الفصل الحادي عشر

الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في السياسة الشرقية

كان نابليون الكبير من الخبراء الحذاق بصناعة الحكم، وكان على علم بديهي بأطوار الجماعات ومصادر النفوذ في الرأي العام، وكان من أجل هذا عظيم العناية بعوامل النفوذ الصهيوني في البلاد الفرنسية وفي البلاد التي يتطلع إليها بنظره، لأغراض سياسية أو عسكرية.

كان في سنة ١٨٠٦ سيد القارة الأوروبية غير مدافع، هزم النمسا وبروسيا، وتغلب على وليام بت في ميدان العلاقات الدولية، ولكنه في تلك السنة كان يرفع يديه دهشًا ويسأل من حوله قائلًا: «بأية معجزة أصبحت أقاليم كاملة من فرنسا مرتهنة لليهود، وليس منهم فيها أكثر من ستين ألفًا؟!»

لا جرم يفكر نابليون في الصهيونية العالمية قبل حملته على المشرق، ويساوم هذه الصهيونية على تبادل المنفعة من وراء تلك الحملة، فهم يعودون إلى أرض الميعاد ويعيدون فيها دولتهم البائدة، وهو يستفيد من أموالهم ودعايتهم في تأييد تلك الحملة ومقاومة النفوذ السياسي، أو المالي، الذي يعترضها ويعوق حركاتها.

ففي سنة ١٧٩٩ نشرت صحيفة جازيت ناشيونال Gazette Nationale الرسمية بيانًا لنابليون يدعو فيه يهود آسيا وإفريقية أن يهرعوا إلى رايته ليدخلوا تحت ظلالها إلى أورشليم، ويقول إنه جند منهم فرقًا تزحف على حلب.

وقبل هذا البيان بسنة واحدة نشر اليهود في باريس دعوة للاجتماع بها، والاتفاق مع الحكومة الفرنسية على رد الصهيونية إلى وطنها، وذكروا أن ذلك الوطن يشمل الوجه البحري من القطر المصري، مضافًا إليه إقليم يحده خط من عكا إلى البحر الميت، وخط من جنوب البحر الميت إلى البحر الأحمر، وأنهم باستيلائهم على هذه المملكة يسيطرون على تجارة الهند وبلاد العرب وإفريقية الشرقية وإفريقية الجنوبية، وأن مجاورة هذه المملكة لحلب ودمشق تيسر لهم سبل التجارة مع البلاد الفارسية، وتفتح لهم من طريق البحر الأبيض المتوسط أسواق إسبانيا وفرنسا وسائر أنحاء القارة الأوروبية، وتصبح هذه المملكة من مركزها في وسط العالم مستودع المحاصيل العالمية فتمنح فرنسا — في مقابلة المعونة على رد اليهود إلى وطنهم وحمايتهم فيه — جزاء ماليًّا وافيًا، وحصة كبيرة من التجارة وأرباحها.

وجاء في الدعوة اليهودية أن المقترحات التي عرضت في الوقت نفسه على الدولة العثمانية ستظل في طي الكتمان، وأن المعول فيها على حكمة المجلس المشرف على هذه الدعوة، وعلى حسن النية من جانب الأمة الفرنسية.

هذه الدعوة نشرت بنصها في كتاب سوكولوف Sokolow عن تاريخ الصهيونية من سنة ١٦٠٠ إلى سنة ١٩١٨، ونشر فيه كذلك بيان نابليون وبعض التعليقات التي تكشف القناع عن دخائل المناورة وحواشيها.

وواضح من خطة نابليون أنه لم يكن يريد المعونة العسكرية من الصهيونيين، وأن الفرق المزعومة التي قال إنها تهدد مدينة «حلب» لم يكن لها وجود، وإنما أراد بها معونة الأيدي الخفية في مراكز السياسة العليا، كما أراد معونة المال إذا ضنت بها خزانة الدولة.

هذا مثل من الأمثلة على أساليب الصهيونية في علاقتها بالسياسة الشرقية، وأخصها سياسة فلسطين والديار المصرية.

تستطلع الأسرار، وتحس بوادر الخطط الخفية قبل تنفيذها، وتحاول أن تساوم عليها، فلا تعدم من يقبل هذه المساومة مخلصًا أو غير مخلص في مقصده، وتجعل المصلحة المتبادلة ضمانًا بعد ذلك لدوام المنعة بين الطرفين.

فقبل حملة نابليون بسنة كانت الصهيونية على علم بموعدها، وكان سفراؤها في باريس يساومون عليها، ولا ينسون السفارة عند السلطان العثماني، متكتمين طبيعة تلك المساومة، ولكنها ظاهرة من قرائنها، ولا بد فيها من عنصر الرشوة وعنصر الحريم.

وبعد قرن على التقريب، بدأت طلائع الحملة الإنجليزية، وعملت فيها الصهيونية عملها الظاهر والخفي على نحو من هذه الأساليب.

