الزبيبة والعود

(١) قوانين وتشريفات

نحن في لبنان نغطي السماوات بالقباوات، نفصِّل القوانين على قدِّ الأفراد، من محاسيبنا وأنصارنا، وفي الوقت عينه نتوسل بها ونضعها لنطرد إلى الظلمة البرَّانية من ليسوا على غرضنا، أو من مسَّوا في محنتنا قدس أقداس ذاتنا بكلمة حق، بينما كان ينتظر منهم أن يداجونا ويحابونا؛ ليحوزوا على رضانا الشاهاني. لكأني بهؤلاء يجهلون أن للسيادة أطوارًا مثل غيرها: شبابًا، وكهولة، وشيخوخة. لم تعظهم حكايات تابوت العهد، ولكل عهد تابوت، فبعد ما كان من يمسه يصعق جره ثوران جرًّا …

إن كل دولة من دولاتنا تنفق أكثر مما كانت تنفقه دولة سلطان بني عثمان، فذاك السلطان لم يكن يزور أحدًا، كان كرئيس أميركا اليوم، لا يخرج من دياره. أما رؤساء دولنا اليوم، فشمَّامون هوا، قطَّافون ورد … كأن لا عمل لهم في بلادهم ودواوينهم، فهناك من يعمل عنهم فيكفيهم مئونة مداورة الشئون ومعالجة الشجون … لا نسمع إلا بمؤتمرات تعقد هنا وهناك يذهب إليها هذا الوزير أو ذاك المدير والسفير ويعود منها مظفرًا … وتتناول الصحافة الموالية له الحديث فتجعل من الحبَّة قبة، ونحن نكون قد دفعنا ثمن هذه الحبة ما لو أنفق على أحقر قرية، لرفَّه عنها وجعل جحيمها نعيمًا.

تبنيج

ومنذ وجدت هذه الدولة اللبنانية وحديث المشاريع الإنشائية يملأ آذاننا وقلوبنا. والحياة، لولا الأمل، لا تطاق. كلما تبدل حكم وضع الشعب على المشرحة وجاءوا بالإبر والكمامة؛ ليبنج؛ ليبنجوه بالمشاريع الإنشائية … وكلما دنت الانتخابات قالوا لنا: في الميزانية القادمة نفعل كذا وكذا، والجالسون على كرسي موسى يبحبحون حصة النائب الراضين عنه؛ تمهيدًا لفوزه، وسيان عندهم أعمل أم لم يعمل للشعب، فالغاية تبرر الواسطة.

الغاية أن يفوز فلان بالنيابة؛ لينتخب فلانًا للرئاسة، أو يؤيد آخر للوزارة الأولى. وهكذا نمشي إلى النهاية على ضوء: حَكِّ لي أحكِ لك.

حدثني الدكتور أبو حيدر، وأنا في المستشفى، عن طريقته الحديثة عندما جاء يبنجني، فقلت له: أما في طبكم مشاريع إنشائية، إنها أقوى بنج وأحدث طريقة! ففي وزارة الثالوث سنة ١٩٥١ بنَّجوني بالتليفون، ولو كانوا صدقوا لما جئتكم على آخر نفس. وفي عهد تلميذي الوزير الشاعر الدكتور سليم حيدر نمت على صوف، ثم راح، واستيقظت من البنج، وأنا لا أزال على شوك.

وفي ذلك الزمان أيضًا، وضعوا مشروعًا تليفونيًّا فبنجونا به، واليوم، ونحن على أبواب انتخابين: رئاسي، ونيابي، بنجونا بنجًا ثقيلًا جدًّا قد لا نفيق منه: مشروع تليفون يشمل لبنان كله، ومشروع مياه، ومشروع كهرباء، ومشروع طرقات، ومشروع أوتسترادات، ولم ينقصنا إلا سلالم تصل الأرض بالسماء كسلَّم يعقوب. وهل عندك يا دكتور بنج أفعل من هذا؟! نحن قوم كل أعمالنا تبنيج، والخشخاش نبات شرقي، فكلما احتاجت حكومة إلى صوتنا خشخشت لنا … بالمواعيد. رحم الله المتنبي.

قيل لواحد: قنطار مسك بذقنك! فصاح: هذه الكثرة لا تبشر بالخير! أما نحن فلا نقول شيئًا.

ودخل الدكتور حتي، في تلك الساعة فقال: كلما جئت أعودك أسمعك تحاضر، فما الموضوع الآن؟

فأجبته: قلت للدكتور حيدر الذي جاء يتعرف إلى جسدي؛ ليكون على بصيرة في تبنيجي: أنا معود على البنج! ففي جميع العهود، منذ الدباس إلى شمعون، والمشاريع الإنشائية تبنجنا. ولولا زنود المساكين، أهل الضيعة، لما كان لنا طريق، ولولا ثورتي على الحكومة والرهبان لطار نبع قطره وغطَّ في دير كفيفان، ولم يبقَ لنائبنا النشيط الأستاذ ريمون إده ما يعمله ويربح ثقتنا أجمعين.

حقًّا؛ إن هذا أضحوكة، فلو سألت معَّازًا أو بقَّارًا عن المشاريع التي توضع، على سنوات، لضحك، وقال لك: ومتى راحوا من يشمِّر ويلحقهم؟ وقبل وبعد فما كان أغناهم عن هذه الوعود، فما دام لاعبو الكشاتبين موجودين والشعب غافلًا، تدخل الفوطة وتخرج من زلاعيمهم حمامات وعصافير، وعقبانًا وأغربة، إذا لزم الأمر …

وإذا كان أبو الهدى، نجيُّ السلطان عبد الحميد، بلع السيف، فوزير حربيته بلع الدارعة، كما أجاب الدالي فؤاد. والعهد بانتخاب السنة ٤٧ غير بعيد. وأخيرًا؛ إن كل هذه المواعيد بالمشاريع الملايينية، على سنوات، تغني عنها ساعة عدل في الرعية، أو ظلم بالسوية …

تيتي تيتي

ما زلنا على هذه الحصيرة، فلا هي طويلة ولا قصيرة. فلماذا يتهيأ الذوات للمعركة الانتخابية، فليدخلوا من «الباب الضيق» كما قال المسيح إذا شاءوا دخول ملكوت البرلمان … فالشعب يقاد بخيط قطن.

جاء مبشر بروتستاني ليهدي حائكًا، من بلدة الزوق، سبيل الرشاد. وبعد السلام والكلام، قال له الزوقي: حضرتكم بروستنت؟

فأجاب القسيس: نعم، ومن أين عرفتني؟!

– عرفتك من كتبك، ولكي نختصر الحديث: وأنا ماروني. لا شك أنك تعرف ذلك، ولكنك لا تعرف ما يتهمنا به مناظرونا، يقول فينا القوَّال:

وحق الرب المتعلَّى
واللي عَ الطور تجلَّى
بحيثو موجود مار مارون
ما في حاجة لَ الله

أنت تريد أن ترشدني وتجادلني، وأنا حيَّاك، لا أحدث غير النول، ومهما قدمت لي وأخَّرت لا خبز لك عندي.

قال هذا وتحلحل ليخرج من جورة النول، ففزع القسيس، حين أخذه الحائك بيده، وقال له: قم معي. فقاما، ومن قدام باب دكانه دله على بكركي، وقال له: رح جادل البطرك، فإذا اتبعك فكلنا نتبعك على الهينة، فلماذا تضيِّع وقتي ووقتك؟

وأنا أقول للسادة المرشحين — جددًا وقدماء: ما لكم وما لنا، اذهبوا إلى المختص بفبركة النواب، وهو يغنيكم عن تدلل الناخبين ولو ساعة من زمان.

إنها نيابة لا تهش ولا تنش، فكما يقود الضيعة واحد أو اثنان، كذلك يقود النواب واحد أو اثنان، والفاخوري مسلَّط على طينه، كما قال مار بولس، يصنع منه إناء للكرامة، وإناء للهوان، فهذا يصير وزيرًا، وذاك يبقى حتى يخرج كما دخل: تيتي تيتي مثلما رحتِ جيتي.

التجديد الرئاسي

الجريانات الدموية تكون عادة في شباط وآذار، أما جريانات ماء المستوظفين عندنا في لبنان، فموعدها أيلول، مع أن مثلنا يقول: أيلول طرفه بالشتا مبلول. في كل مرة يأتي المعارضة المخاض في شهرها هذا، وهي تارة تلد وطورًا تتوجع لا غير.

فالثورة على المير بشير كانت في هذا الشهر، وثورتنا على يوسف باشا فرنكو كانت فيه، والثورة على الشيخ بشارة كانت فيه أيضًا، واليوم نسمع دندنة ولا ندري إذا كان يفوع القفير … ومن غرائب الصدف أن جميع انقلاباتنا كانت بيضاء …

ما أشبه الليلة بالبارحة، أشاع أخصام الشيخ بشارة أنه لم يكتفِ بالتجديد، بل يريد أن يجعل ولايته الثانية أبدية، لا إلى الجيل الثالث، كما يمنح الباباوات الغفرانات الكاملة. فحميت حديدة المعارضة. وعبثًا حاولنا إقناع أكثرهم حدة بأن الإشاعة كاذبة. وقد جرى بيني وبين أبرز شخصياتهم حوار حول هذا الموضوع، ولست أذكر التفاصيل وأقدم الشهود إلا إذا رُخِّصَ لي بذلك.

إني أقول هذا ليفهم الناس أن فكرة التجديد أبعد ما تكون عن بال الرئيس الحالي؛ فقد عوَّدنا أن يكون منسجمًا مع نفسه وهو لا يؤيد اليوم ما شجبه بالأمس. أقول هذا بعدما قرأت في مجلة كل شيء: أن المرشحين لرئاسة الجمهورية بلغوا العشرة عددًا، وأن التجديد للرئيس شمعون أصبح أمرًا واقعًا. أما أنا فأقول: لا. فالخلاف كله واقع على اللحاف، فهل نتغطى به دائمًا! وكيف ننام والبردانون يوحوحون حولنا …

أنا حضرت بنفسي ثورة أيلول على رئاسة المير قبلان بللمع وناصيف الريس وغيرهما، وقد ذكرني الأستاذ إميل خوري بكلمة يوسف باشا لنا: «فين وكالاه» يعني أين وكالتكم عن الشعب؟ فأراه الشيخ كنعان الضاهر تلك الوكالة الناطقة، حين فتح باب شرفة الباشا، وأراه ساحة ميدان بتدين تموج باللفات والطرابيش. فنام دولته على «عدم الثقة» وعزل لنا من طلبنا عزلهم، وعين من طلبنا تعيينهم، وهكذا كانت ثورتنا — كما هي في كل حين — ثورة وظائف. ولا أكون مبالغًا إذا قلت: إن كل من يقرأ أو يكتب في لبنان يحلم بوظيفة ما. أذكر أني قلت لمستوزر: وأنت أيضًا يا …

فأجابني بنبرة: مستصغرني! ما زال فلان صار وزيرًا، فأنا يحق لي أن أحلم بالرئاسة.

غريب شأن هذا البلد! لقد هزل الحكم فيه حتى سامه كل مفلس. وعلى كل، فإني أرجو أن نكون دائمًا خيرًا مما نحن، ولا أحسب أن التجديد يضيرنا، نحن المساكين، ولكن يضير المنتظرين على أحر الجمر فكل يحلم بدوره: أما قال الأستاذ الظريف أبو شهلا: ولماذا لا أرشح نفسي، أما كان الدباس رئيسًا؟!

قالوا للبطرك إلياس: عندما كنت كاهنًا كنت فظًّا تضرب بالعصا، ولما صرت مطرانًا اكتفيت بالعياط، ولما صرت بطركًا بردت؟!

فأجاب: لما كنت كاهنًا كنت متكلًا على المطارين، ولما صرت مطرانًا بقيت متكلًا على البطرك؛ ليرقع ما أخزق. أما وقد صرت بطركًا، فما أمزقه لا يخيطه أحد.

وأستاذنا الذي تسميه الصحافة، برنادوت لبنان، إذا صار رئيسًا، فهل عند برنادوت آخر! كما يقول أبو نواس للأمين:

من ذا يكون أبا نوا
سك إن قتلت أبا نواسك

لا حاجة إلى التغيير، وإني أقترح أن يظل شمعون رئيسًا فلا نجيء برئيس غيره. هذا تمرن ويكون أكثر خبرة ودهاء من رئيس جديد. رحم الله رياض الصلح الذي قال: قد بنينا دولة ولم نؤسس وطنًا. فبناة الأوطان لا يغضون النظر عن مسيء، فكيف بالمجرمين والسرَّاقين الجناة …

كاد أن يكون أكثر لبنان موظفًا، وهناك عائلات لم يبق منها أحد بلا كرسي … نضع القوانين طبقًا لهؤلاء، والأقربون أولى بالمعروف. ولو أننا سهرنا على ما يبلغ الكثيرون، وعلى ما نرصده للمشاريع، لكان لبنان زينة الدنيا.

ولو لم نتراخ مع الذين أخصبوا وسمنوا، وصاروا كعصافير التين ولم يعلقوا؛ لأن دبق صيادينا شائبة … لكانوا عبرة لغيرهم ولم يحلم الآتون بعدهم بما كسبوا من صناديق الحكومة.

كنا ننتظر من السيد شمعون أن يضرب بعصًا من حديد على تلك الأيدي، ولا يدعها تمتد إلى أبعد من أنوفها، فهل إذا جدَّد، يكون أقسى قلبًا، ولا يدع أحدًا يقضي بالأمر دونه؟

أنا أتمنى أن يجدد، كما أتمنى أن يكون قاضيًا على الفساد؛ فقد عمَّ الفساد وقلَّ الحياء، حتى إن البسطاء يريدون أن يثروا كما أثرى غيرهم.

السيد السنوسي

قرأت في صحفنا أن الملك الجليل: إدريس السنوسي، الذي زار لبنان منذ أسبوعين، قد ألغى ألقاب الأمراء وأسقط عن نفسه لقب الجلالة؛ لتظل لله وحده. وأمر بإلغاء جميع الألقاب والاكتفاء بلقب واحد هو السيد.

فهل يرضي هذا من ينتحلون الألقاب ولا لقب لهم؟ ثم ما يقول أصحاب الألقاب الضخمة، من معالي ودولة، ولا أقول فخامة؛ لأن صاحبها كما أعهده، لا يهمه إن سلمت عليه بها، أو باسمه حاف.

كانت هذه الألقاب الضخمة تسبق اسم من كان يسوس هذه الولايات والمتصرفيات التي أصبح على رأسها أصحاب جلالة وفخامة. إن لقب السيد الذي ارتضته مصر، ثم ملك ليبيا، فيه كل ما نطلب من عظمة. وهل من كلمة أعظم من السيد! كنا لا نكتفي بالجلالة لمولانا السلطان، وكان لا يكون المراقب راضيًا إذا لم نقل سيد البلاد، فأين من هذه كلمة معالي ودولة وغيرهما. فليتنا نكتفي بكلمة سيادة. وإذا غضب رجال الدين قلنا لهم: تكفيكم ثيابكم وعصيكم المذهبة، وإلا خذوا لقب نيافة؛ لتميزوا به، كما تميزكم منا أثوابكم الأرجوانية.

