الأرملة مارينا

١

الأرملة (مارينا) من (عين كفاع) بيتها عليَّة مؤلفة من أربع غرف وبهو، مسقوف بالقرميد، وإلى جانبه الشمالي والقبلي بئر وقبو، تواجه بوابته كنيسة مار روحانا، المشيدة على أنقاض برج قديم، وفي ظلها تتفيأ المقبرة النائم فيها من رقدوا بالرب على رجاء القيامة.

أما عين كفاع فقرية متواضعة، قائمة على رابية بين الجبال، تطل على البحر من الجهة الشمالية، حيث يمتد نهر شتوي طويل متعرِّج، تتناوح حوله شماريخ الجبال فتكاد تتصافح، وتتفكك سلسلة ذلك المنظر الرائع عند جسر المدفون. وفي الجبال المنتصبة حول عين كفاع مغاور عديدة مفتحة الأشداق كحناجر المظلومين، أشهرها مغارة سيدة القطين التي كانت ديرًا للحبساء الأبرار في ذلك الزمان، ولا تزال آثاره قائمة في قلب ذلك الصخر تلقي على الذين يبصرون دروسًا وعبرًا.

وأمام القرية — شرقًا — ينبسط سهل صغير مقعر يسمونه (الوطا) كله أشجار زيتون يتخللها تين وسفرجل وإجاص، وأدواح سنديان وعفص وبطم تتعرش عليها الكرمة، فتغني الملاكين عن القلال. ويلتف الوطا — قبلة — حول القرية فيتصل غربًا بواد يمتد حتى يتصل بالنهر الشتوي الذي كأنما سموه المدفون لاختفائه بين الجبال حتى تكاد لا تراه.

فعين كفاع كما رأيت جزيرة برية لا يدخلها قادم إلا من الجهة الشرقية فكأنها حصن طبيعي، وبيت جرجس يوسف عبود زوج مارينا ثاني بيت تراه إذا دخلت القرية من بابها الشرقي الشمالي، اشتراه جرجس ورممه فصار من بيوت القرية المعدودة، موقعه جميل، على كتف الوطا. وكان جرجس ميسورًا فأنفق عليه أموالًا كثيرة فجدد شباب التوت — رحم الله عهده — وأعد قسمًا لزراعة الدخان المثلثة الرحمات.

وما استراح جرجس من أعماله حتى تتالت عليه المصائب والبلايا، فلم ينعم طويلًا بهذا البيت فكأنما أعده ليموت فيه. توفاه الله فجأة صباح عيد الميلاد منذ سنين، بعد وفاة ابنه يوسف الشاب بثلاثة أشهر، فترك زوجًا أرملة لها بنون وبنات قاصرون وقاصرات.

وكثيرًا ما علل الناس — في القرية وجوارها — مصائب جرجس ونكباته، فعدوها من عجائب العذراء — عليها السلام — فبيت جرجس وما يتبعها من عقار كان وقفًا لها فاشتراه من بكركي بمئات الليرات الصفراء الرنانة.

السيدة (ضيقة) يقول أهل القرية، فكم أماتت من أبقار وغنم ومعزى وحمير رعت العشب من أرضها، وسركيس الكريدي مات محروقًا؛ لأنه كان يزعج وكيل وقفها — الخوري يوسف مسرح — ويطالبه باسترداد عقار أبيه وجده الذي اغتصبه الوكيل المذكور وضمه لأملاك السيدة.

أجل لقد نكبت سيدة البياض قرية عين كفاع الهادئة بمصائب جمة، منذ وطئت أرضها أقدام هذا الخوري، لقد أقلقها في حياته، وأزعجها في مماته، فنكبة مارينا الأرملة التي ترى، من مآثر هذا الكاهن التي لا تحصى، فسجلات محاكم كسروان والبترون وبعبدا على عهد المتصرفية حافلة بالدعاوى التي أقامها المحترم، على أهالي القرية، ولم ينجُ منها إلا نفر.

عفاه رستم باشا بمرسوم خاص من الرسوم، فأخذ يقيم الدعاوى بلا روية، فتساق الناس إلى دوائر الحكومة. وليس أبغض إلى القروي الهادئ المطمئن من رؤية جندي يبلغه دعوة إلى محكمة. أما الخوري يوسف مسرح فماذا يهمه؟ فرسه عنده عليقها من كيس الوقف ومرعاها زروع القرية، ومن يردها عن زرعه يزور غزير، وينام في (بيت خالته). وهكذا قضى الخوري حياته بين كسروان والبترون وبعبدا وبتدين وبكركي وبيروت وحريصا؛ لأن دعاويه كانت تتناول حتى رئيسه الروحي بطرك الموارنة، فلا تراه إلا على فرسه رائحًا جائيًا على سيف البحر. وأخيرًا ركب البحر ابن سبعين ليبلغ شكواه الحبر الأعظم بابا روميه.

