الفصل الأول

الدادائية والسريالية: نبذة تاريخية

كانت بدايات القرن العشرين فترةَ تغيُّر عنيف؛ إذ غيَّرتِ الحربُ العالمية الأولى والثورة الروسية فهْمَ الناس لعوالمهم على نحوٍ جذري، وحوَّلتِ اكتشافاتُ فرويد وأينشتاين والابتكارات التكنولوجية لعصر الآلة الوعيَ البشري بشكل عميق. ومن وجهة نظر ثقافية، سجَّلت روايات جيمس جويس وأشعار تي إس إليوت — وأقصد تحديدًا رواية «عوليس» للأول، وقصيدة «الأرض الخراب» للثاني، اللتين نُشِرتا عام ١٩٢٢ — أنماطًا «حداثية» جديدة بشكل مميز للشعور والإدراك، تتَّسِم بإحساس واضح بالانقطاع؛ ولذا يرى المُنَظِّر مارشال بيرمان أن الإحساس المتزامن بالبهجة والكارثة الوشيكة، الذي يعكس الظروفَ المضطربة للحياة آنذاك، هو المحدِّد للوعي الحداثي.

تعكس الحركات الفنية في أوائل القرن العشرين بقوةٍ هذه العقليةَ الجديدة. وإذ كانَتْ حركاتٌ مثل التكعيبية والمستقبلية — اللتين بلغتَا ذروتهما خلال الفترة ما بين عامَيْ ١٩١٠ و١٩١٣ — مبتكرةً بجرأة نادرة من الناحية الفنية، فقد انتقلت إلى ما وراء المَظهَر الساكن للرسم التقليدي، وصولًا إلى استكشاف بنية الوعي نفسها. ولكنْ، يُشاع أننا يجب أن ننظر إلى الدادائية والسريالية بحثًا عن الاستكشافات الأكثر أثرًا للنفس الحداثية، لا سيما أن الحركتين شدَّدتَا بقوةٍ على الاستقصاء العقلي. لقد رأتِ الدادائيةُ نفسَها تحديدًا معنِيَّةً بإعادة تمثيل الاضطراب النفسي الناجم عن الحرب العالمية الأولى، بينما يمكن النظر إلى اللاعقلانية التي تَحتَفِي بها السرياليةُ كقبولٍ تامٍّ للقُوَى الفاعلة وراء كواليس الحضارة. يوجز هذا الفصلُ السجِلَّات التاريخية المتضارِبة لكلتا الحركتين، ولكنْ لنطرح السؤال التالي أولًا: ما التوجُّه الذي يربط بينهما وبين الحركات الفنية الأخرى التي ظهرت في أوائل القرن العشرين؟

الطليعية

كانت الدادائية والسريالية حركتين فنيتين «طليعيتين» بالأساس، وكان لاصطلاح «الطليعية» — الذي وَظَّفَه أولَ مرة الاشتراكيُّ الفرنسي اليوتوبي هنري دي سان سيمون في عشرينيات القرن التاسع عشر — دلالاتٌ عسكرية، لكنه ما لبث أن دلَّل على الوضع الاجتماعي-السياسي وكذلك الجمالي الذي ينبغي أن يصبو إليه الفنان الحداثي. بصفة عامة، كان الفن في القرن التاسع عشر مرادِفًا للفردية البرجوازية، وإذ كانت الطبقةُ البرجوازية تملكه، أو كان يُعرَض في مؤسسات برجوازية؛ كان الفن وسيلةً يستطيع بها المنتمون إلى تلك الطبقة الفرارَ مؤقتًا من القيود والتناقضات المادية للحياة اليومية. لكنْ في خمسينيات القرن التاسع عشر تحدَّتْ واقعيةُ الرسَّام الفرنسي جوستاف كوربيه هذا الوضع؛ ويُقال إن جوستاف كوربيه بمزجه بين الأجندة الاشتراكية والعقيدة الجمالية المضاهية لها يمثِّل أولَ اتجاهٍ طليعي واعٍ لذاته في الفن. بحلول بداية القرن العشرين، الْتَزَم العديد من الحركات الفنية الرئيسية — كالمستقبلية في إيطاليا، والبنائية في روسيا، أو الفن التشكيلي الجديد (دي ستايل) في هولندا، علاوة على الدادائية والسريالية — بالطعن في أي فصل بين الفن والتجربة العارضة للعالم الحداثي؛ وكانت الأسبابُ التي دَعَتْها إلى ذلك سياسيةً من عدة أوجه؛ على سبيل المثال: كان البنائيون يستجيبون مباشَرةً للثورة البلشفية في روسيا، لكنهم نزعوا إلى التشارك في الاعتقاد بأن الفن الحديث بحاجة إلى إقامة علاقة جديدة بجمهوره؛ بحيث يُنتِج أشكالًا جديدة راسخة لموازاة التحوُّلات في التجربة الاجتماعية. بالنسبة إلى المُنَظِّر الثقافي بيتر بيرجر، فقد كتب في سبعينيات القرن العشرين أن مهمة الطليعية الأوروبية في أوائل القرن العشرين كانت تتمحور في مجملها حول تقويض فكرة «استقلالية» الفن (الفن لأجل الفن)، لصالح إدراج جديد للفن فيما يُطلق عليه اسم «التطبيق العملي للحياة».

وبهذا تشترك الدادائية والسريالية في المعتَنَق الطليعي المحدَّد القائل بأن الراديكالية الاجتماعية والسياسية ينبغي أن ترتبط بالابتكار الفني. كانت مهمة الفنان أن يتجاوز المتعة الجمالية ويؤثِّر على حياة الناس، وأن يحملهم على رؤية وتجربة الأشياء بشكل مختلف؛ إن غاية السريالية مثلًا لم تكن تقلُّ عن دعوة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ﻟ «تغيير الحياة».

وكما ذكرنا آنفًا، مَثَّلَ الفن الحديث في أوائل القرن العشرين — التشظِّي التصويري لتكعيبية بيكاسو وبراك على سبيل المثال — خروجًا مذهلًا على التقاليد الفنية التقليدية. والطريقة الفنية-التاريخية القياسية لفهم هذا الخروج تنحصر في رؤيته على اعتبار أنه يمثِّل إرثَ فنَّانِي المدرسة «الفرنسية» في أواخر القرن التاسع عشر، أمثال جوجان وسورا وفان جوخ وسيزان، كما يمثِّل تحولًا عامًّا في الوعي تأثَّرَ بالرمزية الأوروبية في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته. في رسوم سيزان وجوجان مثلًا نجد أن الفضاء منبسط والألوان مشوَّهة، في خروج جذري عن المذهب الطبيعي؛ ولقد مهَّدَتْ تلك الظروف الطريقَ أمام التخلِّي عن التقاليد التصويرية المنتمية لعصر النهضة، كالمنظور الخطي المتجلِّي في لوحة بيكاسو «آنسات أفينيون» التكعيبية النموذجية عام ١٩٠٧، التي تمثِّل منعطفًا في تاريخ الفن. في الوقت نفسه، جرَّبت التعبيرية الألمانية والوحشية الفرنسية الاستخداماتِ المُعبِّرة وغير الطبيعية للألوان بدرجة أكبر.

لا شك أن الدادائية والسريالية كانتَا مدينتين بلغتهما التصويرية للحركات التكعيبية والتعبيرية، وكذلك المستقبلية؛ فالكولاج التكعيبي، على سبيل المثال، أفضى مباشَرةً إلى ابتكار أتباعِ الدادائية «تجميعَ الصور». لكن أتباع الدادائية والسريالية كانوا سيَضِيقون كثيرًا بالفكرة الضمنية في الكثير من الأعمال التكعيبية، القائلة بأن الابتكار الرسمي وحده يوفِّر أساسًا منطقيًّا للفن. فبقدر ما كان الفن التكعيبي يهدف إلى أن يصدم المُشاهِد أو يُربِكه فيُعِيد النظرَ في علاقاته بالواقع، كان فنًّا «مستقلًّا» في نهاية المطاف؛ أيْ فنًّا لأجل الفن. بالنسبة إلى الدادائية والسريالية، كان الفن يتعلَّق بما هو أكبر من ذلك بكثير. وشأنهما شأن غيرهما من الحركات الفنية بالقرن العشرين، كالمستقبلية التي عكست العالَمَ المتسارِع الوتيرة المتعدِّد الحواس الذي كان الناس يعيشونه في العقد الأول من القرن العشرين؛ كانت الدادائية والسريالية ملتزمتين باستكشاف التجربة نفسها.

كان الالتزام بالتجربةِ المعيشةِ يعني أن الدادائية والسريالية تحملان رأيًا متضاربًا بخصوص فكرة الفن باعتباره شيئًا مقدسًا أو منفصلًا عن الحياة؛ وهذه نقطة محورية، وهي السبب في أنه من غير الملائم التعامُل مع الدادائية والسريالية باعتبارهما «منهجَيْن» أسلوبيَّيْن مميَّزَيْن في تاريخ الفن. في الواقع، كان هناك تشابُه أسلوبي محدود نسبيًّا بين الفنانين المنتسبين لهاتين الحركتين، وكان الأدب مهمًّا بالنسبة إليهم أهميةَ الفن البصري. من الأدق أن نَصِف هاتين الحركتين بأنهما توجُّهان مُشَكِّلَان للحياة مدفوعان بالأفكار، بدلًا من كونهما مدرستين للرسم أو النحت؛ فأي شكلٍ — بدايةً من النصوص، ومرورًا بالأعمال الفنية «الجاهزة» وحتى الصور الفوتوغرافية — يجوز استخدامه لتجسيد الأفكار الدادائية والسريالية. في الدادائية، يُترجَم الشكُّ الأساسي في ضيق أفق الفن كثيرًا إلى عداء صريح تجاه قِيَمه ومؤسساته؛ ولذا ينبغي علينا عند هذه النقطة أن نطرح التعميمات جانبًا، ونفحص الخطوطَ العريضة التاريخية الكلية للدادائية، ومن ذلك الفحص سينشأ بعد ذلك النقاش الخاص بالسريالية.

