الفصل الثاني

بودلير (١٨٢١–١٨٦٧م) شاعر العصر الحديث

العالم مملٌّ وصغير اليوم وأمس وغدًا.

***

تمهيد

ما من شاعر استحق هذه التسمية مثل بودلير؛ فلم يقتصر أثره على الشعر الحديث من بعده إلى يومنا الراهن فحسب، بل امتد كذلك إلى نظريات فن الشعر التي تتحدث عن طبيعة بنائه وظواهره وقضاياه.

صار الشعر الفرنسي بعد بودلير مسألة تعني القارة الأوروبية كلها. ويكفي أن نذكر تأثيره على الإنتاج الشعري في ألمانيا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، بل يكفي أن الفرنسيين أنفسهم سرعان ما تبيَّنوا أن هذا الشعر كان أبعد أثرًا من شعر الرومانتيكيين، وأن التيارات الجديدة التي انبعثت منه كانت أعظم قوةً وأشد إثارةً. لقد نفذ في قلوب فيرلين ورامبو ومالارميه، واعترف هذا الأخير بأنه بدأ من حيث انتهى بودلير. ولم يتردد شاعرٌ كبير مثل فاليري في أن يتتبع قبل موته بقليل ذلك الخط المباشر الذي يصل من بودلير إليه، ثم جاء صوت الشاعر العظيم توماس إليوت ليؤكد في دراسته الهامة عنه أن بودلير هو أعظم مثل للشعر الحديث في أية لغة من اللغات. ولسنا بحاجة إلى الاستطراد في هذه النماذج والنصوص؛ فكل من يقرأ بودلير اليوم يعرف بغير شك أنه الرائد الذي وضع أساس هذا البناء الشامخ الغريب الذي نسميه بالشعر الحديث. بل إن القارئ الذكي لن يعدم أثره هنا وهناك على رواد شعرنا العربي الجديد.

لا غرابة إذن في أن يكون بودلير هو شاعر العصر الحديث، وأن يحس هو نفسه أنه جدير بهذه التسمية؛ فهو الذي استخدم الكلمة لأول مرة في سنة ١٨٥٩م، واعتذر عن غرابتها وجدَّتها، ثم اضطر إليها للتعبير عما يميز الفنان الحديث. وما يميز الفنان الحديث هو أن يحيا في صحراء المدينة الكبيرة فلا يرى سقوط الإنسان فحسب، بل يحس كذلك بنوع من الجمال الغامض الذي لم يُكتَشف من قبلُ، والواقع أن هذه هي نفسها مشكلة بودلير: كيف يمكن أن يحيا الشعر في ظل المدنية التي سيطرت عليها التجارة والصناعة؟ ونستطيع أن نقول إن شعره يشير إلى الطريق، ونثره يتأمله ويتفكر فيه.

ولكن إلى أين يؤدي هذا الطريق؟ إنه طريق الخروج من سجن الواقع الضيق، طريق النجاة من تفاهته إلى منطقة السر. ولكن ما يميز بودلير أيضًا أنه يأخذ معه عناصر هذه المدنية المثيرة وهذا الواقع التافه إلى تلك المنطقة الغامضة التي قد تكون في أعماق الحضيض أو في أعالي القمم، وأنه يضفي عليها رفيف الشعر واهتزازه وخلجاته، ولا نبالغ إذا قلنا إنه بهذا يمهد للشعر الحديث ويلمس طبيعته السحرية القاسية في آنٍ واحد.

لعل أهم ما يميز بودلير هو دقة عقله ونصاعة وعيه الفني. إن العبقرية الشعرية والذكاء النقدي يتَّحدان في طبيعته. وآراؤه في فن الشعر وطبيعة الخلق الشعرى تقف على مستوًى واحد مع إنتاجه، بل قد تزيد عليه في أهميتها وخطرها، شأنه في ذلك شان الشاعر الرومانتيكي نوفاليس الذي تُعدُّ آراؤه المنثورة في شذراته أهم بكثير من أعماله الأدبية، وأقوى منها تأثيرًا على الأجيال من بعده. وقد جمع بودلير أفكاره وآراءه تلك في مجموعتَين من المقالات هما «تطلعات جمالية» و«الفن الرومانتيكي».١ (وقد نشر كلاهما في سنة ١٨٦٨م بعد موته.) وفي هذين الكتابَين تفسيراتٌ عديدة لأعمالٍ فنية عاصرها بودلير، لا في الأدب وحده، بل كذلك في الرسم والموسيقى. وهي ظاهرة يتكرر فيها عند بودلير ما لمسناه من قبلُ عند ديدرو من استفادة بالفنون الأخرى في معرفة طبيعة الأدب والخلق الشعري. ولكن تحليلات بودلير وتفسيراته تزيد عن ذلك كله في أنها تقدم تحليلًا لضمير العصر ولفكرة الحداثة بوجهٍ عام، ينبع من إيمانه بأن الأدب والفن هما التعبير عن روح العصر وقدره. وهو بهذا يخطو الخطوة الأولى على الطريق الذي سيقطعه مالارميه فيما بعدُ، وأعني به الطريق إلى الشعر الأنطولوجي (الوجودي) ونظريته الوجودية في فن الشعر.

(١) التخلي عن النزعة الشخصية

طرَقَ كثير من الباحثين موضوع العلاقة بين بودلير وبين الرومانتيكيين ونود هنا أن نتحدث بإيجاز عن الدوافع والأسباب التي مكَّنت بودلير من تحويل التراث الرومانتيكي إلى لونٍ جديد من الأدب والتفكير، أدَّى بدوره إلى لونٍ جديد من الشعر الغنائي عند المتأخرين.

ويحسن أن نبدأ هذا الحديث بالكلام عن ديوان بودلير الشهير «زهور الشر» (١٨٥٧م).

وزهور الشر ليست من شعر الاعتراف الذاتي في شيء، وليست كذلك من قبيل المذكرات الشخصية الخاصة التي يسجل فيها الأديب قصة حياته وآلامه، على الرغم مما نجده فيها من عذاب شاعرٍ وحيدٍ شقيٍّ مريض. ولم يحدث أن دوَّن بودلير تاريخ كتابة قصائده، كما فعل فيكتور هيجو على سبيل المثال. ولو حاولنا الربط بين إحدى هذه القصائد وبين ظروف حياته لما خرجنا من ذلك بشيء يلقي بعض الضوء على موضوعها. ولذلك فلا بد من القول بأن بودلير أول شاعرٍ حديث تنفصل حياته عن أدبه، وإذا أردنا المزيد من الدقة أمكننا أن نقول إن الاتجاه إلى التخلي عن النزعة الشخصية والعواطف الذاتية في الشعر الحديث قد بدأ مع بودلير. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة قلنا إن الكلمة الشعرية لديه لم تعد تصدر عن وحدة تجمع بين الشعر والشاعر الحي كما حاول الرومانتيكيون ذلك وحقَّقوه إلى حدٍّ كبير، على خلاف قرونٍ كثيرةٍ سابقة من الإنتاج الأدبي. وكلام بودلير في هذا الموضوع يستحق أن يؤخذ مأخذ الجد. ولا يقلل من شأنه أنه يعتمد فيه على كلامٍ مشابه قال به الكاتب الشاعر الأمريكي إدجار آلان بو الذي ترجم بودلير العديد من مقالاته وأقاصيصه.

كان «بو» أول من فصل فصلًا حاسمًا بين الشعر والشاعر أو بين الكلمة والقلب. كان يريد أن يكون موضوع الشعر هو العاطفة المتأججة، على أن تكون عاطفة لا صلة لها بالعاطفة الذاتية أو الشخصية ولا بما سماه «نشوة القلب».٢ إنه يريد بها نوعًا من الحساسية الشاملة، يسميها في بعض الأحيان «الروح» ليسرع بعد ذلك بقوله: «لا القلب!»

وبودلير يُكرِّر في هذا الموضع — وفي مواضعَ أخرى عديدة من آرائه النقدية — ما يقوله «بو»، وإن عدل بعض الشيء في صياغته. فهو يقول مثلًا (ص١٠٣١ وما بعدها): «إن مقدرة القلب على الإحساس ليست في صالح العمل الأدبي.»

ماذا يكون إذن في صالحه؟ مقدرة المخيلة على الإحساس. ولكن ماذا يفهم بودلير من كلمة المخيلة أو ملكة الخيال؟ هي عنده قوة تعمل بتوجيه من العقل (وسنعود لذلك بالتفصيل فيما بعدُ).

ولذلك ينصح الشاعر بالبعد عن كل نزعةٍ عاطفيةٍ ذاتية، والانصراف إلى «المخيلة الناصعة» التي تستطيع في رأيه أن تنهض بواجبات لا تقوى عليها العاطفة. ويقول أيضًا على لسان الشاعر «إن مهمتي تخرج عن الحدود البشرية» (ص١٠٤٤). كما يقول في إحدى رسائله إنه يتعمد أن تكون أعماله الأدبية غير شخصية، أي تكون قادرة على التعبير عن كل الأحوال الوجدانية التي يمكن أن يحسَّ بها الإنسان، والأحوال المتطرفة، منها بوجهٍ خاص. أليس ثمة مكان للدموع؟ أجل، ولكنها الدموع التي لا تنحدر من القلب. والشعر لا يكون شعرًا بحق حتى يثبت مقدرته على أن يضع القلب في حالة حياد.

يريد بودلير للذات (أي جماع العواطف والانفعالات الشخصية التي أسميناها بالقلب) أن تكون في حالة حياد. وهو بذلك يضع يده على ملمحٍ هام من ملامح الشعر الحديث، وأعني به نزعة التجرد من الذاتية، أو اطَّراح النزعة البشرية كما يسميها بعض النقاد، ونحن نجد في إنتاج بودلير وفي آرائه النقدية ذلك التخلي عن الذاتية الذي سيؤكد «أورتيجا أي جاسيه» و«إليوت» وغيرهما أنه شرطٌ ضروري لصدق الشعر ودقته.

ومع ذلك فلا يجب أن نفهم من هذا أن بودلير يلغي «الأنا» أو «الذات»، لأن قصائد «زهور الشر» تكاد كلها تتحدث عن «الأنا» أو تعبر عنها. فبودلير شاعرٌ عاكف على نفسه بكل ما في كلمة العكوف من معنًى (ولا أقول الانطواء حتى لا تُفسَّر الكلمة بمعنى المرض النفسي أو غيره من التفسيرات النفسية السخيفة)! ومع ذلك فيندر أن يلتفت هذا العاكف على نفسه عندما يكتب شعره إلى ذاته التجريبية أو الشخصية. إنه يعبر عن نفسه من حيث هو إنسان يتعذب بروح العصر الحديث ويعاني آلامه، ومن حيث هو شاعر يدرك هذه الحقيقة ويعيها تمام الوعي. إنه واقع في أَسْرها، وما أكثر ما قال إن العذاب الذي تقاسيه ليس عذابه هو وحده! بل إن بعض قصائده التي لا تزال تعلق بها بقية من عذابه الشخصي لا تعبر عن هذا العذاب إلا بطريقةٍ غامضة وغير دقيقة. ولذلك فلا نستطيع أن نتصور مثلًا أنه كان في إمكانه أن يكتب قصيدةً من نوع القصيدة المشهورة التي كتبها فيكتور هيجو عن موت طفل. إنه يتعمق ذاته الشخصية تعمقًا منهجيًّا دقيقًا ليُفتِّش عن كل القيم والآلام «غير الشخصية» أو «فوق الشخصية» التي يعانيها عصره كله: القلق، والضياع والسقوط، وانهيار النفس التي تشتاق إلى عالمٍ مثالي تراه يتدهور في هوة الفراغ، وهو يتحدث عن هذا القلق النفسي الذي يعانيه تحت وطأة هذا القدر.

والواقع أن «القلق» والقدر، من الكلمات الدالة على فكر بودلير، كما أن «التركيز» و«التمركز» من مفاتيح شخصيته، وكأني به قد اتخذ لنفسه شعارًا كلمة أمرسون: «البطل هو الذي لا يشغله عن التركيز شيء.» أما الكلمات المضادة فهي «التفكك» و«الدعارة»؛ والأخيرة تعني الاستسلام، والتخلي عن القدر الروحي، والهروب إلى الآخرين، والخيانة عن طريق التشتت. وكلها كما يؤكد بودلير من ظواهر المدنية الحديثة كما هي من الأخطار التي عاهد نفسه أن يحميها من شرها، وإنه لقادرٌ على ذلك بفضل القدر الذي هيأته له طبيعته، وبفضل التركيز على «الأنا» التي تخلصت من الأعراض الشخصية وارتفعت حتى صارت وعاء يحتوي العصر كله.