٢

ما انسلخ جلد الليل وانشق الفجر حتى كان الحمار وعليه خرج من الجنفيص بباب مارينا، وكان أولادها اليتامى يروحون ويجيئون واحدًا إثر واحد، هذا يحمل الرداء، وتلك الحذاء، وذاك كيسًا وتلك صرة، والمكاري يحشو بها الخرج مراعيًا التوازن بين عينتيه، وكلما وضع قطعة هز رأسه أسفًا.

وبعد هنيهة أطلت مارينا من البوابة بوجهها الكالح المجعد وقامتها الطويلة النحيلة، عليها فسطان أسود بسيط طويل فضفاض مشدود على خصرها النحيل، فوقفت على عتبة الباب كأنها تتذكر إذا كانت ناسية شيئًا من عدة السفر، فما وقع بصرها على المقبرة حتى صرخت بملء فيها: على من تركتني يا جرجس. قم وانظر مارينا على طرقات البحر، من يعول اليتامى يا جرجس، من يفض المشاكل يا جرجس، يا ويلي أنا امرأة أرملة مسكينة كلمتي غير مسموعة. من يخلصني يا ناس، من يخلصني. يا يوسف، قم وانظر أمك كيف صارت، الله يبلي الذين بلوني، يا ضيعان التعب! عشرين سنة في أميركا قضيناها حتى نرتاح في آخرتنا، أين الراحة، اشترينا الهم والتعب. راح المال والرجال، راح المال والرجال يا حسرتاه، يا ذلي!

فجاء أهل القرية جرد العصا على هذا الصراخ الشاذ — وفي القرى يستيقظون باكرًا — والتموا على صراخ مارينا الذي لم يسمعوا مثله إلا يوم أصيب ابنها يوسف الشاب بنوبة أخذته، ويوم مات زوجها جرجس فجأة بعد ولده يوسف بثلاثة شهور.

فرأوا مارينا مصروعة فتجمعوا عليها يسعفونها. ودواء من يُغمى عليه في القرى رقعة تحرق، فأفاقت مارينا وهي تردد: يا عذرًا، يا عذرًا، يا عذرًا، الله ينتقم منك يا …

فأخذ الناس يهدئون ثورتها ويصبرونها على بلواها، وهي تفور كالقدر الهائج قاذفة اللعنات بالمئات والألوف من قلب مقروح، ولما شفت نفسها همدت فقال لها المكاري: قومي يا مارينا، تعالي يا ست، الله يرضى عليك. النهار شبر، لا نصل إلى جبيل قبل غدا الرهبان. عجلي قومي راحت الغدوة. أيش ينفع الصراخ هنا، صرخي عند سيدنا البطرك. الله معك، يا الله قومي.

فما فاه المكاري بكلمة سيدنا حتى ازرقَّ وجه مارينا وفاض على لسانها ما امتلأ به قلبها، وأعادت الكرة فامتلأ الجو سبابًا وشتائم.

وكان بين الناس شيخ جليل يتعكز على عصاه، في قلبه إيمان كثير، ووجهه طافح بالطاعة المارونية، فغاظه ما سمع، فقال لمارينا: اسكتي يا بنت، لا تسبي الرؤساء.

فأقبلت عليه مارينا وانطرحت أمامه على الأرض صارخة: حقي يا عمي، حقي، حقي ضاع يا عمي جناديوس.

فتغرغرت عينا ذلك الشيخ، وبعد أخذ ورد، أقنعوها فركبت الحمار دامعة، فالتفت الشيخ بالحاضرين وقال: ما هذه الأيام التي وصلنا إليها؟!

وتوقع الجمهور أن يقول جناديوس أكثر من هذا فلم يزد، وسار في طريق بيته.

فما تقدمت مارينا بضع خطوات حتى قاقت الدجاجة، فصاحت: هش … ولوت عنقها صوب بيتها توصي أولادها بالانتباه للدجاجات والبسة والخروف، ثم أدارت وجهها صوب الشمال توصي ابنتها رشيدة لتنام مع أخوتها، إذا لم ترجع مارينا من سفرتها في تلك الليلة، وسارت تبكي.

