تمهيد

أحدثَ علم الجينوم (الجينوميكس) تغييرًا فارقًا في العلوم البيولوجية. فالقدرة على تحديد التركيب الجيني الكامل للكائنات الحية قد غيَّرت النهج التي يسلكها الباحثون في مجال العلم والتساؤلات التي قد تُطرح بشأنه، وذلك يسري على عدة مجالات، بدءًا من علم الأوبئة والطب حتى علم الأحياء التطوري وعلم الأدلة الجنائية. يُعد مشروع الجينوم البشري أشهر إنجاز في مجال علم الجينوم بفارق كبير عن الإنجازات الأخرى؛ فهو خُلاصة سعي دءوب شهِد تحدياتٍ تكنولوجية، واستغرق إنجازُه من آلاف العلماء في أرجاء العالم ثلاثة عشر عامًا، وتكلَّف ما يُناهز ٣ مليارات دولار أمريكي لإتمامه. ففي عام ٢٠٠٠، وصف الرئيس الأمريكي ويليام كلينتون تسلسُل الجينوم الناتج من هذا المشروع بأنه «أهم وأروع خريطة أنتجتها البشرية على الإطلاق». ومع أن هذه «الخريطة» كانت مهمة، كانت بمثابة تصوُّر مبدئي منخفِض الدقة؛ أي إنها كانت بداية وليست نتيجةً نهائية. وحتى اللحظة التي تُخط فيها هذه السطور، جرى تحديد تسلسل آلاف الجينومات البشرية سعيًا إلى تحقيق الغايات الأساسية المتمثِّلة في تحسين فهم نظامنا البيولوجي في الصحة والمرَض، و«شخصنة» الطب (أي: تحديد التدخل الطبي اللازم وفق احتياجات كل فرد على حدة). ويستغرق الآن تحديد تسلسل جينوم بشري بضعةَ أيام لا غير، وبتكلفة صغيرة قَدرُها ألف دولار أمريكي. أما جينومات الفيروسات والبكتيريا البسيطة، فيمكن تحديد تسلسلها في غضون ساعاتٍ على جهازٍ بحجم راحة يدك. وتُستخدم المعلومات بطُرقٍ لم يكن من الممكن تصوُّرها قبل بضع سنوات فقط.

قد يحمل مصطلح «علم الجينوم» معانيَ مختلفةً لأشخاص مختلفين. فأحد معانيه أنه مجموعة من الطرُق التجريبية المستخدَمة لتحليل تسلسُل جينوم كائن حي وبِنْيته. وكذلك يُعد فرعًا علميًّا ناضجًا واسع التأثير يُركز على «الجينوم» والجينات التي يحويها. ويستكشف هذا الكتاب الذي بين أيدينا علم الجينوم ومجموعة أدواته التي تتوسع بوتيرة سريعة. ويتجلَّى الهدف من الكتاب في تزويد القارئ بنظرةٍ عامَّةٍ واسعةٍ عن الموضوع؛ ليشمل بذلك علم الأحياء الجزيئي الذي يستند عليه علم الجينوم، وأمثلة على التساؤلات العلميَّة التي عادةً ما يتناولها، والكيفية التي يؤثر بها علم الجينوم في حياتنا اليومية، والكيفية التي من المرجَّح أن يؤثر بها في حياتنا في المستقبل. وكما سنرى، فإن علم الجينوم هو مجال سريع الوتيرة لا يكتفي بالاستمرار في توسيع الحدود التكنولوجية فحسب، بل يتحدى كذلك حدودًا اجتماعية وقانونية وأخلاقية، مُحاوِلًا توسيعها. بل إن تقنيات تحديد تسلسل الحمض النووي تتطوَّر بسرعةٍ هائلةٍ لدرجة أن بعض الطرُق التي ابتُكرت خلال العقد الماضي قد عفا عليها الزمن الآن. وصحيح أن استكشاف الموضوع يتطلَّب قدرًا محددًا من التفاصيل العلمية المتخصِّصة، لكنني بذلت قصارى جهدي لتقليل هذه المعلومات المتخصصة إلى أدنى حد. وكذلك فالقارئ له مُطلَق الحرية في تخطِّي أجزاءٍ من الكتاب لينتقل إلى أي جزءٍ يسوقه اهتمامه إليه؛ إذ أوردت في نهاية الكتاب قوائم بالمَراجع والمؤلَّفات الإضافية التي يُمكِن قراءتها لمزيدٍ من الاطلاع على ما يتعلق بكل فصل للراغبين في التعمُّق في سَبْر أغوار موضوعاتٍ بعينها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