الفصل الرابع والأربعون

أسباب ثورة الجبل – الحوادث الأخيرة.

***

عندما بدأت بكتابة ملاحظاتي وآرائي التي جمعتها منذ مدة طويلة عن بيروت ولبنان، كنت أنوي أن أختمها بنبذة مقتضبة عن الحوادث التي تلت تدخُّل الدول الثلاث لإعادة نفوذ السلطان إلى سوريا. إلا أنني — بعد تفكير طويل — رأيت أن أقتصر على الملاحظات التالية:
  • (١)

    إن ملخصًا بسيطًا لا يكفي، ولو كنت لا أريد بحث مساوئ هذا التدخُّل الذي لا يحق لي التنبؤ بما سيئول إليه.

  • (٢)

    إن القضية تتعلق بحوادثَ استطاع الجمهور أن يحكم عليها تبعًا لمشاهداته لها. قد لا تكون هذه المشاهدات صحيحة كل الصحة، إلا أنها تُمكِّنه من تكوين فكرة خاصة عنها.

  • (٣)

    كان يتوجب علينا — لتنوير أذهان الجمهور على أكمل وجه وتصحيح أفكاره — أن نعرض جميع هذه الحوادث بدقة. إلا أن ذلك لا يأتلف مع خطة هذا الكتاب؛ فليس هدفنا فيه أن نرويَ أخبار الحوادث السياسية التي وقعت في بيروت ولبنان، وإن كان هذان البلدان موضوع بحثي ووصفي.

  • (٤)

    وأخيرًا، يجب على الرجل ها هنا أن لا يجاهر أبدًا بآرائه خشية أن تتعارض وواجباته.

ثم إن إحدى السلطات قامت بذلك فتكلمت بجرأة؛ فكانت موضوع تذمري وانتقاد الكثيرين نظرًا لتصرفاتها الغريبة. فالإجراءات التي يتخذها الحكام الكبار لا يستطيع موظف بسيط أن ينالها بالانتقاد؛ ولهذا أَدَعُ لغيري من بعيدي النظر رثاء ضعف الفرنسيين في تدخُّلهم بقضايا سوريا.

رأيت أن أكتفيَ بنشر اثنين من القطع الكثيرة التي جمعتها. فالأولى تشتمل على أسباب ثورة الجبليين الموارنة، والثانية تعرض الحوادث التي تلتها عرضًا صحيحًا دقيقًا.

مقتطف من رسالة كُتبت في طرابلس بتاريخ ٢٨ تموز ١٨٤٠

أما الماضي فتعلمون عنه الشيء الكثير، فما إن سمع الجبليون البؤساء بحديث ضريبة «الفردتين» المفروضة عليهم، وتجريدهم من سلاحهم، وتجنيد أولادهم الفتيان، حتى أخذوا يتذمرون ويُبدون ميلًا للثورة.

فبعض المشايخ الذين ظلمهم الأمير رفعوا أصوات الشكوى إلى بيروت، وبلغت استغاثاتهم آذان بعض الفرنسيين الشباب وقلوبهم، ومن بينهم ابن الكونت ك … خُيِّل إلى هؤلاء أنهم رجعوا إلى عهد الفنداليين أو أيام تحرر الروم؛ فاستقدموا إليهم هؤلاء المشايخ وزوَّدوهم ببعض النصائح مع شيء من المال والرصاص والبارود، وبثوا لهم الجواسيس في جميع أنحاء الجبل يدعون الشعب إلى الثورة بترويج أكاذيب لا يشك أحد بصحتها؛ لأنهم أجادوا تصنيفها وأحسنوا تلفيقها. ولما كان الشعب الماروني لا يحب الحروب بطبيعته، اقتضت الحال إيجاد دوافع قوية تستفزه وتدفعه إلى الثورة، وإليكم ما استخدموه من أساليب:

قالوا: أوفد ملك فرنسا أميرًا إفرنسيًّا هو السيد أونفروي (ابن أخت الملك) لينبئ الأهلين بأن أربع بوارج حربية ضخمة تنقل الأسلحة والبارود والجنود والمال ستصل إلى بيروت في غضون ثمانية أيام، وأن الأمير أونفروي المذكور يتولى قيادة أبناء الزوق. وبالوقت نفسه شاع في جبة بشري أن جيشًا يتألف من عشرة آلاف جبلي، مصطحبًا مؤنًا لا تُحصى، يقف على أبواب بيروت، وأن كل متطوع فيه يقبض مبلغ قرشين ونصف عن كل يوم علاوةً على ما له من أجر.

ولكن جميع هذه التخرصات والأحاديث الملفَّقة كانت غير كافية لإثارة همة الموارنة؛ فهم يخشون — كما يقال عنهم — ارتكاب خطيئة مميتة بقتلهم رجلًا. فما بقي إذنْ إلا أن يقولوا لهم: إن الحرب هي حرب مقدسة، وإن الأمير الفرنسي يحمل رسالة من قداسة البابا إلى غبطة البطريرك يأمره فيها أن يمنح الغفران الكامل لكل من يحارب الباشا، وإن صاحب الغبطة البطريرك أذاع منشورًا يمنح فيه البركة الرسولية لجميع الذين يحاربون العدو، و«يحرم» من يتخلفون عن هذا القتال.

