مار عبدا والمطران

كان شهر آب عام ١٩٠٠ يلفظ آخر نفس لما دعاني فلبيت، وتماشينا، هو شيخ يحمل على منكبيه أثقال قرن، وأنا غلام ظهره خفيف. وما جاز بيت أخيه الخوري موسى — جدي لأمي — حتى رأيته يكتم دمعة ويسترها ويقول: هم السابقون ونحن اللاحقون، رافقني عام أول لزيارة مار عبدا ليلة عيده، فأين هو اليوم؟

وكأنه ذكر قول رسول الأمم: «إن الذين يموتون بالرب لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كالناس الذين لا رجاء لهم.» فصلب ومشى يصلي. ولما توسطنا القرية نتر يده من يدي، وما دريت لماذا حتى مال نظره إلى ردم فيه بهيمة ترعى، فغضب ونادى صاحبها، فأقبل هذا يصفق على فخذيه، وساقها بعد اعتذار طويل، فاغتفر له جدي زلة لم يتعمدها،

ثم أخذ بيدي قائلًا: أتعرف اسم قديس هذا الهيكل؟ فقلت: لا. قال: اسمه برصوما، وهذه الخربة أقدم كنائس البلاد، كانت للروم والموارنة والفاصل بينهما حائط.

قلت: مثل بيتنا وبيت عمي. فابتسم للتشبيه وقال: تمامًا.

قلت: واليوم لماذا لا تكون الكنائس هكذا؟ قال: ما كان الإخوة يتفرقون في الزمان الماضي ما زال البيت واسعًا، واليوم يتفرقون عند (البلوغ) راحت الألفة وكثر البغض.

وسألت أيضًا كعادتي، فقال: لا تكثر من السؤالات، أنا تعبان والشمس على الغياب.

ومشينا فأسرع نازلًا تسوقه الشيخوخة بعصاها، فكان يجاهد نفسه فيبدو نشيطًا رغم التسعين. ولما بلغنا (الوطا) انسابت حية فصرخت: حية حية! فوقف مضطربًا يهز عصاه، ولما رآها هاربة تبسم ابتسامة غير مشرقة وقال لي: خفت يا صبي. نسيت قول إنجيل اليوم: «ها هو ذا أنا أعطيكم سلطانًا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، فلا يضر بكم شيء».

وطوينا السهل فواجهنا رجل في يده ورقة سوداء الحواشي، فوقف جدي وقال: الله يعطينا خيره. فدنا منه الرجل وقبل يده، ودفع إليه الرسالة، فقرأها وقال: الله يرحمها، كانت امرأة فاضلة، ماتت ليلة عيد شفيعها ودفنها يوم عيده. وأعاد الورقة إلى الرسول فأخذها بعد تقبيل يد الخوري ثانية وراح في طريقه. وأخذنا في العقبة فانقطع الحديث. وبلغنا دير مار عبدا فما رأينا هناك غير خمسة أنفار: جزارين أمامهما الضحايا، ومكارين يحملون الشراب والنقل للعيد.

ودخلنا الكنيسة المهجورة فصلى وصليت وراءه راكعين على الحصى والتراب أكثر من نصف ساعة. قد يكون الوقت أقل وأنا توهمت كذلك؛ لأن زيارة الكنائس والصلوات كانت أتخمتني. وخرجنا فجلسنا في الدهليز على صفة، فتنحنح وقال: ستسمع مني الآن قصتين: قصة الدير وقديسه، وقصة مطران تخفَّى فيه. فتحركت يمينًا وشمالًا وأحكمت قعدتي فقال: ما ترك الزمان من هذا الدير الكبير إلا هذا القبو والدهليز والقبو الذي يلاصقه. كان ذلك القبو مقام مار سمعان العامودي عليه السلام، وهذا المكان كان ديرًا للراهبات، وبقايا المعاصر والآبار تدل على أنه كان مسكونًا، لا مزارًا على تلة. كنا نعمل فيه رياضتنا الروحية قبلما فتح لنا الرهبان أبواب الديورة. أما قديس هذا الدير — مار عبدا — ففارسي الأصل من تلامذة يهوذا.

