غرائب وعجائب

(١) نساء إسرائيل والجندية

وقعت عيني على رسم نسوة يتهيأن لإطلاق النار وتحت الصورة مكتوب ما يلي: إن إسرائيل هي البلد الوحيد في العالم الذي تؤدي فيه المرأة الخدمة العسكرية سنتين على قدم المساواة مع الرجل، ثم تؤدي خدمة الرديف في كل سنة شهرًا حتى سن ٣٤.

فقال لي واحد، كان يشاركني في مطالعة جريدة الحياة: أرأيت! إن نساءنا يؤدين هذه الخدمة في غرفة التواليت؟

قلت: نعم يا سيدي، وهناك يقفن وقفة استراتيجية أمام المرآة، وخرطوشهن أصابع متعددة الألوان، ولكن الأمل بالله أن تتجند نساؤنا حين يتجند رجالنا … يتجندن للحق لا للحيل والغدر، كما يروي لنا كتاب اليهود المقدس. فتلك سارة، يدفعها زوجها، أبونا إبراهيم، إلى فراش فرعون، فأنبأ الله فرعون أن سارة هي زوجة إبراهيم لا أخته، فردَّها له، وجرى حوار طريف بينه وبين إبراهيم الذي خلص بريشه …

وكأن إبراهيم استطيب تلك الصفقة فمثَّل المأساة ثانية عند أبيمالك، ملك جرار، فتداخل الله في القضية حالًا، وأُعيدت سارة إلى إبراهيم، ومعها دوطة ضخمة، من غنم وبقر وعبيد وإماء.

ثم دليلة، وقصتها مشهورة. فهي التي غدرت بزوجها شمشون ونجَّت قومها من بطشه وسلمتهم إياه ذليلًا …

وأستين نجَّت قومها في سبي بابل، وقصتها مشهورة.

وهنالك واحدة أخرى يجهل الكثيرون قصتها وهي يهوديث، احتالت هذه المرأة، البارعة الجمال، على إليفانا، قائد جيش نبوخذنصر، وجعلت نفسها طُعمًا؛ لتفوز بنصرة إسرائيل، فدخلت عليه وقطعت رأسه.

ولو عددت لك الأدوار التي مثلتها المرأة اليهودية في تاريخ إسرائيل لضاق المجال عنها. ولكنني أتعجب من هؤلاء اليهود كيف يطلبون من المرأة خدمة سنتين، مع أن شريعتهم في التوراة تعفي العريس الجديد من الخدمة العسكرية سنتين؛ لينصرف إلى إمتاع زوجته …

وعلى كل نحن نشكر ربنا على أن نساءنا لا يخضن إلا الجبهات المكشوفة، أما الصيد بالداموس فليس من شيم العرب.

فعلى نسائنا أن يحاربن معنا، ولكن بغير سلاح البارود الأخرس … فإذا جاز للرجل أن يقول: الحرب خدعة فلا يسوغ للمرأة أن تخدع نفسها، ولا أن تأكل بثدييها … ومع احترامي للتوراة — ككتاب مقدس — أقول: إن فيها مزالق خطرة جدًّا، كما أني أرى أنه لا يحسن بالمرأة أن تسفك دمًا ولو دم عدو يهودي، ففي هذا خطر على عاطفة الأمومة وحنانها. أليس مجال الخدمة الوطنية واسعًا! فلنوجه المرأة إلى ما يلائمها. فهناك خدمات كثيرة تستطيع أن تؤديها للوطن.

أما نساؤنا فليتهن يقتصدن في زينتهن وهذا كاف، فرجالنا عشرات الملايين.

عندما أرادوا في مصر الفاطمية أن يعترف الخليفة بولاية شجرة الدر، أجابهم ذاك الخليفة: إذا لم يكن عندكم رجل فاكتبوا إلينا حتى نبعث إليكم.

أغنانا الله عن تجنيد نسائنا وألهمنا أن نوحِّد قلوب رجالنا، وذلك أكثر من كاف.

كل يهود العالم لا يبلغ عددهم قدر إقليم عربي، فلا نطمع بالزيادة؛ لئلا نقع في النقصان.

تطويل عمر النيابة

إن زيادة سنة لا تحرز، ومن عادة نوابنا الأجاويد أن يضاعفوا المبلغ، فلماذا قصَّروا هذه المدة؟! ألا يعرفون المثل: من يغير عادته تقل سعادته، وأنا أخشى عليهم أن يحرموا هذه النعمة.

حقًّا إنها مهزلة أن يزيد الواحد لنفسه من كيس غيره، ومتى كانت قضية موظف، لا يطلب إلا أن يشبع من الخبز والزيتون، وأن يكتسي من أرخص القماش، يضيق صدر الميزانية، ويصبح القانون مثل شريعة مادي وفارس.

الناس يعدُّون الأيام ويطلبون وجوهًا جديدة، وأنتم تريدون أن تبقوا في متاريسكم! ألا تبالون بالضوضاء القائمة حولكم؟! ولكن إذا كان الحل والربط في أيديكم فلماذا تحرمون أنفسكم؟

زيدوا في عمركم الآن، وبعد قليل يأتي دور غيركم، فلا تحرمونا أنسكم، فزيارتكم لا تمل. وما دامت الميزانية لا حدود لها، فلا تتركوا هذه النعمة تفلت من أيديكم. الدفتر في أيديكم، فاجعلوا ولايتكم أبدية كمشيخة الصلح في أيام المتصرفية. أما لبنان فليس له أن يقول إلا ما قاله شهيد الجلجلة: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا.

حقًّا إن النيابة قرص عسل بشهده، فهي كما يقول مثلنا: أكل ومرعى وقلة صنعه. ومن يستغرب بعد هذا أن تعد العدة للمعركة العتيدة؟! ولماذا لا يستدين المرشح ليدفع النفقات ويبرطل؛ فهو قادر على الوفاء إن وصل. ثم أليس هو قادمًا على معركة أكبر، تتطاحن فيها الدول؛ شرقية وغربية؟ فشدُّوا حيلكم يا أصحابي وعلى الله الاتكال. وإذا كان ما أذيع عنكم أنها مزحة، فالجواب عليها عند أبي نواس:

تضحكين لاهية
والمحب ينتحب

أما إذا كانت جِدًّا فالجواب عند هذا الشاعر أيضًا:

صار جدًّا ما مزحت به
رب جِدٍّ جرَّه اللَّعِبُ

يظهر أنها جس نبض، إذا قدرتم فلا تقصِّروا، زيدوا معاشكم ثاني مرة، فالشعب بقرة حلوب لا تلبط ولا تنطح، الشعب عاقل لا يهشُّ ولا ينش … رحم الله رجال عهد الإمارة، يوم كانت زيادة ربع قرش تهز الأرض بالطول والعرض.

كثرة الرءوس

تعجب الجاحظ حين قرأ في كتاب أرسطو أنه قد ظهرت حية لها رأسان، فراح يقلب الخبر على جميع وجوهه، ولم يصدق الحكاية، فسأل أعرابيًّا في سوق البصرة، فقال له: إن ذلك صحيح. فقال له: من أي الرأسين تأكل، فأجابه الأعرابي: إنها تتغدى بفم وتتعشى بفم.

فقال الجاحظ: ومن أي جهة الرأسين تمشي؟ فلم يعجز البدوي عن الجواب فقال: إنها تتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل! فتركه الجاحظ وهو يقول: إنه أكذب البرية.

أجل إن كثرة الرءوس على جسم واحد غير ممكنة، وهي لا تؤدي إلى عمل حاسم، وهذه هي حالنا اليوم، في بيوتنا وفي مجتمعنا، فليس لنا رأس واحد يديرنا، ولذلك نمشي كما قال ذلك الأعرابي للجاحظ متقلبين على الرمل … يقول مثلنا: كثرة الطباخين تشيط الطعام. فلماذا لا نختار طباخًا واحدًا؟!

كان لرجل مسيحي بقرة يسرِّحها كل يوم ويقول لها: روحي أنتِ اليوم برعاية القديس الفلاني، وفي المسيحية، لكل يوم، عيد قديس، فكانت البقرة تروح وترجع إلى معلفها. إلى أن كان يوم عيد جميع القديسين، فنزل صاحب البقرة إلى القبو وقلبه ملآن فرحًا، ففكَّ رسن البقرة، وقال لها: أنت اليوم بحراسة جميع القديسين. مع السلامة.

ولكن البقرة راحت وما رجعت.

فهمتم أم نشرح لكم؟ إذا كانوا يقولون: بيت التنتين خرب من سنتين، فما عسانا نقول نحن في البيت الذي فيه عشرة.

نقول: إن الأجنبي مزقنا، فلماذا نتركه يمد يده ويغمس لقمته في صحننا؟!

