الرحلة الأخيرة للسفينة «يهوذا الإسخريوطي»

قال القُبْطان ترومبول كرام: «كانت في البداية تحمل اسم «فلاينج سبرايت» محفورًا على كَوثَلها، لكنني اقتَلعْتُه وكَشطْتُه ونَقَشتُ اسم يهوذا الإسخريوطي مَطليًّا بالذهب بدلًا منه.»

فأجبته قائلًا: «كان ذلك اسمًا استثنائيًّا.»

أجابني القبطان وهو يَمْضغ بوصةً ونصف أخرى من التبغ الداكن: «كانت قطعةً بحريةً استثنائية. لستُ رجلًا مُجدِّفًا أو مُستهينًا بالمُقدَّسات، لكن فلْتَضِع كل طُعومي ولْتَفلِت كل صُيودي إن لم أكن أُومِن بأن روح يهوذا تسكن تلك السفينة الشراعية. أليس كذلك يا آمي؟»

كان الشاب الذي خُوطب باسم آمي جالسًا على برميلٍ من سمك الإسْقُمْرِي. نزع الشاب غُليونًا أسود من بين شفتَيه على مَهلٍ وهَزَّ رأسه في رَزانةٍ شديدة.

قال آمي: «ليس القُبطان بالمُجدِّف ولا المُستهِين بالمُقدَّسات. إنه يتحدث عن معرفة غالبًا، وما دام يُقسِم بأغلظ الأيمان فيجب أن تثق في كلامه.»

استأنف القُبطان كرام كلامه مؤيَّدًا بهذا التقدير الوُدِّي لِشخصِيَّته: «هل تسخر من القول بأن للسفن الشراعية أرواحًا؟ إذن ربما قد أَبحرتُ بها طوال بضعةٍ وأربعين عامًا ذَهابًا وإيابًا عبْر هذا الساحل وتَعرَّفتُ على نزعاتها وعاداتها المزاجية. أليس كذلك يا آمي؟»

أوضح الشاب الجالس على برميل الإسقُمري قائلًا: «ما زال القُبطان يُبحر ويصطاد منذ ستة وأربعين عامًا، ناقلًا حُمولاتٍ من الخشب والثلج. حين يتحدث القبطان عن السفن الشراعية فهو يُدرِك ما يتحدث عنه.»

قال القبطان: «يا صديقي، إن للمراكب الشراعية روحًا تمامًا مثل البشر، وإنْ كانت السفن أضخم هيكلًا إلى حدٍّ بعيد، وهذه الروح تميل إمَّا إلى الخير وإما إلى الشر. لن أُنكِر أنني صلَّيتُ لأجل سفينة «يهوذا» في القُدَّاسات المسائية يومَي الثلاثاء والخميس، أسبوعًا تِلو أسبوع وشهرًا تِلو الآخر. ولن أنكر أنني أَقحَمتُ الشمَّاس بليمتون في معركة خلاصها، لكن دون جدوى يا صديقي؛ فحتى توسُّلات الشمَّاس الضارعة كانت بلا طائل.»

أَقدَمتُ على التحرِّي عن مظاهر فساد تلك المركبة. كانت الرواية التي سَمِعتُها تدور حول قصة روح خيانةٍ حاضرة في هيئة سفينةٍ بثلاثة صوارٍ وذراع سارية المُقدمة.

كانت «فلاينج سبرايت» أول سفينة بثلاثة صوارٍ تُصنع في نيواجين، وكانت الأخيرة كذلك. أبدى الناس امتعاضهم إزاء التجرِبة وقالوا: «لا يمكن أن يأتي خيرٌ من مخلوقٍ كهذا. إنه مخالف للطبيعة. يكفي صاريان.» بَدأَت «فلاينج سبرايت» مسيرة الخُبث الوضيع منذ أُولى لحظات ميلادها؛ فبدلًا من الانطلاق على نحوٍ لائق إلى الوِجهة المُحدَّدة لها، انغرست السفينة الشراعية ذات الثلاثة صوارٍ في الوحل وظلَّت عالقةً ثلاثة أسابيع؛ مما كَبَّد مالكِيها تكاليفَ باهظة، وكان من بينهم القبطان ترومبول كرام الذي كان يمتلك ثُلثًا كاملًا. هنا تَأكَّد ما أَنذر به حكماءُ نيواجين حين قالوا: «صاريان يكفيان لخوض غمار البحار؛ أما الثالث فهو مَربَط الشيطان.»

