الفصل التاسع

ثروات وعمليات احتيال

على غرار طوابع البريد والعملات ولوحات كبار الفنانين، نجد أفضل الحفريات نادرة الوجود وباهظة الثمن بصورة تحول دون اقتنائها. والحفريات المهمة — أي تلك التي على غرار الأعمال الفنية العظيمة تفتح آفاقًا جديدة — قليلة العدد على أية حال. أما الحفريات المحفوظة بشكل متقن فتكون أكثر ندرة مقارنةً بتلك غير المكتملة أو المهشمة. وعلى النقيض من هذا، نجد المخزون الذي يبدو لانهائيًّا من الأسماك وغيرها من الحفريات التي تعود إلى تكوين جرين ريفر الذي ينتمي للعصر الإيوسيني في وايومنج كانت متوافرة وبأسعار زهيدة. ولكن لم يعد هذا متاحًا الآن: جميع الحفريات الآن صارت من الأنشطة التجارية الكبرى. حتى إن الأسعار ارتفعت بصورة جنونية خلال العقدين الأخيرين نتيجة للشهرة الطاغية التي اكتسبها علم المتحجرات والإدراك المتزايد لجاذبية حفرية جرى تجهيزها وعرضها بصورة جيدة. فالأمونيت الرديئة من المغرب الآن تُعرض في كشك عرض بسوق أكسفورد مقابل ٧٥ جنيهًا استرلينيًّا وفي مدينة نيويورك مقابل ١٥٠ دولارًا. وسمكة طولها ١٨ بوصة تسمى ديبلوميستوس (من أقرباء الرنجة) من تكوين جرين ريفر في وايومنج بيعت مؤخرًا مقابل ٢٠٠٠ دولار (مع أنها شائعة الوجود).

باعت ماري آننج أول إكتيوصور حصلت عليه من لايم ريجيس مقابل ٢٣ جنيهًا استرلينيًّا (أي حوالي ١٤٠٠ جنيه استرليني بقيمة النقود اليوم) عام ١٨١٢؛ وبعدها بعشر سنوات باعت بليزوصور مقابل ١٥٧ جنيهًا استرلينيًّا (ما يعادل حوالي ٩٠٠٠ جنيه اليوم). ووصل سعر عينة أركيوبتركس الموجودة في المتحف البريطاني ٧٠٠ جنيه استرليني في عام ١٨٦١ (أي ٣٥ ألف جنيه استرليني اليوم). وقد دفع أو سي مارش ١٠٠٠ دولار أمريكي عام ١٨٧٣ (أي ما يعادل ١٥ ألف دولار أمريكي اليوم) مقابل تيروداكتيل من أيشتات بألمانيا، وهو هيكل رامفورينكوس كامل يوضح أغشية الجناح. اليوم، وصلت هذه الأرقام إلى عشرة أو عشرين ضعفًا. فعينة جديدة من الأركيوبتركس من المؤكد أنها لن تباع بأقل من نصف مليون جنيه استرليني. والسعر الذي سجل رقمًا قياسيًّا في الحفريات هو ٨٫٤ ملايين دولار دفعها اتحادٌ ماليٌّ ضم المتحف الميداني للتاريخ الطبيعي بشيكاغو لشراء هيكل عظمي شبه كامل لتيرانوصور ركس «سو» عام ١٩٩٧. وتتمتع الحفريات أيضًا بقيمة لا تقدر بمال في المجال الأكاديمي. فاكتشاف حفرية واحدة ذات أهمية حقيقية من الممكن أن يشكل فارقًا في المسار الأكاديمي لصاحب الاكتشاف، ومن ثم يصبح يساوي — على مدار ٢٠ عامًا — عدة مئات من آلاف الجنيهات في الراتب والمزايا.

وبعيدًا عن الزاوية المالية، كانت هناك دومًا علاقة متوترة بين جامعي الحفريات والأكاديميين. ومرة أخرى، ترجع جذور هذه العلاقة إلى عصر ماري آننج على الأقل، عندما تنافس الباحثون مع جامعي الحفريات الهواة على شراء أفضل ما لديها من عينات. وينتاب الأكاديميون — الذين لا يمتلكون الموارد المالية التي يمتلكها بعض الأفراد المستقلين المهمين — القلق دومًا من أن أفضل العينات التي يكتشفها الجامعون التجاريون لن ترى نور العلم مطلقًا، وإنما سوف تخبأ بعيدًا في أدراج خاصة بمليونيرات غريبي الميول. إلا أن الجامعين التجاريين (وبعض المليونيرات غريبي الميول بالطبع) يعتبرون أنفسهم جزءًا مهمًّا من مؤسسة علم المتحجرات. وتضم فئة الجامعين التجاريين بعضًا من أكثر العاملين الميدانيين خبرة، ولا يقل اهتمامهم عن اهتمام الباحثين الأكاديميين فيما يتعلق بالتأكد من أن تخضع الاكتشافات الجديدة للدراسة المتأنية؛ لكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يكسبوا قوت يومهم.