في أيام الصبا كانت لنا لعبة، كنا ننقسم فيها فوجين، ونغير على بعضنا، وكل فريق يطلب الفوز طبعًا، حتى إذا تفرقنا وانتهت الجولة الأولى صاح زعيم الفوج بصوته الجهوري: يا شباب لموا ريش، فنتسابق جميعًا إلى حيث هو ونوحِّد جبهتنا، فهل من يصيح بدولنا العربية لموا ريش؟!

هذا أوان الشدِّ فاشتدي زِيَم، فلنتكاتف، وإذا تكاتفنا بلغنا المحجة واستلمنا الحجر.

ستنا السيدة

قال لي واحد: أرأيت كيف يفعلون؟ لا يفرغ مركز حتى يملئوه بمن لهم من بنين وأقارب ومحاسيب وأنصار، فكأن لبنان لهم وحدهم.

فقلت له: ولماذا لا تترحم على الحطيئة وتقول مثله:

أطعنا رسول الله مذ كان بيننا
فيا ويلتي ما بالُ دين أبي بكرِ
أيورثها بكرًا إذا مات بعده
وتلك لَعمرُ اللهِ قاصمةُ الظهر

اسمع يا أخي، ونحن النصارى نقول الثلاثة واحد، وفي لبنان الألف واحد. لا تغرك الأسماء والألقاب، فالمديريات وغير المديريات عندنا هي مثل قولنا: سيدة صيدنايا، وسيدة العطايا، وسيدة البوابة، وسيدة حريصا، وسيدة وسيدة، إلخ. أليست كل هذه السيدات سيدة واحدة؟!

وهكذا في لبنان فكل هذه الأسماء؛ كبيرة وصغيرة، مفعولها واحد فما لك ولكل هذه؟! انذر لله إذا كان لك وصول إليه، وإلا فعضَّ على جرحك وانتظر الشفاء.

قصد شيخ طبيبًا يسأله دواء يستطبُّ به فقال له: أشكو قصورًا يا دكتور إذا طلعت درجًا.

فقال له الحكيم: كم بلغت من العمر يا عم؟

فأجاب: خمسة وثمانين.

فقال الطبيب: العمر كله؟! هذا من الخمسة وثمانين.

فقال: وأشكو ضعفًا في نظري.

فأجابه: وهذي من الثمانين.

فقال: والوجع في ظهري، ما سببه؟

فقال الطبيب: من الثمانين يا شيخ.

فقال الشيخ: يظهر أنك حمار في الطب.

فقهقه الطبيب وقال: وهذي أيضًا من الخمسة والثمانين.

فكل بلايانا يا عزيزي من الطائفية. فضحك صاحبي وقال: وأنا لي طائفة.

فقلت له: ولكنك لست ابن الضيعة ولا ابن المنطقة ولا يحتاجون إليك في الانتخابات، ففتش عمن يحتاج إليك، واركب كتفيه، أو تصبَّر حتى يهوِّنها الله علينا وعليك.

(٢) أساليب بالية

لقد ارتقينا، في سلم الحضارة، درجات، ولكن أساليبنا السياسية ما زالت كما كانت. ما زال مجتمعنا يساس بأسلوب المير بشير، أولاده يلون الأحكام أولًا، وثانيًا ذووه الأدنون ثم الأبعدون، ثم المريدون الذين يشدون ظهره، في أوان الشد، إما بمالهم وإما برجالهم. وهكذا ظلَّ السلطان ينتقل من يد إلى يد، من يد بشير المالطي إلى بشير بو طحين. واليوم تغيرت الأسماء فقط.

كان الأمير بشير وأولاده مستولين على مقدرات الشعب اللبناني، يتصرفون في الجبل تصرف المالك في عقاره، ورجال الدين يرفعون أيديهم مباركين الآتي باسم الرب؛ لأن شعارهم: لا سلطة إلا من الله. ويا ويل الشعب متى اتفقت السلطتان؛ المدنية والدينية، فلا ترى في تلك الساعة أثرًا للكفاءات.

كان عدد الموظفين في تلك الأيام مقننًا، أما اليوم فيخشى أن تأتي ساعة نصبح جميعنا موظفين. فكم من بلدة وقرية صار معظم أهلها على الكراسي، وقد نستطيع أن نسمي هذا الزمان زمان الأخوة، والأسر، والمخاتير، وسماسرة الانتخابات. ومن يلوم الشباب إذا قاموا وقعدوا وثاروا حين يرون من هم فوقهم دونهم كفاءة وأقل منهم جدارة؟!

ما أوجه هذه الكلمة التي قالها رئيس جمهورية إندونيسيا: إذا كنت أعيش عيشة الفاقة، وإذا كنت قد نبذت كل أسباب الراحة، وأبعدت عني أصدقائي وأنسبائي؛ فذلك لاعتقادي أن رئاسة الشعوب ما هي منصب ولا تجارة، بل هي خدمة وتضحية.

فهل يذكر المسئولون هذا الكلام؟ هل يفكرون بالشعب ويحسنون توزيع المنافع فلا يكون لهم ولأنصارهم وللائذين بهم كل الجزور، فيأكلون لحمه ويمصمصون عظمه.

ظلَّت قضية زيادة معاشات الموظفين الصغار، رهن البحث، ولا تزال قيد الدرس؛ لأن الميزانية لا تتسع لهم مع أنهم صغار … لا يسمعون من الجالسين على الكراسي إلا «تكرم عيونكم» سنرى الميزانية … وكيف تتسع الميزانية لهؤلاء إذا كان موظف كبير يتقاضى شهريًّا كما يلي:

٩٢٠٠ ليرة المجموع شهريًّا.
١٤٠٠ ليرة من إحدى الوزارات.
١٢٠٠ من إحدى اللجان التخمينية.
٢٤٠٠ من مصرف سوريا ولبنان.
١٨٠٠ إكراميات عن تنظيم الموازنة وتحضيرها.
٢٤٠٠ من إدارة الهاتف.

يا بارك الله! هذه هي العدالة الاجتماعية، وعيشوا يا أهل لبنان. والله لا أعرف من هو هذا الرجل ولا يهمني أن أعرف. قرأت هذا في الصحف، وما زلت أنتظر ما سيكون، بعد النظر في أمر هذه التعويضات الجبارة. وهل يكون التعويض في غير لبناننا أضعاف أضعاف المعاش الأساسي.

هذا هو الوجدان السياسي الذي تدار به الشعوب، أيشتهي موظف لبيب لقمة الخبز ولا يجدها إلا بالكد، بينما يغرق غيره لأذنيه ويعوم في بحر من الجرايات.

كلما داويت جرحًا سال جرح. النواطير مشغولون بسياسة المنطقة، بوضع مخطط الانتخابات وتأمين الغد لمن يرتعون بظلهم.

إن زيادة ضئيلة لموظفين مظلومين تقتضي الدرس أكثر من عام، وكل نائب يقطع حلاوة على قدِّ أضراسه، والمساكين المحرومون ينامون على الريق …

منذ أعوام، في جلسة واحدة، قرر أعضاء المجلس النيابي بالإجماع زيادة معاشهم مائة بالمائة، وقد قلنا لأحد المعارضين المنادين بالإصلاح: أبهذه السرعة توافق وأنت المرجَّى؟! فأجاب: أتريد أن أعيش عيش المقل، وغيري ينعم بميزانية الدولة؟!

(٣) ثلاثة أيتام

في لبنان ثلاثة أيتام بؤساء مساكين: الحق العام، والميزانية، والأوقاف.

أوجد المشترع الحق العام، محافظة على طمأنينة المجتمع وسلامته من الفوضى. ومن اسمه نعرف أنه حق عام لا يجوز أن يمس. أما عندنا، فأهون مصيبة، هي أن تقع بين أنياب الحق العام، إذا كان لك منقذ.

فالحق العام أوجده المشترع، في الدول ليصون السلم ويحسم النزاع، ولذلك أقاموا له وكيلًا، حتى إذا ما ضاع الحق، ولم يكن وراءه طالب، قام ذلك الوكيل بالتفتيش عنه بلا هوادة، أما عندنا فنعمل بالمثل القائل: الفاخوري يدير أذن الجرة كما يشاء، ولا يقول له أحد ما أحلى الكحل في عينيك، ولهذا كثرت جرائم السرقات والاختلاسات والتزويرات والجنايات، وسبب ذلك أن الذي له واسطة، وظهره قوي، لا يفوز منه الحق العام بطائل.

هذه كلمة مجملة نقولها وإننا إلى التفصيل عائدون بعد انقضاء المشهد الأخير من هذه المأساة الفاجعة، وسنسمي وسطاء الخير بأسمائهم، وإن كان الكلام لا ينفع؛ لأننا نخاطب طرشان، ولكن السكوت عن هضم الحقوق جريمة.