في أُولى رحلات «فلاينج سبرايت»، خرج بها القبطان كرام إلى فيلادلفيا، مُحمَّلةً بالثلج المملوك له وللمحامي سوانتون، ولم تكن الحمولة مؤمَّنًا عليها. كان سعر طنِّ الثلج ستة دولارات في فيلادلفيا، لكن هذه الشحنة من الثلج قد كَلَّفَت القبطان كرام والمحامي سوانتون خمسة وثمانين سنتًا للطن، شاملًا نُشارة الخشب، فكانا مَسرورَين بالربح المُرتقَب. غادَرَت «فلاينج سبرايت» المِيناء في هيئةٍ حسنة، وفجأةً هَوَت في صمت إلى قاع فيدلرز ريتش، على عُمق إحدى عشرة قَدمًا من الماء المالح. استغرق رفعها وتفريغها ستة أيامٍ فقط، لكن بسبب التنافُر بين الثلج والماء، لم يُنتَشل إلا نُشارة الخشب.

في الرحلة التالية للسفينة كان سطحها مُحمَّلًا بأخشابٍ من نهر سانت كروي. وكانت الحمولة مُقدَّسة على نحوٍ ما؛ حيث إن الخشب كان مُخصَّصًا لبناء مُصلًّى جديدٍ تابع للكنيسة المعمدانية في جنوب نيوجيرسي. لو أن آمال البَحَّارة الصادقة مجتمعةً مع تطلُّعات مُستلِمِي البضاعة المُخلِصة قد أجدت نفعًا، لكانت هذه الرحلة على الأقل تمَّت بنجاح. بَيْد أن «فلاينج سبرايت» واجَهَت على بُعد ستين ميلًا تقريبًا جنوب شرق نانتاكت إحدى عواصفِ سبتمبرَ المُعتدِلة. كان من المُتوقَّع أن تَصمُد السفينة أمام العاصفة بسهولةٍ تامة، لكنها أَتَت تَصرُّفًا بغيضًا للغاية حتى إن أخشاب الكنيسة قد تبَعثَرَت على سطح المحيط الأطلنطي من دائرة عرض ٤٠° ١٥ حتى دائرة عرض ٤٣° ٥٠ . وبعد شهرٍ أو شهرَين تعمَّدَت أن تميل إلى جانبها أمام نسمةٍ بريَّةٍ خفيفة، ليَغرَق الكثير من الجرانيت المنقوش الباهظ الثمن الوارد من مَحاجر جزيرة فوكس في حُفرةٍ عميقةٍ في مَصبِّ لونج آيلاند ساوند. وفي الرحلة التالية تحوَّلَت عن مسارها مُتعمِّدةً لتصطدم بالجزء الأمامي الأيمن من سفينةٍ نرويجية ذات صاريَين؛ فلحِق بها الذمُّ والتشهير لما تسبَّبَت فيه من أضرارٍ جسيمة.

وبعد تجاربَ قليلةٍ من هذا النوع أزال القُبطان كرام الاسم القديم عن مُؤخرة السفينة وجانبها، ووضع اسم يهوذا الإسخريوطي بدلًا منه؛ فهو لم يستطع أن يجد أي تسميةٍ أخرى تُعبِّر عن ازدرائه لصفاتها الأخلاقية. لقد بدت السفينة كأنها كائنٌ حي مسكون بروحٍ يسيطر عليها غِلٌّ عبثي ويسوقها غَدْرٌ خبيث. كانت سفينةً خَرقاءَ عنيدة.

