من تقويم الحياة

(١) على هامش الواقع

أنا أحب الترفيه عن قارئي العزيز، وقد ألزمت نفسي ما ليس يلزمها حين تجندت لخدمة جنابه، فصرت أشبه بالطاهي الذي يفكر دائمًا في أن يعدَّ أشهى الطعام وأدسمه، وهو يتوقع أن يسمع الاستحسان ممن يطبخ لهم، فيتشجع ويتمادى، أو الاستهجان، فيفتش عن طبخة غيرها. وأنا حبًّا بالتغيير على الضرس خطر لي، بعد التفكير، أن أُنوِّع اللائحة، فيختار من يشرفنا من الزبائن ما تشتهي نفسه. فالمثل العامي الفصيح يقول: كلْ ما تشتهي نفسك، والبس ما يعجب الناس.

سوف أنتظر رأي قارئي العزيز فيما يعدُّه مطبخي، فإن أعجبه الطعام أعددت له مثله مرة في الشهر، وما الغاية إلا فتح القابلية، فالكلام كالطعام، إذا أكلته وأنت تشتهيه صحَّ بدنك عليه، وطابت نفسك، وإلا فإنه يسبب لك تلبُّكَ معدة، يضطرك إلى ما أنت في غنًى عن طعمه …

وقد سميت هذا الرستوران «من تقويم الحياة»، فحين تقع عينكم على اللافتة، أيها القراء الأعزاء، ميلوا إلى مطعمنا، واعلموا، منذ الآن، أن الأمر شورى بيننا، فلكم أن تقترحوا وعلينا أن نكون حاضرين غب الطلب. فهذا المطعم شركة مساهمة مغفلة، مركزها الرئيسي في الحازمية على رمية حجر من العصفورية … وقد جعلنا الحجر مقياسًا ليتلاءم مع الساكنين في تلك المنطقة.

أما كلمة «تقويم الحياة» فأظن أنكم فهمتم معناها، ولا ريب أنكم تذكرتم تقويم البلدان وتقويم البشير، ولكن، لا تنسوا أن لها معنى آخر، وهو تقويم المائل والمعوج، وربما كان هذا المعنى الأخير هو المقصود، فنسأل الله أن لا نحتاج إلى من يقول لنا ما قيل للإمام العادل عمر بن الخطاب: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناك بحد السيف يا عمر!

إن حياتنا في حاجة إلى التقويم بالمعنيين، وعسى أن لا ندوِّن في تقويم الحياة إلا ما يصلح حياتنا.

(٢) ابتسامات وأنخاب

إن علفة هذا الشهر معدَّة من «حواضر البيت»، بينا ترد علينا المؤن، الموصى عليها، والمعلن عنها. كتب إليَّ واحد يقول: ألا تزعجك هذه الابتسامات التي تذيع صورها الصحف اليومية والأسبوعية، وما معناها عندك؟

– إنها كالأكل فوق الشبع، العدد الأكبر منها متكلف، وكل ما لا يأتي عفو الطبع يكون حلوًا حامضًا أي مزًّا.

ولما صار ود الناس خبًّا
جزيت على ابتسام بابتسام

هكذا قال المتنبي، وهذه الابتسامات التي تسألني عنها، لا هي ضحكة ولا ابتسامة، فلنسمها ابتسامة متنبئية منذ اليوم. إنها فاترة وأردأ الطعام ما كان فاترًا. إنها من لون سام أبرص «أبو بريص»، فلو علم أصحابها كم من خنجر تطعن به هذه الصور قلب الشعب البائس، لاستغنوا عنها وعن إذاعة صورتها. إنهم يسلون منها خناجر يطعنون بها قلوب المساكين. ولو علم الذين يحشدون كل قوى بيوتهم وقوى المدينة على طاولاتهم، حتى تبدو كظهر السلحفاة، كما يقول ولي الدين، إنهم يثيرون حقدًا كامنًا، لخففوا من هذا الظهور الذي يدل على الأوادم الطازة كما قال شاكر الخوري.