إننا نستصرخ ضمائر مصقعة، وقلوبًا مجلَّدة؛ لأن شعارنا بعد هذا الانحطاط الوجداني: الحكي لا يرخّص بضاعة. ولكن الحقوق تصرخ نحو أصحابها وإن لم تجد من يسمع. فلو كان «للجوارير» وجدان لثارت وتظاهرت في الشوارع؛ فقد ضاقت بالفضائح القذرة، وانبعثت منها روائح، دونها قاذورات البواليع الغاصة بالنتانة.

أجل لو عقلت «الجوارير» لملأت الدنيا صياحًا وأزعجت لبنان؛ لأننا لا نعطي الحق العام ربع شعرة من ذنب الجمل، والمثل يتحدث عن أذن الجمل في المآزق الخطيرة.

إن الجوارير ستثور وتكون ثورتها عظيمة، فلا خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم ويعلن، والآتي قريب. ولا يكون ذلك إلا عندما يطفح الكيل، فلنحسب حساب ثورة الجوارير ويقظة الشعب.

فلو حُصِّلت السرقات الملايينية التي تميتها أحكام الحق العام لكانت الناس في نعيم، وما احتاجت الدولة إلى تسويف المأمورين المظلومين. ترى ألا تقول لهم هذه الأحكام الغريبة، العجيبة: زيدوا لأنفسكم، أي اسرقوا، وانتظروا البراءة بعد حين إذا افتضحتم أو اعتزمتم، فعند البهلوان دواء لكل داء …

أما اليتيم الثاني؛ فهو الميزانية، التي يصح فيها قول المسيح: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا. كنا نقول: هنيئًا لمن له مرقد عنزة في لبنان، واليوم يصح لبعض أسر، ولكل لبناني منظور أن يقول: هنيئًا لمن له مغرز إبرة في الميزانية. إننا لا ننكر أن في البلاد مشاريع عمرانية، وأن الجبال تزنرت بالطرقات، والأرض العطشى شرب بعضها، وسيشرب البعض الباقي، وأن المعاول تغني في كواهل القمم، وتشق أكباد السهول، ولكننا لو سهرنا على كل ما ينفق، ووضعنا القرش موضعه لكان لبنان جنة الله في أرضه. لقد انفتح عندنا بابان في الشهر الماضي دونهما باب جهنم: الحكم على سارق مزور، وإعلامنا كيف يحتالون عندنا على التهام الميزانية باسم التعويضات والإعانات، وكلاهما وصمة عار في جبين دولتنا الناشئة.

كانوا في العهد التركي يعزلون شيخ الصلح المنتخب إذا ثبت أنه طمع بعشرين بارة، أي نصف قرش، من مال المكلف الذي يجبى من الفلاح، ويطرد ذاك الشيخ مؤبدًا، أما في هذه الأيام فإنهم يبتلعون الصناديق الحديدية ويهضمونها ثم يعودون ليفتشوا عن غيرها …

ذكر المرحوم محمد كرد علي في مذكراته أن لبنانيًّا محكومًا بجريمة سرقة وصل إلى الوزارة في لبنان، فلو دققنا لرأينا نماذجَ شتى من هؤلاء يتربعون على الكراسي.

قرأت مرة أن أحد المرشحين للنيابة جعل شعاره المكنسة، فكان ذلك أكبر دعاية له عند الناخبين وفاز. فهل من مرشح عندنا يتخذ هذا الشعار؟! إن مكانس هذه الأيام لا تتعب ولا تتعب؛ لأن الكهرباء تديرها … فهل من يسلطها على مال الميزانية السائب فنرى أن نصفه ينفق في غير محله؟!

إن الميزانية عندنا يصح فيها قول المثل: بقر الدير ورزق الدير … فكأنها ملك يمين من يُولَّى عليها لأجل صيانتها فيكون راعيها حراميها.

أما اليتيم الثالث، وهو أشقى الثلاثة، فهي الأوقاف التي ذابت بين أيدي القيّمين عليها، وإذا كانت الميزانية تطير من باب شرقي فالأوقاف طارت من الجهات الست. فكل مولًّى عليها، إلا نفرًا قليلًا من البقية الباقية من أصحاب الضمائر الحية، يبيع، يرهن، وينفق بلا حساب. وسرية حساب الأوقاف عندنا، نحن أتباع رومية، مثل سرية المصارف، فالولي مقدس غير مسئول، وقلما يخرج رئيس أبرشية ورئيس كرسي أو رئيس دير دون أن يبيع أحسن عقار، ويستدين المبالغ الطائلة، أو ينفق ما ادخره الوليُّ السابق؛ ليتفرعن ويتبغدد.

كان الوقف للفقراء فصار للأغنياء، وكان لعمل البر والإحسان فصار للأهل والجيران … وكان للتقشف فصار للبذخ والتنعم، وأصحاب هذا الحق لا يصرخون.

أعرف ديورة وكراسي باعت الكثير مما تملك، ولماذا؟ لا أدري ولا المنجم يدري. يكون في الدير بضعة أفراد، وهو يملك قرية، أو قرى يعيش في غلتها مئات الشركاء وعيالهم، بينما الأفراد، وهم جمع قلة، لا تكفيهم حصتهم من تلك الغلال وهي النصف. وهكذا نظل نرى الدير رازحًا تحت أثقال الديون ولا بد في النهاية من البيع.

في ذلك الزمان جاء ديورتنا موفد روماني؛ ليدرس عن قرب الحياة الرهبانية عندنا، فرحب به الرئيس العام وجمهوره، وبعد نصف ساعة قرع جرس صلاة المساء، فقال الرئيس العام للزائر الرسولي: تفضل. فنهض ومشى وهو يظن أنه مدعو إلى العشاء. فإذا به يدخل الكنيسة، ودامت الصلاة ساعة زمان. ثم هوَّنها الله وانتهت فذهبوا إلى المائدة، فجلس، وقدمت له طبخة الديورة التقليدية في ذلك الزمان «المخلوطة» ومعها الخبز اليابس، فانتظر المسكين كيف يأكل الرهبان أرغفتهم التي تصلح دفوفًا، فطحنوها وفتَّتوها، واستلوا الملاعق، فاضطر أن يجاريهم ولكنه قصَّر عنهم في ذلك الميدان، فقام غير شبعان. انتظر الفرج. فعادوا به إلى الصلاة، ولكنها كانت نقرة، ثم صعدوا إلى القاعة، وما استراحوا قليلًا حتى قرع ناقوس صلاة الستار، فدعي حضرته إلى النهوض ومشى إلى الصلاة يجر نفسه جرًّا. وانتهت المعركة الصارخة فقرع جرس النوم ونام، وبعد ثلاث ساعات قرع بابه فأفاق، وبشَّره الرئيس بالقيام إلى صلاة الليل فلبَّى مكرهًا. وصلاة الليل طويلة أربع «قومات» فانتهت بعد جهد طويل وما نام ساعتين ثلاثة حتى قرع جرس صلاة الصبح، فطار عقله عندما قرع بابه، ثم جاء دور القداس ثم الزياح، فصلاة النهار، فلم يستطع الصبر على الصلاة وخشونة الأكل، فقال للرئيس العام: أهذا هو أسلوب عيشتكم؟!

فأجابه: نحن لا نأكل اللحم ولا نلبس القماش الناعم، نحن، يا صاحب النيافة، زهَّاد لا عمل لنا إلا تأدية واجبنا والسهر على أبناء رعيتنا، فحيث توجد قرية بلا كاهن نذهب إليها ونعود إلى مقرِّنا لننام في ديرنا.

– وأنا ماذا جئت أفحص؟ إن طرقكم لا تفحص، وهنيئًا لمن يقدر أن يعيش عيشتكم.

فقال الرئيس: قد يكون ضايقك أكلنا الخشن. غدًا نذبح لك ديكًا. ونقلي لك البيض، ونسقيك الخمر المعتقة.

فقال الزائر: لا يصح أن آكل على مائدتكم غير ما تأكلون، ولكني سأقصر أيامي عندكم. قل لي دخلكم من أين؟

– من الأرض يا صاحب النيافة، فنحن نسَّاك عمال، نغرس ونفلح، ونزرع ونحصد. الراهب اللبناني فلاح قانوني، والشعب فلاح علماني، الدير، بدعاك بألف خير.

– وهل يفيض عنكم شيء؟

– الكثير، والعقارات في ازدياد مستمر.

– إذن ماذا أقول لرومية؟

– خبِّر عما رأيت، فهذه حقيقتنا. ولكني أحس أن عدوى الترف تتسرب إلينا شيئًا فشيئًا، فصلوا لأجلنا؛ حتى نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا وأموال الفقراء التي نسميها وقفًا. فالدير بيت الجميع وخصوصًا المحتاجين.

