الفصل الثالث

حكم الإرهاب

لا سلطان للفضيلة بلا ترويع.

ماكسيميليان روبسبير،
السنة الثانية من عمر الثورة الفرنسية

وضع العمل الرائد ليوجين في والتر حول الإرهاب — وهو عبارة عن دراسة تاريخية-أنثروبولوجية حول دولة الزولو في القرن التاسع عشر تحت حكم الملك شاكا — فرقًا جوهريًّا بين «النظام الإرهابي» و«الحصار الإرهابي». وعلى الرغم من تركيز والتر على ممارسة القوة في «المجتمعات البدائية»، كانت نيته جزئيًّا فيما يبدو نقد الافتراض الليبرالي القائل إن العنف الصريح لا يمكن أن يوفر بأي حال من الأحوال أساس نظام سياسي مستقر. كانت تلك مسألة من الضروري تسجيلها فيما يتعلق بدور العنف في السياسة. ولكن من المثير للاهتمام أن مجموعة من الليبراليين هم من أقاموا أول نظام إرهابي في العصر الحديث. بل وقد كان أول تعريف لكلمة «الإرهاب» في القاموس — «نظام أو حكم الترويع» — قدمته الأكاديمية الفرنسية في عام ١٧٩٨ في ضوء تجربة فرنسية حديثة قطعًا. وكي يتسنى لنا التعرف على الحالات المختلفة لاستخدام الترويع السياسي يجب أن نبدأ انطلاقًا من هذه النقطة.

الترويع والتطهير

كانت الجمهورية الفرنسية في «عامها الثاني» (١٧٩٣-١٧٩٤) — بعد أن ولدت عن طريق الإطاحة بالملك لويس السادس عشر وإعدامه في خريف عام ١٧٩٢ — تحت تهديد الغزو الخارجي والتمرد الداخلي. في يوليو ١٧٩٢، أعلنت الجمعية الوطنية أن «أرض الوطن في خطر»، وفي أغسطس ١٧٩٣، أصدرت الجمعية مرسومًا «بالتعبئة العامة»، وهو مرسوم كان من شأنه تعبئة الأمة الفرنسية بأسرها للدفاع عن البلاد. وفي النهاية، في شهر أكتوبر، أعلنت الجمعية الوطنية أن الترويع «هو النظام الحالي المعتاد»؛ وذلك للحفاظ على الثورة من أعدائها، والملوك والأرستقراطيين (على الرغم من أن معظم ضحايا هذا المرسوم، الذين بلغ عددهم ما يقرب من ١٠ آلاف شخص، كانوا من المواطنين العاديين، الذين كانت التهمة الرئيسية الموجهة إليهم ربما لا تتجاوز دعم رجال الكنيسة المحليين في رفض قبول إعادة تنظيم الكنيسة الكاثوليكية من قبل الدولة). كانت لجان السلامة العامة والأمن العام — ربما أكثر من الميثاق الذي انبثقتا عنه — تمثِّل الطليعة التقدمية للثورة الفرنسية. قادت هذه اللجان الطريق إلى الديمقراطية النيابية والمساواة أمام القوانين، كما كان تبنيها للترويع سببًا في ترسيخ كلمة «إرهابي» في الخطاب السياسي، وتحويل الثورة في أعين الكثير من المراقبين الخارجيين من قوة محررة إلى قوة تدميرية. في الوقت نفسه، طريقة التفكير العقلانية لهذه اللجان دفعتها لإدخال تعديلات على تبرير استخدام العنف السياسي؛ إذ كان عليها إيجاد تبريرات لأساليب القتل العنيفة — خاصة الإعدام دون محاكمات عادلة — وهو أحد أكثر صور العنف إشكالية؛ نظرًا لأنه أكثر صور العنف تهديدًا للمجتمع المنظم. ففي حالات الذعر والإثارة العامة، لم يكن من الممكن منع عمليات القتل هذه، لكن لم يكن من الممكن كذلك تركها تبدو عشوائية أو بلا دافع.

تقدم دوافع هاتين اللجنتين مفتاحًا مهمًّا لفهم الطبيعة المميزة للإرهاب في العصر الحديث. فعلى أحد المستويات، ربما يبدو أن الثوريين قد تصرفوا كمقاتلين متدينين أو من مؤيدي المُلك الألفي، يشنون حربًا مقدسة على الكفار. وقد كانت اللغة الثورية شبيهة بهذا، لكن هناك فرق جوهري. تشرَّب حكم الإرهاب الافتراض القائم منذ عصر التنوير أن النظام الاجتماعي يمكن أن يتغير بفعل العنصر الإنساني. وعلى مدار فترة طويلة من الزمان، كان أولئك ممن لديهم استعداد للدفاع عن الإرهابيين يقومون بذلك على أساس أن هذا يعد عملًا عقلانيًّا لأنه حتمي في الظروف الحالية. وبالطبع كانت الصفوة من أعضاء نادي اليعاقبة ترى أن الثورة معرضة للتهديد بين عامي ١٧٩٢-١٧٩٣، يواجهها أعداء من الخارج والداخل. لكن ضعُفت حجة هذا الطرح؛ نظرًا لأن الإرهاب قد بلغ ذروته عبر القانون رقم ٢٢ المرعب، الذي صدر في الشهر التاسع من السنة الثانية (١٧٩٤) من عمر الثورة الفرنسية، وهو قانون يحرم الشخص المتهم من الاستعانة بمحامٍ أو الاتصال بشهود، ويمنح المحكمة الثورية سلطة إعدام المشتبه بهم بناءً على القناعة الأخلاقية وحدها، في وقت كانت هذه التهديدات تنحصر. (وهو النمط الذي سيعاود الظهور في نوبات إرهاب الدولة مستقبلًا، كما سنرى لاحقًا.)