(٢) التركيز والوعي بالشكل؛ الشعر والرياضة

ليس بودلير من الأدباء الذين تقاس خصوبتهم بعدد الموضوعات التي يطرقونها، بل بمدى العمق في تناولها. فلقد تناول عددًا قليلًا من الموضوعات التي ظل طوال حياته يدور في فلكها ويرجع إليها بالتهذيب والتنقيح من حين إلى حين. ومن المدهش حقًّا أنها تظهر في الأربعينات، أي في فترةٍ مبكرة من حياته، وأنه لم يكد يزيد عليها بعد ذلك شيئًا ذا بال، بل ظل منذ ظهور «أزهار الشر» حتى وفاته لا يكاد يخرج عن دائرتها. هذه الموضوعات القليلة التي ساعدت مقالاته ومذكراته الشخصية ورسائله على تثبيتها والتركيز عليها، تتخلل ديوانه وتجعل منه ما يشبه النسق المنظم أو الكيان العضوي الحي. وهي على قِلَّتها أقرب إلى أن تكون تحولات أو متنوعات على لحنٍ رئيسيٍّ واحد يفيض بالألم والصراع، ونستطيع أن نسميه لحن التوتر بين النزعة الشيطانية والنزعة المثالية. هذا التوتر يظل قائمًا بلا حل أو نهاية، ولكنه يظل كذلك محتفظًا بالنظام والتسلسل اللذين يميزان كل قصيدة على انفراد.

والواقع أننا لن نفهم تطور الشعر الحديث حتى نفهم هذا التوتر الذي سيصل إلى غايته في شعر رامبو فيصبح لحنًا من النشاز المطلق الذي تحطم فيه كل تماسك ونظام، ويزيد حدة وعنفًا في شعر مالارميه وإن طرق به موضوعاتٍ أخرى وخلق له لغةً جديدةً غامضةً موغلة في الغموض.

•••

لقد حذر بودلير كما رأينا من الاستسلام «لنشوة القلب». وتركز قصائده على عدد من الموضوعات القليلة يحقق هذا الغرض. صحيح أن هذه النشوة قد تظهر في بعض شعره، ولكنها ليست هي الشعر نفسه بل مادته. ففي رأيه أن الفعل المؤدي إلى الشعر الخالص فعل كله جهد وتعب وبناء ومعمار وتجريب متصل لطاقات اللغة وبواعثها. ولقد نبَّه بودلير إلى أن زهور الشر لا تريد أن تكون مجرد «ألبوم» يضم عدة قصائد، وإنما هي كلٌّ متكامل يبدأ وينمو وينتهي إلى غاية. قد لا تخرج من ناحية المضمون عن مجموعة من العواطف السلبية كاليأس والشوق إلى الموت والشلل والتطلع المحموم إلى المثال والانفعالات الشاذة. ولكن هذه العواطف كلها محصورة في إطار من التأليف المحكم المدروس. ولذلك لا نكون مبالغين إذا قلنا إن زهور الشر — بجانب أغاني بتراركا وديوان أنشودة لجيان الإسباني — هي أكثر مجموعات الشعر الأوروبي الحديث دقةً وإحكامًا، ولقد راعى بودلير في كل ما أضافه إليها بعد ظهور الطبعة الأولى سنة ١٨٤٥م أن يكون متفقًا مع الإطار العام الذي وضعه لها منذ البداية. بل إن حرصه في تلك الطبعة على أن يكون عدد القصائد مائة تقسم إلى خمس مجموعات، يدل على حرصه الشديد على دقة الشكل والبناء. صحيح أن هذه النزعة الشكلية عنصرٌ مشترك بين أبناء الروح الرومانية أو اللاتينية، ولكن الآثار الباقية من التفكير المسيحي في شعره تدل من ناحيةٍ أخرى على تأثر البناء الشكل لقصائده بالاتجاه الرمزي العام الذي غلب على أواخر العصور الوسطى، عندما كانت أشكال التأليف الأدبي انعكاسًا لنظام الكون الذي خلقه الله.

تخلَّى بودلير في الطبعات التالية من زهور الشر عن ذلك العدد الكامل، ولكنه لم يتخلَّ عن النظام الداخلي الذي يربط بين قصائدها، بل زاده قوة. والنظرة العابرة إلى الديوان الشهير تكفي لتعرُّف هذا النظام. فبعد أن يبدأ بقصيدة تمهد للديوان كله «إلى القارئ» نجد المجموعة الأولى «ملال ومثال» تتناول التضاد القائم بين الارتفاع والسقوط، والثانية «لوحات باريسية» تشير إلى محاولة الفرار إلى عالم المدنية الكبيرة، والثالثة «النبيذ» تصوِّر الانطلاق إلى جنةٍ مصطنعة.

ولكن الشاعر لا يجد الراحة التي كان ينشدها؛ ولذلك يستسلم لإغراء التخريب والتدمير الذي تدور عليه قصائد المجموعة الرابعة التي جعل عنوانها «زهور الشر» عنوانًا للديوان كله. وينتهي به التخريب والتدمير إلى التمرد الساخر على الله في المجموعة الخامسة «تمرد». ولا يبقى أمامه إلا التماس الراحة في الموت، هذا المجهول المطلق. وبذلك ينتهي الديوان بالمجموعة السادسة والأخيرة «الموت».

ولا يقتصر هذا البناء المعماري على تكوين الديوان في مجموعه، بل يتخلل المجموعات نفسها كنوع من التسلسل الديالكتيكي للقصائد. ولذلك نجد الديوان كله أشبه بنسق أو نظامٍ متحرك، تتغير خطوطه من الداخل، ويسير في اتجاهه العام كالمنحنى من أعلى إلى أسفل. ونهاية المطاف في الحضيض أو الهاوية. والأمل في الجديد لن يكون إلا فيها. ولكن ما هو هذا الجديد؟ عبثًا نبحث عن اسم له. فالأمل المعلق بالهاوية لا يعرف له كلمة تسميه.

زهور الشر إذن بناءٌ منظمٌ مقصود، وهذا وحده يؤكد بُعد بودلير عن الرومانتيكيين الذين لم تكن دواوينهم الشعرية سوى مجموعات من القصائد رُتبت كيفما اتفق، وعبرت بذلك من ناحية الشكل عن عفوية الإلهام وخضوعه للصدفة والاتفاق. وهو يؤكد أيضًا أهمية الدور الذي تؤديه الطاقات الشكلية في أدب بودلير. فليست هذه الطاقات والقوى الشكلية مجرد حلية أو تقليد، ولكنها وسيلة الإنقاذ التي يلجأ إليها الشاعر للنجاة من الأزمات الروحية التي تحاصره بالقلق والعذاب. ولقد عرف الأدباء والشعراء دائمًا هذه الحقيقة البسيطة أو هذا العزاء الوحيد: إن الغناء يبدد الألم والعناء، والتعبير يرتفع بالتعاسة والشقاء. وعرفوا دائمًا أنه لا سبيل إلى التطهر من العذاب حتى يتحول أو يتشكل عن طريق الكلمة. فلما جاء القرن التاسع عشر وتحوَّل العذاب الخصب إلى صحراءَ مجدبة بالوحشة والضياع والعدم، أصبح الشكل هو المنقذ الوحيد. وكان حتمًا أن تكون العلاقة بين الشكل المحكم المستقر الهادئ وبين المضمون القلق المتوتر علاقة تنافر ونشاز. ومثلما انفصلت القصيدة عن القلب تباعد الشكل عن المضمون، وأصبحنا نواجه أحد الملامح الرئيسية في الشعر الحديث، وهو التنافر أو النشاز.

سيبقى المضمون متفجرًا كالبركان بالعذاب والقلق والتناقض. وسيكون على الشاعر أن يبحث عن النجاة في تجاربه الشكلية مع اللغة.

ويعبر بودلير في مواضعَ كثيرة من كتاباته عن الشكل كوسيلة للنجاة والإنقاذ. فهو يقول مثلًا: «إن المزيَّة المدهشة للفن هي أن الشيء المفزع المخيف يصبح جميلًا إذا عُبِّر عنه تعبيرًا فنيًّا، وإن الألم الذي يدخله الإيقاع والتكوين يملأ الروح بالفرح الهادئ» (ص١٠٤٠). والعبارة وإن شابها بعض الغموض تفصح في الواقع عن اقتناع بودلير بتفوق إرادة الشكل على إرادة التعبير، وعن شوقه إلى التماس الأمان والاطمئنان في الشكل، والبحث عن «خاتم الأمان المنقذ» كما سيقول الشاعر الإسباني جيان في إحدى قصائده، وهو يقول في موضعٍ آخر: «من الواضح تمامًا أن قوانين الوزن ليست قوانينَ طاغية اختُلقت اختلاقًا؛ إنها قواعد تتطلبها بنية العقل نفسه. ولم يحدث أبدًا أن كانت عقبة في طريق الأصالة، بل إن العكس هو الأصح إلى أبعد حد؛ فلقد كانت دائمًا خير عون للأصالة على النضوج» (ص٧٧٩). وسيعود علم من أعلام الموسيقي الحديثة وهو سترافنسكي إلى هذه العبارة نفسها في كتابه «فن الموسيقى» كما ستتكرر الفكرة بعينها عند مالارميه وفاليري. ولم يرجع هؤلاء إلى هذا النص لمجرد أنه يؤكد وعي الروح اللاتينية بالشكل، بل لأنه يدعم التجربة العملية التي يمارسها المُحدَثون ويؤثرونها على غيرها، هذه التجربة التي تجعلهم يتناولون القواعد المتواضع عليها في القافية، وعدد المقاطع في البيت الواحد وبناء المقطوعة في القصيدة كما لو كانت أدوات تؤثر بدورها على اللغة وتنتزع منها إمكانيات وتضطرها إلى ردود أفعال لم يكن المضمون الأصلي وحده ليصل إليها بنفسه.

أثنى بودلير ذات مرة على الرسام الفرنسي دومييه، فقال إن لديه المقدرة على تصوير كل ما هو منحطٌّ وفاسد وتافه في صورةٍ واضحةٍ دقيقة. ولقد كان في استطاعة بودلير أن يطبق هذا الكلام على نفسه. فإنتاجه الأدبي يجمع بين الألم المميت والدقة الشديدة في وحدةٍ واحدة، ويمهد بذلك للشعر الذي سيجيء بعده. وقد كان نوفاليس وإدجار بو أول من أدخل فكرة الحساب الدقيق في نظرية الأدب. والتقط بودلير الفكرة فوجدناه يقول مثلًا في معرض كلامه عن سمو الفن على الطبيعة الخالصة: «الجمال هو حصيلة العقل والحساب» (ص٩١١). بل إن الإلهام يبدو له طبيعةً أو فطرةً محضة، وذاتية غير نقية. ولو أن أديبًا أنتج بدافع الإلهام وحده لما استطاع أن ينتج غير الخلط والاضطراب. مرحبًا بالإلهام لو سبقه الجهد الفني الطويل والتدريب والمران الشاق. عندئذٍ يكتسب تلك الرقة التي نلمسها في راقصٍ كسر عظامه في الخفاء آلاف المرات قبل أن يسمح لنفسه بالظهور أمام الجمهور!» (ص١١٣٣).

لن يخفى على القارئ من هذه العبارات كلها أن بودلير يؤكد دور اللحظات الإرادية والذهنية في فعل الخلق الأدبي. إنه يلجأ إلى فكرة الرياضة التي سبق أن لجأ إليها نوفاليس. فهو مثلًا يشبه الأسلوب الدقيق «بمعجزات الرياضة». وهو يقول إن الاستعارة تنطوي على قيمة «الدقة الرياضية». وهو يستند بالطبع في هذه الأفكار كلها إلى «بو» الذي تكلم كثيرًا عن صلة القرابة التي تجمع بين المشكلات الأدبية وبين «المنطق الدقيق في إحدى المشكلات الرياضية»، هذه كلها أمور سيكون لها أعظم الأثر على مالارميه، وسيمتد هذا الأثر كما سنرى على فن الشعر المعاصر كله.

(٣) الشعور بنهاية الزمن والشعور بالحداثة

أشرنا من قبلُ إلى مسافة البعد التي تفصل بودلير عن الرومانتيكيين وقلنا إن هذا البعد يتجلَّى في اختياره للموضوعات التي يتناولها ويؤثرها على غيرها.

ولكن هذا لا يمنع أنه قد ورث الكثير عن الرومانتيكية وإن كان قد حول هذا الموروث إلى تجربةٍ قاسية تبدو تجارب الرومانتيكيين إلى جانبها أشبه باللهو والعبث. كان الرومانتيكيون قد ساروا خطوات في تفسيرهم الإسكاتولوجي للتاريخ (الذي انتشر منذ أواخر عصر التنوير وإن كانت له جذوره القديمة) وهو تفسير يعتبر الزمن الحاضر نهاية الزمن. ومع ذلك فقد ظل تفسيرهم هذا نوعًا من الإحساس الحزين الرقيق الذي يعرو النفس حين تشاهد شمس الحضارة الآفلة ترسل ألوانها الجميلة الشاحبة.