فأجاب الزائر: نحن محتاجون إلى صلواتكم. ومتى كانت الصلاة مقرونة بالعمل الصالح ففيها كل خير وبركة.

تلك كانت حالة الديورة وأوقافها، أما اليوم، فحالة الكراسي والديورة كما يعرفها كل قارئ، ولا نزيد على هذا شيئًا. ولعل هذي هي حالتنا روحيًّا ومدنيًّا، وقد قال فيها منذ قرنين االشاعر الخوري نيقولاوس الصائغ:

كثر العثار بعثرة الرؤساء
وغوى الصغار بغرة الكبراء
فإذا رأيت الرأس وهو مهشمٌ
أيقنت منه تهشم الأعضاء

(٤) من أفواه الصبيان

أعمدة وزجاج

لقد بحثت عن الله في جميع الكنائس فلم أجد غير أعمدة ضخمة وزجاج ملون.

هذا ما قالته البنية الصغيرة، مينو دوريه، قبل أن تسلِّم على قداسة البابا. ومينو دوريه، فتاة حيَّرت عبقريتها المبكرة عقول أدباء الغرب ونقاده ومفكريه. ففي العام الثامن كان لهذه البنيَّة ديوان مطبوع وشعره جيِّد كما يقولون.

إن كلمة هذه البنت الصغيرة لهي أكبر جدًّا من ديوانها، وإذا أُعجب غيري بشعرها فأنا أشد إعجابًا بكلمتها في حضرة الحبر الأعظم المعصوم. فيا لجرأة الطفولة ويا لعظمتها! فلو صرت راهبة، يا مينو، لطوبوك في الحياة، لا بعد الموت كما هي العادة، وأُحيط رأسك بهالة الطوباويين النورانية.

ما أكبرها كلمة خرجت من فمك البريء! ولعل المسيح كان قاعدًا على لسانك أو هو الذي أرسلك إلى نائبه على الأرض لتصارحيه بهذه الحقيقة.

من سيماء وجهك الذي رأيت رسمه في الصحف صدقت أنك قلت كلمتك للأب الأقدس. يظهر أن قداسته لم يسمعها؛ لأنه في الثمانين، والثمانون قد تحوج الأذن إلى ترجمان.

وإذا كنت لا تزالين تفتشين عن الله ولا تجدينه فأنا أدلك عليه. فتشي عنه يا فتاتي في العراء. فتشي عنه بين الأشجار المنتصبة دائمًا في هيكله الأعظم، هيكل الطبيعة. اسألي الشجرة صديقتك، وليكن الإنجيل دليلك؛ فهو يرشدك إلى مكانه. أما هذه الهياكل الجبارة التي مررت بها فقد شيِّدت باسمه وهي ليست له.

في الأكواخ تجدينه يا ذكية؛ فهو الذي قال، وحاشاه أن لا يصدق: ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه.

والله، يا بنتي، لو عاد بعد غيبته الطويلة لاستغرب هذه الصروح أكثر منك. إنها بنيت للإنسان، لا لابن الإنسان الزاهد.

أما الزجاج الملَّون فهو رمز لبشرية اليوم المتعددة الألوان. كل شيء صار من زجاج، ويا ليت هذا الزجاج يضيء.

إننا نرجو منك خيرًا جزيلًا متى كبرت، فلا تغيري فكرك بالأعمدة الضخمة والزجاج الملون …

المرفع

قال لي واحد من أصحابي: صرنا نسمع بالمرفع ولا نراه، فكيف راح؟ هات خبرنا عن المرافع في أيامكم.

فأجبته: نحن كان لنا مرفع في السنة، أما أنتم فكل أيامكم مرافع. قل لي أية ليلة تمر ولا يكون لك فيها مرفع كبير … فتشرب وتأكل وترفع كل شيء، ثم تحتاج إلى من يأخذ بيدك؛ لتعود إلى بيتك سالمًا.

كان المرفع في عهدنا عيدًا قرويًّا أسبوعيًّا، فتخلع القرية ثوب وقارها وسكونها، فلا تسمع إلا أغاني، وقرع طبول، ونقر دفوف. كان المرفع هو الوقت الأنسب للزواج، ويا ويل من يتزوج في المرفع، فالقرية كلها تحتل بيته، ولا ينتهي أجل الاحتلال إلا مساء الأحد عند نصف الليل.

وكانوا يحتاطون للديوك يوم كانوا يصومون، ليحولوا دون صياحها؛ لأن نصف ليل الأحد هو بدء الصوم. وإذا عجزوا عن تزويج شاب ليفرحوا بعرسه ويتهللوا كانوا ينتقون واحدًا ليجعلوا منه «عريس كدِّيب» ويطوفون به في القرية كأنه عريس حقًّا … وعند منتصف الليل يعودون به بزفَّة مجنونة إلى بيته.

أسبوع المرفع هو عند النصارى تذكار الموتى، ولكن تقبر الموتى، فمن يتذكرهم بعد، ولهذا قال جدي لأمي، وكان يحب السجع: كانت جمعة الموتى، فصارت جمعة الخوتا؛ لأنهم كانوا يتشاجرون فيها ويتقاتلون، وخصوصًا يوم الخميس الذي يسمونه خميس السكارى.

ولكن جرح الضيعة سليم، والصلح عند أهلها سيد الأحكام.

أما حسنة جمعة المرفع التي لا أنساها فهي هذه: كنا يوم أحد المرفع نخرج من القداس وتمشي الضيعة كلها معنا، فنزور البيوت جميعًا، وكلنا معًا، ونظل طول النهار ننتقل من بيت إلى بيت، وفي كل بيت نملأ قليلًا من الفراغ؛ لأن من لم نأكل عنده شيئًا لا يغتفرها لنا.

ونختم هذه الزيارة الرعائية في آخر بيت، وهكذا نزيل الأحقاد والضغائن ويعود السلام إلى القرية.

هذا هو التقليد المحلي الذي ذهب مع تقاليدنا الحسنة الجميلة، وبهذه الوسيلة لا يعصي علينا مصالحة خصمين مهما كانت خصومتهما شديدة.

أذكر أن امرأة، مخَّها يابس، لم ترد أن تستقبل خصمها في ذلك اليوم، فقال لها شيخ السن الذي كان معنا: يا مره، أنت رايحة عاجهنم بثيابك، تعالي صالحي خصمك، وإلا فما نفع صومك وصلاتك! فلم تحتج إلى أكثر من هاتيك الكلمة، فتقدمت منه ترحب به وزغردت لنا وتمَّ فرحنا.

إن القرية خصوصًا فقدت كثيرًا من لونها، فاليوم كل واحد يقعد ببيته، وحسبه أنه عنده ما يأكله وليمت جاره … بينما كان المقل يحصل على كل شيء في جمعة المرفع، كنا نقاسمه حتى اللقمة.

الروك أند رول

قرأت أن الجيش الأميركي رفض أن يدعى هذا العفريت راقص الروك أند رول — ألفيس بريسلي — للخدمة العسكرية؛ لأنه لا يصلح إلا لإهاجة المراهقين والمراهقات.

إنهم حرموه شرف خدمة العلَم، ولو حصل هذا عندنا لأغنى الكثيرين منا عن التماس الشهادات الكاذبة التي تعفيهم من هذه الخدمة.

أجل إننا نضحك في عبِّنا إذا تملصنا منها، أما هم فهذا الحرمان عندهم، يشين من يحرم منه وهو اعتراف صريح بانهيار أخلاقه.

غريبة هي أحكام هؤلاء الناس، وإن كانت بسيطة في ظاهرها، فهي عميقة الغور. قرأت أن لصًّا أعيا الحكومة عندهم، فلا تنقضي مدة حبسه حتى يسرق سرقة أكبر، ويستأنف المحبوسية، وأخيرًا نقب مصرفًا يوم أحد وذهب بكل ما في الصندوق، فقبض عليه واقتيد إلى المحكمة، وانتظر الناس الحكم المؤبد، ولكن القاضي حكم عليه بيوم حبس، وقد علل الحكم هكذا: بما أنه تعاطى «عمله» يوم الأحد، وهذا ممنوع؛ لأن قانون البلاد يحظر العمل في هذا النهار، ويعاقب عليه بحبس يوم.

يقال: إن هذا الحكم كان أفعل من الحبس سنين، وتاب الرجل، فهل يتوب مثله صاحب الروك أند رول.