لعل الأكثر دلالة في كل ذلك هو الطريقة التي عرَّف بها — أو ابتكر — الثوريون المتطرفون أعداءهم في علاقتهم برؤيتهم الخاصة للثورة. غذَّى الرجال الذين هيمنوا على لجنة السلامة العامة — روبسبير وسان-جست، على غرار محرر جريدة «صديق الشعب» جان-بول مارات — الناس بفضيلة جمهورية أسمى بكثير من أن توجد في الواقع الفعلي. فقد وضعوا الأمور في إطار إما أمور مطلقة أو متعارضة: فقد استحضرت خطابات روبسبير «جميع فضائل ومعجزات الجمهورية» في مقابل «رذائل وتفاهات الملكية». ووُسم أنصار الثورة المضادة بالمسوخ والوحوش المفترسة والنسور الجارحة والطفيليات أو — إذا جاز إسباغ الصفة الإنسانية عليهم من الأساس — بأنهم قطَّاع الطرق، ويشيع وجودهم عادة بين البشر الأقل منزلة عن وجودهم بين الطبقة الأرستقراطية. ربما يكون هناك مؤيد للملكية أو قس «غير محلَّف» (وهو قس رفض قبول الدستور المدني لرجال الدين) مختبئ تحت كل سرير. جنبًا إلى جنب مع هذه الصفات السلبية أو العميقة كان هناك السمة الإيجابية المميزة للعدالة الثورية المتمثلة في الإعدام دون محاكمة عادلة. رأى مارات منذ البداية أن قتل الأشخاص على هذا النحو ما هو إلا حق لا يسقط بالتقادم للشعب صاحب السيادة: فالعنف الطبيعي مطلوب لمكافحة القمع وحماية الحرية من الطغيان.

معًا، قدَّم كل ذلك ميثاقًا أيديولوجيًّا لأكثر الأعمال تطرفًا، دون أي وازع أخلاقي أو أي شعور بالندم. أعلن أحد واضعي الميثاق الذين أُرسلوا من باريس للسيطرة على الأقاليم المختلفة قائلًا: «إنني أطهر أرض الحرية من أولئك الوحوش وفق مبدأ الإنسانية.» وعندما سُحِق تمرد الثورة المضادة في ليون في نوفمبر ١٧٩٣، ووُضعت المدينة — التي أُعيد تسميتها باسم كميون-أفرانشي — تحت تصرف لجنة إرهابية بوضوح، كان أحد الأهداف المعلنة لهذه اللجنة «استئصال التعصب»؛ أي الدين. وقد تفاخر رئيس الشرطة فوشى فيما بعد قائلًا: «لم تعد ليون موجودة!»

fig6
شكل ٣-١: بداية حكم الإرهاب في فرنسا الثورية: أول حكم إعدام بالمقصلة في قصر كاروسل بباريس في ١٣ أغسطس ١٧٩٢.1

تطهير واستئصال: سمح استخدام مثل هذه اللغة بوقوع مذابح؛ مثل الهجوم الشرس على التمرد في فونديه من قبل «الألوية الجهنمية» للجيش الجمهوري، وهي المذبحة التي سماها أحد المؤرخين المحدثين إبادة جماعية، أو عمليات «الإغراق الجماعي» المروعة في نهر لوار. لكن ماذا كان الهدف الذي يسعى هذا الإرهاب إلى تحقيقه؟ وماذا حقق؟ يختلف الاستئصال عن الترويع أو الإقناع. هل كان الهدف هو التخلص ممن قُتلوا، أم أن تكون مثل هذه الأفعال بمنزلة إشارات تحذير مروعة «من أجل إجبار الآخرين على الانصياع»؟ هل كان الإرهابيون يقعون تحت وطأة الوقت بشدة، بحيث لم يتوفر لديهم وقت كافٍ لإقناع أنصار الثورة المضادة بالانضمام إلى الثورة؟ أم أنهم كانوا يعتقدون أن هؤلاء تجاوزوا عتبة الإقناع من خلال المنطق؟ في محاولة سبر أغوار حول هذا الموضوع، يمكن أن نبدأ بوضع قائمة شاملة بوظائف الإرهاب.