أصول الدادائية: زيوريخ ونيويورك

تتمحور «أسطورة أصول» الدادائية حول رجل واحد، أَلَا وهو الشاعر والمُنَظِّر هوجو بال، والمَلْهى الليليِّ المعروف باسم «كباريه فولتير»، الذي افتُتِحَ في شبيجل جلاسيه بزيوريخ في فبراير ١٩١٦.

fig2
شكل ١-١: مارسيل يانكو، «كباريه فولتير»، زيت على قماش، (صورة فوتوغرافية لعمل مفقود)، ١٩١٦.

صُمِّم الملهى الليلي بدايةً اقتداءً بنماذج مبدئية في المدن التي عاش فيها الرحَّالة بال من قبلُ، وتحديدًا مدينتَيْ ميونيخ وبرلين. وشأنه شأن الملاهي الليلية هناك، قدَّمَ كباريه فولتير برنامجًا متنوِّعًا من الفقرات التي تتراوح ما بين إنشاد الأغاني الشعبية وإلقاء الشعر بالأسلوب التعبيري السائد، ومن بين معارف بال الأوائل بالملهى الليلي — وكانوا جميعًا وافدين مثله — صديقتُه إيمي هنينجز التي كانت تؤدِّي فقرةً في الملهى، والرومانيان الشاعر تريستان تزارا والفنان مارسيل يانكو، والشاعرُ والفنان الألزاسي هانز/جان آرب (ويعكس اسمه جنسيته الفرنسية/الألمانية المزدوجة)، وشريكةُ آرب، مصمِّمةُ الأزياء السويدية المولد والراقصة صوفي تاوبر، وسرعان ما انضمَّ إليهم الشاعر الألماني ريتشارد هيولسنبك، ومن بعده انضمَّ إليهم آخَرون أمثال الكاتب الألماني فالتر سيرنر وصانعَيِ الأفلام التجريبيَّيْن هانز ريشتر من ألمانيا وفايكنج إيجلينج من السويد.

وعلى الرغم من أن العروض التي قدَّمَتْها المجموعة في كباريه فولتير كانت في بداية الأمر تقليديةً إلى حدٍّ كبير، فإنه سرعان ما تحوَّلَتْ إلى عروض استفزازية. استرجع تزارا عرضًا سيئ السمعة تحديدًا قدَّموه في يوليو ١٩١٦ قائلًا:

في حضور عدد محدود من المشاهدين … طلبنا أن نُعْطَى الحقَّ بأن نبول بعدة ألوان مختلفة … صرخ بويم — صراخ وعراك في القاعة، ووافق الصف الأول على منح الحق، وأعلن الصف الثاني عجزه، وصاح البقية الباقية: مَن الأقوى؟ وجِيء بالطبلة الكبيرة، هيولسنبك في مواجهة ٢٠٠.

إلى حدٍّ ما، جاءت تلك الإجراءات الصدامية في أعقاب سلسلة من العروض التي قدَّمها في إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية أتباعُ المستقبلية الإيطاليون، في الفترة بين عامَيْ ١٩٠٩ و١٩١٣. وعلى الرغم من أن معرفتهم بالمستقبلية كانت جزئيةً، فإنَّ مقدِّمِي عروض كباريه فولتير أمثال بال وهيولسنبك كانوا على دراية بالأشعار التجريبية لقائد تلك الحركة مارينيتي، أو «الشعر الحر»، وباستخدام المؤدين المستقبليين الصدامي لسيل متنافر أو «وحشي» من الضوضاء. طوَّرَ بال شكلًا من الشعر «الصوتي» زاحمَتْ فيه كلماتٌ مُختلَقة أجزاءً لغوية بدائية؛ فقصيدتُه التي سمَّاها «كاراوان» (القافلة) عام ١٩١٦، والتي يبدو أنها تحاكي الأصوات الصاخبة والحركات الوئيدة لقطيع من الأفيال، تبدأ بالبيت التالي: Jolifanto bambla ô falli bambla. تضافرت جهود شعراء ومؤدِّين آخرين تابعين للدادائية بُغْيةَ إلقاء «أشعار متزامنة»؛ إما تُقرأ نصوصها بصوت عالٍ، وإما تُنشَد بشكل متزامن. إلى حدٍّ ما، كانت مثل هذه الأساليب استقراءاتٍ من نماذج أولية مستقبلية. ولكن، كان الشعر الصوتي الدادائي عادةً أكثرَ «تجريدًا» بشكل واضح من سوابقه الإيطالية، ولم يكن لدى أتباع الدادائية أنفسهم سوى القليل من إيمان المستقبليين بالتقدُّم التكنولوجي، ولم يكن لديهم أيٌّ من حماس المستقبليين المؤيِّد للأعمال العسكرية.

استعارت العروض الدادائية أيضًا عناصرَ من التعبيرية، وتحديدًا الأسلوب الذي ساد في الفن الألماني حتى تلك الفترة، وهو نفسه الأسلوب الذي بادَرَ المشاركون الألمان المولد في كباريه فولتير تدريجيًّا بالانحراف عنه. كانت هناك طائفةٌ مناصِرة للفن الأفريقي في أوساط التعبيريين، وكانت هناك طائفةٌ مماثلة في أوساط التكعيبيين الفرنسيين والمؤدِّين في كباريه فولتير، ممَّن يشاركون بين الحين والآخَر في «رقصات للسود». ويمكن العثور على خلفيات بدائية في قرع الطبول المتواصِل، الذي شاع أن هيولسنبك كان يزعج به الجمهور بالملهى الليلي.

كانت الأنشطة الفنية بكباريه فولتير متنوعة؛ فقد تجاوزَتِ الإلقاءَ الشعري والرقص، وامتدت إلى رسوم الكولاج الهندسية المُبسَّطة بشكل جذري لهانز آرب، التي عادةً ما كانت تتخلَّل العروض؛ ويدلِّل ذلك على المساواة التي منَحَها الدادائيون للإنتاج البصري والأدبي، وهو التوجُّه الذي كان في جوهره إرثًا من الحركات الثقافية بالقرن التاسع عشر مثل الرومانسية والرمزية، وكذلك المستقبلية والتعبيرية. لكنَّ عدمَ التزام المجموعة بأي حسٍّ فنِّيٍّ محدَّد، وروحَ تابعيها الصداميَّة، تحدَّدَا في نهاية المطاف بالوقائع الاجتماعية والسياسية أكثر من أي شيء آخَر. كان سببَ وجودهم نفسه في زيوريخ موقفُها الحيادي في الفترة التي كانت فيها أوطانُهم منخرطةً في معترك الحرب العالمية الأولى. وهناك طريقة مهمة ساوَى بها أتباعُ الدادائية في زيوريخ بين الحرب التي كانت رحاها تدور في مكان آخَر، وبين قناعةٍ مفادُها أن القِيَم المرتبطة بفنٍّ ما قبل الحرب كانت إلى حدٍّ كبير قِيَمًا فاسدة. إذا كان الرسم بالزيت والنحت بصب النحاس مرادفَيْن لبيوت أبهاء الطبقة الأرستقراطية من الداخل، فسيجمع أتباعُ الدادائية بِنًى جديدةً من قصاصات ورقية أو أغراض موجودة سلفًا. وإذا كان الشِّعْر مرادفًا للوعي المصقول، فسيلوون ذراعه ويفكِّكونه ويُعِيدون توجيهَه إلى شكل من أشكال الثرثرة والتعاويذ. لقد كانوا كمجموعةٍ متحدِين في كُرْهِهم إضفاءَ الصبغة الاحترافية على الفن، فكانوا ينظرون لأنفسهم باعتبارهم مخرِّبين ثقافيين، لكنهم لم يكونوا يرفضون الفنَّ بحد ذاته بالضرورة، بل يرفضون الطريقةَ التي خدم بها الفنُّ تصوُّرًا بعينه للطبيعة البشرية. في كتابات آرب، كان يساوي تحديدًا بين الفن قبل الحرب والغرور والتقييم المبالغ فيه بشدة للبشرية، وكتب آرب لاحقًا مُعبِّرًا عن مشاعر دادائية شائعة:

لمَّا شعرنا بالاشمئزاز من وحشية الحرب العالمية التي اندلعت عام ١٩١٤، كرَّسنا أنفسنا في زيوريخ للفنون. وبينما كانت أصوات المَدافِع تدوِّي بعيدة، طفقنا ننشد ونرسم ونصنع لوحات من الكولاج ونكتب الشعر بكل ما أوتينا من قوة؛ كنا نبحث عن فن يستند إلى الأسس لنداوي به جنونَ هذا العصر، كنَّا نبحث عن نظام جديد للأشياء من شأنه أن يُعِيد لنا التوازنَ ما بين الجنة والنار.

من المثير أن ثمة ملاحظة بنَّاءة جوهرية أعرَبَ عنها آرب في حديثه عن الدور الشافي للفن، وعن «النظام الجديد للأشياء» هنا؛ فغيره من أتباع الدادائية كانوا أكثر سلبيةً بمراحل؛ حيث إنهم سَعَوْا إلى هَدْم الفن كمبدأ من الأساس. كان لدى آرب نفسه إحساسٌ مسيحي تقريبًا بأنه يمكن إعادة ابتكار الفن من جديد. ولكنْ، ماذا يمكن أن يُمثِّل مجيء الدادائية؟ بالالتفات إلى أصول كلمة «دادا» — وهي أصول مُربِكة جدًّا؛ حيث زعم الكثير من أعضاء الحركة أنهم اكتشفوها في ظروف مختلفة — يبدو أن قابلية الكلمة المحضة للتوسُّع جذبَتْهم إليها. سجَّلَ هوجو بال في مذكراتِه عن سنوات الدادائية المُعنْوَنةِ «الفرار من الزمن» — التي تُعَدُّ حاليًّا أحد أبرز مصادر المعرفة عن حركة زيوريخ — أنه بعد أشهُرٍ قليلة من الأنشطة في كباريه فولتير، بدأت المجموعة ترى أن ثمة حاجةً ماسة إلى إصدار منشور جمعي، ومِن ثَمَّ دَعَتِ الحاجةُ إلى شكل من أشكال العلامات المميزة:

لا ينفكُّ تزارا يُعرِب عن قلقه بشأن النشرة الدورية. قُبِلَ اقتراحي بتسميتها «دادا» … والكلمة تعني بالرومانية «نَعَمْ، نَعَمْ»، وبالفرنسية «الحصان الخشبي الهزاز». وبالنسبة إلى الألمان، تُعتَبر الكلمة علامةً على السذاجة الشديدة ومُتْعة التناسُل، والانشغال بعربة الأطفال.