لبنان فكرة

كثيرًا ما أقرأ هذه العبارة وغالبًا ما يتبعونها بقولهم: ولولا ذلك لا مبرر لوجوده — أصحيح هذا؟ وإن كان ذلك كذلك فمن دافع عنه، عبر العصور، حتى بقي إلى اليوم! أظن ظنًّا يشبه اليقين أن هذه الفكرة هي التي تقعدنا وتحول دون الجندية الإجبارية عندنا. ففخر الدين لم يحارب بالفكر ولا بالإشعاع، وكذلك أمراء المردة، وبشير الشهابي. إنها حجة الرعاديد، فخطيئة الفكر هي أخف الخطايا ثقلًا، ومبدأ الفكر ورسالته لا تحمي الحدود، فلنعد عن هذا إذا شئنا أن نحميها، ولنعمل بقول مثلنا: حطّ رأسك بين الرءوس ونادِ يا قطَّاع الرءوس.

أما أن تكون قنبلتنا «لبنان فكرة» وصاروخنا لبنان إشعاع، فسوف تأتي ساعة نفتش فيها عن لبنان ولا نجده.

دعونا أيها الأدباء من هذا الغرور والخداع؛ فقد أحبطتم عزم الرجال حتى كره شبابنا الدفاع. لا أحد في هذه الدنيا يحمي أحدًا إلا لمآربَ، ومتى قضى غرضه ترك الدار تنعي من بناها، فإذا شئتم أن يكون لكم وطن تعيشون فيه، فدعوا الفكر جانبًا، وإلى العمل الملموس.

الرملة السوداء

إذا كانت سوداء، وهذا بتعهم، فكيف لو كانت بيضاء؟! إن هذه الحيل الجهنمية قد تعلمناها جديدًا، والمادة تعمي عيوننا؛ كبارًا وصغارًا.

في ذلك الزمان كانت جريدة المقطم، لسان حال الإنكليز في مصر، وأرادوا مكافأتها دون أن يمدُّوا أيديهم إلى كيسهم، فقالوا لشاهين مكاريوس: رح اشتر أرضًا في المكان الفلاني، أنفق كل ما تملك في شراء هاتيك الأرض اليباب. ففعل شاهين، وبعد حين كان مشروع سد أسوان، واغتنى مكاريوس.

أما عندنا فلم أفهم سر طبخة الرملة السوداء، ومن هو ذاك الإنكليزي الفحل الذي أوحى بعقد نكاح تلك العبدة، ولكنني أظن أنها أشبه بهاتيك. السر ربح الفلوس.

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تنوعت الأسباب والموت واحد

كنا نقول: الله لا يسوِّد لك قلبًا، أما اليوم فيا مرحبًا بالسواد، فالسواد مغلال. كان ولا يزال، فكلوا واشربوا حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولكنكم لا تشبعون …

الحوت الذي جاءنا

عجبت للذين تزاحموا على رؤية حوت، بزقه البحر على شطنا. ترى، أفات هؤلاء الذين يلتقون كل ساعة بحيتان اليابسة؟ ولكن ريحة حوت البحر قد فاحت، أما «النقود» التي يتغذَّى بها حيتاننا، فلا رائحة لها. وقد أدرك ذلك أبو العتاهية فقال:

أحسن الله بنا
أن الخطايا لا تفوح

(٥) القرود تصور

حقًّا إن أميركا هي بلاد العجائب والغرائب، فلم تنتهِ مشكلة الأميركان مع العبيد السود حتى نبتت لهم مشكلة مع القرود، فهذه القردة «بيتسي» التي رسمت لوحات زيتية تجريدية تثير الأوساط الفنية الأميركية، فيبرق الفنان الكبير شارلي موديكي ويهدد بسحب لوحاته من المعرض الذي تقيمه جامعه كاليفورنيا في ٢٩ حزيران القادم، إذا أصرَّت إدارة المعرض على عرض لوحات القردة بيتسي. وهذا نص برقيته، نقلًا عن جريدة الحياة، التي جاءها النبأ من بييركلي في الولايات المتحدة:

إننا لا نسمح لقردة بأن تجعلنا قرودًا. فإما موديكي أو بيتسي وعليكم أن تختاروا حالًا.

كان الإنسان يزدهي على ذوات الأربع ويفتخر أنه يمشي على رجلين ثنتين. كان يميز نفسه، أولًا، بأنه حيوان ناطق، ثم رأى الببغاء تنطق فعدل عن هذا التعبير. الحمد لله على أنه لم يقل الإنسان حيوان مصور، وهو لو فعل لاضطر إلى تحديد جديد يميز نفسه به من أخيه الحيوان، ولكن هيهات … لأنه حيوان أرقى من إخوته المتخلفين ليس أكثر.

عندما كنت صبيًّا قرأت في مجلة المقتطف خبر الحصان الذي يحسب، فأسرعت أبشِّر جدي، فكان الجواب: رح من وجهي، وهزَّ العصا، فهربت.

أما حان للناس أن يفكروا ويتركوا العنصرية واللون؟ فكل إنسان يحكي وليس كل إنسان يصوِّر. فهذه القردة سبقت عموم البشر أشواطًا. الإنسان تكلم قبل أن يصوِّر، أما هي فصورت، وبالألوان الزيتية، ولعلها فضلت العمل بقول شاعرنا العربي:

الصمت زين والسكوت سلامة

ما أكثر المشاكل التي تنتظر من أيزنهاور حلًّا! فليفكر بمشروع جديد …

عندما أفكر بما رأيت من أعاجيبَ يقف شعر رأسي، كنت كثيرًا ما أتمنى لو كان أُجِّل مجيئي إلى العام الألفين.

عندما كان حساب نهاية الخلق عندي بالألفين، كما كان يقول جدي الآخر، كنت أشكر ربي وأسأله ألا تقوم القيامة قبل حلول ذاك الموعد، وكنت كلما قامت أمة على أمة، ومملكة على مملكة، أنتظر قيام الساعة، أما حين صار حساب الخلق بمئات ألوف السنين بل بالملايين فصرت أتأسف على مجيئي في الموعد الذي جئت فيه.

فأين من كانوا يكذبون داروين ويهزءون بأقواله؟! فخير للإنسانية أن توصي القرود بأحفادها، وتقول لأبنائها أن يوحدوا صفوفهم، فتقابل الإنسانية أختها القردية، بمثل عليا تعجز عن تحقيقها القرود، وينقوا حضارتهم من شوائبها الوحشية.

كنت أضحك عندما كان الجاحظ يحاول في كتاب الحيوان أن يبرهن لنا أن الهرة لها مواء متنوع الأشكال وبه تعبِّر عن حاجاتها، وها نحن قد وصلنا إلى ما هو أعظم. إلى قردة تصوِّر، ويحاولون في أميركا أن يدخلوا رسومها التجريدية في معرض كبار الفنانين!

كنا نقول في فجر هذا العصر: فلان اخترع البارود. فأين هو البارود، وأين وأين؟ فهذا زمن شارك فيه الجماد دماغ الإنسان العجيب، فأخذ قسطًا كبيرًا من مهامه، ولعله يأتي وقت نستغني به عنه ولا يعود لنا شغل عقلي، نأكل ونشرب وننام ليس إلا، بينما القرود تصوِّر وتحلُّ القضايا.

الألقاب

لا تزال بقايا العهد التركي، عهد التمجيدات والتشريفات، والألقاب والكنيات، عالقة بأذهاننا ورءوس أقلامنا. ذكرني بهذا ما سمعته منذ أيام من الراديو حين قال مندوب أيزنهاور: كلفني الرئيس أيزنهاور، فلم أعجب بالبساطة. وسمعت على الأثر واحدًا منا يتحدث عن السفير الأميركي الذي يرافق مندوب أيزنهاور فيقول: سعادة السفير الأميركي.

ثم يأتي دور أصحابنا فتفيض السعادة والمعالي وغيرها من الألقاب التي لم يخلصنا منها أحد. على عهد أيوب ثابت اكتفينا مدة بكلمة حضرة لجميع المقامات الرسمية، ثم لم تنقضِ مدة قصيرة حتى عدنا بشوق لا مزيد عليه إلى مثل هذه الطنطنات الفارغة. الحمد لله على أننا استرحنا من الألقاب التركية، ولكننا ابتلينا بلقب جديد؛ هو لقب دكتور، ولكل جديد رهجة وبهجة: يكون الشيء مرغوبًا فيه متى كان نادرًا، كما كانت كلمة «الملفان» في «أيامنا». ولكن ما دامت مصابغ أوروبا تعيد إلينا شبابنا مصبوغًا بهذا اللقب العلمي بلا علم — إلا نادرًا — فإني أقترح أن نكتفي باسم الرجل ونترك عمله يعبر عن كفاءته.

كنت مرة أحدث صديقًا لا أعرف أنه دكتور، فكان يحدثني بجفاء وتقطيب حواجب، ولما دخل واحدٌ خاطبه بيا دكتور، قلت له في مجال الحديث: اسمع يا دكتور، فتطلق وجهه وأقبل عليَّ بعدما كان مشيحًا.