هذه هي الأراجيف التي تقدمت جواسيس بعض المشايخ؛ فكان لهذا الأمر أثر فعال في النفوس، فتجمَّع حولهم بضع مئات من الرجال، ومشَوْا يهددون بهم القرى التي تأبى الانضمام إليهم. وفي نهاية الشهر، وبعد ترويج عدد لا يُحصى من الأكاذيب، توصلوا إلى حشد جيشين وربما ثلاثة جيوش. أما أنا فلم يبلغني شيء أكيد عن جيش زحلة.

كان يتألف كل جيش من حوالي ثلاثة آلاف رجل؛ فأحدهما رابط قُرب بيروت، والثاني قُرب طرابلس. وكان جل هؤلاء الجنود المزعومين عزلًا من السلاح، ونصف المسلحين منهم ليس لديهم رصاص وبارود، والذين استطاعوا منهم أن يستعملوا بعض الأسلحة كانوا عددًا ضئيلًا جدًّا. وكان في كل معسكر سبعة أو ثمانية مشايخ متضاربي النزعات والمآرب، وذوي مصالح مختلفة. أما المال فما كان لديهم منه شيء.

فالذين لم يبعدوا عن قريتهم إلا مسافة ثلاث ساعات أو أربعًا كانوا يغشونها ليلًا باحثين عن شيء يأكلونه، أما الباقون فكانوا يعيشون من السلب والنهب. وظل هذان الجيشان مرابطَين حوالي شهر كامل لا يأتيان عملًا إلا بضع مناوشات مع جنود المدينة كانوا يقومون بها من حين إلى آخر.

وهذه المعارك الصغيرة كان يفوز بها الجبليون لأنهم لم يقاتلوا إلا وهم يتقهقرون معتصمين وراء الصخور، أما أعداؤهم الذين اضطُروا إلى تعقبهم — وفقًا للأوامر — فكان يجب عليهم أن يتقدموا أبدًا إلى الأمام؛ ولهذا كان عدد قتلاهم أكثر من قتلى أولئك وأضخم.

لست أتناول في حديثي هذا إلا مدينة بيروت. أما جيش زغرتا الواقف قُرب طرابلس فقام بهجمتين لا غير انهزم فيهما انهزامًا شنيعًا؛ فالشيخ بطرس (كرم) كان يرفض دائمًا الاشتراك في هذه الثورة، ولكن أهاليَ أهدن — وأكثرهم نزل إلى ساحة القتال رغمًا عنه — ظلوا يضطهدونه ليل نهار، طوال شهر كامل، حتى أجبروه أخيرًا على بعث ابنه مخايل إلى المعركة في اليوم الذي حصلت فيه الهزيمة المنكرة الأخيرة؛ وهكذا أُرغم سائر مشايخ الجبة على الاشتراك في هذه المعركة؛ لأن أتباعهم كانوا يطاردونهم مسلحين، ويلحقون بهم إلى عقر دارهم.

مقتطف من جريدة Les Débats بتوقيع السيد غزافيه ريمون١

في أواخر شهر آب ١٨٤٠ عندما قررت الحكومة الإنكليزية أن تحشد قواها لمحاربة محمد علي، استُدعي الأميرال جون لويس إلى نظارة ترسانة مالطة، بينما كان السر شارل نابير يتلقى الأمر بتخليه عن دفة القومودورية لقيادة أسطول مؤلف من أربع بوارج ومباشرة أعمال حربية على شواطئ سوريا. إنه من المؤسف جدًّا أن لا ينبئنا السر شارل نابير — الذي يُحتمل أن يكون عرف سر هذا العمل — عن الأسباب التي حملت الوزارة الإنكليزية على اتخاذ مثل هذا التدبير في مثل هذه المناسبة. على أن السير نابير الذي كان باستطاعته أن يُعلمنا بذلك لم يفكر بالأمر البتة؛ فالمستندات العديدة التي أتى على ذكرها في كتابه لم يرَوْها إلا تصديقًا لمزاعمه، وتعظيمًا لكفاءته الشخصية. ويبدو أنه لم يخطر على باله أن أوروبا يهمها غير معرفة ما أتى من أعمال تشرفه في حقلَي السياسة والبحار.

فالقضية إذنْ لا تزال على جانبٍ كبير من الغموض. وأنا لن أدعيَ أني سأحلها، ولكنه يمكن الاستنتاج — على وجه معقول — من جميع الوقائع التي ذكرها السر شارل نابير في كتابه، أن الوزارة في لندرة قد دُهشت وشعرت أنها أُجبرت على العمل مدفوعة بما تعرفه من سياسة السيد تييرس Thiers وبنتائج سياسة اللورد بونسونبي السرية حتى على الحكومة. فإلى هذا السياسي غير المنازع في براعته، والذي برهنت أعماله عن بغض عنيف لمحمد علي، يجب علينا — على الأرجح — أن نعزوَ مسئولية السياسة الإنكليزية.

