خاتمة

يتغير الشعر كما يتغير كل كائنٍ حي، ويتجدد١ على الدوام بمعايير وأساليبَ جديدة. ولكن لعلنا لا نكون مخطئين إذا قلنا إنه ظل يتحرك بين طرفَين؛ بين التعليم من ناحية والسحر من ناحية أخرى. ذلك يؤكد على المعنى والفكرة، ويريد أن ينبه العقل ويرتفع بالنفس ويهذب الضمير ويغير العالم بالموضوع الشريف والحكمة السامية، وهذا يؤكد سحر الكلمة وعذوبة النغم وجمال الإيقاع ويريد أن يوحي ويخلق الجو والانطباع ويهدف في النهاية إلى القرب من مثله الأعلى في الموسيقى أو في الصمت. على أن هذا لا يمنع وجود طرقٍ أخرى عديدة بين هذين الدربَين المتباعدَين، فالشعراء العظام — مثل هوميروس ودانتي وشيكسبير — قد علموا وسحروا، وأفادوا العقل بقدر ما أسعدوا القلب، ومن حسن حظهم أن الأزمنة التي عاشوا فيها كانت تنتظر من الشاعر أن يكون حكيمًا ذا نظرةٍ خاصة في الحياة، كما كانت تتوقع منه أن يمتع الأذان والمشاعر بحلاوة النغم وعذوبة الألحان. أما الشاعر الحديث فهو أقل حظًّا من زميله القديم، لم يعد في مقدوره أن يكون معلمًا بنفس الدرجة التي كان عليها أسلافه. لقد نازعه العالم في كثير مما كان وقفًا عليه، وأصبح الفلكي والجغرافي وعالم النفس والتاريخ والأساطير القديمة … إلخ؛ يعرفون عن موضوعاتهم أكثر مما يعرف، بل لقد أصبح عليه في مجال الأخلاق أن ينافس الكاهن والشيخ والفيلسوف والصحفي. ما من أحد يسمح له الآن بحقوقه «الشرعية» القديمة؛ إنه مطالب بأن يكون شاعرًا فحسب، أما معنى الشعر أو وظيفة الشاعر فأمر لا يعرفه الجمهور ولا يُعنِّي نفسه بمعرفتها. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت الشاعر يرتد إلى التصور السحري القديم عن الشعر، ويتحول من جديد إلى ساحر كل قوته في تأثيره على الآخرين؛ أي يتحول إلى ما كان الرومان يسمونه «فاتيس»٢ ويقصدون به الساحر والكاهن والرائد والمتنبئ، والملهم الذي ينطلق بلسان قوةٍ عاليةٍ غامضة، أو بالأحرى تنطق هذه القوة بلسانه، وقد ينجح هذا الساحر حقًّا في النفاذ إلى أعماق النفس البشرية والتعبير عما يستقر في قلوب الكثيرين دون أن يتمكنوا من التعبير عنه. غير أن وظيفته الأساسية تظل هي الإيحاء وإحداث الأثر وتحريك النفوس وامتلاك الأسماع؛ أي السحر بمعناه الشامل. لم يكن هناك أحد أشد إحساسًا بهذه الوظيفة المتميزة من طائفة الشعراء التي تسمى خطأً أو صوابًا باسم الرمزيين، ابتداءً من بودلير ورامبو وفيرلين ومالارميه إلى أتباعهم والمتأثرين بهم أو الثائرين عليهم في القرن العشرين. لقد عاشت هذه الطائفة للشعر وحده، وأراد أصحابها — وكان لهم ما أرادوه — أن يكونوا شعراء فحسب، وأن يكتبوا شعرًا خالصًا يملك قوة السحر وتأثيره، ويقدم موسيقى الكلمة والإيقاع على الفكرة والمعنى والمضمون، ويُعنى بالصنعة والشكل عناية النحات بصياغة تمثاله، ويقف بعيدًا عن مطامع المجتمع ومادية العصر وغرور العلم.
وطبيعي أن يكون الشعر الذي اصطلح على تسميته بالشعر الرمزي قد تغير كثيرًا على يد الأجيال التي خلفت أولئك الرواد. فقد أخذ يعبر عن تجاربَ جديدة، واختلف مفهومه عن السحر والصنعة والرمز، واقتحم آفاقًا حرمها الروَّاد على أنفسهم أو حرمتها عليهم نزعتهم الإستيطيقية البحتة، ونزل بعض أصحابه من «برجهم العاجي» إلى الواقع واستخدموا لغة الناس وحاولوا أن يكون الشعر قوةً تغيِّر الحياة. أصبح بعضهم معلمًا ومبشرًا بإنسانيةٍ جديدة مثل ستيفان جورجه، وبعضهم الآخر نبيًّا أو ثائرًا مثل ألكسندر بلوك، واشتغل فريق منهم بالسياسة مثل وليم بتلر ييتس وجورجه، وغاص فريق في بحار التجربة الصوفية إلى أبعد مما فعل الرواد مثل رلكه وييتس وبلوك في مراحلهم الأولى. غير أنهم ظلوا على كل حال بعيدين أو مترفعين إلى حدٍّ كبيرٍ، وظلت رؤيتهم بوجهٍ عام رؤيةً غيبية أو صوفية أو روحانية، وبقيت مثاليتهم مرتبطة بالجمال الخالص البعيد على الرغم مما تناولوه في بعض الأحيان من موضوعات قبيحة أو عادية. ولكنهم قد حافظوا في كل الأحوال على احترامهم الذي بلغ حد التقديس للشعر ورسالته، وأخذوا عملية الخلق مأخذ الجد والتعبد والفناء، وأبقوا على المعنى الذي ورثوه عن الرواد من أن الشعر ضرب من السحر أو السر الملهم الذي يحرك القلوب ويثير الخيال. أي أنه شيء لا سبيل إليه إلا بالإخلاص الكامل في التعبير عن تجربةٍ فرديةٍ عميقةٍ متميزة، تجربة نابعة الاختيار الشخصي الحر والإيمان المطلق بالذات الصادقة الجسورة المتفردة والمنفردة معًا.٣