في المقابل، تذكَّرَ هيولسنبك أنه اكتشف الكلمةَ بينما كان هو وبال يتصفَّحان قاموسًا، ووجد نفسه يعلن أن «أول صوت يصدر عن الطفل يُعبِّر عن البدائية، والبداية من الصفر، وكل ما هو جديد في فننا.» المهم هنا أن بال يشدِّد على الشيوع العالمي للمبدأ؛ حيث يراه ضربًا من اللغات الثقافية العالمية، بينما يشدِّد هيولسنبك على أفكار الهدْمِ والتجديد. كان التوجُّهان مكوِّنَيْن أساسيَّيْن للدادائية. وبخلاف ذلك، نجد أن الكلمة تمثِّل — بشكل يَشِي بالمفارقة — كلَّ شيء ولا شيء في آنٍ واحد؛ لقدِ ارتقتْ إلى مزيجٍ عبثي من التأكيد والنفي، وضربٍ من الصوفية الزائفة. كان الفن عقيدة ميتة، ووُلِدت الدادائية.

ولكنْ، من الأمور المعقَّدة هنا أن الدادائية وُلِدت في مكان آخَر في الوقت نفسه؛ ففي عام ١٩١٥، بلغ وافِدَان فرنسيَّان — مارسيل دوشامب وفرانسيس بيكابيا — مكانةً شبيهة على مسافةٍ أكبرَ بعض الشيء من الحرب الأوروبية، وتحديدًا في نيويورك. كان الفنَّانان بارزَيْن في الدوائر الفنية الفرنسية قبل الحرب، لكنهما انجذَبَا إلى أمريكا؛ إذ أحَسَّا أنها ستكون أكثرَ تقبُّلًا للأفكار الجديدة. لم تَلْقَ لوحةُ دوشامب «عارية تهبط الدرج رقم ٢» المتأثِّرة بالتكعيبية نجاحًا كبيرًا لدى طليعية باريس، لكنها نُقِلت إلى نيويورك وحقَّقَتْ نجاحًا مدوِّيًا بمعرض الأسلحة عام ١٩١٣. بحلول عام ١٩١٥، كان دوشامب قد صاغ ما وصفه بأنه موقفٌ مُعادٍ للبَصَر فيما يتعلَّق بالابتكارات البصرية التي استحدَثَها في الفن الفرنسي ماتيس من ناحية، والتكعيبيةُ من ناحية أخرى. وقد لازمَتْ كراهيةُ دوشامب للفن الذي يستميل العينَ وحدها دون العقل، سخريةً من الآثار التي تركها عصرُ الآلة على النفس البشرية. ظلَّ الخطاب الإنساني يدعم أفكارَ الروح والحب الرومانسي، ولكن بعد أن رأى دوشامب وبيكابيا في هذا التوجُّهِ خداعًا للذات في مواجهة المَيْكَنَة المتزايدة للمجتمع، بدآ حوالي عامَيْ ١٩١٥ و١٩١٦ في ابتكار لغة ساخرة من مزيج من الأصوات الآلية/البشرية، وتجلَّتْ أكثرَ من أي شيء آخَر في لوحة دوشامب على الزجاج المسمَّاة «عروس جرَّدها خطابها من ثيابها» (أو «الزجاجة الكبيرة»)، وهو العمل الذي هُجِرَ باعتباره «غيرَ مكتمِلٍ بشكل حاسم» عام ١٩٢٣.

إن نفورَ دوشامب من ارتباط «الصنعة» بالفن البصري، وإيمانَه الملازم بأن الأفكار ينبغي أن تحلَّ محلَّ المهارة اليدوية باعتبارها المكوناتِ الأساسيةَ للأعمال الفنية؛ هما اللذان أفضيَا إلى اختياره عناصِرَ «جاهزةً» باعتبارها أغراضًا فنية بدايةً من عام ١٩١٣ فصاعدًا؛ ومن أشهر أغراضه السيئة السمعة تلك المَبْوَلةُ التي سلَّمها — ووقَّع عليها مازحًا باسم «آر مات»، وأطلق عليها اسمَ «النافورة» — لمعرض جمعية الفنانين المستقلين بنيويورك في أبريل ١٩١٧.

fig3
شكل ١-٢: مارسيل دوشامب، «النافورة»، عمل فني جاهز، تصوير ألفريد شتيجليتس كما ظهرت في دورية «الأعمى»، العدد الثاني (مارس، ١٩١٧).

وإن رفْضُ هذا العمل من قِبَل لجنة اختيار اللوحات الفنية بحد ذاته، على الرغم من السياسة التي تُفِيد بأن سداد العضْوِ لرسومه يضمن له حقوقَ العرض؛ قد أمسى بيانًا للدادائية.

في هذه المرحلة، بَدَا أن هناك معرفةً ما بأنشطة الدادائية من جانب دوشامب وبيكابيا، لكن العلامة نفسها لم تُستخدَم إلَّا بالكاد في نيويورك حتى أوائل عشرينيات القرن العشرين؛ ولهذا السبب نَجِد أن أنشطة دوشامب وبيكابيا خلال الفترة بين عامَيْ ١٩١٥ و١٩١٧ تُصنَّف عادةً تحت اسم «الدادائية البدائية». لا شك أن ثمة شبكة طليعية كبيرة سرعان ما تطوَّرَتْ وأحاطت بالأوروبيين، وتضمَّنَتْ أعضاءً من «دائرة شتيجليتس» المزعومة، كانوا شركاء للمصوِّر الأمريكي ألفريد شتيجليتس المؤيِّد المهم للفن الطليعي في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال معرضه ٢٩١ في نيويورك، وأعضاءً من «دائرة أرنسبرج» التي سُمِّيت تيمُّنًا بجامِعَيِ القِطَع الفنية الثريَّيْن وولتر ولويز أرنسبرج اللذين تعهَّدَا دوشامب بالرعاية. وعلى الرغم من ذلك، كانت الشخصيات الرئيسية هي المصوِّر الأمريكي مان راي، الذي شارك دوشامب في عددٍ من المشروعات اللاحقة، وآخرَيْن قُدِّرَ لهما أن يصبحَا جالبَيِ الحظِّ للدادائية نظرًا لغرابتهما الفطرية؛ وهما: آرثر كرافان المتقلِّب المزاج، والكاتبة الألمانية المنشأ البارونة إلسا فون فريتاج-لورينجهوفن.

الدادائية الألمانية

في عام ١٩١٨، امتدت الدادائية إلى برلين نتيجةً للحماس الجدلي لريتشارد هيولسنبك الذي وصل إلى برلين من زيوريخ العامَ المنصرم. في برلين، فتَّ في عضد صحة توجُّهات الفن لأجل الفن بشكل واضح، الوقائعُ الاجتماعية الصارخة التي تمكَّنت من المدينة. كانت ألمانيا في تلك المرحلة قد خسرت الحرب، وكانت تَشهَد انهيارًا اقتصاديًّا نتيجةً للتعويضات التي طالبَتْ بها فرنسا وبلجيكا. وعلاوةً على اختلال توازناتها الاقتصادية، كانت ألمانيا تتأرجح على شفير ثورة اجتماعية في أعقاب الثورة البلشفية في روسيا عام ١٩١٧. واجهَتِ الحكومةُ الاشتراكية المحافظة نسبيًّا معارَضةً قوية من الشيوعيين، وخاصةً مجموعة سبارتاكوس، واستجابَتْ بعمليات قمعٍ وحشيةٍ؛ وليس من العجب إذن أن أتباع الدادائية في برلين تم تسييسهم بقدْرٍ كبير. وعلى الرغم من أنهم اجتمعوا جميعًا تحت اسم «نادي الدادائية»، فإنهم انقسموا إلى مجموعتين من الأصدقاء. كانت واحدةٌ من المجموعتين — تضمَّنَتْ فالتر ميرنج وفيلاند وهيلموت (عُرِف لاحقًا باسم جون) هارتفيلد، وجورج جروز — تتألف من المتعاطِفين مع الشيوعية (وكان آخِر ثلاثة ممَّنْ سبق ذكرهم أعضاءً رسميين بالحزب). أما المجموعة الثانية — وقد تضمَّنَتْ راءول هاوسمَن، وهانا هوخ، ويوهانس بادر — فكانت أكثر نزوعًا للاسلطوية (الأناركية).

تجلت مناوأة الفن في برلين في المعارضة الصارخة للاتجاه الجمالي الأساسي في ألمانيا، أَلَا وهو التعبيرية؛ فلقد تحوَّلَ النفورُ الدوشامبي (نسبةً إلى دوشامب) من فنِّ الصور الإنسانية والانغماس الحسي ﻟ «الفني البصري» في برلين، إلى تأفُّف من «الاستبطان» واللمحة التعبيرية المصبوغة بصبغة روحانية. وعلى الرغم من أن فنَّاني برلين أمثال جروتس وهاوسمَن عملوا آنفًا بأساليب تصويرية متناغمة مع التعبيرية، فإن ريتشارد هيولسنبك قد انتقَدَ الجيلَ الفني السابق في بيان جوهري عام ١٩٢٠، مشدِّدًا على أنه: «تذرُّعًا بتنفيذ دعاوى للروح، وجد أبناءُ هذا الجيل، في صراعهم مع المذهب الطبيعي، طريقَهم مجدَّدًا إلى اللمحات التجريدية والمُثيرة للشفقة التي تفترض مسبقًا حياةً مريحةً خاليةً من المحتوى أو الصراع.» ذهب هيولسنبك، في المقابل، إلى أن ثمة فنًّا جديدًا — ألَا وهو فن دادائيي برلين — «سيتصدع بشكل واضح بفعل تفجيرات الأسبوع الماضي … وسيحاول إلى الأبد أن يجمع شتات نفسه بعد صدمة الأمس.»

