الخطابة عند العرب

توطئة

دلتنا الحرب الحاضرة على كثير مما ينقصنا من العلوم والصناعات الشائعة عند الأمم الغربية، وكانت فاشية في القديم عند أجدادنا، ومن ذلك صناعة الخطابة، وهي من أجل العوامل في تربية النفوس أيام الحرب والسلم، أو في بث دعوة، أو سفارة بين متخاصمين أو متحابين، وإقناع يوم الحفل، واستمالة الأفكار إلى رأي أو حزب في المجالس والمؤتمرات والمجامع والجوامع، لا تستغني عنها أمة دستورية يحكمها مجلس نوابها، إذ إن التنفير من مسألة والتذكير بأخرى لا يتم إلَّا بقوة البيان، وسلاطة اللسان، وفصاحة الحجة، وظهور المحجة.

والسبب في قصورنا عن هذه الغاية طول عهدنا بالحكومة الاستبدادية المطلقة حتى إذا انقلبت إلى حكومة شورية، أحسسنا بنقص في عامة مكونات الأمم، وكان خطباؤنا المصاقع يُعَدون على الأصابع في جميع أدوار مجلسنا النيابي، والمبرز منهم من كُتب له أن كان أستاذًا في مدرسة أو مدرسًا في جامع، ففتقت ألسن أهل هذه الطبقة، وقليل ما هي على أيسر وجه؛ لأنها كانت على جانب من الفضل، ومعرفة بأصول المجالس، أمَّا أكثر النواب فكانوا بمعزل عما ينبغي لهم من أدوات الفهم والكلام، والحرية فضاحة فضحتنا بقلة المتكلمين والمفكرين منا، مع أن الخطابة مما أوجبته علينا الشريعة الإسلامية، كما ظهر أمرنا، وتبين عجزنا، واستبان إفلاسنا في مسائل العلم والتأليف.

فقد كان بعضهم يوهمون أن طبائع الحكومة المطلقة وهي قائمة بكم الألسن وحجز الأقلام، هي التي تحول دونهم وما يشتهون من انبعاث علمهم، ونشر أبحاثهم ودروسهم، وظهور أثر فضلهم وأدبهم وتحقيقهم، وربما غالى بعضهم فقال: اختراعهم واكتشافهم، وأنهم لا يتوقعون إلَّا دور انطلاق، حتى يُظهروا ما أكنته صدورهم من العلوم والفنون، وها نحن نعيش في ظل الحكومة الدستورية، ولم نشهد أثرًا لغير من عرفوا من قبل بالفهم والعلم، وجل ما اتصل بنا أنه نشرت مباحث ومناقشات قلَّما تفيد أمة تريد النهوض من طريق العلم والعمل.

نحن موقنون أن التبريز في الخطابة صعب، ولكن بالتعلم والمعاناة يصل المرء إلى درجة حسنة في الجملة، وفي العادة أن يكون النوابغ قلائل في كل فن، فإذا عُد في الأمة عشرة منهم في كل شأن ومطلب، تعد غنية بعلمها وعقلها، ولانحطاط الخطابة الدينية في هذا العهد تأفف كثير من حضور الجمع، حتى لا يسمعوا خطبًا لاكتها الألسن منذ قرون، وليس فيها شيء من النفع، ولقلة المجيدين بل المتوسطين في هذه الصناعة غدا الناس يسمون خطيبًا كل من يرفع عقيرته، ولو كان جاهلًا عاميًّا، بل أميًّا غبيًّا، وعلى العكس رأينا في بعض البلاد خطباء بعض المساجد مجودين في الجملة، يقولون ما له معنى في الوعظ والإرشاد، قد حببوا غشيان المساجد لمن كانوا لا يعرفونها، وبتأثير الإخلاص والإجادة والكلام بحسب طبائع القوم وحاضر العصر، كثر العاملون بأحكام الدين القائمون بتكاليفه.

وبلغت حال الانحطاط في ضعف البيان، وفسولة الرأي والحجة بأكثر خطباء الجوامع، ومنهم الأميون الذين لا يكادون يقرءون الكتاب أن أصبحت نصف خطبهم زهدًا في الدنيا على غير طريقة السلف المشروعة، والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يخرمون منه كلمة، ثم هم يدعون بأدعية مردودة في الشرع شأنهم في بيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والجوامع، حتى خطب بعضهم، وكان حشويًّا جلجلوتيًّا في أعظم جامع في هذه البلاد، عند إرادة الحث على تجديد بنائه فقال: إن الصلاة فيه تعادل ثلاثين ألف صلاة، وأورد لذلك أحاديث لا تعرفها إلَّا عقول الوضاعين والقصاصين، ولطالما خطبوا أن من صام يوم كذا غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلى غير ذلك من البدع والفضول التي لم تأت بها شريعة الرسول، وقد أنكرها أئمة الفقه والعلم من المتقدمين والمتأخرين، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى سنة ٧٢٨)، وابن قيم الجوزية (المتوفى سنة ٧٥١)، وابن الحاج المتوفى سنة ٧٣٧.

ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة ومعرفة طرق البلاغة، وما يصلح الناس ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى، هذا في الخطب الدينية، أمَّا الخطب المدنية فهي أيضًا تتصرف على ذاك النحو نصفها تحميدات ومقدمات، واعتذارات وسخافات، واستطرادات منوعات، ولو محصت لما بقي منها إلَّا التافه اليسير من المعاني، أما تأثيراتها في الأفكار فضعيفة جدًّا، ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس الابتدائية والوسطى والعليا، بتمرين طلبتهم أبدًا على الإلقاء، وممارسة الكلم الفحل يوم الحفل، وفي النوازل والأمور العامة، فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس المشاهَد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا، ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض فيه، وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية، فينبغ فيها خطباء ووعاظ، ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل، والمنطق الخلاب والبرهان الساطع.

وها نحن نحط لطلاب هذا الفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان، معتمدين في النقل على أئمة هذا الشأن، مشيرين إلى تاريخ الخطابة، والمجودين فيها من أهل هذا اللسان قبل الإسلام وبعده، تلقيحًا للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة فنقول:

(١) حد الخطابة وأقسامها

نقل ابن رشد أن الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات، وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف الشرعية، وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به نحو الغير للإفهام. قالوا: وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بمعزل عن غيره؛ ولذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف، فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم، ويتفنن في ضروب الفهم، حتى كان شيشرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة الفنون الأدبية، والرياضيات، والرسم، والتصوير، والنقش، والموسيقى وغير ذلك.

ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان، بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب، وهناك يقتضي له من العلم الواسع، ونفاذ البصيرة، وحضور الذهن، وقوة التأثير، وطلاقة اللسان، ولطف البيان، ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع، ويصرف أذهانهم عن أمر، ويوجه أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم؛ ولذلك أدخل الحكماء الخطابة الشعر في أقسام المنطق، كما نُقل عن أرسطو؛ لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق، وأصولها عندهم ثلاثة؛ الأول: إيجاد المعاني الحقيقية بالإقناع من الأدلة والآداب، والثاني: تنسيق المعاني؛ أي سرد أجزائها على نظام واحد؛ ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها، بحيث تكون أبين غرضًا وأحسن في النفوس وقعًا، والثالث: التغيير الذي يراعى فيه حال السامع؛ لتصاغ له المعاني في ألفاظ تتشر بها نفسه، وتمتزج بأجزاء فهمه. ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين: الخطابة المدنية والخطابة الدينية، فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة، والخطابة الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس؛ ليكون لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة في الأخرى.

الخطابة نوع من منثور الكلام، يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس، من دون إتعاب ذهن، ولا تكلف في الأداء، ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس، وقد كانت العرب في جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب، بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها، ويهول على عدوها ومن غزاها، ويهيب من فرسانها، ويخوف من كثرة عددها، ويهابها شاعر غيرها، قال أبو عمرو بن العلاء: فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، وكان لكل قبيلة شاعر، كما كان لكل واحدة خطيب، الخطب والوصايا متقاربة، يُقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص، فتكون في المشاهد، والمجامع، والأيام، والمواسم، والتفاخر، والتشاجر، وأمام العظماء والملوك والأمراء والوفود، وفي الصلح وإشهار الحرب، وفي الخطوب والنوازل، أمَّا الوصايا فتكون لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص، وربما كانت من شخص لأهل بيته، أو سيد لقبيلته عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض.

(٢) الخطابة والأنبياء

ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها، أكثر من عنايتها بها في الإسلام، ولم يظهر لنا سر هذا؛ لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك، رأينا الرسول — صلوات الله عليه — لم يتعلم الشعر وما ينبغي له، وكان سيد الخطباء بلا مراء، وكلامه خطب وحكم، وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة، والتابعين، والخلفاء، والملوك والمرشدين، والعلماء العاملين، ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب؛ لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير؛ ولأنه يحتمل من الخيال والمحال، ما لا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال.

قال صاحب «الريحان والريعان»: إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوبر من جيد المنثور ومزدوج الكلام، أكثر مما تكلمت به من الموزون، إلَّا أنه لم يُحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره؛ لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم فيه في مشافهته الملوك، أو الحالات، أو الإصلاح بين العشائر، أو خطبة النكاح، فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه بخلاف الشعر، فإنه لا يضيع منه بيت واحد، قال: ولولا أن خطبة قس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام، وهو أن النبي هو الذي رواها عنه فأطار ذكرها؛ ما تميزت عما سواها.

قال القلقشندي: وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم وقلة اعتناءهم به؛ لسهولة حفظ الشعر، وشيوعه في حاضرهم وباديهم، وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة، فإنه لم يتعاطها منهم إلَّا القليل النادر من الفصحاء المصاقع؛ فلذلك عز حفظها، وقل عنهم نقلها، وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤساؤهم ممن فاز بقدح الفضل، وسبق إلى ذرى المجد، ويخصون ذلك بالمواقف الكرام، والمشاهد العظام، والمجالس الكريمة، والمجامع الحفيلة، فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه، ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق طلبه من وعظ يذكر، أو فخر، أو إصلاح أو نكاح، أو غير ذلك مما يقتضيه المقام.

نعم، إن الخطابة صناعة الرسل — عليهم السلام — لأنهم يدعون إلى الله، ويكلَّفون بإرشاد الخلق، وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي؛ وذلك لأنه كان به لثغة فخشي أن يعدها قومه عيبًا، ويلووا بوجوههم عن دعوته، أمَّا شعيب — عليه السلام — فقد سماه نبينا — عليه الصلاة والسلام — خطيب الأنبياء؛ لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في البيان، وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ، إلى أن قال: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.

ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع، وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد، وفي الحج؛ أي في عرفة، وأوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب، بل علمهم حسن الإصغاء، وفي الحديث: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت، ولم يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعًا خاصًّا بل جعلها مطلقة، يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية، ويورد للحضور من هدي الشارع، ما يذهب به أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم، ويغرس فيهم مكارم الأخلاق، ويطبعهم بطابع الفضائل، ويحذرهم البغي والظلم، ويستل بلطيف أسلوبه سخائمهم وأحقادهم، ويأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويزين لهم العمل الصالح، ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات.

(٣) البلاغة للعرب

قال الجاحظ: إنا لا نعرف الخطب إلَّا للعرب والفرس، وأما الهند فإنما لهم معان مدونة، وكتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة، ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان، غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه بخصائصه، وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة.

وفي الفرس خطباء إلَّا أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام، أو حين أن يمنح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمنافلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلَّا أن يصرف همه إلى جملة المذاهب، وإلى العمود الذي يليه بقصد، فتأتيه المعاني إرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدًا من ولده.

وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأمهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، أو يحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلَّا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم من غير تكلف، ولا قصد، ولا تحفظ، ولا طلب، وإن شيئًا الذي أبدينا جزءًا منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلَّا من أحاط بقطر السحاب، وعدد التراب، وهو الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون.

ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيدة والإرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنمط الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان، أن يقول في مثل ذلك إلَّا في اليسير والنبذ القليل، ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذا كان مثل ابن المقفع، وسهل بن هارون، وأبي عبيد الله، وعبد الحميد، وغيلان، وفلان وفلان لا يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير، وأخرى أنك متى أخذت بيد الشعوبي، فأدخلته بلاد الأعراب الخلص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شاعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق وأبصر الشاهد عيانًا، فهذا فرق ما بيننا وبينهم، فتفهم عني فهمك الله ما أنا قائل.