اجتمع مجلسٌ من الخبراء البحريِّين لدراسة سفينة «يهوذا الإسخريوطي»، لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا ما يعيبها على المستوى المادي؛ فقد كان الشكل العام لهيكلها على ما يُرام، وتَوخَّى بنَّاءوها الدقة عند تغطية سطحها بالأخشاب وتسقيفها وسد ثغورها، وصُنعت صواريها من خشب الصَّنَوبَر الأوريجوني الجيد، وجُهِّزَت بالأَشرِعة والحِبال وعوارض الصواري تجهيزًا مُحكَمًا موثوقًا، وتَولَّى قصَّ أَشرِعتها وخياطتها صانعُ أشرعةٍ وَرِع. وهكذا كان يُفتَرض بها، نظريًّا، أن تكون جديرة بالثقة التامة من ناحية استقرار صالب قاعدتها، لكنها كانت، عمليًّا، نَزِقةً على نحوٍ مخيف. كان الإبحار بهذه السفينة أشبه بامتطاء جوادٍ لديه من النقائص ما يفوق شَعر ذيله. دائمًا ما كانت تُخالِف التوقعات، إلا حين كان يُتوقع منها التصرُّف السيئ بوجهٍ عام؛ فحين ينبغي عليها الإبحار عكس اتجاه الرياح كانت تسير في اتجاهها دائمًا، وإن حاول الطاقم تغيير اتجاه شِراعها كانت تقف بلا حَراكٍ وسط الرياح وتظل عالقة. وكان إرسال أحد الرجال لشدِّ حبل الشراع ليواجه الرياح بمثابة إرساله لإنجاز مهمةٍ ميئوس منها؛ فقد كان الشراع عادةً ما يَرفع البَحَّار المُغامِر وبعد خضخضته بقسوة في الهواء لثانيةٍ أو اثنتَين يُلقي به فوق سطح السفينة، كما لم تَعبُر عارضة الصاري السطح قَط دون أن تكسر رأس أحدٍ ما، ولم تَمضِ السفينة الشراعية في مسارٍ قَط إلا وسرعان ما تصطدم بشيءٍ من ثلاثة؛ إما سفينةٍ أخرى وإما ركامٍ من الضباب أو القاع. منذ اليوم الذي انطَلقَت فيه ولها قدرة لا تُخطئ على تحديد مواقع القِيعان المُوحِلة الدبقة. حتى في الطقس الصحو كان الضباب يتبعها ويُحيط بها كما تتبع البلية الشر. وكان وجودها على الضفاف كافيًا ليدفع جميع أسماك القُدِّ إلى ساحل إيرلندا، ودائمًا ما كانت أسماك الإسقُمري والبغروس تسبح في المكان الذي لا تُوجَد فيه تلك السفينة. كان من المستحيل الإفلات من عزم السفينة الأكيد على إفلاس كل من يستأجرها؛ فإن استُئجِرَت لنقل حمولة على سطحها بعثرتْها، وإن وُضعَت الحمولة بين طوابقها غَرِقَت وأتلفَتها. كانت مثل بِغال عُروض السيرك التي كانت تستلقي على الأرض وتَتقلَّب مرةً بعد مرةٍ عند عجزها عن إجبار ممتطيها على النزول. باختصار، اشتُهِرَت السفينة من ماربلهيد حتى خليج شالور بأنها تجسيدٌ كامل للغِلِّ والدناءة والغَدْر في صورة سفينة.

بدا القُبطان كرام أكبر من سِنِّه بعشرين عامًا كاملة بعد قيادة «يهوذا الإسخريوطي» لخمسة أو ستة أعوام. حاول القُبطان بيعها بخسارةٍ لكن دون جدوى، بل لم يكن هناك رجلٌ في ساحل مين أو ماساتشوستس أو المقاطعات البريطانية لِيأخذ السفينة على سبيل الهَديَّة؛ فقد كان الاعتقاد في استحواذ الشيطان عليها راسخًا مثلما كان شائعًا.

قُرب نهاية المَوسِم حين كانت السفينة البائسة قد بَلغَت درجةً من الخسائر أكثر من المعتاد، انعقد مجلسٌ لمُلَّاكها في غرفة الاجتماعات الأبرشانية ذات مساءٍ بعد الاجتماع الشهري للمُبشِّرِين. لا يعلم أي طرَفٍ خارجيٍّ ما الذي حدث بالضبط، لكن أُشيع بأنه خلال الساعتَين اللتَين انفرد فيهما هؤلاء المستثمرون تمَّت بعض العمليات الحسابية التي أدَّت إلى نتائجَ هامَّة وقرارٍ واحد.