ليس من العجب أن مجموعةَ دادائيةِ برلين رفضَتِ الرسمَ التقليدي وفضَّلَتْ عليه الشِّعْرَ الصوتي لهاوسمَن، أو التوزيعَ الأصلي جدًّا لتقنيات المونتاج الصوري لهاوسمَن وهوخ وجروتس وهارتفيلد. إن الشظايا المُفتَّتة للصور الفوتوغرافية في توليفاتها الصوريَّة المبكرة، التي تصوِّر الآلات بطريقة شبيهة عمومًا بأتباع الدادائية في نيويورك، مهَّدَتِ الطريق في نهاية المطاف للسطوح السَّلِسة ظاهريًّا التي تخصَّصَ فيها جون هارتفيلد. استغلَّتِ التوليفاتُ الصورية البارعة تقنياتٍ سرياليةً أساسًا من التجاور لأغراض ساخرة بشكل وحشي. بعد زوال دادائية برلين مباشَرةً في أعقاب ظهورها العام في «معرض الدادائية» ببرلين، الذي أُقيم في يونيو ١٩٢٠، أمسى هارتفيلد مُعلِّقًا قاسيًا على صعود نجم النازية في ألمانيا، وظهرت توليفاته الصورية بانتظامٍ على أغلفة الدوريات الشيوعية مثل صحيفة العمَّال المصوَّرة.

في أماكن أخرى بألمانيا، كان هناك المزيد من مراكز الدادائية؛ فكانت مدينة هانوفر — الأكثر تحفُّظًا ورصانةً بشدة من برلين — موطنًا لكورت شفيترز. كان شفيترز صديقًا لفناني برلين أمثال هاوسمَن وهوخ، لكنه رفض عضوية «نادي الدادائية» التي قدَّمها له هيولسنبك نظرًا لافتقاره للالتزامات السياسية، وسلوكه «البرجوازي» المفترض، وشقَّ شفيترز طريقَه المميز بنفسه؛ حيث كان رائدًا لشكلٍ من أشكال الكولاج أُعِيد فيه ضمنًا تقييم بقايا المناطق الحضرية (كتذاكر الحافلات المهملة، وأغلفة الحلويات … إلخ) بواسطة حشدها في بِنًى بصرية تجريدية. تبنَّى شفيترز التسميةَ (ميرتس) Mertz المأخوذة من كلمة Commerzbank (بمعنى «البنك التجاري») في واحدة من تجميعاته الصُّوَرية لوصف أنشطته وتمييزها، تلك الأنشطة التي توسَّعَتْ بحلول منتصف عشرينيات القرن العشرين، وصولًا إلى خلْقِ تجميعة مبدئية ضخمة تُعرَف باسم Merzbau طُوِّرت أساسًا في العديد من غُرَف بيته. في أوائل عشرينيات القرن العشرين، أقام شفيترز علاقاتٍ وطيدةً بفنَّانين منخرطين في الحركة البنائية الدولية؛ حيث نفذت مبادئ التجريد الهندسي الخاصة بها إلى ألمانيا وهولندا. وشارَكَ المؤسِّسُ المشارك لحركة ستيل الهولندية؛ ثيو فان دويسبورج، بشكل غير مباشِر إلى حدٍّ ما في الدادائية خلال تلك الفترة تحت الاسم المستعار «آي كيه بونسيت»، وحضر هو وشفيترز وآرب وريشتر وهاوسمَن وتزارا «مؤتمر الدادائية-البنائية» في فايمار في سبتمبر ١٩٢٢؛ حيث أقاموا علاقات مع أتباع بارزين للبنائية في ألمانيا أمثال لازلو موهولي-ناجي وإل ليسيتزكي. وعلى مدار سنوات قليلة، تآزَرَ أعضاءُ كلِّ جماعة فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبين غيرهم من أعضاء الجماعات الأخرى بشكل متفرق. بصورةٍ ما، تقع تلك الحقبة خارج طقوس الدادائية، على الأقل بقدْر ما كانت الدادائية معارِضةً للتجريب الجمالي المحض؛ لكن آرب وشفيترز، في ظل اهتماماتهما التجريدية، كانَا استثناءَيْن لهذه القاعدة، وتضمَّنَ خطابُ دادائية زيوريخ على أي حال دعوات ﻟ «نظام جديد».

مَثَّلَت كولونيا، المدينة الأقل اضطرابًا من برلين، التي وقعت تحت الاحتلال البريطاني بعد الحرب مباشَرةً؛ البيئةَ المثالية لشعبة جديدة من الدادائية خلال فترة ما بين عامَيْ ١٩١٨ و١٩٢٠. هنا كان أبرز رجالات الدادائية ماكس إرنست ويوهانس بارجلد، وهو الاسم المستعار الذي تبنَّاه ألفريد جرونيفالد، وتعني كنيتُه «حقائبَ المال»، في إشارةٍ غير مباشِرة إلى المصرفي والد جرونيفالد. وامتدَتْ عضويةُ دادائية كولونيا إلى مجموعة مُسَيَّسة بقدْر أكبر، من بينهم فرانس سايفيرت وهاينريتش وأنجيليكا هويرل، لكن هذه المجموعة تجمَّعَتْ في واقع الأمر حول حدثٍ وحيدٍ فحسب، أَلَا وهو «معرض دادائية كولونيا» اللاسلطوي المقام في أبريل ١٩٢٠ (انظر الفصل الثاني). وخلاف ذلك، نجد أن التجميعات الصُّوَرية اللاسياسية في جوهرها ولكن العبثية جدًّا لإرنست، والمتسمة بتصادمات مذهلة للصور، مهَّدَتِ الطريق لتشكُّل الدادائية. وكما هو الحال بالنسبة إلى أعمال دوشامب وبيكابيا في أماكن أخرى، يمكن العثور على إدانة وحشية للفنون السابقة في إعادة صياغات إرنست للأيقونات الدينية التقليدية.

الدادائية الفرنسية

كانت كولونيا تقع من الناحية الثقافية بين ألمانيا وفرنسا، ومن ثَمَّ مال إرنست إلى التطلُّع إلى باريس بدرجة أكبر بكثير من غيره من الدادائيين الألمان، وفي نهاية المطاف، انتقَلَ إلى باريس عام ١٩٢٢. إن الدادائية في باريس مسألةٌ معقَّدةٌ من حيث رُوَّادُها المتحوِّلون وانتماءاتهم المتبدِّلة. وُلِدَت الدادائية الفرنسية في أوائل عام ١٩١٩ مع وصول بيكابيا، سفير العدمية لدى الدادائية الذي نَصَّبَ نفسه في هذا المنصب، وكان قد أمضى لتوِّه فترةً في سويسرا، ظهر خلالها في زيوريخ حيث مَثَّلَ بالنسبة إلى مؤرخ الدادائية هانس ريشتر «تجربةَ احتضارٍ». كانت دادائية زيوريخ في مرحلتها الأخيرة عدميةً على أي حال؛ حيث ألْقَى فالتر سيرنر على أسماع الناس «بيانًا محرِّرًا أخيرًا» كئيبًا أثناء المسيرة العامة الأخيرة للحركة في أبريل ١٩١٩. وفي باريس، استضاف بيكابيا دوشامب الذي كان في زيارة جديدة لبلده الأم، وسرعان ما لاقَتْ شخصيةُ دوشامب الغامضة — والمتجلية في لمحات مثل العمل الفني المتمرِّد LHOOQ، الذي يتكوَّن من تلك الأحرف (وتعني في الفرنسية «إنها تتمتَّع بمؤخرة رائعة» عندما تُقرَأ بصوت عالٍ)، المكتوبة أسفل نسخةٍ للوحة الموناليزا ذات شاربٍ ولحيةٍ مرسومَيْن بقلم رصاص — إعجابَ مجموعةٍ من الشعراء الباريسيين المجتمِعين حول دورية «الأدب». وكان «قائد» تلك المجموعة باقتدارٍ أندريه بريتون، وأبرزُ أعضائها: لويس أراجون، وثيودور فرانكل، وبول إيلوار، وفيليب سوبو.

كان بريتون ذو الشخصية الجذَّابة يتأثَّر بشدة بالآخرين، وكان الشاعر الفرنسي جيوم أبولينير — شريك بيكاسو والمؤيِّد الشديد للتكعيبية، الذي تُوفِّي عام ١٩١٨ — مهمًّا لبريتون بشكل محوري؛ فمن أوجهٍ عدة، قُدِّرَ لبريتون أن يَرِث دورَ أبولينير كمحفِّز طليعي. وثمة أثرٌ آخَر كان يتمثَّل في صديق بريتون، ويُدعَى جاك فاشيه؛ وكان شخصًا متأنقًا أفضى به حسُّه الفكاهي اللاذع (حتى إنه أطلق على نفسه اسمَ «الفكاهي») وإحساسُه بالعبثية، إلى الانتحار بجرعة أفيون زائدة بعد توقيع الهدنة عام ١٩١٩. في ظل تلك السوابق في ذهنه، علاوةً على دوشامب، قام بريتون بابتكار نسخته الذهنية الخاصة من الدادائية.

في أوائل عام ١٩١٩، درس بريتون نموذجَ تريستان تزارا الذي ظهر بيانُه القوي عام ١٩١٨ في الطبعة الثالثة من مجلة «الدادائية» التي نشرتْها مجموعة زيوريخ. «إن مبدأ «حِبَّ جارَكَ» محض نفاق، و«اعرفْ نفسَك» مبدأٌ مثاليٌّ، لكنه مقبول بقدْرٍ أكبر؛ لأنه ينطوي على شيء من الدهاء. لا للشفقة. بعد المذبحة، لا يبقى لدينا سوى الأمل في إنسانية مُطَهَّرة.» هكذا كتب تزارا متحوِّلًا من خطاب العدمية إلى خطاب الفداء بأسلوب زيوريخ المألوف. وصل تزارا نفسُه إلى باريس في يناير ١٩٢٠، ولكنْ على مدار العامَيْن التاليَيْن، تولَّى بريتون — الذي أدَّى به نزوعُه إلى البحث عن انسجام النظرة الاستشرافية إلى الاغتراب عن بيكابيا اللاسلطوي وكذلك عن تزارا — ريادةَ الطليعية في نهاية المطاف.