أليس من الغرابة بمكان رؤية سفير يعمل بدون أمر من حكومته أو يعمل عكس ما تأمر به؟ بَيْدَ أن ذلك أمر واقع، والسير شارل نابير يشير إلى ذلك أكثر من عشرين مرة في كتابه، والسيدان وود ومور اللذان أضرما نار الثورة في الجبل ما هما إلا من الأخصاء المقربين من اللورد بونسونبي. فلماذا إذنْ لم يُستدعيا؟ وعلى الرغم من أن الحكومة الإنكليزية زُجت في المعترك رغمًا عنها، لم يكن باستطاعتها، في الحالة التي كانت بها الأوضاع والخواطر، أن تعنِّف سفيرها على تصرفاته فتنكر ما نُسب إليه. وهي لو فعلت لكان يعني ذلك تراجعها، فضلًا عن أن اللورد بونسونبي عرَّض نفسه أكثر من مرة واحدة لتنبيهات قاسية تُوجهها إليه حكومته.

أما الزعم بأن وزارة حزب «وايغ» في لندرة قد دُهشت لدى وقوع هذا الحادث، فهذا كلام لا ريب فيه. ويمكننا أن نؤيد هذا القول بعدة براهين، وليس ثَمَّةَ براهين على ذلك أبلغ من حالة الأسطول الإنكليزي عند توقيع معاهدة ١٥ تموز وخلال الشهر الذي تلا هذا التوقيع، فعندما تلقَّى الأسطول الأمر بالتحرك كان الفصل قد تقدم كثيرًا، وكانت السفن الإنكليزية مبعثرة هنا وهنالك في البحر المتوسط، وكان الأميرال ستوبفورد في مالطة على رأس قسم من بوارجه. أما القسم الآخر فكان في فورلا، وكان السير شارل نابير عائدًا مع بارجته إلى مينائه القديم في أزمير حين التقى على شاطئ كاراماني المركب البخاري الذي أمره بالتوجه للمرابطة أمام بيروت. وكانت بحَّارة جميع هذه البوارج دون المعدل المطلوب عددًا. وكان ينقص الدارعة «البرنسيس شارلوت» ربع بحَّارتها المسلحين المتأهبين للحرب. ولكي يجدوا ألفًا وخمسماية بحَّار يقومون بأعباء الحملة كان لا بد لهم من أن يفتشوا عنهم في جزر بحر أيونيا ومالطة وجبل طارق، وكان الأميرال النمسوي في أزمير يقود بارجة واحدة، أما الأتراك — وكان يتوجب عليهم على الأقل أن يكونوا في الخط الأول — فلم يكونوا على أقل استعداد، بل كانوا يفتقرون إلى الرجال والبوارج والأعتدة.

وإليكم بيانًا بما كانت تتألف منه قوات الدول المتحالفة في هذه المغامرة:

كان الأسطول الإنكليزي في البحر الأبيض المتوسط يتألف من اثنتي عشرة بارجة قتال، وثماني بوارج خفيفة، وخمسة مراكب بخارية، وقد استقدم ألف وخمسماية بحار على عدة بواخر نقل. وكانت هذه الفرق المعَدة للنزول إلى الشاطئ بدون قائد؛ فحملتهم سرعة العمليات البحرية التي قاموا بها على أن يعيِّنوا على رأسها ضابطًا كان يومذاك مريضًا في جبل طارق، فلم يتمكن من الاتصال بها إلا بعد انتهاء القتال الفعلي.

أما الأسطول النمسوي الذي كان معقود اللواء للأميرال بانديارا، فكان يتألف من عمارتين كبيرتين، ومركب ذي صاريين، ومركب بخاري. وقد تمكن هذا الأسطول من إنزال مائة مدفعي إلى الشاطئ، وهذا هو النصيب الذي ساهمت به النمسا.

أضف إلى ذلك بارجة تركية كان يقودها القبطان ولكر، وهو من أبرز ربانية البحرية البريطانية. والبارجة «فوكوارد» التي كان يقودها قبل أن تصبح في خدمة تركيا، تركت ذكريات طيبة في سجل أعمال الأسطول الإنكليزي. أما العمارة «مقدمة الخير» التي كان يرفرف عليها عَلَمه، فقد كانت حسبما يقول السيد هنتر «رمزًا واضحًا لحالة المملكة العثمانية الحاضرة. كانت عتيقة بالية تتصاعد إليها المياه من كل جانب، ولا يجرؤ أن يصعد عليها إلا أشجع البحارة وأبسلهم.» ومع ذلك فهي العمارة الوحيدة التي بقيت للسلطان؛ إذ إن جميع البوارج الأخرى قد سُلمت إلى محمد علي على إثر خيانة رئيس الأسطول العثماني. وجد ولكر بك هذه السفينة الحربية في مرفأ «سانتيجي» تتقاذفها الأنواء، وكانوا يعتبرونها غير صالحة للإبحار فأُهملت منذ عدة سنوات. ولكن مقدرة هذا القائد وسعة علمه مكَّنتاه من إصلاحها قدر المستطاع، فاقتادها حتى أرساها أمام بيروت.