ومعنى هذا كله أن تجربتهم ظلت في مجموعها قريبة من تجربة الرواد، وأن الظواهر الفنية التي لاحظناها عند هؤلاء بقيت في خطوطها العامة شبيهة بمثيلاتها عندهم وإن اختلفت عنها في كثير من التفاصيل بحيث يمكننا أن نقول إنهم عاشوا وأنتجوا ورأوا العالم من خلال ما نستطيع وصفه بالنزعة المثالية الذاتية. ولا يعني هذا أنهم تأثروا بمدرسةٍ فلسفية أو أنهم أهملوا الحياة وابتعدوا عن الأرض، بل يعني أنهم رأوا العالم الخارجي من خلال ذواتهم ومن خلال رؤيةٍ مثالية لما ينبغي أن تكون عليه وظيفة الشعر والشاعر.

وإذا كانت رؤيتهم تختلف عن رؤية الرواد الكبار من حيث الدرجة فإنها لا تختلف عنها من حيث النوع، بل تشاركها في نبلها وبعدها وترفعها وسمو معاييرها الفنية ومحافظتها على النزعة الصوفية واهتمامها بعنصر الموسيقى على نحو ما عبر عنه فيرلين في قصيدته المشهورة «فن الشعر» حيث قال: «الموسيقى أولًا وقبل كل شيء.»٤ … ولعل هذه الرؤية المثالية هي التي جعلتهم يغفلون كثيرًا مما عني به الشعراء الذين جاءوا بعدهم وبدوءا من حيث انتهوا، فاهتموا بالأشياء العادية وبلغة الحديث الدارج بين الناس، ونظروا نظرةً أخرى إلى الموسيقى والأداء ومعطيات العصر الحديث وهمومه وآلامه وكوارثه.

لعل أعظم ما حققه الشعر الحديث وما يزال يحققه في كبار أعلامه ورواده أنه وصل العالم المنظور بعالمٍ آخر غير منظور، واحتفى بتجربة الخلق أيما احتفاء، وجعلها أقرب إلى التجربة الدينية والصوفية وأكد قدرة الروح المبدعة وانتصارها ورهبتها أمام أسرار الخلق، وقدم الدليل بعد الدليل على أن الفن — وبالأخص الشعر — هو طريق النجاة من قسوة الموت وظلم السلطة وتخبط السياسة وغرور العلم وتعنت الفلسفة وجشع البرجوازية وضياع أنقى وأبقى ما في الإنسان — وهو حياته الباطنة وقدرته على الخلق والتجدد والإبداع — تحت عجلات الآلية والنفعية والوضعية وزحام المدينة الكبيرة. ولقد أعاد هؤلاء الرواد وتلاميذهم المباشرون للشاعر وظيفته الأولى؛ وظيفة الساحر والمتنبئ والكاهن، وعلموه أن مهمته هي الشعر وحده ولا شيء سواه، ورسالته في البحث عن حقيقة واحدة والتغني بهذه الحقيقة، التي قد تتفاوت بين الواحد منهم والآخر بمهابة وإجلال، مستعينين برموزٍ ملهمةٍ موحية. إن الإنسان عندهم ليس هو الحيوان السياسي ولا القديس، ولا هو المتصوف أو الفيلسوف، بل هو الفنان القادر على أن يجعل من الحياة نفسها فنًّا تستحق من أجله أن تعاش، ويصل الكنوز الخافية في أعماقه الفردية بكنوز الإنسانية وأسرارها ورموزها القديمة، ويثبت جدارته بهذه الإنسانية من خلال جدارته بالخلق والإبداع.

