الفصل الخامس

بين الزوج والحبيب

  • المكان: جنَّة العريف في قصر الحمراء.
  • المنظر: أشجار، أزهار، مقعد خشبي، ظلمة يتخلَّلها ضوء القمر.

المشهد الأول

(دريدة مع وصائفها)

(غناء من الخارج، وصائف حول دريدة، اثنتان منهن تحملان المراوح. بعد انتهاء الغناء ترقص الوصائف رقصًا أندلسيًّا يرافقه الدُّف والفقَّاشات، وبعد أن ينتهين من الرقص ينحنين أمامها، فتقف وتشير إليهن بالخروج، فيخرجن وتبقى وحدها مع وصيفتها الأولى.)

دريدة :
قَامَتْ بَنَاتُ اللَّيْلِ مِنْ خِدْرِهَا
تخفقُ مَا بَيْنَ ضُلُوعِ الظَّلَامْ
وَقُمْتُ وَحْدِي، لَا فَقَلْبِي مَعِي
نَنْدبُ أَيَّامَ الصَّفَا وَالسَّلَامْ
تَخُطُّ بالدَّمْعِ جُفُونِي عَلَى
خَدَّيَّ مَا يُمْلِي عَلَيْهَا الْغَرَامْ
كَمْ لَيْلَةٍ أَحْيَيْتُهَا لِلضُّحَى
أَبْكِي! وَهَلْ مِثْل عُيُونِي تَنَامْ؟
فَيَا بَنَاتَ الرَّوْضِ قُومِي ارْقُصِي
حَوْلِيَ فِي الْوَادِي وَبَيْنَ الْإكَامْ
وَلْيَبْتَسِمْ وَرْدُكِ عَنْ كُمِّهِ
فَالدَّهْرُ أَنْسَانِيَ مَا الْابْتِسَامْ

المشهد الثاني

(دريدة – ابن حامد في ملابس زنجي)
الزنجي : سيدتي الملكة.
دريدة (بذعر) : من أنتَ يا رجل؟
الزنجي : لا تخشي شرًّا يا مولاتي؛ فأنا رسول ابن حامد إليك.
دريدة : وما برهانك؟
الزنجي : هو هذا المنديل (يعطيها المنديل).
دريدة (تتأمل المنديل) : أجل هذا هو المنديل الذي ربطت به حسامهُ يوم ذهابه إلى المعركة (على حدة) فلأتكتَّم أمام هذا الرجل؛ فقد يكون آتيًا لخداعي (للزنجي) وأين سيدك الآن؟
الزنجي : على الطريق يا مولاتي، وقد أرسلني لأبشرك بقدومه.
دريدة : وإلى أين هو قادم؟
الزنجي : إلى غرناطة؛ فقد لج به الشوق إلى رؤيتك.
دريدة : ولكن ألا يعلم أنَّ الموت يترصده في دخوله إلى غرناطة؟ وما الذي يريده مني؟ إنني امرأة متزوجةٌ، ومن واجبي المحافظة على عرض زوجي؛ فلا يمكنني مقابلته.
الزنجي : إذن صح ظني؛ فقد خدعت.
دريدة : رباه! إنني أعرف هذا الصوت.
الزنجي : وتعرفين صاحبه أيضًا (يكشف قناعه) أعرفتني الآن؟
دريدة : ماذا؟ ابن حامد، أنت هنا؟

(تقترب منه فيبتعد عنها.)