أما البحارة فكانوا أغرب مزيج من المخلوقات يمكن أن يتصوره الإنسان. إننا لا نستطيع تخيُّل هذا المزيج وتصوُّره ما لم نَرَ بأُم العين أسواق القسطنطينية؛ فمن هنالك أتى هؤلاء البحارة. كانوا من الأتراك الحقيري البنية، المضطربي الأعصاب، التائهي النظرات، ومن باعة الثلوج أو الإسفنج، ومن خدام الحمامات، والبقالين … إلخ، وكان يبلغ عددهم حوالي الثمانماية رجل يُضاف إليهم مائة رجل ذوي بنية أشد وأكثر منهم تيهًا من طبقة الفلاحين والمتشردين. وعلى كلٍّ لم يكن بين هؤلاء أكثر من عشرين رجلًا سبق لهم أن نزلوا إلى البحر. أجل، مع هؤلاء البحارة التعساء قضى ولكر بك جميع لياليه مرتديًا ثيابه.

وكانت تتبع هذه البارجة قافلة تنقل أولى الفرق، وهي تتألف من خمسة آلاف وثلاثماية جندي تركي، يقودهم الجنرال جوكنوس. ويقال إن هذا الرجل هو رجل ثوري شعبي من أصل هانوفري، أخذ يطوف العالم مدافعًا عن الحرية، على إثر خلاف حصل بينه وبين حكومة بلاده. ساهم في أعمال حملة البرتغال برتبة ضابط في معسكر دون بيدرو، وظل ينتقل من مغامرة إلى مغامرة حتى أدرك أخيرًا القسطنطينية وتطوَّع فيها، وهو اليوم حائز على رتبة فريق أو قائد فرقة. وفي عداد ضباطه واحد كان يُدعى عمر بك، وهو مرتد نمسوي انتُدب اليوم حاكمًا على لبنان. فهذا الرجل هو الذي كان سبب الحرب الأهلية التي خاضها الدروز والموارنة، والذي أوقف بخساسةٍ ومكرٍ زعماء الدروز على إثر مأدبة دعاهم إليها.

وكان سر عسكر هذه الجيوش، وحاكم سوريا من قِبل السلطان، عزت محمد باشا، وقد أصبح مذ ذاك صدرًا أعظم، ثم فقد حظوته عند السلطان، وهو هو الذي دافع ببسالة عن «فارنا» ضد الروس ليكلِّفهم ما طمحوا إليه ثمنًا أغلى — على ما يقال. إنه تركي من المدرسة القديمة، يهيم بجمع المال؛ ففي اليوم الذي سقطت فيه بيروت كان أول ما فكر فيه أن يفرض على المدينة سلفة قدرها عشرون ألف قرش تُدفع ظُهر اليوم التالي. والقومودور لا يحترمه بدليل ما كتب إلى اللورد بالمرستون قال: «إذا كان جميع الباشوات كالذي أوفده إلينا، فالشعب ها هنا سيكون أكثر بؤسًا وتعاسة عما كان عليه في عهد محمد علي.» ثم استطرد يقول: «فهذا الباشا هو أقبح رجال العالم، فإذا لم يُبعدوه، فما من شك بأن كارثة ستحل.» بَيْدَ أن القدر شاء أن يحقق أمنية القومودور. فما إن انتهت المعركة — وهي معركة واحدة اقتضتها جميع أعمال الحملة ضد إبراهيم باشا — حتى ابتهج الأتراك لظفر الإنكليز، فأخذوا يحيون نصرهم بطلقات نارية قوية، والباشا كان قدوة للناس في إبداء فرحه بلسان الرصاص والبارود. واتفق أن عثرت به فرسه، فانطلقت رصاصة من مسدسه، فاخترقت فخذه.

فصاح القومودور: «يا للأسف! ليته أطلق هذه الرصاصة على رأسه!» فعاد عزت محمد باشا إلى القسطنطينية ليتداوى. «بَيْدَ أنه عندما ذهب، يقول السيد هنتر، استصحب صندوق مال الجيوش التركية.»

تلك كانت جميع وسائل الدول المتحالفة؛ فالجيوش التركية التي وصلت على التوالي حتى بلغ عددها رقمًا يتراوح بين الخمسة عشر والثمانية عشر ألف رجل، لم تصل إلا بعد الاستيلاء على عكا. أما بروسيا وروسيا فلم تُقدِّما شيئًا من البواخر والجنود، ولم تدفعا فلسًا واحدًا، ولا قُدمت للجبليين الأسلحة الضرورية في بدء الأعمال الحربية. فلو كانت الوزارة الإنكليزية — وهي التي تُحسن تقدير الأمور وعواقبها وتعد لها العدة — قد درست بتأنٍّ وتبصُّر معاهدة ١٥ تموز، والحملة التي نتجت عنها، لَمَا خاطرت بنفسها وسيَّرت تلك القوات بهذه الأعتدة الهزيلة لتحارب عدوًّا كان يبدو أنه قوي.

وإليكم بيانًا بما كانت تتألف منه قوات نائب الملك:

في مرفأ الإسكندرية كانت ترابط ثماني عشرة سفينة قتال، وست بوارج كبيرة، وحوالي عشرين عمارة خفيفة، وعدد كبير من المراكب البخارية. وكان هذا الأسطول مسلحًا بعدته الكاملة، وكان بحَّارته على استعداد للحرب.