ثمة ثلاثة دوافع يمكن تحديدها تقف وراء الإرهاب: الانتقام والترويع والتطهير. تؤدي «الإرادة العقابية» التي حددها مؤرخو الثورة دورًا عند كل مستوى بدءًا من المستوى الخاص عبر المستوى المحلي إلى المستوى القومي: وكلما كان المستوى أكثر عمومية، زاد تحول الوظيفة إلى نموذج، وذلك مع تحول العنف إلى عنف رمزي لا عنف شخصي. كانت وظيفة العنف كعامل أخلاقي — كما أوضحها مارات، على سبيل المثال — بمنزلة ترجمة الثورة الأكثر تميزًا للمنطق السياسي قبل الحديث إلى المنطق السياسي الحديث.

الإرهاب الأبيض، والإرهاب الأسود، والإرهاب الأحمر

هل شكَّل كل ذلك «نظام أو حكم الترويع»، وفق تعريف الأكاديمية الفرنسية؟ وإلى أي درجة كان فعالًا؟ من الصعوبة بمكان تحديد إلى أي مدى «رُوِّع» الأشخاص العاديون، أو ما إذا كان مستوى الانصياع العام الفعلي — بعيدًا ربما عن المعارضات البلاغية ذات الطابع الثوري المحموم — تغير فعليًّا عن طريق الإرهاب. (بالتأكيد، ظل الولاء مسألة غير منتظمة.) ومن الصعوبة بمكان أيضًا التأكد مما إذا كان «الإرهابيون» مجرد مجموعة صغيرة كانت تفرض إرادتها على الجميع، أو — وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا — أنهم كانوا أدوات للتعبير عن عدم الأمان والغضب العام. لكن حتى لو كان كل ذلك من قبيل الإرهاب الذاتي الجماعي، مثل «الخوف الكبير»، الذي انتشر في الريف الفرنسي مع بداية الثورة، لكان هناك منطق سياسي متميز ومحفوف بالمخاطر: فكرة أن العنف قد يغيِّر من المواقف السياسية.

لقد أدى استخدام الثورة الفرنسية الوحشي والممنهج للعنف إلى خلق نموذج لتطبيق قوة الإرهاب من قبل الممسكين بزمام سلطة الدولة على مدار القرنين التاليين. يحدد كتاب جامعي حديث حول الإرهاب ثلاثة مستويات وظيفية لإرهاب الدولة: الترويع (لردع الانشقاق والمعارضة)؛ التحويل القسري (لتغيير أسلوب الحياة [هكذا وردت بالنص])؛ الإبادة الجماعية، التي تتمثل في الاستئصال المتعمد لطبقة كاملة أو مجموعة عرقية أو دينية بالكامل. على الرغم من أن أبرز مؤيدي الإرهاب «من أعلى» كانت الحكومات الاستبدادية القمعية والديكتاتوريات، أو أنظمة ثورية متطرفة مثل البلاشفة خلال الحرب الأهلية الروسية، فقد عمدت الدول الدستورية في وقت الأزمات أيضًا إلى إطلاق أعمال قمعية شرسة، كما في فرنسا خلال سحق كميون باريس في عام ١٨٧١ وأيام شهر يونيو من عام ١٨٤٨. سمحت الولايات المتحدة الأمريكية (ولا نقول أكثر من ذلك) بالإرهاب الممنهج والمستمر لمجتمع السود في الجنوب الأمريكي من قبل جماعة كو كلوكس كلان، فضلًا عن الاستخدام الأقل وضوحًا للعنف الإرهابي من قبل الشركات ضد التنظيمات العمالية.

يشكِّل هذا «الإرهاب الأبيض» — كما يطلق عليه عادة — الذي يجري تبنيه دفاعًا عن النظم الاجتماعية أو السياسية القائمة، اتجاهًا خفيًّا منتظمًا في التاريخ الحديث. (يفضل البعض استخدام تعبير «أسود» للإشارة إلى هذا النوع من الإرهاب، على الرغم من أن بياض اللون يعكس بصورة جيدة الألوان السياسية الرمزية مثل الألوان التي استخدمتها عائلات بوربون ورومانوف، والرداء الفعلي للجماعات الإرهابية المؤمنة بتفوق العنصر الأبيض مثل جماعة كو كلوكس كلان.) صارت فعالية العمل المباشر نوعًا من رسالة ضمنية للسرد الليبرالي الحديث المهيمن لتطور المؤسسات النيابية الإجماعية. كان من أكثر التفسيرات صدى حول هذا الموضوع ذلك الذي قدمه جورج سوريل، الذي تعبِّر كتاباته (وإن كان على نحو غير منهجي) عن عداء قوي لانحطاط الحضارة البرجوازية في مطلع القرن العشرين. صار سوريل ولا يزال عاطفيًّا في طرحه؛ نظرًا لتبنيه الصريح للعنف كنقيض للأمن البرجوازي. في كتابه المؤثر «أفكار حول العنف»، قال سوريل إن الطبقة الوسطى تتميز بالجبن وكانت دومًا تنأى بنفسها عن العنف، الذي يمتلك القدرة على إنعاش الأمم العظيمة «التي في الوقت الحالي أذهلتها النزعة الإنسانية.» بينما ربما يشير دعمه للنقابية الثورية واستخدام سلاح الإضراب العام إلى ثوريته، يُنظَر إلى سوريل بصورة منطقية أكثر باعتباره «مصلحًا أخلاقيًّا محافظًا»، كان هدفه النهائي هو حث الطبقة الوسطى على استعادة شيء من حراكها السابق. وهكذا، لم تقدم أعمال سوريل مساعدة فكرية للمعارضين اليساريين لليبرالية البرلمانية بل إلى الفاشيين أيضًا.