وبعد خطوات أخرى أوقفت الحمار ولم تلتفت؛ لأنه صعب المراس ثم صاحت: يا رنسية، بيعوا الدخان إذا جاء الحواط، ولا تخلوه ينقيه.

وما بلغت الوطا حتى صاحت: أوخ، نسيت الأوراق بالبيت، حنا بحياتك ارجع عني أو انتظرني، فعاد حنا يتذمر من رفقة النسوان، وجلب الصكوك وكل أوراق المرحوم جرجس، ولحق بمارينا في منتصف الوطا.

وكانت مارينا قد انضمت إلى بعض مكارين ذاهبين إلى جبيل بندر تلك الناحية، فأخذت تقص عليهم أخباره وتحدثهم عن مصائبها وبلاياها، مفتخرة على أيوب، وهي لا تدري من تلوم، وأخيرًا أطلقت قنبلتها فأصابت شظاياها الجميع — من مارون إلى خليفته الجالس على كرسي أنطاكية.

وفيما هي مشغولة بالحديث أرخت من رسن الحمار، فسكَّ بها فصاح المكارون بصوت واحد: مارشليطا، مارشليطا!

فما هوت مارينا إلى الأرض، واستوى الحمار وتابع سيره، ومضت مارينا في حديثها كأن لم يحدث شيء مما كان، والتفتت بالمكارين فإذا هم يضحكون وأيديهم على أفواههم، فكظمت غيظها، ولم تقل كلمة بل تنهدت طويلًا.

٣

ركبت السيارة من جبيل بعد ما بدَّلت، ورافقها أخوها زخيا في هذه الرحلة، فما تحركت السيارة حتى رسمت مارينا على وجهها إشارة الصليب وتوكلت على الرب يسوع.

وبعد مسير مائتي متر أطل تمثال سيدة مرتين فصلبت مارينا يدها على وجهها وصلت الأبانا والسلام، ثم قالت: سفرة موفقة يا ستي السيدة، لكِ مني كعب زيتون في وطاعين كفاع نذر حلال زلال.

والتفتت إلى زخيا وقالت: ما قولتك يا زخيا، هل تتحنن قلوبهم هذه المرة أم يصيبنا مثل كل مرة؟

وانقطعت عن حديثها فجأة؛ لأنها واجهت هيكلًا آخر هو كنيسة مار زخيا، فمار زخيا شفيع الغرقى، ومارينا غارقة في بحر هائج، فبسملت وصلَّت كالعادة، الأبانا والسلام، ثم قالت لأخيها: قرفت الصلاة يا زخيا، ما رأيك بسفرتنا هذه المرة: فهز زخيا رأسه وقال لها: أنا نبي؟! التدبير عند الله يا أختي.

وأخذا في الحديث ورفيقهما الراهب يسترق حديثهما ولا يفوه بكلمة بل كان يهز رأسه حينًا بعد حين، ويسرح بصره في البحر المعرورف، تارة يفتل شاربيه وطورًا يمشط لحيته بأصابعه، ولشد ما كان دهش الراهب عندما استوقفت مارينا السائق بعجلة غريبة، فوقف بغتة. فصاح الراهب: أيش بك يا بنتي!

فقالت مارينا: مار ضومط يا محترم، أنا ناذرة أن أصلي راكعة أمام صورته، ربي ألهمني أن مار ضومط يساعدني، ولمار ضومط فضل على زوجي شفاه من (العصبي).

وانبطحت مارينا أمام صورة مار ضومط على السكة تصلي بعين دامعة وقلب جريح، ثم ناجت مار ضومط بصوت مسموع: بحياتك يا مار ضومط، كملها معنا، ولك مني ما تريد، وانحنت فقبلت عتبة صومعته الصغيرة، وألقت فلسها في صندوق النذور وعادت إلى السيارة، فقال السائق: خلصنا يا ست؟ فأجابته: إن كان الله قبل، سق.

فتحول الراهب من السيارة بعد أن قال لمارينا: رزقك الله حسب نيتك يا بنتي، ثم فتح صندوقة النذر وأخذ ما بها وحاسب السائق ووضع ما بقي في جيبه، وقال: وفقكم الله.

وسار صعدًا إلى مار ضومط القريب من الصومعة، فهو رئيس ذاك الدير الذي يجترح قديسه العجائب، فهو اختصاصي بمرض العصبي، اختصاص مار شليطا بالبهائم، وقزحيا بالمجانين، واستأنف السائق السير. أما زخيا فظل يتبع الراهب بنظره حتى دخل الدير، فهز رأسه وتنهد. وبعد بضع دقائق أطل تمثال سيدة حريصا العظيم فقال زخيا لأخته: سيدة حريصا يا أختي!