أما سوريا فكان يعسكر فيها جيش يراوح عدد رجاله بين ثمانين وتسعين ألف مقاتل، منهم عشرة آلاف خيَّال مجهزون أحسن تجهيز. وكانت المدفعية التي تتألف من مائة وست وستين قطعة في حالة حسنة، وإذا أضفنا إلى هذا الجيش ما كان لدى إبراهيم باشا من الجنود غير المدربة، يجب علينا أن نجعل عدد قواته مائة وعشرة آلاف مقاتل،٢ وهذا عدد كافٍ لجيش قوي المعنويات لم يكن قد مُنِيَ بعدُ بأية هزيمة، بل كان يحالفه الانتصار الباهر أينما حل وتوجَّه.

وكان في مصر جيش ثانٍ يتألف من حوالي أربعين ألف رجل.

ثم إن الباشا كان يُقاتل في بلاده، وهذه أسبقية يجب أن يُحسب لها أكبر حساب؛ فحالة الطقس كانت تلائمه وتساعده لأنه أَلِفها وتعودها. وأخيرًا، فهناك أسطول فرنسي مرابط في تلك المنطقة وقد قام بعمليات — عن قصد أو عن غير قصد — من شأنها أن تقلق الضباط الإنكليز.

فماذا نقول عن العمليات الحربية إذا سلمنا أن هنالك عمليات حقيقية؟ إن الأميرال ستوبفورد — الذي عينته الدول المتحالفة قائدًا عامًّا للقوات البحرية والبرية — لم يتلقَّ أمرًا واحدًا. إنه لم يتلقَّ منها ما يرشده إلى ما يجب أن يقوم به؛ فكان أقصى همومه أن يحتل مدينةً ما، يمكنه أن يقضيَ فيها مع بحَّارته وجنوده أيام الشتاء ليبدأ من ثَمَّ حملته عمليًّا في أوائل فصل الربيع من عام ١٨٤١.

ومع ذلك فهنالك أعمال يجب أن يُقام بها أثناء هذه الأيام الباقية، ألا وهي إعداد الجبليين وتسليحهم. وخير نقطة تلائم هذا العمل هي مدينة بيروت، ولكنها في يد سليمان باشا الرابض بها على رأس جيش يتألَّف من ١٢٠٠٠ رجل، فليفتش إذنْ عن موقع آخر.

على بُعد ثلاثة فراسخ تقريبًا — شمالي بيروت — يوجد خليج جونيه المنبسط عند أقدام أكمات وربى وعرة، يحميه من جهة بيروت نهر الكلب الذي شق طريقه في وسط الجبال العالية والأودية التي لا تُقطع. فعلى من يحاول قطع هذه الطريق الممتدة من بيروت إلى جونيه أن يعبر على جسر ضيق معلَّق في الهواء، يقع عند المصب. تستطيع عمارة أو عمارتان أن تسد هذه الطريق بوجه سليمان باشا، فيتوجب عليه — إذا شاء مهاجمة الجيوش النازلة في جونيه — أن يتوغل في البلاد ليقوم بحركة الْتِفاف واسعة النطاق تراوح مسافتها بين الخمسة عشر والعشرين فرسخًا.

اختير خليج جونيه موقعًا لإنزال الجيوش، ولأجل نجاح هذه الخطة قام الأسطول الإنكليزي بمحاولة هجوم شكلية على بيروت، فشُغل سليمان باشا بالمدافعة عن هذه المدينة.

كادت هذه الخطة المرسومة أن تنجح أكبر نجاح، ولكن الأميرال ستوبفورد الذي أقلقه الأسطول الفرنسي وبوارج محمد علي — وكانت ثماني عشرة بارجة — ما لبث أن ابتعد عن الساحل مصطحبًا قسمًا كبيرًا من أسطوله. وخلال غَيبة السر شارل سميث — وكان آنذاك مريضًا، وقيل إنه كان منصرفًا إلى وضع خطة علمية للعمليات التي بدأت — ظل القومودور مرابطًا على شاطئ جونيه مع بضع عمارات، وقيادة معسكر جونيه. ولكنه لم يُضِعْ وقته؛ فبينما كانوا يقومون بالتحصُّن حوله، كان هو يوزِّع الأسلحة والذخائر على الجبليين، ثم بعث بوحدات من أسطوله لتهاجم جبيل والبترون وصور؛ هذه الفرضات غير المحصنة. فسحقت مدفعية البوارج الحربية الحفنات القليلة من الألبانيين المنسيين وراء جدرانها، لا المستعدين للدفاع عنها.

واغتر الأميرال بهذه الانتصارات فحدثته نفسه بمهاجمة صيدا؛ المدينة الهامة، راجيًا — كما زينوا له — أن تقضيَ فيها جيوشه فصل الشتاء. وهنا اشتدت المنافسة بين السر شارل نابير وقائد البارجة «ثوندور» — وهو سليل عائلة بركلي الشهيرة — فطلب أن يقود هذه الحملة: إنه لا يريد أن يترك شيئًا لسواه. وبعد قصف صيدا بنيران المدافع حوالي نصف ساعة، نزل إلى البر على رأس فرقة تركية وفرقة من جنود البحرية؛ فهزم الحامية المصرية.