وسواء أكانت الحفريات مجرد مصدر للشهرة أو للثروة، أو لأنها تمتحن معتقداتنا الفلسفية العميقة عن تاريخ الكون ومكاننا فيه، لا عجب في أن علم المتحجرات لطالما كان مبتلًى بالزيف والخداع منذ عهد بعيد. وبعض من تلك الأشياء الزائفة جذب درجة عالية بالفعل من اهتمام العامة. والدروس المستفادة من عمليات الخداع تلك تنطبق على جميع الميادين العلمية.

إنسان بيلتداون

أشهر عملية احتيال في مجال علم المتحجرات تتعلق بأكثر الغايات بريقًا في هذا المجال، ألا وهي الحفريات البشرية. إنها بالطبع عملية تزييف إنسان بيلتداون، وتعد القصة تحفة فنية في عالم الخداع. كان تشارلز داوسون محاميًا يعيش في مدينة لويس بساسكس، وكان من الهواة الشغوفين بعلمي الآثار والمتحجرات. في عام ١٨٨٢، وعندما كان داوسون في الثامنة عشرة من عمره، قدم مجموعة مهمة من الحفريات للمتحف البريطاني (التاريخ الطبيعي)، وبعدها بثلاثين عامًا، وفي شهر فبراير من عام ١٩١٢، كتب إلى آرثر سميث وودوارد — القائم على قسم الجيولوجيا بالمتحف — يقول إنه عثر على موقع به حفريات تعود للعصر البليستوسيني في ساسكس، من بينها «جزء من جمجمة بشرية سميكة»، وبعدها بشهر أرسل إلى وودوارد ضرس حيوان فرس نهر وقال إنه عثر عليه في الموقع نفسه، ثم في النهاية في الرابع والعشرين من مايو، أخذ بعضًا من شظايا جمجمة بشرية إلى وودوارد. (تبين بعد ذلك أن داوسون قد عرض بعضًا من تلك المواد على بعض من أصدقائه من علماء الآثار الهواة في وقت سابق في عام ١٩٠٨.)

كان ذلك اكتشافًا مذهلًا بحق؛ إذ لم يكن قد عُثر من قبل على حفرية بشرية تعود للعصر البليستوسيني في بريطانيا، في حين أنه في ألمانيا كان إنسان نياندرتال معروفًا منذ عام ١٨٥٦، وكانوا قد اكتشفوا لتوهم اكتشافًا رائعًا في صورة فك هايدلبيرج؛ أي إنسان هايدلبيرج.

كان الموقع نفسه غير واعد على الإطلاق؛ إذ كان مجرد «حفرة ناتجة عن تنقيب» حيث كانوا يحصلون منه على الحصى لصيانة الطرق الزراعية في باركهام مانور، ولكن طيلة صيف ذلك العام، جمع داوسون ووودوارد المزيد من المواد المذهلة، ومن بينها عظام فك سفلي مهشمة. وإجمالًا، جمعا هيكلًا شبه كامل لحفريات بشرية وثديية إلى جانب بعض ما زُعم أنه أدوات حجرية. وأعاد المسئول الفني المصاحب لوودوارد بناء الجمجمة، التي أظهرت كائنًا ذا جبهة طويلة وفكين بارزين (بروز فكي) ولكن من الواضح أنها كانت جمجمة إنسان. وفي توافق تام مع النظرية المعاصرة، كانت حفرية داوسون تجمع بين جمجمة متقدمة نسبيًّا وبين فك بدائي نسبيًّا.

