الفصل الثالث عشر

الصهيونية العالمية … أساليبها في العصر الحاضر (٢)

من أساليب الصهيونية العالمية استغلال الحركات الاجتماعية والاتجاه بها إلى الوجهة التي تريدها، وأحب هذه الحركات إليها من كان كفيلًا بهدم القيم والأخلاق وتفكيك أوصال المجتمع وتلويث العرف الشائع بين أهله، ولهذا ظفرت الحركة الشيوعية منها في العصر الحاضر بكل تشجيع وترويج، كما أسلفنا في الفصل الماضي.

ومع استغلال الحركات الاجتماعية تعنى الصهيونية في كل وقت باستغلال المراكز العالمية والعلاقات الشخصية بأصحاب النفوذ من حكومات العالم جميعًا، وحكومات العالم الكبرى قبل سواها.

فما من رئيس ذي سلطان — في السياسة الدولية، وفي سياسة قومه — يتركه الصهيونيون بغير رقابة منه على القرب، تحيط به وتنفذ إلى أسراره ونياته، وتبذل له الخدمة التي يتعودها، ويتوهم مع الزمن أنه لا يستغني عنها، فلا يزال معولًا عليها في كل عمل يفكر فيه أو يقدم عليه.

وقد لوحظ في إبان المشكلات العالمية — وفي إبان الحروب الخاصة — أن الحاشية التي تحيط بالعظماء من قبل الصهيونيين تحكم حلقاتها، وتشدد رقابتها، وتتطوع للقيام بالمهام التي تؤثر في مجرى الأمور، وقد تخلقها أحيانًا لتقوم بها وتستجمع أزمَّة الأمور بين أيديها.

لوحظ ذلك في الحرب العالمية الثانية، ولوحظ قبل ذلك في الحرب العالمية الأولى، فأحاط الصهيونيون بويلسون ولويد جورج كما أحاطوا بروزفلت وتشرشل، وعملوا جهرة وخفية كل عمل ينفع الصهيونية ويعجل بتنفيذ مآربها.

ما من رئيس ذي خطر إلا يحيط به صهيونيون وصهيونيات، ولكل من الفريقين عمله وميدانه الذي يعمل فيه.

وهؤلاء الصهيونيون ذوو حرص ودهاء، يخفون أنفسهم ما استطاعوا عن الأنظار والأسماع، ولكنهم تغلبهم سكرة القوة أحيانًا فيفخرون بها ويكشفون سرها، أو لعلهم يفعلون ذلك متعمدين غير مغلوبين على أمرهم، كلما احتاجوا إلى الإرهاب وفت الأعضاد وإيقاع اليأس في نفوس الخصوم.

من ذلك أن وايزمان هدد بريطانيا العظمى قبل الحرب العالمية بإقامة القيامة عليها في جنيف.

وتساءل المتسائلون: ما هي القوة التي يعتمد عليها وايزمان في هذا التهديد؟ ومن أين له السلطان الذي يمكنه من اللعب بجنيف وعصبة الأمم فيها، ويتيح له أن يقيم القيامة هناك على من يشاء؟

ومن ذلك أن مستر «باروخ» صديق روزفلت الحميم تحدث عن نفسه في إنجلترا يومًا فقال: «إنه أخطر رجل في أمريكا …» وتحدث إلى فكتور لاسكي مرة فقال: «إنه هنا في إنجلترا يحمل العصا للأولاد الكبار لكيلا يفسدوا عليه مشروعات السلام.»

وأذاع مراسلو الصحف المتحدة هذا الحديث، فبدا للمستر باروخ بعد هذا أن يكف من نشره فكان له ما أراد.