لقد دُفِع بصورة مقنعة بأن الفاشية الإيطالية لم تكن إرهابًا — على المستوى المذهبي أو الفعلي — على الرغم من التزامها الصريح بالعنف في الاستيلاء على سلطة الدولة والحفاظ عليها. وقد طوَّر مُنظِّرها الرائد سيرجو بانونتزيو نظرية حول العنف تميِّز بعناية (بالتناقض مع ماركس، وإنجلز، ولينين) بين العنف المشروع والعنف غير المشروع. يمثل العنف المشروع استخدام القوة لتحقيق أغراض ثورية في ظروف يمكن توصيفها باعتبارها حربًا أهلية. كان العنف يُستخدم مباشرة ضد أعداء الفاشية، وبقدر ما كان مخيفًا أكثر منه قسريًّا بصورة مباشرة، يستطيع ضحاياه تحاشيه من خلال تغيير موقفهم السياسي. على الجانب الآخر، عرَّف بانونتزيو الإرهاب باعتباره عنفًا غير مباشر، يستهدف الأبرياء — غير المحاربين والنساء والأطفال وكبار السن وغير المسلحين والمستضعفين — بنيَّة إرهاب الآخرين. أكد بانونتزيو على أن هذا النوع من العنف الذي لا يميز بين الأطراف المختلفة يعتبر عنفًا غير مشروع؛ نظرًا لأن ضحاياه لا يستطيعون تكييف سلوكهم لتجنبه؛ وهو ما يبدو تحريمًا مثيرًا للدهشة بالنسبة لشخص فاشي، لكن يبدو أن النظام الفاشي قد تبنى هذه الرؤية بصفة عامة بعد وصوله إلى السلطة. بل إن «المحكمة الخاصة للدفاع عن الدولة»، تلك المحكمة سيئة السمعة، كانت رغم انتهاكها الواضح للقواعد الإجرائية للعدالة السائدة في الديمقراطيات الليبرالية مختلفة نوعيًّا عن الإرهاب المؤسسي؛ فقد كان النظام قمعيًّا ولكن ليس إرهابيًّا.

يدور النقاش هنا حول ما قَبِلته حنة أرندت باعتباره «العدد الصغير بصورة مدهشة من الأحكام المخففة نسبيًّا التي صدرت» عن المحكمة، التي خلال ١٧ عامًا من وجودها (من ١٩٢٦ إلى ١٩٤٣) لم تقض إلا بعدد ٤٧ حكمًا بالإعدام لم يجر تنفيذ بعضها. لكن تعتبر الإحصاءات مضللة هنا. ما هو الرقم الإجمالي الذي يمكن اعتباره الحد الأدنى الرقمي بحيث يصبح عمل ما إرهابًا؟ مثلما هو الحال مع الأشكال الأخرى من الإرهاب، قد تكون الأرقام في حد ذاتها أقل أهمية من المناخ العام. لا يزال الكثيرون يرون أن الفرق المسلحة الفاشية خلقت «حكم إرهاب» كافيًا لقلب النظام البرلماني في أوائل العشرينيات من القرن العشرين. يظل مدى الإرهاب — وعلاقته بالعنف القابل للقياس — مجهولًا. ومن الواضح أن الرغبة والأداء الجانحين إلى القتل في ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي في عصر ستالين، أكبر بصورة فائقة — ربما يصعب قياسها — من نظيرتيها في إيطاليا. لكن هل كان حجم الدمار هو ما جعل من ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي في عصر ستالين أنظمة إرهابية؟ ربما يرجع الأمر إلى أن تمجيد الفاشية الإيطالية للعنف، وعقيدتها الحربية داخليًّا وخارجيًّا، ومحاولتها التي لم تتضمن أي شعور بالندم لتصدير الصراع إلى كافة مجالات الحياة؛ قوَّض بصورة كافية التوقعات الاجتماعية المستقرة؛ وهو ما جعل من الممكن وسمها بالإرهاب من خلال الأثر، إن لم يكن من خلال المقصد.