إنني أقترح على ألسنتنا وعلى صحفنا وأقلامنا أن نكتفي بكلمة حضرة أو سيادة، وتجلي عن حضرتنا تلك الجيوش الجرارة التي نستعرضها على ظروف رسائلنا، فنكفي موزع البريد مئونة التفتيش عن الاسم الضائع بين تلك الجحافل.

قال لي واحد أوروبي: أنتم — الشرقيين — تفخمون كثيرًا فتتعبون السامع والقارئ. نحن نقول Le bon Dieu وأنتم تقولون: الله — سبحانه وتعالى — آلله في حاجة إلى تعظيمنا؟!

فقلت له: لا يحول الله وجهه عنا إذا لم نفخمه، ولكن مخلوقاته قد يتنكرون لنا؛ إذ لم نعظِّم ونفخِّم.

الكرم المزعج

أقترح لهذه المآدب التي لها أول وليس لها آخر، أن يكون لها ملكة أناقة وكرم، فلا نعود نقول، مثلًا، كانت هذه الحفلة سيدة الحفلات. فليكن هناك محكمون، وإذ ذاك يكون المجد للخواجه والست بحق ولا يكون الحكم اعتباطيًّا. فالديمقراطية لا بد لها من الشورى. ومن تأمل اللياقات التي لا حد لها، والإلحاح الذي لا ينتهي، عجب من هذا الكرم الحاتمي، حتى إذا ما انتهت المأدبة التي لا يقصد منها إلا الظهور وتعريف الناس بآدمي طازه، وما عنده من أثاثٍ وأوانيَ وسجادٍ، عاد البخل سيد الموقف. وقد لا يكون في ذلك القصر العظيم، مأوى للكتاب، ولهذا ترى غنى بلا معرفة، فكل ما عنده من سوق الفرنج ومن سوق الخضرة.

عندما ترى الواحد منهم يقبل عليك ليطعمك فوق الشبع تقول في نفسك: ما أكرم هذا الرجل! فهو يطعمنا غصبًا عنا، وأي كرم فوق هذا؟! قد دعا عشرين نفسًا وأعدَّ ما يكفي مائة، فهنيئًا للفقراء سيشبعون بعد ذهابنا، ولكنك لو عرفت أن البرَّاد هو فكَّاك المشاكل في هذه الأيام؛ لثبت لك أن المسكين لا يفكُّ ريقه من هذه المأدبة العامرة.

فليت أصحابنا الذين أكلنا خبزهم، وصار بيننا وبينهم خبز وملح، فكروا بالفقراء وأطعموهم ما أكلناه فوق الحاجة. لا أقول أن يكون للفقراء رصيد عندهم، وإنما أقول: لا تطعموا البرَّاد، فأخوكم الفقير أبرد منه، فأطعموه فضلاتكم ليدفأ.

وعلى ذكر الإلحاح على الضيوف؛ إظهارًا لكرمنا الحاتمي، يطيب لي — كما يعبر كبار رجال السياسة — أن أروي للقارئ هذه الحكاية: كان لأحد أعيان صيدا بنت عزيزة على قلبه جدًّا، فأصيبت بالتيفوئيد، وكانت حمى التيفوئيد مرضًا خطرًا مزعجًا، فدعي لمعالجتها الدكتور كارنيليوس فان ديك، سيد الموقف الطبي في ذلك الزمان، فركب سيارة لم تكن غير حمار قبرصي، وظل يروح ويجيء يوميًّا، وكل وكده أن ينتصر على الداء العضال. وبعد شهرين وأكثر برئت البنت من مرضها، واحتفل الأهل بنجاتها. وكانت المأدبة على شرف الدكتور، فجاء راكبًا حماره الفاره. كان الحمار يرقص رقصًا تحت معلمه كأنه يشعر بما يخامره من غبطة وحبور لإنقاذه البنت العزيزة.

وحان وقت الغداء، ومدت السفرة الحافلة بأطيب الألوان، وقعد الدكتور في محله المرموق، وشرع يأكل. خاض المعركة ببسالة، ولما اكتفى رفع يديه وانصرف إلى المجاملة بلسانه. ولكن أم البنت أخذت كبيبة، محشوة باللحم والشحم، والسمنة الحموية تقطر منها، وقدَّمتها للدكتور فأكلها مجاملة، مع أنها وحدها كافية لإشباع رجل أكول. وما انتهى من مصارعتها حتى عرض عليه أبو البنت كبيبة لا تقل عن الشبر طولًا، وهو يقول: كرمالي يا دكتور، أي إكرامًا لي. فأخذها الدكتور تأدبًا وراح يقضمها. ولما انتهى من الإجهاز عليها ونفض يده من سمنها صاحت البنت: وكرمالي أنا واحدة ثالثة، فاعتذر الدكتور ولكن عذره لم يقبل، فقال في نفسه: أكلة وموتة فاستعد لملاقاة ربك يا دكتور.

وأخيرًا انتهت المعركة الفاصلة، وغسل الدكتور يديه، وهمَّ بالرجوع قبل أن يفتضح أمره، فجيء بالحمار وأعين الدكتور على ركوبه.

وكرج الحمار غير مبال بكرش صاحبه الذي يكاد ينشق، ولكن فان ديك رأى أن ينقذ الموقف بعد مسافة فنزل عن حماره ونام حد نبع على الطريق، ثم قام هاضمًا الكباب المقلية إلا قليلًا، ففك رسن حماره وأدناه من العين فشرب حتى ارتوى.

وخطرت النكتة، وفان ديك كان من أربابها، فهز رسن الحمار ودعاه إلى الشرب فأبى، فقال الدكتور: كرمال أم البنت اشرب. فرفع الجحش رأسه كأنه يقول: ارتويت.

فهز الرسن ثانية وصاح: كرمال أبي البنت اشرب.

فلم ينثنِ الحمار عن عزمه. ولم يمتثل لأمر صاحبه، فدعاه إلى الشرب ثالثة بلطف وإيناس وقال له: كرمال العروس التي أنقذناها من الموت اشرب ولو غبَّة.

فتعنفص الحمار وكاد يعلن العصيان المدني، فتضاحك الدكتور وقال له: اسمع يا صاحبي، أنت الحكيم لا فان ديك، فلولا القليل كنت مت من أجل مكارمة الناس، عافاك. لا تتنازل قيد شعرة عن فلسفتك الغريزية.

وهكذا عاد الطبيب إلى قواعده سالمًا، وبقي يومين عاشهما على اللبن والحليب فأنقذ الموقف ونجا بجلده.

لا أعلق على هذه الحكاية، فشرحها منها وفيها. فلنُقِل من هذا الإلحاح على المدعوين. فهم غير مجبرين على استهلاك طعامنا، فرب أكلة حرمت أكلات، هذا إذا لم تؤدِّ إلى العالم الآخر! ولكننا نحمد الله على تبني بعضنا عادة الأوروبيين أو الأميركان، وصار الأكل على الواقف، أما نحن فقضينا أكثر عمرنا نربط على المعلف ولا بد من الإتيان على آخر حبة من العليق. وإذا بقي حتاتة انبرت الست تصيح: يه. الأكل بقي كما هو، يظهر أن عيشنا لم يعجبكم.

وهذه ضربة معلم فعلتها؛ لتسمع ثناءنا على ما أعدَّته لنا، فقلت لها بعدما مدحت وأطنبت: الفقراء واقفون على الباب، ومن لهم غير هذا البيت العامر المضياف.

وإلى الذين ينفقون ألوف الليرات على علفة أقول: زكوا آدابكم بكيس طحين يوزع على الفقراء، فما عليكم لو اختصيتموهم بثمن قنينة وسكي تشرب بعد الامتلاء.

(٦) لمن تربي مدارسنا؟

كم كنت أتمنى أن ينتهي حديثي عن المدارس والتعليم عندنا فلا أضطر إلى استئنافه. ولكن يظهر أنه موَّال فرنجي «ترلم ترلم»، كأناشيد جدجد لافونتين الذي غنى القصائد، ففاتته الحصائد، وراح يشحذ من النملة ما يسكت جوع بطنه.

لست أرجو حل هذه العقدة؛ فهي لم تحل بعد، كما يرجو أحرار الفكر، في الدول العوانس، فكيف يرجى تحقيقها في دولة لم تشب عن الطوق! أما الدواء إذا وجد، فمصدره وزارة التربية ولا يحقق فكرة الدولة — بعد حين طبعًا — غير هذا الكرسي، فالدولة لا تُعمل بمرسوم بل تتكون في الرءوس والنفوس ولا يقال لها: كوني فتكون. أساس الدولة البيت والمدرسة، فهل لبيوتنا يد في هذا العمل الخطير الذي لا يكون إلا موحدًا؟ وهل لمدارسنا هدف غير التعليم؟

إن هدف المدارس هو خلق الرجال، ولكن أي الرجال تخلق مدارسنا؟ ولمن يخلقونها؟ …

الجواب مر مؤلم: المدارس الأجنبية تهزج وترتل والوزارة بل الدولة لا تستطيع وقف الدف والطبل، العرس قائم ولكننا في مناحة.