وبودلير يضع نفسه وعصره في نهاية الزمن، ولكن صوره وعواطفه مختلفة كل الاختلاف. إن هذا الشعور بنهاية الزمن، وهو شعور يتغلغل في الروح الأوروبية منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم، يظهر لديه في صورةٍ حادة، مفزعة ومفزوعة في آنٍ واحد. ويبدو هذا في قصيدته «غروب شمس الرومانتيكية» التي كتبها في سنة ١٨٦٠م. فالقصيدة تضم مجموعةً من الصور التي يأفل فيها النور والفرح حتى تغرق في ظلام الليل البارد ورهبة الخوف الفظيع من المستنقعات والحيوانات البشعة:

ما أجمل الشمس عندما تشرق وهي مكتملة النضارة،
وتلقي علينا بتحية الصباح مثلما يدوِّى (صوت) انفجار!
سعيد ذلك الذي يستطيع في حب
أن يحيى غروبها الذي يزيد في روعته عن حلم!
ما زلت أذكر! رأيت كل شيء، الزهرة، والنبع، والأثر،
تنتفض تحت عينها كالقلب الخفاق.
هلموا بنا نجري نحو الأفق، تأخر الوقت، فلنسرع الجري،
فقد نلتقط على الأقل شعاعًا مائلًا!
لكن عبثًا أسعى وراء الإله الذي يتوارى؛
الليل الذي لا يقاوم ينشر سلطانه،
أسود، رطبًا، فظيعًا، وشديد الرعب؛
رائحة القبر تسبح في الظلمات،
وقدمي المتوجسة تدوس على حافة المستنقع،
على الضفادع والقواقع الباردة.

وليس من العسير أن نفهم رموز القصيدة. فهي تدل على الظلام الكالح المطبق وفقدان النفس لشعاع الأمل الذي تبقَّى لها في الغروب. ولا بد للشاعر أن يتشبث بالظلام والشذوذ حتى يستطيع أن يقول شعرًا يتفق وروح العصر وقدره. الظلام هو الملجأ الوحيد الذي تبقى للنفس الموحشة الغريبة على ذاتها، والمكان الوحيد الذي تستطيع أن تبدع فيه الشعر وتهرب من تفاهة «التقدم» الذي يتقنع به الزمن الأخير؛ ولذلك فليس عجيبًا أن يصف بودلير «أزهار الشر» بأنها «لحنٌ نشاز من وحي آلهة الزمن الأخير».

وبمثل ما اختلفت نظرة بودلير إلى الزمن الأخير أو نهاية الزمن عن الرومانتيكيين اختلفت كذلك نظرته إلى فكرة الحداثة. والفكرة عنده مركبةٌ شديدة التعقيد. فهي من الناحية السلبية تدل على عالم المدن الكبيرة الذي يفيض بالعقم والقبح والخطيئة، عالم الشوارع المسفلتة، والأضواء الصناعية والإعلانات واللافتات البشعة، ووحدة الإنسان الضائع وسط الزحام؛ عالم التقدم والتكنيك الذي يعمل بالبخار والكهرباء. والتقدم في رأي بودلير هو ذبول الروح وضمورها بالتدريج وسيطرة المادة سيطرةً تزداد كل يوم. وكثيرًا ما نقرأ في كتاباته عن «الاشمئزاز اللانهائي من اللافتات، والصحف اليومية وطوفان الديمقراطية التي تسوى بين جميع الأشياء». وهذا كلام يشبه ما يقوله ستندال وتو كفيل، كما يشبه ما سيقوله فلوبير فيما بعدُ. ولكن بودلير يزيد على ذلك فينظر إلى الحداثة من زاويةٍ أخرى. فهي عنده فكرة تنطوي على تنافر ونشاز، ولكنه ينتزع من جوانبها السلبية شيئًا له سحره وجاذبيته. فالشر والبؤس والسقوط والظلام والتقدم الآلي والافتعال … إلخ؛ تنطوي كلها على عناصرَ مثيرة يستطيع الشاعر أن يفيد منها. لا، بل إنها تنطوي على أسرار يمكن أن توجِّه الشعر وجهةً جديدة. وكل من يقرأ «زهور الشر» سيلاحظ مقدرة بودلير على إضفاء الروح الصوفية على ركام المدن الكبيرة وبث أنفاس الروحانية في أكوامها وقاذوراتها، وليس معنى هذا أنه يريد العودة إلى الطبيعة كما أرادها روسو. فهو يؤكد كل فعل يلغي الطبيعة، أو يعمل على تأسيس مملكة الفن والصنعة المطلقة. ونحن نحس من إحدى قصائده المشهورة أن الكتل الحجرية المكعبة التي تزدحم بها المدينة الكبيرة — وهي كتلٌ صماء خلت من الحياة الطبيعية وأصبحت مأوى للشر والفساد — أنما تمثل حرية العقل، كما تعبر عن الروح الخالص. وسنجد أصداء هذه الفكرة المتأخرين، وسنلاحظ أن الشعر الأوروبي في القرن العشرين لا يزال ينشر هذه الغلالة الصوفية التي اكتشفها بودلير فوق المدن الكبيرة.

إن الصور التي تقدمها المدينة الكبيرة صورٌ متنافرة تنبعث منها أنغامٌ ناشزة. ولكنها مع ذلك أو لهذا السبب عميقةٌ شديدة العمق. إنها توحد بين أنوار الغاز وسماء الليل، بين شذا الأزهار ورائحة القار. وهي غنية بالفرح والألم، والمتعة والشكوى، يحس القارئ أن مضمونها متنافر مع أبياته ذات الأنغام المنسجمة الموقعة. إنه ينتزعها من التفاهة كما يستخلص الصيدلي عقاقيره من النباتات السامة، فتصبح بعد تحولها الشعري وسيلة لعلاج «رذيلة التفاهة». إن كل ما تشمئز منه النفس يأتلف مع نبل النغم ويكتسب تلك «الرعشة الجالفينية»٣ التي طالما امتدحها في كتابات إدجار بو، وها هي ذي الصور تتوالى: النوافذ المتربة التي لا تزال عليها آثار المطر، واجهات البيوت الهرمة الكالحة، خضرة السم المعدنية، الفجر الذي تراه العين كأنه بقعةٌ قذرة، أو كأنه نوم المومسات الحيواني، ضجة السيارات العامة، وجوه بلا شفاه، عجائز، موسيقي الصفيح، عطورٌ عفنة. تلك بعض صور الحداثة عند بودلير. وإنها لحيةٌ لا تزال في قصائد شاعر مثل إليوت.

(٤) استطيقا القبح

ربما يبدو هذا العنوان طريفًا لما فيه من مفارقة، ولكنه يمثل في الواقع حقيقةً أساسية من حقائق فن الشعر الحديث، أشار إليها فيكتور هيجو، ثم أكدها بودلير، وسارت فيها الأجيال اللاحقة إلى أقصى مداها.

كثيرًا ما تكلم بودلير في دراساته النظرية عن الجمال، غير أن الجمال في شعره ظل قاصرًا على البناء والشكل والتناول الموسيقي للغة. لم تعد الأشياء عنده تحتمل الفكرة القديمة عن الجمال؛ ولذلك فهو يلجأ إلى الإضافات التي تدل على الغرابة والمفارقة، ليخلع على الجمال طابعة العدواني المثير. إن الجمال ينبغي أن يكون «نقيًّا وغريبًا» كما يقول في أحد تعريفاته له، ولا بد له أن يكون غريبًا حتى يحمي نفسه من التفاهة والسوقية، ويستثير الذوق التافه السوقي في وقتٍ واحد.

ومع ذلك فقد رحب بودلير بالقبح، واعتبره معادلًا للسر الجديد الذي يريد أن يغزو أرضه، ونقطة الانطلاق التي يبدأ منها الصعود إلى المثالية. إن الشاعر، كما يقول: «يوقظ في القبح سحرًا جديدًا.» (ص١١١٤). فالقبيح يولد المفاجأة، وهذه تولد «الهجوم غير المنتظر». بهذا يعلن الشذوذ عن نفسه كمبدأٍ أساسي من مبادئ الأدب والشعر الحديث، بل كأحد العوامل والأسباب التي أدت إليه. ولا بد من إثارة الأعصاب على كل ما هو تافه وتقليدي نلقاه في حياتنا كما نلقاه كذلك في الجمال بمفهومه القديم. إن الجمال «الجديد» يمكن أن يتساوى مع القبح، وهو يبلغ القلق الذي يتميز به عندما يتلقى ما هو تافه وسطحي فيحوله أو يشوِّهه ويجعل منه شيئًا غريبًا مثيرًا. وعندما يجمع بين «المفزع والمضحك» على حد قول بودلير في إحدى رسائله!

لا شك أن القارئ قد لاحظ أن هذه كلها أفكار وردت في صورةٍ أقل من ذلك حدة عند الناقد الرومانتيكي فريدريش شليجل (في فكرته عن التهريج الترنسندنتالي) وعند فيكتور هيجو في نظريته عن المسخرة (وقد فات الحديث عنها).

وقد أعجب بودلير — فوق إعجابه المستمر بشخصية «بو» وأعماله — بعنوان: «أقاصيصه عن المسخرة والأرابسك».٤
وقد عرف بالطبع أن المسخرة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالدعابة أو المرح، فهي في الحقيقة ميدان الصراع بين النزعة المثالية والنزعة الشيطانية (التي تطبع حياته وأدبه كما قدمنا). ولذلك نجده يثني على رسوم «دومييه» الكاريكاتيرية ويحيي فيها ما يسميه «بعبث المغفلين الدموي»، ليبرر سخطه على الفكاهة الخالصة أو الدعابة البسيطة، بل إنه يضع «ميتافيزيقا المضحك المطلق» ويوسع من مفهوم المسخرة ليجعل منها فكرة سيكون لها في التفكير والوجدان الحديث أثرٌ بعيد، وهي فكرة المحال أو العبث٥ (ص٧١٠). وسيستمد من قانون العبث (ص٤٣٨) تجاربه الخاصة بل وتجارب كل إنسان يجد نفسه معلقًا بين السمو إلى قمة الوجد والمثال، والسقوط في قرارة الحضيض والعدم. إنه القانون الذي يحتم على الإنسان أن «يعبر عن عذابه عن طريق الضحك». وهو يتحدث كذلك عن «شرعية العبث» ويمجد الحلم لأنه يزود المستحيل بمنطق المحال المخيف.

هكذا يصبح العبث هو الأفق الذي تطل منه العين على اللاواقع هربًا من سجن الواقع الضيق. وسوف يتعلم منه المتأخرون هذه النظرة.

(٥) إثارة السخط لذة أرستقراطية

كان من الضروري لمثل هذا الأدب الذي يحتاج إلى مثل هذه الأفكار أن يستثير أعصاب القارئ أو يصدمه ويبعده عنه. ولقد عرفنا كيف بدأ هذا التصدع في علاقة الأديب بجمهور القراء على يدي روسو ثم أدى بالرومانتيكيين إلى موضوعهم الأثير عن الشاعر الوحيد.

وقد التقط بودلير هذه الفكرة فزادها حدة، وأضفى عليها نوعًا من الدرامية العدائية التي ستصبح فيما بعدُ طابعًا عامًّا للأدب والفن الأوروبيين.

إنه يتحدث عن «اللذة الأرستقراطية التي تأتي من إثارة السخط» ويصف «زهور الشر» بأنها «متعة حارة بالمقاومة» وبأنها «نتاج الحقد والكراهية» وهو يرحب بأن يثير الأدب «صدمةً عصبية» ويشيد بقدرته على إثارة أعصاب القارئ، وبأن هذا القارئ لم يعد قادرًا على فهمه. استمع إليه وهو يقول: «إن الشعور الأدبي الذي كان فيما مضى منبعًا لا نهائيًّا للأفراح، قد أصبح الآن ترسانة تعجُّ بأدوات التعذيب» (ص٥١٩). ونخطئ لو تصورنا هذا كله مجرد صدًى أو تقليد للنزعات الرومانتيكية؛ فالواقع أن عوامل التنافر والنشاز الكامنة في الأدب قد صارت بالضرورة أسبابًا للتنافر والنشاز بين العمل الأدبي وقارئه.

(٦) مسيحية محطمة

لا حاجة بنا الآن للكلام عن هذه العوامل والأسباب بالتفصيل، فربما يكون الكلام عن التنافر الأساسي في أدب بودلير وشخصيته بين النزعة المثالية والنزعة الشيطانية أخطر منه وأهم، وربما نرى فيه إحدى الخصائص الرئيسية التي تميز مضمون الشعر من بعده والتي سنصفها بالمثالية الفارغة.