بينما تُصنَّف الهتلرية والستالينية عادة باعتبارهما أنظمة إرهابية، لا يزال ثمة سؤال — مثلما هو الحال في النموذج الأصلي الفرنسي — حول إلى أي مدى يمثِّل سلوكهما تلاعبًا إرهابيًّا أكثر من كونهما تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. لا شك أنهما أدتا إلى عمليات قتل جماعي؛ ليس فقط بين الخصوم المعلنين، بل لجماعات وُصفت بصورة فردية — وغالبًا غير مفهومة — بأنها عدو للدولة (أو «عدو الرايخ»، وفق الاصطلاح النازي) أو أنها تمثل تهديدًا لها. ربما يكون هناك تمييزًا منطقيًّا بين الإبادة والترويع، لكن في الواقع ساهم هذا البرنامج في شل المعارضة ودعم حرية الدولة في إطلاق يدها كيفما تشاء. انطبق الأمر نفسه على نظام الاتحاد السوفييتي الذي لا يقل دموية في عصر ستالين. فقد افتقرت بالطبع أوامر الاستدعاء التي تلقاها مئات الآلاف من الأشخاص للمثول أمام محاكم سوفييتية خاصة — سواء باعتبارهم أعداء ينتمون إلى طبقة محددة (مثل الفلاحين الأثرياء)، أو جواسيس مشتبهًا بهم أو «أعضاء عائلة أحد الخونة» — إلى أي ضمانات «إجراء محاكمة عادلة» — وعادة أي تهمة محددة — وساهمت في سحق أي انشقاق سياسي صريح. وقد خلق مدى اتساع حجم الاتهامات المحتملة مناخًا من الخوف، بل وبلغت عملية عدم التمييز مداها في عام ١٩٣٨ مع بروز فكرة استهداف «الصامتين»، أولئك الذين تجنبوا التعبير عن أي انحياز سياسي من أي نوع. لكن كان الهدف من هذا النظام، على الأقل مثلما أشار المدعي العام فيشنسكي نفسه، هو الإبادة لا الترويع: «عندما يتعلق الأمر بالقضاء على العدو، يمكننا أن نقوم بذلك أيضًا في غياب أي محاكمة.»

تمثِّل ذروة الوحشية التي تتجلى في الإبادة الجماعية — وهي الجريمة المميزة للقرن العشرين — المرحلة القصوى للأنظمة الإرهابية. لا مراء في أن القتل الجماعي يعتبر ظاهرة مريعة؛ لكن قد تكون هناك مشكلات في تصنيف الإبادة الجماعية — وهي تختلف عن عملية القتل الجماعي — باعتبارها عملًا إرهابيًّا. تشير حداثتها المفرطة إلى منطقها، الذي هو منطق عرقي أكثر من كونه منطقًا أيديولوجيًّا. فقد نُظِر إلى الاعتقالات التركية للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى باعتبارها إبادة جماعية من قبل أولئك الذين لا يقبلون تفسير الدولة التركية، الذي يقول إنها مسألة أمن قومي استدعى تنفيذها الخطر الذي تجلى من خلال عدم ولاء الأرمن المعلن للدولة التركية. لكن يبدو من الواضح بالرغم من ذلك أنه أيما كان التفسير، لم يكن الهدف من اعتقال الأرمن هو ترويعهم (أو بالمثل أي أقلية قومية أخرى داخل الدولة العثمانية)، بل كان الهدف هو التخلص من التهديد الاستراتيجي الذي كان الأرمن يمثلونه. اعتُقل الأرمن بقسوة وعشوائية، وكانت الحكومة قطعًا مسئولة عن عشرات أو مئات الآلاف من القتلى، حتى لو لم تصدر أوامر مباشرة تسفر عن العنف الذي نُفذ على المستوى المحلي.

بالطريقة نفسها، ليس من المنطقي تفسير الإجراءات النازية ضد اليهود باعتبارها أعمالًا إرهابية، على الرغم من أن ذلك يحدث بانتظام، مثلما في التأكيد أن «هتلر أرهب اليهود فأخضعهم»؛ وكأنه كان يواجه مشكلة في المقاومة اليهودية. في حقيقة الأمر، قضت القوانين النازية — عن طريق استبعاد فكرة الاستيعاب بصورة خاصة — على إمكانية تكييف اليهود لسلوكهم (إلى درجة التخلي عن عقيدتهم) من أجل تجنب الاضطهاد. فالنازية لم تتطلب الوحدة السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية، وإنما تطلبت الوحدة البيولوجية، وهو ما يقع خارج نطاق عملية التكيف السياسي. على الرغم من أن إخضاع اليهود كان مفيدًا للسلطات الألمانية، لم يكن ذلك هدفها على أي حال. كان هدف السلطات الألمانية هو «التطهير» الذي ردد صدى عمليات التطهير في النظام الإرهابي الأول في فرنسا الثورية، وإن كان بصورة غير مباشرة؛ كان النقاء المُبتغى هو نقاء الدم لا نقاء الأخلاق والفضيلة.

