أصل الوهابية١

لغطت ألسن الناس في هذه الأيام بأصل الوهابية وتاريخهم ومعتقداتهم، وتناقضت الروايات وكثرت التخرصات، والقوم بين مفرط في التشيع لهم ومفرط في التشنيع عليهم، وود الكثير لو كان في الأيدي ما يُستند عليه لاستقراء الحقيقة، واستجلاء الغامض من هذا السر، وما عاد إلى ذلك إلَّا اختلاط المتمسكين بذاك المذهب مع أهل الأمصار، كالقطر العراقي والمصري والشامي، وغيرها من الأقاليم يتجرون بنتائج بلادهم، من سمن، وأباعر، وشياه، وأوبار وجلود تجارة رائدها الصدق في التعامل مع الكافة، مما ضاعف الثقة بهم على تطاول الأيام.

وبعد، فإني لا أتوخى في هذه العجالة الإلمام بعقائد تلك الطائفة لتأتي صبرة واحدة، فإن كتبهم المطبوعة أكثرها في بلاد الهند، تتكفل بذلك لمن يروم الاستبقاء، ولا أن أصف بلادهم وأحوالهم وصف مداح متجامل أو قداح متحامل، بل غاية ما أتطال إليه ذكر طرف من أخبارهم، مشفوعة بصحة النقل، والناقل لا تبعة تلحقه إذا خلصت منه النية.

قال الجبرتي في تاريخه عجائب الآثار عند حوادث سنة ١٢١٨ هجرية ما نصه: وحضر صحبة الحجاج كثير من أهل مكة؛ هروبًا من الوهابي، ولغط الناس في خبره، واختلفوا فيه، فمنهم من يجعله خارجيًّا وكافرًا، وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه، وأرسل إلى شيخ الركب المغربي كتابًا ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وصورتها:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلَّا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعد، فقد قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وقال الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، فأخبر سبحانه وتعالى أنه أكمل الدين، وأتمم على لسان رسوله وأمرنا بلزوم ما أُنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف، وقال تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

والرسول قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه أنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلَّا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.

إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الاشتراك بالله، والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلَّا رب الأرض والسماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلَّا لله، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلَّا ما كان خالصًا كما قال تعالى: فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ، فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلَّا ما كان خالصًا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين؛ ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار، وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وقال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ، وقال تعالى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، وهو سبحانه وتعالى لا يرضى إلَّا التوحيد كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، فالشفاعة حق ولا تُطلب في دار الدنيا إلَّا من الله كما قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ.

فإذا كان الرسول وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلَّا بإذن الله، لا يشفع ابتداء، بل يأتي فيخر لله ساجدًّا، فيحمد بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك وسلْ تعطَ واشفع تُشَفَّع، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأولياء والأنبياء.

وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج منهاجهم. وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها، والصلاة عندها، واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي أمته، وحذر منها كما في الحديث عنه أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وهو حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك.

فنهى أن يجصص القبر وأن يُبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا أنه بعث عليَّ بن أبي طالب — رضي الله عنه — وأمره ألا يدع قبرًا مشرفًا إلَّا سواه، ولا تمثالًا إلَّا طمسه؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القباب المبنية على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول فهذا هو الذي أوجبَ الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأمة متمثلين لقوله سبحانه وتعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر كما قال تعالى: الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ولِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا، ونعتقد أيضًا أن أمة محمد والمتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. انتهى. قال الجبرتي بعد إيراد ما تقدم: أقول: إن كان كذلك فهذا ما ندين الله به نحن أيضًا، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابة إغاثة اللهفان والحافظ المقريزي، في تجريد التوحيد والإمام اليوسي في شرح الكبرى، وشرح الحكيم لابن عباد، وكتاب جمع الفضائل وقمع الرذائل، وكتاب مصايد الشيطان وغير ذلك.

وجاء في تاريخ بغداد لعثمان بن سند البصري عند الكلام على الوهابية ما يأتي، فمن اعتقادهم تكفير عموم المسلمين الذين على الكرة الأرضية إلَّا من اعتقد اعتقادهم. وسموا أنفسهم بالسلف وبالمحمديين، ويبغضون ويلعنون جملة من علماء السنة مثل أبي الحسن الأشعري، ويقولون: إنهم هم الذين أسسوا قواعد الأدلة والبراهين في علم التوحيد، ومنه نشأت الفرق والخلاف بين الأمة المحمدية وإلَّا فقبله كانت الأدلة هي القرآن والحديث لا غير، وأيضًا يكفرون الإمام ابن السبكي الشافعي، ولكن ما أعلم السبب في تكفيره دون سائر المصريين، ويا ليت شعري ما ذنبه معهم، وأظنه لكونه كان يغري الملوك بابن تيمية وجماعته الحنابلة، حتى حبسهم الناصر محمد بن قلاوون في الإسكندرية، كما هو مذكور في الدرر الكامنة لابن حجر.