قد يكون صحيحًا أن الشعر الأوروبي أصيب بالتدهور في السنوات الأخيرة، وفقد كثيرًا من صدقه وحيويته واندفاعه بعد أن خنق الموت أو العجز أصوات أعلامة الكبار.٥ لكن من الصحيح أيضًا أنه وصل في بعض المناطق من العالم — مثل بلادنا العربية في السنوات القليلة الأخيرة — إلى درجةٍ مذهلة من التجدد والاستجابة للمحنة التي ألمَّت بوطن الشاعر وهددت حضارته وتاريخه ووجوده، بل وطردته في بعض الأحيان من وطنه ودمرت بيته وغرزت سكينها في لحمه. والواقع أن الشعر الأوروبي قد بالغ منذ أواخر القرن الماضي في التأمل في نفسه، وقيدها بدقائق الصنعة و«بما ينبغي» أكثر مما ينبغي! ويستحيل بالطبع أن نقول إن الناس انصرفت أو يمكن أن تنصرف عن الشعر؛ فهي تنتظر دائمًا كما انتظرت في كل الأزمنة صوت الشاعر الذي يعبر (بالأغنية قبل كل شيء) عن آلامها وأفراحها وعن حظها ومصيرها في زمن الكوارث التي تصيبها أو تتوقعها. ولا شك أن شاعر المستقبل — وربما يكون الآن عاكفًا على عمله! — سيستفيد من التجارب التي خاضها الشعراء العظام في كل العصور وفي العقود القليلة السابقة على زمننا مباشرةً. ومع ذلك فإننا — نحن المتلقين — نتمنى أن يخلص نفسه من قيود الحركات والمذاهب، ويحرر دفعة الخلق الحية فيه، ويعمق حسه بصدق الحياة وعظمتها وحقيقتها، ويعبر عن آلام الإنسان المشتركة في عصره، كما يغني بجوهره الباقي وسعيه الخالد إلى فهم العالم الذي يعيش فيه وحبه وصونه من كل أسباب الشر والدمار التي تعذب بالفعل أعظم وأتعس سكانه … الإنسان.

•••

لم يستطع أحد حتى الآن — ولا أرسطو نفسه في كتابه المعروف! — أن يجد تعريفًا كافيًا للشعر، والغالب أن أحدًا لن يجده. إن كل واحد منا يظن أنه يعرفه، ولكننا سرعان ما نتبين أننا لا نملك التعريف الجامع المانع، وأن التعريف الذي نملكه يذكر أشياء ويغفل أخرى، ويرضي بعض الناس ويسخط بعضهم، ويختلف في كل الأحوال عن آراء النقاد والكتاب الأقدمين. هذا كله أمرٌ طبيعي، فنظرية الشعر وتطبيقه يختلفان من عصر لعصر. وفهمه وتذوقه يختلفان كذلك في العصر الواحد بل ويتفاوتان من قارئ لقارئ بالنسبة للقصيدة الواحدة.

ونحن حين نتكلم عن الشعر نقصد على الدوام ما هو أكثر من الشعر كما أن الشعر يعني على الدوام شيئًا أكثر من نفسه. ما هو الشعر إذن؟ من الصعب أن نُعرِّفه كما قلت. ولكننا نستطيع أن نقول إن الشعر في صميمه تأكيد لقيمة العالم وجدارة الحياة وتجربة الإنسان (وقد نشأت ثورات الشعر وأزماته على الدوام عندما أحسَّ الشعراء بأن الحياة قد خلت من الشعر أو أن الشعر قد خلا من الحياة). إن الشعر في صميمه احتفال وثناء، عيد وغناء، بهجته ليست مجرد لذة، شكواه ليست مجرد بكاء، يأسه ليس مجرد قنوط واستسلام، ومهما يكن من أمر فهو في النهاية تأكيد لوجود عالم له معنى وهو يفعل ذلك حتى ولو أنكر فوضاه واحتجَّ على خلوه من كل معنى. الشعر نظام، حتى ولو عبر عن الاضطراب والظلام، والشعر أمل حتى ولو صرخ من اليأس. إنه ينفذ إلى قلب الأشياء، ويغوص إلى صميم كيانها، ولذلك فكل شعر بهذا المعنى الشامل واقعي؛ أي محاولة للعودة بالأشياء إلى الواقع الأصيل، أو إن شئت إلى الحقيقة.