ابن حامد :
إِنِّي هُنَا وَحَذَارِ أَنْ تدْنِي إِلَى
صَدْرِي فَإِنَّ بِجَوْفِهِ نِيرَانَا
وَالَهْفَ نَفْسِي إِذْ تَحَقَّقْتُ الَّذِي
قَالُوا وَكُنْتُ أَظُنُّهُ بُهْتَانَا
أَلِأَجْلِ هَذَا التَّاجِ خُنْتِ مُتَيَّمًا
ضَحَّى لَدَيْكِ بِقَلْبِهِ قُرْبَانَا؟
أَلَبِسْتِهِ ثَمَنًا لِحُسْنٍ لَمْ يَكُنْ
عَهْدِي بِأَنَّ لِبَيْعِهِ أَثْمَانَا؟
دريدة :
أَتَشُكُّ فِي حُبِّي إِذَنْ؟
ابن حامد :
… لَا إِنَّمَا
زِدْتِ الْهَوَى حَتَّى اسْتَحَالَ هَوَانَا
حَقًّا بِأَنَّكِ فِي الْغَرَامِ وَفِيَّةٌ
تَرْعَى الْعُهُودَ وَتَحْفَظُ الْأَيْمَانَا
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ رَأْسَكِ مُغْرَمٌ
بِالتَّاجِ تُبْهِرُهُ الْحُلَى لَمَعَانَا
لَدَخَلْتُ حَتَّى بَيْتَ رَبِّي سَارِقًا
وَقَتَلْتُ حَتَّى الْغولَ وَالشَّيْطَانَا
وَأَتَيْتُ دَارَكِ حَامِلًا عوضًا عنِ
التَّاجِ الَّذِي تَبْغِينَهُ تِيجَانَا
وَنَزَعْتُ مِنْ عَيْنِي الضِّيَا نُورًا لَهَا
وَسَكَبْتُ مِنْ دَمْعِي لَهَا مَرْجَانَا
دريدة : ويلاه، إنه يتَّهمني! ابن حامد …
ابن حامد : ولكنَّك جميلةٌ بهذا التاج، فهو يستحق تلك التضحية. أنت فتانة بهذه الملابس؛ فهي تزيدك تيهًا ودلالًا، جذابة بهذه الجواهر؛ فقد جعلتك مشعةً كالفجر، متلألئةً كالليل، فانعمي بها! أما أنا، فمن أين لي مثل هذه النفائس لأقدمها إليك؟ لم يكن لي غير قلبي، ولكنك لم تكتفي به.
دريدة : ابن حامد، ماذا أصابك؟ أصغ إليَّ.
ابن حامد : ولكن … ألا تشعرين بثقل هذا التاج وقد حمل عار الخيانة؟ ألا تشعرين بوخز هذه اللآلئ وقد تلطخت بدم الجريمة؟ وهذه الثياب، ألا تشعرين بلذعها وقد شبَّت بها نار الغدر؟
دريدة : رحماك لا تزدْ (تسقط على المقعد).
ابن حامد : هه، هه. إنها تتنازل لاستعطافي وهي ملكة متوجة، ولكنك جديرة بعظمة الملك، وما أنا غير شقي لا يريد إلا الموت. (يركع ويقدم إليها خنجرًا) فهاك روحي واختطفيها. هذه الروح التي لم تخفق إلَّا لك.

(تقف وتنتزع منه الخنجر وترميه على الأرض.)