يقول بودلير: «ينبغي علينا لكي ننفذ إلى روح الأديب أن نفتش عن الكلمات التي يكثر من استخدامها في أعماله؛ إن الكلمة تكشف عن الفكرة التي تتسلط عليه.» هذه العبارة يمكن أن تكون أساسا صالحًا للتفسير، كما يمكن أن نُطبِّقها على بودلير نفسه. فالإحكام الذي يسيطر على عالمه العقلي، وإصراره على تناول موضوعاتٍ قليلة العدد يدور في فلكها ويزيدها على الدوام عمقًا؛ كل ذلك يسمح لنا أن نستشف عالمه من بعض الكلمات التي تتردد في أعماله. إنها المفاتيح التي نستطيع أن ننفذ بها إلى هذا العالم. وليس من العسير على القارئ المتأني أن يقسمها إلى مجموعتَين متضاربتَين. فهناك من ناحيةٍ كلماتٌ كالظلام، والهاوية، والقلق، والصحراء، والقفر، والسجن، والبرودة، والسواد، والعفن … وهناك على الجانب الآخر كلماتٌ كالارتفاع، والزرقة، والسماء، والمثال، والنور، والصفاء … ولا تكاد قصيدة من قصائد بودلير تخلو من هذا التضاد. بل لقد يتركز في تعبيرات تجمع هذا الصراع الجدلي في صورةٍ مكثفة كأن يقول مثلًا: «عظمة قذرة»، أو «منهار وساحر»، أو «رعب جذاب»، أو «أسود وناصع»، وعلماء الأدب يسمون هذه الوحدة التي تجمع بين طرفَين لا يجتمعان عادةً بالتناقض الظاهر،٦ وهي صيغةٌ فنية من صيغ التعبير الأدبي تصلح لتصوير الأحوال والمواقف النفسية المعقدة، وليس عجيبًا أن تكون هذه الصيغة الأدبية هي مفتاح شخصية بودلير وشعره. بل إن من محاسن الصدف حقًّا أن يوفق إليها «بابو» صديق بودلير فيسمي ديوانه «أزهار الشر».

على أن هذه الصيغ اللغوية المتناقضة تدل على شيءٍ آخر يختفي وراءها ولا يستقيم لها معنًى بدونه؛ ذلك هو التفكير المسيحي الذي لا يزال يتحرك في أعماق بودلير، وإن لم تبقَ منه إلا بقايا حطام. صحيح أنه لا يُعدُّ مسيحيًّا بالمعنى الحقيقي، ولكن من المستحيل أن نتصور وجوده بمعزل عن المسيحية.

والنزعة الشيطانية التي طالما دمغه الشراح بها لا تلغي هذه الحقيقة، بل قد تؤكد صلته العميقة بالمسيحية أو بالأحرى بما تبقى منها في نفسه. إنه يعلم أن الشيطان يأسره (وهذا وحده دليل على التفكير الديني)، ولكنه لم يعد يؤمن بعقيدة الخلاص التي تبشر بها المسيحية. ونزعته الشيطانية هي سبيله للارتفاع إلى سماء المثال وصفائه. إنها تحاول التغلب على الشر الحيواني (بما في ذلك التفاهة والسوقية) عن طريق شرٍّ آخر من صنع العقل وتدبيره، وهدفها هو الوصول إلى قمة الشر كي تنطلق منها إلى سماء المثال.

من هنا امتلأت «أزهار الشر» بألوانٍ بشعة من الفساد والقسوة والسقوط. إن الشاعر يحس «بالعطش إلى اللامتناهي»، ولكنه يغوص إلى حضيض «الشيطان» لكي يتسنَّى له البحث عن الجديد. إنه إنسانٌ ممزَّق؛ إنسان ذو طبيعةٍ مزدوجة (كما قال باسكال واليونان من قبلُ). ثمة قطبان يتجاذبه كلٌّ منهما ويشده من ذراع، ولا بد أن يشبع نهم القطب السالب لكي يلمس أثر الموجب على روحه، لا بد أن يطيع الشيطان قبل أن يشتاق إلى السماء. ولا بد أن الشاعر قد أحس بالحاجة إلى هذا «السقوط» إحساسًا ملحًّا وعنيفًا، وليس مهمًّا أن يكون قد تأثر بالمانوية والغنوصية والأفلاطونية أو غيرها من الأشكال والمذاهب السابقة على المسيحية، أو يكون قد عرف قليلًا أو كثيرًا عن نزعة الإشراق Illumination، التي سادت في القرن الثامن عشر أو بإيمان جوزيف دي ميستر (١٧٥٣–١٨٢١م)، فأهم من ذلك كله أنه أحس بضرورة «السقوط» كوسيلة لا غنى عنها للسمو والارتفاع، وأنه بهذا يعبر عن ظاهرةٍ أساسية من ظواهر التفكير الحديث الذي يحلو له الرجوع إلى المذاهب الفكرية القديمة كلما رأى فيها تعبيرًا عن صراعه وتمزقه الباطن.

ومع هذا كله فإن بودلير لم يهتدِ إلى طريق المسيحية الحقة.

صحيح أنه طالما أحس في نفسه بالرغبة في الصلاة وطالما شعر شعورًا عميقًا بخطيئة الإنسان، ولكن الصلاة ماتت على شفتَيه، وإحساسه العميق بالعجز والتمزق سدَّ عليه الطريق إلى الله. لقد تغنَّى في شعره بالألم، وعانى من لعنة الخطيئة الأزلية، وعرف أن العذاب هو أنبل ما في الإنسان. وكان من الممكن أن يجعل منه هذا كله مسيحيًّا مخلصًا، لولا أن الإيمان بعقيدة الخلاص لم يجد له مكانًا في قلبه، والخلاص كما نعلم هو جوهر المسيحية وأولى حقائقها. إنه يحس باللعنة، ولكنه يتلذَّذ بهذا الإحساس. وهو يذكر المسيح أحيانًا في شعره، ولكنه يبدو كالطيف العابر أو الاستعارة الخاطفة، كإنسان تركه الله يسقط في الهاوية. وهو يتكلم عن الشر لا كطرفٍ واحد من طرفَي الحقيقة والخلق، بل كقوةٍ مستقلةٍ ذات كيان وسلطان. صحيح أن هذا كله لم يكن ممكنًا بغير التراث المسيحي. ولكنه لا يجعل منه مسيحيًّا؛ إذ لم يبقَ في نفسه من المسيحية إلا بقايا حطام. ولعل هذا هو الذي أكسب شعره الجرأة على الشذوذ والنشاز.

صحيح أن الشعراء المتأخرين — فيما عدا رامبو — سينسون أن هذا الشذوذ لم يأتهم إلا بعد أن تنكبوا الطريق واحتضرت المسيحية في قلوبهم. ولكن الشذوذ نفسه لا يزال على ما هو عليه. ولا يستطيع أكثر الشعراء تمسكًا بالمسيحية ودعوة إليها أن ينكر أصل هذا الشذوذ أن يفلت من قبضته. ويكفي أن نقرأ إليوت لنتحقق من هذا الكلام.

(٧) التقابل والتماثل

كان بودلير يؤمن إيمانًا تامًّا بالضعف البشري؛ ضعفه، وضعف القارئ «المنافق» شبيهي وأخي «كما يقول البيت المشهور في افتتاحية «زهور الشر»». شعر طوال حياته أن مُثله تحكم عليه وتدينه، وأنه سيظل دائمًا يتخبط في دائرةٍ خانقة من الأمل واليأس، ويتمزق بين السماء والأرض، والملاك والشيطان، والمثال والملال … كل ما كان الأخلاقي المتطهر الكامن في أعماقه يدينه ويحتقره، كان في نفس الوقت يجذب فيه الفنان ورجل الحس والجمال. ولا شك أن هذا التناقض الأساسي هو أصل هذا العمق وهذه الحدة الغريبة التي تميز كل ما كتب. وهو لا شك أيضًا علة رفضه الواضح الصريح للتوحيد بين فكرتَي الخير والجمال الذي طالما وجدناه في صورةٍ متفائلة وساذجة عند لامارتين وهيجو. ولعله أيضًا أن يكون المسئول عما سميناه بنزعته الشيطانية التي تجعله ينتقل دائمًا من الجمال — مثله الاستطيقي الأعلى أو حلمه الحجري كما كان يسميه — إلى إغراء الجمال الأنثوي المجسد:

ما أهمية أن تأتي من السماء أو من الجحيم
أيها الجمال! أيها الوحش الهائل، المخيف، البريء!
ما دامت عينك، ابتسامتك، قدمك، تفتح لي الباب
إلى اللامتناهي الذي أحببته وما عرفته أبدًا؟

بحيث يصبح «ملاكه» أو حوريته مجرد وسيلة للفرار من الواقع القاسي ومن سأم الحياة. ولعله أخيرًا أن يكون المسئول عن رغبته الدائمة في التحرر ولجوئه إلى النسيان الذي وجده أحيانًا في الحب أو في تجربته القصيرة مع الحشيش والأفيون أو رغبته العارمة في الانطلاق إلى مكانٍ آخر، أي مكان خارج هذا العالم، حتى ليصبح الموت نفسه هو «النبأ الطيب» والوثبة المرحة في قرار المجهول للعثور على الجديد.

ومن شواهد هذا التقابل والتضاد في شعر بودلير أنه يؤثر التعبير عن العواطف والمشاعر بالتماثل بدلًا من التقرير المباشر أو الإغراق في الوصف. تدل على هذا قصيدته المشهورة «التقابلات» أو «التجاوب» Correspondances التي توضح لنا جانبًا من نظريته الشعرية. ولنقرأ القصيدة قبل الكلام عما تحمله من أفكار.

تجاوب

الطبيعة معبد، تنبعث من أعمدته الحية
في بعض الأحيان كلماتٌ مختلطة،
هناك يسير الإنسان وسط غابات من الرموز،
تحدق فيه وتتأمله بنظراتٍ أليفة.

•••

وكما تختلط الأصداء المدينة من بعيد
في وحده مظلمة وعميقة،
لها رحابة الليل والضياء؛
تتجاوب العطور والألوان والأنغام.

•••

هناك عطورٌ ندية كلحم الأطفال،
عذبة كالمزامير، خضراء كالمراعي؛
وأخرى فاسدةٌ متبرجة وظافرة،

•••

شاسعة كالأشياء غير المحدودة،
كالعنبر والمسك والصمغ والبخور،
التي تتغنَّى بنشوة الروح والحواس.
لعل هذه «السوناتة» المعروفة أن تكون مصداقًا لما أشار إليه بودلير نفسه من أن الشاعر الأصيل يملك دائمًا الإحساس «بالتماثل الشامل»،٧ وليس في حاجة لأحد من الفلاسفة أو المتصوفين لكي يرشده إليه، ولا لمن يقول له إن الطبيعة معبد تخرج في بعض الأحيان من أعمدته الحية كلماتٌ مختلطة. ولكن ما معنى هذا التماثل الكلي الشامل وماذا يقصده الشاعر بغابات الرموز التي يسعى فيها الإنسان؟

الواقع أن الفكرة القائلة بأن «المادي» يرمز «للمعنوي» أو «الروحي» أقدم بكثير من الفلسفة الأفلاطونية التي تقول إن عالم الحس يماثل عالم المُثل والمعقولات مماثلة الظل للأصل. بل إنها فكرةٌ قديمة قدم الديانات جميعًا. ومع ذلك فمن الخطأ أن نقول إن غابات الرموز تدل على عالم المُثل الأفلاطونية.

فالمعنى الذي يقصده بودلير هو أن الأشياء في عالم الحس تترجم بطبيعتها عن أفكار ومشاعرَ بشرية. بل قد نستطيع القول بأن فكرة بودلير بعث للفكرة القديمة التي اشتهرت في أواخر العصور الوسطى عن الماكرو كوزم (العالم الكبير) والميكرو كوزم (العالم الصغير) فالأول مادة بأكمله وأجسامنا جزء منه، و«يقابله» أو يتجاوب معه العالم الصغير، أي الروح أو العقل الواعي وغير الواعي. ولما كان الله الذي خلق العالمَين عقلًا أو روحًا غير متناهٍ، فإن نماذج الأفكار الإنسانية موجودة فيه، وبهذا المعنى تكون الأرض هي مقابل السماء أو تكون الأرض ومشاهدها لمحةً من السماء على حد تعبير بودلير نفسه.

وإذن فالجديد عند بودلير هو هذا النظام الكامل من التقابلات أو التماثلات التي يستغلها عن قصد كأداة للكشف والتعبير الشعري. على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فهناك نمطٌ آخر من التقابلات تخصص له القصيدة عشرة أبيات من مجموع أبياتها الأربعة عشر. فالبيت الذي يقول إن العطور والألوان والأصوات تتجاوب مع بعضها البعض إنما يعبر عن فكرة كانت معروفة في عهد بودلير، وهي أن اللون أو الصوت أو الرائحة أو الطعم أو الملمس يمكن أن تثير انفعالًا أو انطباعًا وجدانيًّا واحدًا. وقد لوحظ أن بعض الأشخاص يتميزون بحساسيةٍ خاصة تجعلهم يشعرون بتشابه الانطباعات الصادرة عن الحواس المختلفة، بل إن كلامنا العادي يحفل بأمثلةٍ كثيرة من هذا النوع كان نقول مثلًا أحمر صارخ، أو زرقة ناعمة، أو جرسٌ ذهبي. وقد تعرض بودلير نفسه لهذا في مقاله الذي كتبه عن فاجنر حيث يقول: «قد يثير الدهشة حقًّا ألا يستطيع الصوت الإيحاء باللون، أو لا تستطيع الألوان إعطاء فكرة اللحن، أو يعجز الصوت واللون عن ترجمة الأفكار.»