في المقابل، تظل خرافة استيلاء الأنظمة الفاشية والنازية على السلطة تمثِّل أقوى دعم لما يُعد على الأرجح أقوى وهم للإرهاب في العصر الحديث. في التحليل المتبصِّر الذي أجراه ثورنتون، حدد «التشويش» باعتباره «الهدف الأسمى للإرهابي»، مشيرًا إلى أن ذلك يتحقق جزئيًّا من خلال الإظهار بنجاح أن النظام القائم لا يستطيع ضمان النظام، بل ومن خلال تدمير الإطار الاجتماعي. أشارت حنة أرندت إلى أن الغرض النهائي من عملية الترهيب يتمثل في عزل الفرد من الدعائم الاجتماعية المعتادة. فإذا استطاع الإرهاب تحقيق ذلك، فقد ينجح في خلق وضع تتحول فيه الجموع المنقسمة على نفسها إلى الإرهابيين أنفسهم باعتبارهم مخلصين. ويمكن أن يؤدي إرهاب دعم الوجود وظيفته من خلال منظومة الدولة (سواء علانية أو سرًّا) أو من خلال الأعمال الأكثر أو الأقل تلقائية للجان الأمن الأهلية الدولة، التي تغض الدولة أحيانًا الطرف عنها.

من الأهمية بمكان استيعاب كيف تفوق إرهاب الدولة على الجهود الضئيلة للمتمردين في القرن العشرين. (ربما لم تتنافس مع الأنظمة القائمة إحصائيًّا في إرهابها سوى حركتي فيت مِنه وفيت كونج.) تتجنب معظم الكتابات حول الإرهاب — التي تركز على الأعمال المناهضة للدولة — هذه النقطة؛ فعلى سبيل المثال، يشغل مصطلح «إرهاب الدولة» ١٣ صفحة فقط من ٧٦٨ صفحة في موسوعة الإرهاب العالمي (١٩٩٧)، خمس منها عن «الإرهاب الذي ترعاه الدولة»، وهو ظاهرة مختلفة إلى حد ما. (لكن على الأقل يوجد هذا الجزء في تلك الموسوعة؛ إذ إنه غير موجود من الأساس في العديد من الدراسات.) ربما لا يتواءم إرهاب الدولة مع النموذج الشائع للإرهاب السري، لكن ربما لعب دورًا أكبر في تقويض المعايير الليبرالية والثقة الشعبية.

إجمالًا، خالفت قوات الكونترا بصورة منهجية قوانين الحرب المعمول بها على مدار الصراع؛ إذ إنها هاجمت المدنيين دون تمييز؛ وعذَّبت وشوهت السجناء؛ وقتلت من هم خارج الخدمة بجروحهم؛ واحتجزت رهائن؛ وارتكبت فظائع ضد الكرامة الشخصية.

أمريكاز ووتش، «انتهاكات قوانين الحرب
من كلا الطرفين في نيكاراجوا»، ١٩٨٥

لم تكن الفظائع التي سمعت بها حوادث منفصلة، بل كانت تعكس نمطًا متسقًا من السلوك من قبل قواتنا. فقد كان هناك قادة وحدات يتفاخرون جهرًا بعمليات القتل والتشويه وما إلى ذلك … وقد أخبروني أن ذلك كان السبيل الوحيد للانتصار في الحرب، وأن الطريقة المثلى لكسب ولاء السكان المدنيين كانت من خلال ترويعهم وجعلهم يخشون جانبنا.

إدجار شامورو، شهادة مقدمة
إلى محكمة العدل الدولية، ١٩٨٥

(فيما يتعلق بقضية نيكاراجوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)

الإرهاب الطليق

أطلقت الأنظمة العسكرية أو الأنظمة التي تسيطر عليها القوات العسكرية في تشيلي والأرجنتين وبيرو والبرازيل وأوروجواي وفي أماكن أخرى؛ منظومات ترويع كاملة تهدف إلى شل النشاط اليساري تمامًا، متخذة من التهديد الاشتراكي ذريعة لها. لم تنحصر الركيزة الأساسية لتلك المنظومات — التي يبدو أن جيوشًا وقوات الشرطة بأكملها تشارك في أنشطتها بحماس بالغ — على القتل فقط، بل تجاوزت ذلك إلى إقامة بنية مرعبة وتخريبية من عمليات الاعتقال الاعتباطي والتعذيب و«اختفاء الأشخاص». على الرغم من وجوب تسميتها بأنها «منظومات» ترويع، لم يُنظر إليها على هذا النحو؛ بل نُظر إليها باعتبارها أعمال تبدو غير خاضعة للسيطرة لقوات أمنية متنوعة ومتداخلة خلفت واقعًا كابوسيًّا ربما يشبه الواقع الذي رسمه فرانز كافكا رائد الكتابة الكابوسية.