لم نُمْنَ في هذه المعارك بسوى خسائر طفيفة؛ فالعدو لم يكن يظهر له أي أثر في مكانٍ ما. وكان القومودور يلح على الأميرال بوجوب توسيع نطاق عملياته، فأجابه السر روبير ستوبفورد: كلا، أخشى أن يعوزنا الحديد والنار، وخيرٌ من ذلك أن نحشد جيوشنا في نقطة معينة. أما القومودور فكان يرى غير هذا الرأي، فاعتمد على كونه عين قائدًا موقتًا للجيوش وتسلل إلى الجبل.

وبماذا كان يهتم حين ذاك إبراهيم باشا؟ لا نعلم شيئًا عن هذا؛ فالعمليات ابتدأت في أوائل شهر آب، وها نحن في أوائل تشرين الأول، فما فعل خلال هذه الفترة؟

بينما كان الناس يعتقدون في أوروبا — وهذا ما زاد القضية إشكالًا وتعقيدًا — أنه يتوجه إلى القسطنطينية على رأس ثمانين ألف رجل تاركًا وراءه بعض الفرق لتحميَ الجبل، كان الباشا — كما أنبأتنا أخبار الإسكندرية اليومية — يحشد جيوشه. فمن يستطيع التكهن إذنْ عن هذا العمل، وعن غاية القائد الذي يعتبرونه ذا مقدرة حربية لا تضاهى؟

إن قائد القوات المتحالفة لم يعلم إلا حوالي اليوم الثامن من تشرين الأول أن إبراهيم باشا يزحف إلى جونيه على رأس جيش صغير يتألف من ثلاثة آلاف رجل، وهذا هو الجيش الذي استطاع أن يؤلفه، بعد جهود شهر كامل، من فلول جيشه الضخم.

استغرب القومودور هذا النبأ كل الاستغراب، وباشر من ثَمَّ العمل حالًا. كان يتقدم نحو العدو ظانًّا أن سليمان باشا على مقربة منه، وأنه إذا أعطاه الوقت الكافيَ لينضم إلى إبراهيم باشا فسيبلغ عدد جيشيهما خمسة عشر ألف رجل. رأى أنه يستطيع التغلب على إبراهيم باشا وحده، وما من شك في أن نتيجة النصر ستؤثِّر على الجيش المصري المهدم المعنويات، فلاقى إبراهيم باشا على رأس جيش مؤلف من أربعة آلاف رجل من الإنكليز والأتراك والمصريين الفارين من الجندية.

أقلقت بال الأميرال هذه الحركة الجريئة والمعقولة معًا، فبعث إلى القومودور برسائل يتلو بعضها بعضًا، يسأله فيها بلهجة الرجاء والحب أن يحارب مندحرًا؛ فكان جوابه دائمًا: إلى الأمام.

أوضح خطته للسر روبير ستوبفورد، ولكي يهدِّئ من روعه حدَّثه عن الانتصارات التي لاقاها الأمير القاسم على المصريين. فأجابه الأميرال: أن الأمير رجل شجاع، ولكنكم تخاطرون كثيرًا بنفسكم.

لم يأبه القومودور نابير لهذه الآراء، بل ازداد نشاطًا لأن ظروفًا مؤاتية حثت خطاه؛ فالسر شارل سميث شُفي من مرضه، وعاد إلى معسكر جونيه ليقوم بأعباء القيادة؛ فلا بد — إذ ذاك — من تخلِّيه له عنها، وهذا ما حدث فعلًا؛ فقد أنبأه ستوبفورد بذلك وأمره بالانسحاب، ولكن الأمر بلغه متأخرًا، فقد كان القائد الموقت قد صار وجهًا لوجه مع العدو في بحرصاف على قمة جبل ذي ثلاث طبقات. استحثَّ السر شارل نابير جنوده، وبعد فترة تردد فيها الأتراك، استولى على الموقع، ففر إبراهيم باشا على رأس كتيبة من الخيالة، ثم لم تَرَ الجيوش المتحالفة وجهه إلا بعد إعلان الهدنة.

إنها معركة «مارينكو»! هكذا سماها القومودور نابير الذي قام بها. لقد كلفته حوالي خمسين رجلًا وكثيرًا من ضروب البلاغة، ومن بينها بلاغة العصا لإكراه الأتراك على التقدم على حد قوله في رسالة خاصة. ويروي السيد هنتر أن غيظه البالغ الحد دفعه إلى أن يتناول بندقية ويبطح تركيًّا على الأرض ليطلق رصاصها على صدره، ولكن الكولونيل هودجر — وكان يومذاك قنصل إنكلترا العام في الإسكندرية، وهو اليوم في همبورغ — أدار لحسن الحظ فم البندقية وانتزع سلاح القومودور الثائر، ولكن طبيعة التربة الكثيرة الحصى أعطته سلاحًا جديدًا وهو الحجارة، فأخذ يطارد بها الأتراك، فتتساقط عليهم كأنها البرد. وما مازال بهم حتى أذعنوا وانقادوا له، وعلى كلٍّ فالجنرال جوكنوس يقول في تقرير رفعه إلى اللورد بونسونبي: «إنهم وإن لم يحاربوا كما حاربوا أيام سليمان الكبير، فإنهم لم يدَّخروا شيئًا من جهدهم في مطاردتهم المصريين.»

