الفصل الثاني عشر

عادات المسيحيين أيضًا – إنها تختلف قليلًا عن عادات المسلمين – ملابس النساء – اتباع العادات الشرقية – أوهام – تقتير – حيل أثناء الأكل – غنى عام – الولع بالبناء – الأعراس.

***

يدهَش الأجنبي الذي يزور سوريا أشد الدهشة عندما يلاحظ أن المسيحيين (الرجال منهم) لا يختلفون عن الأتراك إلا بملابسهم الأشد سوادًا من ملابس أولئك؛ ذلك بأن النساء عند كلا الجانبين يرتدين ثيابًا لا أثر للتأنُّق فيها أو الهندام. إن جسدهن يلفه نوع من الملاءة ووجههن يغطيه منديل، عملًا بالآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (سورة الأحزاب: آية ٥٩).

ثم إن الكشف عن قدم جميلة محرَّم على نساء الشرق، فعليهن أن ينتعلن جزمات عريضة أو بوابيج مستديرة الشكل. وهذا ما يضطرهن إلى الاستعانة بخرقٍ عتيقة يلففنها حول القدم ليستطعن بها سد فم اللستيك (خف بدون نعل) وإحكام البوابيج (سندال) في أقدامهن.

ويلاحَظ أن النساء يتجهَّزن بما هن في حاجة إليه دون أن يلجأن إلى الإسكافي ليأخذ القياسات المختصة بأرجلهن. وأظن أن الاتساعات المختلفة التي تفرضها مراحل العمر — في أطواره المتعددة — غير موجودة أيضًا؛ إنها بعد أن تنموَ نموًّا كاملًا، تخضع للقياس عينه، سواء أكانت سمينة أم رقيقة، طويلة أم قصيرة. إن الدين الإسلامي يعفيهن — كما نرى — من سجن أحذية الإسكافي.

أما المسيحيون، فيبدو أنهم اقتبسوا عاداتهم عن كُتبنا المقدسة أيضًا، وهي العادات التي ترجع عندنا وعند المسلمين إلى أصل عبراني: حُجر النساء، فصلهن عن الرجال في المعابد، إجبارهن على البقاء محجبات.

أصبحت هذه العادات فرضًا على جميع النساء اللواتي يسكنَّ هذا البلد، حتى إن الإفرنسيات اللواتي وُلدن في سوريا — وكن مجبرات على التقيُّد بهذا العرف — اضطُررن إلى اتباعه، ولكن ضمن نطاق محدود، وفي علاقاتهن مع أبناء هذه البلاد الذين يَعدُّون كل مخالفة لعاداتهم خزيًا وعارًا؛ فكل من يظهر أمامهم بغير المظهر الذي أوجبته عاداتهم يرتكب جريمة بخروجه على قواعد الآداب واللياقة.

أفلا نشمئز نحن في أوروبا ممن يخرج على دائرة تقاليدنا؟ إننا نترك هذا الأثر نفسه في نفوس المسلمين، بل أشد منه كثيرًا؛ لأن الشريعة الدينية هي التي نظمت كل شيء عندهم، فكل أذاة تلحق بأحدٍ أحكامها تصبح جرمًا فظيعًا ومدنسًا لقُدسيَّاتها.

وبِناءً على هذا؛ أراني لا أستنكر أبدًا أعمال نسائنا اللواتي يجدن أنه من اللياقة أن يرتدين ملابسهن على الطريقة الشرقية، أو يتبعن بعض العادات المحلية، ولكني لا أرتضي أبدًا أن تتشرب نساؤنا المتمشرقات هذه الأوهام التي لا تُحصى؛ إذ يستحيل عليهن أن يحافظن — بعد ذاك — على تقاليد حضارتنا الأوروبية.

إن الأوهام كثيرة الانتشار في سوريا، وبما أن البيروتيين ليسوا بالشعب الأشد ذكاءً من غيره في هذه الولاية، فقد تأصلت هذه الأوهام في عقولهم بسهولة فائقة؛ فمن أوهامهم وخرافاتهم مثلًا: إذا أردنا أن تصل رسائلنا إلى أصحابها يجب علينا أن نرميَها على الأرض، لا أن نسلمها يدًا بيد إلى ساعي البريد أو الرسول. وإذا قطعنا جزءًا من طرف ورقة السند فهذا يعني أننا ننوي الإيفاء كاملًا. وإذا شئنا أن نسر شخصًا بأن نُهديَ إليه منديلًا فلا بد من أن نمزق — ولو قليلًا جدًّا — أحد أطرافه؛ ولكن هذه الخرافة لفظت أنفاسها الأخيرة لمَّا صار تطريز حواشي المنديل علامة التكريم والترف.