حتى ذلك الحين، كانت معرفة هذا الاكتشاف تقتصر على داوسون، ووودوارد، وبعض من موظفي المتحف، وشاب فرنسي طالب بالمعهد اليسوعي. وكان عالم المتحجرات الشغوف بيير تيلار دي شاردان — والذي أصبح فيما بعد أحد مكتشفي إنسان بكين وفيلسوف إنسانيات كاثوليكيًّا بارزًا — قد صار صديقًا لداوسون في عام ١٩٠٩. وصاحب داوسون ووودوارد في بعض عمليات التنقيب في عام ١٩١٢ ثم مرة أخرى في عام ١٩١٣.

fig20
شكل ٩-١: أظهرت إعادة البناء التي قام بها سميث وودوارد «لجمجمة بيلتداون» مخًّا معاصرًا نسبيًّا مع فك سفلي بدائي وأنياب سفلية بارزة.

وبعد تسرب أنباء الاكتشاف لصحيفة «مانشستر جارديان»، أُعلن عنه بصورة ملائمة في اجتماع الجمعية الجيولوجية بلندن في شهر ديسمبر عام ١٩١٢. وقد أتيحت للزملاء المناسبين نسخ مصبوبة من الجمجمة لدراستها، وعلى الفور نشب نزاع محتدم بين وودوارد وآرثر كيث من الكلية الملكية للجراحين. ظاهريًّا، كان النزاع عبارة عن خلاف أكاديمي على إعادة بناء الحفرية، ولكنه في الحقيقة، كان نزاعًا على «ملكية» الإنسان الأول في بريطانيا. وبيَّن كيث أن الشظايا من الجمجمة يمكن تركيبها معًا لتوافق شكل جمجمة الإنسان المعاصر. ومن ثم، فإن الأمر سيتوقف كثيرًا على الفك السفلي، والذي كان أشبه بفك قرد لكنه يفتقر إلى منطقة (المفصل) اللقمية الأساسية والارتفاق (الذقن) التي تجعل التشخيص مكتملًا. وهكذا أصبحت الأنياب السفلية — فقط إذا أمكن العثور عليها — شديدة الأهمية. فلو كان وودوارد على صواب، فلا بد حينئذٍ أن يكون هناك ناب كبير بارز مثلما هو الحال عند القردة؛ أما لو كانت إعادة بناء كيث صحيحة، فلا بد أن تكون أصغر حجمًا مثلما هو الحال لدى الإنسان المعاصر.

في الثلاثين من أغسطس عام ١٩١٣، عثر بيير تيلار دي شاردان على ناب في موقع بيلتداون، وكان موائمًا بدقة لإعادة البناء التي نفذها وودوارد. واعترف كيث بهزيمته. غير أن النزاع القائم على بيلتداون لم ينتهِ، حتى عندما أعلن داوسون عن اكتشاف جديد بالقرب من باركام ميلز، ولا عندما أعلن عن عثوره على مواد أخرى من موقع ثالث، عند شيفيلد بارك. وأخيرًا جاء واحد من أعجب الاكتشافات من بيلتداون عام ١٩١٤ عندما التقط وودوارد أداة كبيرة منحوتة على شكل نصل مصنوعة من العظم الكتفي للفيل. وهكذا، صار لدى «الرجل الإنجليزي الأول» — حسبما أطلق وودوارد على اكتشافه — آلة فريدة من نوعها مصنوعة من العظم لا تشبه أي شيء آخر في العالم.

في وقت مبكر من عام ١٩١٣، كان ويليام كينج جريجوري الذي يعمل بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي حذر من أن الأمر برمته ربما كان «خدعة متعمدة … جمجمة رجل زنجي أو أسترالي مع فك قرد مهشم.» إلا أنه تحول بعد ذلك ليتبنى وجهة نظر وودوارد بسبب قوة الأدلة. وفي عام ١٩١٦، توفي داوسون وتوقفت الاكتشافات.

انتقل وودوارد بعد تقاعده للعيش بالقرب من بيلتداون، واستمر في البحث، غير أنه لم يظهر أي أثر لعظام أو لأداة حجرية مرة أخرى. وبحلول أربعينيات القرن العشرين، ومع تغير النظريات، أصبح رجل بيلتداون واقعة شاذة قميئة: إذ كان يجب أن يكون اكتشافًا في الاتجاه المعاكس؛ أي فك أكثر حداثة، وجمجمة قديمة. وفي عام ١٩٥٣، كشفت التحليلات الكيميائية عن أنه كان مزيفًا. كان من الواضح أن المتهم في هذه الخدعة هو داوسون؛ لقد أوقع بوودوارد بذكاء، ملقيًا إليه شذرات صغيرة من المعلومات ليجذبه به، ثم سمح له بأن يكون جزءًا من اكتشافات كبرى. واستُدرج القس الشاب تيلار دي شاردان كي يمنحها مزيدًا من المصداقية. وفي كل مرة كان شخص ما يعرب عن شكوكه، كان دليل جديد يظهر في الوقت الملائم.

