دائم. فما كان يومًا قاع البحر صار الآن جبالًا مثل جبال الألب أو الأجراف الطباشيرية الهائلة في دوفر، وهناك جبال أخرى عتيقة سوِّيَتْ بالأرض لتتحول إلى رسوبيات وأعيد ترسيبها في قاع البحر، وهكذا في دورة لا تنتهي؛ كما تحرَّكت القارات، فأوروبا وأفريقيا كانتا ذات يوم ملتصقتين بالأمريكتين. وجاء مع كل هذا تغيرات بيئية تسببت — على سبيل المثال — في زيادة مستنقعات الفحم الاستوائية التي تعود للعصر الكربوني (وهي المنتجات التي نستخرجها من المناجم في أماكن أبعد ما تكون عن خط الاستواء مثل اسكتلندا وبنسلفانيا) ثم انحسارها. إن الحياة على الأرض في تطور مستمر؛ فتظهر في سجل الحفريات باستمرار أنواع جديدة من الكائنات، لتحل محل سابقتها، وفي بعض الأحيان تفتتح بيئات جديدة تمامًا لاستعمارها. ففي حقبة الحياة القديمة (حقبة الباليوزي)، غزت النباتات واللافقاريات والفقاريات اليابسة لأول مرة؛ وانطلقت الحشرات نحو الجو، وتبعتها الزواحف الطائرة، والطيور، وأخيرًا الثدييات الطائرة؛ وغزت مجموعات مختلفة من الكائنات أعماق البحار، في حين وجدت مجموعات أخرى طريقها نحو قمم الجبال.

يكشف سجل الصخور طبقة وراء الأخرى — برغم عدم دقة ما يكشفه — عن تاريخ الأرض والحياة عليها. وقد دُفنت الكائنات التي عاشت في أزمنة قديمة، وحُفظت في الرسوبيات. وتستغرق الصخور وقتًا طويلًا حتى تتكون وتتراكم طبقة تلو طبقة، فوق قشرة الأرض. فبعض الصخور والحفريات المغلفة بداخلها عمرها أكثر من مليار عام، بينما توجد صخور أخرى حديثة عمرها قريب من عمر الوحل الذي طمرها.

إن مفهوم الزمن الجيولوجي — سواء من زاوية العمر الأزلي للأرض، أو مفهوم العمليات التي تعمل على نطاق زمني لا يمكن اكتشافه خلال فترة حياة الإنسان ولا حتى سجل التاريخ الإنساني (الزمن البيئي) — له تاريخ طويل. لقد اعتقد أرسطو أن الأرض أزلية في امتدادها إلى الماضي وأبدية في استمرارها في المستقبل. غير أن الموروثات الدينية اليهودية والمسيحية تمنح الزمن شكلًا قصصيًّا له بداية (الخلق) ونهاية (يوم الدينونة). ويسجل سفر التكوين خلق العالم بأسره في لحظة من الزمان. من ناحية أخرى، افترض فلاسفة مثل ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠) — وهم يتفكرون في الأصول المحتملة للأرض والمجموعة الشمسية — وجود بداية تدريجية ونارية، ومن ثم جعلوا أصولنا — من حيث المبدأ — قابلة للدراسة من حيث المفاهيم المعاصرة مثل الذرات والفضاء والحركة.