هذه حجة الجاحظ في أن العرب أفصح الأمم، وقال أيضًا: إن جميع خطب العرب من أهل المدر والوبر، والبدو والحضر على حزبين، منها الطوال ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضوع يحسن به، ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة، ومشاكلًا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنتف الجياد، وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حفظها التخليد في بطون الصحف، قال: ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقًا، ولذلك القد لفقًا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمينًا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يأمن جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العيابين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة، ومن كان اللفظ أيضًا كريمًا في نفسه، متحيرًا في جنسه، وكان سليمًا من الفضول، بريئًا من التعقيد، حُبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، ودهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض.

فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصَّة، وكان ممن يعم ولا يخص، وينصح ولا يغش، وكان مشغوفًا بأهل الجماعة، شنقًا لأهل الاختلاف والفرقة، جُمعت له الحظوظ من أقطارها، وسبقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، وجبلت على تصويب إرادته، ومن أعاره الله من معرفته نصيبًا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبًا، حنت إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم، ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح، ألفاظًا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعًا رديًّا، ولا قولًا مستكرهًا، وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين، سواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب، أو كان من نتاج التخير والتفكر. ا.ﻫ.

(٤) مكانة الخطابة وعيوب الخطباء

تقدم لك قانون البلاغة والخطابة الذي وضعه عمرو بن بحر الجاحظ في صفحة، وتدارسه يُغني طالب الخطابة عن كتاب، ورب مقالة خير من سفر. ولقد عرفت العرب مع ما كانت عليه من الغريزة الفائقة في البيان صعوبة الخطابة، وأنها لا يوفق إليها إلَّا أفراد، ولذلك كانت تكرم الخطيب أكثر من إكرام الشاعر، وقد ضربت المثل بالخطيب في قولها: «الخطب مشوار كثير العثار»، والمشوار هو المكان الذي تُعرض فيه الدواب، وقالوا: «عقل المرء من فوق لسانه»، وكانت تتعاير بالفهاهة وقلة الإجادة في البيان، وتقول: نعوذ بالله من الإهمال، ومن كلال الغرب في المقال، ومن خطيب دائم السعال. قال بشر بن معمر في مثل ذلك:

ومن الكبائر مقول متعتع
جم التنحنح متعب ميهود

وقال شاعرهم يعيب بعض خطبائهم:

مليء ببهر والتفات وسعلة
ومسحة عتنون وفتل الأصابع
وضربوا المثل بالبلاغة بسحبان وائل، فقالوا: فلان أخطب من سحبان. كما ضربوا المثل بالعي في الكلام بباقل، فقالوا: فلان أعيى من باقل، وقد جمع الجاحظ في البيان والتبيين كثيرًا من أخبار البلاغة، والحصر، والخطباء، والبلغاء ومما قال:

وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة، بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة، وعن الحصر من فوق درك الحاجة، والناس لا يعيرون الخرس، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون الحصر، ويؤنبون العي، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، وتعاطيا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذم، وترادف عليهما التأنيب، ومماتنة (مماطلة) العي الحصر البليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق، وأحدهما ألوم من صاحبه، والألسنة إليه أسرع، وليس اللجلاج (المتردد في كلامه)، والتمتام (من تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى، والتمتمة رد الكلام إلى التاء والميم)، والألثغ (الذي يحول لسانه من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغين)، والفأفاء (مردد الفاء)، وذو الحبسة (الذي لا يُسمع قوله)، والحكلة (الذي لا يُسمع صوته)، والرتة (العجمة)، وذو اللقف (عي بطيء الكلام إذا تكلم ملأ لسانه فمه)، والعجلة في سبيل الحصر في خطبته، والعي في مناضلته خصومه، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء والبكيء عند الخطباء خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار.

ثم اعلم أبقاك الله أن صاحب التشديق (تكلف البلاغة) والتقعير (التكلم بأقصى الفم) والتقعيب (تقصير الكلام) من الخطباء والبلغاء، مع سماجة التكلف وشنعة التزيد، أعذر من عي يتكلف الخطابة، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة، ومدار اللائمة ومستقر المذمة، حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبيانًا يمازجه التزيد: ألا إن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادق الأعراب القح، وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، إنه البحر الذي لا ينزح، والغمر لا يسير أيسر من انتحال الحصر المنخوب (الجبان) أنه في مسلاخ (صفة) التام الموفر والجامع المحكك، وإن كان رسول الله قد قال: إياي والتشادق، وقال: أبغضكم إليَّ الثرثارون المتفيهقون، وقال: من بدا جفا. وعاب العدادين (الشديدي الصوت) والمتزيدين في جهارة الصوت، وانتحال سعة الأشداق، ورحب العلاصم، وهدل الشفاه (إرسالها إلى أسفل)، وأعلمَنا أن ذلك من أهل الوبر أكثر وفي أهل المدر أقل، فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري، فما ظنك بالمولد القروي، والمتكلف البلدي، فالحصر المتكلف والعي المتزيد ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده، وهو أعذر؛ لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى، فمن أسوأ حالًا أبقاك الله ممن يكون ألوم من المتشادقين، ومن الثرثارين المتفيهقين، ومن ذكره النبي نصًّا، وجعل النهي عن مذهبه مفسرًا، وذكر مقته له وبغضه إياه.

(٥) الخطابة ملكة كسبية وفطرية

الخطابة كالكتابة وقرض الشعر ملكة فطرية وملكة كسبية، إذا صاحبت فيها الكسبية الفطرية جاء من الخطيب كل قول عجيب، وقد كان دمر ستينوس وهو أخطب خطيب عند اليونان — كما أن شيشرون أخطب خطيب عند الرومان — خطب في الجمهور أول مرة ولم يحسن الإلقاء؛ لأنه كان ألثغ مثل واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وكان ضعيف الصوت، فحاول إصلاح ذلك وتمكن منه بوضع حصاة في فمه، وإنشاد أبيات وهو يركض على شاطئ البحر ويرتقي الروابي والآكام.

قال الجاحظ: أخبرني محمد بن عباد، وكان شاعرًا راوية وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود بن جرير يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك المقام وأهواله فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بُني عليه أول الكلام إسهاب، قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه.

وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلًا عن مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلًا على مقدار عقله. قال أبو عثمان الجاحظ: هذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد والدني الساقط، يعشش في القلوب، ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب بجرانه، ومكن بعروقه، استفحل الفساد وبزل، وتمكن الجهل وفرخ، فعند ذلك يقوى داؤه، ويمتنع دواؤه؛ ولأن اللفظ الهجين الرديء والمستكره الغبي أعلق باللسان وآلف للسمع، أشد التحامًا بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم، ولو جالست الجهال والنوكى والسخفاء والحمقى شهرًا فقط، لم تنقذ من أوضار كلامهم وخيال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهرًا؛ ولأن الفساد أسرع إلى الناس وأشد التحامًا بالطبع، واللسان بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكمة، يجود لفظه، ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.

قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي: ما هذه البلاغة التي فيكم قال: شيء تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم: يا أمير المؤمنين هؤلاء بالبشر والرطب أبصر منهم بالخطب، فقال له صحار: أجل، والله إنا لنعلم أن الريح لتنقحه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وأن الحر لينضجه.

قال أبو عثمان: قال صاحب البلاغة والخطابة وأهل البيان وحب التبيين: إنما عاب النبي — صلى الله تعالى عليه وسلم — المتشادقين والثرثارين، والذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها، والأعرابي المتشادق هو الذي يصنع بفكيه وشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منهم فهو أعيب، والذم له ألزم، وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف، فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعًا يتمثلون بها إلَّا لما فيها من المرافق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت؛ لأن العامة إلى معرفة خطأ القول أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت، ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلَّا فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل، ولعمري، إن الناس إلى الكلام لأسرع؛ لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول، وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت، وقد قال الله — عز وجل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، فجعل سمعه وكذبه سواء.

وقال الشاعر:

بني عدي ألا ينهى سفيهكم
إن السفيه إذا لم ينه مأمور

وقال الآخر:

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما
ضحكت له حتى يلج ويستشري

وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام يعمم ويخص، والرواة لم يرووا سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام أرسل الله أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصمت يفسد البيان، وقال أبو بكر بن عبد الله المزني: طول الصمت حبسة. كما قال عمر: ترك الحركة عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلدت نفسه، وفسد حسه، وكانوا يروون صبيانهم الإرجاز، ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب؛ لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرح (الصوت)، واللسان إذا أكثرت تحريكه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ، وقال عبابة الجعفي: لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضًا، وأية جارحة منعتها الحركة ولم تمرنها على الإعمال، أصابها من التعقد على حسب ذلك المنع.

(٦) نصائح لطالب الخطابة

مر بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جلبة الخطيب وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلًا من النظارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحًا، واطووا عنه كشحًا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنسيقه، وكان أول ذلك الكلام: خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدر، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين، وعزة من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولًا قصدًا، وخفيفًا على اللسان سهلًا، وكما خرج من ينبوعه، ونجم من معدنه، وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراع معنًى كريمًا، فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما، وكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، أمَّا عند الخاصَّة إن كنت للخاصَّة قصدت. وأما عند العامَّة إن كنت للعامَّة أردت، والمعنى ليس يشرُف بأن يكون من معاني الخاصَّة، وكذلك ليس يُتصنع بأن يكون من معاني العامَّة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، لطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، على أن تفهم العامة معاني الخاصَّة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام.

قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان. قال أبو عثمان: أمَّا أنا فلم أرَ قومًا قط أمثل طريقة في البلاغة من الكُتَّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرًا وحشيًّا، ولا ساقطًا سوقيًّا، وإذا سمعتموني أذكر العوام، فإني لست أعني الفلاحين والحشوة، والصناع والباعة، ولست أعني الأكراد في الجبال، وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل اليبر والطيلسان، ومثل موقان وجيلان، ومثل الزنج وأمثال الزنج، وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب وفارس والهند والروم، والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم لم يبلغوا منزلة الخاصَّة منا، على أن الخاصَّة تتفاضل في الطبقات أيضًا.

قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك، وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة التي لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختبار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقًا مطبوعًا ولا محكمًا لسانك، نصيرًا بما عليك أو ما لك، عابك من أنت أقل عيبًا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.

فإن ابتُليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعصى عليك بعد إجابة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق، فإن تمنع ذلك عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك، فإن لم تشتهه ولم تنازع إليه إلَّا وبينكما نسب، والشيء لا يحن إلَّا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع المحبة والشهوة.

(٧) ما يجب على الخطيب وما لا يجب

قال بشر بن المعتمر: وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينهما وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات، فإن كان الخطيب متكلمًا تجنب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحسن وبها أشغف؛ ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفًا لكل خلف، وقدوة لكل تابع.

قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على المنبر، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، إمَّا في إصلاح بين العشائر واحتمال دماء القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن رفيع المكان: ثم إن الله — عز وجل — بعد أن أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم فتلاشوا. ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي، لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده. وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته: وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية إلخ، قال: وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميًّا ساقطًا سوقيًّا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبًا وحشيًّا إلَّا أن يكون المتكلم بدويًّا أعرابيًّا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي، وكلام الناس في طبقات، كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام والجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسميج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا.

فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلِمَ ذكروا العي والبكي، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق، والمهماز والثرثار، والمكثار والهماز؟! ولِمَ ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط، وقالوا: رجل تلقاعة (كثير الكلام) وتلهاعة (متشدق) وفلان يتلهيع في خطبته، وقالوا: فلان يخطئ في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره، ولو أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي في ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء، قال أبو عثمان: وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالًا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويمًا للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء العلماء البلغاء.

يروى أن مطرف بن عبد الله كان يقول: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه. ويقول لا تُقبل بحديثك على من لا يُقبل عليك بوجهه. وقال عبد الله بن مسعود: حدِّث الناس ما حدجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فأمسك. قال: وجعل ابن السماك يومًا يتكلم وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعتِ كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده، فقال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يكون قد مله من فهمه، قال عباد بن عوام عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في التوراة لا يعاد الحديث مرتين. وسفيان بن عيينة عن الزهري قال: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر، وقال بعض الحكماء: من لم ينشط لحديثك، فارفع عنه مؤنة الاستماع منك. وجملة القول في الترداد أنه ليس فيه حد يحصره من العوام والخواص.