إن قصة بيلتداون مفيدة؛ لأنها تبين لنا لماذا يرتكب الناس عمليات خداع ولماذا تنجح. لقد حظي داوسون بالقبول باعتباره عالمًا مهمًّا، ومن المؤكد أنه كان في سبيله لأن يُنتخب زميلًا للجمعية الملكية غير أنه توفي قبل ذلك. وصار وودوارد بالفعل عالمًا شهيرًا وارتقت مكانة المتحف البريطاني (للتاريخ الطبيعي). بالإضافة إلى ذلك، على الصعيد السياسي، كانت إنجلترا في حاجة لحفرية بشرية مبكرة كي تعادل الاكتشاف من هايدلبيرج. وقد قدمه داوسون؛ لقد أنشأ خليطًا من جزء من جمجمة بشرية مع فك قرد، وتلاعب بجميع الأجزاء كي تبدو عتيقة.

وتضمَّنت الخدعة جانبًا أخيرًا من التلاعب. فعلى مدار ثلاثين عامًا، كانت المؤسسة العلمية برمتها تقف وراء ما يعرف باسم إيوهومو داوسوني (إنسان داوسون). وجعل هذا الأمر من تحدي وودوارد أو داوسون أمرًا بالغ الصعوبة. غير أنه يبدو أن أحدهم قد فعل. ذكر العديد من العاملين القدامى بالمتحف خلال سنوات عملهم الأخيرة أن شخصًا من المتحف كان متورطًا في المؤامرة. وذكر جوزيف وينر من أكسفورد — الذي كشف عملية الخداع عام ١٩٥٣ — أن الناب الشهير لم يُعالج كيميائيًّا بدقة من أجل تحديد عمره بالطريقة نفسها على غرار المواد الأخرى: وإنما تم طلاؤه فقط بطلاء زيتي كالذي يستخدمه الرسامون. وكانت الأداة العظمية سخيفة لا قيمة لها. وهناك احتمال قائم بأن شخصًا أو أكثر من موظفي المتحف الأصغر سنًّا أدركوا أن بيلتداون كان مزيفًا فقرروا أن يكشفوا الأمر للمسئولين عن طريق زرع مواد مزيفة خاصة بهم. كان أول تلك الأشياء هو الناب. غير أن المؤسسة العلمية لم تستطع التفكير في أكثر من استخدامه للتمييز بين تفسيرين لشيء مزيف على أية حال، وقالت نظرياتهم: إنه «لا بد وأنه كان حقيقيًّا.» ثم أعاد الملفقون الجدد الكرة مرة أخرى. وكان شكل الأداة العظمية من شأنه أن يفضح الأمر كله: لقد قدموا «للرجل الإنجليزي الأول» أول مضرب كريكيت خاص به! إلا أنه عندما توفي داوسون، صار الملفقون في وضع محرج باعتبارهم الأشخاص الوحيدين على قيد الحياة ممن شاركوا في عملية الخداع، وهكذا أصبح عليهم أن يحتجبوا عن الأنظار. وقد تم التعرف بصورة شبه مؤكدة على أحدهم وهو مارتن هينتون، والذي كان وقتها متطوعًا مبتدئًا في العمل بالمتحف، وكان يأمل في الحصول على وظيفة دائمة. بل وربما يكون قد تلقى مساعدة من تيلار دي شاردان؛ إذ كان هو من «عثر على» الناب، وكان سينتابه الغضب لو أنه تعرض للخديعة. ويعتقد البعض أن هينتون كان مسئولًا عن عملية الخداع بأكملها، لكن اتضح أن لداوسون «سجلًّا» سابقًا؛ فقد اختلق أشياء زائفة من قبل في علم الآثار، بأسلوب عمل مطابق يتمثل في إنتاج أدلة جديدة كلما شعر أن الأمور لا تجري في صالحه. وما زلت أرى أن داوسون هو المحرض على عملية الخداع.