كانت الدادائية الباريسية سلبيةً صراحةً في نبرتها، وعلى الرغم من أنها كانت معارِضةً للحكومة اليمينية التي تولَّتْ مقاليدَ الأمور في فرنسا إثرَ الحرب، فإنه نادرًا ما كانت سياسيةً علنًا كالدادائية في برلين، كما كانت بعيدةً جدًّا عن الروح البنائية البدائية التي اتَّسَمَتْ بها المرحلةُ الأولى للدادائية في زيوريخ. وكانت تجلياتها الأساسية سلسلةً من الاستفزازات العلنية التي قرأ بيكابيا واحدةً منها على الملأ في مارس ١٩٢٠، في بيانه المسمَّى «البيان الوحشي»:

ما الذي تفعلونه هنا، وأنتم جالسون على مؤخراتكم كمجموعةٍ من الحمقى؟ …

… أنتم أيها الجادون، تفوح منكم رائحةٌ أسوأُ من رائحة روث الأبقار.

أما بالنسبة إلى الدادائية، فلا تفوح منها أيُّ رائحة؛ فهي لا شيء، لا شيء، لا شيء.

إنها مثل آمالكم: لا شيء.

مثل فِرْدَوْسِكم: لا شيء …

مثل ساستكم: لا شيء …

مثل فنَّانيكم: لا شيء …

أساسًا، شنَّتِ الدادائية الباريسية، شأنها شأن تجليات الدادائية في أي مكان آخَر، حربًا على الخطاب الفني المهترئ. وفي الحدث نفسه، قدَّمَ بيكابيا لوحةً من القماش تحوي دميةً على شكل قرد وتُحيط به الكلمات التالية: «صورة لسيزان، صورة لرامبرانت، صورة لرينوار …»

السريالية: البدايات

بحلول منتصف عام ١٩٢٢، أمست الدادائية الباريسية، في شكلها النهائي المتجسد بالكامل، موصومةً بسلبيتها الشخصية، ومن مؤشرات زوالها تنظيمُ بريتون ﻟ «مؤتمر باريس» الذي أكَّد ضمنًا، في مسعاه إلى تحديد الاتجاه الكلي للنشاط الطليعي، على أن ما كانت الدادائية تسعى لتفاديه بالضبط هو: مجرد حركة فنية في تاريخ الفن. يتجلَّى هنا وَلَع بريتون بالسياسة الثقافية؛ فإذ اتهم الدادائية ﺑ «النفي المتغطرس» والمَيْل إلى «الفضيحة من أجل الفضيحة»، فقد استغلَّ الفرصةَ وأعاد ترتيب أولويات الطليعية؛ وكان الطريق ممهَّدًا أمام السريالية.

وصل ماكس إرنست من كولونيا في نهاية عام ١٩٢٢؛ حيث كان حلقةَ الوصل مع أنشطة الدادائية الألمانية، على الرغم من أنه لم يكن حلقةَ الوصل مع أكثر تلك الأنشطة تسيُّسًا. لعامين كاملين، وتحديدًا في الفترة بين عامَيْ ١٩٢٢ و١٩٢٤، كانت هناك فجوةٌ نوعًا ما بين الدادائية والسريالية، وهي المرحلة التي أَطلَق عليها أعضاءُ تلك الحركة «الحركةَ الغامضة». وخلال تلك الفترة، انخرَطَ بريتون وأراجون وإيلوار، إضافةً إلى مستجدين أحدث عهدًا بحركة الأدب مثل روبرت ديسنوس ورينيه سريفيل، في مجموعة متنوعة من الأنشطة التجريبية. من أكثر تلك الأنشطة إثارةً «جلساتُ تحضير الأرواح» التي أجابت فيها مجموعةٌ من أعضاء الحركة، وأبرزهم ديسنوس، بشكل غريب الأطوار عن أسئلة طُرِحت عليهم أثناء انغماسهم في حالات غيبوبة ذاتية التحريض؛ جرى آنذاك بشكل منظَّم استكشافُ الاهتمام بكلِّ ما هو غير عقلاني، الذي تجلَّى في حدِّ ذاته في الدادائية باعتبارها حركةً حرةً روحية مناوِئة للبرجوازية. بينما كان بريتون يخدم كممرِّض في صفوف الجيش الفرنسي خلال فترة الحرب، تعرَّفَ على نظريات سيجموند فرويد الخاصة باللاوعي. تُرجِمت أعمال ذلك المحلِّل النفسي لأول مرة للفرنسية خلال أوائل عشرينيات القرن العشرين، وسرعان ما استوعب بريتون وأصدقاؤه الفكرةَ العلمية للاوعي ودمجوها بما يخدم مصالحهم الشعرية؛ حيث قاموا بتطوير تقنيات «الكتابة التلقائية» التي بموجبها — نوعًا ما على غرار نموذج فرويد ﻟ «التداعي الحر للمعاني» — أسهبوا في الكتابة السريعة دون وجود أي فكرة سابقة التصوُّر. ولكنْ، أثبت اجتماعٌ تمَّ بين بريتون وفرويد في فيينا عام ١٩٢١ بما لا يَدَع مجالًا للشك، أن فرويد لم يتعاطف كثيرًا مع مثل هذه المواءمات الفنية لتقنياته العلاجية.

بحلول عام ١٩٢٤، رأى بريتون أنه من الملائم أن يوحِّد تلك النزعات تحت اسم واحد، وبعد فترة وِلَادة طويلة خرجَتِ السرياليةُ إلى النور بنشر بريتون أولَ بيانٍ عامٍّ للسريالية.

كان أبولينير، المثل الأعلى لبريتون، هو أول مَن سَكَّ كلمةَ السريالية عام ١٩١٧، لكنَّ محاولةَ أبولينير الغامضة نوعًا ما لتمييز روح جديدة متجاوزة للمنطق في الفنون، اتسمَتْ بدقة أكبر في «البيان العام» لبريتون عام ١٩٢٤؛ حيث وُصِفَت السريالية بأنها «قائمة على الإيمان بالحقيقة الأسمى لارتباطات مهملة مسبقًا بعينها، وبالقدرة الكلية للأحلام، وبالتلاعب العقلي بالأشياء بلا مبالاة.» كان البيان العام بالأساس ميثاقًا لشاعر؛ فلم تكن فيه عنايةٌ بالفنون البصرية في هذه المرحلة، ومُنِحَت الأولوية ﻟ «التلقائية النفسية … بواسطة الكلمة المكتوبة، أو بأي طريقة أخرى.» وحقيقة أن ممارسة هذا البيان «في غياب أي نوع من رقابة العقل، وبعيدًا عن أي هموم جمالية»، أوضحَتْ أن السريالية ورثَتْ واحدًا من المبادئ المحورية للدادائية، الأمر الذي يرجع بنا إلى قلب النقاش السابق؛ نقد الفن المستقل الذاتي الإحالة. كانت السريالية شأنها شأن الدادائية مُكرَّسةً لمحو الفروق بين مزاعم «الفن» ومزاعم «الحياة»، وإذ وصف بريتون فرويد بالنور الهادي للمشروع السريالي، لم يتكلَّم بريتون كثيرًا عن المُنتِج الجمالي بقدر ما تحدَّث عن «الإنسان المستكشِف» الذي يُجرِي «تمحيصاته». رأى الناس فيها ثورةً جديدة، لا أقل، وأكَّدَ أحدهم أنه: «لعل الخيال على وشك أن … يسترجع حقوقَه.»

بدأت السريالية كحركة أدبية، وكان أوائل طلائعها شعراء وكُتَّابًا فرنسيين، أمثال: آرثر رامبو، وإيزيدور دوكاس (الكونت لوتريامون)، وريمون روسيل، وألفريد جاري. وبمرور عشرينيات القرن العشرين، دار تدريجيًّا الفنانون البصريون، لا سيما الرسامون، في مدار السريالية منجذبين بنموذج «رسم الشعر»، وكان ماكس إرنست رائدًا — بأسلوبه الفني الذي تأثَّرَ بلا شك بمصادفته نُسَخًا لأعمال الرسَّام الإيطالي جورجيو دي شيريكو — لما يمكن أن نَصِفه جوازًا ﺑ «الرسم الحالم».

على الرغم من كون الأحلام محوريةً كموضوع أساسي للفنَّانين السرياليين، فإن عملية تدوينها بصريًّا قد كانت تستوجب تمهُّلًا واعيًا جدًّا. وكما أوضح كثيرٌ من المعلِّقين، كانت تلك الفكرة مناقِضةً لنموذج تجاوُز رقابة العقل. إن تدخلات نقدية كهذه، التي تتطلَّب إعادة تقييم مستمرة للمبادئ، أمسَتِ القاعدةَ المعمول بها إلى حدٍّ كبير في السريالية. وحقيقة الأمر أن الهجوم على «الرسم الحالم» حمَلَ الفنانَيْن آندريه ماسون وخوان ميرو على إنتاج معادلات بصرية للعفوية التي لطالما مارَسَها شعراء الحركة. ومن بين جوانب النقص الأخرى ﻟ «الرسم الحالم» أنه كان بالإمكان استيعابه مرةً واحدة، في الوقت الذي تتكشَّف فيه الأحلامُ بطبيعة الحال في الوقت المناسب؛ ولذا، كان الطريق ممهَّدًا للأفلام للاستجابة إلى المتطلبات السريالية، وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين، تمَّ إنتاجُ فيلمَيْن غاية في الأهمية: «كلب أندلسي» و«العصر الذهبي»، وكان الفيلمان ثمرةَ تعاوُنٍ بين الإسبانيَّيْن اللذَيْن استقطبَتْهما باريس؛ لويس بونويل وسلفادور دالي.