ويقودنا هذا إلى ظاهرةٍ أخرى يسميها علم النفس الحديث «بالسينيستيزيا» ويقصد بها الارتباط التلقائي — الذي يتفاوت من فردٍ لآخر — بين إحساساتٍ ذات طبيعةٍ مختلفة تبدو كما لو كانت تثير إحداها الأخرى، كأن يثير صوتٌ ما إحساسًا بلون أو رائحةٍ معينة. أي أنها أشبه بعمليةٍ سحرية إذا حدث فيها تنبيه لإحدى الحواس استثار ذلك في أذهاننا كل الخصائص الحسية الأخرى التي تتصف بها تجربة أو شيءٌ ما، وصور للخيال أنه موجود أيضًا في الواقع.

والقصيدة التي نقلناها الآن تنطوي على ظاهرة «السينستيزيا»٨ بأوضح معانيها. فالأصداء الممدودة التي تتجاوب بها الألوان والأصوات والروائح تشير إلى وحدة هذه «التجربة العميقة». وهذه الوحدة ليست قائمةً فينا فحسب، بل هي كذلك وحدة الكون الشاملة. فمنذ أن خلق الله العالم كوحدةٍ مركبةٍ غير منقسمة، والأشياء تعبر عن نفسها عن طريق التماثل المتبادل. والأبيات الأربعة الأخيرة من القصيدة تُبيِّن أن بعض الإحساسات المتصلة بالشم يمكن أن تؤدي إلى ما وصفناه بالسينستيزيا وتسبب حالةً من النشوة الحسية والروحية معًا.

هناك إذن أفكارٌ ثلاث يمكن القول بأن نظرية بودلير الاستطيقية تقوم على أساسها: التقابل أو التماثل، وتكافؤ عناصر التجربة الحسية أو قابليتها للعكس، والسينستيزيا، تضاف إليها فكرةٌ رابعة يسميها علم النفس الحديث المشاركة. ومعنى هذا كله إنه إذا كانت المعرفة العقلية تعزلنا عن الموضوع الذي نريد معرفته فإن الحالات الذهنية والنفسية التي يثيرها التقابل والسينستيزيا تجعلنا نشارك في موضوع المعرفة ونشعر أننا وإياه شيءٌ واحد. هذا هو الطابع الحقيقي للتجربة الفنية، وهو الذي ألمح بودلير إليه ثم أوضحه من بعده كثير من الشعراء والنقاد المحدثين، ولا شك أنه يشترك فيه من وجوهٍ عديدة مع التجربة الدينية.

وأكثر قصائد الحب عند بودلير توضِّح أسلوبه في البعد عن الوصف الخالص والتقرير المباشر والْتجاءه إلى طريقة المقابلة واستيحاء الموضوعات الحسية الخارجية للتعبير عن أحواله الذاتية. ومن أفضل الأمثلة على هذا قصيدته «الدعوة إلى السفر»٩ وسأنقلها إليك منثورة لأن من المستحيل المحافظة على تفعيلاتها القصيرة وقوافيها العذبة وإيقاعها السريع البسيط:

يا طفلتي، يا أختي، فكِّري كم سيكون بديعًا أن ننطلق بعيدًا ونحيا معًا هناك! نحب على هوانا، نحب ونموت، في بلد تشبهك! الشموس الرطبة في تلك السماوات (الملبَّدة) بالضباب تخلب روحي بسحرٍ غامض سحر عينَيك الخائنتَين عندما تلمعان من خلال الدموع.

ليس هناك إلا النظام والجمال، والترف والهدوء والاشتهاء. قطع أثاث براقة، صقلتها السنون، ستزين حجرتنا هناك؛ أندر الزهور تمتزج عطورها بأنفاس العنبر الخافتة، السقوف الثرية (بالزخارف)، المرايا العميقة، روعة الشرق، كلها ستكلم الروح خِفية بلسان الوطن الحلو.

ليس هناك إلا النظام والجمال، الترف والهدوء والاشتهاء.

انظري تلك السفن الهاجعة في (مياه) القنوات، (السفن) المولعة بالتجوال؛ جاءت من آخر الدنيا، رغبة في إرضائك.١٠ الشموس الآفلة تكسو الحقول، القنوات، المدينة كلها بالسنبل والذهب، العالم يغفو في نورٍ دافئ.

ليس هناك غير النظام والجمال، الترف والسكينة والاشتهاء …

والقصيدة تنمو من داخل الدعوة إلى «البلد التي تشبهك». هذه البلد فيما يقول الشراح هي هولندا. وسماء هولندا تقابلها عينا المحبوبة وجو البيوت الهولندية بكل ما فيها من ثراء وروعة وتمدن وغرابة يرمز للعلاقة الحميمة التي تجمع الحبيبَين أو يرجى أن تجمعهما. والسفن التي رجعت إلى مراسيها عبر القنوات الهادئة قد قامت بأداء مهمَّتها، ووضعت العالم تحت قدمَيها.

ولا جديد في هذا كله بالنسبة للخيال الشعري، وحتى الرمز الأخير الذي يصور روعة العاطفة في صورة الشمس الغائبة ليس جديدًا. ولكن أصالة بودلير تتجلَّى في تعبيره عن العاطفة بطريقة المقابلة أو التماثل بدلًا من محاولة التعبير عنها بالتقرير والوصف المباشر. وحتى العنصر التقريري الوحيد في هذه الأغنية العذبة وهو المقطع المُتكرِّر (ليس هناك غير النظام والجمال … إلخ) لا معنى له إلا الإشارة ضمنًا إلى أن «هنا» (في مقابل هناك) الفوضى والقبح والفقر والقلق والعذاب. أي أن العالم الخارجي كله بما فيه من جمال أو قبح، من نشوة أو ألم، من سماء النعمة أو هاوية اللعنة، إنما هو مجرد وسيلةٍ تعبر في نهاية الأمر عن حالةٍ ذاتية. وعن طريق المقابلة نستطيع نحن القراء أن نشارك في تلك الوحدة الوجدانية التي جمعت الداخل والخارج، والذات والموضوع.

ونستطيع أن نقول أخيرًا إن هذا الأسلوب في تصوير التقابل بين الحواس المختلفة أصبح شكلًا أساسيًّا من أشكال التعبير الشعرى بعد بودلير، فأثَّر على فيرلين وغيره وامتد إلى الشعر الحديث.

لقد خلق نموذجًا من الاستعارة يختلف تمام الاختلاف عن الاستعارة العقلية التي كانت سائدة في عصر النهضة أو في القرن السابع عشر. وأصبح من المألوف أن نجد المشاعر الطبيعية كالكره أو الحب أو الغرور أو اللذة أو الخوف يُعبَّر عنها بطريقة الاستعارة من عالم الحواس، أي بالصوت والشم واللمس واللون والمذاق.١١

(٨) مثالية فارغة

كثيرًا ما تتردد في قصائد بودلير على نحو ما رأينا كلمات كالمثال، والروحانية المتوهجة والارتفاع، ويسأل الإنسان نفسه: ارتفاع؟ إلى أين؟ ربما يذكر اسم الله هنا أو هناك، ولكن الهدف الأخير يضيع في زحام الكلمات والأوصاف العامة.

لنبحث عن جواب السؤال في إحدى قصائد بودلير. إنها قصيدة «ارتفاع».١٢

واللحن والمضمون يشيران إلى العلو والارتفاع. هناك ثلاث مقطوعات تتجه بالكلام إلى روح الشاعر نفسه وتطالبه بالتحليق فوق البرك والجبال والوديان والغابات والسحب والبحار والشمس والنجوم والأثير إلى منطقة تتوهج باللهب وتطهر الروح من أبخرة الأرض. ثم يتوقف الخطاب الموجَّه إلى روح الشاعر لتأتي بعده عبارة شديدة التعميم.

سعيد من يقدر على هذا ويستطيع في تلك الأعالي أن يفهم «لغة الأزهار والأشياء الخرساء»:

عاليًا فوق البرك، عاليًا فوق الوديان،
فوق الجبال، الغابات، السحب، البحار،
وراء الشمس، وراء الأثير،
وراء حدود الأفلاك ذات النجوم،

•••

تنطلقين خفيفة يا روحي.
وكمثل سباح بارع ينعم بالأمواج،
تشقِّين أعماقها المهولة.
بلدة رجولية تستعصي على التعبير.

•••

حلِّقي بعيدًا بعيدًا عن هذا العفن المريض؛
هيا، طهري نفسك في أعالي الهواء،
وعبي من تلك النار الناصعة التي تملأ ساطع الأجواء،
وكأنها الرحيق الإلهي الصافي.

•••

وراء الهموم ووراء الأحزان الرهيبة
التي ترزح بثقلها على الوجود الغائم كالضباب،
ما أسعد من يستطيع بجناحه الجبار
أن يطير صوب المروج المضيئة الصافية!

•••

من تحلق أفكار كالقبرات،
حرة كل صباح إلى السماوات.
من يرفرف فوق الحياة ويفهم بغير عناء،
لغة الزهور والأشياء الخرساء.
تدور القصيدة في إطار من التفكير الأفلاطوني والروح المسيحية الصوفية. فارتفاع الروح إلى الحقيقة المتعالية، وسموها فوق القشرة الأرضية، ونفاذها من هذا الطريق إلى جوهرها وجوهر الحياة الأرضية هو ما تسميه كتب التصوف المسيحي بالارتفاع أو السمو أو الصعود elevatio-ascensio — وهذه الكلمة الأخيرة هي التي جعلها بودلير عنوانًا على قصيدته التي توحي إلى جانب هذا بالاتفاق في كثير من الوجوه بين لغتها ولغة التصوف عامة والتصوف المسيحي بوجهٍ خاص. فالنار الصافية التي يذكرها بودلير تقابل المذاهب القديمة والمسيحية التي ترى أن السماء العليا، أو سماء النار Empyreum هي موطن «الترانسندنس» أو الحقيقة المتعالية. والتطهر المعروف عند المتصوفين من أقدم العصور يذكرنا به حديث الشاعر إلى روحه بقوله: «طهِّري نفسك.» أضف إلى هذا أن التصوف يرتب مراحل السمو والارتفاع على تسع درجات، توافق ما لهذا العدد من قداسة لحقت به منذ القدم. وإذا تأملنا القصيدة وجدناها تصف تسع درجات أو لنقل «مقامات» ينبغي للروح أن ترتفع إليها واحدة بعد الأخرى. فهل نستنتج من هذا أن التراث الصوفي قد أثر على بودلير؟ لا نستطيع أن نجيب على هذا التساؤل إجابةً حاسمة. لا سيما وأن الشاعر قد تأثر أيضًا بالمتصوف السويدي «سويد نبورج» وغيره من المتصوفين المسيحيين. ولا نستطيع من جهةٍ أخرى أن ننكر دور التراث المسيحي عامة في التأثير على بودلير. والمهم بعد كل شيء أن القصيدة تفتقر إلى شيء يجعل التقابل الذي افترضناه ناقصًا. فالشاعر لا يذكر شيئًا عن الهدف الذي يريد أن يصل إليه من ارتفاعه، أو لعله لا يريد أن يذكره. وإذا وجدنا شاعرًا صوفيًّا مثل الشاعر الإسباني خوان دي لاكروز يقول: «حلقت عاليًا عاليًا» حتى بلغت الهدف من رحلتي «فان بودلير لا يبلغ هذا الهدف أو لا يملك الوسيلة التي تمكنه من بلوغه.» والدليل على هذا تقدمه الأبيات الأخيرة من قصيدته. إنها تتحدث بطريقةٍ غامضة عن الرحيق السماوي، كما تتحدث عن الأعماق المهولة غير المحدودة والأجواء الساطعة، ولكنها لا تذكر الله بكلمةٍ واحدة. ثم إننا لا نعرف شيئًا عن تلك اللغة التي ستفهمها الروح بغير عناء؛ لغة الأزهار والأشياء الصامتة الخرساء. ولذلك يظل الهدف بعيدًا، أو بالأحرى يظل نزعةً مثاليةً خالية من كل مضمون، وهذه المثالية في حقيقتها تمثل أحد قطبَي التوتر والصراع الذي يعانيه الشاعر ويسعى إليه دون أن يستقر لديه في آخر المطاف.