في صباح الجمعة التالية كانت حركة التجارة متوقفةً في نيواجين بوجهٍ عام، بينما وَقفَت «يهوذا الإسخريوطي» على رصيف المَرفأ بالقرب من كوخ أسماك القُبطان كرام، بسطحها المصقول وصواريها التي فُرِكت حتى صارت تلمع تحت أشعة الشمس مثل الكهرمان الأصفر. ظلَّ القُبطان كرام وأبناؤه الثلاثة وتوبياس، ابن أندرو جاكسون من خليج ماكريل، مَشغولِين منذ يوم الاثنين بتحميل السفينة عن آخرها، وكانت حمولتها غير عاديةٍ هذه المرة؛ فقد احتوت على ما يقارب ربع ميلٍ من الجدار الحجري الذي كان يُحيط بمرعى القُبطان الواقع على الشاطئ. أشار قائد «يهوذا الإسخريوطي» وهو يُشاهد الجُلمود الأخير أثناء اختفائه أسفل عنبر السفينة الرئيسي: «يوجد نحو مائتَي طنٍّ ونِصفٍ من السياج الحجري على مَتنِ هذه السفينة حسب تقديري.»

أسرف الناس في تكهُّناتهم بشأن هذه الكَمِّية غير الضرورية من الصابورة، لكن أصحاب «يهوذا الإسخريوطي» صمدوا أمام تفكُّه أهل القرية جميعًا بأمر السفينة، ورَدُّوا على نِكاتهم بأمثالها، وتَكتَّموا على سرِّهم؛ فقد قال القبطان: «إن كان لا مَفَر من أن تعرفوا السر فسأخبركم. سَمِعتُ أن هناك حاجةً ماسة إلى الجدران الحجرية في طريق ماتشايس؛ لذا سآخذ السور الخاص بي إلى هناك وأبيعه بالياردة.» في هذا الصباح الصَّحوِ المُشمِس من يوم الجمعة، بينما كانت السفينة السيئة الحظ رابضةً في أحد جوانبِ رصيف المَرفأ، تبدو لامعةً ومُنظَّمةً ومتألِّقة كما لو كانت الاستثمار البحري الأكثر إدرارًا للأرباح في العالم، وقف بالأسفل على الجانب الآخر قاربُ سَحبٍ يُسمَّى ذا باج أوف بورتلاند، يتصاعد منه البُخار؛ إذ وصل في الليلة السابقة بناءً على تِلِغرافٍ من أصحاب «يهوذا الإسخريوطي». وكانت هناك نَسمةٌ بريةٌ لطيفة بَشَّرَت برياحٍ باردةٍ قوية مع مرور ساعات اليوم.

في الساعة السابعة والنصف انطَلقَت السفينة الشراعية من رصيف المرفأ، حاملة، إلى جانب جدار القبطان، عددًا كبيرًا من جيرانه وأصدقائه، وبينهم بعضٌ من أعقل مُواطنِي نيواجين. كان الفضول أقوى من الخوف. وقد قال القُبطان ردًّا على راغبِي ركوب السفينة الكُثر: «إنكم تعرفون خِصال هذه السفينة. إن كنتم لا تبالون التعرُّض لأفعالها الغريبة فتفضلوا وأهلًا بكم.» ارتدى القُبطان كرام قميصًا أبيض وبذلةً مُبهِجة من أجل هذه المناسبة ووقف وراء عجلة القيادة صائحًا بالتوجيهات لأبنائه ولتوبياس، ابن أندرو جاكسون، عند حِبال رفع الأشرعة، بينما اجتمع ضيوفه حوله، في تصويرٍ حقيقي لروح الاحترام والمُبادَرة التجارية والولاء التي يتسم بها مرفأ نيواجين. لم يسبق لتلك السفينة أن حَملَت مثل تلك الحمولة. لقد بدت وكأن إحساسًا باللياقة والمسئولية قد اعتراها فجأةً حيث تقَدَّمَت في مواجهة الرياح دون تقاعس، غامرةً مُقدمتها في المياه كأنها تُلاعبها، ثُمَّ قَفزَت لِتعبُر جزيرة تامبلر في دورانٍ قصير على أفضل نحو. مضى قارب السَّحْب وراءها مُطلِقًا البخار.

أَخذَت الحشود التي على رصيف المرفأ والصبية في القوارب الصغيرة يُهلِّلون لهذا التصرُّف المألوف ولكن غير المُتوقَّع، وقد رَأَوا حينها لأول مرةٍ ما خَطَّه القُبطان كرام على جانب السفينة بحروفٍ بيضاءَ واضحة، بلغ طول كلٍّ منها ثلاثة أو أربعة أقدام؛ إذ كتب التعليق التالي:
هذه هي سفينة يهوذا الإسخريوطي.
ملحوظة: أَفسِح لها الطريق!