إن انجذاب دالي نحو السريالية في عام ١٩٢٩ يثبت كيف نجحَتِ الحركة في استقطاب مواهب جديدة. وفي الوقت نفسه، قدَّمَتْ شخصيات بارزة بالفعل دعمها بين الحين والآخَر؛ فقد سمح بيكاسو بنَسْخ العديد من الأعمال الحديثة في الدورية السريالية «ثورة السريالية» في منتصف عشرينيات القرن العشرين، دون أن ينضمَّ رسميًّا للمجموعة قطُّ، وأمسَتْ شخصياتٌ بعينها دعاماتٍ أساسيةً للحركة، كالرسَّامَيْن إرنست وإيف تانجي مثلًا. ومن الدعامات الرئيسية للحركة أيضًا المصوِّر مان راي الذي أمسى المصوِّر الرسمي إلى حدٍّ كبير للسريالية الرسمية، بعد أن كان مساعِدًا لدوشامب أيام دادائية نيويورك، بينما أنتَجَ في الوقت نفسه «صورَه الفوتوغرافية من دون كاميرا» (صورة تنتج من دون كاميرا عن طريق وضع جسم بشكل مباشِر على ورقٍ خاص وتعريضه للضوء)، ودراستَه للعَرَايَا في الاستوديو. حصل أشخاص آخَرون على مباركة بريتون المتفاقِم استبداده، بينما سقط آخَرون من حساباته، واستُبعِد كثيرون سريعًا لإخفاقهم في الوفاء بتوقُّعات النقاء المذهبي أو الأيديولوجي. كان العام ١٩٢٩ حدًّا فاصلًا في هذا الصدد؛ إذ استنكَرَ بريتون علانيةً في «البيان العام الثاني» للسريالية شخصياتٍ مثل: جورج ريبيمون-دوسينييه، وروبرت ديسنوس، وروجر فيتراك، وآندريه ماسون، وفيليب سوبو، وأنطونين أرتو، والكاتب المتمرِّس في علم الأعراق ميشيل ليريس؛ في أعقاب اجتماع خاص اتُّهِموا فيه بالإخفاق في الالتزام ببروتوكولات الجماعة.

fig4
شكل ١-٣: ماكس إرنست، «الرأفة/الثورة ليلًا»، زيت على قماش، ١٩٢٣، معرض تيت، لندن.

والواقع أن ثمة جفوةً حدثت لبعض الوقت بين سرياليِّي «شارع فونتين»، الذين تمَّتْ تسميتهم بهذا الاسم تيمُّنًا بالشارع الذي قطن فيه بريتون وعقَدَ اجتماعات المجموعة فيه، وسرياليِّي «شارع بليمو»، الذين كان من بينهم ماسون وميرو وليريس وغيرهم. ولطالما أبعَدَ ميلُ المجموعة الثانية لفلسفة نيتشه أفرادَها عن بريتون، وعندما شرع جورج باتاي — الإثنوغرافي والكاتب الذي بزغ نجمه كمنافِسٍ فكري أساسي لبريتون في أواخر عشرينيات القرن العشرين — في التودُّد إليهم أساسًا من خلال دوريته «وثائق»، أحسَّ بريتون بالحاجة إلى التصرُّف بحسم، وكان بيانُه العام الثاني يهدف في جزء منه إلى تقويض جاذبية جورج باتاي. من وجهة نظر باتاي، تعيب فكرَ بريتون فرضياتُه المثالية المسبقة. إن جماليات بريتون، التي كانت متجذرةً في الجدلية الهيليجية، ارتدَّتْ دومًا إلى فكرة الواقع الجديد الذي ينشأ نتيجةً لتصادم صورتين متنافرتين، وكان التمثيل المقتبس كثيرًا لتلك الظاهرة بالنسبة إلى السرياليين هو تشبيه لوتريامون الممتد «جميلة كفرصةِ لقاءٍ عارضٍ على طاولة تشريح لآلة حياكة ومظلة.» وفي مقابل مثل هذا الكشف الجمالي، أيَّدَ باتاي ما أسماه «مادية أساسية»، الذي بواسطته سعى الفنُّ إلى مواجهةِ أحطِّ جوانب البشرية أو أكثر تلك الجوانب بهيمية؛ ولذا مال الفنانون، أمثال ماسون، تعاطفًا مع باتاي إلى إنتاج صور مجازية يمكن أن تبدو لبريتون مسيئةً دون مبرر. وثمة هجومٌ مباشِر بقدر أكبر نشره معسكر باتاي عام ١٩٣٠ على هيئة منشور تحت عنوان «جثمان»، وقد تعرَّض بريتون، إذ تمَّ تصويره على أنه مسيح شهيد، لسخرية شديدة من أحكامه الميَّالة للنقد واغتراره بذاته.

كان «البيان العام الثاني» لبريتون على أي حال بمثابة تحول في الاتجاه الفلسفي للسريالية؛ ففي السابق كان التركيز داخل الحركة ينزع إلى محتويات العقل، أو ما أسماه بريتون «النموذج الباطني»، أما الآن فقد تحوَّلَ التركيزُ إلى التفاعُل ما بين عالم الباطن والواقع الخارجي في علاقة جدلية. وقد كان لهذا التوجُّهِ الجديد تداعياتُه فيما يختص بالإنتاج البصري؛ فمن عدة طرق، استنَدَ صعودُ نجم دالي بسرعةِ البرق إلى إحياء «الرسم الحالم»، لكن دالي، الذي لطالما كان يحدِّد خيارات حياته المهنية على نحوٍ استراتيجي، أحالَ ركيزةَ أعماله ببراعةٍ وعبقريةٍ بعيدًا عن حلم اليقظة الباطني، وانتقل بها إلى ما وصفه ﺑ «هذيان التفسير» الشبيه بجنون الاضطهاد بالنسبة إلى الواقع الخارجي. وفي الوقت نفسه، ظهرت طائفةٌ حقيقية للغاية السريالية حوالي عام ١٩٣٠، بقيادة دالي والفنانَيْن السويسريَّيِ المَوْلد ألبرتو جياكوميتي وميريت أوبنهايم؛ هناك كان التشديدُ على عثور الفنان على غرضٍ في العالم الخارجي ينسجم مع المتطلبات اللاواعية، ومن ثَمَّ كانت إعادةُ العلاقات بين الواقع الداخلي والخارجي. وظهرت بالتزامن مع تلك الفرقة طائفةُ «اللقاء» التي ارتدَّت إلى الأيام الأولى للسريالية. وإذ يسيح السريالي الهائم على وجهه في باريس التي تكتنفها شبكة خفية من المعاني، فإنه يجعل نفسه متاحًا لإملاءات «المصادفة الموضوعية»، وعلى الرغم من أن هذا الانشغال الجديد بالعالم الخارجي كان مخلصًا للروح الطليعية الأساسية للسريالية، فإنه تجسَّدَ — بقَدْر أكبر من الحَرْفيَّة — في السياسة.

السريالية: السياسة والنزعة الدولية

بدأ انشغال السرياليين بالسياسة في عام ١٩٢٥، عندما عارضوا الحرب الفرنسية الاستعمارية في المغرب، وبحلول عام ١٩٢٧ أفضَتْ معارضتُهم الشديدة ليس لحكومة اليمين الفرنسية فحسب، بل وللرأسمالية عمومًا؛ إلى انضمامهم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ولكن ثبت لهم من البداية أنه من الصعب التوفيق بين ميولهم السياسية وغاياتهم الفنية. كيف للروح الجماعية السياسية، حسبما تساءَلَ نقَّادُ النزعة الباطنية أمثال بيار نافيل، أن تنسجم مع الفردية المتطرفة للشعر والفن السرياليَّيْن؟ هل ينبغي أن تسبق ثورةُ العقل الثورةَ الاجتماعية؟ أم العكس هو الصحيح؟ بعد عمليات التطهير التي شهدتها جماعةُ بريتون عام ١٩٢٩، والتي كانت عينها تستند جزئيًّا إلى المزاعم النسبية المتعلِّقة بتضامن الجماعة وفرديتها، أمست تلك الأسئلةُ تحديدًا مُلِحَّةً. لقد صار السرياليون الآن مُجبَرين على الاستجابة لمتطلبات نظام ستاليني جديد في روسيا، وتأزمت الأوضاع عام ١٩٣٢ عندما تخلَّى لويس أراجون رسميًّا عن السريالية مفضِّلًا عليها الحزب الشيوعي، وبمرور الوقت في ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت «الواقعية الاشتراكية» — وهو فن واقعي مقروء للعامة — الفنَّ المعترَف به رسميًّا لدى الشيوعية، وقد أدَّى الْتِزامُ بريتون التروتسكي (نسبةً إلى ليون تروتسكي) بثورة ثقافية-سياسية، إلى إبعاد السرياليين بشكل حاسم عن التقليد السوفيتي المتشدد.

بالرغم من هذا الاضطراب الأيديولوجي، استقطبَتِ السريالية في الثلاثينيات عددًا من الوافدين الجدد؛ كثير منهم كانوا نساء، بدايةً من الرسَّامة والكاتبة الإنجليزية ليونورا كارينجتون التي استكشفت أفكارًا أسطورية على نطاق واسع، وانتهاءً بالكاتبة والمصوِّرة الفرنسية كلود كاهون التي أنتجت صورًا ذاتية تتشكَّك بها في هويتها الجنسية. في سياق الفن السريالي الذكوري، كانت اليد العليا دومًا للتعبير عن الرغبة الجنسية التي تمَّ تصويرها عادةً بطرق مُغايِرة للجنس، وشهدت ثلاثينيات القرن العشرين صعودَ نجم الأعمال المثيرة جنسيًّا للألماني هانز بيلمر. وثمة طائفة في السريالية التفَّتْ حول أعمال الروائي الإباحي الفرنسي ماركيز دو ساد بالقرن الثامن عشر، باعتباره رائدًا للحرية، رخَّصت لخيالات عنيفة ومحرَّمة أخلاقيًّا.