فخفقت برأسي، فاستدرك قائلًا: يهوذا الرسول لا يوضاس اللعين. سام الحبر يهوذا مار عبدا أسقفًا على مدينة خشكار في بابل. فضحكت لها فقال: ما لك؟! أعجبتك كلمة خشكار؟ قلت: وضحكتني.

فتابع حديثه: وكان مار عبدا كثير الصلاة يشتهي إكليل الشهادة جدًّا. فقلت: مطران يشتهي إكليل الشهادة يا جدي! أما كان عنده تاج مثل مطاريننا اليوم! فتغاضى عن كلمتي هذه وقال: فسار إلى مدينة (نوا) في تخوم الهند. فهززت رأسي ونفخت فتعبس وزأرني سائلًا: ما بك؟ قلت: كيف يذهب مطران ماشيًا، ما رأيت مطرانًا يمشي، فالمطران ل. جاءنا على حصان أحمر والمط … فزجرني قائلًا: هسَّ يا صبي، سماع. أما عجائب مار عبدا فكثيرة جدًّا، مر بمدينة ما كان سكانها كفارًا فطردوا القديس بالضرب والإهانة.

فقلت: وكيف يضربون المطران وأنا رأيت المطران بعيني يضرب بالعصا، فتمتم: يا ويلاه يا حالاه! ولما رأى كثرة الاعتراضات أسرع يعدد عجائب القديس، فقال: شفى جملًا كان (يسكنه) شيطان، فقلت: ولماذا يسكن الشيطان جملًا، أما علمتني أن أقول وقت التجربة: يخزيك يا عدو البشر، إذن الشيطان عدو الجمال أيضًا.

فتململ وقال: وقتل تنينًا، وشفى مرضى كثيرين. قلت: واليوم ألا يشفي. قال: بلى. يشفي من البردية (حمى النفض) من يستشفعون به وينذرون له. وحاول أن يواصل كلامه فقاطعته: وإذا كانوا فقراء ولم ينذروا له شيئًا ألا يشفيهم؟ قال: بلى، إذا صلوا بحرارة. قلت: وهل النذر يغني عن الصلاة، فأجاب: لا.

وكأنه ضاق بي فحتم عليَّ ألا أقاطعه وقال: فآمن أربعة آلاف فعمدهم وسام لهم كهنة وشمامسة. فقلت: وبرادطة وخوارنة أسقفيين أما رسم؟ فأمرني بالصمت وقال: لا تقاطعني ومضى يقول: وخرج من القرية فطلع عليه ثعبان في الطريق، فرسمه بالصليب فمات، فقلت: أنت خلصت منه بلا رسم صليب، فأزهى وما أبدى، وقال: وعاد القديس إلى مدينة (نوا) فرآهم مالوا إلى الكفر وهدموا الكنائس وطردوا المسيحيين، وتنهد، فتمثلت: طوبى لكم إذا عيروكم واضطهدوكم، فقال: عافاك — وجرها جدًّا — ولكن اسكت لا تقاطعني: ولما علم أسقف البلد بعود مار عبدا جاءه يخبره بقتل الكهنة وهد الكنائس فعزاه القديس. ودخلوا المدينة فهاجمهم أهلها فصلى مار عبدا فحدثت زلزلة زعزعت المدينة، وتراءت ظلمة ونار في السماء فخضعوا جميعًا قائلين: ارحمنا يا قديس الله، فأسكت الرجفات بصلاته، وشفى رجلًا مخلعًا.

قلت مبتسمًا: مثل سيدنا يسوع المسيح، فقال بنفرة: نعم، ما قلت لك: لا تقاطعني. فأمررت يدي على فمي، وتابع حديثه: ورجع الأسقف إلى خشكار. فعاودني الضحك، فاغتفرها لي ولكنه صبر عليَّ لحظات وقال: فوجدهم رجعوا إلى عبادة الأوثان فوعظهم فاضطهدوه وسجنوه. وفي السجن عمل عجائب كثيرة، وجاءه ملاك الرب في السجن وقعد يشدده ويعزيه.