قال ثمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدو والتمهل، والجزالة والحلاوة، وإفهامًا يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإسارة لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة، وقال مرة: ما رأيت أحدًا كان لا يتجسس، ولا يتوقف، ولا يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظًا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصى عليه طلبه أشد اقتدارًا، ولا أقل تكلفًا من جعفر بن يحيى. وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويجلي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة، والذي لا بُدَّ منه أن يكون سليمًا من التكلف، بعيدًا من الصنعة، بريئًا من التعقيد غنيًّا عن التأويل.

قال أبو عثمان: أعيب عندهم من دقة الصوت وضعف مخرجه، وضعف قوته أن يعترض الخطيب البهر، والارتعاش، والرعدة، والعرق. قال أبو الحسن: قال سفيان بن عيينة: تكلم صعصمة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول، فقال صعصمة: إن الجياد نضاحة بالماء. والفرس إذا كان سريع العرق وكان هشًّا (كثير العرق) كان ذلك عيبًا، وكذلك هو في الكثرة، وإذا أبطأ ذلك وكان قليلًا قيل قد كبا وهو فرس كاب وذلك عيب أيضًا.

(٨) لطالب الإجادة في خطبته

رأيت بما مضى بعض العيوب التي يجب على الخطيب أن يربأ بنفسه عنها مما ذكره أبو عثمان الجاحظ، وهاك الآن قطعة أخرى له قال: قال بعض الربانيين من الأدباء، وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمق، ويبغض الإغراق في القول، والتكلف والاجتلاب ويعرف أكثر أدواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، والذي يورث الاقتدار من التهكم والتسلط، والذي يمكن الحاذق المطبوع من التمويه للمعاني والخلابة وحسن المنطق. قال في بعض مواعظه: أنذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا، وأعاره البليغ مخرجًا سهلًا، ومنحه المتكلم قولًا متعشقًا، صار في قلبك أحلى ولصدرك أملا، والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما زينت، وعلى حسب ما زخرفت، فقد صارت الألفاظ في معنى المعارض، وصارت المعاني في معنى الجواري، والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي، فاذكر هذا الباب ولا تنسه، وتأمله ولا تفرط فيه، فإن عمر بن الخطاب — رضي الله تعالى عنه — لم يقل للأحنف بعد أن احتبسه حولًا مجرمًا (تامًّا)؛ ليستكثر منه وليبالغ في تصفح حاله، والتنفير عن شأنه إن رسول الله قد كان خوفنا كل منافق عليم، وقد خفت أن تكون منهم، إلَّا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلفه. قال الجاحظ: فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني، وفي الاختصار بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.

وقد رد الجاحظ على من زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، وجعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب، كله سواء، وكله بيانًا قال: وكيف يكون ذلك كله بيانًا، ولولا طول مخالطة السامع للعجم، وسماعه للفاسد من الكلام لما عرفه، ونحن لم نفهم عنه إلَّا للنقص الذي فينا، وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بأكمالهم (؟) كما لا يعرفون ركاكة الرومي والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنا نفهم عنهم كثيرًا من حوائجهم، فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرًا من حاجاته، ونفهم بمواء السنور كثيرًا من إرادته، وكذلك الكلب والحمار والصبي الرضيع.

قال: وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة اللسن، وظهور الحجة، وثبات الجهاد، وكثرة الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك، ثم قال: وهم وإن كانوا يحبون البيان، والطلاقة، والتحبير، والبلاغة، والتخلص، والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر، والتكلف والإسهاب، والإكثار لما في ذلك من التزيد والمباهاة واتباع الهوى، والمنافسة في العلو والقدر، وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة؛ لأن ذلك يدعو إلى السلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء.

وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول، ومن حصل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الغرارة، وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب، وهجنة القبج، وما في حب السمعة من الفتنة، وما في الرياء من مجانبة الإخلاص.

قال: وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدبري، والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه، وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم، قال: وأنا أوصيك ألَّا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيهما طبيعة، وأنهما يناسبانك بعض المناسبة، ويشاكلانك في بعض المشاكلة، ولا تهمل طبيعتك، فيستولي الإهمال على قوة القريحة، ويستبد بها سوء العادة، وإن كنت ذا بيان، وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة، وبقوة المنة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة، وأرفعها في البيان منزلة، ولا يقطعنك تهيب الجهلاء، وتخويف الجبناء، ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، والأحاديث المتناولة على أقبح مخارجها، فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، ويدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل، أو أشعار، أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله، وإن كان ذلك في ابتداء أمرك، أو في أول تكلفك، فلم ترَ طالبًا ولا مستحسنًا، فلعله أن يكون ما دام ريضًا أن يحل عندهم محل المتروك، فإن عاودت أمثال ذلك مرارًا فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه، قال: وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب، وليس له طبيعة في الكلام، ويكون له طبيعة في التجارة، وليس له طبيعة في الفلاحة، ويكون له طبيعة في الحداء، أو في التعبيرات في القراءة بالألحان، وليس له طبيعة في الغناء، وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون، ويكون له طبيعة في الناي، وليس له طبيعة في السرناي، ويكون له طبيعة في قصبة الراعي، ولا يكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون، ولا يكون له طبع في غيرها، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع، ولا يكون له طبع في قرض بيت الشعر، ومثل هذا كثير جدًّا.

وقال: ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالًا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويمًا للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء، والعلماء البلغاء، وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلَّا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مُشاكل لسخيف المعاني، وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم، ومن الألفاظ الشريفة الكريمة من المعاني، كما أن النادرة الباردة جدًّا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدًّا، وإنما الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي هي لا حارة ولا هي باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جدًّا والبارد جدًّا، وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلان أثقل من مغن وسط، وأبغض من ظريف وسط. قلنا: وهذا يشبه ما قاله لابرويير في كتابه الأخلاق: من الأشياء ما لا يطاق فيه التوسط: الشعر والموسيقى والتصوير والخطاب العام.

قال إسحاق بن حسان بن فوهة: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد؛ سئل: ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في أمور كثيرة، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة، فأمَّا الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة المذاهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت، قال: فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف، قال: إذا أعطيت لكل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال.