بالنسبة للشيليين — الذين طالما افتخروا بتقاليدهم الديمقراطية — كانت «المنظومة» بأسرها متقلبة بصورة تثير الرعب. ففي أعماقها المظلمة، كانت هناك وحشية لم تكن لتخطر على خيال كافكا. فقد أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية إثر موجة الاعتقالات الجماعية في عامي ١٩٧٣-١٩٧٤ إلى أن:

أساليب التعذيب المستخدمة شملت [هكذا وردت في النص] الصعق الكهربي، واللكمات، والضرب، والحرق عن طريق المواد الحمضية أو السجائر، وفترات الوقوف المطولة، وفترات التعمية الطويلة، والعزل في أماكن احتجاز انفرادية، ونزع الأظافر، وسحق الخصيتين، والاعتداءات الجنسية، والغمر في المياه، والشنق، ومحاكاة عملية الإعدام … والحضور الإجباري لمشاهدة عمليات تعذيب الآخرين.

خلال فترة وجيزة، ظهرت منظومة ترويع لا تقل خطورة (أطلق أحد المراقبين عليها «الإرهاب الشامل») في الأرجنتين. في الأرجنتين — مثلما هو الحال في جواتيمالا والسلفادور ونيكاراجوا — لم يكن الإرهاب — المعروف باسم «العملية» — يُستخدم من قبل الدولة وحدها، بل من قبل المتمردين و«فرق الموت» الهائمة التي شُكلت لدعم جهود الدولة القمعية. بينما قتل جيش الشعب الثوري المتمرد وجماعة مونتونيروس ما يقرب من ٧٠٠ شخص (وهذا وفقًا للإحصاءات الحكومية)، أكثر من نصفهم من العسكريين، قتلت فرقة موت الاتحاد الأرجنتيني لمناهضة الشيوعية (المعروفة باسم إيه إيه إيه) — التي تشكلت في ظل نظام بيرون — ما يزيد على ألفي شخص على الأرجح. حققت فرقة إيه إيه إيه تكثيفًا دراميًّا لأحد تقاليد الأعمال الإرهابية المتناثرة شبه الفاشية على يد «جماعات الصدمة»، ضد الاشتراكيين والمشاركين في الإضرابات لأكثر من نصف قرن قبل سبعينيات القرن العشرين. (كانت نقابات العمال في عهد بيرون تمتلك جماعاتها شبه العسكرية أيضًا.) بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في عام ١٩٧٦، استُوعبت جماعة إيه إيه إيه في إطار البنية التحتية لإرهاب الدولة، وهي البنية التي كان ضحاياها ينتمون إلى جميع قطاعات المجتمع الأرجنتيني تقريبًا. بحلول منتصف عام ١٩٧٦، بلغت معدلات الاختطاف خمسة أفراد يوميًّا في المتوسط، فضلًا عن «اختفاء» ما لا يقل عن ٩ آلاف شخص نهائيًّا. إجمالًا، قتل النظام العسكري ما يتراوح بين ١٠ آلاف و٣٠ ألف شخص.

تضمن هذا النظام تحولًا جذريًّا من الإرهاب التقليدي إلى جماعات الصدمة — خاصةً من خلال عمليات الاغتيال — إلى الحملات واسعة النطاق لاجتثاث «التخريب». وقد انبثق نطاق هذه العمليات من الفكرة العامة للتخريب التي كان يعتنقها ضباط الجيش؛ فقد عرَّف الجنرال فيديلا الإرهابي باعتباره «ليس فقط الشخص الذي يحمل بندقية أو قنبلة، بل هو أيضًا ذلك الشخص الذي ينشر أفكارًا مناقضة للحضارة الغربية والمسيحية.» أقام النظام العسكري ما يقرب من ٣٤٠ معسكر اعتقال سريًّا، حيث كان يُعذَّب المشتبه بهم ويُتخلص منهم في النهاية — كان يُلقى الكثير منهم في عرض البحر من الطائرات — بعد إدلائهم بمعلومات تؤدي إلى مزيد من عمليات الاختطاف. ربما لم تكن السرية متعمدة في حد ذاتها لنشر الخوف قدر ما كانت تستخدم لتحاشي الإدانة الدولية التي أقضت مضجع الثلة العسكرية الحاكمة في شيلي، لكن بعد أن تحول التعذيب إلى صورة مؤسسية لم يكن هناك مفر من الوصول إلى تلك المرحلة. كتب روبرت كوكس — وهو صحفي يتمتع ببصيرة نافذة وكان شاهدًا على الآثار المترتبة على عمليات اختفاء الأشخاص — قائلًا: «يصعب على أي عقل استيعاب النتائج المروعة.»

ما يجب الإشارة إليه في هذا المقام هو أن هذه «الحملة» العسكرية استمرت بعد انحسار التهديد الذي جاءت هي كرد فعل له. كان كوكس يرى أن التفسير الرئيسي للعملية بأسرها يكمن في عدم الكفاءة: «كانت القوات الأمنية على درجة من عدم الكفاءة في التعامل مع الإرهاب؛ ما جعلها تلجأ مدفوعةً بيأسها إلى أساليب متطرفة ووجدت نفسها تحاكي الإرهابيين في وسائلهم.» لكن بالطبع كانت آلية الانتقام حاضرة دومًا. ربما تكون حروب العصابات قد قتلت ستمائة أو سبعمائة شخص «فقط»، لكن هذا العدد تضمن ثلاثة رؤساء شرطة فيدراليين، وخمسة لواءات جيش، واثنين من الأدميرالات، وخمسة ضباط كبار من القوات الجوية. وقد صار أحد أكثر قادة الجيش إثارة للخوف — وهو قائد قُتلت أخته على يد المتمردين — معروفًا باسم «المُنتقم».