قال: والحاصل أن الوهابيين آذوا الأحياء والأموات، ومن محاسن الوهابيين أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كلما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار سلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر، خصوصًا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام، كأنهم إخوان أولاد رجل واحد، وهذا بسبب قسوتهم في تأديب القاتل والسارق والناهب، إلى أن عُدم هذا الشر في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق العرب من التوحش إلى الإنسانية، وتجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عنزي، وبجنبه بيت عتبي وبقربه بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، وبهاتين الدسيستين خدعوا جميع العوام يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل، خصوصًا بين الحرمين، وأحبهم سائر الأمم وغفلوا عن باقي عقائدهم، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم ومنها:

وما الدين إلَّا أن تقام شعائر
وتأمن سبل بيننا وشعاب

فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنًا من أركان الدين، ويُفهم عقلًا من سياستهم، أنه إذا فقد القاتل والسارق والناهب فأي سبب يمنع عموم الناس من الاشتغال بالزراعة والتجارة، واقتناء المواشي في البادية المخصبة؛ للتكسب من ألبانها وأصوافها وجلودها، وإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، فكأن المسألة شبيهة بالدورية؛ أي إنه متى وُجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وُجد الأمان، ولكن هذا الدور منفك الجهة.

ولولا ما في الوهابيين من هذه النزعة؛ أعني تكفير من عداهم لملكوا جميع بلاد الإسلام، وأدخلوهم تحت حكمهم بطوعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزغة أبغضتهم الأمم، وتسلطت عليهم الدول، وغزاهم أسد الديار المصرية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، بأمر السلطان محمود سنة ١٢٢٨، وملك بلادهم، ومحا آثارهم وأبادهم وأسكن عائلة المقرن — أي بيت الملك — وعائلة ابن عبد الوهاب الديار المصرية (وما رجعوا إلى بلادهم إلَّا بعد أن عاد الحجاز إلى الدولة العلية)، وهذه الفرقة المعبر عنها بالوهابيين هم أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولكنهم في الحقيقة يسمون أهل الحديث؛ لأنه كان نظيرهم موجودًا في زمن الدولة العباسية، وينكرون المناكير بالشدة والغلظة مثل الوهابيين، ويثورون على الخلفاء بسبب أن الجهاد في اعتقادهم ركن من أركان الدين، انظر تاريخ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة من سنة ٣٠٠ هجرية، وكانوا يسمونهم الحنابلة، وأهل الحديث في ذلك الزمن، ويقولون: قام الحنابلة وثار الحنابلة، وكسر الحنابلة حانات الخمور، وأدبوا مَن شرَبها، وكان بينهم وبين العباسيين مقابلات وحروب، ثم ثارت منهم فرق بالمشرق وبجزيرة الأندلس ويسمون الظاهرية، وهم أيضًا أهل الحديث، وكانوا ينكرون المناكير مع الغلظة، ويثورون على الملوك، وأكثرهم يموت بين قتيل وطريد، ثم إنه ظهر لهم فرق في دولة يوسف صلاح الدين، وكانوا يسمون أهل الحديث، ولهم ثورات وعداوات مع الملوك أيضًا، وينكرون المنكر بغلظة وفظاظة، وتسلسلوا إلى زمن ابن تيمية الحراني، وتلاميذه ابن مقلح، وابن القيم، وابن عبد الهادي، ثم ظهرت هذه الفرقة التي عمت وطمت في القرن الثاني عشر ويسمون بالوهابيين، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، وإلَّا ففي الحقيقة أفعالهم وآثارهم هي أفعال الحنابلة الأقدمين، وهي أفعال أهل الحديث في القرون المتوسطة وأفعال الظاهرية، فالمعنى واحد إنما يسمون في كل عصر باسم على اصطلاح أهل ذلك العصر. ا.ﻫ.