أما إذا أراد شخص أن يكتب إليك وينبئك بحرج موقفه، أو الخطر الذي يحدق به، فإنه يحرق أحد أطراف الرسالة قبل إرسالها.

والبيروتيون يحتلون المكانة الأولى بالتقتير على أنفسهم في جميع ضروب المعيشة. إلا أني بعد أن تعرفت بأهالي حلب أقول — اعترافًا بالحقيقة — إن سكان بيروت يتخلَّوْن لهؤلاء عن الأولية …

إن سكان بيروت يضيفون — بصورة متصلة — أبناء الجبل ورجالات الأساكل الذين تجتذبهم أعمالهم التجارية إلى مدينتهم؛ لأن الأهلين في الشرق هم الذين يهتمون بإيواء من يأتي راكبًا أو على الأقدام بِناءً على كتاب توصية يقدمه. وهذا ما يُتعب ويدعو إلى النفقات مهما تكن منزلة الشخص؛ وهكذا نجد في كل بيت تقريبًا عدة أَسِرَّة معدة للنزلاء.

أما ما يُلام عليه البيروتيون فهو أنهم يحاولون أن يجعلوا من البخل فضيلة؛ فأطيب الأحاديث على موائدهم هو التحدث عن منافع الإقلال في الأكل، وهم ينتهزون فرصة الجلوس حول المائدة ليفيضوا في التكلم عنها مع ضيوفهم، حتى إذا كان هؤلاء من ذوي القابلية العنيفة يشعرون في الحال أن الإقلال من الطعام واجب ونافع، وقد يتحدث صاحب الدار عن الضائقة الآخذة بالخناق، ويأخذ بالتشكي والتأوُّه، ثم يبالغ في شكواه ليدل على قيمة كل لون من ألوان الطعام، لا بل ثمن كل لقمة، وكأنه يقول لمؤاكله: «إن اللقمة التي تضعها في فمك تعود عليَّ بكذا بارات!»

وعندما لا تسفر هذه الطرق عن النتائج الطيبة، فصاحب الدار — الذي يمكنه أن يعتمد أساليب أخرى — يسأل ضيفه عن نوع العلة التي مات بها أبوه أو أمه. إنه يعلم أن الذكرى المؤلمة، والانقباض الذي يشعر به وهو يروي الحوادث التي استبقت هذه الخسارة القاسية، يحدَّان غالبًا من نشاط قابليته إذا كان نهمًا، وقد أَحسَّ أحد الظرفاء بهذه الشراك المنصوبة له فأجاب بسرعة: «بالموت الفجائي!»

ويُروى أن أحد هؤلاء البخلاء الفطاحل دعا سائحًا أجنبيًّا إلى تناول الغداء على مائدته، وبحجةٍ تأخَّر إعداد المائدة لسبب طارئ غير منتظر، سأله الخروج إلى الحديقة حيث يستنشق الهواء النقي، وهنالك أغراه منظر الثمر على الشجر، فدعاه إلى أكل التين الأخضر الشهي.

وبسرعة الشهب استيقظت قابلية الضيف الذي كان لا يزال صائمًا على الرغم من أنها الساعة الثانية بعد الظهر، فلبَّى الدعوة فورًا. ولما كان نهمه يتطلب إشباعًا سريعًا، فقد ابتدأ يستثمر شجرة التين دون أن تستوقفه قشور ثمارها، غير مميز بين الناضج والفجِّ. وكان ذاك البخيل يلاحظ ذلك متهللًا، شاعرًا بسرور عظيم وهو يفكر بكمية الطعام التي يوفرها، ومع ذلك فإنه لم يشأ أن يستعجل الأمور، فترك الرجل على هواه، وغمز ابنه ليظل مرافقًا له، ولا يدعوه إلى المائدة إلا عندما يبدًا بتقشير الأثمار لأنه يكون قد شبع؛ فتأمن السفرة شرَّه …

لست أدري إذا كان مسيحيو بيروت يميلون إلى الاعتقاد القائل بوجود «تعويض» في العالم الآخر. إلا أني أعرف رأيَ الكثيرين منهم في ضروب المكر والغش والخداع، وهم يُسمُّون هذا دهاءً ولباقة.

والعرب يرَوْن أن إلمامهم من كل فن بطرف يدل على وفرة معارفهم وسعة اطلاعهم، أما ما عرفوه حقًّا ونبغوا فيه فهو انصرافهم إلى صيانة ثرواتهم التي لم تتعرض لخطرٍ ما منذ عشرات السنين؛ فمدينة بيروت كانت مسرحًا لبعض الحوادث التي ألحقت ضررًا كبيرًا بالأهالي. بَيْدَ أنها أدَّت خدمات جُلَّى إلى التجار الذين أحسنوا الاستفادة من الظروف في الأمكنة التي يبيعون فيها ويشترون.