دريدة : أهذا اعتقادك فيَّ يا ابن حامد؟ أهذا جزائي على التضحية التي احتملتها لأجلك؟ ويلٌ لكم أيها الرجال ما أقسى قلوبكم!
ابن حامد : ولكن …
دريدة : أفتظن أنني سعيدة؟ أنا التي احتملت ما لا يحتمله بشر. ألم تدر أنني ضحيت بقلبي وجسدي في سبيل تخليص حياتك؟
فأتيتَ تطلب مني أن أقضي على تلك الحياة، وقد دفعت ثمنًا لها دم قلبي، ودمع جفوني؟
ابن حامد : ما تقولين؟ أخال نفسي في حلم … بربك أعيدي ما قلتِهِ! إذنْ لم يتغيَّر قلبك عليَّ؟
دريدة : أصغِ إلي يا ابن حامد. إنني لا أخاف الموت، ولو قدرتُ أن أراك قبل زفافي لحملت إليك مثل هذا الخنجر وقلتُ لك: لنَمُتْ معًا … ولكنني كنت أمام أبي عبد الله بين إعدامك أو امتلاكي. فتأمل في موقفي، واحكم على سلوكي.
ابن حامد : اسمعوا، انظروا؛ إنها ضحت بنفسها لأجلي، فكانت لعنتي جزاءَها، (يركع) عفوًا يا دريدة، عفوًا أيها الملاك؛ إنهم خدعوني فاتهمتُك بالخيانة، اصفحي عني فقد تجاوزت بفظاظتي كل حد.
دريدة : قفْ يا ابن حامد، فأنا لا ألومك، أنا الأولى بطلب الصفح، ولكن خوفي عليك كان سببًا لما جرى، فلا يزال فينا نحن النساء موضع ضعفٍ مهما تبلغ قوتنا.
ابن حامد : ويلٌ لأبي عبد الله، فسيرى كيف ينتقم ابن حامد من أعدائه.
دريدة : لا يا ابن حامد، لا تفتكر بالانتقام؛ إن أبا عبد الله زوجي، فكيف تلطخ يديك بدمه؟ فإذا كنت لا تزال تحترمني فابتعد عن غرناطة.
ابن حامد : وأية لذةٍ لي في هذه الحياة وأنا بعيدٌ عنك؟
دريدة : ليس لي غير كلمةٍ أقولها لك: إن الشرف يمنعني عن أن أراك. فقدتُ كل شيء في هذا العالم، ولم يبقَ لي غير الشرف، ولن أعبث به.
ابن حامد : إنني — والله — لأُكْبِرُ فيك هذا النُّبل! ولكنني في موقف لا ينقذني منه غير الموت.
دريدة : وما يدفعك إلى الموت وإلى خنق هذا الحب المتقد في قلبينا؟ أنت ستتعذب، ولكن عذابك لن يبلغ عذابي، فكما اشتريت أنا بحياتي حياتك، اشتر أنت بحياتك حياتي، ولتكن ضحية بضحية.
ابن حامد : وكيف أعيش بلا أمل لقاء؟
دريدة : ألم تسمع بأخبار بني عذرة؟ ليكن حبنا إذن مثل حبِّهم، لنعشْ كما عاش جميلٌ وبثينة، ولنحبَّ كما أحبَّ كثيرٌ وعزة.
ابن حامد :
أَمَرْتِ بِأَنْ يَحْيَا وَهَا هُوَ طَائِعٌ
فَتًى لَمْ يَكُنْ طَوْعًا لِغَيْرِكِ لُبُّهُ
أَيعْصي مَقَالًا مِنْ شِفَاهِكِ صَادِرًا
وَلَوْ كَانَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي رُمْتِ نَحْبُهُ
إِذَا كَانَ فيمَا قَالَهُ لَكِ مغلظًا
وشَكَّ وَلَوْ حِينًا بِقَلْبِكِ قَلْبُهُ
فَلَا تَعْذِلِيهِ فَالْغَرَامُ أَضَلَّهُ
وَإِنْ كَانَ ذَا ذَنْبٍ فَحُبُّكِ ذَنْبُهُ
قِفِي وَاسْمَعِي نَجْوَاهُ قَبْلَ وَدَاعِهِ
وَباللهِ قُولِي: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ
دريدة : إنني أسمع حركةً؛ فاذهب يا ابن حامد ولا تنس ما قلته لك عن استحالة لقائنا. انظر إلى هذه الشجرة، إن دريدًا تبكي في ظلِّها كل مساء.
ابن حامد : كما تريدين فوداعًا.

(يُقبِّل يدها ويخرج.)

دريدة : يا سماء، إنني احتملتُ فوق ما يحتمل البشر، فمتى ينتهي عذابي؟
ابن حامد، أحببتُك وأحبُّك وسأحبك إلى الأبد!

(تخرج.)

المشهد الثالث

(علي – حمد)
علي : أرأيت وسمعت يا حمد؟
حمد : لم تفتني كلمةٌ واحدة.
علي : ابن حامد، وفي قصر السلطان! تلك جرأةٌ لم يسمع بمثلها! فلنُسرع بنقل الخبر إلى أبي عبد الله؛ فيأمر بالقبض عليه.
ولكن … بأية جريمةٍ نتهمه؟
حمد : نتهمه بما رأينا.
علي : وما رأَيَنَا ولم يكن بينهما ما يريب؟!

(تطل دريدة من الكواليس وتتراجع إلى الوراء.)

حمد : ولكنك على خطأ يا سيدي، ولم تر جيدًا ولم تسمع ما قيل، فأنا رأيته يَضمُّها إلى صدره، وتَضمُّه إلى صدرها، كما رأيته يعطيها خنجره لتقتل به السلطان.
علي : كيف لم أر ما رأيت ولم أسمع ما سمعت؟
حمد : يجب أن تقول إنك رأيت ذلك؛ إذن كيف نثبت عليهما الجريمة؟
علي : أحسنت كل الإحسان والخنجر لا يزال هنا شاهدًا عليهما؛ فلنُسرع إلى القبض على ابن حامد قبل أن يتمكن من الفرار.

(يخرجان وتدخل دريدة.)

المشهد الرابع

(دريدة وحدها)

لقد قضي علينا؛ إنهم يدبرون مكيدةً للفتك بابن حامد، فيا رب خذ بيدنا وخلِّصنا من هذا المأزق! إن ابن حامد بريء، وسيلصقون به أشنع التهم فلا يكون نصيبه غير الموت.