•••

أمَّا ناظم عقد هذه الجماعة وصاحب دعوتها محمد بن عبد الوهاب النجدي الآنف ذكره، فقد ورد في كتاب بنصرة الناقد لأبي الفتح عبد النصير الهندي، ثم المدني نقلًا عن محمد بن ناصر الحازمي في رسالة فتح المنان، في ترجيح الراجح، وتزييف الزايف من صلح الإخوان أنه محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف، هذا هو المعروف من نسبه، ويذكر أنه من مضر، ثم من بني تميم والله به عليم، أخذ عن أبيه وهم بيت فقه حنابلة، ثم حج وقصد المدينة، ولقي بها شيخًا عالمًا من أهل نجد اسمه عبد الله بن إبراهيم، قد لقي أبا المواهب البعلي الدمشقي، وأخذ عنه وانتقل مع أبيه إلى حريملا من نجد أيضًا، ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة، فرضي أهل العينية بذلك، ثم جرج عنها بسبب إلى الدرعية، وأطاعه أميرها محمد بن سعود من آل مقرن، ويذكر أنهم من بني حنيفة، ثم من ربيعة والله أعلم، وهذا في حدود سنة تسع وخمسين بعد المائة وألف، وانتشرت دعوته في نجد وشرق بلاد العرب إلى عمان، ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلَّا في حدود المائتين والألف، وتوفي سنة ست بعد المائتين والألف. ا.ﻫ.

وقال أيضًا: هو رجل عالم متبع الغالب عليه في نفسه الاتباع، ورسائله معروفة، وفيها المقبول والمردود، وأشهر ما يُنكر عليه خصلتان كبيرتان، الأولى تكفير أهل الأرض بمجرد تلقيات لا دليل عليها، والثانية الاجتراء على سفك الدم المعصوم بلا حجة وإقامة برهان، وتتبع هذه جزئيات، وهي حقيرة تُغتفر مع صلاح الأصل وصحته — والله أعلم — وقد بنى الشيخ محمد المذكور طريقته على اتباع ابن تيمية، وابن القيم في زعمه، وأخذ من أقوالهما أطرافًا بحسب ما وقع له من الاطلاع والإشراف، وقد أصاب في بعض ما نقله، وأخطأ في البعض، وساء فهمًا، وأخذ على غير القصد في بعض، وقد أحيت دعوته بعضًا من الشريعة، وأماتت كثيرًا من الباطل في نجد والحجاز، رحمه الله وتجاوز عنه فيما أخطأ فيه، وجزاه أحسن ما عمل به. انتهى ملخصًا.

وكتب العلَّامة الشوكاني اليماني في البدر الطالع في ترجمة سعود بن عبد العزيز ما نصه: «فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب، الداعي إلى التوحيد المنكر على المعتقدين في الأموات، وقال أيضًا في ترجمة غالب بن ساعد شريف مكة في بيان أتباع صاحب نجد: وتبلغنا عنهم أخبار الله أعلم بصحتها، من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبي أو ولي أو غير ذلك، ولا ريب إن كان ذلك عن اعتقاد تأثير المستغاث به كتأثير الله يصير به صاحبه مرتدًّا، كما يقع من كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم، ويعولون عليهم زيادة على تعويلهم على الله — سبحانه وتعالى — ولا ينادون الله جل وعلا إلَّا مقترنًا بأسمائهم، ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب، فهذا كفر لا شك فيه ولا شبهة، وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين، وقال: وبعض الناس يزعم أنه — يعني صاحب نجد — يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحًا؛ فإن صاحب نجد وجميع أتباعه، يعملون بما يعلمونه من محمد بن عبد الوهاب وكان حنبليًّا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد، وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة، كابن تيمية وابن القيم، وأضرا بهما وهم من أشد الناس على معتقدي الأموات «وقد رأيت كتابًا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده، فرأيت جوابه مشتملًا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة والله أعلم بحقيقة الحال»، وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين، وفي سنة ١٢١٥ وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان، أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام — حفظه الله — أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب، كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد، والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من الفقهاء المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة، ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين، وبجماعة من الصحابة، فأجاب عليها جوابات محررة مقررة محققة، تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة، وقد هدم عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه؛ لأنهم مقصرون متعصبون؛ فصار ما فعلوه خزيًا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة، وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه.» انتهى ملخصًا.