كانت هناك أمور كثيرة على المحك سياسيًّا وكذا فلسفيًّا في تلك الأفكار. ففلسفة ترتكز بقوة على العلم لا بد وأن تهدِّد سلطة الدين القائمة على سلطة الإنجيل. فليس من قبيل المصادفة إذن أنه عندما وافت المنية ديكارت، وفي الوقت الذي بدأ فيه القلق يساور الباحثين بشأن الانقراض ويتناولون بجدية افتراض تاريخ قديم ومطَّرد للأرض والكون، قدم جيمس أشر — أسقف أرماغ ورئيس أساقفة أيرلندا — دعمًا لا يقدر بثمن لسلطة الكنيسة ضد تلك الهرطقة؛ فقد قدم «دليلًا قاطعًا» على الحقيقة الحرفية لقصة الخلق التي يسردها الإنجيل. واعتمدت حساباته على كلٍّ من علوم الأنساب المسجلة في الفصول الخمسة الأولى من الإنجيل واعتبارات التقويمين اليولياني والعبري، وجاءت النتيجة تاريخًا محددًا للخلق هو ٢٣ أكتوبر ٤٠٠٤ قبل الميلاد. والحقيقة أنه كانت هناك مساعٍ لإجراء حسابات مماثلة منذ القرن الأول الميلادي، وتوصَّل معظم المؤلفين إلى تاريخ يقع بين عامي ٢٠٠٠ و٤٠٠٠ قبل الميلاد. ومن الواضح أن ٦٠٠٠ عام لم تكن كافية لوقوع الأحداث والعمليات التي كان العلماء يتحدَّثون عنها؛ ومن ثم فإن فكرة أرض عتيقة متغيرة لا بد وأن تكون خاطئة. لم يأتِ إعلان أشر عن تاريخ محدد للخلق فقط في وقت مناسب، وإنما روَّج له أيضًا ترويجًا جيدًا: فقد نجح في إدخاله في كل طبعات إنجيل الملك جيمس حتى يراه الجميع.

برغم ما فعله أشر، استمرَّ الفلاسفة الطبيعيون (حسبما كان يُطلق على العلماء وقتئذ) في البحث عن ضروب جديدة من الحقيقة. ومن الدلائل المتوفِّرة من الصخور نفسها، وضع الكونت دي بوفون (١٧٠٧–١٧٨٨) — وآخرون غيره — مفهوم الوتيرة الواحدة، ووفق هذا المفهوم كانت العمليات التي تشكَّلت وتغيَّرت الصخور بواسطتها، وتآكلت بها الجبال ثم بنيت من جديد، هي نفسها تلك العمليات التي نشاهدها (والتي تكون خاضعة بصورة كبيرة للدراسة العقلانية) اليوم، وكان الفارق الوحيد بينها في الزمن الذي استغرقته للعمل. لم تكن هناك نوبات من التدخل الكارثي، سواء في صورة معجزات أو من نتاج الطبيعة. لقد نشأت الأرض من كرة نارية من المادة مثل الشمس، ثم تغيَّرت باطِّراد أثناء تحولها للبرودة.

الدهر الحقبة العصر العصر الزمن الأصول
الفانروزي الرباعي الهولوسيني ٠٫٠١ الإنسان
البليستوسيني ١٫٨
السينوزوي العصر الثلاثي النيوجين بليوسيني ٥٫٣ القردة والبشر
ميوسيني ٢٣٫٨
الباليوجين الأوليجوسيني ٣٣٫٧ الرتب الحديثة من الحيوانات والنباتات
الإيوسيني ٥٤٫٨
الباليوسيني ٦٥٫٠
الميسوزوي الطباشيري علوي ١٤٢ النباتات المزهرة
سفلي
الجوراسي علوي ٢٠٥٫٧ ازدهار الزواحف الطيور
أوسط
سفلي
الترياسي علوي ٢٤٨٫٢ النباتات الحاملة للمخروط الثدييات والديناصورات
أوسط
سفلي
الباليوزي البرمي علوي ٢٩٠ الزواحف الشبيهة بالثدييات
سفلي
كربوني البنسلفاني علوي ٣٢٣ غابات النباتات البذرية، الزواحف
المسيسيبي سفلي ٣٥٤
الديفوني علوي ٤١٧ البرمائيات، الحشرات، النباتات
أوسط
سفلي
السيلوري علوي ٤٤٣ الأسماك
سفلي
الأوردوفيشي علوي ٤٩٥ استعمار اليابسة، الشُّعب الأحدث
أوسط
سفلي
الكمبري علوي ٥٤٥ الحيوانات رخوة البدن، الطحالب
أوسط
سفلي
ما قبل الكمبري البروتيروزوي ٢٥٠٠
الأركي ٤٠٠٠ البكتيريا
الهاديان ٤٥٦٠