هذا أبو عبد الله خارج من قصره، ورفيق عليٍّ يقص عليه ولكن عكس ما رأى. إنه يرتجف غيظًا … إنه يتهدد ويتوعد. أرى الرجال تقوم إلى سلاحها، لقد تفرقوا كل منهم في جهة ليسدوا المنافذ على ابن حامد؛ فلأُرسلْ مَن يُعلِم بني سراج بما جرى، فيهرعون إلى إنقاذ أميرهم؛ إنه بريء يا إلهي؛ فليس من العدل أن يموت.

(تخرج.)

المشهد الخامس

(أبو عبد الله – حمد)
حمد : هنا كانا يا سيدي، وها هو الخنجر.

(يلتقط الخنجر ويقدمه لأبي عبد الله.)

أبو عبد الله : رباه! هذا خنجره بعينه، فويلٌ له وتبًّا لها! هو يسطو على عرضي، وهي تتلاعب بشرفي … لقد اتفقا على اغتيالي، فيا لانتقامي! سأقتل زوجتي، سأقتل ابن حامد، سأقتل كل بني سراج (لحمد) ألم يظهر عَلِيٌّ بعدُ؟
حمد : كلا يا مولاي، ولكنه لن يرجع قبل أن يقبض عليه.
أبو عبد الله : إذا قُيِّض له الإفلات من يدي؛ فسأقلب غرناطة رأسًا على عقب للعثور عليه! إنه جرحني في شرفي، جرحني في قلبي، فويلٌ له!
حمد : ظهر عليٌّ، فيا له من باسل!
أبو عبد الله : أرى بقربه رجلًا بملابس الزنوج.
حمد : هو ابن حامد وقد تنكَّر بها كي لا يعرفه أحد.
أبو عبد الله : شكرًا لله؛ فقد قيِّض لي أن أنتقم.
ابن حامد (من الخارج) : دعني؛ فأنا أسير وحدي، ولن أحاول الفرار، فأنا أسيرك.
علي : أعرفت الآن لمن الفوز الأخير؟

المشهد السادس

(أبو عبد الله – حمد – ابن حامد – علي)
أبو عبد الله : مرحبًا بقائد جيشي الخائن وطنه.
ابن حامد : لا تُهنِّي يا أبا عبد الله؛ فأنا شريفٌ والأشراف لا يُهانون.
أبو عبد الله : لا أعهد الأشراف يتسللون إلى القصور تسلل اللصوص.
ابن حامد : والآن ما تريد مني؟
أبو عبد الله : عرفتُ برجوعك من المنفى، فبعثت في طلبك لأرجع إليك خنجرًا وجده أحد رجالي هنا. أليس لك؟
ابن حامد : بلى، هو لي.
أبو عبد الله : وكيف وُجد هنا؟ وما سبب رجوعك إلى غرناطة بعد أن نفيتُك عنها؟
ابن حامد : لا جواب عندي على ما تسألني.
أبو عبد الله : وكيف تجاسرت على الاجتماع بزوجتي؟ أوَتجهل ما تحكم به الشريعة على من يفعل فعلك؟ أتنكر أنك قابلت دريدة؟ أجب … ولكنك لا تجسر على البوح بسفالتك يا خائن.
ابن حامد : قلت لك لا تُهنِّي؛ فأنا مستعدٌّ لاحتمال كل عقاب عدا الإهانة.
أبو عبد الله : لو كنت ممن يحافظون على كرامتهم لما تركت سبيلًا إلى إهانتك! ولكنك ستُعاقب أشد عقاب أنت وزوجتي، فتَعلَمان كيف يقتصُّ أبو عبد الله من الخونة أمثالكما.
ابن حامد : يا أبا عبد الله، إن الموت أقصى مناي، فاقتلني ومتِّع عينيك بمشهد طالما اشتهته عيناك، ولكن دريدة بريئة، وأقسم على ذلك بالسماء، وبالله الذي سأقف الآن أمامه.
أبو عبد الله : كذبت يا ابن حامد.
ابن حامد : وبأية جريمةٍ يتهمونها؟ ومَن يتهمها؟
أبو عبد الله : يتهمونها بالتآمر معك على الفتك بي، وقد أعطيتها هذا الخنجر لتقتلني به. أما الذي يتهمكما فهو أمامك (يشير إلى حمد).
ابن حامد : كاذبٌ — والله — هذا الرجل.
حمد : الكاذب مَن أنكر جريمته وقد وضحتْ وضوح الشمس.
ابن حامد : وما دليلُك يا رجل؟
حمد : دليلي عيناي وأذناي؛ فأنا والحمد لله لا أعمى ولا أصم، وقد رأيت وسمعتُ فلا تنكر.
ابن حامد : أأنت سمعتنا نتآمر على أبي عبد الله؟
حمد : نعم، نعم، نعم. أتريد أكثر من ذلك؟ وسيدي عَلِيٌّ كان حاضرًا وقد رأى ما رأيت.
علي : أشهدُ بصحة ما قاله حمد.
ابن حامد : أيها الرجلان، إن للدينا آخرة، وللإنسان ضميرٌ يبكِّته، فأنتما تكذبان، ودريدة بريئة.
علي : أقِرَّ بكل ما كان يا ابن حامد، فذلك خيرٌ لك وأبقى.
ابن حامد : إن هناك دمًا بريئًا ستهدره، فلتسقطْ تبعتُه على رأسك.
حمد : وأنا أُشاطره حمل النصف.
حاجب (من الخارج) : ولكن الدخول ممنوع.
دريدة : أنا الملكة آمرك؛ فعليك بالطاعة.
حاجب : هذه أوامر سيدي السلطان.
أبو عبد الله : دعها تدخل لتشاهد بأم عينها عقاب خليلها.