وأخرى أتت من سيادة ملك ليبيا — إدريس السنوسي — وهي أنه قبل الجلوس على العرش، قد عدَّل بل ألغى كل ما أعطاه إياه الدستور من سلطات واسعة، واختصاصات كبيرة. وهذا ما وعد به السيد كميل شمعون — رئيس جمهوريتنا — وسوف يفي متى جدَّد …

وثالثة جاءت من هذا الرجل الذي يذكرنا الخلفاء الراشدين والبطاركة الأولين. قد أمر بأن يرفع اسمه من الشوارع والميادين والمؤسسات، وكذلك أسماء أفراد عائلته.

وذكرني إلغاؤه الاحتفال بعيد مولده، وحذفه من أيام التعطيل، بما قرأت عن الإخوان الوهابيين حين رأوا بدعًا في عيد جلوس الملك عبد العزيز آل سعود، فكتبوا إليه معنفين وأجابهم مسترضيًا إياهم. ومن قانون البيت المالك، ألغى السنوسي جميع الحصانات والامتيازات، وأمر أن لا تقبل هدية ودية فردية أو جماعية تقدم له بمناسبة عيد ميلاده أو عقد قران ملكي …

إن هذه الديمقراطية والمساواة طبع عربي أصيل، أمَا غضب الإمام علي — كرَّم الله وجهه — حين سمَّى عمر الفاروق خصمه اليهودي، وكنَّاه هو؟

وخاتمة المطاف، أمر السنوسي أن تدفع الرسوم الجمركية عن مستورداته الخاصة.

مرحى وألف مرحى لهذا الحاكم الصالح، وإذا لم تلِ الأحكامَ رجالٌ على شاكلته، فلا تتم نهضتنا السياسية والقومية الإنسانية. لقد أغوانا التكالب على جمع المال بالحرام والحلال، وصارت المناصبُ مناصبَ ترفع عليها قدور المنفعة والإثراء … فبينا يكون الرجل — عندنا — لا يظفر بعشاه إلا بالكد، إذا به يقيم المآدب ويحيي السهرات؛ أسوة بالذوات. لقد وقع على صندوق سائب، فقبر الفقر إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين. ولا أقول آمين، لئلا أدعو على الشعب البائس المسكين.

المعركة الانتخابية

ما كان يصلي أحدٌ لولا ما يرجوه عند ربه من ثواب، فهل نلوم رجلًا يسعى لإدراك النيابة وهي أكلة شهية غير ثقيلة على المعدة؟!

في كل الدنيا تشتد الحملات الانتخابية وينفق المرشحون عن سعة، وإذا لم يكن عندهم مال اقترضوا أو استدانوا؛ ليضمنوا الفوز. فلا نظنن أن لا أحد يبذل في هذا السبيل إلا المرشح اللبناني، فغيرنا يعدُّ العدة لهذا الأمر، ثم لا ينام لئلا تفوته الفرصة الذهبية؛ فرصة خدمة الأمة، ولذاك تراه بعد الفوز أشد منه حماسة قبله، ولا يتنكر للناخبين قط، وقد يكون هذا هو الفرق بيننا وبين الآخرين. أما البذل والإنفاق فلا بد منهما، وليس على الإنفاق حرج إذا كان بلا نفاق. فواشنطون ولنكولن — الرئيسان العظيمان — أقلقتهما ديون الحملة الانتخابية.

إننا نطلب وجوهًا جديدة ودمًا جديدًا لمجلسنا العتيد، ولكن الوجوه الجديدة لا دم في جيوبها … أما عندهم، فالأحزاب هي التي تعطي الدم … أما الناخب اللبناني، فقلما يباع ويشترى، ولا يساق كالنعاج كما يخيل إلينا، وأكثر الناس لومًا وتقريعًا للناخبين هم الذين كانوا سماسرة، ثم انقلبوا مصلحين يحدثون الناس عن المثل العليا والبطولة المثلى …

ما أبعد أفواهنا عن آذاننا! إن فمنا في قطب، وآذاننا في قطب.

رحم الله التوت

قرأت خبر إنشاء مكتب للحرير، جديد، فامتلأ قلبي فرحًا، عندما علمت، أنه استهل نشاطه بطرح الصوت على منتجي الشرانق في لبنان، يبشرهم أنه سيوزع عليهم قريبًا بزر دود القز. رجوت أن يعود للبنان عزه وثروته وتضج الحياة في قراه بعدما انقرضت فيه هذه الشجرة أو كادت.

إن جيلنا الجديد لا يعرف شيئًا عن هذه الشجرة، ففرسان أحلامه، الوظائف والاستخدام، فهؤلاء يطلقون عليهم في أمريكا لقب أصحاب «الياقة البيضاء» استهزاء؛ لأنهم يهربون من ميادين الكفاح إلى ملاجئ المكاتب، مآوي العجزة.

كل هذا حسن، وكل مشروع هو فكرة أولًا، ولكن قضية توزيع البزر، على المزارعين، تذكرني بحكاية ذلك الشاعر الذي دعا صديقًا له، إلى الصبوح، أي تناول الطعام في العراء، وكان الاقتراح، على اقتسام الخطة، على الطريقة المعروفة عندنا بالعشرة الحلبية، فقال ذاك الداعي لصاحبه:

منك السميذ، ومني النار أضرمها
والماء مني، ومنك السمن والعسل

البزر موجود يا وزارة الزراعة، ولكن أين التوت؟ على ماذا يربى دود القز؟! لو كان يأكل ورق التفاح، فالأمر هيِّن؛ لأن التفاحة حلت محل التوتة. ولكن دودة الحرير، لا أدري إذا كانت تأكل ورق تفاح، وهب أنها تأكل، فالتفاحة تحتاج إلى ورقها، لتتغذى بنيَّاتها التفاحات.

ليس بزر دود القز مثل بذار الحنطة، فالأرض البيضاء — هذي لغة الفلاح — مستعدة لاستقبال كل بذرة على الفور، أما التوتة فلا بد لها من سنوات حتى تطعم.

مسكينة التوتة! لقد كافأناها، على فضلها، بقصف عمرها. كان ذلك قبل أن يضع أصدقاء الشجرة، مادة دستورهم الأساسية: ازرع ولا تقطع. فخلا الجبل من الأشجار التي كانت تكسو قممه وسهوله وأوديته جمالًا، بفروعها المشرئبة كالرماح، وخضرة أوراقها الزمردية. لقد كانت التوتة للبنان ثروة، أيما ثروة، وعمرانًا لولاها لم يكن. أحزن حين يقع نظري على البنايات القائمة حيطانًا بلا سقوف، أي معامل الحرير، فأتذكر المثل اللبناني الذي كان يقول: بدنا قز عالدولاب تغني.

أجل، لقد انقطعت السمفونية اللبنانية بانقطاع خيط تلك الدودة، وحرمنا لبس الحرير، بعد موت التوت في جبالنا. ماذا بقي يا حضرة الوزارة، شرفي زورينا في العمر — لا في السنة — مرة، فهذي قريتي التي كان التوت يزنرها ويكللها. ففي بطاحها توت، وفي أوديتها توت، وعلى جبينها توت، وعلى عبري نهرها الشتوي توت، وحول بيوتها توت، أما اليوم فلم يبق فيها إلا بضع عشرات. كانت تصدر ثلاثة آلاف أقة شرانق، واليوم لا يمكنها أن تصدر إلا أقات معدودات، هذا إذا كان عندنا بعد، من يربي هذه الدودة الذهبية.

أقول هذا لأن الفلاح صار مثل الراهب، ولولا الراهب ما عمرت جبال لبنان، ولكن الزمان تغير، وتغير معه الفلاح، والراهب صار يؤثر سكنى القرى والدساكر والمدن بعدما كان ناسكًا يعتصم برءوس الجبال، ولا يخرج من ديره إلا متلثمًا بأسكيمه كالمرأة الزمِّيتة المحافظة. وكذلك شباب الضيعة اليوم، فإنهم يؤثرون المدن، ويفضلون رشق وردة، في عروات بالطاتهم، على شك المنجل والمجز في زنارهم، وعلى سوق بقرهم وحميرهم إلى ميادين العمل الحر. إنهم يفضلون الاستخدام ولو أكلوا من كيسهم، ولهذا انبشمت المدن وضاقت العاصمة، وخوت القرى من كل شيء إلا العاجزين.

وعلى كلٍّ فالكحل خير من العمى، سلمت يد وزارة الزراعة، ولعلي أعيش حتى أسمع الفلاح اللبناني يغني موالنا القديم: بغال محملي، وجراس بتعنّ.

ولكن الحمولة اليوم غيرها بالأمس. كانت على ظهور البغال ذات الأجراس التي جعلت من اللبناني العامي شاعرًا ملهمًا، وصارت اليوم في سيارات الشحن التي لا تمهل أحد ليستلهمها شعرًا؛ لأنها:

تمشي وعزرائيل من خلفها
مشمِّر الأردان للقبض

إن القلة لم تدرك بلادنا إلا عندما ذهب التوت، وخلت الديار من تلك الدودة، يا للعجب! اللبناني فلاح، والتفاحة «مدام صالون» لا بد من معاملتها حسب الإتيكيت، ومع ذلك أجْلت التوتة عن ديارها وتربعت هي فيها.

فالتوتة لا تطلب أدويةً وعقاقيرَ تستعمل في إبَّانها، والتفاحة، إذا فات الفوت، نخرت الديدان جذعها وأفسدت ثمارها. التوتة لبنانية جبلية حقًّا لا تحتاج إلا الفلاحة، وعند الضرورة تستغني عن السماد. قضبانها للوقود تغني عن الكاز لإشعال المدفأة، وقشرها يسد مسد خيوط القنب، ولعله أفضل منها في مواضعَ. وهذا القشر يصلح علفًا للبقر.

وورق التوت موسمان: موسم الربيع؛ لتربية دود الحرير، وموسم الخريف «التشارين» علف أيضًا للبقر والخرفان وغيرها. وما يسمونه «الجزَّة» يغني عن الكرسنَّة، فيخلط بها التبن فتقبل على أكله البقر كما يقبل بعضنا على الملوخيا … وقد نسيت نصيب الناس من هذه الشجرة المباركة، فثمرها أشهى من ثمر الفريز وأكثر سكرًا وأطيب نكهة.

الخلاصة: هذا الموسم لا يضايق المواسم الأخرى … وهذه الشجرة المباركة خشبها أصلب وأجمل من الجوز الذي نباهي بقشره. الخلاصة: كل ما فيها ينفع ولا يذهب شيء منها هباء.

كان البيت اللبناني القبويُّ أكثر إيجارًا من أحسن بيوت المدينة، ففي خلال شهرين، بل من خلال خمسين يومًا فقط، يقبض صاحبه المبلغ المرقوم إذا صح الموسم، فيفي ما استلفه وما استدانه، ولذلك أطلقوا على موسم القز هذا الاسم: مخزق الكمبيالات، وما باع اللبناني عقاره وحرم قبض الليرات الذهبية إلا عندما انقرض موسم الحرير.

فلكي تنجح دعوة الوزارة أرى أن تبدأ هي بمزرعة نموذجية، تدعو إليها الراغبين في زراعة التوت، وتريهم النتيجة التي تدركها. أما توزيع النشرات وتقديم البزر، فهذا لا يكفي. إن لدودة القز محبة في قلبي وجميلًا في عنقي فلولاها لما تعلمت، فأنا لم أتعلم على حساب أحد، كان عرق جبين جدي ووالدي يغنيني عن طلب معونة الأوقاف والقنصليات وكل ذلك بفضل دودة الحرير.

لا أنسى عندما كنت أقطع توتة تُضايق زاوية البيت، فجاء إليَّ والدي وقال: مارون! هذا جزاء الفضل عندك … هذي علمتك! صار من الحق أن تغيروا القول القديم، فتقولوا: من علمني حرفًا صرت له قصابًا.

قصِّب يا ابني قصِّب … الذي لا تتعب فيه الأيادي لا تحزن عليه القلوب.

قال هذا وانفتل ولعله راح يخفي دمعة. فألقيت الفأس من يدي وتبعته أسترضيه بالقبلات والنكات وبقيت أعالجه حتى ابتسم.

فيا وزارة الزراعة، يجب أن يكون لك إيمان بحجم جبل صنين حتى تقيمي هذا الميت من قبره.

لقد ذهب الزمان الذي كان يلبس فيه اللبناني حريرًا؛ حياكة أمه، كما لبست أنا ولبس غيري من أترابي. لقد ذهب الحرير الحقيقي مع التوتة «السعيدة الذكر»، وحلَّ محله الحرير النباتي المزيف، ولماذا لا يكون ذلك، فكل الأشياء تلحق بعضها …

(٢) عهد الدبابيس

إلى ح. م:

تلفنت لي لتلفت نظري إلى السرقة الأخطبوطية في قصر العدل، وهل من جديد تحت الشمس؟

«الناس» في غفلاتهم
ورحى «الأصابع» تطحن

ولكن الغريب العجيب هو أن نراعي الطائفية حتى في الاختلاس والتزوير، فقلما شنت غارة إلا كان أبطالها من الملتين … لم نعد نحتاج إلا إلى التعمق في علم الفرائض لنتقاسم المواريث ولا يجنف أحد على أحد في توزيع تركة لبنان …

كنا نضحك من عهد الانتداب ونتهكم عليه؛ لأن دفع حوالة بخمس ليرات، بل حوالة بليرة واحدة، كان يمر على عشرة مكاتب على الأقل، وكل مدير أو رئيس مصلحة، كان يشك تصديقه في ظهر العريضة بدبوس إذا ضاقت الورقة عن توقيعه. لا أنسى قهقهة صديقي المرحوم الشيخ إبراهيم المنذر، حين سمينا ذلك الزمان، عهد الدبابيس.

أما الآن فنعترف أننا كنا مخطئين، فالحكومة الساهرة على مال المكلف، المجبول بعرق الجبين، يجب أن تشك في معاملاتها المالية، مسلَّات لا دبابيس. فأكثر جماعتنا، لا كلهم، يجب أن يكون موقف المسئولين منهم، كموقف مصارعي الثيران في إسبانيا … المنديل الأحمر في يد، والدبوس في يد، وإلا فإنهم ينصبون شراك حيلهم الجهنمية، وينطحون الصناديق بقرونهم الإبليسية، ويبقرون بطنها بنيوبهم الغولية.

أما رأيي في الفضائح التي لا نهاية لها؛ فهو أن جذورها لا تستأصل؛ ما زالت كلمة «بتتدبر» على ألسنة السماسرة، وما زالت الطائفية تدفع بل تستفز الرؤساء من دينيين ومدنيين ليدافعوا عن سفهائهم وينتصروا لهم … فاليد الطويلة لا يقصرها إلا الضرب عليها، بعصا من حديد، حتى تتقفع. كانت تقطع يد السارق؛ تشهيرًا له؛ ليعتبر به سواه، فما كثَّر عدد السارقين عندنا إلا «اجتهادنا» لاختزال العقوبة، وتهاملنا في التفتيش.