شهدت السنوات التالية من الثلاثينيات انتشار السريالية، كمجموعة من المذاهب، في دول أوروبية أخرى وقارات أخرى أيضًا. في العشرينيات، اجتذبت السريالية شخصياتٍ بارزةً من دول مثل إسبانيا وألمانيا وباريس، وبينما أمسى العالَمُ أكثرَ اضطرابًا من الناحية السياسية في الثلاثينيات — حيث تأثَّرَتْ عدة دول بدرجات متفاوتة بالاستقطابات السياسية للشيوعية والفاشية — راقَتْ مبادئ الحركة وقِيَمها لفنَّانين وكُتَّاب يساريين ومناوئين للفاشية في مجموعة من السياقات الجديدة. من هذا الجانب، عادةً ما حقَّقَتِ الحركةُ في أماكن أخرى قوةً سياسيةً لم تستطع تحقيقها في فرنسا. تألفت المجموعةُ الفرعية الكبيرة الأولى في بلجيكا عام ١٩٢٦ بمعرفة الكاتب بول نوج، وشملت فنَّانين أمثال إيه إل تي ميسينز، ورينيه ماجريت، ولاحقًا بول ديلفو والمصوِّر الفوتوغرافي راءول أوباك، وبحلول منتصف الثلاثينيات، كانت السرياليةُ قد أمسى لها موطئُ قدمٍ في شرق أوروبا. وكان الرومانيان فيكتور برونر وجاك هيرولد إضافتين عظيمتين لمجموعة باريس في أوائل الثلاثينيات، لكن الأهم تحديدًا في تلك المرحلة كان تشكُّل مجموعة براغ في عام ١٩٣٤، وأبرزُ رجالاتها كاريل تيج، ورسَّامُ الكولاج جيندريش ستيرسكي، والرسَّامان جوزيف سيما وتوين (ماري سيرنونوفا). وكانت علاقات الجماعتين، البلجيكية والتشيكوسلوفاكية، أكثرَ ودًّا بحزبَيْهما الشيوعيَّيْن الوطنيَّيْن من علاقاتهما بجماعة باريس.

في عام ١٩٣٦، انعقد «المعرض الدولي للسريالية» المهم في لندن؛ حيث كان نقطةَ الْتقاءِ مجموعةٍ متباينةٍ من المواهب الإنجليزية، أمثال الكاتب ديفيد جاسكوين والرسَّامَيْن رولاند بنروز وإيلين آجر، والمخرج همفري جينينجز. لقد وفَّرَتِ المعارضُ الدولية الكبرى إلى حدٍّ كبير الموقعَ الرمزي للسريالية بحلول تلك الفترة، وكانت العروضُ الدراماتيكية دومًا جانبًا مميزًا للسريالية (على سبيل المثال: أُقِيم عرضٌ صغير، ولكنه مُذهِل، لبعض الأغراض بمعرض باريس لتشارلز راتون عام ١٩٣٦)، ولكن العام ١٩٣٨ شهد أقوى عروض السريالية وأكثرها صراحةً على الإطلاق في «المعرض الدولي للسريالية»، الذي أُقِيم في معرض الفنون الجميلة في باريس؛ حيث تمَّ تعليقُ سقف الغرفة بأكياس فحمٍ محشوَّة بالصحف.

في العام نفسه، سافَرَ بريتون إلى المكسيك ليوطِّد علاقاته الأيديولوجية بتروتسكي والرسَّام الجداري دييجو ريفيرا، وقد أرسَتْ تلك الزيارة أُسُسَ الوجود السريالي في أمريكا اللاتينية برعاية رموزٍ كالمصوِّر الفوتوغرافي مانويل ألفاريز برافو، والرسَّامة فريدا كاهلو، اللذين نالَا حفاوةً عظيمة باعتبارهما سرياليَّيْن، ولو أن كثيرًا من أعمالهما تناولت التقاليد والمشاغل «المحلية». كان السرياليون دومًا نَهِمين للارتباط ﺑ «آخَرين» على المستويَيْن الثقافي والاجتماعي، ورأَوْا أن أعمالهم موازيةٌ لفن الجنون، وغالبًا ما وضعوا أعمالهم في مكانةٍ موازيةٍ لأغراضٍ كالأقنعة المحيطية، وأحيانًا ارتقى ذلك إلى استحواذٍ تعوزه الحساسية لأنماط للفهم متبايِنة تمامَ التبايُن، ولكنْ مع بداية الحرب العالمية الثانية والتشرذُم الحتمي للنواة الباريسية للجماعة، اضطرت السرياليةُ كظاهرةٍ فرنسيةِ الهوية إلى التأقلم مع معطيات ثقافية قهرية.

في عام ١٩٤١، ترك بريتون وفنَّانون أمثال ماسون وإرنست، فرنسا التي احتلَّتْها ألمانيا عبر مارسيليا، على الرغم من أن بعض حلفائه القدامى مثل إيلوار اختاروا البقاءَ في باريس. اتضح أن منفى بريتون كان حافزًا مِن عدة أوجه؛ فمن ناحية، أتاحت له زيارتُه إلى جزيرة مارتينيك، في طريقه إلى الولايات المتحدة، فرصةَ التعرُّفِ إلى حركة «الزنوجة» التي كانت لَبِناتها تتشكَّل في المستعمرات الفرنسية، وأتاحت له بشكل أكثر تحديدًا أن يلتقي بالشاعر إيمي سيزير؛ ومن ثَمَّ، أمسَتِ السريالية حقًّا لغةً للمُهمَّشين ثقافيًّا. ومن ناحية أخرى، كان وجود بريتون في نيويورك من عام ١٩٤٢ وحتى نهاية الحرب، يعني إرساءَ أُسُسِ استجابةٍ أمريكيةٍ للسريالية، على الرغم من حقيقة أن بريتون نفسه ظلَّ فرنسيًّا بشكل واضح، ورفض أن يتعلَّمَ الإنجليزية.

قبل الحرب، انحصر تبنِّي أمريكا للسريالية في أحداث منفصلة، مثل أعمال جوزيف كورنيل الذي أنتج لوحةً موحيةً بشكل شعري في صناديق خشبية مفتوحة من الأمام، بدايةً من أواخر الثلاثينيات وما بعدها. ومع وجود بريتون والكثير من الرسَّامين الروَّاد في الولايات المتحدة، بدأت السريالية الآن تصبُّ في الرسم التجريدي الذي كان سائدًا في نيويورك، وبدأ العديد من الرسَّامين الأكبر سِنًّا في نيويورك، وعلى رأسهم روبرتو ماتا المولود في شيلي وأرشيل جوركي الأرميني المنشأ، في أن يدمجوا عناصرَ من رسم السرياليين أمثال ميرو وماسون (على غرار استخدام الأشكال العضوية نصف المجردة) والعفويةَ في أعمالهم؛ وثبت في نهاية المطاف أن تلك التجارب محورية في تطوُّر تنويعة جاكسون بولوك للتعبيرية التجريدية. ساد التجريد، الذي أكَّدَه الإيمانُ السريالي في إملاءات اللاوعي أو البدائي من الأشياء، فترة ما بعد الحرب العالمية مباشَرةً في الولايات المتحدة، ولكن بحلول الخمسينيات، بدأ الفنانون في إعادة اكتشاف تبعات الدادائية. آنذاك اعتُبِرَ دوشامب — الذي انتقل من فرنسا إلى نيويورك بعد بريتون، ولكن كان أثرُه في بداية الأمر أكثرَ «سريَّةً» — شخصيةً بارزةً وحاسمة، وبَدَا أن مفهومَه المتعلِّق بالأغراض «الجاهزة الصنع»، واهتمامَه بثقافة العامة، يتماشيان مع الوعي الأمريكي بقدرٍ أكثر انسجامًا بكثير، ويمثِّلان واحدةً من نقاط المرجعية للفن الشعبي. وبالنظر إلى أن مفهوم الأغراض الجاهزة كان اختراعًا خاصًّا بالدادائية، من السهل الزعم بأن الدادائية، لا السريالية، هي التي مهَّدَتِ الطريقَ للفن فيما بعد عام ١٩٤٥ في أمريكا.

عاد بريتون إلى فرنسا بعد الحرب، لكن السريالية لم يَعُد باستطاعتها فرْضُ الهيمنة الفكرية التي كانت تتمتَّع بها في فترةٍ من الفترات، وبَدَتِ الوجودية أكثرَ اتساقًا مع الأزمنة المتغيِّرة. ويُزعَم أن السريالية لم تَظهَر مجددًا كأثر ثقافي حتى الستينيات، ومرةً أخرى كانت عنايةُ الدادائية بالأعمال الفنية الجاهزة أو بعمليات التجميع، هي التي داعبَتْ خيالَ أغلب الفنانين الفرنسيين المرموقين في الخمسينيات، أمثال إيف كلاين أو أرمان. لا شكَّ أن السريالية كحركةٍ استمرَّتْ حتى بعد وفاة بريتون عام ١٩٦٦، وخرجت علينا بشكل دوري بطفرات دراماتيكية؛ ففي معرض إيروس الذي عُقِد في باريس عام ١٩٥٩ على سبيل المثال، كان سقف النفق، المعروف باسم «مُختَلَى العُشَّاق»، «يتنفَّس» بفعل أنابيب هواء خفية. لكن الأدوات المميزة للحركة الآن يُزعَم أنها تكاد تميل إلى «الفن الهابط»، ولا تمتُّ بِصِلَة للمكانة التي كانت تحتلُّها من قبلُ. ولكن، من المفارقة أن أثرَها أمسى نافذًا في العالم ككلٍّ. وإذا كانت اتفقَتْ في فترةٍ من الفترات مع الشيوعية، فقد كانت تقنياتها الفنية الخاصة بالتجاور واضطراب التوجُّه محوريةً للاستراتيجيات الدعائية للرأسمالية المتأخرة.

الدادائية والسريالية

الغرض من ملخصات الدادائية والسريالية المذكورة أعلاه، هو تقديم «خريطة» للقارئ يمكن الرجوع إليها أثناء قراءته بقية الكتاب، والسرد الوارد هنا يستند إلى فكرة أن الدادائية والسريالية «مقترنتان» نوعًا ما. لقد تكرَّرَ نموذج الدادائية-السريالية هذا على نحوٍ متوقَّع في الثقافات الناطقة بالإنجليزية خلال القرن الماضي، وقد استُخدِم ليكون أساسًا للدراسة التاريخية الكبيرة الأولى للحركتين الممثَّلة في معرض ألفريد بار، تحت عنوان «الفن الخيالي والدادائية والسريالية» بمتحف الفن الحديث، نيويورك، عام ١٩٣٦. ولاحقًا، استرشد بذلك النموذج كتابٌ مهم ألَّفَه أمينٌ آخَر لمتحف الفن الحديث يُدعَى ويليام روبن بعنوان «فن الدادائية والسريالية» عام ١٩٦٨. وتم ترسيخ ذلك النموذج بقدر أكبر في إعادة التقييم البحثية المهمة للحركتين المسمَّاة «إعادة النظر في الدادائية والسريالية» بمعرض هايوورد، لندن عام ١٩٧٨. ولكن، كيف تنسجم هاتان الحركتان معًا بطبيعة الحال؟

قد يذهب البعض إلى أن «الدادائية والسريالية» كمفهوم مقترن ينمُّ في حقيقته عن تحيُّزٍ تاريخي للفرنسيين، وحقيقةُ الأمر أنه من وجهة نظر أنصار الثقافة الألمانية الملتزمين، قد يبدو هذا المفهومُ مضلِّلًا. وكما سنرى لاحقًا، ربما تُعَدُّ «التعبيرية والدادائية» وصفًا تاريخيًّا صحيحًا لأي شخص معنيٍّ في المقام الأول بالثقافات الناطقة بالألمانية.