الابتسامات تكذب، أما الدموع فصادقة. لا أدري نخب من يشرب هؤلاء السادة! إن أحقر فلاح في أحقر قرية يقول لك على ذكرها: سياسة … وهم يعنون أن أصحابها كاذبون يضمرون غير ما يظهرون. إن الشعب المحروم يثور حين يرى هذه المشاهد السينمائية، الناطقة بلا قلب ولا عاطفة! …

عجل

قال لي واحد: إنه يرجو أن يصح له حلم؛ لأن في الحكومة الجديدة من يرجو له الخير.

فأجبته: اسمع يا صاحبي هذه الحكاية: ألحَّت سيدة على زوجها في شراء قبعة حديثة الطراز، وكان عندها برانيط على عدد أيام الشهر، فرافقها إلى مخازن الطرائف، وهناك — كعادة كل سيدة — راحت تساوم وتنتقد: هذه برنيطة لونها باهت، وهذه لونها غامق، هذي مقوَّرة وهذي مدوَّرة، وهذه مستطيلة لا تنسجم مع وجهي.

وكان صاحب المخزن يساندها من هنا ومن هناك؛ تسهيلًا لمجاري البيع والاستفتاح. وأخيرًا قررا استفتاء المرآة، فوقفت الست أمامها وراحت تستعرض مواقف البرنيطة كأنها مصور شمسي يراقب الوضع الأحسن. وبعد الاستفتاء لم يفتح الله عليها بشيء. وأخيرًا دخلت سيدة ذاك المخزن فاستشارتها، وظلتا في أخذ ورَدٍّ حتى ضاق صدر الزوج وتبرَّم. ولحظت السيدة ذلك، فاستخارت الله واشترت واحدة ومضيا.

وفي الطريق التقت ستنا الجميلة بصديقة لها، ودار بينهما البحث في تاريخ شراء البرنيطة، ووقف الزوج يتعصر، سائلًا الله النجاة من هذا المضيق. فالتفتت نحوه زوجته وقالت له: طوِّل بالك! لا تتأفف!

فقال الرجل: عجِّلي يا مره! حتى نصل إلى البيت قبل أن تبطل الموضة، فاليوم تعبنا وما عادت سيقاننا تحملنا لنرجع نشتري غيرها!

وأنت يا صاحبي، عجِّل بقضاء حاجتك قبل أن تتغير الوزارة.

فقال: وكم تظن عمرها يطول؟

فأجبته: عندما استبد الأتراك بالدولة العباسية وصاروا يخلعون خليفة، ويقتلون آخر تساءل الناس: كم يعيش هذا الخليفة؟

فأجابهم واحد: قدر ما يريد الأتراك!

وأنا أقول لك: لم يسموها لعبة برلمانية عن عبث، فالكشاتبين كثيرة.

صورة ستالين

وسألني أحدهم: ما قولتك بمصير ستالين؟

قلت: لقد مر عليَّ في تقويم الحياة حوادث جمة من هذا النوع أذكر لك منها حادثة واحدة: سقوط السلطان عبد الحميد؛ وهي أعظم أحداث القرن العشرين.

كنا في أيام دولة البادشاه نقول، قبل أن نذكر اسمه: ولي نعمتنا بلا امتنان، وظل الله على الأرض. ولما هوى العرش العثماني الذي ظل راسخًا شامخًا زهاء ستماية سنة، قال في سلطانه، الشاعر حافظ إبراهيم:

مشبع الحوت من لحوم البرايا
ومجيع الجنود تحت البنود

أما ستالين؛ فهو مرجف الدول العظمى، وقاهر هتلر. شاء رجل ألمانيا أن يكتب اسمه أدولف هتلر في تاريخنا المعاصر، فكتب القدر اسم يوسف ستالين … ستالين الذي كان فعَّالًا لا قوَّالًا، لا تصح محاربته ميتًا. كان الأجدر، وهو من نسبت إليه جرائم تقشعر لها الأبدان، أن يخنق في سريره. ترى ألم تنجب روسيا واحدًا يضع روحه على كفه ويقتل هذا الطاغية؟! …

ويلي على الناس، وويلي من الناس … كنا في مدرسة مار يوحنا مارون نقف مصطفين بعد نهاية درس الليل؛ لنقضي حاجتنا قبل النوم، وكانت الأماكن المعدة لقضاء ذلك الغرض في كعب غابة سنديان قائمة على كتف المدرسة، وبينا نحن آمنون إذا بابن آوى يخترق صفنا، فصرخنا: ديب، ديب! ثم اختلط الحابل بالنابل، وكان أكبرنا طالب اسمه شديد سمعان فاشتدت عزيمته وكان أول الهاربين.