وتساءل المتسائلون هنا أيضًا: «من هو باروخ هذا؟ وما هي العصا التي يخوف بها الأولاد الكبار؟ ومن الذي خوله هذه السلطة التي يعامل بها أقطاب الدول كأنهم أولاد كبار؟»

وقد كان جاكوب شيف Jacob Schiff الصهيوني يتولى الرئاسة في جماعة صهيونية تسمى بجماعة الأمم الحرة، ويشاركه فيها خمسة من أصحاب المصارف اليهود، وكان على اتصال دائم بكل رئيس ذي خطر في الولايات المتحدة، وأولهم الرئيس ويلسون صاحب الوصايا المشهورة …

فما هو إلا أن علم أن الرئيس ويلسون يتردد في إقرار مسائل التعويضات حتى أدركه برسالة برقية غيرت موقفه على الأثر من مسألة السار ومسألة سليزيا العليا ومسألة دانزيج وفيومي، لأنها كلها من المسائل التي ترتبط بأموال التعويضات والمصانع العظمى، وكلها بطبيعة الحال من المسائل التي ترتبط بمآرب الصهيونيين.

ونشرت التيمس أسماء المدعوين إلى القصر الأبيض لتكريم مستر أتلي Attlee في سنة ١٩٤٥، فكان منهم القاضي فرانكفورتر عضو المحكمة العليا، والشيوخ فوليت Follette وكوناللي Conally ووارين أوستن Waren Austin وسول بلوم Sol Bloom وشارل إيتون Charles Eaton ووليام جرين William Green رئيس اتحاد العمال وإريك جونسون Eric Johnson رئيس الغرفة التجارية ومستر جون لويس (Lewis) رئيس عمال المناجم، ومستر إيراموشر Ira Mosher عضو اتحاد الصناعات ومستر برنارد باروخ Baruch ومستر هربرت سووب Swobe الصحفي والناشر، ومستر اويجين ماير Egene Meyer من أصحاب واشنطن بوست، ومستر جوزيف دافيز Joseph Davies السفير السابق عند الكرملين.

وما من عنصر أمريكي مثل في تلك الوليمة الفخمة كما مثل فيها الصهيونيون.

ولقد نشرت هذه المعلومات جميعًا بين الصفحة المئتين والصفحة المئتين والعاشرة من كتاب مأساة العداوة السامية The Tragedy Anti Semitism وجاء بها مؤلفو الكتاب على سبيل التحدي للكاتب الصهيوني الذي تولى الدفاع عن أبناء قومه، فلم يكن له من جواب سائغ على خبر من هذه الأخبار، ولم يستطع أن ينقض الوقائع وإن غالط في التفسير والتأويل.

وليس علينا أن نبحث طويلًا للعثور على الأدلة القديمة أو الحديثة التي تثبت هذه الخطة الصهيونية أو هذا الأسلوب الصهيوني في استغلال العلاقات الشخصية، فإن كتب اليهود التي يتعبدون بها طافحة بأخبار الرجال والنساء الذين يجدون النعمة «أو اللائي يجدن النعمة في أعين الملوك والرؤساء»، ولا شك أن المستور أكثر وأغرب من المنشور والمشهور.

•••

هذا أسلوب من الأساليب الصهيونية القديمة والحديثة، التي عهدت منهم قبل ثلاثة آلاف سنة، وتعهد اليوم على نمط يوافق الزمن ومطالبه. فلا يتورع الصهيونيون عن استغلال العلاقات الشخصية والانتفاع بنفوذ الرؤساء وأصحاب السطوة والجاه كلما احتاجوا إلى استغلالها، ولا يختلف بين أمس واليوم إلا نوع الخدمة ونوع الوظيفة ونوع المهمة السياسية، وإنما الأسلوب الحديث هو الأسلوب القديم سواء عمل فيه الصحفي ورئيس الشركة وعضو المجلس النيابي، أو عمل فيه الكاهن والصراف ومندوب الجالية المختار!

وفي كل حالة من هذه الحالات يضطر الصهيوني إلى الغش والإفساد لأنه لا يقدر على الصراحة والاستقامة. إذ لا سبيل إلى الصراحة والاستقامة، إلا إذا قام العمل على الإقناع والمساواة، وما من أحد يمكن أن يقتنع بتسخير الله لعباده أجمعين في خدمة الصهيونيين، وما من مساواة بين الناس عند إله يسمونه «رب إسرائيل» ويعادي الأمم جميعًا حبًّا لأمة واحدة هي أمة صهيون!

وهكذا فرضت طبيعة الصهيونية على قومها أن يعملوا للهدم والخداع سواء عملوا في استغلال الحركات الاجتماعية، أو عملوا في استغلال العلاقات بذوي الجاه والرئاسة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