المشهد السابع

(أبو عبد الله – ابن حامد – علي – حمد – دريدة)
دريدة (تركع على قدمي أبي عبد الله) : حذار من الحكم عليه؛ فإنه بريء. وهذان الرجلان كاذبان، وقد سمعتهما يتآمران علينا.
أبو عبد الله : أنت الكاذبة يا خائنة.
ابن حامد : قفي يا دريدة؛ فلا يجدر بك الركوع أمام هذا الظالم، (يرفعها عن الأرض) ومتى كانت الملائكة تركع أمام الأبالسة؟ دعيني أموت فإن الموت أقصى مناي.
دريدة : وكيف تموت وأنت البريء؟ أنا المذنبة يا أبا عبد الله، أنا التي دعوته إلى مقابلتي، ويشهد الله أننا لم نتآمر عليك، ولم يكن في اجتماعنا ما يريب، فأنا المذنبة أنا وحدي.
أبو عبد الله : تبًّا لك من خائنة! سلمتك شرفي فتلاعبت به، ووضعت بين يديك قلبي فسحقته، فاستعدي للعقاب الهائل عقاب الزوجة الخئون.
دريدة : عاقبني بما شئت، ولكن أبقِ على حياته فهو بريء.
ابن حامد : نفِّذ بي حكمك يا أبا عبد الله، ولا تُصغ إلى كلامها؛ فأنا المذنب.
أبو عبد الله : ستموت الآن تحت سيف الجلاد، وستتبعك هي عن قريب.
دريدة : لا، لا، إنك من البشر، وفي قلبك شيء من العواطف. إنك شابٌّ ولن تقتل شابًّا بريئًا في مقتبل العمر، إن ساعته لم تحنْ، إن ظهره لم ينحنِ بعدُ لتقصفه العاصفة، إن رأسه لم يُطأطأ ليمرَّ تحت سقف الضريح. إن الله وهبه القوة والشباب، فكيف تُطفئ هاتين العينين المتَّقدتين بالحياة، وتشل هذه اليد التي طالما قاتلت في سبيل عرشك؟
ابن حامد : لا أريد أن تستعطفي هذا الظالم؛ فاحترمي إرادة الرجل الواقف أمام الموت، واذهبي من هنا.
دريدة : أنت قادرٌ أيها السلطان، وما أجمل قدرتك إذا قرنتها بالعدل!
أبو عبد الله : اسمعوا، إنها تطلب أن أُبقي على عشيقها لترجع إلى خيانتي.
دريدة : إنك غيور منه، فاعفُ عنه، وأعاهدك أن لا أراه مدى الحياة، ولا أسمع صوته، ولا أتمثله في مخيلتي، فلا يكون أحد مزاحمًا لك على قلبي.

(تسمع حركة من الخارج وصليل سلاح، ويدخل أحد الحجاب.)

الحاجب : سيدي، إنَّ بني سراج طوقوا القصر وهم يطلبون ابن حامد.
أبو عبد الله : سِرْ يا عَلِيُّ واجمع رجال القصر، وإذا احتجت إلى حامية الأسوار فادعها لمساعدتك، وأنت يا حمد، اذهب بابن حامد بعيدًا واقطع رأسه.