(٩) خطباء الجاهلية والإسلام

قال الجاحظ: في الخطباء من يكون شاعرًا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغًا مفوهًا بيِّنًا، وربما كان خطيبًا فقط وشاعرًا فقط، وبيِّن اللسان فقط، ومن الشعراء الخطباء الأنبياء الحكماء قس بن ساعدة الأيادي، والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الخطابة والشعر قليل، ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل، ومن الخطباء الشعراء البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن لبيد، ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل، ومن الخطباء الشعراء الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر، ومنهم عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب رئيس القعدة من الصفرية، وصاحب فتياهم ومقرعهم عند اختلافهم، ومنهم دغفل بن حنظلة النسابة الخطيب العلامة، ومنهم القعقاع بن شور، ومنهم نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان، ومنهم زيد بن جندب الأيادي، وعجلان بن سحبان الباهلي، وهو سحبان وائل وخطيب العرب.

ومن الشعراء العلماء أعشى همذان، ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني، ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى، وهو بشار بن برد وكنيته أبو معاذ، ومن الخطباء الشعراء، ومن يؤلف الكلام الجليل ويصنع المناقلات الحسان، ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب، ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة عيسى بن يزيد بن دأب أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد، ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وممن جمع الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان المولدة، والأخبار المدونة سهل بن هارون بن راهييوني الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان، وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي، والهذلية وغير ذلك من الكتب، ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة.

ذكر الجاحظ ثمامة بن أشرس فقال: ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه، وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك، قال بعض الكُتَّاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول:

له كلم فيك معقولة
إزاء القلوب كركب وقوف

كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلمًا، وكان قاصًّا مجيدًا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء وهو رئيس الفضيلية وإليه ينسبون: وكان يزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من أصحاب أنس، والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدًا عابدًا وعالمًا فاضلًا، وكان خطيبًا، وكان قاصًّا مجيدًا، قال أبو عبيدة: وكان أبوهم خطيبًا وكذلك جدهم، وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر الغرباء إليهم ففسد ذلك العرق ودخله الخور، ومن الخطباء زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان شاعرًا بيِّنًا، وخطيبًا لسنًا. ومن أهل الدهاء والنكراء، ومن أهل اللسن واللقن، والجواب العجيب، والكلام الصحيح، والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة هند بنت الحسن وهي الزرقاء، وجمعة بنت حابس.

ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو ماضر وسالم، وقد تكلم عند الخلفاء، ومن خطباء بني أسيد الحكم بن زيد بن عمير، وقد رأس. ومن أهل اللسن منهم البيان الحجاج بن عمير بن زيد.

ومن الخطباء سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية، قيل لسعيد بن المسيب من أبلغ الناس؟ قال رسول الله — صلى الله تعالى عليه وسلم — فقيل له: ليس عن هذا نسألك قال: معاوية وابنه وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير بدونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة مقبولة، فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلامًا، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاصي، وابنه من الكلام إلَّا ما له بال.

ومن الخطباء عمرو بن سعيد وهو الأشدق، وسعيد بن عمرو بن سعيد، وكان ناسبًا خطيبًا، وأعظم الناس كبرًا، وهو خطيب ابن خطيب ابن خطيب، ومن الخطباء سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص، وعبد الله بن عروة بن الزبير. قالوا: وكان خالد بن صفوان يشبه به، وما علمت أنه كان في الخطباء أحد أجود خطبًا من خالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة للذي يحفظ الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما، وما علمنا أن أحدًا ولد لهما حرفًا واحدًا.

ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف، وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف، وكان هو الساعي بين الأزد وتميم في الصلح، ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم، وكان ذا لسان وجواب وعارضة، وكان وصافًا فصيحًا، وبنوه عبد الله وعمر وخالد، كلهم كانوا في هذه الصنعة، غير أن خالدًا كان قد جمع بلاغة اللسان والعلم والحلاوة والظرف، وكان الحجاج لا يصبر عنه.

ومن بني أسيد بن عمرو بن تميم أبو بكر بن الحكم، كان ناسبًا راوية شاعرًا، وكان أحلى الناس لسانًا، وأحسنهم منطقًا، وأكثرهم تصرفًا، ومنهم معلل بن خالد أحد بني أنمار بن الهجيم، وكان نسابة علامة راوية صدوقًا مقلدًا، ومنهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن جندب أبو الخنساء عباد بن كسيب، وكان شاعرًا علامة ورواية نسابة، وكانت له حرمة بأبي جعفر المنصور، ومنهم عمر بن خولة كان ناسبًا خطيبًا، وراوية فصيحًا من ولد سعيد بن العاصي، والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب، هو إسحاق بن هشام المخزومي، ومن خزاعة ابن مازن أبو عمرو بن العلاء، وأخوه أبو سفيان، ومنهم أبو نوفل بن أبي عقرب، كان علامة ناسبًا خطيبًا فصيحًا، وهو رجل من كنانة أحد بني عريج، ومن بني كنانة، ثم من بني ليث، ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دأب، وكان يزيد عالمًا ناسبًا وراوية شاعرًا، وولد يزيد يحيى وعيسى، وهو الذي يُعرف في العامة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثًا وبيانًا، وكان شاعرًا راوية، وصاحب رسائل وخطب، وكان يجيدها جدًّا، وكان أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان خطيبًا عالمًا، وكان قد جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف، ومنهم زياد بن ظبيان التيمي العايشي، وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس، وأخطب الناس، ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء الخوارج، وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس. وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبًا شاعرًا، وفصيحًا جامعًا، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.

ومن خطباء قريش خالد بن سلمة المخزومي، ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة، وهو كان الخطيب عند النبي . ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان مع ذلك راوية ناسبًا شاعرًا، وكان الجارود بن أبي سبرة، ويكنى أبا نوفل من أبين الناس وأحسنهم حديثًا، وكان راوية علامة شاعرًا مفلقًا، ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس ذكره حسان بن ثابت فقال:

إذا قال لم يترك مقالًا لقائل
بملتقطات لا ترى بينها فضلا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع
لذي أربة في القول جدًّا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقة
فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا

ومن الخطباء بني هاشم أيضًا داود بن علي، وكان يكنى أبا سليمان، وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالًا واقتضابًا للقول، ويقال: إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط، وله كلام كثير معروف محفوظ. ومنهم عبد الله بن الحسن، ومن خطباء بني هاشم، ثم من ولد جعفر بن سليمان بن جعفر والي مكة، قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون: إنه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام إلَّا وسليمان أبين منه قاعدًا، وأخطب منه قائمًا، وكان داود بن جعفر إذا خطب اسحنفر (مضى مسرعًا فلم يرده شيء) وكان في لسانه شبيه بالرثة، وكان أيوب فوق داود في الكلام والبيان، ولم يكن له مقامات داود في الخطب، وكان إسماعيل بن جعفر من أدق الناس لسانًا وأحسنهم بيانًا.