وبعد القتال تلقَّى نابير أمرًا من الأميرال ستوبفورد يقول له فيه: «أطلب إليكم أن تتراجعوا إلى جونيه؛ لأنكم لم تتقيدوا بأوامري.»

وأخيرًا عاد نابير فدخل جونيه دخول الفاتح. وبعد أن صعد إلى البارجة «بوفرفول» تنازل عن مهمة قيادة الجيوش للسر شارل سميث غير عابئ — كما يقول السيد هنتر — إلا بالتحدث عن انتصاراته بعد عمل مضنٍ، ولم يبقَ يعنيه غير تدوين مواقيت الأزمنة التي مر خلالها في سوريا.

ثم أخذت قضية احتلال عكا تراود نفس القومودور، ولكنَّ التحدث عنها لم يعجب الأميرال التركي؛ فأحس شارل نابير بشيء من الضجر والسأم، فأخذ يتنزه في الجبال التي وصفها لنا وصفًا جميلًا. وأخيرًا صدر الأمر من إنكلترا بوجوب مهاجمة حصن سوريا الأساسي.

إننا نعلم ما حدث بعد ذلك، والشيء الوحيد الذي لفت النظر هو أن هذا القائد — نابير — المكلف قيادة إحدى فرق الأسطول غيَّر من تلقاء نفسه وجهة الخطة التي قررها المجلس الحربي قبل يوم. أعجبته آراؤه الخاصة، ولكن الأميرال الذي كان يخالفه في رأيه قد استقبله بأشد الجفاء بعد قيامه بهذا العمل كما شاء.

اشتعل شارل نابير غيظًا وطلب أن يحاكم أمام محكمة عسكرية، إلا أن روبير ستوبفورد رفض هذا الطلب، وأوفده — حين عجز عن إصلاحه — للقيام بمحاصرة مرفأ الإسكندرية.

وهنا تبدو الصورة الأكثر غرابة في جميع تصرفات هذا القائد خلال أعماله في هذه الغزوة؛ فما بلغ الشاطئ المصري حتى طلب مقابلة الباشا، وبدون أية تعليمات سابقة أو تفويض، أو أمر أو استشارة شخصٍ ما، عقد معه اتفاقًا اعترف له فيه — باسم القوى المتحالفة — بوراثة الولاية على مصر، شرط أن يرد الأسطول التركي، وأن تجلوَ الجيوش عن سوريا وكاندي (قبرص) والمدن المقدسة. وبعد هذا الحادث رجع نابير، على متن اﻟ «بوفرفول»، إلى خليج مارماريس لينتظر فيه بهدوءٍ العاصفة التي أثيرت حول تصرفاته غير الشرعية.

كانت العاصفة شديدة للغاية؛ فقد أجابه السر شارل سميث الملقاة على عاتقه مهمة القيام بالحملة، في رسالة جافة، على ما وصلت إليه مفاوضاته كما لو كان كلف ذلك. وأنكر السيد روبير ستويبفورد الذي أتعبته تصرفات نابير الغريبة جميع ما أتى به من أعمال. ولم تَسُرَّ سفراءَ الدول الأربعة في القسطنطينية تصرفاتُ بحري تطاول على حقوقهم فقاموا يناصبونه العداء. ورفض الديوان الهمايوني الذي كان ينتظر انهيار محمد علي ما أقره شارل نابير في مفاوضته، وأشد هؤلاء المعترضين غضبًا كان اللورد بونسونبي الذي يُكِنُّ حقدًا أعمى لنائب الملك، فقال في ذلك: أحاطوا بهذا القومودور الشيخ من كل جهة فغلبوه على أمره، أما أنا فإني لن أتراجع أبدًا.

يقول السيد هنتر: «سمعهم هذا الشيخ الباسل، أكثر من مرة، ينعتونه بالقرصان. إنهم لم يتحرَّجوا يومئذٍ في إطلاق كل صفة قاسية عليه. كادوا يقولون: إن مشنقة غير عالية كثيرًا تكفي لشنقه. ومع ذلك فلِكي أُعيد ما كان يحدِّث به نفسه، وهو يتنشق سعوطه بهدوء، أقول: إنه لم يبالِ بهذه العاصفة الهوجاء قط، وقد كان يعلم كل العلم أن مفاوضاته ستؤيَّد في لندرة، وقد حقق الزمن ما تنبَّأ به.»

كانت دول أوروبا قلقة مذعورة من جراء الحوادث التي كان شاطئ سوريا مسرحًا لها؛ فهي تريد — مهما كلفها الأمر — وضع حدٍّ لها؛ فالسر شارل نابير لم يخطئ إذن عندما باشر مفاوضاته. إلا أن اللورد بالمرستون لم يجرؤ أن يؤيد تأييدًا صريحًا طريقة تصرفاته غير الشرعية. وفضلًا عن ذلك فإنه لم يلمه على عمله. وبالاتفاق مع السيد ماتيرنيخ أمر سفيره أن يفاوض على الأسس التي وضعها القومودور. وبالواقع كانت مفاوضات نابير أسس المعاهدات التي حددت بعد ذاك موقف محمد علي، ولقد سُرَّ السر شارل نابير بأن يُوفَد إلى مصر مع ولده الليوتنان كولونيل نابير ليتولى بنفسه السهر على تنفيذ هذه المعاهدة.