وتوسع الفيلسوف والجيولوجي الاسكتلندي جيمس هوتون (١٧٢٦–١٧٩٧) في مبدأ الوتيرة الواحدة، وحاول أن يحسب عمر الأرض بقياس عمليات التآكل ومن السجل الرسوبي. وكانت النتيجة ظهور عمله الكلاسيكي «نظرية الأرض» (الذي حدد خطوطه العريضة لأول مرة في كتاب «المقال» عام ١٧٨٥)، والذي سار فيه على خطى روبرت هوك قبل قرن مضى في اعتبار أن أصل الصخور الحديثة من الترسيب والنشاط الزلزالي كان متفقًا مع عمليات التفتُّت بفعل العوامل الجوية (التجوية) والتآكل. أدرك هوتون وجود عملية ديناميكية لإعادة تدوير مواد الأرض؛ مما ينتج عنه نوع من الخلود للكوكب. غير أنه لم يتمكن من اكتشاف عمر محدد للأرض. واستنتج في عبارته الأشهر أن علم الجيولوجيا يكشف عن «عدم وجود أثر لبداية، ولا احتمال لنهاية»، لكنه لم يكن يقصد أنه «لم توجد» بداية أو أنه «لن تكون» هناك نهاية، وإنما كان يعني أن الحركة المستمرة لقشرة الأرض قد طمست الأدلة.

تتفق رؤية هوتون تمامًا مع الأفكار المعاصرة عن العمليات التي تدخلت في «تكتونيات الصفائح»، والتي بموجبها أرغمت مادة جديدة على الخروج من طبقة الدثار في أماكن مثل أعراف منتصف الأطلنطي الواقعة تحت البحر حيث تتباعد الصفائح عن بعضها، وتنزلق الصفائح القارية القديمة عند حوافها، ويتشوه شكل قارات بأكملها حيث تصطدم الصفائح بعضها ببعض. في تلك الأثناء، كان التآكل يلتهم أجزاء من القارات بلا هوادة، مقلصًا إياها جميعًا مرة أخرى. يحدث كل ذلك في بطء شديد؛ وتتحرك قارتا أمريكا الشمالية وأوروبا حاليًّا مبتعدتين بعضهما عن بعض بمعدل ٣ إلى ٥ سنتيمترات كل عام (وهو معدل سريع حقًّا إذا تأملناه). وتُرغم جبال الهيمالايا على التحرك لأعلى بسبب الحركة التصادمية في اتجاه الشمال للصفائح الهندية بأكملها بنفس المعدل تقريبًا.

حاول باحثون آخرون تقدير عمر الأرض من معدل التبريد الخاص بها. وأظهر النزول إلى المناجم أن لب الأرض أكثر سخونة من سطحها. وفي عام ١٨٦٣، أجرى الفيزيائي ويليام طومسون (لورد كيلفن) حساباته لعمر الأرض — بناءً على حجم الأرض ومعدل تبريدها — وقال بأن عمر الأرض ١٠٠ مليون عام أو أقل. والآن تغير نطاق المناقشة؛ فحتى عمر مائة مليون عام كان ملائمًا لمزاعم مناهضي نظرية النشوء والتطور في القرن التاسع عشر مثل كيلفن؛ لأنه لم يكن بالعمر الطويل بما يكفي ليسمح بالعمليات التطورية البطيئة التي تصورها داروين. بعدها راجع كيلفن حساباته، فوصل إلى رقم أكثر عدائية وهو ٤٠ مليون عام. غير أنه لم يكن يعلم على أية حال، أن باطن الأرض كان يطلق حرارة جديدة على الدوام بفعل العمليات النووية التي تتم بداخله، ومن ثم فإن تقديراته جاءت متدنية للغاية. والتقدير الحالي لعمر الأرض والبالغ ٤٫٥ مليارات عام محسوب على أساس قياسات لمعدل تحلل ونسب النظائر المشعة في الصخور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