هذه المثالية الفارغة هي التي تسيطر على تفكير بودلير بوجهٍ عام. إنها تنحدر بلا شك من أصول رومانتيكية. غير أن الشاعر يبثُّ فيها الحركة ويضفي عليها ديناميكية تجعل منها قوة جذب شديدة، تدفع التوتر إلى أعلى ثم لا تلبث أن تسقط المتوتر نفسه إلى الحضيض. إنها كالشر قوةٌ قاهرة يطيعها الشاعر دون أن تزيل توتره أو تريحه منه؛ ولذلك نجد بودلير يسوِّي كثيرًا بين المثال والهاوية، كما نجده في مواضعَ عديدة من أشعاره يستخدم تعبيرات تبدو متناقضة في ظاهرها ولكنها مشحونة بالتوتر الذي لا مخرج منه … لنذكر أمثال هذه التعبيرات التي ترد كثيرًا في قصائده: «مثال مؤلم»، «إنني مغلول إلى هاوية المثال»، «سماء مسدودة» …

وأمثال هذه التعبيرات معروفة في كتابات المتصوفين الكبار، وهي تدل عندهم على الأثر المؤلم اللذيذ الذي تتركه النعمة الإلهية في نفوسهم، كما تدل على المرحلة التي تسبق حلول هذه النعمة، ولكنها تدل عند بودلير على الصراع والتوتر الذي أشرنا إليه بين النزعة الشيطانية والنزعة المثالية، بين الرغبة في السقوط والشوق إلى الارتفاع. ووظيفة التوتر القائم بين هذين القطبَين هي المحافظة على العاطفة المتمردة الثائرة التي تمكنه من الخلاص من العالم السطحي السخيف الذي تختنق فيه حياته. ومع ذلك يظل هذا الخلاص بغير هدف، ويظل عاجزًا عن الخروج من هذه العاطفة الثائرة أو تجاوزها إلى ما بعدها.

ربما تكون القصيدة الأخيرة في أزهار الشر، وهي قصيدة «الرحلة»، من أدل قصائده على ما نقول. إنها تجرب كل محاولات الخلاص، لكي تصمم في النهاية على الموت، أما ما يجلبه الموت، فهو شيء لا ندريه.

فالمهم هو السفر في حد ذاته، وأما الشاطئ المجهول فلا أهمية له:

أما المسافرون الحقيقيون فهم وحدهم الذين يسافرون،
من أجل السفر، قلوبهم خفيفة أشبه بالبالونات،
لا يهربون أبدًا من قدرهم،
يقولون دائمًا: «إلى الأمام!» ولا يدرون لماذا.

إن الموت يشدهم إليه. فهو فرصتهم الباقية للهروب من سجن العالم الممل الضيق الشرير:

معرفة مرة، تلك التي يستخلصها المرء من رحلته!
العالم مملٌّ وصغير،
اليوم، وأمس، وغدًا،
يرينا صورتنا على الدوام:
واحة من الرعب في صحراء من السأم!

وهو وسيلتهم الوحيدة للعثور على «الجديد». وما هو هذا «الجديد»؟ هو شيء غير محدد. هو الضد الأجوف الفارغ للواقع الموحش. وعلى قمة هذه المثالية يتربع الموت، الموت المملوء بالعدم والفراغ:

يا موت! أيها الملاح العجوز، آن الأوان فارفع المرساة!
مللنا المقام هنا، يا موت! فعجِّل بالرواح!
إن يكن قد ادلهمَّ سواد البحر والسماء
فإن قلوبنا التي تعرفها يفيض منها الضياء!
اسكب سُمَّك فينا، كي يمنحنا القوة!
إن تكن هذه النار تحرق منا الدماغ،
فنحن نريد أن نغوص إلى أعماق الهاوية،
ماذا يضيرنا إن كانت هي الجحيم أو السماء؟
(نريد أن نغوص) في أعماق المجهول، لكي نعثر على شيءٍ جديد!

هذه الحيرة التي يقاسيها بودلير هي نفس الحيرة التي تمزق الروح الحديث. إنها تتمرد على سجن الواقع وتنتفض للإفلات من ضيقه وملله ووحشته وانحطاطه، ولكنها عاجزة عن الإيمان بحقيقةٍ عالية تبارك ثورتها أو ترسم هدف رحلتها. وهي لذلك تحيا في صراع لا نجاة منه، وتنتهي إلى نوع من الصوفية التي تعشق الأسرار لذاتها.

وبودلير يتحدث كثيرًا عن «السر» وعما فوق الواقع والطبيعة. ولكننا لن نفهم معنى هذه الكلمات حتى نعرف مضمونها عنده، وليس هذا المضمون إلا السر المطلق نفسه. تلك هي المثالية الفارغة التي يعيش فيها بودلير، وذلك هو الشيء الآخر الغامض الذي سيزداد لدى رامبو غموضًا، وينتهي عند مالارميه إلى العدم، وعند الشعراء المعاصرين إلى ولع بالأسرار، وحب للغموض لذاته.

(٩) سحر اللغة

ويجب ألا يُفهم من الكلام السابق عن الغموض والأسرار أن شعر بودلير غامض أو محاط بالأسرار والألغاز. فالواقع أن أزهار الشر تعبر تعبيرًا واضحًا عن كل الأسرار والحالات الوجدانية الشاذة والمواقف المتنافرة التي تحتويها.

وينطبق هذا الكلام أيضًا على نظريته في فن الشعر والأدب بوجهٍ عام. فهي نظريةٌ واضحة كل الوضوح، وإن كان هذا لا يمنع من القول بأن فيها آراءً واقتراحاتٍ مهدت للشعر الغامض من بعده، ولم يطبقها هو نفسه على شعره. وسنقتصر هنا على مناقشة رأيه في سحر اللغة وفي الخيال الخلاق.

لقد عرف الشعر دائمًا، وبخاصة ذلك الذي أبدعته الروح اللاتينية-الرومانية، لحظات كان البيت يتحول فيها إلى قوة أو طاقةٍ نغمية تزيد في تأثيرها بكثير عن تأثير المضمون. وكانت الأشكال الصوتية المؤلَّفة من إيقاعاتٍ متجانسة أو من توافقات بين الحروف الساكنة والمتحركة تسحر الأذن برنينها الأخَّاذ. ومع ذلك فلم يكن الشعر القديم يضحِّي في مثل هذه الحالات بالمضمون، بل كان يحاول أن يزيد من قوة تأثيره عن طريق العناصر الموسيقية التي يحتويها. والأمثلة على هذا عديدة في شعر فرجيل أو دانتي أو كالديرون أو راسين، ولكن الأحوال تغيرت منذ عهد الرومانتيكية؛ فوجدنا أبياتًا من الشعر تهتم بالجرس أكثر من اهتمامها بالمعنى، وتسحر بالنغم أكثر مما تقول. واكتسبت موسيقي اللغة أو مادتها النغمية قدرةً فائقة على الإيحاء. واستطاعت كلمات القصيدة المترابطة في سلسلة من الاهتزازات والذبذبات أن تفتح أمام الشاعر والقارئ آفاقًا فسيحة من اللانهائية الحالمة. لم يعد هم الشاعر أن يفهم، بل أن يوحي. ولم تعد وظيفة القصيدة أن تنقل معنًى أو مجموعة من المعاني، بل أن تؤلف كيانًا حيًّا أو مجالًا مستقلًّا من الطاقات الموسيقية. وتغيرت النظرة بطبيعة الحال إلى وظيفة اللغة، واتضح الفارق الكبير بين لغة «توصل» ولغة «توحي». وأصبح من الممكن أن تنشأ القصيدة عن «تأليفةٍ» موسيقية تتعامل مع العناصر الإيقاعية والنغمية الكامنة في اللغة كما لو كانت تتعامل مع أشكال وصيغٍ سحرية. وأصبحت عناصر الإيقاع والنغم هذه هي التي تحدد دوافع العملية الشعرية نفسها، وتتسبب في وجود القصيدة واختيار كلماتها، لا بحسب معانيها بل بحسب الطاقات الموسيقية التي تشعها، والدلالات التي توحي بها. وساد هذا في الشعر الحديث والمعاصر حتى أوشك أن يصبح صنعةً جديدة. وتحقق حلم الرومانتيكيين فأصبح الشاعر هو الساحر الذي يلعب بالأنغام والألحان.

ولقد كانت العلاقة الحميمة بين الشاعر والساحر معروفة من أقدم العصور. ولكن كان لا بد أن تكتشف من جديد في أواخر القرن الثامن عشر، بعد أن هدمها أصحاب النزعة الإنسانية والنزعة الكلاسيكية. وأدى هذا في أمريكا إلى نظريات إدجار ألن بو التي وافقت حاجة الروح الحديثة إلى «تعقيل» الأدب وربطه في نفس الوقت بالصور القديمة الموغلة في القدم. ولقد تكلمنا عن مظاهر هذه الحداثة عندما ذكرنا أن نوفاليس حاول أن يقرب بين شيئَين يبدوان شديدَي البعد عن بعضهما البعض، وهما الرياضة والسحر؛ ولذلك فليس من قبيل الصدفة أن نجد مثل هذه الأفكار في حديث الشعراء عن فنهم، من بودلير إلى عصرنا الحاضر.

والمعروف أن بودلير قد ترجم «بو» إلى اللغة الفرنسية وكان سببًا في امتداد أثره على الأدب في فرنسا وخارجها حتى القرن العشرين. ونود أن نذكر في هذا المجال مقالتَين شهيرتَين «لبو» ترجمهما بودلير فيما ترجم من أعماله، وهما «فلسفة الإنشاء»١٣ (١٨٤٦م)، و«المبدأ الشعري»١٤ (١٨٤٨م) وتعتبر هاتان المقالتان من الآثار الباقية التي تسجل تأمل الشاعر في فن الشعر والأدب عموما وفي إنتاجه الذاتي بوجهٍ خاص، كما تعبران كذلك عن ظاهرة من ظواهر الأدب الحديث التي يلتقي فيها الإنتاج الأدبي بالتفكير في طبيعة هذا الإنتاج. وقد ترجم بودلير المقالة الأولى بأكملها، ونقل مختارات من المقالة الثانية، وتبنَّى النظريات الواردة فيهما بحيث نستطيع أن ننظر إليهما كتعبير عن رأيه الشخصي.

وأهم ما في أفكار «بو» أنه عكس تسلسل الأفعال الشعرية التي سلَّم بها علم الجمال القديم. «فالشكل» الذي كان يعد نتيجة أو محصلةً نهائية للقصيدة أصبح هو مبدأها وأصلها، و«المعنى» أو المضمون الذي كان يعتبر أصلًا لها أصبح هو النتيجة.

إن في عملية الخلق الأدبية والشعرية شيئًا سابقًا على اللغة الدالة وعلى المعنى والمضمون، وهذا الشيء هو «النغم» أو الحالة النفسية أو الجو الذي لم يتشكل بعدُ. ويحاول الأديب أو الشاعر أن يعطي لهذا النغم أو هذا الجو شكلًا، فيبحث في اللغة عن الأصوات التي تتفق مع هذا النغم الأصلي أو تقترب منه. وتربط الأصوات بكلمات، وتتجمع الكلمات في بواعث أو دوافع (موتيفات) ينتج عنها في نهاية الأمر معنًى أو مضمون.

والملاحظ أن «بو» يبني نظرية متناسقة من فكرةٍ عابرة أحسَّ بها نوفاليس من قبلُ. فلقد شعر نوفاليس بهذه النغمة أو هذا الجو الذي يسبق اللغة ويحدد لها طريق البحث عن المعنى، أو يحدد للمعنى الطريق الذي يمكن أن يجد نفسه عليه، كما أحس أيضًا بأن المعنى أو المضمون ليس هو لب القصيدة وجوهرها، بل هو الذي يحمل الطاقات الصوتية والإمكانيات النغمية بكل ما فيها من اهتزازات وذبذبات هي أهم بكثير من المعنى والمضمون. ولقد بين «بو» أن هناك كلماتٍ معينة وردت في قصائده ويرجع الفضل في وجودها إلى سحر النغم الكامن فيها وإلى نوع من التداعي الحر نتج عن أبياتٍ سابقة. أما الأفكار نفسها فيصفها بأنها «مجرد إيحاء من شيءٍ غير محدد أو معلوم.» والغرض من هذا كله أن الأفكار شيءٌ جانبي وأن العوامل الصوتية والقوى النغمية ينبغي أن تبقى في المكان الأول ولا يُضحَّى بها من أجل العوامل المعنوية أو الفكرية.

بهذا يصبح الخلق الشعري نوعًا من الفناء في الطاقات السحرية للغة. فإذا أراد بعد ذلك أن يضيف إلى النغم الأوَّلي معنًى أو فكرة كان عليه أن يفعل ذلك بكل الدقة الرياضية. إن القصيدة كيانٌ تام في ذاته. إنها لا تنقل لنا الحقيقة ولا نشوة القلب بل لا تنقل في الواقع أي شيء على الإطلاق! إنها قصيدة لأجل ذاتها وحسب، ولعل «بو» بهذه الأفكار أن يكون قد وضع أساس النظرية الشعرية التي ستدور فيما بعدُ حول فكرة «الشعر الخالص» وهي الفكرة التي سنتحدث عنها عند الكلام عن الشعر في القرن العشرين.