فقالت مارينا: يه! وبسملت بعجلة وصلت صلاة غير خفيفة.

٤

وصلت مارينا وأخوها زخيا قصرًا عاليًا يشرف على البحر تكتنفه أشجار الصنوبر، وأجراس قبته المثلثة تقرع كلها، فسأل زخيا عن السبب فأجيب: عيد جلوس سيد القصر المغبوط فلم ترق لمارينا هذه الصدفة، وعند تحولهما من السيارة في ساحة القصر التقيا بكاهن كهل قصير القامة بدين، نظارتاه سوداوان، فتقدمت منه مارينا وحيته قائلة: المجد لله يا معلمي.

فأجابها: دائمًا لله يا بنتي. وفيما هي تقبل يده قال لها: كيف حالك، وكيف حال أولادك؟ فأجابت بانكسار: بخير، بصلاتك ودعاك يا محترم.

أما زخيا فسلم على الخوري هازًّا يده، وكان بينهم ثلاثتهم حديث ثم تفرقوا.

وتقدمت مارينا من البوابة تريد الدخول فمنعها البواب قائلًا: لا إذن لكم اليوم، اليوم عندنا مندوبو الحكومات ورؤساؤها وأعيان البلاد ووجوهها. قالوا لك أمس ما قالوه، فماذا تريدين منهم اليوم؟ فأجابت مارينا: أريد إما مالي، وإما عقاري. أطلب حقي.

– لا إذن اليوم.

– مالي هنا، حقي عندكم.

– قلت لك: لا إذن، روحي إلى المحكمة.

فأدهش زخيا ما رأى، فوقف مسبوعًا، ثم اقتحم الباب حتى كاد يشاجر البواب، فخافت مارينا لما رأت الشر في عيني أخيها، فتعلقت بردائه وأخذته وابتعدت مرددة: مليح، مليح.

أما البواب فهز رأسه وأقفل البوابة.

وظل زخيا يتمشى ذهابًا وإيابًا، أما مارينا فوقفت إلى جدار الكنيسة تسمع القداس من وراء الحائط كأنها يهودية إزاء جدار الهيكل في أورشليم.

وبينما كان الشمامسة يرتلون في الداخل: مستعد قلبي يا رب …

كانت مارينا تتمتم في الخارج: اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا ولكن نجنا من الشرير.

٥

كان القداس (احتفاليًّا صارخًا)، شمامسة يسبحون وكهنة يترنمون وأحبار يرتلون. ألفاظ خليط من السريانية والعربية، واهتزازات أصوات لا يقام لها وزن، فلا يسمع من الخارج إلا دندنة، ولا يفهم من كل ما يقولون إلا الخاتمة — هللويا كيرياليسون.

وأجالت مارينا يدها فأخرجت من عبها سبحتها الطويلة (الوردية) والتصقت بجدار الهيكل جهدها لتدنو من المذبح ويفي قداسها.

ومضت ساعة على انتصابها فأعياها التعب، فقرفصت ووجهها للحائط. ومرت ساعة ثانية ولما تنته (الرتبة والقداس) فرنق النوم في عينيها، فبدت لما بها من يأس، كالنمرة الهامدة. أما أخوها زخيا فجلس على صفة تجاه البوابة، يرقب النوافذ عله يرى من يعلمه إذا كانت مقابلة غبطته ممكنة. وبعد انتظار طويل لمح كاهنًا يعرف وجهه، فجرأه عليه ما ذكره من حديثه مرة عن قضية أخته، فهذا الكاهن قال مرة: إن مارينا تطلب حقًّا صراحًا لا صدقة، فتقابل بعنف وتطرد، وقضيتها قضية وقف وأيتام وأرملة، كلها منوطة بذلك المقام لا سواه.

فسأله زخيا عن (المواجهة)، فهز الكاهن كتفيه، ثم فكر قليلًا وأجاب: لا أظن. ثم تحول عنه، فانتقل زخيا مغيظًا ودنا من أخته مارينا فسمعها تغمغم كمن في حلم، فتردد في إيقاظها إلا أن الضجر والسأم حركا يده فهز أخته فصرخت: بحياتك يا سيدنا.