(يخرج علي.)

دريدة :
مَلِكِي، زَوْجِي، رُوَيدًا، رَحْمَةً
فبريءٌ هُوَ …
أبو عبد الله :
… لا يجدي الكلامْ
دريدة :
ذَنْبِيَ الذنبُ فَاعدمْنِي أَنَا
إِنَّمَا قَتْلُ البري أَمْرٌ حَرَامْ
ابن حامد :
اُسْكُتِي، بِاللهِ لَا تُصْغِ لَهَا
أبو عبد الله :
سِرْ بِهِ حَالًا …
ابن حامد :
على الدُّنْيَا السلَّاَمْ
سِرْ بِنَا فَالْمَوْتُ أَقْصَى مُنيتِي
حَبَّذَا مَوْتِيَ فِي ظِلِّ الْغَرَامْ
وَوَدَاعًا يَا دُرَيْدُ
دريدة :
… لَا، أَنَا
بِدَمِي أفدِيكَ مِنْ سَهْمِ الْحِمامْ
اقْتُلُونِي وَاتْرُكُوهُ
أبو عبد الله :
انظري! …
دريدة :
قَتَلُوهُ آه يا وَيْحَ اللِّئَامْ

(تسقط مغشيًّا عليها.)

أبو عبد الله (يقف على طرف المسرح) : عشتم أيها الأبطال، سر يا عَلِيُّ برجالك إلى ورائهم وطوِّقوهم، لا شُلَّت يمينكم، اتبعوهم ولا تُبقوا على أحدٍ منهم.

(يخرج، ويدخل حمد بعد أن يوصل جثة ابن حامد إلى طرف المسرح.)

حمد : أنهيتُ مهمتي وقتلتُ ابن حامد، فأصبحت من الأغنياء (يضرب على صدره فترن الدراهم) فلأذهبْ إلى بلادٍ بعيدةٍ قبل أن يطَّلع السلطان على الحقيقة فينفضح أمري. إن رجال ابن حامدٍ ملتحمون مع رجال السلطان؛ فلأهرب وأنجُ بنفسي.

(يهرب.)

المشهد الثامن

(دريدة وحدها)

(تفيق شيئًا فشيئًا من إغمائها.)

أين أنا … ما هذا الحلم الذي ساورني؟ … رباه، أيمكن أن يكون حقيقةً موت ابن حامد؟

قَتَلُوهُ، لَا، لَا أُصَدِّقُ هَذَا
فَأَنَا فِي مَهَامِهِ الْأَحْلَامِ
أَوَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي رَبِيعِ
الْعُمْرِ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِعْدَامِ

أوَمَن كان بقربي منذ ساعةٍ ميت؟ ميتٌ لن أسمع صوته ولن أرى محيَّاه؟ ميتٌ تقف بيني وبينَه الظلمات؟ أتلك العيون المتقدة حبًّا، وتلك الشفاه الباسمة زهوًا، وذلك الجسم الممتلئ حياةً، أفتلك كلها لم تعد شيئًا؟

لا، لا، ما أنا إلا على ضلالٍ، فهو لا يزال حيًّا، حيًّا يتشوق إلى لقائي، فإذا كان في الكون عدلٌ فحبيبي لا يموت.

ولكن … ما هذه الرعشة المتسربة في عروقي … ما هذه الدماء … (تقف فيقع نظرها على الجثة) ماذا أرى؟ (تغطي عينيها ثم تضحك ضحكة جنون) هو، هه، هذا ابن حامد، هو نائم … وجدتك أخيرًا، كنت أبحث عنك يا حبيبي، فأين كنت؟ … لقد خيل لي أنهم قتلوك. أنا أنتظرك للذهاب إلى الجامع، فقم بنا.
قِفْ حَبِيبِي أَنَا عَرُوسُكَ أَدْعُوكَ
فَهَيَّا وَاعْطِفْ عَلَى آلَامِي
قُمْ إِلَى الْعُرْسِ، قُمْ فَنَمْشِي
إلَى الْجَامِعِ بَيْنَ الْهتَافِ وَالْأَنْغَامِ

ألا تسمع هتاف الشعب؟ إنهم ينتظروننا لحفلة الزفاف، فهيا بنا، هات يدك لأضعها بيدي، ولكن … ما لك لا تجيب؟ ألا تسمع صوتي؟ أما كنت تقول: إن صوتي يوقظك حتى من الموت؟ …

انتظره أيها الشعب؛ فحبيبي نائم وسأوقظه، انتظر أيها الإمام؛ فنحن سائران إليك. حبيبي نائم، هاتوا له عباءته، وهاتوا له حُسامه … قم يا ابن حامد (تشير إلى النجوم) ها إن السماء أوقدت مصابيحها لتنير طريقنا، وهذا دخانها متلبِّدٌ حولها … هاك هذه الزهرة (تقطف زهرة وترميها على الجثة) ضعها على صدرك.