وقال القاضي العلَّامة عبد الرحمن بن أحمد البهكلي في كتاب نفح العود في أيام الشريف حمود: ومن كتب عبد العزيز بن سعود هذا الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، خصوصًا أولاد الشريف حمود، وناصر ويحيى وسائر إخوانهم، وأولاد إخوانهم، وكذلك أشراف بني النعمى وكافة أشراف تهامة، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنَّبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية، أمَّا بعد: فالموجب لهذه الرسالة أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي قدِم إلينا فرأى ما نحن فيه، وتحقق صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، فتعرفوا دين الإسلام الذي لا يقبل من أحد سواه، فاعلموا — رحمكم الله تعالى — أن الله سبحانه أرسل محمدًا على فترة من الرسل، فهدى به إلى الدين الكامل والشرع التام، وأعظم ذلك وأكبره وزبدته إخلاص العبادة لله لا شريك له، والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله تعالى الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وإخلاص الدين هو صرف جميع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك ألَّا يُدعى إلَّا الله، ولا يستغاث إلَّا بالله، ولا يُذبح إلَّا له، ولا يخشى ولا يرجى سواه، ولا يرهب ولا يرغب إلَّا فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلَّا عليه، وإن كل ما هنالك لله تعالى لا يصلح شيء منه لملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا شيء غيرهما، وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.

فلما منَّ الله تعالى علينا بمعرفة ذلك، وعلمنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا الناس إليه، وإلَّا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله تعالى من عبادة أهل القبور والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم والتقرب بالذبح لهم، وطلب الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور المحرمات، وترك الصلاة وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد عفائه، على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله تعالى إليه في آخرته والمآب، فأبرز ما هو الحق والصواب من كتاب الله المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إلخ.

ورسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين، شاهدة عدل على أنه بريء من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه، وبنوا عليها تلك الزلازل والقلاقل، وأن مذهبه عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين، وتلك الرسالة منقولة في اتحاف النبلاء من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليها، قال المستشرق سيديللوا الفرنساوي في كتابه خلاصة تاريخ العرب ما نصه: «أخذت العرب من ابتداء القرن الثامن عشر في الاستقلال بالحكم؛ لقوتها وضعف أعدائها، ولم تنقص إلَّا اتخاذ مركز تجتمع حوله جميع الأذهان، وترجع إليه في تدبير الأمور، فهمت الوهابية سنة ١٧٤٩ ميلادية، فاتخذت منها عبد الوهاب مركزًا، وهو من قبيلة تميم، اشتغل في صغره بالعلوم المعتادة عند العرب خصوصًا الفقه، وسافر إلى بغداد والبصرة وبلاد الفرس، ثم أخذ يتفكر فيما يثير الحمية في أبناء وطنه، فوجده إحياء الشريعة نقية من جميع البدع كحالتها الأولية، فألزمهم المواظبة على العمل بالقرآن، ونهاهم عن العلو في تعظيم النبي وعن تقديس الأولياء الذين هدم قبورهم، وعن تعاطي المسكر، وأنكر على الأتراك بعض الأحوال، وقال: إن الشريعة تقضي أن يخرج كل إنسان خُمس أمواله (كذا) زكاة، وتحرم الزينة، وتلزم القضاة بتحري الصدق، وأخذ يعظمهم بخطب عظم تأثيرها لديهم بموافقتها القرآن، ومقصوده من ذلك استمالتهم إلى الأمور الحربية؛ ليحيوا ما كان لآبائهم من العظمة، وقد كان، فإن أقوى جميع قبائل نجد وفدت عليه، وانتظمت تحت لوائه، فجعل محمد بن سعود من قبيلة مصالح قائد هؤلاء الوفود، وزوج سعود ابنته، وقلده الحكم السياسي على الوهابية لمعرفته بالقوانين العسكرية.»

وقال أحمد سعيد البغدادي في كتابه نديم الأدب: «أمَّا حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمل؛ لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية، تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى» إلى أن قال: «ومن أراد أن يعرف جليًّا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل — رضي الله عنه — فإنه مذهبهم.»