إذا كبر الرجل أفرط في الصراحة، فاسمحوا أن أسأل: ما الذي دعانا إلى انتحال اسم التربية الوطنية؟ ألم يكن الاسم الأول، وزارة المعارف أكثر مطابقة! إن لبنان لا يعنى بغير التعليم، ويا ليته تعليم كامل فنتعزى.

إن تكويننا الاجتماعي، إن كان لنا تكوين، لا يد لمدارسنا فيه، فنحن النزوعيين قد كوننا أنفسنا، ولم تستطع مدارسنا أن تخمد نزعاتنا. إذن فلنقل وزارة القراءة والكتابة، في اللغة القومية واللغات الأخرى، وإن تشبثوا بهذا اللقب المنسوخ فإني أسألهم: إذن ما هو هدفكم التربوي؟

قد يجيبون على سؤالي هذا: هدفنا خلق رجال ذوي أخلاق فاضلة، إنسانيين. ولكنني أرد على هؤلاء: هذا هدف عام من عهد «كانت» و«بستالوزي» وغيره، وهو لا يتفق بحال مع التربية الوطنية. فللتربية الوطنية هدف خاص، أي خلق رجال مختصين ببقعة من الأرض دون غيرها، فهل نعمل لهذا؟ أفي وسع وزارتنا التي سموها وزارة التربية الوطنية أن تقول لمدارس الجمهورية اللبنانية جمعاء: افعلي ولا تفعلي.

يقول علماء التربية: إن التربية الصالحة لأمة أو فرد قد تضر بأفراد آخرين أو بأمة أخرى؛ فالتربية الحق تصهر عواطف وأفكار الأمة فتصيِّر شعورها واحدًا. وبدون ذلك لا تكون الدولة. فالإنسان الذي تتطلبه تربية اليوم ليس هو ذاك الإنسان الآدمي، ولا الذي أوجدته الطبيعة بل هو ذاك الإنسان الذي تحتاج إليه الأمة وتريده كما تقتضي ظروفها أن يكون، وبوسعنا أن نستعير هنا ذلك التحديد البياني للبلاغة العربية: مطابقة مقتضى الحال.

هذا رأي دركايم وغيره، فهل لعلماء التربية عندنا رأي يناهضه؟ وماذا تخلق مدارسنا يا ترى؟! ماذا تغرس من المشاعر والأفكار التي هي سر قوة الشعب، ولا وطن ولا حول ولا قوة إلا بها.

والوزارة لا تجهل أن التربية تطورت في أمم العالم، ومثلنا على هذا دولة فرنسا. أما حاولت هذه الدولة التي شدنا منهاج دراستنا على طراز منهاجها أن تخلق لكل عصر رجالًا؟ فشتان بين فرنسي العصور الوسطى، وفرنسي عصر الانبعاث، وفرنسي عصر الثورة، وفرنسي القرن التاسع عشر، وفرنسي الحربين وما بعدهما. فماذا نفعل نحن الذي نسخنا مناهجنا واسم وزارتنا عنهم، وما هي التربية الوطنية التي نريدها؟! ألا تربي كل دولة رجالًا ينتسبون إليها، فماذا نربي نحن؟ ألا ترى الوزارة أن من نربيهم يصلحون لكل مكان، ولا يصلحون لمكان بعينه. فإذا كان هدفنا تربية رجال «دوليين» فلماذا لا نسميها وزارة التربية الدولية، وهذا اسم أعم وأفخم وأرخم …

للطيور التي تعيش مجتمعة نظام اجتماعي موحد، أما نحن فكما يعلم كل واحد: كل يغني على ليلاه وما من يسأله هذا النشاز؟! ولكن فلنبعد اليأس؛ فالأمة لا تتكون إلا بعشرات السنين، وبما أن عناصر تكويننا وثقافتنا وأدياننا متشابهة، فلا بد من أن يصير مزاجنا القومي واحدًا، إذا صح رأي غوستاف لوبون.

يقول دركايم: إن جسدًا يعمل بدون عقيدة تربوية هو جسم بلا روح. فما هي عقيدتنا التربوية يا ترى؟ ما هو هدفك أيتها المدرسة؟ الجواب: عند الجنسية والطائفية. إذن لكل مدرسة هدف، وهيهات أن ترتقي بلاد لا تستهدف غرضًا ساميًا.

وأنت يا أخي الأستاذ، وأنا زميلك في معامل الرجال، ما هو هدفك التربوي إذا كنت معلمًا في مدرسة أجنبية؟ الجواب: لاتيني عند اللاتين، وأميركي عند الأميركان، وإنكليزي في مدرسة غايتها التبشير … تصلي اليوم غير صلاتك، غصبًا عن رقبتك، وإلا فالبوابة مفتوحة.

كانوا فيما مضى — في أيامنا — يكرهون التلاميذ على دخول الكنائس وحضور الزياحات والقداسات والمواعظ الدينية، وقبل الحرب الكبرى، احتج الطلاب المسلمون في مدرسة جبيل على ذلك فأطلقت حريتهم على عهدتي. وبعد الحرب العظمى الأولى مشت أكثر المدارس على هذا النهج الجديد. ما لنا وللصلاة، فهي مفيدة في كل معبد، ولكن هل في هذه المدارس الأجنبية احترام لعواطف البلاد ولقرارات حكومتها، هل يعيِّدون أعيادها القومية ويشاركونها في أفراحها؟ الجواب على هذا: لا. ثم ماذا يعلمون؟ وإذا وجهنا هذا السؤال إلى الوزارة ترى ماذا تجيب. هل دخل مفتش ما معهدًا أجنبيًّا وقال لأصحابه: افعلوا هذا أو لا تفعلوا ذلك. إنهم يعلمون ويربون وفكرهم في بث مآرب الدول التي هم منها، أما لبنان فليس على البال ولا في الخاطر.

إذا كنا في حاجة إلى الجامعات، فهل نحن محتاجون إلى مدارس ثانوية وعندنا ما عندنا من المدارس، وهي تطلب مساعدة الدولة … أرى أننا إذا لم نقفل المدارس التبشيرية فلا أقل من أن نفرض عليها سلطاننا؛ لتعرف أنها في بلاد عربية، وفي ظل علم لبناني يحترم الحريات جمعاء، وليس لها أن تنفث في نفوس أبنائِنا مبادئَها التي لا تساعدنا على تكوين الوطن الحر الذي ننشده.

ومدارسنا هدفها الطائفة قبل الوطن، فإذا كان المحيط مارونيًّا فهي مارونية، وإن كان أرثوذكسيًّا فأرثوذكسية، وإن كان إسلاميًّا فهي سنية أو شيعية، وإن كان درزيًّا فهي درزية، وهكذا قل عن الأرمنية والسريانية، والعبرانية، ومع ذلك فهي تطلب من الدولة أن تفتح خزائنها وتقذف لهم المساعدات بالرفش.

أقول هذا ولا أهاب أحدًا: لمدارس الأجانب هدف معين هو التمكين لدولها في أرضنا، أما الوزارة فترمي التل ولا تصيبه، ثم تتشبث بلقب التربية الوطنية لا شيء سوى أنها هكذا سميت في فرنسا، كما لم أُسَمَّ مارون إلا لأنني ولدت في ذلك اليوم؛ يوم عيد مار مارون …

إن مهمة التوحيد عندنا شاقة جدًّا، ونحن لسنا نطلب التوحيد كاملًا؛ لأن دولًا كثيرة لم تحققه بعد، فكيف به في دولة ناشئة لا اختصاصيين فيها؟! وإذا وجد الاختصاصي فمن يكفل لنا وضعه في محله إذا لم يصادف هوى الطائفيين؟! وميل المالكيين سعيدًا … وهل يجرؤ على الإصلاح من كان موقفه مهددًا! من يكفل له أن قوائم كرسيه لا تصطك وتنهار ويصبح على الأرض يا … حكم، كما يقولون. فخير لنا أن نسمي هذه الوزارات جمعيات خيرية، والمدارس أخويات متحدة تصلي جميعًا لأجل الوطن بألسنة مختلفة كتلاميذ المسيح في علية صهيون … لقد أصبحت الوظيفة كالسيامة، فمن مسحناه بالزيت المقدس أمسى مكرسًا.