(يدخل أبو عبد الله.)

المشهد التاسع

(دريدة – أبو عبد الله)
دريدة : أنت قادم لتقول لنا: إنهم ينتظروننا. اصبر قليلًا، فحبيبي لا لا يزال نائمًا.
أبو عبد الله : رباه ماذا أرى؟ مجنونة …
دريدة : إنني أعرف هذا الوجه، فقد رأيته مرارًا … أنت … أنت … لا أدري ولكنك أنت الذي ألبستني هذه العباءة، أنت الذي وهبتني هذا التاج. وهذه الجواهر أنت خلعتها علي، ولكنني لا أريدها، خذها فلا حاجة لي بها (تنزع العباءة والتاج والجواهر وترميها بوجهه) إن ابن حامد يكفيني، وسيقدم لي ما هو أثمن؛ سيعطيني قلبه.
أبو عبد الله : دريدة، ما أصابك؟! ارجعي إلى نفسك.
دريدة : من أنت أيها الواقف هنا؟ اذهب، اذهب، دعني مختليةً مع حبيبي، ولكن لا، أَوقظهُ من نومه وليلبسْ ثيابه وينتظرني. أنا ذاهبة للتردِّي بثوب العرس؛ فابق معهُ وحافظ على حياته، إنهم يريدون قتله فحذار.

(تخرج.)

أبو عبد الله : مجنونة، وأنا سبب جنونها. ويحًا لنفسي، وتعسًا لحظي! أيبلغ الحب في القلوب هذا المبلغ؟ يا لفظاعة جرمي! إنني انتزعتها منه كما يُنتزع الطفل من مهد أمِّه، والقلوب لا تُؤخذ بالقوة، عاقبني يا إلهي؛ فأنا وحشٌ ضارٍ لا يستحق الرحمة، ماذا؟ الرأس يتحرك؟ إنه يئنُّ، ماذا أسمع؟ (أصوات بني سراج من بعيد صارخةً: الثأر، الثأر) إنه يطلب الثأر مني، إنه يمد يده للانتقام! (يبتعد برعب) ما هذه الأشباح المحيطة بي؟ إن النقمة في عيونها، والنار في أيديها! أيها الحجاب، أدركوني! (يدخل حاجب).
الحاجب : بماذا يأمر مولاي؟
أبو عبد الله : ماذا؟ ماذا؟ مَن دعاك؟ قفْ، خُذْ هذه الجثة وارمها بعيدًا.

(يأخذ الحاجب الجثة ثم تدخل دريدة وشعورها مشوهة.)

دريدة : ألم توقظهُ بعدُ؟ (تلتفت حولها) ولكن أين هو؟
أبو عبد الله : هدئي روعك يا دريدة.
دريدة : من يدعوني باسمي؟ ابن حامد … أين أنت؟ كيف تركته يذهب، ألم أعهد إليك بحراسته؟ كيف هرب مني؟ إنه لا يحبُّني … ولكن لا، ربما أنهم قتلوه … (تلطم خدها) ها هو … إن السيف مجردٌ فوق رأسه، هجموا عليه، سيقتلونه، ويلٌ لك … أنت سبب موته … ألم أقل لك: لا تتركه؟ (تهجم عليه فيهرب من وجهها) ولكنهم لن يصلوا إليه؛ أنا أخلصه من سيوفهم؛ هو عريسي ولن أتركهم يقتلونه يوم العرس.

(تخرج.)

أبو عبد الله : ما هذه المصيبة الفادحة؟ إن جنونها مطبقٌ؛ فارحمها يا إلهي!

(يدخل الحاجب.)

الحاجب : مولاي، إن عليًّا جرح في خلال المعركة بيننا وبين بني سراج، وهو يطلب المثول لديكم.
أبو عبد الله : جيئوا به.

(يقف مذهولًا حتى يدخل رجلان يتوكأ عليهما عليٌّ وهو جريح.)