استيقظت مارينا مضنوكة كمن أفاق من غيبوبة، وأخذت تفرك عينيها متنهدة، فما صدقت أنها ترى أمامها أخاها زخيا، وما هدأ روعها حتى قصت عليه حلمها الرهيب، وإليكه ملخصًا: رأت البطريرك الحويك، ودار بينها وبينه حديث (قضيتها)، فخبرته أن المحكمة أزالت يدها عن العقار وهي لا تدري إلى من تلتجي. وبعد حديث غير قصير توارى البطريرك إلياس عن نظرها في الضباب. ورأت مارينا أنها في الكنيسة بين المصلين وراء غبطة البطريرك، وبعد هنيهة رأت شخصًا عملاقًا ضخم الجثة، عبوسًا، عريض الجبهة مجعدها، أنفه مروس معقوف كمنقار الطير، مرتخي الشاربين، معتدل اللحية، قليل الشعر تحت العثنون، يلبس رداء مقورًا عند العنق، لا ياقة له، قصير الأكمام يبدو منه الذراعان، وهو مزنر بقد، وفوق الرداء جبة فضفاضة، والدم يتفجر من وسطه كأنه نبع غزير يتدفق.

خرج هذا الشيخ الجبار من (السكرستيا) كأنه حاف، وتنهد وتأفف فأطفأت زفرته الشمع ثم انقلبت الشماعدين، وارتجفت الأيقونات، وتحرك الصليب، فذعر الجميع أيما ذعر. انشلَّت حركة الطقسيات وابتعد الناس عن الخورس، وتألبوا على بعضهم في صحن الكنيسة كقطيع غنم جافل، وهرب الذين استطاعوا، يدفع بعضهم بعضًا، وعلا الصراخ وارتجف الشيوخ كأنما أصابتهم البرداء.

أما الشيخ الراعب، فسدد يده إلى المتقدمين في الأخوة، وقال لهم كلمات قليلة جدًّا تذكرت مارينا أنها سمعتها يوم الأحد في كنيسة الضيعة، عندما تلا إبراهيم ملحم الريش قربان، فخالت أن الكنيسة تقضقض لتنهدم فخافت جدًّا، فإذا بالبطريرك إلياس يلوح لها من بعيد ويصرخ بها: لا تخافي.

فصاحت مارينا بكل قواها: بحياتك يا سيدنا.

وانقطع خيط حلمها كما تقدم عندما أيقظها أخوها زخيا.

فشبك زخيا يده بيد أخته وقال لها: لا نتيجة لنا هنا يا أختي، لم يبق قدامنا إلا رومية إذا أردتِ، الحقائق لا تصح فكيف الأحلام؟!

فصاحت مارينا: رومية! إذا كان مع أبناء العرب مثلي لم أسلك، فكيف مع الطليان. يا الله، يا الله.

ثم سارت مع أخيها تولول قاذفة الدعوات الخيرية، ولما صارت بين يدي بيوت غادير وحارة صخر أسكتها أخوها زخيا.

٦

رجعت إلى جبيل مع أخيها فرأت كاهنًا تعهده يعبر الرؤى، فتذكرت حلمها المزعج وقصته عليه، فسمعه المحترم بكل إصغاء، ولما انتهت ألقى عليها أسئلة كثيرة يسألها غالبًا معبرو الأحلام. وبعد تفكير هنيهة خالتها مارينا دهرًا غرز الخوري يوسف الزناتي أصابعه في لحيته طويلًا، فلاحت ثناياه من بين شفتيه المقلصتين، ثم انتزعها وتنهد كمن أثقل صدره وضيَّق نفسه همٌّ ثقيل وقال: أما الشيخ الكبير يا بنتي فهو النبي أشعيا يهددنا بالويل كما تهدد ملوك وأحبار بني إسرائيل. وأما الكلام الذي سمعته فأظنه هذا: (ويل للذين يشترعون شرائع الظلم، والذين يكتبون كتابة الجور ليحرفوا حكم المساكين ويسلبوا حق بائسي شعبي، لتكون الأرامل مغنمًا لهم وينهبوا اليتامى).

فصاحت مارينا وقد تذكرت تلك الكلمات.

– نعم نعم، أنت نبي يا محترم، والنتيجة؟

فرد الكاهن هازئًا آسفًا: النتيجة، النتيجة، النتيجة يا بنتي عيب علينا. صلي للعذراء مريم واشركي نيتك مع نية الكنيسة. قدامنا احتلال روماني، والطوفان قريب، الله ينجينا.

وانصرف الكاهن. وخابت مارينا في حلمها خيبتها في يقظتها، ثم تغلغلت بسوق جبيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