أمَّا بلاد نجد فقد وصفها محمد بن سليم الشهابي المدني في رسالته الرحلة الحجازية «إنها أرض مسطحة سهلة، يقل وجود الجبال فيها، والمشهور فيها جبلان أجاء وسلمى، وإنها حسنة الهواء كثيرة الأمطار والسيول، وفي سفح جبل أجاء مدينة تسمى بندر حائل، وهي مسوَّرة ولها ثلاثة أبواب، وبيوتها طبقة واحدة والقليل منها طبقتان، مرتفعة البناء وفيها محال للقهوة، مزينة داخل البيوت على عادة العرب، وفيها قصر أميرها، والأمير ينفذ أحكام القاضي على موجب القرآن الشريف، والأحاديث النبوية والأقوال الصحيحة، فيقتص من القاتل، ويقطع يد السارق، ويقيم حد الرجم، ولا يوجد في بلاد نجد شاهد زور البتة، حتى لو سمع الأمير بشاهد زور يجلبه من أقصى نجد ويعزره وينفيه، وفي أوقات الصلاة يطوف مأمور من قبل الأمير في الأسواق والشوارع، فإذا وجد واحدًا لم يحضر صلاة الجماعة يسلبه عمامته ويجره إلى المسجد، وعند خروج الأمير من الصلاة يعرضه عليه، فيؤدبه الأمير لترك الصلاة مع الجماعة، وترى جميع أهل البلد والنازلين فيه متبارين في صلواتهم مع الإمام في الجامع، وهم في غاية الذكاء والكمال والفصاحة العربية، وحديثهم بينهم بالإحسان والتؤدة لا تسمع بينهم لغوًا أبدًا، ولئن كان بقايا من عوائد العرب القديمة وسننها فهي عندهم. ولقد نزلت بين ظهرانيهم على عهد المرحوم الأمير متعب ثلاثة أشهر، ثم زرتهم مرتين فأكثر لما رأيت من إنسانيتهم، فأمعنت النظر في أحوالهم، فلم أسمع في حائل حاضرة الأمير صوت طبل ولا غناء مزمار، ما خلا طبل الحرب في وقته، وإذا مات أحدهم لا تسمع عويل أهله وعياله سوى حزن وبكاء، ويدفنون موتاهم حال وفاتهم، ولو مات الميت في الليل، وفيها بعض أشجار مثمرة، وبنواحيها في سفح جبل إجاء قرية تدعى قفاد ذات عين ثرة، تسقي النخيل والزروع، وحاضرة أمير حائل تحيط بها من جهاتها الثلاث أرض سهلة ما عدا الجهة الرابعة، حيث جبل إجاء الذي يكثر فيه الربيع مسافة يومين وليلة، وهي حمى جعله الأمير لخاصته، ويربي فيها خيله وهجنه وإبله ومواشيه، وفي محيط الحمى قرى رجال الأمير، وعلى بعد خمسة أيام من الحمى بلدة كبيرة تسمى عنيزة مسورة بسورين، سور على نخيل يحيط بها، وسور على البلدة، وعلى مقربة منها مسيل ماء يجري في الغالب، وعلى أطرافه نخيل كثير، وأكثر سكان البلدة تجار نجد وأعيانها، ويقابلها أيضًا بلدة كبيرة مسورة تسمى بريدة، ولها قرى تابعة لها ونخيل كثير تدعى القصيم متصلة بالدرعية، ومنها إلى مدينة عظيمة تدعى العارض، حيث مساكن حكام نجد وأمرائها آل سعود، والأمير في كل عام يأخذ من رعاياه الزكاة وفقًا للشرع، من خيولهم وإبلهم وأغنامهم ومواشيهم ونخيلهم وزروعهم، ولا يستثني من ذلك إلَّا الخيل المعدة للحرب، والذي يجبيه من الزكاة على وفق الشرع يجمعه عنده، فيفرق بعضه على المحاويج والفقراء، ويصرف البقية في المآدب وعطايا قاصديه، حتى لا يبقى على رأس السنة منها شيء.»

هذا طرف مما عثرت عليه من تضاعيف كتب مطبوعة ومخطوطة لمؤلفين متباينين في المشارب، متفرقين في المشارق والمغارب، أثبته على حاله، ولم أمسخ من لفظه ولا ماله، ورأيت وسمعت كثيرًا من مؤرخي الفرنجة، وسياحهم تكلموا على هذا المذهب ومنهم المنصف والمجحف، على أن المجحف منهم يفضل بصدقه أمثال أحمد جودت، وعبد الرحمن شرف، وأيوب صبري، وغيرهم من المؤرخين الأتراك الذين أطلقوا مباشرة ألفاظ التكفير والتضليل على أبناء هذا المذهب، ورموا الكلام على عواهنه واتهموهم في أمانتهم؛ ولذا اقتصرت على إيراد ما تقدم وتجافيت عن ترجمة أقوالهم؛ لأنها أمليت بلسان التمويه لا بلسان التاريخ، وعلى ما قيل في عباراتهم يتصرف ما كتبه أحمد زيني دحلان المكي بعبارات محزنة مخجلة، وقد رد عليه علماء الوهابية زاعمين أن الأحاديث التي ساقها في كتابه موضوعة بعد ظهورهم، مطالبين القائل بها ببيان الكتب المأخوذة منها، من أسفار المحدثين المتقدمين والمتأخرين، مطيلين اللسان على علماء ذاك العصر، ناسبين لهم الافتراء على حضرة صاحب الرسالة عمدًا، ويا ليت هذا المكي بين مآخذه؛ ليخلص من الطعن؛ فإن المقام مقام جدال.

