روداج

كنا أعضاء عاملين في مأدبة آل خير الله بمحطة بحمدون، أعدوا تلك المأدبة على شرف عريسين حبيبين، الدكتور إسكندر حتي وأخيه كمال. في تلك الهنيهة نظر إليَّ عمهما الطبيب الأعظم الدكتور يوسف حتي نظرة خبير، وقال لي: رح صوبنا حتى نعمل لك روداج، فرحت أسأل وما الروداج؟! وأخيرًا فهمت فقلت لنفسي: إن سيارتي موديل سنة ١٨٨٦، أما كان الأحرى بالدكتور أن يقول: تصليح.

كان ذلك في حزيران سنة ١٩٥٥، وكان مساء وكان صباح فنسيت حالي وذهبت إلى عين كفاع غير ذاكر ما قاله لي الطبيب الذي أنقذ حياتي أول مرة، عام ١٩٢٦، تداركني حين أصبت ببنت الحمرا وقطع الطريق على عزرائيل الذي كان قابعًا في وصيد بابي ينتظر الفرصة الملائمة، فانتهره الدكتور يوسف حتى لف ذنبه وراح مهرولًا يفتش عن غيري.

وما تذكرت روداج الدكتور حتي إلا عندما قمت من صرعتي المشئومة صباح يوم ٢٣ تموز، وكان يوم سبت، كأن الله الذي استراح من جميع أعماله أراد أيضًا أن يستريح مني، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن فأسرعت إلى بيروت، بل أسرع بي أولادي إلى الدكتور حتي فاستقبلني تلميذي الطاهر الدكتور حتي الثاني، وأحلت إلى الاستيداع في مستشفى سان شارل. وبعد هنيهة دخل عليَّ الدكتور حتي وقال: ما جئت إلا بعد أن عملت أكسيدان؟! ثم راح يفتش عن الموتور. وما كان أشد تعجبي حين قال: إنه ما زال صالحًا. الموتور بضاعة قديمة، وكذلك المراوح والمصافي إذن لا يزال في اليد حيلة. وأخذ الأطباء معاونو الدكتور يروحون ويجيئون، يفحصون ويدققون ومشت أسراب الراهبات والممرضات فتخيلتهن كما قال شوقي في وصف سقف كنيسة آجيا صوفيا في عهدها البيزنطي:

فمن ملاك في الدجى رائح
إلى ملاك في الدجى مغتد

هذه تحمل علاجًا يبلع، وتلك في يدها إبرة تزج، وهاتيك تجيء بميزان الحرارة، وغيرها تحصي أنفاسي ونبضي. قيامة قائمة.

وإذا سألتني رأيي فيهن أجبتك بالمثل العربي القديم: لا رأي لحاقن كنت مشغولًا في جسدي لا أرى الوجوه إلا صفراء. وإخال الابتسامات جهشة المتباكي.

دعاني الدكتور حتي بالأمس إلى الروداج، فإذا بسيارتي أمست اليوم بحاجة إلى نفض. قالوا: إن هارون الرشيد احتبس ليلة ما، فتمنى لو يعطي نصف ملكه بتلك الليلة ويستريح من تلك الملعونة، أما أنا فماذا أقول؟ بل ماذا أعطي؟ بل هل أنتظر شيئًا مما ينتظر الرشيد من جوار، سبعة عشر يومًا قضيتها بلا نوم، لم تغمض لي عين ولا هدأ لأولادي قلب، سيارتي في الكاراج والله أعلم متى تخرج، وكيف تخرج؟

كان امرؤ القيس ينتظر نجوم الليل ويراقبها. أما أنا فكنت أراقب من باب غرفتي الخلفي مصابيح السان جورج ولافتة بالم بيتش، وهيهات أن تخبو تلك الأنوار، وكثيرًا ما حدثتني نفسي عند اشتداد الأزمة أن أتدهور من البلكون وأستريح من تلك الآلام التي لا تُطاق.

كانت ابتسامة الدكتور إسكندر والدكتور كنعان تشجعني على الطمع بالنجاة، وبقيت كذلك حتى جاء خبر العملية. كانوا فيما مضى يقولون: آخر الدواء الكي، أما في هذا العصر فآخره شق البطن، ومن ينتظر العملية كمن يلقي بنفسه في أشداق حوت يونان، ثم ينتظر أن يبصقه، وهل من حوت أوسع شدقًا وأحد أنيابًا من الموت؟!