إجمالًا، كانت قصة بيلتداون رواية مؤسفة؛ ليس فقط بسبب خبث داوسون، ولكن بسبب سذاجة وتعالي المؤسسة العلمية وقسوتها في كبح معارضيها.

الأحجار الكاذبة

لعل أول باحث يقع ضحية لمشكلة الحفريات المزيفة كان شخصًا من شأن نظرياته التي تنم عن خيال خصب عن أسباب تكون الحفريات أن تجعله — لولا ذلك — واحدًا من آباء علم المتحجرات. كان يوهان بارثولميو آدم بيرنجر (١٦٦٧–١٧٤٠) عميدًا لكلية الطب وطبيب البلاط الملكي بفورتسبورج بألمانيا، وكان من الشغوفين بعلم الجيولوجيا. عند محاجر مجاورة في جبل أيبلشتات في عشرينيات القرن الثامن عشر، عثر على مجموعة من الأصداف الحفرية والأمونيتات المألوفة، فبدأ في تحري أسباب وجودها، ومال في البداية لتأييد النظرية القائلة بأنها كانت نتيجة الطوفان. ونظرًا لانشغاله، عَهِد بمهمة جمع المزيد منها لثلاثة من معاونيه.

في عام ١٧٢٥، أُحضرت إليه بعض الحفريات غير العادية، بدت أنها حفريات جراد بحر، وديدان، وضفادع، ونباتات. وبدا لبيرنجر أنه: «في هذا المكان تحديدًا — والذي يبدو وكأنه إناء ممتلئ — تجمعت كل تلك الأشياء التي قسمتها الطبيعة بين النقر والكهوف والأماكن المختبئة في مقاطعات أخرى.» ومع ظهور المزيد والمزيد من الكنوز، شرع بيرنجر في تأليف كتاب عظيم عن تلك الحفريات، بل ونظَّم أيضًا حملات استكشافية إلى المحجر لزملائه كي يكتشفوا عينات خاصة بهم. غير أن اثنين من زملائه بالجامعة سرعان ما أذاعا بين الناس خبر أن حفريات بيرنجر زائفة. كذب بيرنجر ادعاءاتهم، وفي الوقت نفسه، صارت الاكتشافات أكثر غرابة وإثارة: «صور واضحة للشمس والقمر والنجوم ومذنبات متوهجة لها ذيل من اللهب.» وأخيرًا، جلب المعاونون له «لوحات حجرية رائعة … مميزة بالاسم الأقدس للإله «يهوه» مكتوب بحروف لاتينية وإغريقية وعبرية.»

fig21
شكل ٩-٢: كان من بين الحفريات الوهمية التي نحتها منافسو بيرنجر لخداعه نوع من جراد البحر (أو ربما كان حلزون البزاق) وكتابات هيروغليفية.

وبدلًا من التفكير في الأمر بعقلانية، كان ما وجده بيرنجر قد خلب لبه. فبدأ يضع نظريات عن أنواع جديدة من العوامل السببية في السماء. وقرر أن حفرياته لم تكن مثل «الأحجار المتكونة» الأخرى التي جاءت من الطوفان العظيم أو «نتيجة القوة الإبداعية أو التشكيلية لكيان مبتكر أو القوة الأساسية للحياة أو نظرية التبزر الشامل»، ولا هي «نتاج مصادفة لجبلنا الرائع». بدلًا من ذلك، وضع نظرية تفصيلية قائمة على خصائص الضوء تقول بأنه: «دفق من الجسيمات الشمسية الدقيقة، والذي — لكونه ذا أساس ناري — يمر من خلال الغلاف الجوي … ويتمتع بقدرة رائعة حقًّا على تصوير ورسم وتشكيل صور الأجسام التي يقع عليها أثناء تدفقه.» ومن ثم، تساءل ألا يمكن أن نفترض أن لها «قوة نشطة وإبداعية لأن تطبع الأشكال نفسها التي التقطت صورة لها بالفعل على مادة ملائمة»؟ بعبارة أخرى — وبجدية تامة دون أدنى إشارة إلى غير ذلك — يبدو أن بيرنجر كان يضع فرضية تقول بنسخة مبكرة من عملية التصوير الشعاعي الجاف؛ فالضوء يمكنه تشكيل صور للكائنات الحية أو للكلمات على أحجار شواهد القبور، ثم ينقلها إلى «الطمي والطين والرمال والأحجار اللينة».