واختلفت الأقوال في عدد المنتحلين لهذا المذهب في نجد، ويقول شمس الدين سامي — صاحب قاموس الأعلام — إن عددهم قد يرقى إلى ثلاثة ملايين نسمة في نجد، أمَّا مسافة هذه الكورة فيقطعها الراكب على متون المطايا في عشرين يومًا عرضًا، وثلاثين يومًا طولًا، وأخبرني أحد الثقات الأثبات أن دعوة الوهابية تنتشر في الهند خصوصًا في الأعوام الأخيرة.

•••

ويؤخذ مما ذكره حسين بن غنام الإحسائي٢ في كتابه روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام، أن الناس في نجد قبل قيام محمد بن عبد الوهاب كانوا إلى الشرك الخفي والظاهر، وقد وصف المقامات التي نذروها لها، والشيوخ الذين اعتقدوا فيهم، وانتقل إلى «بلدان مصر وصعيدها، وما فيها من الأمور التي ينزه اللسان عن ذكرها وتعديدها، خصوصًا عند قبور الصلحاء والعباد من ساداتها وعبيدها بها.»

وذكر ما يفعل من هذا القبيل في بلدان اليمن، وقال: إن حلب ودمشق، وأقصى الشام والموصل، وبلاد الأكراد والعراق، وبغداد، والبصرة، وقرى السلط، والقطيف، والبحرين، وغيرها من بلاد العرب كلها واقعة في هذا، واستشهد بقصيدة للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكان مشهورًا بالعلم والفهم، قال واصفًا ما سرى من البدع:

طفي الماء من بحر ابتداعًا على الورى
فلم ينج منهم مركب وركاب
وطوفان نوح كان في الفلك أهله
فنجاهم والغارقون ثباب
فأنى لنا فلك ينجى وليته
يطير بنا عما نراه غراب
وأين إلى أين المطار وكلما
على ظهرها يأتيك منه عجاب
ترى الدين مثل الشاة قد وثبت له
ذئاب وما عنه لهن ذهاب
لقد مزقته بعد كل ممزق
فلم يبقَ منه جثة وإهاب
وليس اغتراب الدين إلَّا كما ترى
فهل بعد هذا الاغتراب إياب
فيا غربة هل يرتجى منه أوبة
فيجر من هذا البعاد مصاب
فلم يبقَ للراجي سلامة دينه
سوى عزلة فيها الجليس كتاب

واستشهد له بقصيدة أخرى قال فيها:

ويعمر أركان الشريعة هادمًا
مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله
يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة
أهلت لغير الله جهرًا على عمد

•••

علام جعلتم أيها الناس ديننا
لأربعة لا شك في فضلهم عندي
هموا علماء الدين شرقًا ومغربًا
ونور عيون الفضل والحق والزهد
ولكنهم كالناس ليس كلامهم
دليلًا ولا تقليدهم في غد يجدي
ولا زعموا حاشاهمو أن قولهم
دليل فيستهدي به كل مستهدي
بل صرحوا أنا نقابل قولهم
إذا خالف المنصوص بالقدح والرد