هكذا انتهت حملة سوريا. وهنا — على ما يرجَّح — ينتهي حديث القومودور. وعلى كلٍّ فقد خصص أكثر من نصف جزء من كتابه ليدل على القليل من الإرادة الطيبة، وإذا أحسنَّا التعبير قلنا: على القليل من حسن النية التي أظهرها اللورد بونسونبي نحو حكومته في المفاوضات التي كُلف القيام بها، إلا أننا نجد هنالك بضع صفحات ممتعة عن تقارير دورية مليئة بالادِّعاءات، كان الجنرال جوكنوس يوجهها إلى الديوان ليؤكد له أنه يقضي على إبراهيم باشا في يوم واحد، أما السر شارل نابير فقد أظهر سخافة جميع العمليات التي كان يصفها جوكنوس في تقاريره وصفًا فخمًا ويبعث بها إلى الديوان، وبيَّن أن الجيوش التركية لم تصطدم اصطدامًا فعليًّا — ولو مرة واحدة — مع إبراهيم باشا، ثم ختم كلامه قائلًا: «وهذا الجيش الذي يربو عدده على المائة ألف جندي، ويبلغ من النساء والأولاد أكثر من مائتي ألف نسمة، لم يدخل منه مصر أكثر من ثلاثين ألف شخص، إن مجموع من فقدناهم في الحرب لا يتعدى الأربعة آلاف رجل! فماذا حل بالباقين؟»٣

وبعد احتلال سوريا تداولت لبنان أشد العجائب وأقساها؛ فرغم السكينة التي ظهرت في الجبل لم يتمكَّن الأهلون أن ينعموا براحةٍ حقيقية؛ فكانوا دائمًا عرضة للأهوال المخيفة.

أما سوريا فلم تكن أكثر سعادة من لبنان. كان الحاكم يعامل رعاياه بقساوة متناهية، ويرهقهم بفرضه الضرائب الثقيلة، وينكر عليهم حقوقهم. وكان ممثلوه يعاملون هذا الشعب بلامبالاة مفرطة.

قالوا: إن الأتراك نشروا المدنية. ولكنه يمكنني أن أؤكد أن شيئًا من هذا لم يكن في سوريا.

إني أقيم في هذا البلد منذ أكثر من أربعين سنة، وغيابي عنه مرات مكَّنني من إجادة الحكم عليه؛ فأنا لم أرَ أي تغيير إلا في مظهر الذين يَقدِمون من القسطنطينية؛ ذلك أن أتراك سوريا لم يتطوَّروا في شيء حتى في ألبستهم. أما أولئك الذين كانوا يتكلَّفون الظهور بمظهر أوروبي، فقد آنسونا إذ أباحوا لأنفسهم الجلوس على موائدنا، ولكن بعد أن اتبعوا العادات التركية التي يُحسنون التفريق بينها وبين العادات الفرنسية؛ فالشرب على الطريقة الأوروبية يعني الاكتفاء بتناوُل بعض كئوس من الخمر. أما «الكيف» فيعني عندهم شرب العرق والخمرة قبل الأكل، وتناول جميع الخمور التي تقدَّم على الخوان، ثم الانسحاب قبل أن يقوم المؤاكلون، والجلوس على ديوان مع بقية من القابلية للتدخين، وتناول القهوة خشية أن تكب على الصدرية؛ فالأتراك أصبحوا يلبسون الصدرية بعد الإصلاحات التي قاموا بها.

أما أعمال الإدارة وما يتعلق بها فلا تزال سيئة كما كانت عليه قديمًا، ومناهج القضاء لم تتغير، سواءٌ أكان ذلك في أساليب إحقاق الحق أو الانحراف عنه.

إن أصح كلمة تقال — للدلالة على الآلام التي لاقتها شعوب سوريا — هي أنهم أخذوا يتأسفون على عهد المصريين؛ تلك الفترة التعسة التي سبق لي أن وصفتها فيما كتبته. إن تعاسات زمنٍ ولَّى وراح تفقد دائمًا الكثير من طابعها المخيف. والإنسان لا يتألم ولا يشكو إلا مما يعانيه في الساعة التي هو فيها.

هوامش

(١) يتعلق هذا المقال بكتابين طُبعا في لندن، ويدور موضوعهما عن الحرب التي خاضها القومودور السر شارل نابير ورفيقه و. ب. هتر في سوريا.
(٢) تبيَّن من إحصاء صحيح وُضع في أيار عام ١٨٤٠ أن عدد الجنود المدربين في الجيوش المصرية التي نزلت آنذاك في سوريا قد بلغ ٦٦٢٤٠ جنديًّا. أما الجنود غير المدربين فقد بلغ عددهم ٥٧٠٠ جندي؛ وهكذا لم يتجاوز عدد الجيش اﻟ ٧١٩٤٠ رجلًا.
(٣) إن القسم الأكبر من النساء والأولاد، وعددًا لا يُحصى من الذين فروا من الجندية، ظلوا في البلدان الجنوبية التي تشابه تمامًا بلدان مصر، وعلى كلٍّ فيجب أن لا ننسى أنه بولغ كثيرًا فيما ذُكر من عدد جنود إبراهيم باشا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١