ثم انفجرت الفقاعة، فطُلب إجراء تحقيق، ليكشف أن بيرنجر كان ضحية بريئة (أو لنقل شديدة السذاجة) لأكثر عمليات الخداع مكرًا. كانت حفرياته الأولى حقيقية، أما كل الحفريات الأخرى فكانت زائفة. والأدهى والأمرُّ أنها لم توضع في ذلك المكان بأيدي تلاميذ على سبيل الدعابة، وإنما بأيدي زملائه المهنيين الذين قرروا أن يجردوه من مصداقيته ويشوهوا سمعته. قام أحد «مساعديه» — وهو شاب يدعى كريستيان زانجر — بنحت ووضع المواد المزيفة للآخرين كي يأخذوها إلى بيرنجر. غير أن إجناتز رودريش — أستاذ الجغرافيا والجبر والتحليل بجامعة فورتسبورج — ولا أحد غيره، هو من دفع لزانجر مقابل فعلته. وقد ساعد جورج فون إكهارت — عضو المجلس الاستشاري الملكي وأمين مكتبة البلاط الملكي والجامعة — في تلميع تلك المواد الزائفة. وما هذه الخدعة إلا قصة صغيرة خبيثة عن المنافسات الأكاديمية.

الأركيورابتور زائف، فماذا عن الأركيوبتركس؟

لا شيء يدخل على نفوسنا السرور أكثر من نظريات المؤامرة والشماتة في مآسي الآخرين؛ أي رؤية العظماء وهم يتهاوون. في عام ١٩٨٥، طعن الفلكي فريد هويل وزميله إن ويكراماسينغ في صحة حفرية لا تدانيها حفرية أخرى وتعد بالفعل أيقونة علم المتحجرات: إنها حفرية الأركيوبتركس.

هناك ثماني عينات معروفة من الأركيوبتركس؛ أولاها كانت ريشة واحدة اكتشفت عام ١٨٦٠. وفي عام ١٨٦١، ظهرت إلى الأضواء عينة مذهلة في محاجر الحجر الجيري الذي يستخدم في الطباعة الحجرية في سولنهوفن في بافاريا وبيعت للمتحف البريطاني بلندن. وفي عام ١٨٧٧، عُثر على عينة لا تقل عنها أهمية في أيشتات وبيعت لمتحف هومبولت ببرلين. وهناك عينة عُثر عليها قبل ذلك اكتشف في النهاية أنها تقبع في أحد أدراج متحف بميونخ بعد أن صنفت خطأً على أنها تيروداكتيل. وكان أحدث اكتشاف في عام ١٩٦٠. يجمع الأركيوبتركس بين عدد من صفات الزواحف (منقار مسنن ليس قرني الشكل، وذيل عظمي طويل، وفقرات الجذع غير ملتحمة، ولا توجد عظام في اليد) مع سمات الطيور (ريش وفُرَيقة أو عظمة ترقوة). يمثل الأركيوبتركس «حلقة الوصل المفقودة» من أواخر العصر الجوراسي، وهو أقرب إلى أن يكون ديناصورًا صغيرًا كويلوصوريًّا منه طائرًا، ولكن مع وجود ريش حقيقي.

على أساس بعض الصور الفوتوغرافية غير الواضحة، زعم هويل ويكراماسينغ أن طبعات الريش على عينة المتحف البريطاني زُيِّفَت عن طريق أخذ طبقة من الحجر الجيري الأصلي مع مادة لاصقة ولصق ريش حديث عليها. وكان على متحف التاريخ الطبيعي (حسبما يسمى الآن) أن ينفق قسطًا كبيرًا من وقت وجهد العاملين فيه لإثبات ما كان واضحًا للدارسين طوال تلك الفترة؛ أي إن حفرية الأركيوبتركس أصلية. كان هويل عالمًا متميزًا بحق وليس من الواضح لماذا بدأ هذا التحقيق بالذات، لكن تهمة التزوير التي ألقاها حصلت على زخم هائل. غير أن هذا الأسلوب كان يتفق مع شخصيته المولعة بالجدل والتشكك؛ فقد اشتهر في علم الفلك بتحدي فكرة أن الكون نشأ إثر انفجار عظيم. ولما كانت حفرية الأركيوبتركس تمثل الأيقونة الممثلة للحفريات ونظرية التطور، فقد انتهز معادو نظرية التطور الفرصة وانتشوا بذلك الاتهام بأنها مزورة، بل وكانوا سعداء بتجاهل الدليل على أنها حقيقية.