وترجم المؤلف شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بما لم يخرج عما تقدم من ترجمته آنفًا، ومما قاله: إنه كان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة، وأخذ في بث الدعوة، ثم سكن حريملا مع والده، مثابرًا على دعوته، تاركًا ما سلكه علماء السوء، فانتظم في سلكه عصابة اتخذوه جليسًا، واتبعوا طريقته فقرءوا عليه كتب الحديث والفقه، واشتهر في بلدان العارض من حريملا والعينية، والدرعية، والرياض، ومنفوحة، وانحاز لدعوته جم غفير، وأقام في حريملا سنين، واهتدى به أحد الأمراء عثمان بن معمر في العينية، فأقام بها وساعده الأمير على الإرشاد فبدأ يعظم أمره ففشا الدين في بلدان العارض، فأمر الشيخ الأمير بهدم القباب، والمساجد المبنية على قبور الصحابة، وقطع الأشجار التي كان ينتابها الناس للتبرك وعدلت على السنن المشروعة، فأنكر عليه ذلك وحكوا بكفره واستحلال دمه وماله، وتقول بعضهم عليه ووشوا به إلى علماء الإحساء والبصرة والحرمين، وأفتوا الحكام بأنه أقبح الضلال والفساق وأشر الخوارج، وحسبوا أنهم إذا حرشوا عليه الحكام يجدون في قتله، فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله، وقالوا: إنه مغير السنة والأحكام؛ يقصد تنفير الخواص والعوام ليشاقوا الولاة فيعصوهم، ولما تظاهر الشيخ بالدعوة والناس قد أشربت محبة المعاصي قلوبهم لم يكفر أولئك العربان وتوقف تورعًا حتى تألبوا عليه وكفروه وجماعته، ولم يأمر بسفك دم أكثر أهل الأهواء، حتى حكموا عليه وأصحابه بالقتل والتكفير، ومع ما كان ينقل إليه من الأذى لم يكترث بهم، وكان يتضرع إلى مولاه أن يشرح للحق صدورهم، ولم يعامل أحدًا بالإساءة بعد القدرة عليه، ولما وفدوا عليه ومثلوا بين يديه، لم يوبخ أحدًا منهم، وأسدى إليهم معروفه وتجاوز عما فعلوه، فعل به أعداؤه ذلك، وأكثرهم معترف أن ما أتى به هو الحق والصواب، ولكن خشوا أن تُسلب رئاستهم ودنياهم، توفي صاحب الدعوة وله من العمر قريب من اثنين وتسعين سنة، كان في خلالها مستمرًا في تحصيل نافع الزاد، وصنف مصنفات كثيرة منها «كتاب التوحيد»، ورسالة عامة للمسلمين تسمى «كشف الشبهات» جوابًا لشبههم التي أدلوا بها فيها خلاصة دعوته، ولباب علمه وكتب رسائل كثيرة في حث مجاوريه على الأخذ بما ارتآه والرد على خصومه، قال من جملة جواب له: إن تعليق التمائم من الشرك، وكتب الطلاسم في الحجب هي من السحر، والسحر يكفِّر صاحبه، وإن من دعا نبيًّا، أو صحابيًّا، أو وليًّا مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني وأغثني كافر بالإجماع، وأنكر التذكير، وقال: إنه من البدع، وذكر السيوطي في الأوائل أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة ليتهيأ الناس بصلاتها بعد السبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون.

قال المؤرخ: والسبب الذي دعا ابن عبد الوهاب إلى الخروج من بلدة العينية بعد أن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أن امرأة من أهل تلك البلدة عُرفت بسوء، فأقرت على نفسها وتكرر ذلك منها، فأعرض الشيخ عنها، ثم أقرت وعادت إلى الإقرار مرارًا، فسأل عن عقلها، فأُخبر بتمامه وصحته، فأمهلها أيامًا؛ رجاء أن ترجع عن الإقرار إلى الإنكار، فأقرت أربع مرات فأمر برجمها، فشدت عليها ثيابها لتُرجم بالحجارة على الوجه المشروع، فخرج الأمير عثمان وجماعة فرجموها حتى ماتت، فلما طار هذا الخبر كثر لغط أهل البدع، وطارت قلوبهم شعاعًا، فلما أعياهم رد ما قاله من تلك المسائل عدلوا إلى ردها بالمكر والحيلة، فشكوه إلى شيخهم فأغروه به، فطلب إلى الأمير عثمان يأمره بقتله أو إجلائه عن وطنه، فأمر هذا الأمير الشيخ بالخروج فجاء الدرعية، فلما سمع الأمير محمد بن سعود بقدومه، أسرع إليه مسلمًا عليه فلطف منه محله وأخبره بأن يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده من جميع من عاداه، وطلب إلى الشيخ ألَّا يرحل عن بلده، وكان هذا الأمير معروفًا في جاهليته بحسن السيرة، فعاهده الشيخ على عدم الخروج، وقام يدعو الناس إلى التوحيد وآزره وزراء الأمير وأعوانه وإخوانه من أهل الدرعية، وذلك في حدود سنة ١١٥٧ﻫ، وبقي الشيخ سنتين يناصح الناس، وهاجر إلى الدرعية خلق كثير بينهم زمرة من أهل البيوتات، وسنة ١٢٠٦ﻫ توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحاله من العبادة في الصلاة والصيام مشهورة، يتلو القرآن أبدًا ويحيي غالب الليل بالقيام والتأني في تنفيذ الأحكام من كتب الأئمة الأربعة المقلدة، وكان يجبى إليه المال من جميع بلدان المسلمين، فيتفرقه عليهم في طريقة من الزهد مُرضية، وكان متكففًا من ذلك المال، لا يأكل منه إلَّا بالمعروف، وكان سمحًا كريمًا لا يرد سائلًا، ومات ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا، وكان عليه دين كثير وُفي عنه.