ومن خطباء بني هاشم جعفر بن حسن بن الحسين بن علي، وكان أحد من ينازع زيدًا في الوصية، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط، وجماعة من ولد العباس في عصر واحد لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة، وفي العلم بقريش والدولة، وبرجال الدعوة، مع البيان العجيب، والغور البعيد والنفوس الشريفة، والأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء، وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يجلون عن هذه الأسماء، إلَّا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك، منهم عبد الملك بن صالح، وعبد الله بن صالح، والعباس بن محمد، وإسحاق بن عيسى، وإسحاق بن سليمان، وأيوب بن جعفر، هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الأخبار، وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم، ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي، فأمَّا نصر فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم. وأما إبراهيم فإنه كان رجلًا لا نظير له وكان خطيبًا، وكان ناسبًا، وكان فقيهًا، وكان نحويًّا عروضيًّا، وحافظًا للحديث راوية للشعر شاعرًا، وكان فخم الألفاظ، شريف المعاني وكان كاتب القلم كاتب العمل.

ومن خطباء تميم جحدب، وكان خطيبًا راوية، ومن ولد المنذر عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر، وكان فقيهًا عالمًا قاضيًا، وكان راوية شاعرًا، وكان خطيبًا ناسبًا، وكان حاضر الجواب مفوهًا، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي، وكان يكنى أبا شبرمة. ومن الخطباء المشهورين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الأهتمي. ومن خطباء بني ضبة حنظلة بن ضرار، وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك وقعة الجمل. ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم مثجور بن غيلان خرشة، وكان مقدمًا في المنطق.

ومن خطباء الخوارج حبيب بن جدرة وقطري بن الفجاءة، وله خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير محفوظ. ابن صديقة وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة، وكان صفريًّا خطيبًا ناسبًا، ويشوبه ببعض الظرف والهزل، ومن علماء الخوارج شبيل بن غرزة الضبعي صاحب الغريب، وكان راوية خطيبًا وشاعرًا ناسبًا، ومن الخطباء المذكورين روح بن زنباع والحجاج بن يوسف، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، ويزيد بن عبد الله بن رؤبة الشيباني، ومن خطباء الخوارج وعلمائهم عمران بن حطان، ومن علمائهم حبيب بن خدرة الهلالي، ومنهم المقعطل قاضي عسكر الأزارقة أيام قطري، ومنهم عبيدة بن هلال اليشكري، ومنهم الضحاك بن قيس ومنهم نصر بن فلحان.

ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري، ومن خطباء عبد القيس مصقلة بن رقبة، وكرب بن رقبة، ومن الخطباء قيس بن خارجة، وكان أبو عمار الطائي خطيب مذحج كلها، ومن الخطباء أيوب بن القرية، ومن خطباء غطفان في الجاهلية خويلد بن عمر، والعشراء بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة، وخويلد خطيب يوم الفجار، ومن الخطباء الوضاح بن خيثمة، ومن أصحاب الأخبار والنسب والخطب، والحكام عند أصحاب النفورات بنو الكواء، ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب العرب عامة، ويحض كنانة خاصة على البر، فلما مات أكبروا موته فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.

ومن الخطباء الأبيناء العلماء الذين جروا من الخطابة على أعراق قديمة شبيب بن شيبة، قال أبو الحسن: كان أبو بكر خطيبًا، وكان عمر خطيبًا، وكان عثمان خطيبًا، وكان علي خطيبًا، وكان من الخطباء معاوية، ويزيد، وعبد الملك، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وسليمان بن الوليد، ووليد بن يزيد، والوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ومن خطباء بني هاشم زيد بن علي، وعبد الله بن حسن، وعبد الله بن معاوية خطباء لا يجارون، ومن خطباء النساك والعباد الحسن بن أبي الحسن البصري، ومطرف بن عبد الله الحرشي، ومورق العجلي، وبكر بن عبد الله المزني، ومحمد بن واسع الأزدي، ويزيد بن أبان الرقاشي، ومالك بن دينار السامي، وليس الأمر كما قال في هؤلاء القاص المجيد، والواعظ البليغ، وذو المنطق الوجيز، فأمَّا الخطب فإنا لا نعلم أحدًا يتقدم الحسن البصري فيها، وهؤلاء وإن لم يسموا خطباء فإن الخطيب لم يشق غبارهم.

ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان أبو البلا، وكان راوية ناسبًا، ومنهم هاشم بن عبد الأعلى الفزاري، ومن الخطباء حفص بن معاوية الغلابي، ومن بني هلال بن عامر زرعة بن ضمرة، وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة من أخطب الناس. ومن الخطباء عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، ومن خطباء بني تميم عمرو بن الأهتم، وكان يدعى المكحل لجماله، لم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه، ومن بني منقر عبد الله بن الأهتم، وكان خطيبًا ذا مقامات ووفادات، ومنهم صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وكان خطيبًا رئيسًا، وابنه خالد بن صفوان، ومنهم عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وقد ولي خراسان ووفد على الخلفاء وخطب عند الملوك، ومن ولده شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وعبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم وخاقان بن الأهتم، ومن خطبائهم محمد الأحول بن خاقان، وكان أخطب بني تميم، ومن خطبائهم معمر بن خاقان، ومن خطبائهم مؤمل بن خاقان، ومن خطبائهم خاقان بن المؤمل بن خاقان، ومن بني منقر الحكم بن النصر وهو أبو العلاء المنقري، ومن خطباء بني صريم ابن الحارث الخزرج بن الصدى، ومن خطباء بني تميم، ثم من مقاعس عمارة بن أبي سليمان، ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله وخير ابنا حبيب، ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله، والعباس ابنا رؤبة، وكان العباس علامة عالمًا ناسبًا راوية، وكان عبد الله أرجز الناس وأفصحهم، وكان يكنى أبا الشعثاء وهو العجاج، ومن خطباء هذيل أبو الليح الهذلي أسامة بن عمير، ومنهم أبو بكر الهذلي، كان خطيبًا قاصًّا وعالمًا بيِّنًا، وعالمًا بالأخبار والآثار.

