الفصل العاشر

الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في المجالس النيابية

حديثنا هنا عن الطوابير الصهيونية الخامسة في المجالس النيابية.

والصهيونية العالمية تهتم بالوصول إلى المجالس النيابية أحيانًا، ولكنها لا تهتم بالوصول إليها في جميع الأحيان؛ لأنها تختصر الطريق فتصل إلى الحكومة مباشرة، فتعطل ما تعطل من القوانين الصادرة ومن التشريعات المنتظرة، أو توجه السياسة عملًا إلى غير وجهتها التي لا ترضى عنها.

ولقد حدث في بلاد المجر أن الصهيونية التهمت ثروة الفلاح الصغير، وملكت زمام الفلاح الكبير، بالديون واشتباك المعاملات مع الشركات والمصارف، وساعدها على ذلك أن اليهود — منذ القدم — كثيرون في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، وأنهم ازدادوا كثرة بعد قيام النازية في ألمانيا، فهاجروا آحادًا وجماعات من ألمانيا إلى المجر وانتشروا في العواصم والأقاليم، وأصبحت بلاد المجر معروفة في ذلك العهد باسم «فردوس إسرائيل»؛ لأن زمام الثروة فيها تجمع بين أيدي اليهود الأصلاء واليهود المهاجرين.

فلما تفاقم الخطر وثار الشعب الجائع على المرابين والمستغلين، لم يكن في وسع الهيئة التشريعية أن تصم آذانها عن هذا النذير العاجل، وتقدمت إليها مشروعات متعددة لإنقاذ ضحايا الربا الفاحش والاستغلال الذريع، ونصَّت القوانين على تحديد حصة اليهود في كل شركة أو كل عمل مالي بستة في المائة، وذهب بعضها إلى تنظيم المصادرة على آجال متتابعة، وصدر بعض هذه القوانين فعلًا، وظل بعضها الآخر معروضًا للبحث والمناقشة بين التأجيل والإهمال.

من هذه القوانين ما توقف عند الوصي على العرش فأسقطه بحق «الفيتو» أو حق التعطيل.

ومنها ما صدر من البرلمان ومن ديوان الوصي على العرش، ولم ينفذ ولم يسمع له بعد ذلك خبر.

ومنها ما بقي في لجان البرلمان يدرس ويعاد درسه، ويؤجل ويعاد تأجيله، إلى أن طواه النسيان.

فالصهيونية لا تهتم بالوصول في كل حين إلى المجالس النيابية، أو هي لا تهتم بها إذا أمكنها أن تسيطر على الحكومة بوسيلة من الوسائل. فأما إذا تعذر عليها أن تسيطر على الحكومة واحتاجت إلى صوت مرفوع في المجالس النيابية لتأييد قضية من القضايا العزيزة عليها، فهي لا تعيا إذن بالوسائل التي تمكنها من التأثير في المجالس النيابية — ولو بعض التأثير — وأهم هذه الوسائل الدعاية العامة «أولًا» ثم استغلال الأحزاب التي تحتاج إلى المال في إبان الانتخابات، وقل أن تستغني خزائن الأحزاب عن المال الكثير في إبان المعركة الانتخابية؛ لأنها تنفق المال جهرة وخفية على الحملات الصحفية، ومنشورات الدعاية وتأمينات المرشحين، ولجان الدوائر وما إليها من الأعوان الحزبيين.

وقد تنبهت الأمم الديمقراطية إلى هذه المساومات الوبيلة، فأصدرت التشريعات التي تحدد المقدار المسموح بإنفاقه في الحملة الانتخابية، أو التي تقضى بإعلان مصادر الأموال في خزانة الحزب، أو التي تشدد العقاب على إعطاء الرشوة وقبولها أثناء الترشيح، ولكن هذه القوانين لا تنفذ إلا قليلًا، لأن الإدانة فيها تمس الغالب والمغلوب …

وفي إنجلترا — مثلًا — يكفي أن يقدم المرشح سيجارة إلى الناخب ليكون ذلك حجة للطعن في انتخابه، ولكن الناخبين أحرار في الدعوة لمرشحهم، فما لا يفعله المرشح يفعله الناخبون.