هل صفينا ثروة أحد من هؤلاء اللصوص؟ فما الحكم بلا قصاص، ولا تصفية، فلننتظر كل يوم فضيحة. فعلى الدولة أن تبث المفتشين الصادقين الأمناء في كل دائرة كبيرة وصغيرة، ومتى فعلت ستجد تحت كل تلعة يدًا تندس وما من يحس بها. وإذا لم يكن عندنا مفتشون صارمون، وبالتأكيد عندنا، فلنستأجر. فباب الإعارة والتأجير كان مفتوحًا ولا يزال …

إذا كانت الطبيعة عاقبت الهر على جريمته، فأخرجته من «المرطبان» خاوي البطن طاوي المصير، فلماذا لا نفعل نحن مثلها مع القطط، المغيرة على صناديق الدولة.

يروون أن هرًّا احتال حتى دخل خابية الدهن، وراح يأكل ما طاب له الأكل حتى كاد ينفزر، ثم حاول الخروج فلم يقدر؛ لأن عرضه ساوى طوله، واستمر الصراع زمنًا، ولم ينفعه صراعه إلا انحطاط قواه، فاستسلم وظلَّ هناك حتى ضمر وعاد أضعف مما كان، وإذ ذاك قدر على الخروج.

أما هكذا يجب أن يعود كل سارق إلى ما كان عليه؟ وإلا فنكون سرَّاقًا؛ لأننا نساعد السارقين، وهكذا يظل حبل هؤلاء المحظيين على الجرار، فلا يمر يوم لا نسمع فيه باختلاس! والذي عندي، هو أن تنفض الدولة عنها هذا الإهمال، وتصفي جميع حسابات دوائرها، ومهما أنفقت في هذا السبيل تظل رابحة؛ لأن في الزوايا خبايا.

يكفينا عمل حسابات جمع وضرب وطرح وقسمة. استريحوا من تقسيم المواريث الطائفية، ولا تشغلكم زيادة عدد النواب، فليس فينا أحد منزَّه عن الغرض. المهم أن تسيِّجوا كروم الدولة، فلا تغير عليها الثعالب من كل صوب. إن الحذر الكلي ينقصنا، فهؤلاء اللصوص، كل واحد منهم داهية. كلما سددنا بابًا فتح دهاؤهم أبوابًا، فعلى «صاحب البيت» أن يسهر ولا يدع بيته ينقب.

لقد صرنا في أمسِّ الحاجة إلى أمثال شرلوك هولمز حتى يقف على كل مخرم من مخارم الدوائر؛ لكي يتمكنوا من القبض على هؤلاء اللصوص العبقريين، ونسوقهم إلى «بيت خالتهم» ملتبسين بالجريمة، ولا يكفي هذا، إذا لم نصمَّ آذاننا عن سماع صوت الوسطاء، مهما علا مقامهم.

كان لرجل امرأة سراقة، وقد أعياه أمرها، حتى صار يعدُّ أرغفة العجين، ولكن المرأة، المفكرة الكبيرة، لم ترم سلاحها، فصارت تقتطع، بعد العدِّ، من كل رغيف نتفة. ولما قيل لها: زوجك صار يعدُّ العجين! قالت كلمتها التي تدور على ألسنتنا اليوم: زوجي لعين، وأنا ألعن منّو، هو يعدّ العجين، وأنا أشيل منو. فنصيحتي للمسئولين ألا يكتفوا بعدِّ العجين …

(٣) الانتقاد يقوِّم الاعوجاج

إلى ط. ك:

لا يا صاحبي، لم أشبع من الانتقاد، ولن أشبع؛ فهو لي كالغذاء. وكما قال توماس جفرسن، أقول: لقد عاهدت الله أن أكون إلى آخر العمر عدوًّا للطغيان في صوره العديدة، الطغيان الذي سيطر على عقول البشر.

إن الانتقاد هو أنجع علاج لأمراض المجتمع، حكومة وشعبًا، وحيث كنت على دين هذا المصلح العظيم جفرسون، فإني أجري معه إلى آخر الشوط فأقول مثله: اللهم لا تقدر لنا أن نظل عشرين عامًا بلا ثورة.

أنا كحسان بن ثابت، ترعبني رؤية نقطة دم. ولكني أعتقد أن الانتقاد يقوِّم الاعوجاج، ويصون الحريات، ويشيع المساواة؛ فقد كفانا احتكار المنافع. إن السكوت علامة الرضا، وما دمنا غير راضين، فلماذا لا نحكي؟!

وزعت إعانة في ذلك الزمان على أهل قرية منكوبة، فجنف الموزع على أحد أخوين، فاستأثر أخوه دونه بالحصة، فحمل المحروم حاله وذهب إلى جبيل؛ ليعرض ظلامته على مدير الناحية في ذلك الزمان، وكانت كلمة قالها للمدير: يا سيدنا جئت أسألك إذا كان بطن أمي بقطعين.

فحمي غضب المدير وصاح به: … أمك. أنا قاعد في بطنها حتى أعرف بطنها بكم قطع؟!

فضحك الرجل الساذج، وقال لصاحب الرفعة: أعطوا أخي الإعانة وأنا ما أعطوني، ولهذا جئت أسألك؛ لأنك أنت ملجأ المظلوم.

فانتبه المدير، وخاف عاقبة النقل أو العزل، وأمر ضابطيته، بإحضار شيخ الصلح، تحت الحفظ، وأخذ نصيب الرجل منه.

أما لبنان فبطنه بألف قطع. وإن شئت فبقطع واحد لا غير. لا يحبل إلا بأبناء الست، أما أبناء الجارية، فعليهم الغرم ولغيرهم الغنم، فكأنهم غنم يساق إلى المرعى ولغيرهم المعالف.

ما زلنا كالعشائر، فلا يستشار إلا الزعيم، ولا نحاول إرضاء أحد غيره، مع أن عصر الزعامة ولَّى وراح، ورئيس الطائفة لم يعد ينطق باسم الطائفة … وكيف ينطق باسمها، وهو لا يعرفها، وهي لا تعرفه؟! ثم ماذا يشعر من لا يخالط رعيته ليعرف بؤسها وشقاءها. هو سعيد لأنه في نعيم مقيم، الخير فائض وعلى هذا يقيس غيره.

لقد مضى زمان الطاعة العمياء، وصار آخر فلاح، في آخر مزرعة، يشعر أن له كيانًا مستقلًّا كفرد، فلا يقضي عنه بالأمر إلا المفوض منه. ولأجل تحرير الفرد، من عبودية المسيطرين عليه، قد حارب زعماء الثورات الأحرار. فهل يرجع بنا إلى الوراء؛ حيث تركنا قيودنا محطمة؟ قل لي بعد هذا: لماذا أنتقد؟!

قال والت ويتمان: أتظن أنك تتعلم دروس الحياة من أولئك الذين امتدحوك، وعاضدوك وحنوا عليك، إنك تتعلمها من أولئك الذين هاجموك وقسوا عليك؟

إن الناقد عامل لا يتقاضى أجرًا غير السبِّ والشتم، وحسبه الله، ونعم الوكيل …

معك الحق

إلى السيد عبد الوهاب صهيون:

سامحني إذا حذفت ما خصصتني به من ثناء، فهذه عادتي كي لا يصح بي القول السائر: ومادح نفسه يقريك السلام.

أما سؤالك: «هل أنا متعصب إن كرهت فرنسا بعد الذي كان منها، أم أنني أقول الواقع … وهل من الشروط أن يحب المسيحي فرنسا، مهما فعلت بنا، وإلا فليس مسيحيًّا … إنني لا أجد لتركيا من إسلامها شافعًا بعد مقاتلتها لنا قديمًا وحديثًا … أليس الأجدر بنا أن نحب أنفسنا ووطننا، مسلمنا ومسيحيِّنا، ونفقأ عيون الطامعين بنا … إلخ؟»

الآن جاء دوري يا عبد الوهاب، فهاك الجواب: إنك من القلمون، ولو عرفت ما فعل البطرك بولس مسعد، منذ قرن، وهو مواطن لبناني، ومن كسروان، المقاطعة المارونية الصرف، لرأيت أن ليس كل المسيحيين سواء. فهذا البطرك، حين سأله السلطان عبد المجيد أن يتمنى، كما كانوا يعبرون، فلم يطلب من جلالته إلا إعفاء أهل القلمون من سوقهم إلى «السفر برلك» أي الحرب. وهكذا نجا أهل القلمون من السوق إلى ساحة القتال ليقاتلوا دون أرض لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

والمطران البستاني، حين سركله رستم باشا، ونفاه إلى القدس، قال كلمته المشهورة: نحن وفرنسا والدول المسيحية الأجنبية كالنار في زمن البرد. إن تقترب منها تحرقك، وابعد عنها تدفئك.

وحين انتدبت فرنسا على لبنان، وصارت عندنا، تذكروا كلمة البستاني، حتى قال المطران مبارك: كان الأحرى أن نظل مع فرنسا في عهد الخطبة، أما هذا الزواج فلم يكن سعيدًا ومباركًا.

فلا يضايقك جهَّالنا، فهؤلاء لا يعرفون السرائر. لقد ولَّت أيام الغيرة الدينية وحلَّت محلها المصلحة. كانت المصلحة فيما مضى سرية، وصارت اليوم علنية، فاللسان يجمع الناس على الأرض ويوحِّدهم، ومتى زرنا السماء، ووجدنا يسوع لا يعرف العربية، نفتش في الفردوس عن قس بن ساعدة، فيكون ترجمانًا لنا!

أنا أقول كذلك المفكر المصلح الأميركي، وقد سبق ذكره: إذا قلت: إن في الكون عشرين إلهًا، أو قلت: إن ليس هنالك إله، هل ينزل هذا القول الإضرار بجاري، أو يسلبه حقًّا، أو يكسر له ساقًا؟ وهذا الفيلسوف يجعل للأجيال المتعاقبة حقًّا في تغيير ما قررته الأجيال السابقة، بأفعالها وبأقوالها، فلنتشبث بهذا، أنت وأنا وغيرنا، ونمشي على خيرة الله.

كن المكاري واضرب كل حمار، وإياك أن تجادل أحدًا، فالعمل مثقال ذرة، خير من قناطير كلام مقنطرة. إن الزمان لا ينتظرنا حتى نمشي، فلنسرع معه إذا شئنا أن نلحق ركب الشعوب. والسلام عليك من المعجب بروحك الوثَّابة.

•••

حاشية: على ظرف مكتوبك ختم بريد صيدا، وهو صادر عن القلمون، فهل هناك قلمون غير التي عند طرابلس؟ إنني أخاف وأحسب ألف حساب؛ خوفًا من أن أكون كمن يتحدث إلى ذاته، وأن تكون حكاية البطرك مسعد جاءت في غير محلها.

(٤) الانتخاب الرئاسي

بدءوا يعبئون جيوشهم لمعركة النيابة، وهذه المعركة لها ما بعدها، فالنواب العتيدون ينتخبون رئيس البلاد. ومن يرشحون أنفسهم لهذا المنصب الأعلى لا بد لهم من البذل، وإلا فلا أمل لهم ولا رجاء. وإذا كان المرشح للرئاسة الأولى لا يكون إلا نائبًا فلا بد له من المرور بهذا المطهر — مطهر النيابة — حتى يدخل النعيم، ويملك سعيدًا، وتعطيه الطوبى جميع الأجيال.

ولا أدري لماذا نجري هذه الانتخابات، بل لماذا نزيد عدد النواب ما دامت شعور رءوس الوزراء محصاة، ولا تسقط واحدة منها بدون إرادة أبيكم، كما قال المسيح لتلاميذه …

للدستور في لبنان بطانة وظهارة؛ فهو ملبس على لوز، ولكنه لوز مر. ظاهر الحكم دستوري، أما باطنه فأرستقراطي استبدادي، وكأنه يقول للحاكم: قل كلمتك وامشِ، ولا تردَّ على أحد. من ذا يعارض سيدًا في عبده …

ترى من يفكر بلبنان لذاته من الأحزاب؟ إنهم يقصدون الوصول إلى الحكم، أما الشعب الذي يحكمون باسمه، فيبقى حيث هو، وعلى ما هو. وإن قالت الأحزاب: هذا هدف الأحزاب في كل الدنيا، قلنا لهم: ولكن هناك فرق، هناك يهمهم الوصول لينهضوا بالوطن وتثري الأمة، ونحن نفكر كيف نثري نحن. غيرنا يفكر كيف يشيد دولة، عزيزة الجانب، ونحن نفكر كيف نشيد، في أرض الدولة، بيتًا رفيع العماد … كقصور ألف ليلة وليلة.

عقلية قديمة هي عقلية اللبناني، إنه يفكر بأسرته ثم بضيعته وعقاراته، ثم بمنطقته وملَّته، وقد بقينا قرونًا نكتب في أوراقنا الرسمية: ماروني من عين كفاع، بلاد جبيل، قضاء كسروان. وفي هذه الأيام ما زلنا نلمح تلك الآثار العتيقة فنقول مثلًا: بيروتي وجبلي. وراهبنا القديم كان ينتسب إلى ضيعته، ثم إلى رهبانيته، فيقال مثلًا: القس مرقص الكفاعي.

يقولون: انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، ولا يد لشعب لبنان في انتخابه، الأمر موكول إلى بضع عشرات من النواب، وهم الذين ينتخبون الرئيس في جو من المساومات والتطبيقات. عندي أنه ما دام الحاكم اسمه رئيس جمهورية، فليتقدم الشعب كله إلى انتخابه. إن بلدًا تنتخب فيه المرأة، المختار وعضو البلدية والنائب لا يجوز أن ينتخب فيه رئيس البلاد الأعلى أربعة وأربعون شخصًا. إن لبنان ليس حديث عهد بالانتخابات وقد مرَّ بها في جميع أطواره.

كانت المناصب تنتخب الأمير حتى سنة الستين، ثم صارت القرية تنتخب شيخ الصلح، وشيخ الصلح كان ينتخب عضو الإدارة، ممثل الشعب. ثم أُضيف إلى شيوخ الصلح مندوبون ينتخبهم الشعب لينتخبوا النواب. وبعدئذ، منذ عهد غير بعيد، أمسى الانتخاب على درجة واحدة، أي جمهوريًّا، ثم انتهى الأمر إلى ما نحن عليه الآن، فصارت المرأة تنتخب، وما حرم من حق الانتخاب إلا مطارين الموارنة بعد أن مارسوه خمسة عشر قرنًا وأكثر. فآخر امرأة لبنانية، حتى المعتوهة، يحق لها أن تنتخب، وأحبار هذه الطائفة مكفوفو الألسنة والأيدي، يحنون رقابهم للنير، ولم يقل أحد منهم، كما قال داود: فلنلق عنا نيرهم.