وكلمة الواقع تستحق منا وقفةً قصيرة، فلم يكن الشعر في وقت من الأوقات مجرد وصف أو نقل أو محاكاة بالمعنى الذي أراده أرسطو. لقد كان على الدوام قوةً مبدعةً خلاقة. وهو يبدع ويخلق من ناحيتين؛ إنه يبدع أو «يصنع» أشياء لم تكن موجودة من قبلُ (وكلمة الشعر باشتقاقها اليوناني تفيد معنى الصنعة والصنع). وهو يبدع كذلك بالمعنى الأعمق لهذه الكلمة عندما يصقل العنصر الخلاق الكامن في التجربة نفسها ويسمو به. فليست التجربة هي الانطباعات والإحساسات والمدركات التي نتلقاها من العالم الخارجي، بل هي إضفاء المعنى عليها، ولهذا فإن الشعر هو أهم من يصنع معنى التجربة، إنه إذا شئنا أن نستخدم لغة أرسطو يحقق في الفعل أجزاء جديدة من التجربة الموجودة بالقوة. ولعل هذا هو السر في غربة الشعراء الدائمة في مجتمعاتهم. إنهم أول ضحايا الشك واليأس؛ لأنهم يعيدون خلق التجربة أو يعطونها معنًى جديدًا لا يرضي سائر الناس الذين يقنعون بالحياة في ظل تجربة حدد غيرهم معناها من قبلُ.

ولكن ماذا يحدث لو امتد الشك في حقيقة الأشياء إلى مجال التجربة والوجدان الذي يخلق فيه ومنه الشعر نفسه؟ ماذا يحدث لو أصاب هذا الشك قيمة العالم الواقعي؟ هنالك لا يكون أمام دفعة الخلق الشعري إلا أن تلتمس ملجأً لها في عالمٍ داخليٍّ صغيرٍ خاص بها يحتفظ بقيمه التي فقدها الواقع الخارجي. هنالك يصنع الشاعر عالمًا في العالم كما يوجد لغة في اللغة. (وربما كانت قصة الشعر الغربي الحديث من عصر النهضة إلى الوقت الراهن هي قصة اكتشاف الباطن واستعمار الأعماق). هكذا انطلق المغامرون من أرضهم المجدبة وراحوا يعرضون على العالم كنوزًا لم يتوقعها. فهل يكون رجوعهم إلى الواقع أقرب إلى حنين الجنس المهزوم؟ وهل ينتهي بعودة الابن الضال إلى صدر الأب؟٦

•••

الشعر إذن في صميمه غناء، لحن يعيد للعالم انسجامه وتوازنه، صياغةٌ جديدة لمصيره ومعناه، لأخلاقه وقوانينه، لشريعته وسياسته. هذا هو المثل الذي جاهد الشعراء في كل العصور لتحقيقه. والأسطورة الإغريقية القديمة التي تُروى في هذا المعنى غير بعيدة عن الأذهان؛ فقد قيل إن شاعرًا ركب مع جماعة من البحارة الغلاظ في سفينتهم، وتوهم البحارة من هيئته وصمته أنه يحمل معه كنزًا ثمينًا فعزموا على قتله، وأعلنوه بالحكم فرضي به، ولكنه طلب منهم أن يمهلوه ريثما ينشد أغنيته. وتناول قيثارته وأخذ يوقع عليها لحنًا رائعًا جذب الدلفين — صديق الغناء والإنسان — فطفا على وجه الماء ليستمع إليه. ولم يكد الشاعر ينتهي من أغنيته حتى ألقى بنفسه على ظهر الحيوان الصديق.

•••

ليست الأغنية هي سبيل الإنقاذ وإعطاء معنًى جديد للعالم الذي فقد معناه أو إعادته إلى المعنى المفقود فحسب، بل هي كذلك تعبير عن مغامرة الحقيقة وسط محيط التجربة الإنسانية المضطرب غير المتناهي. هنالك يصبح «الخلق الجديد» هو الهدف الذي يحلم الشاعر ببلوغ شاطئه البعيد.