كانت غاية مدارسنا القديمة أن تخلق منا جمهرة تقرأ وتكتب، واللغة كما يقرر علماء النفس أخطر عناصر التربية القومية، فخرجنا والحمد لله، أناسًا قارئين كاتبين، أما اليوم فقلما يخرج من يقرأ ويكتب صحيحًا بلغتنا الأم؛ وذلك لأن حمل التعليم، بل المنهاج، ثقيل جدًّا — كما تقدم — فهذا المنهاج لا يحول ولا يزول كأنما هو لوح الوصايا العشر. كل شيء يتغير في هذه الدنيا إلا شيئين: منهاج البكالوريا اللبنانية، ووجه ربك ذي الجلال.

لست أتوقع اجتراح العجائب إذا عدِّل هذا المنهاج، فمثل هذا النهج يقتل قوة الاستنباط، ويخمد جذوة الهمم، والاستقلال العقلي، فأكبر هَمِّ بنينا اجتياز المحنة بسلام … ومع كل ما تقدم فليس الشر كله في المنهاج، فأساتذتنا وتلاميذنا في البيداغوجي سواء بسواء، حتى إننا لا ندري من هو المربِّي، ومن هو المربَّى. وإذا قلنا الصحيح ولم نحابِ أحدًا قلنا: إن المدارس الأجنبية هي التي تؤدي مهمتها على حقها … لأنها جاءت لتخدم دولها، وها هي تخدمها على أرض لبنانية وتحت سماء لبنانية، وهي في مأمن وعصمة من التفتيش …

يقولون: إن من خاف شيئًا وهو صغير، يظل يخاف منه وهو كبير، وهذه حالنا مع المدارس الأجنبية. كانت في عهد «الامتيازات» الأجنبية حصنًا سموأليًّا وما زالت كذلك.

إن التفكير يصيِّر التقليد والممارسة صالحين للزمان والمكان، فمن فكر منا في إبداع أمر يتفق وميول أبنائنا وطموحهم. الدنيا في ماديتها الأدبية والمادية تتغير وتتحول، أما نحن فثابتون كالشمس، صامتون كالأرض، مع أن هدف التربية خلق إنسان جديد لحياة جديدة.

نعم؛ إن الطفرة محال، وليس المستقبل قصيدة فيرتجل ارتجالًا، ولكنه الماضي يرمم ترميمًا تصلح حجارته وتنقح لتلائم الطراز الحديث. وقد قال هانيكين: ما من حادثة في الطبيعة كلها إلا تتولد من الماضي. فمتى ننقح مسودة ماضينا؛ ليكون لنا حاضر؟!

إن التطور الاجتماعي سريع جدًّا، ولا حقبة تشبه ما قبلها. الناس يفكرون بالصعود إلى المريخ والقمر، أفلا تفكر وزارة التربية — على الأقل — في الصعود والنزول إلى هذه المدارس الأجنبية لترى ماذا تعلم وكيف تربي؟! قد يقولون: إننا نربي شبابًا إنسانيين تربيةً عامة! وأنا أجيب أنه لا يوجد أبدًا تربية عامة توافق الجنس البشري كله؛ فلكل طبقة تربية، ولكل قطر تربية، حتى إن لكل قبيلة تربية، وإذا غالينا قلنا مع بعض علماء التربية: لكل إنسان تربية، فكل فرد هو تاريخ قائم برأسه ولا يشبه غيره بحال. أما التربية الوطنية العامة فسروال فضفاض مثل شروال المرحوم والدي في عزوبيته، ستة وعشرون ذراعًا من الستكروزا … بينما نحن اليوم في عهد البنطلونات المزمكة.

مسكين لبنان ليس له أحد من الناس حتى حكامه. موظفوه يرقصون وهو يحط النقوط، كأنما كل معنى لبنان في ميزانية توزع على طوائفه بالسوية كما تقسم تركة الميت بين بنيه. المحبون يذكرون المرحوم وفي العين دمعة، وذووه الأقربون لاهون بالقسمة والضرب وليس فيهم من يقرأ الفاتحة على قبره، ولا من يصلي الأبانا والسلام لراحة نفسه … إن أكثرنا كابن المقفع يهتف كلما استوضح نارًا: يا دار عاتكة التي أتعزل.

ما رأيت دولة تمثل تمثيلًا أشبه بالملهاة كما هي الحال في لبناننا العزيز. نحس بالانقلابات والتطورات إحساسًا لا يفوق إحساس النظارة في المرسح. يفرحنا مرسوم ويحزننا مرسوم، وهل يفرح حقًّا من يؤمر بالفرح.

إن الحياة المدرسية هي نواة الحياة الاجتماعية الوطنية، فهل من يقول: ماذا تزرع المدارس الأجنبية في النفوس؟ إذا كان الكاهن رسول ربه، فالمعلم هو الرسول المبشر بأسمى عقائد وطنه، فيقضي على مستقبله وليس لحكومة أمته أن ترفع صوتها، أو تحقق في قضيته.

المعتقد هو سر قوة الشعب، وقد قال بلزاك في روايته «خوري الضيعة» عن الدين: إنه هو الإرادة البشرية البالغة أقصى قوتها. وأنا أقول: الدين لا يستأصل من الإنسان؛ فهو كالوكيل الدوري كلما عزل فهو وكيل. فلا يزعمن أحد أنني ثائر على المدارس الغربية؛ لأنها تصلي، فأنا أقول مع ديركهيم: إذا أفرغنا المبادئ الأدبية من عناصر الدين فإننا نبترها، وهل إذا حاولنا إصلاح رجال الدين نكون كافرين أو ملحدين؟!

مسكين هذا الوطن اللبناني، فما فيه حد وسط. فهناك إما لبناني يحسبه جزءًا أوروبيًّا، وإما لبناني يريد أن يضيق عليه فلا يسمح له بالالتفات صوب البحر، كأنه نسي أن العرب أولعوا بوطن ثان كلبنان هو الأندلس. نسي أن لبنان، العربي الوجه واللسان، الشرقي الجنان، قد طُعِّمت شرقيته بالحضارة الغربية فكونته هذا التكوين الخاص. فيه العربي والمستعرب، فما حيلتنا في المولييريين الذين يحاولون جعله طبيبًا غصبًا عنه …

فإذا كان الإنسان ابن بيئته فلا يكون لبنان إلا كما هو اليوم، فلا تحاول المدارس الأجنبية أن تزيد في طيننا بلة. لقد شبعنا ثقافة يا جماعة، وأطعمنا سوانا، فدعونا وشأننا ولتذهب مدارسكم إلى بلاد هي أحوج منا إلى التعليم. أما إذا أحببتم أن تظلوا عندنا فنحن نكرم الضيف، إننا نركبكم خلفنا لا أمامنا ولا على ظهرنا، والشرط أن لا تمدوا أيديكم إلى الخرج … الشرط أن تفتحوا أبوابكم للمفتشين فلا يكون التفتيش في المدارس الوطنية وحدها.

إن من يأكل خبز السلطان يضرب بسيفه، فأنتم تنعمون بنسيم لبنان ومياه لبنان فكونوا عند ظن هذا البلد المضياف، واعلموا أن القاصر قد بلغ ورشد، وعهد بالوصاية عليه قد انقضى فلا «تتمقطعوا» في أولاده. كونوا أذكياء ولا تدعوا لبنان يهتف: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا.

ترى ألا يوضع في لبنان شيء موضع الحزم، إلا توزيع النياشين، واقتسام الوظائف، وبلص الفقراء بالضرائب المباشرة وغير المباشرة. فإما أنه هناك دولة لبنانية نعلِّم لها وإما لا، ومن يدفع الأجر يطالب بالعمل. فكما تسهر دولتنا على راحة الأجنبي وخلق جو من الاطمئنان حوله، عليه هو أن يخدم هذا الوطن بكل قواه.

فلندخل المتن ولماذا الحوم على الهامش؟! التعليم نظام يدرك به المتعلم أنه يسير إلى هدف معين ويسعى لغاية مقصودة، فهل تعمل المدارس الغربية بهذا المبدأ التربوي. الغرض من التربية هو الحصول على أكثر مقدار من تكييف الفرد الصالح لوطنه ونموه فيه، فهل تفعل هذا مدارسنا الأجنبية؟!

إن لمسنا جسدنا يختلف عن لمسنا للأجساد الأخرى. فلمسنا جسدنا يحدث إحساسًا مزدوجًا؛ لأن اليد اللامسة تكون لامسة وملموسة أو فاعلة ومنفعلة، فالمربي الوطني يكون إحساسه مزدوجًا إذا كان صادق العقيدة غير زنديق، أما الأجنبي فهو كالمفلوج يفقد هذا الإحساس المزدوج حتى يظن أن عضوَه المشلول ليس أحد أعضائه، فإذا شئنا أن نربي للوطن رجالًا صالحين فَلْنُقْصِ المفلوجين …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١