فهذه مصر انتخبت رئيسها، وهذه سوريا كذلك، أما نحن فنرجع إلى الوراء، ينتخب عنا نواب نعرف كيف صاروا، ولمن خضعوا حتى سادوا …

ومع هذه الحالة السوداء نسمي لبناننا، بلد الإشعاع، ونقول: نحن، ونحن، «وما في الكون غير نحنا»، نحن أبدعنا الحرف، ونحن وزعنا المدنية جرايات على العالمين … وجدُّنا قدموس، قتل التنين، وزرع أنيابه، ففرَّخت علمًا ومعرفة وحضارة … نحن بلد الكلمة، نؤمن بقوتها، فهي فاعلة ومنفعلة، ولا ينقصنا إلا أن نقول: إنها تجسدت وحلَّت فينا!

رويدًا رويدًا يا أصحابي، إنكم ترجعون إلى الوراء. فأنتم أول من وزع الأرزاق في الشرق، حين ثرتم على الإقطاعية، منذ قرن، والآن تعود الإقطاعية إليكم من باب آخر. يأتون من المغرب والمشرق، ويتكئون في مجالسكم، وأنتم تُطردون خارجًا، ومع ذلك تغنون صباح مساء: كلنا للوطن. ووطنكم مسكين لا يشعر أحد بوجوده … ولو كان لهذا الشعب وطن لسأل عنه وغار عليه، ولم يدعه للمغيرين نهبًا مقسمًا.

إننا أشبه حالة بما أشار به معاوية على ابنه يزيد كي يستتب له أمر الخلافة. قال له: خذ أهل الشام بطانتك، وأكرم أهل الحجاز، وإذا سألك أهل العراق عزل والٍ، كل يوم، فاعزله لهم.

ونحن نقول للحكام عندنا: اعتنوا بموسم التفاح ولو بالحكي، وانعشوا الاصطياف، وعِدوا الأمة بمشاريعَ إنشائيةٍ، تنفذ بعد نصف قرن … أو كقانون من أين لك هذا؟ النافذ إلى الأبد، يجدد انتخابكم جميعًا، ولا حاجة إلى دم جديد، ووجوه جديدة، وإن كنا نحبها كما قال معاوية لابنه.

والآن ما زال قدَّامنا سنتان، وما دمنا قادمين على نواب أكثر عددًا، وإني لأرجو أن يكون واحدهم بمليون لا ألف، فلنعدِّل الدستور، ونفتح باب الرئاسة على طول العمر، فيحق، لكل من يشاء، أن يرشح نفسه، ولكن على شرط أن يكون الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي أن ينتخب كل لبناني ولبنانية، الرئيس الأعلى.

طيارة بلا مطار

ما أجمل هذا الاختراع، وما أنفعه لنا في لبنان! فنحن قوم، ننتظر الاستقبالات، والاصطفاف لها على جوانب الطرقات، انتظار الصائم، هلال العيد. ما نسيت أهل ضيعتي، حين كانوا يحملون بواريدهم، ويهبطون إلى الساحل؛ ليلاقوا الباشا …

قرأت أن فخامة الرئيس قد اعتزم أن يجعل سفره إلى الحفلات، التي تجعل تحت رعايته، ويشرفها بحضوره، في مثل تلك الطائرة، حتى يرتاح من أزيز الزفزافات — الموتوسيكلات — وأزيد أنا على ذلك: ومن تلك الزحمات، ومن هز اليد الذي يخلع أمتن الزنود …

لم يقل، لطفًا منه، من سماجة الذين يستقبلون وهم ليسوا في العير ولا في النفير.

وإذا كان ذلك، كذلك، فما أهون إلغاء تلك المزعجات. إنها أهون من رد خاتم ثمين، أُهدي إليه، بمناسبة قران ابنه دوري؛ لأن الهدية لا ترد … فيا صديقنا قبل الرئاسة: كشَّ هؤلاء من دربك، فإنهم يتفرجون على موكبك الضخم، ولا تعلم ما يقولون في قلوبهم، إنهم يكسرون الجرَّة خلفك. أما هم الذين استقبلوا غيرك، وسيستقبلونك ما دمت واقفًا، أما إذا قعدت فلا ترجو شيئًا من ذلك.

قدسية القضاء

هذه الهالة الطوباوية، التي تحف برأس القاضي اليوم، لم تكن موجودة في ذلك الزمان. السلطان وحده كان مقدسًا، وغير مسئول. أما اليوم، فالعصمة لم تبق للبابا وحده، فهي، لكل قاض أيضًا. عليه أن يحكم، وعليك أن تسدَّ بوزك، وكان الله في عونك.

ليس لك أن تناقش بعد لفظ الحكم النافذ، فما كتب قد كتب. فما الحيلة، إذن، حتى نقول للقاضي: لقد ضللك الشهود، وقد تهت في منطقة النفوذ؟

لا أدري لماذا أفلس الحكم عندنا! أنا مؤمن حتى اليقين، بنزاهة قضاتنا، وإذا عجزوا عن لفظ حكم عادل، راحوا يؤجلون، وينتظرون الوقت، وهو فكَّاك المشاكل. يوصونهم ويلحُّون عليهم بإصدار أحكامهم، والضمير يناديهم: لا تحكموا على المساكين؛ لئلا يحكم عليكم قاضي القضاة الجبار، حكمًا أبديًّا. لا تقبلوا الشفاعات؛ لأنكم قادمون على من لا يشفع عنده إلا العمل الصالح.

إن من طبع الحاكمين عندنا أن يمطُّوا ما استطاعوا المطَّ، ولذلك وضعوا قانونًا: من أين لك هذا؟ ساري المفعول، حتى آخر الدهر … بينما بين أيدي القضاة دعاوى من هذا النوع واضحة كالصبح، ومع ذلك يضعون مثل هذا القانون ليلطوا خلفه، ويؤجلون دعاوى محاسيبهم وأنصارهم.

أما كان أحرى، بعد هذه المحاباة والمطامير، أن يقال لمستغلي نفوذهم: من أين لكم هذا الإقدام! القاضي ممثل الله على الأرض، فلا تمدوا أيديكم إلى قوسه. إنه أسمى من قوس قزح، والشعب غير غافل عما تفعلون، فاغمدوا سيف ديموكليس، سيف تحريم مناقشة الأحكام؛ لئلا تظهر المخازي وتنبعث الروائح النتنة.

ليس في هذه الدنيا من هو معصوم من الخطأ، فإذا كان عندكم حب لإصلاح الخطأ، فنحن مستعدون أن ندلكم عليه.

(٥) تظهير لا تطهير

هذا هو عملنا في لبنان. إذا لم يكن لك إلمام بفن التصوير الشمسي، فاسأل أحد المصورين: ماذا يفعل برسم، غير واضح الخطوط؟ إنه يلجأ إلى عقاقير خاصة، تجعل الرسم الغامض بيِّنًا، وهكذا ينقذ الموقف بصورة باهتة.

كذلك هو عملنا في التطهير، فإننا نلجأ إلى الحيل القانونية لرد القذرين إلى سراديبهم التي طارت شهرة لصوصيتهم فيها.

إن سياستنا العليا في لبنان موضوعها: تفاح، دورة استثنائية، اصطياف، تبرئة مجرمين، مؤامرات حول كراسي الحكم، توظيف من ينعمون بصفو خاطرنا.

سألت واحدًا: كيف وصلت إلى هذا الكرسي، ومنو ضهرك!؟ فابتسم وسكت، وكأنه لا يريد أن يبوح بالسر. أما أنا فما سكتُّ ورحت أستدرجه، فقلت: ضهرك محافظ أو مدير.

فقال: كبِّر.

فقلت: نائب. بطرك. مفتي.

فقال: كبِّر ولا تخف.

فكبَّرت وقلت: وزير، رئيس وزارة.

فناس رأسه وقال: كبِّر، وفخِّم، كبِّر كثيرًا.

فقلت: لم يبقَ إلا رئيس الجمهورية، والعهد بصاحب الفخامة، أنه لا يفكر بهذه الصغائر.

فقال: ضهري علمي واستحقاقي.

فقلت: هذه أعجوبة يا أخي، وأنا لا أؤمن بالعجائب!

فقال: سماع يا سيدي، لقد نضحت بزوفى الواسطة المزدوجة، فطهرت وابيضيت، أكثر من الثلج، كما قال داود. ثم أين يجدون مثلي غنمة قرعاء، لا تنطح، ورجلًا، يربط الحمار، حيث يريد صاحبه!

عدد النواب

ترى، هل تكون زيادة عدد النواب غير زيادة عدد: ٤٤ – ٥٥ – ٨٨ – ١٢٠.

هكذا يقولون. كل واحد يقطع حلاوة على قدِّ أضراسه، فالطامحون أكثر من الهم على القلب. أما العلم؛ فهو عند اثنين: واحد لا نراه، وثان كنا نراه، قبل أن استوت السفينة على الجودي، وتوارت الشمس بالحجاب …

وبعد، فماذا تنفع الزيادة بل ما نفع الانتخاب؟ ما زال أجرأ ناخب يجيب من يزوره: أمهلنا حتى نرى اتجاه المالكين سعيدًا … وما زال ذلك، كذلك، فما حاجتنا إلى الانتخاب، وإنفاق أموال المكلف اللبناني، وسفك الدماء؟!

لقد ماتت إقطاعية الأمراء والمشايخ وفرَّخت على كعبها إقطاعية دستورية. أليس لكل نائب حصة في الميزانية!؟ ألا يتداخل النائب في الكبائر والصغائر في منطقته؟ وإذا لم يستجب طلبه، هدَّد الحاكمين بنزع الثقة.

أما أراد تلميذي الطيب، الجريء، إميل البستاني، أن يخفف من حدة هذه السيطرة، ويجعل الحكم على مستوى عال، فكان أن تدهور كجلمود صخر حطَّه السيل من عَلٍ.

لم يكن غير مصيب ذاك الذي سمى هذا الأسلوب في الحكم، لعبة دستورية. فهي لعبة وأي لعبة، ومن الخير أن نجعل عددهم ألفًا؛ ليصير عندنا أولمبياد.

نسمع أن النواب اختلفوا، فنقول: جاءت وجاء بها الله. ولا يمر سواد الليل حتى نسمع أنهم كانوا يصطبحون في أحد المرابع، أو أنهم يغتبقون في أحد البارات، على نغم المثالث والمثاني، وانثناءات الغواني، التي هي أخت رقصة البطن، وتنتهي تلك الجلسة بالقبلات، ويبقى الشعب بلا ظهر ولا بطن. وهل هو في الميزان لتكون له من الميزانية جصة الأسد!

وأخيرًا، نقول بصراحة: إن زيادة عدد النواب تكثير لعدد السماسرة، وهذا موسم، عسى أن يعوِّض اللبنانيين، عن سقوط سعر التفاح، وانسداد باب التصدير …

(٦) الطائفية نسر لقمان

إلى بديع صابر:

في أساطير الأولين، أن لقمان الحكيم، عمَّر كثيرًا، وهناك من يزيد ويؤكد، أن إيليا ما زال حيًّا حتى اليوم، ينتظر مجيء ابن الإنسان … وما اكتفوا لمار إلياس بذلك، فأعدوا له مركبة نارية، ذات حصانين، لم يصفوا لونهما، فطار عليها واختفى خلف الغيوم، تاركًا على الأرض تلميذه إليشاع؛ لينظر إليه كئيبًا وكأنه يقول له: خذني معك في هذه الشحطة …

أما المقتصدون من الرواة فاكتفوا للقمان بطول العمر، وأعدوا لذلك أسطورة طريفة، فقالوا: إنه قيل له: إنه سيعمر عمر سبعة أنسر. وقد لمح إلى ذلك أبو تمام، في معاتبته عياش بن لهيعة، الذي شقَّ طريق المطل لكافور:

قصِّر ببذلك عمر مطلعك تحوِ لي
حمدًا يعمَّر عمر سبعة أنسرِ

أما لقمان، فحتى يحصل على أطول مدة من العمر؛ فقد جاء بسبعة فروخ من النسور وأحاطها بعناية لا حدَّ لها. وكيف لا يفعل، طالما أن حياته مربوطة بحياتها!

وبعد دهور، ماتت الستة، وبقي للقمان واحد، اسمه لُبَد، عمَّرَ حتى ضجَّ، من طول عمره، الأبد، كما قال الشاعر.

أما لقمان، وهو الحكيم، فلم يسأم ولم يضج، بل تمنى لو أن نسره الدهري يخلد، كما خلد النبي إلياس، فالحياة لا تملُّ. ولكن لُبَد، له نفس، فلفظها وأراح لقمان أخيرًا، من تكاليف الحياة، ولن يسأمها كما سئمها زهير …

وقبل أن ندع لُبَد أحب أن أقول لك، يا عزيزي بديع صابر: إن لقمان هو واحد أربعة من المشاهير، الذين قال فيهم شاعرنا العربي:

فصاحة سحبان، وعفَّة يوسف
وحكمة لقمان، وزهد ابن مريمِ
إذا اجتمعت بالمرء والمرء مفلس
ونادوا عليه لا يُباع بدرهمِ

فهل تلوم الناس بعد على جمع المال وتتغضب عليهم؛ لأن شعارهم: تعالَ يا حرَام، ورُحْ يا حَلال!

قد تقول: وما علاقة نسر لقمان بموضوعي الذي كتبت لك عنه؟! فاسمع قليلًا تعلم أن بينها كل العلاقة، ولكني أنا فيما كتبت ألبَدُ من لُبَد، وإنني أتضرَّع إليك وأسألك أن تسايرني هذه المرة، فأنت الذي جئت بالدبِّ إلى كرمك …

إن نسر لقمان مات بعد أطول الأعمار، أما الطائفية فإنها على وشك … وإذا لم نحضر، أنا وأنت، دفنها، فأحفادنا سيقومون بهذا الواجب ويكسبون الأجر العظيم الذي لا يفوتنا بعضه.

لقد أجملت لك وهاك التفصيل. إن الطائفيين، وخصوصًا الذين يعيشون عليها، يتمنون للعهد حياة أبدية؛ لأن حياة لُبد هي الإكسير الذي يطوِّل عمر عزتهم وجبروتهم. وإلا فأي طريق يسلكون حتى يحتلوا قصور العزة والمجد والكرامة. إن الطائفية هي الأوتستراد الذي شققناه نحن قبل أن تفكر به الدول العظمى. من تراه يسأل عن أصحابنا بعد موت لُبد؟ وباسم من يتكلمون؟ وأين يجدون الأيدي المكسورة حتى يشحذوا عليها!

فلولا الطائفية، من ينحني أمامهم، ويقبِّل أياديهم الطاهرة، ويلتمس بركتهم وصلواتهم! ثم إذا ذهبت الطائفية إلى حيث ألقت … أفلا تلغى مناصبهم الإلهية ولا يبقى مدَّعٍ عام يطالب الناس بحق الله سبحانه وتعالي.

من كتابك يلوح لي أنك مثقف، فلا بد إذن من أن تكون قد قرأت حكاية الشيطان والكاهن، التي كتبها جبران بقلمه، وهي من أساطيرنا، وهذه هي:

أنهك الشيطان مرض عضال حتى ذبل قرناه وذنبه وجناحاه فارتمى على الطريق وهو يئنُّ، فمرَّ به كاهن ولم يهمه أمره، وأراد أن يتركه يموت على مهله، فصاح به الشيطان: إلى أين أنت ذاهب؟! تعال اعتنِ بي وداوني، فإذا متُّ أنا، استغنى الناس عن خدماتك.