كل هذه الأفكار عن سحر اللغة وقوة الصوت والنغم يُحتمل أن تكون قد وصلت إلى نوفاليس وبو نتيجة تأثرهما بالإشراقيين الفرنسيين. ونحن نعلم هذا عن بودلير، ونرجحه ولا نقطع به عن نوفاليس، وقد كان في نظريات هؤلاء الإشراقيين (التي تمتد فيها جذور الرمزية) نظريةٌ فلسفية في اللغة، تقول إن الكلمة ليست شيئًا عارضًا من خلق الإنسان وإنما تنحدر من أصلٍ كونيٍّ واحد. ونطق الكلمة يعقد صلةً سحرية بين المتكلم وهذا الأصل. والكلمة الشاعرة هي التي تستطيع أن تغوص بأتفه الأشياء في السر الميتافيزيقي الذي انحدرت عنه، وتلقي الضوء على ألوان التشابه بين أجزاء الوجود. وقد كان بودلير يعرف كل هذه الأفكار ولذلك لم تكن نظريات «بو» في فن الشعر — التي يحتمل أن يكون قد أخذها عن نفس الأصل — غريبةً عليه. لنستمع إليه وهو يتحدث عن أهمية الكلمة في هذه العبارة التي سيقتبسها مالارميه فيما بعدُ: «إن للكلمة قداسةً تمنعنا من العبث بها. وإن تناول لغة من اللغات تناولًا فنيًّا معناه القيام بنوع من التعويذ أو الرقى السحرية» (ص١٠٣٥).

هذا التعبير عما يسميه بودلير بالتعويذ السحري سيتردد كثيرًا فيما بعدُ، لا في الشعر والأدب وحدهما بل كذلك في الفنون التشكيلية. وهو في حقيقته تعبير عن فكرٍ متأثر بالسحر والتصوف وعلوم الأسرار؛ ولذلك فليس عجيبًا أن تصادفنا كلمات مثل «الصيغ السحرية» والعمليات السحرية والإيحاء وغيرها مما يتردد بكثرة فيما نقرأ عن نظرية الشعر الحديث.

ولا يقلل من أهمية هذه الأفكار أن شعر بودلير نفسه في «زهور الشر» لا يقدم نماذجَ كثيرة من هذا السحر اللغوي، وإن كتاباته النظرية قد تجاوزت إنتاجه تجاوزًا بعيدًا في هذا الصدد، فالمهم أنها قد مهدت للونٍ من الشعر يقدِّم القوى النغمية الكامنة في اللغة على كل شيء، بل إنه ليضحِّي في سبيلها بالجوانب الموضوعية والمنطقية والانفعالية، وقد تصل به هذه التضحية إلى حد الخروج على النظام النحوي نفسه. إنه شعر يعتمد على نبض الكلمة، ويظل يتسمع إلى هذا النبض حتى يعثر عن طريقه — لا عن طريق التفكير والتدبير المسبق — على المعنى أو المضمون المناسب. ويأتي هذا المعنى أو المضمون في أغلب الأحوال شيئًا غريبًا شاذًّا، يقع على حدود الفهم أو وراء حدوده.

وليس هذا بالأمر المستغرب من شعر أُفرغ من المثالية، وأخذ يحاول الفكاك من الواقع عن طريق الإغراب في الغموض والإغراق في الأسرار. وليس غريبًا أن يلجأ إلى سحر اللغة ليجد فيه سنده وعَوْنه. فالتعامل المستمر مع إمكانيات النغم وتداعيات الكلمة هو الذي يطلق معانيَ غامضة ويفجر طاقاتٍ سحرية تنبعث من النغم الخالص.

(١٠) الخيال الخلاق

يتحدث بودلير في مواضعَ كثيرة من أعماله عن اشمئزازه من الواقع. وهو يريد به الواقع السطحي السخيف الذي يكون نسخة من الطبيعة. وقد قلنا إن شعره كله محاولة للخلاص من هذا الواقع؛ الذي غاص مع ذلك في لجته إلى القرار! وليس أدلَّ على سخطه على الواقع من غضبه الشديد لاتهامه بالواقعية عندما قُدِّم إلى المحاكمة بسبب ديوانه «زهور الشر». ويبدو أنه كان محقًّا في هذا الغضب؛ إذ كانت الواقعية في ذلك الحين صفة تطلق على الأدب الذي كان كل همه أن يعبر عن جوانب الانحطاط الأخلاقي والجمالي في الواقع، دون أن يكون له هدف سوى هذا التعبير. وشعر بودلير يختلف في الحقيقة عن ذلك كل الاختلاف. فهو لا يريد أن ينسخ الواقع بل أن يحوِّله، ومن الخطأ والسخف أن نصف بودلير بالواقعية أو الطبيعية. إن الدوافع الفطرية إلى الشر تتحول عنده إلى ما سميناه بالنزعة الشيطانية، وصور الشقاء والتعاسة تتوهَّج تحت يده فتصبح رعشة بالفزع تعبر عن التوتر والصراع والاستقطاب الذي تكلمنا عنه في فصلٍ سابق، والظواهر الواقعية والطبيعية المحايدة تصبح لديه رموزًا لحالاتٍ نفسيةٍ باطنة أو لعالمٍ غامض غير محدود يشغل ما وصفناه بالمثالية الفارغة من الهدف والمعنى الأخير. إن المادة التي يعالجها بودلير تتوهج على الدوام — مهما بلغت من الحدة وإثارة الفزع والاشمئزاز — بروحانيةٍ متوقدة تسمو فوق كل واقع وتنزع بكل قوتها للخلاص منه. ومن مظاهر هذه النزعة في صنعته الشعرية عنايته الفائقة بدقة التعبير عن الجانب الأدنى من الواقع أي من هذا الواقع بعد تشكيله وتحويله، وخلو مضمون الصورة عنده من كل تحديدٍ مكاني، وميله إلى الأوصاف الانفعالية بدلًا من الأوصاف الموضوعية الدقيقة، والاستغناء عن المعالم الحسية المحدَّدة وغير ذلك كثير مما يدل على نزوعه للإفلات من الواقع والخروج من أسره.

هذه الملَكة التي تمكن الشاعر من تحويل الواقع وتخليصه من «واقعيته» يسميها بودلير «الحلم» كما يسميها في أحيانٍ أخرى «الخيال» أو «المخيلة»، وهو يخطو خطوةً أبعد من ديدرو وروسو عندما يصفها بأنها ملكةٌ خلاقةٌ مبدعة. ولا بد من فهم هذا الوصف في إطار القوى الذهنية والإرادية التي تنطوي عليها فكرة الحلم والخيال لديه، والتي تدور كذلك في دائرة تسمح أيضًا بالكلام عن الرياضة والتجريد.

ولا بد أن نفهم فكرة الحلم عند بودلير فهمًا جديدًا حادًّا يصل إلى أقصى درجات الحدة. صحيح أنه قد يستخدمها أحيانًا بمعناها القديم عندما يخلع صفة الحلم على مظاهر مختلفة من الحياة الوجدانية، أو على الزمن الباطن أو الشوق. ولكنه يؤكد حتى في هذه الأحوال نوعًا من السمو فوق عالم الأشياء القريبة، كما يؤكد نوعًا من التعارض الكيفي بين رحابة الحلم وضيق الواقع.

أضف إلى هذا أنه يميز الحلم في أغلب الأحيان عن «الكآبة الناعمة» و«الفيض العاطفي» و«القلب»، كما يصفه في المقدمة التي كتبها «للأقاصيص الجديدة» التي ترجمها عن «بو» بأنه «متوقد، غامض، كامل كالبللور». إنه ملكةٌ مبدعة لا مدركة، تسير على خطةٍ دقيقةٍ واضحة ولا تخضع للصدفة والاتفاق. ومهما تكن طريقة الحلم أو شكله فالمهم دائمًا هو أنه يبدع مضمونات غير واقعية. قد يكون ملكةً أدبيةً فطرية، وقد تساعده العقاقير والمخدرات على أداء وظيفته، وقد يصدر عن أحوالٍ نفسيةٍ مرضية. ولكن هذه جميعًا وسائل يستعين بها للقيام بالعملية السحرية التي يستطيع الحلم أن يضع بها اللاواقع الذي يبدعه فوق الواقع المألوف.

وليس من قبيل الصدفة أن يصف بودلير الحلم بأنه كامل كالبللور. فهو بهذا الوصف الذي يقارن فيه الحلم بشيءٍ غير عضوي إنما يضمن له منزلةً متفوقة على الواقع المحسوس.

وأمثال هذه المقارنات التي تقلب سلم الموجودات وتضع غير الحي فوق الحي ترد كثيرًا عند نوفاليس، نتيجة تأثره بمصادر الكيمياء القديمة. ويكفي أن نقرأ هذه العبارة لديه: «إن الأحجار والمواد هي أسمى الموجودات. الإنسان هو العماء أو الاختلاط الحقيقي». والعبارة تُردَّد كذلك عند بودلير، وبخاصة عندما يتكلم عن الحلم، فيضيف إليها ما يدل على امتهانه للطبيعة وتحقير كل ما هو طبيعي بحيث يوازي الاختلاط والاضطراب والفساد. فالطبيعة في رأيه تعني الموجودات النباتية، كما تعني كذلك مظاهر الانحطاط المختلفة في أحوال البشر. فإذا لجأ إلى صور من العالم غير العضوي، كانت هذه الصور رموزًا على العقل المتفوق والروح المطلق، وتولد عنها لون من التوتر الحاد الذي نلمسه لديه. وكل من يتأمل الفن التشكيلي في القرن العشرين سيلاحظ هذه الظاهرة نفسها. فالأشكال التكعيبية والصور التي ترسم بألوانٍ غير واقعية، والتنافر والنشاز الذي يغلب على تركيباتها يتفق تمامًا مع ما يقوله بعض كبار الفنانين — مثل فرانز مارك وإرنست بكمان — عن الطبيعة ووصفهم لها بالاضطراب والاختلاط والفساد. وليس حتمًا أن نجد في هذا دليلًا على التأثير المتبادل؛ إذ يكفي أنه يدل على وجود بناءٍ مشترك يلتزم به الأدباء والفنانون المحدثون على السواء.

يري بودلير أن الكائنات غير العضوية ليست لها أهمية في ذاتها. إنها لا تكتسب دلالتها ومعناها حتى تصبح مادة للعمل الفني. فالتمثال عنده أدل من الجسد الحي، ومنظر الغابة على خشبة المسرح أعظم من منظر الغابة الطبيعية. وقد يقال إن هذا كله يتفق مع العقلية اللاتينية التي تُعنى بالشكل والبناء أكثر من عنايتها بالمعنى أو الحياة. ولكن التطرف في تطبيق هذه الأفكار هو الأمر الجديد حقًّا. فالمساواة بين العمل الفني وبين الكائنات غير العضوية، وطرد «الواقع» من الأدب والشعر على هذه الصورة العنيفة أشياءُ جديدة قد لا نجد لها مثيلًا من قبلُ إلا في أدب الباروك الإسباني الذي تربطه بالشعر الحديث روابطُ قوية. ومع ذلك فلم يكن من السهل أن نجد في العصور السابقة قصيدةً مثل قصيدة بودلير التي تظهر الكائنات غير العضوية والفنية المصنوعة في صورةٍ روحانية وتجريدية بالغة الدقة والروعة والصفاء، ونعني بها قصيدته «حلم باريسي». والقصيدة لا تصور مدينةً واقعية بل مدينة لا ترى إلا في الأحلام؛ فهناك أشكالٌ هندسيةٌ مختلفة ليس فيها أثر للحياة النباتية، وهناك أقواسٌ هائلة تحيط بالماء وهو العنصر الوحيد المتحرك في هذه الصورة — وإن بقي مع ذلك ميتًا — وهناك أخاديد من الماس، وأنفاق من أحجارٍ كريمة. لا شمس ولا نجوم، بل سوادٌ ناصع بذاته، لا إنسان، ولا مكان، ولا زمان، ولا صوت:

رأيت في الحلم مشهدًا مربعًا
لم تره عينٌ فانية،
ولم تزل صورته الغامضة البعيدة
تخلبني في هذا الصباح.
أن النوم يزخر بالعجائب!
فبنزوةٍ فريدة
كنت قد نفيت من هذه المناظر
فوضى الحياة النباتية،
ورحت أستمتع في لوحتي
كالرسام المزهوِّ بعبقريته
بالرتابة المسكرة
للمعدن والمرمر والماء.
كان قصرًا هائلًا غير محدود
أشبه ببابل كلها سلالم وأقواس
مملوء بالأحواض ومساقط المياه
التي تهوي في ذهبٍ باهت أو ناصع؛
وهنالك كانت الشلالات ضخمة
كستائر من بللور
يعشي ضوءها البصر
معلقة على أسوارٍ معدنية.
لم تكن أشجارًا، بل أبهاء للأعمدة
تلك التي أحاطت بالبرك الناعسة،
التي انعكست على مرآتها آلهات الماء،
وهي تتأمل نفسها كما تفعل النساء.
وهناك كانت مساحاتٌ شاسعة من الماء
تنسكب، زرقاء، بين مراسٍ وردية وخضراء،
وتمتد ألوف الألوف من الأميال
حتى آخر حدود العالم؛
وأحجار لم تخطر على بال
وطوفان أمواج ساحرة؛
ومرايا هائلة غشيت
من كل ما كانت تعكسه!
وأنهار في قبة السماء
غير مكترثة وصامتة
راحت تسكب كنوز جرارها
في أخاديدَ من الماس.
أنا الذي صممت خرافاتي
جعلت بإرادتي
بحرًا مكبوح الجماح
يمر في نفق من نفائس الأحجار.
وكل شيء، حتى السواد
بدا لامعًا، صافيًا وبراقًا؛
السيولة ثبتت بهاءها
في الشعاع البلوري.
وما من نجم، ولا من أثر للشمس
حتى ولا على حافة السماء
يضيء هذه العجائب
التي كانت تتلألأ بنارها!
وفوق هذه المعجزات المتحركة
(يا للفزع الجديد! كل شيء للعين،
ما من شيء للآذان!)
كان يرف صمت الأبدية.