وذكر ابن غنام في تاريخه أيضًا غزوات أتباع ابن عبد الوهاب مع من جاورهم من القبائل والبلدان، وكلها دائرة على بث دعوة واحتياز مغنم ومقابلة شر بمثله أخبار متشابهة، كان يجري مثلها في تلك الأصقاع، ويظهر للمتأمل أن معظم تلك الحروب التي جرت على عهد ابن عبد الوهاب كانت للدين، فلما مات عادت المطامع إلى مجراها السابق، والغالب أن الأمير النجدي وابنه اللذين عملا بمشورة الشيخ طول حياته، قاما ببث دعوته بين الأمراء المجاورين بعد أن اشتدت شكيمتهما.

ومن طالع هذا التاريخ وعرف حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يلبث أن يقع في ذهنه أن كل تاريخ هذه الطائفة قتل وقتال وقيل وقال. نعم، إن الأمر على ما يقول؛ فقد ذَكر لي أحد عقلاء النجديين يومًا ما معناه: يعاب على قومنا شيئان مهمان: أحدهما الفتن التي ما فتئت يثور ثائرها بين أظهرنا، والدماء التي تهراق من رفيعنا ووضيعنا، وإن تكن غارات اليوم بين ابن سعود وابن الرشيد مثلًا ليست كغارات أمس — تفرد السلطان عبد العزيز بن سعود منذ بضع سنين بحكم نجد كلها — المذكورة في تاريخ ابن غنام، فإن تلك كانت لنشر كلمة التوحيد بين أولئك الأعراب الجفاة، وهذه تدعو إليها المطامع — وثانيهما انقسام الناس في نجد إلى قبيلين، قبيل يقال له الخضيرية، وآخر يقال له قبيلية أو شيوخ، فالأول في حل من تعاطي الصناعات كلها، والثاني لا يجوز له تعاطيها؛ لأن ذلك يعد شينًا عليهم وعرة في وجوه أنسابهم، فيقتصرون على التجارة والفلاحة، وإذا تعاطى أحد الشيوخ، وبعبارة ثانية الأشراف صناعة ما، وكان في الأصل شريفًا يسقط عندهم شرفه، ويمسي معدودًا من الطبقة النازلة طبقة الصناع والأجراء في بلاده طبقة الخضيرية، وإذا تزوج أحد الشيوخ من بني خضير؛ أي صاحب الشرف من فاقده، وكان للشريف عصبة يستحلون قتله مدعين أنه أسقط شرفهم. قلت له: وأنا أعيب عليكم أمرًا ثالثًا، ولطالما ذاكرتكم به وهو جمودكم على حالة واحدة في العلم، وتحريمكم مطالعة كتب لا تخلو مطالعتها من إنارة عقولكم، ووقوفكم عند حد البحث في الدين دون الالتفات إلى ما لا بُدَّ منه من علوم الدنيا، وما يخيل إليَّ إلَّا أن رجالكم الذين يأتون الأمصار عارفون ما تمس إليه حاجة بني نحلتهم من العلوم والصنائع، وما ينقصهم من المتممات التي لا أثر لها في باديتكم، أمَّا انقسام الناس في نجد إلى فئتين فليس بالأمر الجديد، فإن الرومان كانوا كذلك، بل كان أشراف أسلافكم العرب الخلص يرون الصنائع مضيعة لشرفهم، ويعتدون في الغزو والغارة شرفهم الوحيد.

هذا ما لقفناه من تاريخ الإحسائي في أتباع محمد بن عبد الوهاب وهم الحنابلة بعينهم، وما ابن عبد الوهاب إلَّا داعية هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلَّما رأينا شعبًا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، أمَّا الغزوات التي يغزونها فهي سياسية محضة، ومذهبهم برئ منها، وما يتهمهم به أعداؤهم زور لا أصل له والله أعلم.

١  نُشرت في المجلد الخامس والعشرين من مجلة المقتطف (١٣١٨ / ١٩٠١).
٢  من مقالة لنا نُشرت في المجلد الثلاثين في مجلة المقتطف ١٩٠٥ / ١٣٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