أمضت السفينة الشراعية ساعةً تِلو أُخرى ماخرةً عُباب المياه أمام الرياح الشمالية الغربية، ماضيةً في مسارها مُضِيَّ السهم المستقيم. ظلَّ الطقس على حاله صحوًا، وفي كل مرةٍ يُلقي القُبطان بمقياس سرعة السفن كان يبدو أكثر حَيْرة. ثماني، تسع، تسع عقد ونصف! هَزَّ القُبطان رأسه وهو يهمس للشمَّاس بليمبتون قائلًا: «إنها تنوي الأذى بطريقةٍ أو بأخرى.» لكن السفينة قادت قارب السَّحْب في مُلاحقةٍ رائعة، وبحلول الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، وقبل أن تُفرَّغ ثلاثة أرباع الدمجانة التي هرَّبَها توبياس، ابن أندرو جاكسون، إلى السفينة، وقبل أن ينتهي سوانتون المحامي من ثلاثة أرباع قصته الشهيرة عن ساق المحافظ بورينجتون الفِلِّينيَّة، كانت السفينة الشراعية وقارب السَّحْب على بُعدٍ يتراوح بين خمسين وستين ميلًا من اليابسة.

وفجأةً أطلق القُبطان كرام صيحةً تنبيهية، مشيرًا إلى الأمام حيث يبدو خطٌّ أزرق فوق الأُفق دالًّا على وجود ركام ضبابٍ بعيد. قال القبطان بلهجةٍ واعظة: «إنها استَشعَرَته وستمضي إليه. حان وقت الجد.»

أعقب ذلك إجراءٌ استثنائي. في البداية اقترب القبطان كرام بالسفينة الشراعية من قارب السَّحْب ونقل إليه الركاب. تحوَّلَت الرياح إلى الجهة الجنوبية الشرقية، وأخذ الضباب يقترب سريعًا. بينما كانت السفينة تُبحر مواجِهةً الرياح أخذت أشرعتها تُرفرِف، وراحت مُقدمة السفينة تعلو وتهبط برفقٍ تحت وطأة العُباب المرتفع. كان قارب السَّحْب يتأرجح صعودًا وهبوطًا على بُعد نصف قَلْس.

بعد أن نقل القبطان كرام ضيوفه وطاقمه إلى متن القارب، مضى لتنظيم كل شيءٍ على متن السفينة الشراعية؛ فقد لَفَّ بعنايةٍ طرف حبلٍ كان متروكًا متشابكًا، بل التقط أيضًا سِدادة دمجانة توبياس، ابن أندرو جاكسون، ورماها خارج السفينة. كانت على وجهه ملامحُ جِدِّيةٌ غير معهودة. راقب رُكابُ القارب تحرُّكاته بلهفةٍ ولكن دون أن يَنبِسوا ببِنتِ شَفَة. ربط القُبطان طَرَف حبلٍ قصير بعجلة القيادة وربط الطرف الآخر بوتدٍ في الدرابزين بعُقدةٍ منزلقة، ثُمَّ شُوهد وهو يلتقط بَلْطةً متواريًا عن الأنظار ونازلًا دَرَج السفينة إلى الطابَق السفلي. سَمِع رُكاب القارب بوضوحٍ أصوات عدة ضرباتٍ حطَّمَت شيئًا ما، ثُمَّ سرعان ما ظهر القبطان مرةً أخرى على سطح السفينة، وسار إلى عجلة القيادة في خُطواتٍ متأنية، ودار بالسفينة حتى تُنشَر أشرعتها وشد وَثاق العُقدة المُنزلِقة بإحكام، وثبَّت الحبل حول الوتد بعِدة عُقدٍ نصفية، وهكذا أوثق رباط الدفَّة ثُمَّ قفز إلى زورق، وجدَّفَ حتى وصل إلى قارب السَّحْب.