المشهد العاشر

(أبو عبد الله – علي – جنديان)
علي : لم يبق لي إلا دقائق معدودة … وأنا الآن تحت نقمة الضمير … فأرجو أن تصغي إلي وتصفح عني … إنني سافل وقد خدعتك … أنا الذي دبَّرت سرقة العلم، فحُكم بسببه على ابن حامد بالإعدام … وأنا الذي سعيت بقتل إبراهيم … وابن حامد بريء، وكذلك زوجتك … هما بريئان من التآمر عليك … ولم يوجد الخنجر هنا إلا لأن ابن حامد كان يهم بالانتحار به، ولم يحدث بينه وبين الملكة ريبة …
أبو عبد الله : أحقًّا ما أسمع؟ تبًّا لك من ماكر! … وما دفعك إلى هذه الجرائم كلها؟
علي : لم يدفعني غير الحسد، فأطلب عفوك … أرى ساعتي تقترب. هذا شبح ابن حامد يتقدَّم مني … إن نظراته نارية … عفوًا يا ابن حامد عفوًا.

(تفيض روحُه.)

أبو عبد الله : لا رحمك الله. خذوه وليدفنوه.

(يدخل حاجب.)

الحاجب : مولاي، إن سيدتي الملكة.
أبو عبد الله : وما أصابها؟ قل …
الحاجب : مصيبةٌ عظيمةٌ يا سيدي، إنها ما زالت تضرب رأسها على الأرض بقرب جثة ابن حامد حتى تهشَّم …
أبو عبد الله : وبعد ذلك؟
الحاجب : قضت نحبها يا سيدي.

(ينحني ويخرج.)

المشهد الحادي عشر

(أبو عبد الله وحده)

جاء دورك أيها الضمير، فقُمْ وعذِّبني. هذا يومك أيها العدل، فهيا واقتصَّ مني، اقتص من الظالم، اقتص من القاتل!

أيَّان ملتُ أرى الدماء الجارية، وأسمع الزفرات المتصاعدة، الأشباح تحيط بي من كل جانب، الأموات يطالبونني بدمائهم، واللعنات تتساقط عليَّ من كل صوب.

تبوأتُ العرش فكان سقوطه عن يدي، ووليت الحكم، فكان الجور دأبي، وعرضت لي السعادة فإذا بي ألطخ وشاحها بالدماء البريئة، فيا ويلي من غضب السماء بعد غضب الأرض!

روحان بريئان قضيتُ عليهما ظلمًا وغدرًا، فعفوك يا سماء، لا شك أنهما في حماك الآن يمطران عليَّ اللعنة. لقد فرقت بينهما في الحياة، فجمعهما الخلود بعد الموت.

ماذا أرى؟ شبحان بثياب بيضاء …!

(يظهر شبحا ابن حامد ودريدة على مرتفع، ويد كلٍّ على كتف الآخر، ويُسمع عزفٌ وترانيم.)

هذا ابن حامد، وهذه دريدة تواكبهما الملائكة … (يركع ضامًّا يديه) رحماكما، رحماكما! (تغيب الرؤيا، وتُسمع جلبةٌ من الخارج).

ما هذه الجلبة؟ أَرى جنودًا إسبانيين. لقد دخلوا غرناطة؛ فيا خيبة آمالي!

(يجرد سيفه ويحاول الخروج فيدخل قائد إسباني وجنديان شاهرينَ السيوف.)

المشهد الثاني عشر

(أبو عبد الله – قائد إسباني – جنديان)
القائد : لقد قضي الأمر؛ فسلمنا حسامك يا أبا عبد الله، فأنت أسيرنا.
أبو عبد الله : إن سيف سلطان غرناطة لا يُسلَّم (يكسر حسامه).
سلامٌ عَلَى نَجْمِيَ الْمُنْطَفِي
سَلَامٌ عَلَى أَمَلِي الْمخفقِ
سَلَامٌ عَلَى قَوْمِيَ الْمُسْلِمِينَ
عَلَى مَنْ قَضَى وَعَلَى مَنْ بَقِي
سَلَامٌ عَلَيْكِ أَغرْنَاطَةٌ
فَهَذَا اللِّقَاءُ وَلَنْ نَلْتَقِي
صوت من الخارج : ابكِ يا أبا عبد الله كالنساء مُلكًا لم تحافظ عليه كالرجال.١
١  في الرواية التاريخية أن أم السلطان عائشة خاطبته من الخلف وهو يبكي قائلة:
ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا
لم تحافظ عليه مثل الرجالِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