وقد اهتم الصهيونيون بالوصول إلى مجلس النواب الإنجليزي بعد الحرب العالمية الثانية؛ لأنهم اعتقدوا أن قضية فلسطين تحتاج إلى صوت مسموع في ذلك المجلس، فوصل إليه نحو سبعين منهم، كما جاء في كلام البريجادير مكسون Brigadier Mackeson المثبت في سجلات هنسارد Hansard الرسمية، وهو عدد يزيد على عشرة أضعاف النسبة التي يقدرها لهم قانون الانتخاب.

ولم يكن هؤلاء السبعون جميعًا متدينين باليهودية علانية، بل كان منهم ثمانية وعشرون يهوديًّا ثابتون على دينهم، وكان سائرهم يهودًا متحولين إلى المسيحية لتلبيس المقاصد الصهيونية على جمهرة الناس.

قال دوجلاس ريد Douglas Reed في كتابه «من الدخان إلى الخنق»: «إن عدد النواب اليهود في برلمان سنة ١٩٤٥ من العسير تقديره فيما يلوح لي. فإن الصحف اليهودية تقدرهم بثمانية وعشرين، ولكنها إذا أرادت بذلك عدد اليهود غير المعترفين بدينهم فالصورة بعيدة جدًّا من الصحة، وقد حدث بعد المناقشة التي دارت بالمجلس في اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٤٧ عقب اقتناص اثنين من الجنود البريطانيين في فلسطين ثم شنق الصهيونيين لهما؛ أن النائب البريجادير مكسون وقف كما جاء في سجل هنسارد فأشار إليهم قائلًا: هنا نحو ستين أو سبعين عضوًا محترمًا من اليهود يؤيدون الصهيونية.»

ثم استطرد المؤلف إلى الكلام على الحملة العنيفة التي شنها الصهيونيون على بريطانيا، لأنها لم تتوسع في مطاردة العرب مرضاة لإسرائيل.

يحدث هذا في إنجلترا، أعرق البلاد البرلمانية، فلا حاجة إلى الكلام عما يحدث في غيرها من البلاد التي لم تتمكن فيها بعد تقاليد الانتخاب.

والواضح أن السياسة العالمية كلها قد تأثرت بهذه المناورات الصهيونية فإن الدولة البريطانية علمت أنها هدف لحملات الدعاية الصهيونية في العالم، وأن الصهيونيين يهددونها بالعزلة في الحرب العالمية التالية، وقد كانت الدولة البريطانية تخشاهم خلال حرب عالمية، لعلمها بنفوذهم في الولايات المتحدة، وقدرتهم على توجيه الرأي العام هناك — ولو بعض التوجيه — إلى اعتزال الحرب والوقوف على الحياد … وكانت — أي الدولة البريطانية — مطمئنة إلى كراهة اليهود لألمانيا، وسعيهم إلى تأليب الدول عليها، ولكنها لا تدري كيف يكون الموقف خلال المنازعات الدولية التالية، فقد تقف الصهيونية بأسرها في وجه إنجلترا لتعزلها وتبذل جهدها في إثارة الأمريكيين عليها، وقد تقف إنجلترا يومئذ وحيدة في الميدان بتدبير المؤامرة الصهيونية ولهذا كانت تحتمل منهم في فلسطين إهانات ولطمات لم تصبر على مثلها في بلد آخر، ولهذا اشتبك الدهاء البريطاني والدهاء الصهيوني في صراع الجبابرة استعدادًا للنزال في المستقبل، وما زال الدهاء البريطاني يحتال احتياله حتى أصبحت «بريطانيا العظمى» أقل الدول اليوم خوفًا من المؤامرات الصهيونية العالمية خلال الحرب المقبلة؛ لأن الولايات المتحدة هي صاحبة الشأن الأول فيها، فإذا حاربها الصهيونيون وانضموا إلى أعدائها هدموا بيتهم على رأسهم عامدين أو غير عامدين.

وما أكثر ما يقال عن دسائس الصهيونية في المجالس النيابية لو اتسع المقال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