وللتصدي لهذا الاعتراض، علينا الإقرار بأن الحركتين كانتا دوليتَيْن صراحةً. وهناك شخصيات بعينها انتقلَتْ حرفيًّا من الدادائية إلى السريالية، مثل بيكابيا وتزارا وإرنست وآرب، وتنقَّلَتْ أيضًا بِحُريَّة من ثقافة أوروبية إلى أخرى، وكانت ثنائية أو متعددة الألسنة. لأسباب سياسية، مَقَتَتِ الدادائية والسريالية المشاعِرَ القومية، ونزعَتَا إلى النظر إلى أنفسهما على اعتبار أنهما تخاطبان البشريةَ عمومًا، ولو أنه ينبغي ملاحظة أن الخطاب «التعميمي» للطليعية في أوائل القرن العشرين مشكوكٌ فيه إلى حدٍّ كبير في أيامنا هذه، خاصةً بسبب الاعتقاد بكون فرضيات أوروبية محدَّدة «عالميةً». ولكنْ، حقيقة الأمر أنه بسبب وجود نقلة واضحة وضوح الشمس — وإنْ كانت تدريجيةً — من الدادائية للسريالية حدثَتْ في باريس؛ أمسى من المعتاد إنتاج نموذج للدادائية-السريالية استنادًا لما حدث في باريس وحدها؛ حيث نشأت السريالية بشكل حتمي ﮐ «مصير» للدادائية.

الواقع أن الدادائية لم تُفضِ إلى أي شيء قريب من السريالية في ألمانيا نفسها؛ فتمشِّيًا مع مُدُنٍ ألمانيةٍ كبرى أخرى، كان هناك ميلٌ نحو «الموضوعية الجديدة» في برلين وكولونيا في بداية العشرينيات. يمكننا أن نرى الفنان جورج جروتس قد استخدم عناصر من الواقعية المكثفة في الأعمال الدادائية الأخيرة، مثل «يوم رمادي» عام ١٩٢١؛ حيث نزع إلى هذا التوجُّه الجديد، لكن الموضوعية الجديدة لم تتقاطع مع السريالية إلا فيما ندر؛ فتوجُّهُها خارجي لا «باطني» حيث تميل إلى السخرية الاجتماعية. والسمات التي تشترك فيها مع السريالية تتمثَّل في العنايةِ بالواقعية المتصاعدة (استخدَمَ النقادُ الألمان اصطلاحَ «الواقعية السحرية»)، كما في أعمالٍ بعينها لدالي وماجريت، وإعادةِ تقييم الرسم نفسه كنشاط. وإذا تعيَّنَ علينا البحث عن شريك للدادائية في برلين، أو زيوريخ في هذا السياق، فسيتعيَّن علينا أن نرتدَّ على أعقابنا، إذا جاز التعبير، لا أن نمضي قُدُمًا وأن ندرس كيف تَحَالَفت الدادائية عن قرب في هاتين المدينتين في بداية الأمر مع التعبيرية. باعتراف الجميع، كان هذا التحالُفُ أغلب الظنِّ سلبيًّا بالنسبة إلى كثير من أبناء برلين، لكن الأقنعة التعبيرية الأسلوب مثلًا تجلَّت بشكل بارز في عروض دادائية زيوريخ، وعلى الرغم من أن عروض الأشعار المتزامنة وما شابهها بكباريه فولتير كانت إيذانًا بانحراف واضح عن السوابق التعبيرية، فقد كانت عادةً تُلازِم إنشادًا للأغاني أو سردًا للأشعار يستدعي الأسلوب الأقدم.

ثمة نقاط شبيهة متعلقة بالدادائية في نيويورك يمكن إثباتها؛ فقد استوعب الفنانون الأمريكيون أمثال مورتون شامبرج الأعمالَ الميكانيكية الساخرة لدوشامب وبيكابيا، إضافةً إلى تقليد تصوير فوتوغرافي محليٍّ مثَّلَه فنانون أمثال ألفريد شتيجليتس وبول ستراند احتفَوْا فيه عادةً بالآلات. وأمسَتْ أيقنةُ الآلة عنصرًا من عناصر الانطلاق باتجاه خَلْق فنٍّ «أمريكي» بشكل مميز بحلول العشرينيات، كما أمست توجُّهًا واقعيًّا أكثرَ صراحةً بكثير نحو الآلات، كجزءٍ من الاتجاه «التدقيقي» المزعوم الذي ساد في لوحات تشارلز شيلر مثلًا، قبل أن يُغادِر دوشامب نيويورك عام ١٩٢٣ بفترة طويلة.

ينبغي أن يكون واضحًا من كل ما سبق أن «الدادائية والسريالية» ليست بأي حال من الأحوال تركيبةً بديهية، لو وُضِعَت التطورات في جميع المراكز المرتبطة بالدادائية في الاعتبار. وهي تُشَوِّه الدادائية إلى حدٍّ ما؛ فلو دقَّقنا النظرَ إلى هذه التركيبة بوصفها بناءً تأريخيًّا حتى، فلربما اعتُبرت «الدادائية والسريالية» مبنيةً، مثلًا، على معرضِ بار المذكور آنفًا بمتحف الفن الحديث بنيويورك، أو نشْرِ الدراسة المهمة للعالِم الفرنسي ميشيل سانوليه المسمَّاة «الدادائية في باريس»، التي ذهب فيها إلى أن السريالية هي الشكل الذي تبنَّتْه الدادائية في باريس. وكبديل لتلك الفكرة، يمكن أن يُنظَر إلى هذه التركيبة باعتبارها مبنيَّةً على عناصر جذْبٍ شخصية دولية مثل ماكس إرنست، الذي انتقل من كولونيا إلى باريس عام ١٩٢٢، وربما أقام بذلك أقوى الجسور بين الدادائية الألمانية والسريالية الفرنسية.

ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة جدًّا للنظر إلى الحركتين جنبًا إلى جنب؛ خاصة لأن همومهما يمكن عادةً المقارَنةُ بينها بطريقة موحية وكاشفة بشكل عجيب. وَضعتِ الحركتان ضمن أولوياتها المبدأَ الشعري، وقلَّلتا من شأن مفهوم الفن؛ حيث دعمتَا الأمنية الطليعية بالمزج ما بين الفن والحياة. وقدَّمت كلُّ حركة منهما نفسَها باعتبارها «دولية» في روحها، وكانت السريالية في مراحلها اللاحقة عالميةً فعليًّا، كما كانت الحركتان غيرَ عقلانيتَيْن أساسًا في توجُّهاتهما.

فيما وراء ذلك، ثمة أوجه اختلاف دقيقة ومهمة بين الحركتين؛ فقد كانت الدادائية لا سلطوية في روحها إلى حدٍّ كبير، وكان الذين يمسكون بتلابيبها ويحافظون على تماسُكها، على الرغم من وهن أواصرها — وهم: بال، وهيولسنبك، وتزارا، وبيكابيا — متناقضِين إلى حدٍّ كبير حيال ما هم بصدده؛ حيث عرَّفوا الدادائيةَ باعتبارها توكيديةً وهدَّامةً في آنٍ واحد. وفي المقابل، كانت السريالية المُسيَّرَة بالميول التنظيمية لأندريه بريتون «حركةً» متكاملةَ الأركان بقدْر أكبر، بمعنى أن اسمها يُوحِي بتوجُّهٍ ما. كان الدادائيون غيرَ معنيِّين إلى حد كبير بإنتاج أغراض فنية قابلة للبيع على نحو تقليدي، بينما تخصَّصَ الفنانون السرياليون أمثالَ دالي وماجريت في أساليب أكثر تقليديةً وقابليةً للبيع، ألَا وهي الرسم بالزيت. وباعتراف الجميع، انتقد بريتون الانشغالات التجارية لفنانين بأعينهم، لكن السريالية ربما كان من السهل وصفها باﻟ «رجعية» إذا أردنا الحكم عليها بمعايير مكافحة الروح التجارية الدادائية والإبداع الفني. كان الدادائيون متخبطين بشأن قِيَم العقل؛ حيث وجدوا العقلانيةَ المبالَغ فيها جزءًا من سقوط الإنسان، لكنَّ السرياليين، في كتاباتهم النظرية على الأقل، وظَّفوا سبلًا عقليةً جدًّا، بشكل فيه مفارَقة، لتمحيص الظواهر اللاواعية.

بالطبع هذه تعميمات، وستظهر المقارنات التفصيلية من دراسات الحالة والنقاشات المُركَّزة في الفصول التالية. إن منهجي على الدوام، كما سبق أنْ أكَّدتُ في المقدمة، سيُعنَى بدراسة الكيفية التي الْتَقت بها الدادائية والسريالية أو تشعَّبتا حول مجموعة من الأفكار الرئيسية. لقد تفاديتُ الربط بينهما قدْر الإمكان، لكنني مع ذلك وَجَدتُ تلك الأفكار تستقرُّ في لحظة ثقافية مشتركة تُحاصِرها حربان عالميتان. ثمة شيء واحد ينبغي أن يكون واضحًا من الموجزات التاريخية المذكورة أعلاه؛ ألَا وهو التأكيد الذي أولَتْه كلتا الحركتين لجذب الانتباه لهما باعتبارهما بنيتين طليعيتين. لقد ذكرتُ البياناتِ العامةَ، وتحولاتِ الوجهات التي ألمحت إليها مقالاتٌ نُشِرت في دوريات، وأهميةَ العروض الحية، وما إلى ذلك. إن هذا التركيز على التعميم سمة بارزة للغاية لهاتين الحركتين، ومن ثَمَّ فهو يُعَدُّ الأساسَ الفكري للفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