ويحكي «رلكه» قصةً أخرى عن قارب يمخر عباب بحرٍ متلاطم الأمواج، ويحاول الملاحون أن ينقذوا القارب فيجدفوا بإيقاعٍ رتيب. ويتكاثف الظلام وتشتد الأمواج وما من علامة تشير إلى بر الأمان وفجأة يطلق رجلٌ كسول عقيرته بالغناء، وبينما يبذل الملاحون جهدهم اليائس لمقاومة الأمواج تحاول أغنيته أن تقاوم يأسهم. إنهم يريدون السيطرة على العنصر الثائر القريب منهم، وصوت الشاعر يريد أن يربط القارب بالغاية البعيدة ويشيع الأمل في النفوس بقربها منهم أو على الأقل بأن جهدهم لن يضيع٧ ويعقِّب «رلكه» على هذه الحكاية فيقول: لست أدري لماذا ولا كيف حدث لي هذا؟ ولكنني أدركت فجأة موقف الشاعر، وعرفت مكانه ووظيفته في هذا العصر. لا بأس أن ينكر عليه الناس كل مكانٍ آخر، ما خلا هذا المكان. هنا ينبغي عليهم أن يتحملوه؛ أي لا يضنوا عليه بمغامرة البحث عن الشاطئ المجهول، ومرافقة الملاحين التائهين بالنشيد والغناء، وإرسال سحابةٍ هادئة من المعاني والرموز فوق رحلة المصير المظلم المخوف. وليس المراد بهذا كله أن الخلاص — خلاص الشعر والعالم — مرهون بوجود عدد من البلابل والقبرات والعصافير! صحيح أن الصوت العذب سيظل محبوبًا ومطلوبًا على الدوام. ولكن الشعر ليس هو المعادل الإنساني لغناء البلابل والطيور، إنه شيء أكبر من هذا؛ إنه فيرجيل ودانتي، وجوته وهولدرلين، وشكسبير وإليوت، والمتنبي والمعري، وحافظ والخيام، وإليوت ولوركا وأنجارتي وتراكل، والسياب وأدونيس والبياتي وصلاح عبد الصبور، هو هؤلاء، وهو كذلك تحديد لحالة الإنسان وكشف لها بطريقته الخاصة التي ستظل دائمًا — حتى في أكثر الأشعار تعقيدًا وغموضًا — هي طريقة اللحن والغناء.
١  الشعر يتجدد ويتغير ولكنه لا يتطور بالمعنى البيولوجي الذي يفهم من كلمة التطور؛ إذ إنه يحتفظ دائمًا بجوهره الباقي. راجع في هذا الكتاب القيم «الشعر واللغة»، مكتبة النهضة المصرية ١٩٦٩م، القاهرة للدكتور لطفي عبد البديع.
٢  فاتيس Vates.
٣  لنذكر في هذا الصدد النصيحة الوحيدة التي بعث بها مالارميه إلى فاليري عندما كتب إليه هذا يسأله رأيه في بعض أشعار شبابه ويطلب منه النصيحة. قال المعلم لتلميذه المعجب الوفي: «نصيحتي الوحيدة: كن وحيدًا.»
٤  راجع هذه القصيدة في الجزء الثاني الذي يضم المختارات الشعرية.
٥  راجع في هذا مقالًا لبورا بعنوان «الشعر في أوروبا بين سنة ١٩٠٠م و١٩٥٠م» نشر في العدد الأول من النسخة العربية من مجلة ديوجين أو مصباح الفكر، ص١١–٢٨، وراجع كذلك الفصل الأخير من كتابه الذي سبق ذكره عن تراث الرمزية.
٦  انظر: إريش هيللر، مغامرة الشعر الحديث — في كتابه «العقل المنبت الجذور»، مجموعة بليكان، ١٩٦١م، ص٢٢٧–٢٥٧.
Erich Heller, The Hazard of Modern Poetry, in: The Disinherited Mind, A Pelican Book, p. 227–257.
٧  وردت هذه القصة في الطبعة الفرنسية من كتاب رلكه «رسائل إلى شاعرٍ شاب» تحت عنوان «الشاعر» وقد حدثت بالفعل عندما كان رلكه يعبر النيل عند معبد «فيلة» أثناء زيارته لمصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١