قلت: الملاك الذي بشر مريم؟ قال: عند ربنا ملائكة كثير، وفي الغد جلدوه حتى انتثر لحمه، وبانت عظامه فدهنوه عسلًا ووضعوه في الشمس لتلذعه الزنابير، وأخيرًا قطع الملك رأسه وقتل معه كهنة وشمامسة وبتولات. صلاته تحفظنا. فقلت كالمعتاد: آمين.

وتحرك للنهوض قائلًا: يا مار عبدا. فحزنت وتمنيت لو يتمهل قليلًا لأشهد العيد، وخرجنا. فردد الناس فيما بينهم لما رأوه: خوري حنا عين كفاع، ودنوا منهم فباركهم واحدًا واحدًا، وكان يقبض على يد من لا يعرفه ويسأله، ابن مَن أنت ولو كان ابن ستين؟ وانصرف وهو يقول لهم: توقوا السكر يا أولادي.

فوقفته لأطيل بقاءه ريثما أملأ عيني من مشاهدة العيد فقلت له: وقصة المطران. فأجاب امش. تسمعها في الطريق. ومشى وهو يبربر: كانت الأعياد للصلاة والعبادة، فصارت لشرب العرق والنبيذ، وأكل اللحم يوم الجمعة، وما بلغنا الوطا حتى دخلنا في العتمة. وأضرم الشباب النار في الهشيم — زينة الأعياد في القرى — فمشينا، على ضوء نارهم حتى البيت.

وحدثني في الطريق عن فرار المطران يوسف اسطفان من وجه المير بشير بعد عامية لحفد، واختفائه مدة في هذا الدير؛ لأنه اتهم بكتابة صك الاتحاد بين الدروز والنصارى على أن لا يدفعوا للأمير إلا المال المعين.

وأقام المطران في الدير منتظرًا صفح المير بشير، ولما بلغه أن التوسط له لم يجد، عزم على الرحيل إلى أضاليا مسقط رأس المردة، فلحق به الشيخ يعقوب سمعان البيطار، فأدركه عند النهر البارد، وأبلغه صفو خاطر الأمير، وأرجعه. ومثل بين يدي أبي سعدى فسقاه القهوة القاضية.

ولما أنهى جدي قصة المطران — كما لخصتها — أخذني من كتفي وهزني بعنف قائلًا: كيف يا مارون، أما رأيت مطرانًا يمشي!

قلت: ولكن يا جدي هذا مطران، فقاطعني بنبرة قائلًا: ما هذا مطران، هذا يا جدي، شهيد مثل مار عبدا.

قلت: ولماذا خاصم المطران المير حتى أصابه هكذا، فالمطارين اليوم بألف خير.

فقال بعد ما حملق بي: هذه إرادة الله وستنا مريم العضرا، ومتى اتفقنا نحن والحكام يا ويل الشعب في لبنان. فمرقصنا — مرقص الكفاعي — الله يرحمه نهى مير جبيل كثيرًا عن ظلم الشعب فما سمع له. ولما حبسه باشا صيدا في البير. قلت: في البير! قال: نعم في البير. طلب الأب مرقص فذهب إلى صيدا فقال له: صل لأجلي يا محترم، بلغ صراخ الشعب مسامع الرب الصباووت، كما قلت لي مرات. ومتى رجعت خذ من زيتون الحكومة في وطا عين كفاع، ما يعجبك؛ ملكًا لديرك — دير معاد — وهكذا صار. وغدًا في ذهابنا إلى (النعوة) أدلك على الصلبان التي رسمها الأب مرقص في بدن الزيتون الذي تملكه.

قلت: وماذا أصاب المير؟ فأجاب خلصته صلاة القس مرقص، ووقف فجأة وقال: مارون أتعرف تعمل (مرثاية)؟ المرأة التي جاءنا خبرها من أقاربنا، هذه امرأة فاضلة، وحدق إليَّ كمن يترقب الجواب. ولما ابطأت عليه قال لي: أحب أن أسمعك قبل أن أموت.

فقلت: العمر الطويل يا جدي، فأجابني بفرح كالبكاء: ولك يا عيوني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