وأخيرًا جاء الجراح النطاسي الدكتور بولس يقول: إننا نسن السياخ. فهززت برأسي وقلت له:

إذا لم يكن غير الأسنة مركبًا
فليس على المضطر إلا ركوبها

يا مرحبًا بالعملية وبك يا دكتور. وبعدما تحدثنا مليًّا خرج من عندي ليقول لابني الكبير: أبوك معنوياته قوية جدًّا وهذا ما يساعدنا على نجاح العملية.

ثم دخل المبنج الدكتور أبو حيدر بعد حين. وفي موعده جاء الدكتور حتي فسألته، فقال: قررنا أن نفتح لك البوتنير! فقلت: وأي وسام نعد لها؟ فقال: وسام العمر الطويل.

ولما كان صباح الإثنين لم أرض أن أحمل على المحفة كالمعتاد، بل مشيت إلى غرفة الحياة، حتى بلا عصا، مشيت بخطوات ثابتة مشية جندي إلى ساحة القتال. وتذكرت (الإرادة) في تلك الدقيقة الفاصلة بين الحياة والموت فتشددت، وقلت: لن أموت، سوف أستريح من أوجاعي وآلامي وأحيا.

وقبل أن أستلقي على الوضم قلت للمبنج الدكتور أبو حيدر، وأنا أقلب عيني في زوايا الغرفة: وأين هو؟ فخالني أهذي، فأفهمته أنني أسأل عن الموت أين يتخبأ، وقلت للموت وقد تمثلته أمامي: إياك والغدر، لا تكن كالسارق كما قال المسيح؛ فإن كنت بطلًا فهذه الساحة لي ولك، فهلمَّ.

وأخيرًا غبت لأعود بعد ساعات أحمل في بطني نبريشًا ظللت منه في جهد جهيد مدة خمسة أشهر، كانت تعزيني على آلامها المزعجة أنها مكنتني من نكتة لا بأس بها. كانوا يتحدثون أمامي عن الاختصاص في هذه الأيام، فقلت لهم: أنا تخصصت مؤخرًا في المستشفى، ولكن اختصاصي تحتاني، فصار عندي لكل عمل آلة.

وهناك نكات أخرى كانت ترفه عني وتنسيني قلق الليل، منها هاتان النكتتان: فواحدة جاءت من صوبنا، دخل عليَّ واحد، ولما كان لا بد من الحكي في مثل هذه الأحوال قال: الحمد لله على السلامة.

فقلت لا تتسرع يا عمي الخطر قدامنا.

فأجاب: الله يبعده. ما على قلبك شر، ولكن الذي حيرني وحير أهل الجيرة كلها هو أنه كيف وصل إليك مرض البروستنت وبلادنا نظيفة منه.

وكان الدكتور أشقر حاضرًا فمات من الضحك. فقلت له: إنها رمية من غير رام.

وواحدة ثانية أتت من امرأة نصف. دخلت فرأت النبريش في الزجاجة المعهودة. وأنا ممدد على كرسي، فقالت مستغربة: يه! خبرونا أن مرضك ثقيل، وهذا أنت تشرب أركيلة. على كل هي أحسن من العطوس، وخصوصًا إذا كانت مثل هذي. لا جمر، ولا دخان.

ورأت ماء أركيلتي أصفر فتحلحلت لتكب الماء وتنظف الزجاجة وهي تثرثر: معرفة الراهبات قليلة بمعاملة الأركيلة، ولا يشد بالبقرة غير صاحبها.

فقلت لها: نسيت أني ذكر! قولي المثل كما هو ولا تستحي: لا يشد بالفدان إلا صاحبه.

ودخلت الممرضة وأخذت الزجاجة التي كادت تمتلئ، ففهمت أم حنا أنها أركيلة مستشفى، هكذا سمتها: وهكذا كنا نسميها، عند حاجتنا إليها في البيت.

قالت العرب: على الرائد أن يصدق أهله، وأنا قد استسفرني القدر إلى الأبدية، ولكنني كنت سفيرًا غير مرغوب فيه فأرجعت عن الحدود. وقفت على أبوابها ولما أدخلها. وعدت على أعقابي أشكر من يشكر على المكروه، وأبي وجدي اللذين أورثاني هذا الموتور، أي القلب الذي لم يحتج إلى خرط ولا ولا.