أخال أنك لبيب، يا بديع، وقد فهمت المعنى. فالطائفية شيطان منظور فوق الأرض، نراه أنت وأنا، يستعين به عدو البشر الذي لم يرَه أحد، ولعله متهم بريء.

لا تحاول أن تقنعني بلزومها وضرورتها، وكيف أقنع وأنا قد رأيت وأرى كل الشر فيها، فهي أم الفتن ومنبع البؤس. قد يكون لا غنى للناس عن التطاحن والتناحر؛ لأن ذلك من طبعهم.

فليفعلوا ما شاءوا، فنحن لا نحاول استئصال الشر من جميع القلوب، فما دام في الدنيا منافع فلا بد من التخاصم والتذابح.

لا تخبرني عن حرائق مصر وحلب والشام بل لا تذكِّرني بها، فأنا أقرأ الجرائد. إن ما حدث هنا وهنالك يحدث مثله كل حين، وهذا كله يزول متى قُضي على جذور الطائفية في نفوسنا. عند إخواننا، الجهاد. وعندنا، الاستشهاد. ومَن من الفريقين قتل لأجل قداسة السماء!

وبعد، فأنا لا أتوجه في ما أكتب إلى إقليم دون آخر، فكلنا في الهوى سوا. وهذه الدعوة موجهة إلى الجميع، ومَن له أذنان للسمع، فليسمع.

يا غيرة الدين! كانوا يستوحون الناس بها يوم كانت الأوطان ضيِّقة النطاق، أما اليوم، أو بعد وقت قريب جدًّا؛ فقد تصبح المسكونة كلها وطنًا واحدًا، ولا يهمُّ البشر إلا الحياة بهدوء وطمأنينة في ظل الكفاف.

هل تظن أن رئيس الولايات المتحدة وملك الجزيرة العربية قد دارت بينهما أحاديث السماء ومَن يرثها؟

إن رائحة النفط التي تملأ خياشيم الكون، قد كانت بخورهم في هيكل البيت الأبيض.

أتظن ابن الرومي قد تحدث عن الإمبراطورية العباسية حين قال:

ولي وطن آليت ألَّا أبيعه
وألَّا أرى غيري له الدهر مالكا

إنه يتحدث عن بيته الذي اغتصبته امرأة، لا عن الوطن. لقد كبر الوطن مع الأيام، ولكن عقول الطائفيين لم تكبر ولن تكبر، وخصوصًا الذين إذا مات «لُبد» يقطع رزقهم …

قال لي صاحب كان — رحمه الله — شاعرًا كبيرًا: تطلب مني أن أتنكر للطائفية وأنا ربيبها! أما على أكتافها صعدت حتى بلغت كرسيَّ العالي؟ ربما كان شغل هذا المنصب غيري لولاها.

أرأيت إذن يا بديع، أن الطائفية مطيَّة من لا مركوب له؟ ويؤلمني أن تظل الوظائف عندنا تعطى كما كانت تُعطى الجرايات في أيام الحرب الأولى. إن كلمة «يا غيرة الدين» يجب أن تفطس وتحل محلها كلمة «يا غيرة الوطن». وإذا لم تصفُ النيات فليس لهذه البقعة حياة.

أخبرني أحد أنسبائي العتاق، وهو من رواد المهاجرين، كيف هفا قلبه حين سمع واحدًا يتكلم العربية عند وصوله إلى البرازيل، فارتمى عليه يقلِّبه ذات اليمين وذات الشمال، ويقبِّله ويهتف: حبيبي! عيوني! وهو لا حبيبه ولا عيونه ولكنه يتكلم لغته. لم يسأله عن دينه ولا عن طائفته، فكل ما عناه، تلك الكلمات التي نطق بها. عرف الغريب أن له مواطنًا ينصره في الشدائد، ويركن إليه إذا خطبٌ عرا.

أنشقى على الأرض وندفع الضرائب لمن يزعم أنه يرشدنا إلى السماء؟ فلنسعد الآن، وحدنا ستين جهنم. ولكن لن يكون لنا من جهنم نصيب إذا تحاببنا، فالمحبة تغفر جميع الذنوب مهما كبرت وعظمت وكثرت.

لقد أطلتُ معك الكلام، فاعذرني لأن هذا الموضوع يملأ تلافيف دماغي كلها، ولا أدري إذا كنت أعيش حتى أرى اسم الطائفية محذوفًا من تذاكر هويَّتنا.

أليس من المؤسف المخجل أننا لا نزال في لبنان نعبِّئ أوراقًا تقسم تلاميذنا طوائفَ، كما كنا في عهد الانتداب … إن تفريقنا طوائف لهو علة العلل، ويكفي أنه لا يرينا إلا وجوهًا لا تتغير. كأن الوظائف لعبة دومنو، الحجارة هي هي، ولا يتغير إلا صفُّها. أو أنها «الزهر» في لعبة الطاولة إذا كانت الدائرة أضيق، ومن طاف زهره ربح الدق، وباعنا بالدشش …

(٧) الشعوب لا تفنى

إلى ك. صليبا، بيروت:

أشكرك على ثنائك العاطر … ولا أنشر كل رسالتك ولا بعضها، ولكني أجاوبك، أما قال جميل بن معمر: لكل خطاب يا بثين جواب.

لا تتعجب من وثبة مصر الجبارة، فتاريخ الأمة خميرة نهضتها، ورجاء وثبتها، والأصل عون، كما يقول أبوك وجدُّك يا كامل.

أرأيت كيف تمشي الكهرباء في الأسلاك؟ كذلك تمشي روح العبقري المفرد في أمته الأصيلة، وهذا هو جمال عبد الناصر. إن تاريخ الشعوب هو تاريخ فرد، فالمجموع لا يفكر، ولكنه يمشي كما تعوَّد، متى دُعي. أما الفرد فهو الذي يشغل عقله، والعقل خلَّاق، فلو لم يكن على رأس مصر هذا الدماغ الكبير، ذو الإرادة الفولاذية، لنامت مصر تحت الضربة.

إن الشعب المصري، على بذاذة سواده الأعظم، شعب عريق أصيل، وضع عباقرته الأوائل أول حجر في بنيان صرح المدنية. ومن يدريك أنه ليس في عروق من يسمونه ابن البلد ملكًا فرعونيًّا عربيًّا. إن الشعوب لا تفنى ولا تموت أبدًا، ولكنها تضحي بنفسها؛ لتحيا هي أو ليحيا غيرها، وهذه مهمة الحياة التي تجدد نفسها بإفناء جنس ما؛ ليقوم جنس أصلح.

فيا عزيزي صليبا:

على الأمم ألَّا تأسف على أمجادها التي ذهبت. إنها لم تذهب، بل هي باقية الجوهر، فانية العرض، وهذا ما يوضحه لنا المثل العامي القائل: عرق الأصل نزَّاز.

أما الفناء والاندثار، فأشبه بتقطير الزهور والكحول. العماشيش تذهب، والخلاصة تبقى. والحضارات ليست من عمل جنس واحد، أو أمة واحدة. فالوحدة الحقيقية هي خلاصة الأجيال والدهور، ولكل جيل فيها عمل حتى عاد وثمود وطسم وجديس. وقد جاء في الآيات الكريمة: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.

إن حبل الكذب قصير، وإن طال، والطمع ما نفع يومًا. فلا تقل: «من كان يظن أن مصر تتلقى هذه الضربات؟» أنسيت يا صاحبي، أن مصر تلقَّت ضربات التوراة السبع وظلَّت مصر؟ والذي أوجد فيها هذه الفتوَّة العنيدة هو واحد، والأمة يرفعها واحد ويحطمها واحد، فلا حرمنا من واحد، ولو في كل قرن.

كثيرًا ما يسمى هذا الواحد خياليًّا حين يطلع، ولكن الشعلة الإلهية، بل العقل الخلَّاق، يتقد فيه فيخلق مدنية جديدة، أو يرفع شعبًا إلى المستوى الأعلى.

أما الذي يهمل عقله ويمشي على الهينة، فهذا لا يصل؛ لأن لا غاية له ولا هدف. فكلما توارى بطل نقول: هل يقوم مثله بعد؟

نعم يا سيدي. لا بد من أن يقوم، فالطبيعة الخصبة لا تهمل نفسها، ولا تريد أن تفنى. وما نحن، في قبضتها الجبارة، إلا سهام ترمي بنا الأهداف، فنصيب؛ لأنه لا بد من البقاء.

دلَّني مكتوبك على أنك أديب مطالع، فهل تذكر «الجرثومة» التي ذكرها أبو تمام في بائيته المشهورة؟ ففي هذه الجرثومة — يا عزيزي — تكمن الشرارة في الأمم العريقة، وقد استيقظت في مصر بشخص عبد الناصر. فاعجب لجندي فاق دهاؤه دهاء الإنكليز، وطغت حماسة شعبه على حماسة الفرنسيين.

فمن لنا بمتنبي جديد يمجد أعمال هذا البطل، ويمحو ما قال المتنبي الخالد في هجو مصر؛ فقد كتبت صفحة جديدة في تاريخ العالم، وكان قلمها سيف عبد الناصر.

ليت المتنبي يقوم من قبره فيرى أن مصر ليست نائمة عن ثعالبها، وناطور مصر الأكبر لم يدعها تعود إلى كرومها ثانية.

فأين شعراؤنا الذين يقولون الشعر كلما لاح لهم وجه جميل؟! ألا يعجبهم وجه البطولة التي أطلَّت من نوافذ كل وجه مصري؟! لقد حان لنا أن نسمع شعر شاعر. فأين فلان وفلان وفلان؟ ترى ألا يعجبنا الموضوع؟! أنظل حائمين على الخدود والسيقان نشتمُّ بإلحاح العطور المصطنعة؟! إن الموضوع أجلُّ مما نتصوَّر، وهذا الحصار لا يقلُّ عن حصار طروادة شأنًا.

لا تخافوا يا أصحابي. فالموضوع يحرِّك الجماد، فشرِّعوا أقلامكم، وتذكَّروا شاعرًا قال أحسن قصائده في مثل هذا الموضوع. إنه ابن هاني، الذي سمُّوه متنبي الغرب، وكلكم تذكرون مطلع تلك القصيدة الرائعة:

فُتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وأمدَّكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعًا
بالنصر من ورق الحديد الأخضرِ

وعنا لأمر ماريشال الشرق جمال عبد الناصر، أما حان أن يكون للشرق ماريشال؟ فهذا هو، ومن يمنح هذا اللقب غير الشعب؟!

تُرى، ألا نقول الشعر إلا لنُعطى؟ فهذا قد أعطى الشرق مجدًا يمكِّننا من القول: عندنا جمال عبد الناصر. لقد استحقت بطولته لقب المنقذ، فامنحوه إياه، ولكم الحق.

دافع المعتصم عن عمورية، فقال له أبو تمام ما قال، وقاتل سيف الدولة عن قلعة الحدث، فقال له المتنبي: وتفتخر الدنيا بكم لا العواصم.

ففكِّروا أنتم ماذا تقولون لهذا الفتى الأسمر، شاعر مجدنا وعزتنا وكرامتنا.

إلى السيد إميل فؤاد الخوري:

افتتحت رسالتك بهذه العبارة: «من مزارع عامل في حقله، قابع في بيته، ناعم في بؤسه، إلى … السيد مارون عبود.»

لله درُّك من مزارع فصيح، بليغ، لا يلفُّ ولا يدور ولا يثرثر. ففي كل عبارة من عباراتك معنى تكمن تحته أشياء.

قلت: إنك مزارع، ومَن أنبل من المزارع؟! ألسنا جميعًا مزارعين يا صاحبي، ألسنا كلنا ننتظر إقبال الموسم لنفرح ونتهلل!

أتذكر عنوان فيلسوف الفريكة أمين الريحاني: بزور للمزارعين؟ لقد زرع كثيرًا وقدَّم للناس بذارًا، ولكنهم أكلوه فماتت الحبة في بطونهم ولم تتغذَّ بها عقولهم …

تسألني بعد الثناء، الذي أشكرك عليه، ولا أتواضع تواضعًا كاذبًا فأقول: إني لا أستحقه. إني أستحقه، وحسبي أنه جاء من مزارع يعرف قيمة البذار، فلا يأكل حبة يرجى أن تغلَّ له مائة.

تقول لي: ولكنني لا أدري لمن تكتب، وعلى من تقرأ زبورك؟ ألمثلي؛ ليلهو عن مصابه بحديث طري يخشخش آلامه؟

أم لضرير يبصر بعينيه ويعثر بعقله؟

أم لحكومة تبقي المشاريع العمرانية عرضة للنزعات الحزبية والأهواء السياسية! تستغل المنافع الخاصة في الأمور العامة، وتضع موازنة الدولة تحت تصرف النواب يتصرفون بها كما يشاءون ويحرمون منها من يكرهون، ويخدمون بها من يحبون ويريدون؟

أم لفئة تحول بين الحق وأهله، دأبها جمع المال والإثراء، ولم يعد عندها للفضيلة من وزن، ولا للعدل من حرمة؟

أم لتلميذك سليم حيدر الذي يقول: كنت أنعم على فراش من حرير يوم كنت تلميذًا، فأصبحت أتقلب على فراش من قتاد يوم صرت أسير السياسة؟

أم تكتب لتلفت مقامًا عاليًا رفيعًا إلى أخطاء ترتكب ويحجب وجهه عنها؟

أنت تكتب لكل هؤلاء ولكنك تكتب لا لتلهو، ولكنهم يقرءون؛ ليتسلوا لا ليدركوا أنك تكتب ناصحًا متألمًا.

أما أنا فأكتب إليك شاكرًا، على رجاء أن يهدي الله من تكتب إليهم لصلاح نفوسهم ولما فيه من صلاح الأمة.

هذا بعض ما تحتوي رسالة مزارع جارة الوادي، وكم أتمنى أن أراه لأقبِّل جبهته وأهزُّ يدًا خلقت للمحراث والقلم.

إننا نكتب يا سيد إميل، لكل هؤلاء، وكما تنتظر أنت انقضاء الشتاء وعواصفه، أنتظر أنا الساعة التي تلبس ثوبًا غزلناه لها، ونسجناه من خيوط قلوبنا … أنا لا أقنط كما لا تقنط أنت، وأنتظر بصبر كما تنتظر والآتي قريب.

لا أقول لأمتي ما قاله فيلسوفنا الغزالي:

غزلت لهم غزلًا دقيقًا ولم أجد
لغزلي نسَّاجًا فكسَّرت مغزلي

لا والله، فلن أكسر المغزل، ولا يضرُّني استخفاف من نكتب لهم، فهؤلاء مثقفون ولكنهم يصيرون أُمِّيين لا يقرءون ما نكتب عندما يجلسون على كراسيهم الرفيعة العماد. إنهم في غمرة الوظيفة وحولهم حَملة المباخر والفراشي. إنهم في سباتٍ أعمقَ من سبات أبينا آدم حين أجرى له الله في مستشفى عدن عملية سحب الضلع … أرأيت أن الله كان أول المبنِّجين؟!