بعد أن تُرِكَت السفينة وحيدةً تمامًا تمايَلَت مرةً أو اثنتَين، والماء يَتناثَر فوق مُقدمتها المتراقصة، ثُمَّ مضت في اتجاه جنوب المحيط الأطلنطي. أمَّا القبطان كرام فقد وقف في مُقدمة قارب السَّحْب ورفع يده ليأمر الناس بالْتزام الصمت، ثُمَّ تلا خُطبة الوداع التالية، التي كانت عقوبةً وقرارَ إعدام وخُطبة تأبين، كلٌّ في آنٍ واحد:

لستُ بصدد تقديم فرضية لتفسير عنادها؛ فكلكم تعرفون السفينة «يهوذا». ربما كانت تحمل أشرعةً مستطيلة أكثر من اللازم. ربما يكمن الشر في الأشرعة المستطيلة، بينما يكمن الخير في الأشرعة المُربَّعة. وربما كان يكفيها صاريان. دعونا من هذا الأمر؛ لقد انقضى الماضي. ها هي هناك، جميع أشرعتها مشدودةٌ على صواريها، وتحمل ما يزيد على مائتَي طنٍّ من الأحجار في عنبرها، وفي قاعها ثُقبٌ قُطرُه قدمان. على الباغي تدور الدوائر. ألا ترونها تغرق؟ لا بد أن يكون هذا درسًا لِنتعظَ منه يا أصدقائي؛ فلكل إمهال رحيمٍ نهاية، وما لم … أوه، إنكِ متجهةٌ للضباب رأسًا، أليس كذلك؟ حسنًا، إنه آخر ركام ضبابٍ ستواجهينه. قاع البحر سيكون أول ميناءٍ تَصِلِين إليه! هيا ارحلي حالًا، تصحبكِ اللعنات!

كانت هذه المناسبة الوحيدة التي سُمِعَ فيها القُبطان كرام وهو يقول مثل تلك الكلمة. وقد نَظَرَت في أمره لجنةٌ تأديبيةٌ تابعة للكنيسة الأبرشانية في نيواجين؛ وصوَّتَت بالإجماع على عدم اتخاذ أي إجراء، بعد دراسة كل الظروف التي قِيلَت في ظلها الكلمة.

في هذه الأثناء كان الضباب قد أحاط بالقارب، وغابت «يهوذا الإسخريوطي» عن الأنظار فغيَّر القارب اتجاهه عائدًا إلى الديار. كانت الرياح الرطْبة قد جَعلَت البرودة تسري في أجساد الجميع الذين لم يَتبادَلوا الكثير من الأحاديث. بالنسبة إلى الدمجانة، فقد فُرِّغَت من محتوياتها منذ وقتٍ طويل. وتَردَّد من ناحية الجنوب صفيرٌ غليظٌ صادر عن باخرةٍ عابرة للمحيطات.

قال القُبطان مُتجهمًا: «أرجو أن تكون تلك الباخرة مؤمَّنًا عليها تأمينًا جيدًا؛ فالسفينة «يهوذا» لن تَغرَق قبل أن تصل إليها وتُغرِقها.»

حين بلغ الراوي هذه النقطة من القصة سأَلتُه: «وهل سَمِع أحدٌ خبرًا عن السفينة الشراعية المهجورة بعد ذلك؟»

هنا أمسك القُبطان ذراعِي وقادني إلى خارج متجر البقالة هابطًا إلى منطقة الصخور. كان هناك حُطامٌ لهيكل سفينةٍ مُمدَّد أمام ثَغرِ الخليج الصغير الواقع خلف منزله، سادًّا المدخل لرصيف المرفأ وكوخ الأسماك المملوكَين للقُبطان.

قال لي مشيرًا إلى أضلُع السفينة المُسْودَّة: «ها هي رابضة. هذه هي «يهوذا». هل اعتقدتَ أنها كانت ستَغرَق في أعماق المياه، حيث لا تتمكن من القيام بالمزيد من الأذى؟ لا يا سيدي، حتى إن تَكدَّسَت فيها كل صخور ساحل مين ودُمر هيكلها تمامًا. لقد عادت لتجعلني أدفع ثمن أخطائي. لقد قَطعتْ ستين ميلًا متحديةً الرياح، وحين عاد قارب السَّحْب في صباح اليوم التالي كانت «يهوذا الإسخريوطي» جاثمةً قُبالة الخليج الصغير وقد نفَذَت ذراع صاري مُقدمتها إلى نافذة مطبخي. إن للسفن الشراعية أرواحًا حقًّا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