وأستطيع القول بعد أن رأيت ما رأيت من السعة التي ظهرت في إسكلة بيروت، عندما ازدهرت فيها الأعمال التجارية: إنها — بوجهٍ نسبي — أكثر ثراءً من دمشق وحلب. إننا لا نجد اليوم شخصًا بيروتيًّا مرموقًا لا يملك — على الأقل — بيتًا في الجبل. وفي هذه الأبنية التي تغمرها غالبًا روح الفخفخة أكثر من الذوق السليم، تُدفن معظم الثروات. إن حب البناء هو بصورةٍ عامة داء مُعدٍ عند الشرقيين. إنهم يَحرِمون بذلك أنفسهم من رأس مال يدرُّ عليهم أرباحًا وافرة لو بقي في صناديقهم، ويساعدهم على توسيع دائرة أعمالهم دون أن يُضطروا في الساعات الحرجة — وهم معرضون لذلك كثيرًا — إلى الاستدانة المهلكة بفائدة أربعة أو خمسة بالمائة عن كل شهر.

إن البيروتيين شعب مسالم هادئ، ومع ذلك لا يستنكرون الاغتياب والنميمة، وإذا حصلت منازعات ما بسبب هذه الوشايات فإن الأصدقاء المخلصين أو الكهنة يتدخلون حالًا؛ وهكذا يسود الأمن وتعود السلامة إلى مستقرها. والعرب في كل حال ليسوا بحقودين، وإننا نستطيع القول إن أخلاقهم لا تزال تحافظ على شيء من بساطتهم وطهارتهم الفطرية.

إن حفلات الزواج المسيحية تختلف في بعض الأمور عن الاحتفال به عند المسلمين؛ فعند تحرك الموكب الذي جاء لأخذ العروس،١ تأخذ هذه تُظهر الإحجام عن الذهاب، ويأخذون هم في استعطافها لتمشيَ وتسرع، أما هي فتُصر على الإبطاء، فيتدخل الأقارب والأصدقاء، والإشبين والإشبينة (شاهدا الزواج) بنوع خاص، فتستجيب لطلباتهم الملحة، وتتقدم خطوات، ولكن لتعود إلى ذلك بعد هنيهة، وهكذا تتجدد وتتكرر هذه الخطة الحربية مرارًا … ومتى بلغت بيت العريس وأُدخلت إليه، تجلس على منصة — صندوق أو ما يوازيه علوًّا — غاضَّة طرفها. إنها تجمد كالصنم لا تتحرك، وعلى الزوج أن يطعمها، فيملأ الملعقة ويقدمها لها. أما هي فلا تفتح فمها إلا بعد ألف رجاء. إن التوسلات الحادة تتصاعد من أفواه جميع الحاضرين، ولمَّا كان لا يليق بالعروس أن تتكلم، فإنها تقابل هذه الأحاديث اللطيفة التي تدور حولها بصمت ثابت الجأش، وإذا اضطُرت للجواب فإنها تميل برأسها إلى الوراء لتقول لا، وترجعه إلى الأمام لتقول نعم.

إن مشغلة الزوجة العظمى هي أن تُقبِّل أيديَ جميع الذين يدخلون البيت الذي تكون فيه مع المدعوين، وإذا خرج أحد هؤلاء وعاد بعد قليل فتقبيل يده واجب أيضًا. أما إذا كان الداخل زوجها فإن القبلات تكون أوسع نطاقًا.

أما عند الأرمن، فالزوج عندما يقدم إلى امرأته — بعد أن يقتبل بركة الزواج — فإنه يرفع الحجاب الأحمر الذي يغطيها بحد السيف الذي يسلمه إياه الكاهن، بعد أن يكون قد وضعه بين العروسين خلال الاحتفال الديني لمباركة عقد زواجهما.

إن العروس لا تلبس ثيابها ولا تتزين إلا في بيت عريسها، وذلك قبل أن تتقدم إلى الكاهن، وقد نسيت أن أقول إنه من الشائن أن يحضر الشاب العريس الاستعدادات التي يقام بها لحفلة عرسه، بل عليه أن يختبئ برصانة ودهاء فلا يعثر عليه إلا بعد مشقة وعناء.

هوامش

(١) يؤتى بالعروس، وهي في ثوبها الأكثر بساطة بعد أن يفتش عنها في إحدى زوايا البيت، وإذا لم تتصرف هكذا قيل إنها مسرورة لفِراق أهلها. إن الزخرف الوحيد الذي يضاف إلى بذلتها المهملة هو منديل أحمر مزين بخيوط القصب الذهبية، وهذا لا بد منه في هذا المقام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