٢

عندما فتحت عينَي المتوهجتَين بالنور
رأيت بشاعة حجرتي البائسة
وأحسست، وأنا أعود لنفسي
بشوكه الأحزان الملعونة،
أخذت الساعة بدقاتها الكئيبة
تعلن في ضراوة عن الظهيرة
والسماء راحت تصب الظلمات
فوق هذا العالم البارد التعيس.

والقصيدة توضح ما يقصده بودلير من هذا الحلم الذي جعله عنوانًا لها: إنه تعبير بالصور عن بناءٍ ذهني وروحيٍّ مركب، يسجل انتصاره على الطبيعة والإنسان في رموزٍ مشتقة من عالم المعادن والأحجار والعناصر، ثم يلقي بهذه الصور المركبة في المثالية الفارغة، لتشع مرةً أخرى فتسكر العين ببهائها الرائع، وتشقي النفس برعبها الفظيع.

(١١) التفكيك والتشويه

لعل تحليل بودلير للمخيلة أن يكون أهم إضافة ساهم بها في نشأة الشعر والفن الحديث. فهي عنده الملَكة الخلَّاقة، بل هي الملكة (بكسر اللام!) التي تتربع على عرش القدرات البشرية. ولكن كيف تعمل هذه الملكة التي تبدو هي والحلم شيئًا واحدًا؟ لنقرأ ما كتبه عنها في سنة ١٨٥٩م: «إن المخيلة تفكك Décompose العالم كله؛ إنها تجمع أجزاءه وتنظمها وتخلق منها عالمًا جديدًا، بمقتضى قوانين تنبعث من أعمق أعماق النفس» (ص٧٧٣).

نستطيع أن نقول إن هذه العبارة تنطوي على مبدأٍ أساسي من مبادئ علم الجمال الحديث أو على الأصح «علم الاستطيقا». ووجه الحداثة فيها أنها تضع «التفكيك»، أو «التحطيم» في بداية العمل الفني، ويؤكد بودلير هذا المعنى في إحدى رسائله حين يضيف إلى «التفكيك» كلمةً أخرى هي «العزل» أو «الفصل».

وتفكيك الواقع أو عزل أجزائه التي ينقسم إليها معناه تغيير شكله وتعديل بنائه، أي تشويهه. والتشويه تعبير يرد بكثرة في كتابات بودلير ويستخدم بمعنًى إيجابي. فهو يعبر عن قوةٍ ذهنية وروحية، تفكك الواقع وتحطمه وتخلق منه عالمًا جديدًا يختلف كل الاختلاف عن العالم الواقعي المنظم، أو بناء غير واقعي لا يمكن أن تحكمه القواعد والنظم التي تسيطر على عالم الواقع المألوف.

كل هذه إشارات وفروض نظرية لم يطبقها بودلير على شعره إلا في مواضعَ قليلة، بيد أن تأثيرها على الشعر من بعده كان بالغ القوة. ويكفي أن نتذكر شعر رامبو لنرى مدى ما حققته عبارة بودلير السابقة عن المخيلة من جرأة وجسارة. لقد كان الهدف الأساسي دائمًا هو الرغبة في الخلاص من أسر الواقع الضيق. ولن نستطيع أن نقدر القيمة الحقيقية لفكرة المخيلة أو الخيال الخلاق عند بودلير حتى نقارنها بفكرة النسخ الفوتوغرافي التي تصادف ظهورها وانتشارها في عهده. لقد احتجَّ بودلير مرارًا على هذا اللون من التصوير الحرفي للواقع، وأكد بذلك — كما قدمنا — أنه بعيد عن الاتجاه الواقعي أو الطبيعي الذي يكتفي بنسخ الواقع.

والظاهر أن من قوانين الوجود أن يؤدي الإفراط في شيء إلى النقيض منه؛ فالتحمس في تصوير الواقع نتيجة لاكتشاف الفوتوغرافيا، قد ساعد على استهلاك هذا الواقع الضيق المحدود وأغرى المخيلة بالاتجاه إلى عالم الخيال الحر. ويشبه هذا رد الفعل الذي نتج عن التحمس للنزعة الوضعية العلمية في العصر الحديث؛ مما أدى للرجوع إلى دراسة الإنسان وبعث التيارات الميتافيزيقية والوجودية على اختلاف مذاهبها. ويتصل هذا الاحتجاج على نسخ الواقع بالتصوير الفوتوغرافي باحتجاج بودلير على العلوم الطبيعية، فالمحاولات التي تبذلها للتغلغل إلى العالم والتحكم في الطبيعة هي في رأيه تضييق للعالم وتضييع لأسراره. ولذلك كان من الطبيعي أن يكون إطلاق الخيال إلى أقصى طاقاته هو الرد على تلك النزعة التي ثار عليها حسه الفني.

كان لهذه المشاعر والأفكار التي اعتملت في نفس بودلير وعقله أثرها القوي الذي امتد إلى يومنا الراهن. لقد قال بودلير مرة في حديث له: «أتمنى أن أرى مراعي حمراء وأشجارًا زرقاء.» وجاء رامبو فنظم شعرًا في مثل هذه المراعي والمروج العجيبة، ورسمها فنانو القرن العشرين في لوحاتهم. وليس من قبيل الصدفة أن يصف بودلير الفن النابع من الخيال الخلَّاق بأنه فن يعلو على الطبيعة أو فوق الطبيعة.

إنه الفن الذي يجرد الأشياء من شيئيتها فيحيلها إلى خطوط وألوان وحركات وظواهر وأعراض قائمة بنفسها، ويلقي عليها ضوءًا سحريًّا يمحو واقعيتها ويعلن عن سرها. ولن يدهشنا بعد ذلك أن يأتي الشاعر جيوم أبوللينير فيشتق من تعبير بودلير السابق «فوق الطبيعية» تعبيره فوق الواقعية (السيريالية) فيواصل ما بدأ بودلير، ويؤسس حركةً فنية وأدبية لا يزال لها دورٌ كبير حتى اليوم.

(١٢) التجريد والأرابيسك

لم يكن الخيال الذي تحدث عنه بودلير ملكة أفلتت من كل قيد، بل قوة ترتبط أوثق ارتباط بالعقل الذي يحكمها ويحدد لها الطريق. ويكفي أن نقرأ هذه العبارة التي يقولها في إحدى رسائله: «إن الشاعر هو العقل الأسمى، والخيال هو أكثر القدرات نصيبًا من الروح العلمية» (المراسلات، ١، ص٣٦٨).

ولا زالت المفارقة التي تنطوي عليها هذه العبارة صادقة إلى اليوم. إنها مفارقة تدل على أن الأدب الذي اقتحم اللاواقع فرارًا من عالمٍ سادت فيه الصنعة وجرده العلم من أسراره لا يزال مع ذلك يطمح في تعبيره عن هذا اللاواقع إلى نفس الدقة والذكاء والإحكام الذي جعل من الواقع شيئًا ضيقًا وسخيفًا وسطحيًّا. أي أن الأدب الذي ثار على العلم لم يتخلَّ عن دقته ومنهجه، ولذلك كان من الطبيعي أن ينتهي بودلير إلى القول بفكرةٍ جديدة وهي فكرة التجريد. وقد سبق لنوفاليس أن استخدم نفس الفكرة لتحديد ماهية الخيال. وكان هذا بدوره أمرًا مفهومًا طالما أن الخيال هو الملكة القادرة على خلق اللاواقع. أما بودلير فيستخدم في الغالب كلمة «مجرد» بمعنى «عقلي» أي «لا شيء». ونستطيع أن نلاحظ في هذا بداية الفن والشعر المجرد، كما نستطيع أن نقول إن بودلير قد توصل إليها من فكرته عن الخيال المطلق التي تجد المعادل الموازي لها في الخطوط والحركات المتحررة من الأشياء والموضوعات. هذه الخطوط والحركات هي التي يسميها بودلير «الأرابيسك» ويقول إنها أكثر الرسوم نصيبًا من العقل (ص١١٩٢). ولقد حاول نوفاليس، وبو، وجوتييه أن يقربوا بين الأرابيسك والمسخرة (الجروتيسك). وجاء بودلير فزادهما قربًا، وجمع في مذهبه الاستطيقي بين المسخرة والأرابيسك والخيال برباطٍ متين. فالخيال في رأيه هو ملكة الحركات المجردة — أي الخالصة من الأشياء — للعقل الحر؛ أما المسخرة والأرابيسك فهما نتاج هذه الملكة.

وإذا كان الخيال الخلاق يحول الأشياء إلى خطوط وألوان فإنه يجعل من اللغة أو من العبارة الشعرية مجموعة من «الأرابيسكات» أي من الخطوط والمنحنيات المتحركة المتحررة من المعنى. والعبارة الشعرية — كما يقول بودلير نفسه في كلمة كان يريد أن يقدم بها لزهور الشر — هي مجموعة من الأصوات والحركات الخالصة يمكن أن تكون خطًّا أفقيًّا أو خطًّا صاعدًا أو هابطًا، كما يمكن أن تكون خطًّا حلزونيًّا أو متعرِّجًا تتلامس حوافه، ومن هنا يتلامس الشعر والرياضة والموسيقى؛ جمال يتسم بالنشاز، تنحية القلب عن مكانه القديم في الشعر، تعبير عن حالاتٍ وجدانية شاذة، مثاليةٌ فارغة من المعنى أو دائبة في البحث عنه، تخليص الأشياء من شيئيتها، غموض ونزوع إلى الأسرار مستمدٌّ من الطاقات السحرية الكامنة في اللغة ومن إطلاق الخيال بغير حدود، تقريب اللغة الشعرية من تجريدات الرياضة والموسيقى. تلك هي بعض الملامح التي اكتشفها بودلير في وجه الشعر الحديث، وهي خطًى بدأها هذا الشاعر العظيم، وكان على الأجيال التي جاءت بعده أن تسير فيها وتواصل الطريق.

إنه شاعر تركت عليه الرومانتيكية آثار جراحها. لكنه استطاع أن يحول عبث الرومانتيكية إلى جدٍّ خالص، وأن يقيم بناءً شامخًا من بعض الخواطر المتناثرة التي وجدها عند أعلامها. صحيح أن واجهة هذا البناء تدير ظهرها لهم، ولكنها لا تخلو مع ذلك من لمساتهم؛ ولذلك نستطيع أن نقول عن شعر خلفائه إنه رومانتيكية خلعت عنها الرومانتيكية. وماذا تكون هذه المفارقة إلى جانب المفارقات التي ينطوي عليها هذا الشعر كله؟!

١  L’art romantique – Curiosités esthétiques.
٢  The intoxication of the heart.
٣  Frisson galvinique.
٤  Tales of the Grotesque and the Arabesque.
٥  L’absurde.
٦  غالبًا ما يستخدم اللفظ اليوناني في الكتب الأجنبية وهو أوكسيمرون Oxymoron كأن تقول مثلًا «سرٌّ ذائع» أو «لعزٌ مكشوف» … إلخ.
٧  L’universelle analogie.
٨  Synaesthesis.
٩  L’invitation au voyage.
١٠  حرفيًّا. لترضي أقل رغبة في نفسك.
١١  راجع في هذا كله كتاب ألان بوس، الشعر الفرنسي، المجلد الثالث، من ١٨٠٠م إلى ١٩٠٠م، لندن، مثوين، ١٩٦٧م ص٣٦ إلى ص٤٣ من المقدمة.
The Poetry of France, vol. III, 1800–1900. An Anthology with introduction and notes by Alan M. Boase, London, Methuen, University Paper Backs, 1967.
١٢  Elévation.
١٣  A Philosophy of Composition.
١٤  The Poetic Principle.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١