هل ألوم الزمان فأكون كما قال الإمام الشافعي:

نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا

فما دام لبنان كله منافع. مثل زيت الغار، فهيهات أن يطمئن شعبه الكادح. وما دمنا نقول ولا نفعل، ونداجي ونصانع ونكذب، ونتنكر لماضينا، فحريٌّ بنا، لو أنصفنا، أن نصف زماننا بقول الطغرائي:

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخلف بين القول والعمل

تأمَّل يا أخي إميل، أقوالنا وقس عليها أفعالنا، ثم لا تنسَ أن الطغرائي قال لأمته بعدما غادر كرسي الوزارتين. أما قبل أن يصل، وحين وصل، فلم يفكر بشيء من هذا.

إلى الأستاذ بشير الأعور «رئيس لجنة الإدارة والعدلية البرلمانية»:

منذ عشرات السنين، وهذا البلد حقل تجارب كأنه مزرعة … تارة يزداد عدد النواب، وطورًا ينقص، وفي حالتَي الزيادة والنقصان، نحن نحن، لا زيادة ولا نقصان في ثروتنا الاجتماعية. فما زال الكثير من النواب لا يجيئون إلى الجلسات إلا إذا كان لهم مأرب، وكثيرًا ما يظل النصاب مفقودًا، فماذا تجدينا الكثرة؟ ألندفع النقوط وهم يرقصون؟! أيتنزه النائب على حساب المكلف ويعدو مصالحنا وهو وكيلنا المأجور؟! لا أقول: أجيرنا، كما قال أبو العلاء في أمراء عصره.

إن الإخلاص ليس في الكثرة، وما زال الانتخاب يدور في حلقة مفرغة، والأشخاص هم هم، فماذا نرجو من مجلس ننتخبه! فما زلنا نقول حزب فلان وحزب فلان، نظل بعيدين عن الأهداف الإصلاحية وتظل وجهتنا غاياتنا ومصالحنا.

إن إصلاح الجهاز الحكومي لا ينفع، فلو تبنينا أرقى أشكال حكومات العالم، وليس عندنا أشخاص يصلحون لهذا الشكل، فالأمل قليل بفلاحنا. في أي دولة غير دولتنا يصغِّر الموظف عمره حتى يظل قابعًا على كرسيه؟ هل الوظيفة زوجة لا يوافقنا أن نظهر أمامها أننا كبرنا، وأننا نحبو إلى الشيخوخة؟!

في الدنيا يتنحَّى الموظف من عمله من تلقاء ذاته، ويقول: مللت، وأريد أن أستريح من هذه المتاعب. أما نحن فلا نتعب؛ وذاك لأننا لا نعمل، ونحضر ساعة نريد، ونفتح بابنا في وجه أصحاب المصالح ساعة نشاء. فكأننا في بيتنا غير مسئولين. يكونون مزدحمين على بابنا المغلق ونحن نراعي القوانين الصحية في تناول فطورنا … نطحن طعامنا طحنًا.

إن إصلاح الحكومة وصلاحها لا يصلح أحدًا، فالوطن الصالح لا يكون إلا إذا كان هناك شعب صالح. والشعب الصالح الواعي هو الذي يصلح الفاسدين ويقصي المفسدين ويحطم كل ما هو غير صالح. فمحاولتنا إصلاح الحكم والحكام تكون عقيمة إذا لم نهيئ للوطن شعبًا صالحًا وأفرادًا عارفين. إن الشعب الجاهل أبله، وهو دائمًا مدَّاح وممالق ومصانع، وهو أبدًا مع الواقف.

فمن منا يهمه لبنان أكثر من بيته؟ وأي فرق بين حالنا اليوم وبين الحالة في زمن الإقطاع؟! ألا يفكر نوابنا بمن ينوبون عنهم فقط، أي بمن ينتخبونهم، وينظرون إلى المواطن اللبناني الآخر نظرة من لا يعنيه أمره؟ وكم سمعت من يقول له: نائبك فلان لا أنا.

حسن جدًّا أن يعنى النائب بمصلحة منطقته ولكن لا يجوز أن يتنكر لغيرها. وإذا جاءه واحد لبناني فلا يصح أن يقول له: رح إلى نائبك. إن هذا الواحد يدفع لك معاشك مثل الذي تظن أنك تمثِّله، ومتى أوجدنا هذه التفرقة، صار علينا أن نجعل لكل دائرة ميزانية، لها ضرائبها، ولها منافعها كما أن لكل دار منافعَ ومرافقَ …

كانوا فيما مضى يفرضون على كل قضاء مالًا سموه مال الربع المجيدي، وهو مخصص للمنافع العامة. أما اليوم فالشعب كله يدفع بالسواء ضرائب غير مباشرة، وأصحاب النفوذ يتناتشون ما يجمع، يعملون لأنفسهم ويخصُّون أخصاءهم ولا يفكرون بالمحرومين. وإذا كان هناك نائب، ليس على الغرض، قعد مكتوف اليدين ووضعنا العصي في دواليب سيارته، فنضرُّ الجماعة حين نضرُّ هذا الفرد.

ناس الأوطان الأخرى يفكرون برءوسهم وقلوبهم ويعملون مخلصين، أما نحن فنفكر بأعيننا وجيوبنا، وعلى قدر عدد أحبابنا نجعل عدد نوابنا. فما زالت «النار المقدسة» تتلاعب ألسنتها، في موقد الانتخاب، فهذه الطبخة لا يتغير لها لون وطعم. فتأمين حرية الانتخاب وحرمة الناخب وصحة الانتخابات لا يكون إلا إذا تنحى «الزنابر» عن الضغط والصرِّ، والكرِّ والفرِّ؛ لأن الشعب لا يفهم بالصالح غير «غرضه»، وهو لا يفكر إلا بعقل فلان، ويحشد له كل قواه، وهكذا يصل إلى النيابة من يريده فلان وفلان لا من يؤهله صلاحه.

إن الفرد عندنا ما زال مقصرًا في هذا الميدان ولا يعرف قيمة نفسه. إنه غير مثقف لا يعرف أنه لا يعيش حرًّا إلا إذا أبرز من نفسه فرديته المتميزة التي لا يشاركه فيها إنسان ما، وأنه يعيش عبدًا إذا أهمل أمر إبراز شخصيته.

ما زلنا نجر قيود تربيتنا الاجتماعية الأولى، وهي تربطنا بالأسرة والحزبية العمياء الضيقة، فنمشي عميانًا متكلين على من يقودنا. لا يعنينا أن نفكر، فالأب أو الزعيم يفكر عنا. وكيف تصلح الانتخابات ما دمنا بهذه العقلية القاصرة عن إدراك كنه الشئون. يقولون — مثلًا — في أميركا: حزب كذا. ونقول نحن: حزب فلان، وحزب فلان. وأي خير يرجى من فلان إذا كان فلان. قال المسيح: إن من لا ينكر أباه وأمه لا يستحقني. هذا هو لسان حال الوطن.

هناك، في أميركا يتولى الدعاة شرح صفات المرشح ومزاياه، وعلمه وفلسفته السياسية، ورأيه الخاص ونزاهته وتفكيره، أما عندنا فننظر إما إلى غرضنا وغايتنا الشخصية، وإما إلى زَول المرشح وباعه وذراعه أو إلى ثرثرته وعياطه … إن أولئك واثقون من أنفسهم، وبممارستهم هذه الحقوق تعوَّدوا ألا يحيدوا عن الخطة المرسومة. لا يقنعهم إلا البرهان، أما نحن فنمشي ولا نسأل إلى أين.

عندهم ينتخب الغائب في أقاصي الأرض، وعندنا لا ينفع ألف شاهد عدل إذا كان في التذكرة خطأ بنقطة حزف. وقد حصل هذا فعلًا، وكنا جمهورًا نشهد أن هذا الشخص، حامل التذكرة، هو الخوري بولس الحسيني، ومع ذلك لم يسمح له بالاقتراع.

منذ دهور ولبنان يتقلب من يد هالك إلى يد مالك، إلى قبَّاض الأرواح. ومنذ أكثر من قرن ولبنان في قبضة بعض أسر معدودة يتوارثه أحفادهم وأحفاد أحفادهم. تتراوح السيادة بين أفراد كأنها كرة لعبة القدم، والصراع قائم حولها. حقًّا إنها لعبة كرة قدم، فكما لا يحق لغير الفريق المعيَّن أن يتداولها، كذلك لا يحق لغير هؤلاء أن يحلموا بالرئاسات المرموقة، وهكذا أفلسنا؛ لأننا لا نحاول أن نخرج من هذه الحلقة المفرغة … فكأن الذين يلون الأحكام حجارة داما يتلهى بها هذا الوطن في انتخابه.

والغريب أن بعضنا يتحدثون عن سماسرة الانتخاب، وقد كانوا هم سماسرة … يتحدثون عن الضغط على الناخبين، وهم مكبس من الطراز الحديث، يعتصر الماوية حتى من الخشب. يضحكني أن ننسى أنفسنا حين نتكلم أو نكتب.

يقول المثل: المطمورة تكسر السكَّة: فلماذا نجعل حياتنا مطامير أو طوامير! ولماذا لا نقول لفلان ما يقوله الناس عنه حتى يستحي ولا يتصدر المجالس ويملأ النوادي كذبًا ونفاقًا. فلننشر ولا نطمر كالهررة، إن ما تطمره القطط ضرره ضيق النطاق، أما ما نطمره نحن فيضر بنا كمجموع.

عندما صلب ابن الزبير وظل على عوده ثلاثة أيام معروضًا للنظارة مرَّت أمه وقالت كلمتها المشهورة: أما حان لهذا الفارس أن يترجل! وبلغت الكلمة مَنْ صلبه فأمر بإنزاله. والآن، بعدما كثر المطِّ واللتِّ، أما حان لهذا البلد أن يعرف على أي خازوق يجب أن يركب. ولكن شعبنا لن يركب بل يظل مركوبًا … فإلى متى تظل الوظيفة عندنا للاستثمار لا لخدمة الوطن. فكلما ركب كبير جحشًا كبيرًا من جحاش الوظائف اشترى العقارات ورفع أعمدة البنايات. فحكاية الوظائف عندنا كحكاية المرحومة ستي عن الرَّصَد، فإذا ألهمت كلمة السر أخذت كنوزه.

أما رأيي في موضوع الانتخاب؛ فقد قلت الكثير منه والآن فلنلخص: لو جعلنا العدد مائتين، والنار هي هي، فلا رجاء لنا بالحصول على أكلة طيبة. إذا كان العدد قليلًا قد تستطاع محاولة جمع العدد اللازم لاكتمال النصاب، أما متى كثروا فمن يجمعهم؟ فخير لنا أن نكون صارمين مع نواب الشعب؛ ليأكلوا رزقهم حلالًا زلالًا. فالذي يغيب لا يدفع له عن غيابه، وإذا تغيَّب كذا جلسات تلغى نيابته.

إن النيابة أسهل رزقة عندنا؛ فهي لا تحول دون عمل آخر، ومع ذلك كثيرون من نوابنا يغيبون بلا مسوِّغ ويطالبون المأمور الصغير إذا غاب لمرض ولم يكن يخصهم. وعندي أن أول شرط في المرشح يجب أن يكون قد أدى الضرائب والموجبات التي عليه للحكومة، وأن يكون قد دفع أقساط القروض في حينها، وأن يكون يحسن الدفاع عن حقوق الأمة جمعاء، وأن يكون على الأقل متوسط الثقافة، فنحن جمهورية مسقط رأس الجرف! وبلد الإشعاع … وأن ينظر في ثروته الطريفة من أين أتت … وألا يكون ممن حمَّلوا الشعب أحمالًا ثقيلة؛ ليحطَّها عن كاهله. وألا يكون مشجوبًا ولو بريء. وألا يكون ممن استغلوا النفوذ صندوقيًّا، ومحليًّا، ومشاريعيًّا، أي أن يكون نظيفًا شريفًا.

أما تحديد العدد والدائرة، واتخاذ الضمانات لتأمين حرية الانتخاب، فهذه ثانوية. فدزينة منتخبة صالحة تغني عن ألف.

مجلس الشيوخ

قد دعونا وندعو إلى الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي أن ينتخب الشعب بأجمعه — رجالًا ونساء — رئيس الجمهورية. وبهذا يخف الضغط الانتخابي النيابي؛ لأن المعركة الكبرى سيساهم فيها الشعب بجميع طبقاته.

أما مجلس الأعيان، ولا أقول مجلس شيوخ، ولا مأوى عجزة؛ احترامًا لأناس يحلمون بعضويته بعدما نضجوا، وعلمتهم مدرسة الحياة دروسًا عميقة. فإذا كان ولا بد من زيادة عدد أعضاء مجلس النواب فلا بأس بأن يكون ثلث العدد مجلس أعيان؛ ليسهر على مصالح الأمة ويساهم في خدمتها على مستوى عال.

يقولون: إن وجود هذا المجلس يؤخِّر سير الأعمال، ونحن نقول: وهل مجلس النواب إكسبرس! فأدراجه مدافن لقضايا كثيرة.

إن مجلس الأعيان لا غبار عليه، ولكن الغبار كله يكون عليه إذا كان معيَّنًا، فمن يخاف المعركة الانتخابية فليبق بين جدران بيته؛ لأن من لا ينتخب من الشعب لا يمثل الشعب، ولا يحق له أن يتكلم إلا باسم الذي يعينه.

والكنيسة، في فجر وجودها، لم ترَ أصلح من الانتخاب فانتخبوا سبعة رجال؛ لإدارة الشئون وصلَّوا ووضعوا عليهم الأيدي. وعلى خطة الرسل جرت البيعة في انتخاب المتقدمين في الأخوة. سُنة كنسية لم تحد عنها الكنيسة إلا مرة في الزمن القديم؛ إذ أقام البابا قونون قسطنطين، شماس كنيسة سيراكوز على كرسي أنطاكية، دون أن ينتخبه أكليروس هذه الكنيسة. ثم عرف أنه رجل سيئ السيرة، محب للخصام، فقبض عليه بأمر البابا والملك وأودع السجن، ولهذا لم يحصه المؤرخون بين بطاركة أنطاكية.١

وعلى المبايعة — أي الانتخاب — جرت الخلافة الإسلامية وظلت بخير هي والملة حتى كانت بدعة ولاية العهد. فالتعيين في كل حقل من الحقول البرلمانية مخالفة لروح الشارع؛ وهي معرضة دائمًا للخطأ والخطل.

إن الانتخاب — على علاته — لم تتوصل الشعوب إلى أفضلَ منه. فعلينا أن ننتخب «أعياننا» من الرجال الكاملين، وأن نبعد عن هذا المجلس كل من في تاريخه نقطة سوداء فلا يكون بينهم إلا الفاضل.

إن لبنان مشهور بأكلة يسمونها «كبَّة الحيلة» وما التعيين إلا كبة حيلة. المعاش حيلة، ومن احتال عاش، هكذا تقول العوام. أما أن نلجأ إلى التعيين، فهذا افتئات على إرادة الشعب وحيلة لمن يريد أن يأتيه رزقه رغدًا، فيتمتع بالسلطان على الهينة. الانتخاب هو أصح ما يعمل ولا يكون بعده لا قيل ولا قال.