كان الخديوي إسماعيل يبحث عن القروض فلا يجد من يقرضه، ويرى بين يديه أسهم قناة السويس وهي قريبة من نصف الأسهم، فتلح عليه الحاجة العاجلة وتضطره إلى عرضها للبيع سرًّا، لخوفه من مناورات الهبوط والصعود في الأسواق المالية، وخوفه قبل ذلك من مناورات السياسة الفرنسية والإنجليزية، وهما تتناظران ولا تكفان عن النزاع في شئون القضية المصرية.

وهنا تنبري الصهيونية للعمل ويتدخل بيت روتشيلد بواسطة الدوق ديكاز Dicaze لتحذير البيوت الفرنسية من شراء الأسهم المعروضة عليها، وتمكين بيكنسفيلد رئيس الوزارة البريطانية الإسرائيلي من شراء الأسهم بالثمن المطلوب.

كيف تذلل هذه العقبة؟

بل كيف تذلل هاتان العقبتان: عقبة السياسة الفرنسية، وعقبة السياسة البريطانية؟

هنا تفعل الصهيونية العالمية أفاعيلها التي يعجز عنها الساسة، ولا تحيط بها المجالس النيابية.

فرنسا عدوة مناظرة لبريطانيا العظمى، فكيف تترك لها هذه الغنيمة الشهية؟

تتركها لأن بيت روتشيلد موزع بين باريس ولندن وبرلين، ولأن بسمارك يهدد فرنسا بعد حرب السبعين ويعزلها في سياسة القارة الأوروبية، فإذا تدخل بيت روتشيلد لإقناع فرنسا بإرضاء بريطانيا، وللتقريب بين السياستين الفرنسية والبريطانية في القارة الأوروبية، وللتعاون بين الدولتين معًا على مناهضة بسمارك أو مناهضة الدولة الألمانية الناشئة؛ فهي صفقة رابحة تأتي في أوانها، ويقوم بها سمسار قادر عليها، لأنه يملك نفوذ المال في باريس ولندن وبرلين.

وربما سبق إلى الظن أن العقبة في بريطانيا أهون من هذه العقبة، لأنها تشترى وتستفيد، ولا حاجة بها إلى إقناع للحصول على هذه الفائدة. إلا أن الواقع أن عقبة بريطانيا كانت أصعب من عقبة فرنسا! وأحوج منها إلى التدبير والتواطؤ مع الصهيونية العالمية.
  • أولًا: لأن البرلمان كان في إجازة.
  • ثانيًا: لأن المحافظين كانوا يخشون معارضة الأحرار في كل أمر يتعلق بالمسألة الشرقية.

وكان المبلغ اللازم أربعة ملايين جنيه، وليس من السهل صرف هذا المبلغ ولا أقل منه بغير إذن البرلمان.

ولكن بيكنسفيلد صهيوني، وروتشيلد صهيوني، وصاحب المصرف مستعد للمجازفة بالمال في جميع الأحوال، فانحلت العقدة، وزال الإشكال، ولم يبال بيكنسفيلد أن يعلن بعد ذلك:

أن الصفقة مالية وسياسية وأنها لازمة لتمكين الإمبراطورية.

ودارت الأيام دورتها وجاءت الحرب العالمية الأولى وصدر وعد بلفور المشهور موجهًا إلى اللورد روتشيلد كأنه — وهو رعية بريطانية — نائب دولة أجنبية أخرى. وتطايرت الإشاعات عن الباعث على وعد بلفور، فقيل إنه كان مكافأة على اختراع كيماوي للصهيوني «وايزمان» أفاد الحلفاء في صناعة المتفجرات، وما هذه الإشاعات عن الباعث المزعوم إلا تلفيقًا من الدعاية الصهيونية والدعاية البريطانية لا يثبت على المراجعة والتمحيص … ففي الثاني والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٩١٥ نشرت صحيفة «المانشستر جارديان» مقالًا صريحًا ربطت فيه بين انتصار الحلفاء وقيام الصهيونية في أرض فلسطين، وقبل ذلك كان فلاديمير جابوتنسكي Jabotinsky في القاهرة يؤلف فرقة النقل الصهيوني، ويشكو من القائد سير مارك سايكس Sykes لأنه لا يؤيد الصهيونيين، ولم يتأخر إعلان الوعد — وعد بلفور — إلا لمصلحة هؤلاء الصهيونيين، إذ كانوا ينتظرون النصر الحاسم في جانب الحلفاء قبل أن يجهروا بتأييدهم، محافظة على حبل الاتصال بين الجانبين.

هذه هي أساليب الصهيونية العالمية في السياسة الشرقية لا نظنها من تدبير هيئة مسيطرة قائمة في جميع الأوقات، ولكنها أسرار تعرف في أوقاتها، وفرص تغتنم من القادرين عليها، ولا حاجة بالصهيونية العالمية إلى تدبير أثبت من هذا التدبير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