ولما أفرخ روعنا وهدأت أعصابنا إذا بصاحبنا شديد يخرج من مخبئه عارضًا عصًا غليظة وهو يقول: وأين راح الديب؟!

ماذا تنفع تهيئة القضيب بعد ما راح الديب؟! أناس كثيرون أعيدت محاكمتهم بعد الموت وردت إليهم كرامتهم، فهل حاكموا ستالين ميتًا قبل إنزال صورته؟

لا تحاول

كتب إليَّ واحد يشتهي أن يكون أديبًا لامعًا، وبعد السلام والكلام كما يقولون، قال: أسلوب من تشير عليَّ أن أتبع؟ ومن تنصحني أن أطالع حتى يرسخ أسلوبه في رأسي؟ إلخ.

– اسمع يا حبيبي، تأمل الناس، فهل رأيت رجلًا مثل رجل؟ أنا أجهل عدد سكان الكرة الأرضية لأذكر لك الرقم، وأقول: انظر إذا قدرت إلى كل فرد من هذه البلايين. افتح عينيك جيدًا وتأمل وجوههم جميعًا، ثم قل لي إذا كنت ترى بينهم واحدًا يشبهك تمامًا حتى لا تعرف إذا كان هو إياك، أو كنت أنت إياه.

لا تظن أن هذا التشابه منقطع في البشر وحدهم، لا؛ فقد سألتُ المعَّازة: من أين تعرفون الرأس المتخلف عن القطيع؟

فأجابني واحد منهم: مما تعرف به أنت تلاميذك.

فقلت: للبشر علامات فارقة.

فقال: وكذلك للمعزى وغيرها من البهائم.

فإذا كان الوجه لا يتشابه، والخط لا يتشابه، وبصمة الإصبع لا تتشابه، فكيف تريد أنت — هداك الله — أن تقلد كاتبًا آخر؟!

قرأت في كتاب ديل كارنيجي، نقلًا عن كتاب «أنت والوراثة» لعالم شهير: أنه لو كان لك ثلاثماية بليون أخ وأخت لكانوا جميعًا مختلفين عنك، مناقضين لك. فتأمل.

لقد كنت ضائعًا مثلك، وبقيت ضائعًا ثمانية وأربعين سنة وما وجدت ذاتي إلا حين مشيت على سجيتي. وإذا كنت لا تصدقني فارجع إلى كتبي المطبوعة قبل سنة ١٩٣٤ تجد أنني كنت أفرفر كالطير العالق بالشبكة. حاولت أن أقلد أديب إسحاق ونجيب الحداد، ثم جبران فما وفقت أبدًا. لا يعني هذا أنني استوليت على الأمد اليوم، ولكن أعني أنني وجدت نفسي، فإن كانت بشعة فهي لي وحدي، وإن كانت جميلة فالجمال مشاع.

أنت ناشئ، فاقرأ كل الكتَّاب والشعراء، ثم انطلق على سجيتك، فإن كان لك شخصية تظهر لك، أما إذا ظللت تحاول أن تكون مثل فلان الذي قلت إنه يعجبك، فأنت لا تنجح في حياتك.

قال أصحابنا القدماء: إن أسلوب ابن المقفع هو السهل الممتنع، وأنا أقول لك: إن كل أسلوب ممتنع، سواء أسهلًا كان أم صعبًا. ولم يخطئ القائل: الإنشاء هو الرجل، فكن ذاتك ولا تقلد أحدًا. لا تحاول فإنك مخفق دون ريب.

تأمل مقلدي الأوراق النقدية، هل التبس الزائف منها على الناس! كذلك محاولتك أنت، فإنك تظل زائفًا حتى تقع على ذاتك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١