ثم إن مجلس الأعيان هو الفرامل في سيارة المجلس فلا تزلق ولا تتهور ولا تتحطم. فلننتخبه مع النواب؛ لأن السياسة لا تسلم ولا تنجو بدونه.

نحن في بلد الكلمة، وعسى أن يعير المسئولون كلامنا أذنًا صاغية، وإننا نشكر للأستاذ بشير الأعور؛ لأنه أقام وزنًا للشعب الذي استنابه، فعرض قضية الانتخاب وزيادة عدد النواب على الرأي العام، وعسى أن تكون لجنة الإدارة والعدلية التي يرأسها مخيَّرة لا مسيَّرة فلا يذهب التعب باطلًا.

إذا لم نجدد بناء إنسانيتنا، فعبثًا نبني القصور لإقامة العدل؛ فقد كانوا يعدلون في الخيام، ولم تحل دون ذلك تفاهة البنيان. إن الدولة برجالها الصالحين، لا بمعاقلها الحصينة وسجونها المؤشَّبة بالحديد المفولذ.

(٨) تعديل الدستور العشائري

إلى السيد إلياس فرح:

وصلني مكتوبك الكريم … وعليه طابع بيروت، فأنا في جوابي لك كمن يخاطب الجو؛ فقد تكون إلياس فرح، وقد لا تكون، وعلى كلٍّ الفرحُ خير من الحزن.

إن مكتوبك فيه ما فيه من نقاط على الحروف، ولكن الجرأة الأدبية تعوزك كأكثر ناس هذا البلد، يرون الشر ويسكتون عنه ما دام رأسه سالمًا. وما هكذا يا أخي إلياس تُصلح الأوطان.

قلت: أخي، وأنا أعني ما بيني وبينك في الأخوَّة. إنني أنا لا أتنكر بقناع «البربارة» لأشهد المهزلة التي تمثل على مراسحنا، وأنت تريد أن تكون ممثلًا حقًّا لا شخصًا حقيقيًّا. لقد تعبنا من هذا التمثيل، ومن التصفيق لأبطال الرواية … ومن أين يستقيم لنا الأمر إذا لم نصفر عند الاستهجان!

وبعد، فرسالتك أطول من ليل امرئ القيس، ولولا أن صفحات الصياد تضيق عنها لنشرتها بحروفها، ومع ذلك فقد استعنت بأيوب … وقرأتها كلمة كلمة، ولم أخرم منها حرفًا، حتى إنني حاولت أن أستوضح الكلمات التي حاولت أنت طمر آثارها. إنك تعلم من جوابي أنني قرأت هذا المجلد …

تلومني لأنني لم أبدِ رأيًا بمجلس الشيوخ، وقد خيِّل إليَّ من خلال أسطر دفاعك عن هذا المجلس، أنك من الطامعين بكرسي فيه، بل إنك من الموعودين بذلك العرش؛ لتكون في العبِّ في الدهر العتيد …

نعم لا بد للبلاد من حكمة الشيوخ إلى جانب حماسة الشباب، فحكمة الشيوخ هي المقود الذي يخفف من شطط السيارة، ولكن أليس أكثر مَن في الندوة شيوخًا حكماء يدينون بقولنا: حاكمك وربك. هؤلاء ينتخبون ومع ذلك يقادون بخيط قطن، وينتظرون غمزة.

عندما أُعيد الدستور العثماني في أول عهد عبد الحميد، كان لبيروت مبعوث فيه — نائب — يصوِّت دائمًا على أساس هذه الكلمة: أنا من رأي مولانا السلطان. أما خليل غانم، مبعوث بيروت الثاني، فلم يكن يؤمن بغير سلطان فكره ورأيه. ثم كان الحلُّ ففرَّ خليل إلى باريس، وفرَّ مدحت باشا إلى الحجاز؛ حيث مات ولم يمت ذكره.

إنني أخشى أن يكون جميع أعضاء مجلس شيوخنا العتيدين من رأي «مولانا السلطان»، ويظل الشعب في المعصرة حتى يستقطر كل ما في زيتونه من زيت … أنا — راجع مقالي — قلت: إنه إذا كان ولا بد من هذا فليكن المجلس منتخبًا لا معينًا، فالتعيين مؤامرة على إرادة الشعب وحيلة على الوصول من أقرب السبل وأهونها.

لا بأس من إيجاد مجلس شيوخ، ومجلس شباب، ومجلس عجائز، وندوة أوانس وعوانس، إذا كنا قادرين على الدفع، ونحن قادرون إذا قللنا من مطامعنا، ومطامع محاسيبنا وأنصارنا، ووضعنا على الصناديق حرَّاسًا أمناء ساهرين، فلا تشن عليها كل يوم غارة …

أما سمعت بسرقة أمانات قصر العدلية؟ ليتك تعرف ما قال القرآن الكريم في الأمانة، فترتعد فرائصك. إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا. وهل جرَّأ الناس على سرقة الأمانة وغيرها إلا رخاوة الحكم؟!

ولكن قبل أن نخلق مجالسَ جديدةً ونكثر العدد يجب أن نؤمن النصاب! فلنضع قانونًا يوجب على النائب حضور الجلسات — كما يفرضون على الطالب في بعض معاهد الحقوق في السنة الدراسية كذا وكذا ساعات — فإذا كان لا يحضر إلا الجلسة التي فيها مآرب أخرى … يسقط حقه من المعاش الذي يقبضه في آخر الشهر. وأما أن نجرَّهم جرًّا ونسحبهم من الغرف التي يقيلون فيها؛ ليكتمل النصاب، ولا تتعطل لغة الكلام فهذا امتهان لحقوق النيابة وسمو مقامها.

قد تقول: هذا هو نمط المجالس النيابية، وأنا أعجل لك الجواب: مع أننا عريقون في التمثيل النيابي ترانا مقصِّرين عن سوانا، بل عن أسلافنا الذين كانوا في أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ مجلة «أوراق لبنانية» لصاحبها البحاثة، المدقق اللبناني الكبير يوسف إبراهيم يزبك؛ لترى كيف كان الاثنا عشر عضوًا يقفون في وجه ممثل السلطان، وكلمة السلطان كانت تفزع، ثم لا يسألون عما يكون.

لقد ضاق فرنكو باشا المتصرف الثاني بمعارضة الشيخ أسعد بو صعب حتى صار يحمل الفرمان الشاهاني في جيبه، ويخرجه من كيسه المقصَّب، ويأمر بقراءته في الندوة، وحتى إذا بلغ القارئ اسم فرنكو، صاح المتصرف: أسعد صعبي، فهمت أني أنا متصرف جبل لبنان لا أنت! فيجيب الشيخ أسعد بو صعب: ولكنني يا أفندينا أعرف أيضًا نظام جبل لبنان وحقوق شعبه.

ها قد وصلنا إلى تعديل الدستور الذي تسألني رأيي فيه، وكأني أراك تغمز بعينك ظانًّا أنك أحرجتني.

لا يا جنديَّ المجهول! اسمح لي أن أقول لك، قبل الجواب بنعم: في النحو توجد علة، مقام علتين، فتمنع الاسم من الصرف. ومرض القلب، علة تقوم مقام ألف علة. فدستورنا مريض بالقلب، فلنعالجه بالتعديل. أنكون في عهد فخر الدين وغيره لبنانيين لا طائفيين ونعود إلى صميم قلب الطائفية في هذا الزمان! فأين حملة «التطعيم» للاطائفية؟ لقِّحوا الدستور، وإلا فلا شفاء لمريضكم. لقد استحقت الحكومة شكر لبنان على إنقاذها إياه من الجدري، فهل تتضافر السلطات الثلاث وتنقذه من طاعون الطائفية؟

نعم نريد تعديل الدستور، وخنق الطائفية التي تفرض علينا جميع الموظفين حتى المياومين منهم … فمهما عملنا لتصحيح الانتخاب، والطائفية والمادة ستة وستة مكررة موجودتان، فلا رجاء ولا أمل.

يجب أن يعدل الدستور، فما هو كالوصايا العشر مكتوب بإصبع الرب، وليس إنجيلًا أو قرآنًا. إنه من عمل يد غريبة غربية تعرف حاجاتنا ولكن هدفها كان مصلحتها. كانوا يهددون رئيس الجمهورية، إذا لم يخضع لمشيئتهم، بأنه رئيس جمهورية يملك ولا يحكم. فهو رمز البلاد لا أكثر، يذيِّل ما يقرر بتوقيعه، ويلزم قصره منتظرًا المقررات التي تأتيه. أما إذا انقاد مستخزيًا، فيكون صاحب الحول والطول.

إن هذه الأدران في دستورنا لهي وصمة في جبين لبنان الحر، ولا خلاص لنا من هذه القيود إلا إذا عدَّلناه، وحذفنا الطائفية، وجعلنا الانتخاب الرئاسي شعبيًّا. إذ ذاك يكون لنا دستور ديمقراطي. ونفهم أننا لسنا في قبضة يد تقول لنا: شعور رءوسكم محصاة، ولا تسقط واحدة منها بدون إرادة أبيكم … أما إذا ظلَّت الحالة على ما هي، وشعور رءوسنا محصاة، فلا يصح أبدًا أن ينتخب الرئيس غير الشعب؛ نسوانًا ورجالًا، فتكون إذ ذاك خطيئتنا في رقبتنا. وكما سبقنا الشرق كله إلى إعطاء المرأة حق الانتخاب وترشيح نفسها، يجب أن نجعل الترشيح للرئاسة من حقوق الجميع!

يظهر لي، يا أخي إلياس، أنك ماروني وتخاف على حقوق الطائفة من الملل والشعوب، فممَّ تخاف بعد؟! ألم تقرأ في الصحف كلمة بطريرككم؟ فهو يصرِّح: أنه بعد درس عميق اتضح لي أن الدينين واحد، وقد قال من قبل: إذا رأيتم متعصبًا لطائفته فاصفعوه …

قال لي مرة البطرك إلياس: إذا لم أذهب أنا إلى الجامع ويأتي صاحبك مصطفى نجا إلى الكنيسة فلا يصير شيء مما تدعو إليه. فتسميتك ابنك محمد لا تقدم ولا تؤخر ولا تحل القضية.

فتشجع إذن يا أخي إلياس؛ فقد قضي الأمر الذي به تستفتيان، فكم من دول توالت علينا وعشنا في عهودها موفوري العيش، وما كانت تلك الدول إلا إسلامية. المسلمون طيبون يا إلياس، إن دولة لبنان علمانية، والشارع لا ينص على وجوب كينونة الرئيس الأعلى مسيحيًّا، فلماذا لا نتحرر! فلنفرض أنها قناة السويس؛ فقد أُممت وما وقعت السماء على الأرض.

الدستور لم يكتب بإصبع الرب، وهب أنه من شرايع الكنيسة، أما عدَّلوها بعد مرور بضعة عشر قرنًا عليها؟ أما كان جدي الخوري لا يقدِّس إلا على ريق بطنه، ومنذ سنتين حلوا الناموس فصار الكاهن يفطر ويقدِّس، ويتغدَّى ويقدس، ويتعشى ويقدس، ويسهر ويحضر حفلة كوكتيل ويقدس، فهل دستورنا المكرم بهذه القداسة؟! أم هل الطائفية التي ترفع أناسًا على ظهر ناس هي أعظم قدسية!

يا الله ما أغفلنا! أنتمسك ساعة نشاء بالعرف، ونترك الشرع ساعة يلايمنا الترك؟ وما زالت الدويلات — مهما صغرت — بمأمن من الاعتداء على كيانها، فلماذا لا ننتزع القيود الصدئة من دستورنا؟!

أتكلم وكأن في دستورنا مادة تفرض طائفية الرئاسة علينا، مع أنه لا شيء فيه من هذا. فلنتحرر. فلنكب الزيت كبًّا على دولاب الدولة؛ ليدور، فالصلاحيات التي انتهت إلى رئاستنا لم تعد تتفق مع واقعنا، وهي والطائفية أصل البلاء.

أقول لك هذا ولا أبالي، وأقول: إننا في حاجة إلى الدقة العظيمة، في جميع شئوننا، من الميزانية إلى الأوقاف المتروكة تحت رحمة أفراد يعجز أذكى شيطان عن إدراك ما يفعلون. والأمر كان أهون لو كان الاتفاق سائدًا بينهم، إنهم كجميع البشر في خصام دائم، يبغض بعضهم بعضًا، ويكيد بعضهم للبعض الآخر.

مرتا مرتا! أنت مهتمة بأمور كثيرة والمطلوب هو واحد، وذلك المطلوب هو أن نرضي أهلنا، ومحاسيبنا، وأنصارنا ليلتفوا حولنا في الانتخابين: الصغير الكبير … ومتى كانت هذي هي الغاية من النيابة فحضورنا — عند اللزوم — أكثر من كاف.

خمسون عامًا وأكثر قضيتها أنا، يا إلياس، أشهد معاركنا السياسية. فلا خلاص لنا، ولا نماشي الأمم والشعوب، إلا إذا جعلنا دولتنا علمانية فعلًا، لا اسمًا كما نحن اليوم. أعلمانية وطائفية على صعيد واحد!

شهدت دولة بني عثمان وسقوطها، وانتداب الفرنسيين وزواله، والحرب الأولى ومجاعة لبنان فيها، والحرب الثانية، والثالثة لولا قليل، وفي كل هذه السنين، لم يسكت قلمي ولا لساني، ولم أرَ في زمان ما، مثلما رأيت في هذا الزمان، من إثراء لا حدَّ له. ألا نخجل حين نقرأ أن السر أنطوني إيدن يعود بعد اعتزاله الحكم إلى التفتيش عن عمل في مجالس إدارة الشركات؛ ليؤمن مصير حياته! بينا نراهم عندنا يبنون قصورًا، ويمتلكون المزارع! حقًّا؛ إن جماعتنا حكماء يحسبون حساب آخرتهم، ثم فليكن بعد ذلك ما يكون، فمن بعد حمارهم لا ينبت العشب. ولكي نكون منصفين، فمن حق الحكام علينا، أن نقر لهم بازدهار البلاد وتقدمها في أكثر الميادين.

إن كل هذا حسن، والأحسن منه عدل ساعة قبل قيام الساعة … وما سبب هذا التعسف واللامبالاة إلا أولئك الخدَّاعون الكذَّابون الذين يلتفون حول أولياء الأمور فيغشونهم ولا يخلصون لهم النصح. فلنعدل دستورنا، فمن يفكر بطائفته في هذا الزمان فهو قَبَلي جاهلي. ولكن ما الحيلة بمن لا يقرءون، ولا يسمعون ما يقال؛ لأن ليس لهم آذان، وما النفع من الأذنين إذا كان الرجل بعيدًا عن مرمى الكلمة، أو هو يعرف ولا يريد أن يصلح نفسه.