وما استرحت من آلام الاحتقان الطبيعي الحادة، حتى بقيت ستة أشهر كاملة أعاني ألم الاحتقان الفكري، مرت أحداث خطيرة لم أعلق عليها، ولكن الغد لنا فسوف نعلق إن شاء الله. إذا قلت لك: إنني منذ بلوغي رشدي لم أنقطع عن الكتابة يومًا واحدًا فصدقني، أما إذا كنت مثل توما لا تصدق ما لم تضع أصبعك فتعالَ لأريك دفترًا من دفاتري يرجع تاريخه إلى أكثر من نصف قرن، فترى آثاري الأولى وتضحك من مارون عبود الماضي؛ إذ لا ترى فيه إلا شيئًا لا يكاد يدرك من ملامح مارون عبود الحاضر. فأنا يا أخي عملت نفسي على ذوقي، فإن كان أعجبك شيء فيَّ فالفضل فيه لي؛ لأني ماشيت الزمن فلم أتخلف عن ركبه ساعة، وإني أعاهد الشباب على هذا وأرجو أن يعملوا دائمًا وأبدًا وهم واصلون إلى ما يبغون.

عفوًا، قد قطعنا حديث العمليات فهناك عملية أخرى تنتظر أن أتحدث عنها. ها قد رجعنا إلى بيت خالتنا، أليس المستشفى كالسجن؟ كنت هذه المرة أشد خوفًا مني في المرة الأولى. ولكني بقيت أشجع نفسي وأقول لها: العملية ناجحة بدون ريب، وظللت أكرر ذلك حتى تمكن هذا الاعتقاد في نفسي. وبعدُ فأنا لم أخدعها ما زال يسعف الجراح قلب كالمهدة، ورئتان كجناحي العقاب، وكليتان كنبع أفقا، يحنو على هذه كلها صدر كالكير عامر بالاستهزاء بالموت والاستخفاف به.

كان قبالتي في غرفتي مصلوب — لا تظن أنه ظهر لي كما ظهر للبابا — ولكني ذكرته لأروي لك ما حدثته به.

قلت له: هبني يا سيد، شيئًا من شجاعتك لأستقبل الموت، فالعملية ليست لعبة في كل حال. أنت طلبت من أبيك أن يجيز عنك الكأس، ولكنك شربتها ولم تجزع ولم ترع. شربتها ليكسب الناس الحياة الأبدية فغلبت الموت بالموت، وأنا سأشربها لأغلب الموت بالحياة وأكتب بعد. وعزائي على عيشتي أرمل دهرٍ هو أن أبنائي لم يكونوا كتلاميذك الذين لم يسهروا معك ليلة واحدة. إنهم لم يناموا قط.

وأخيرًا كما مشيت أول مرة إلى غرفة العملية بخطوات ثابتة، مشيت إليها ثاني مرة، وقد سمعني تلميذي الأستاذ رشاد بيبي أقول لأولادي: أنا راجع بعد قليل.

وقلت للجراح النِّطَاسي الدكتور حسيب بولس: لا تربط لساني كما تفعل بغيري. لا تخف أن أبلعه فهو الحيلة والفتيلة.

فاتني أن أذكر لك حادثة طريفة: قبل العملية الأولى جاءني كاهن وهو صديق ونسيب، يريد أن يمهد لي الدرب إلى الأبدية، فقلت له: ثق يا ابن عمي أنني لا أحتاج إلى من يدلني على درب بيت أبي، وأنني في غنى عن وسيط يفتح لي الباب. وأنا والرسل جميعًا أصحاب فلا بد من أن يفتح لي واحد منهم. ناهيك أن معي جواز سفر من الأب الأقدس، باص ديبلوماسي يساعدني على الدخول، تكفي معه كلمة واحدة لأطهر من آثامي وأدخل الجنة بثيابي، كما يقولون. وقبل وبعد (بعد بكير) يا محترم، فأنا لا أموت في هذه النقلة، وإذا عشت وعشنا وعزناك لا نخبيك.

ومضت المعركة الثانية بسلام، وكان جنودها أطباء وعلماء نطاسيون، وجراح شاب واثق من علمه ومن نفسه، وراهبات ساهرات، وممرضات كأنهن راهبات. فإذا قلت لك: إنني شعرت أثناء إقامتي في المستشفى أن كل من فيه من كبير وصغير، كان يسهر عليَّ ويهمه أن تنجح عمليتي، فصدقني.

أما أريحية الأستاذ سعيد فريحة فإنها كانت فوق وصف الدكتور يوسف حتي لها. جاءني قبل العملية الأخيرة الخطيرة يقول: تقدر أن تأخذ من صندوق الصياد ما تشاء. اطلب ولا تستح. كبر حجرك واضرب.

وأخيرًا إني أشكر من عادوني وآسوني في بلواي، وأنا هنا في مقام الشكر. أما العتب فله مكان آخر وسيكون حسابه عسيرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