ومن خطباء عمان مرة بن فهم التليد، ومن العتيك بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، ومن خطباء اليمن ثم من حمير الصباح بن شقي الحمري، كان أخطب العرب، ومنهم ثم من الأنصار قيس بن الشماس، ومنهم ثابت بن قيس بن الشماس خطيب النبي، ومنهم روح بن زنباع، ومن خطبائهم الأسود بن الكذاب كعب العنسي، وكان طليحة خطيبًا وشاعرًا وسجَّاعًا كاهنًا وناسبًا، ومن خطباء الأنصار بشر بن عمرو بن محض، وهو أبو عمرة الخطيب، ومنهم سعد بن الربيع، ومن القدماء في الحكمة والخطابة والرياسة عبيد بن شرية الجرهمي، وأسقف نجران وأكيدر صاحب دومة الجندل، وأفيعي نجران، وذرب بن حوط، وعليم بن جناب، وعمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو مزيقيا، وجذيمة بن مالك الأبرش، ومن القدماء ممن كان يُذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء لقمان بن عاد، ولقيم بن لقمان، ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك؛ لسلاطة لسانه، ولؤي بن غالب، وقس بن ساعدة، وقس بن كلاب، ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظرب ولبيد بن ربيعة.

ومن النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس، وصلة بن أشيم، وعثمان بن أدهم، وصفوان بن محرز، والأسود بن كلثوم، والربيع بن خيثم، وعمرو بن عتبة بن فرقد، وهرم بن حيان، ومورق العجلي، وبكر بن عبد الله بن الشخير الحرشي، ومالك بن دينار، وحبيب أبو محمد، ويزيد الرقاشي، وصالح المزني، وأبو حازم الأعرج، وزياد مولى عياش بن أبي ربيعة، وعبد الواحد بن زيد، وحيان أبو الأسود، ودهثم أبو العلاء.

ومن النساء رابعة القيسية، ومعاذة العدوية امرأة صلة بن هاشم، وأم الدرداء، ومن نساء الخوارج البلحاء، وغزالة، وقطام، وحمادة، وكحيلة، ومن نساء الغالية ليلى الناعطية والصدوق وهند، وأبو الوليد الحكم الكندي، ومحمد بن محمد الحمراني، وكلاب، وكليب، وهاشم الأوقص، وأبو هاشم الصوفي، وصالح بن عبد الجليل، والخطفي وهو جد جرير بن عطية بن الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة.

ومن القُصاص أبو بكر الهزلي، وهو عبد الله بن أبي سليمان، كان خطيبًا بيِّنًا صاحب أخبار وآثار وقص ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه، ومن كبار القُصاص ثم من هزيل مسلم بن جندب، وعبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين، ومن القُصاص موسى الأسواري، وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله، ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس، فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يُدرى بأي لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل منها الضيم على صاحبتها، إلَّا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الأسواري.

قال أبو عثمان: وشأن عبد القيس عجب؛ وذلك أنهم بعد محاربة أياد تفرقوا فرقتين، فرقة وقعت بعمان وشق عمان، وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من أشعر قبيلة في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية، وفي معدن الفصاحة، وهذا عجب، ومن خطبائهم المشهورين صعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، وشيخان بن صوحان، ومنهم صحار بن عياش، وصحار من شيعة عثمان، وصوحان من شيعة علي، ومنهم مصقلة بن رقبة، ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة.

نقل ابن النديم من خط بن مقلة أسماء الخطباء فإذا هم: أمير المؤمنين علي — عليه السلام — طلحة بن عبيد الله، خالد وإسماعيل ابنا عبد الله القسري، عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، جرير بن يزيد بن خالد، يزيد بن عبد الله بن خالد، خالد بن صفوان، عبد الله بن الأهتم، صعصعة بن صوحان، ابن القرية، محمد بن قيس الخطيب، زياد بن أبي سفيان، قطري بن الفجاءة، الوليد بن يزيد، أبو جعفر المنصور، المأمون شبيب بن شيبة، العباس بن الحسن العلوي، محمد بن خالد بن عبد الله القسري وعبد الله ابنه، شبة بن عقال.

الخلاصة

قال أبو جعفر النحاس: إن حفظ خطب البلغاء، والتفنن في أساليب الخطباء من آكد ما يحتاج إليه الكاتب؛ وذلك أن الخطب من مستودعات سر البلاغة ومجامع الحكم، بها تفاخرت العرب في مشاهدهم، وبها نطقت الخلفاء الأمراء على منابرهم، بها يتميز الكلام، وبها يخاطب الخاص والعام، وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة، وعلى طريق الخطباء مشت الكتاب، قال أبو هلال العسكري: الرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضًا من جهة الألفاظ والفواصل، فألفاظ الخطب تشبه ألفاظ الكُتَّاب في السهولة والعذوبة، وكذلك فواصل الخطب مثل فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة يشافه بها بخلاف الرسالة، والرسالة تُجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة. ا.ﻫ.

ونحن نوصي القاري ألَّا يغفل خصوصًا عن خطب علي بن أبي طالب — كرم الله وجهه — فإن نهج البلاغة أكبر كنز للخطيب والكاتب، يستقيان منه مادة عقل وعلم، وأدب وبلاغة، وسياسة وإدارة، ونحن نضمن لمن كان له طبع شفاف إذا استظهر نهج البلاغة، وتفطن لما فيه من النكات العلمية، معتمدًا مثلًا على شرح ابن أبي الحديد المطول، وتمرن في أساليب الخطابة على مناحي البلغاء والعرب المستعربة، والعاربة والعرباء، يوشك أن يكون من أئمة هذا الشأن في هذا العصر أيضًا، فإن كلام أمير المؤمنين — رضي الله عنه — لا تبلى ديباجته وجدته، وكلما كُرر حلا، ومهما تأملته علا، ففي كلامه عبقة من النور الإلهي، ونفحة من الروح النبوي، ولو لم يكن للسان العرب غير خطب الخليفة الرابع، لكان كافيًا في شرفه وبيانه، وأن يجري على لغات الشرق والغرب ذيول الفخر والمباهاة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