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم

فحنانيكم أيها السادة، فما كنتم تشكون منه أنتم في الأمس ها نحن نشكو منه اليوم. إن شعب لبنان واعٍ ولكنه غير مغامر في السياسة. هو يعرف الصالح، ولكنه لا يجرؤ على التصريح بما عنده. يعرف النائب الأمثل؛ لأنه عايش الانتخاب دهورًا.

فالمسيحي كل شئونه انتخابية، وإذا جرى غير ذلك، وعين البطرك تعيينًا، فذلك جور وشذوذ، ولا قاعدة بدون شواذ. والمسلم شعاره: والأمر شورى بينكم. أما قال بشار، الشاعر الثائر، للخليفة العباسي، يوم كانت الرءوس أرخص من اللفت والفجل:

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
فإن الخوافي قوة للقوادم

لقد انتخب لبناني ما أسعد بو صعب بعد عشرين سنة مرَّت على وفاته، ولما قالوا له: تنتخبه وهو ميت؟! فأجاب: ومن يقاوم المتصرف في مجلس الإدارة غيره؟!

ألا يدلك هذا — يا عزيزي إلياس فرح — على أن اللبناني يفكر تفكيرًا صحيحًا إذا ترك على دينه. هذا من حيث سلامة الانتخاب، ولكننا متى رأينا الذين كانوا سماسرة انتخاب آخر مرة يتناسون ماضيهم، ويهيبون بالمنتخب أن يتحرر من القبض، من تأثير الزعماء، ومن ومن، ويقيمون من أنفسهم مرشدين، فكيف نرجو يقظة هذا الشعب!

في الانتخاب الأخير جاء أحد السماسرة يعرض على واحد من ضيعتنا مبلغًا وهو محتاج إليه للأكل والكسوة؛ لقاء تصويته وتصويت أولاده، فأجابه ذاك القروي بكل إباء: لا تغرك ثيابي، فأنا أبيع كل ما أملك إلا نفسي، فتح عينك، وقل للذي تريد أن تشترينا له: إنه كان مثلنا، وسنصير مثله إذا بقي الصيت الطيب.

إذن لا تخف على اللبناني من شيء إلا الغرض، ومَثَله يقول: صاحب الغرض أعمى. إننا نقول للذين يضعون قوانين تقطع الطريق على من يحولون دون حرية الناخب: الخوف منكم أنتم أيها الوصوليون، ارفعوا أيديكم عنا وما عليكم منا.

وماذا بعد يا عزيزي إلياس؟ نعم، أما السؤال الأخير: وماذا ينفعك هذا الكلام، وماذا ترجو؟ فلو كنت ممن يرجون شيئًا غير الكرامة اللبنانية لطرت إليك على جناح صاروخ سوفياتي لا على جناح الطير، ووافيتك في الموعد المضروب إلى المكان الذي عينته لي في رسالتك. ولكنني في عمري كله ما ساومت أحدًا، ولن أساوم عزرائيل إذا كان لي مناص من قبض روحي … فبلِّغ الذي استسفرك إليَّ، وقل له ما قاله السيد للكتبة والفريسيين: إذا أسكتم هؤلاء الصبيان الصغار نطقت الحجارة.

والسلام عليك، ويا ليتني أعرفك؛ لأحييك يدًا بيد، وأصافحك وجهًا لوجه، وأقول لك كلامًا «تحطه أذنك خرص» كما يقول الموَّال البغدادي، فنحن في زمن صح فيه ما جاء في هذا الموَّال أيضًا: البوم طير الفصاحة والبلابل خرس …

ولكن «الردة» الأخيرة من هذا الموال أيضًا فيها كل التعزية للمتخلِّفين: الدهر دولاب والأيام قلَّابا. فلننتظر والله مع الصابرين.

(٩) على طريق الحياة

قلما نرضى بحقيقتنا فنحاول دائمًا أن نلبس ذواتنا ثيابًا فضفاضة يشعر كل من وقعت عينه علينا أنها ليست لنا. نجرِّر أذيالها لنمجَّد بها في حين أنها لا تكسبنا غير الهزء والسخرية. يعجبنا رجل فنستعير منه مكرمة، ولكن كل من يراها يعلم أنها عارية.

ما نحن إلا موكب يتدافع بالمناكب على طريق الحياة، يقلد بعضنا بعضًا. مشهد طريف، والذي يتأمله يرى أطرف شريط سينمائي متحرِّك، والطرافة فيه أنك قلما ترى واحدًا غير متكلف، فلو فكر كل منا لعلم أن له حقيقة واحدة ليست لأحد سواه، فعبثًا يتقمص غيرها.

فالأخلاق كالنار، والصدور براكين تكظم ما فيها، وإنما إلى حين، فكما تكمن النار في الحجر الصلد، وفي العود الأخضر واليابس على حدٍّ سواء، ولا يبديها إلا الاحتكاك، كذلك أخلاق الرجال، فلا بد من أن تكشف لنا عن وجهها في الوقت المناسب.

قد تكمن النار في قلب الأرض مئات السنين، ولكن لا بد أخيرًا من الانفجار والانقلاب. فتدك الجبال الراسيات دكًّا، وتتهدم القلاع والحصون والقصور والدور. وكذلك الماء، فإنه إذا كان يجري مستترًا في شرايين بعض البقع، فلا بد من أن يدلنا عليه ما ينبت من أعشاب على وجه التربة، فتنبئنا أن هناك خزَّانًا سينبثق إذا نفس عنه ويجرف الأرض.

إن سجايا الإنسان شبيهة بهذين العنصرين الأولين: الماء والنار، فكل حركة من حركاته تنم عليها أفعاله في غفلة منه وتشهد على طويِّته، وإذا حاول سترها، أو كتمانها، فعقله الكامن ما وراء الحدود يلوِّح لنا بها من بعيد. رب كلمة أفلتت من عقالها، فأبدت لنا ما خفي واستتر من أخلاقنا، فظهر للناس جليًّا كالصور على الشاشة البيضاء. إن العوامَّ يعرفون هذا ويمثِّلون له بقولهم: إذا قلت للجوعان أربعة وثلاثة، جاوبك سبعة أرغفة.

ومما يروى من هذا القبيل أن رئيس مجلس نيابي دخل الندوة، وفيه رغبة ملحَّة للقاء صاحبة كان معها على موعد كاد أن يحين، فبدلًا من أن يعطي الإشارة ويقول: ابتدأت الجلسة، قرع الجرس بحدة وقال: انتهت الجلسة.

هكذا تفضحنا حركاتنا اللاشعورية، فتنزلق كلمات تفضحنا ونحن لا نحس ولا نشعر. فكما لا يحجب القفص عيوب الطائر الصغير ومحاسنه، كذلك الصدر فإنه قفص القلب. أما النوافذ فهي في الرأس، عقل يرى ولا يُرى، وعين تتمثَّل، وفم يتكلم، وكل حركة وكل كلمة تصدر منا تبوح بما عندنا من أسرار. فسجايانا — على اختلاف ضروبها — تبدو جلية، ولو أرخينا عليها سدولًا أكثف من سدول ليل امرئ القيس.

فالمرائي إذا ركع وسجد وصلى في صحن المعبد ليله ونهاره، قارعًا صدره كالعجائز، وفي يده مسبحة أطول من حبل الجمال، فلا بد من أن تبوح حركاته بما طبع عليه.

والمداجي الخبيث المكار، مهما رمى على الناس من كلمات معسولة وابتسامات مزورة، ومهما فتَّش عن عبارات حلوة؛ ليعرب لك عن محبته وصدقه ووفائه وإخلاصه، ومهما نثر من درر الكلام السحري، فإن تلك الغمامة التي تجلبب وجهه وتسربل جميع جوارحه، لا بد من أن تكتسحها رياح الحق، فتكذِّبه وتفشي أسراره وتفضح بنات صدره.

وذاك المتعجرف المتظاهر بالتواضع الرصين، وإن سبقك إلى التحية، وأبدع في أساليب الاحتفاء والاعتبار فاتحًا فمه شبرين، راسمًا من ذراعيه حلقة تطوّق جبل صنين وهو ينحني احترامًا لك حتى يكاد يقبِّل الأرض بين يديك، فإن حقيقته لا بد أن تظهر.

وذاك المطرق الرأس خشوعًا وتقوى، والمدَّعي الاعتصام بحبل العفة وطهارة الذيل، لا بد من أن يفشي اختلاسه النظر كل ما عمل على إخفائه وأجهد نفسه في كتمانه.

أما حضرت دعوة حاول صاحبها أن يجمع بها كل ما في سوق بيروت من أطايب المأكولات وأشهى الحلوى، وألذِّ المشروب! كل ما في البيت مرتب نظيف، مقاعد كأنها السرر التي يجلس عليها أهل الجنة متقابلين، فتأكل عنده، وتشرب ما يحلو لك، حتى إنك لا تستطيع أن تشتهي شيئًا، ومع ذلك تقول لأحد رفاقك وأنتما خارجان: أتعرف ماذا كان ينقصنا؟ كانت تنقصنا حقيقة الرجل؛ فقد كان متكلفًا، وكل ما حاول إبداءه من طلاقة محيا كانت تغشاه غمامة غير منظورة.

لقد صدقت يا صاحبي كما صدق المتنبي الذي قال:

وللنفس أخلاق تدل على الفتى
أكان سخاء، ما أتى أو تساخيا

فكل هذا الرياء لا يجدي صاحبه غير تعب ومشقة. وكما تحمل الرياح العطر ناشرة له، هكذا تنشر طوية الإنسان حركاته، فهي تظهر مكنوناته، وتبدي ما استتر من طباعه، وكأنها لسان ناطق يذيع على رءوس الملأ ما دقَّ واختفى من أسراره.

فعبثًا يسعى المحب الذات ليراه الناس مخلصًا للجماعة، وأن يروا فيه رجل تضحية وإحسان، فالوعاء بما فيه ينضح، ومن ادعى بما ليس فيه تجيء ساعة تكذبه فيها أفعاله. وأقلنا عقلًا من يظن أنه يكذب علينا وهو لا يكذب إلا على نفسه.

كان الأجدر به أن يهذبها ويروِّضها على مكارم الأخلاق، فذاك خير له من إفناء الزمان عاملًا على التحلي بأخلاق أفاضل الناس، والفضل منه براء.

إن جهود الإنسان، مهما بذل منها، لا تقوى على إخفاء الحقيقة، ولا تستطيع قوى البشرية جمعاء على إطفاء نورها مهما كان ضئيلًا. فأولى لنا ثم أولى أن نعتصم بكل ما هو حق؛ لأنه أنفع لنا وأجدى من القناطير المقنطرة من الرياء والكذب والنفاق، وقد قال شاعرنا وما أصدق ما قال:

ثوب الرياء يشف عما تحته
فإذا اكتسيت به فإنك عار

فإذا ادعيت الشجاعة، وأنت جبان، يطير قلبك هلعًا وفزعًا عند أول تلويح وإيماء، فلا بد من أن تأتي ساعة يبين فيها جبنك، والذي تحاول إخفاءه عن الناس.

كان لنا — في ذلك الزمان — رفيق مدرسي يطيب له أن يحدثنا دائمًا عن فعاله الجبارة في لقاء الحيَّات، قلما نجت منه حيَّة — كما ادعى — حتى خلنا أنه يقبض على حيَّة موسى كما يقبض على فراشة. من يتمنى أن يلقى حيَّة؟! نحن … كنا نتمنى أن نراها وصاحبنا معنا؛ لنرى ما يكون منه. ظل رفيقنا ذاك لا يدع فرصة تمكنه من الابتهار إلا انقض عليها وصفع آذاننا بقصصه. وكنا ذات يوم نتلقى درسًا، فمررنا على بيت جرير:

لقد زعموا أن الفرزدق حيَّة
وما قتل الحيَّات من أحد قبلي

فقال: فشر، ماذا عمل جرير؟!

فقلت له: جرير يتكلم عن عصره، فربما كان مثلك قتَّال حيات.

فشاع الرضا في وجهه وانبسطت أساريره بعدما تجعَّدت.

وكان يوم الخميس فرحنا إلى التنزه وتوغلنا في غابة، وكان راعينا يصيح بنا في ذلك اليوم الحار: توقوا الحيَّات يا شباب.

وكان رفيقنا البطل يضحك، وأخيرًا قال للراعي: ما عليك يا معلمي، أنا معهم فلا خوف عليهم ولو كانت حية بديع الزمان …

وأعجبت الأستاذ الراعي بديهته وإن لم يصدق قوله.

وشاءت الحقيقة أن تظهر، فانسابت حية بين رجلَي صاحبنا، فتزعزعت أركانه وقفز كالغزال المذعور. وكأنه تذكر ما كان يدعيه فتماسك ووقف قبالة الحية وتركها تمر بسلام، فانسلت. فقلنا: ما بالك واقفًا؟! دونك إياها.

فقال: كنت أفكر من أين أجيئها، وكيف أقبض عليها.

فقلنا: أهي لعبة شطرنج، وهل يكون تقتيل الحيات خططًا حربية؟!

فقال: أنسيتم أننا حفظنا أمس قول المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان.

كثيرون هم المدعون فلو تأملتهم مثلي لرأيت صورًا مضحكة قلما تفوز بمثلها على الشاشة وفي الحكايات التي ترويها لنا الكتب.

وآخر ما قرأته — منذ حين — أنه أُجري في أميركا امتحان لوظائف بوليسية، فتقدم لها كثيرون من الشبان والشجعان، المفتولي السواعد، وكأن لسان حال كل واحد يقول للممتحن: أنا، أنا. فنظر المشرف على ذاك الامتحان إلى شاب منهم وسأله: وكيف شجاعتك أنت؟

– القلب حاضر والزند حديد.

– وأنت مستعد للامتحان؟

– لهذا جئت، فافعل ما تريد.

فقال له: تهيأ. كن مستعدًّا.

ثم غافله وأطلق على برنيطته رصاصة، كما هي العادة المتبعة في مثل ذلك الامتحان، فاخترقتها ولم تمس رأسه بسوء. فتزعزعت أركان ذاك الشاب، ولم يثبت لهذه التجربة، فسقط على الأرض وعينه على حاله ليرى أين استقر.

فضحك الممتحن، واقترب منه يربِّت على كتفه قائلًا له: قم، لا تخف، إنك سالم. هذي طريقتنا في امتحان الشجاعة. اختبرناك فوجدناك لا تصلح. خذ هذي خمسة دولارات ثمن البرنيطة.

فنهض الشاب ومدَّ يده ليقبض وهو يقول للممتحن: كمِّل معروفك، أعطني دولارًا آخر لأنظف بنطلوني وأكويه …

ولو شئت أن أعرض على القارئ النماذج التي شاهدتها وقرأت أخبارها لما فرغت من قص حكاياتها، فلكل ميدان رجال يخدعون أنفسهم ويحاولون أن يجعلوا من ذاتهم أبطالًا حقيقيين وليس هذا بمستطاع.

إن الافتضاح ينتظرهم ولذلك يقولون عندنا: حبل الكذب قصير. وما أكثر الرجال الذين يصح فينا وفيهم قول الشاعر:

سبكناه ونحسبه لجينًا
فأبدى الكِيرُ عن خبث الحديد
١  السمعاني، المكتبة الشرقية. مج١ ص٥٠٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١