وللأسف، قدم الأركيورابتور المفترض أنه نصف طائر/نصف ديناصور — الذي عثر عليه في صخور العصر الطباشيري بالصين — مثالًا أفضل لقضيتهم. من بين الموضوعات المحتدمة في علم المتحجرات خلال السنوات الماضية قضية أصل الطيور: من أي فرع من الزواحف جاءت؟ يعتقد كثيرون أن أقرب أقرباء الطيور هي الديناصورات، وأنه في حقيقة الأمر لم تنقرض الديناصورات في نهاية العصر الطباشيري، وإنما لا تزال موجودة إلى يومنا هذا على هيئة طيور. وفي هذه الحالة، ربما كانت هناك حالات موجودة بالفعل من الديناصورات الحقيقية ذات الريش، لكنها لم تكن تمتلك بعد باقي سمات الطيور. وكان لا بد في النهاية لهذا الوحش الذي تاق الكثيرون لرؤيته أن يظهر، وحدث ذلك في عام ٢٠٠٠: ديناصور درومايوصوري ولكن بريش حقيقي، أُطلق عليه اسم أركيورابتور (والمقطع الأخير من الاسم «رابتور» يعني الطيور الجارحة، وهو وصف متخم بالمعاني في هذا المجال). كانت تلك شريحة حفرية تعود لموضع كان مصدر العديد من الأمثلة المشوقة لطيور بدائية حقيقية. وبيع الأركيورابتور مقابل ٨٠ ألف دولار لأحد هواة جمع الحفريات في الولايات المتحدة، وبدا أنه يمثل «حلقة وصل مفقودة» أفضل من الأركيوبتركس.

fig22
شكل ٩-٣: حفرية لنصف طائر ونصف ديناصور بالفعل، لكن الأركيورابتور لم ينجح في خداع الجميع.

إلا أن أكثر العلماء الجادين كانوا متشككين في أمر هذا الاكتشاف، كما أنه لم يخضع مطلقًا لأي مراجعة نظراء علمية للنشر في أي مجلة مشهورة، وإنما أعلن عنه في مقال مطول في مجلة «ناشونال جيوجرافيك». وفي غضون عام، تبيَّن أنه عبارة عن تجميع من شرائح عدة متباينة جاءت من نفس الموقع، وجرى تركيبها بمهارة، وقد كان لتلك الحفرية ريش بالفعل، لكن فقط لأن هذا الجزء جاء من طائر حفري معروف اسمه يانورنيس، وكانت ديناصورًا لأن الأجزاء الأخرى جاءت من عدة شرائح مختلفة، كلٌّ منها عبارة عن قطع من ديناصورات.

وقد كان الدافع وراء ذلك التزييف من جانب مرتكبيه في الصين هو جني الربح لا أكثر. ولكن مرة أخرى كان قبوله — رغم محدوديته — متوقفًا على وجود أناس كانوا يتمنون أن يكون حقيقيًّا. لقد وقعوا في شرك الاعتقاد الجازم بأن هذا المخلوق لا بد وأنه كان موجودًا، وكذلك وقعوا في شرك الاندفاع ليكونوا الأول والأشهر في عالم اكتشاف أسلاف الطيور. ويرجع الفضل في هذا الأمر إلى العلماء الصينيين الذين كشفوا في أمانة حقيقة هذا التزييف.

لم يكن الأركيورابتور أول حفرية يجري «تزيينها» لزيادة قيمتها عند البيع. وأولئك الذين اشتروها ودرسوها لن يكونوا آخر المخدوعين، أو آخر من يخدعون أنفسهم. لقد عُثر منذ خديعة الأركيورابتور على حالات أكثر إقناعًا لديناصورات لها على الأقل نوع من الريش البدائي الأزغب، ومن ثم لم يكن التأثير العلمي لهذه الخدعة ذا شأن يذكر. غير أن الضرر الذي لحق بسمعة علم المتحجرات التطوري من جراء ذلك الاحتيال والتشهير بالأركيوبتركس كان أمرًا جللًا. فكما تكشف عملية بحث بسيطة على شبكة الإنترنت، قدمت تلك المواقف ذخيرة هائلة لأقل العناصر تشككًا في حركة التصميم الذكي المؤيدة لنظرية الخلق تمكنهم من توجيه سهام النقد لمجالات أخرى من علمي التطور والمتحجرات ورفضها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