الإرهاب المتطرف

تعمل فرق الموت في أمريكا اللاتينية كعوامل مساعدة لأعمال مكافحة الإرهاب التي تنفذها الدولة؛ لكن ربما برزت مصفوفة عدائية من الإرهاب في الظروف التي تصير فيها المجموعة ذات الأهمية — والتي كانت مهيمنة من قبل — ترى نفسها مهددة بتخلي الدولة عنها. وقد ظهر هذا الشعور بالخيانة حيثما واجهت مجتمعات المستوطنين احتمال التفاوض على تسوية بين الحكومة والإرهابيين المتمردين، مثلما حدث في صورة شديدة الوضوح في الجزائر في ظل الحكم الفرنسي مع نهاية حملة الاستقلال التي شنتها جبهة التحرير الوطنية، وبصورة أخرى أقل وضوحًا في حالة أيرلندا الشمالية خلال فترة «عمليات السلام» الممتدة وغير الحاسمة.

شكَّلت الجزائر مشكلة عويصة؛ نظرًا لأن الاحتمالات العامة للاستيعاب النهائي للجالية الفرنسية المقيمة في الجزائر — «الأقدام السوداء» — في ظل دولة مستقلة تسيطر عليها جبهة التحرير الوطنية؛ لم تكن واعدة. كانت نسبة المخاطر هائلة، وكان مجتمع المستوطنين — على غرار الجيش — مقتنعًا بأن الصراع العسكري ضد جبهة التحرير الوطنية قد حُسِم بالفعل. عندما ثبت زيف الأمل في أن عودة شارل ديجول إلى ممارسة السياسة سوف يدعم أواصر هذا النصر من الناحية السياسية، شكَّلت مجموعة من كبار ضباط الجيش، بالإضافة إلى بعض قادة الفرنسيين المقيمين في الجزائر، «منظمة الجيش السري» في عام ١٩٦٠؛ بهدف إثارة روح التمرد لدى الفرنسيين الجزائريين، أو على الأقل وقف مفاوضات الحكومة مع جبهة التحرير الوطنية. لا شك في أن هؤلاء الأشخاص تملكهم الانبهار بالطريقة التي نجح بها إرهاب منظمة التحرير الوطنية، على الرغم من أنه يبدو أنهم لم يصيغوا أي نظرية استراتيجية واضحة حول كيف يمكن لهذا الإرهاب تحقيق أهدافهم المختلفة تمامًا. استطاعت هذه المجموعة إطلاق حملة فتاكة في الجزائر نفسها، التي كان سلاحها الأبرز هو المواد المتفجرة البلاستيكية الجديدة. بحلول نوفمبر ١٩٦١، استطاعت منظمة الجيش السري تفجير ما يربو على ٣٠٠ عبوة بلاستيكية متفجرة شهريًّا، وقتلت ٢٣٠ مسلمًا في أسبوع واحد في مايو ١٩٦٢. لكن ثبت أن عملية التفاوض كانت أقوى مما توقع الكثيرون (سيطرت جبهة التحرير الوطنية في حرص على الردود الانتقامية للمسلمين)، وكان أقصى ما استطاعت منظمة الجيش السري بلوغه في تحقيق هدفها بإثارة ثورة بين المستوطنين الفرنسيين، هو سلسلة من الصدامات الدموية لكن غير الفعَّالة بين المدنيين والقوات الفرنسية في حي باب الوادي في الجزائر العاصمة.

تمثلت الخطوة التالية في الانتقال بالهجوم إلى الجزء من فرنسا الواقع في أوروبا، على الرغم من أن الآثار السياسية المحتملة لذلك كانت أكثر غموضًا. كان ديجول نفسه هدفًا، ولكن في حقيقة الأمر كانت معظم عمليات هذه القوات تتألف من عمليات تفجير غير منسقة، وغالبًا بلا هدف، باستخدام عبوات بلاستيكية ناسفة، بالرغم من محاولتها الحريصة لرسم صورة عملياتها على أنها تتمتع بكفاءة شبه عسكرية؛ وهو ما جعل منظمة الجيش السري ليس فقط لا تتمتع بشعبية بل مثارًا للسخرية أيضًا. تركت العلاقات العامة السيئة انطباعًا بأن معظم عمليات هذه القوات لم تكن إلا بغرض الانتقام، «تصفية حسابات». فكان الأثر الإجمالي لإرهاب منظمة الجيش السري عكسيًّا بالضرورة؛ إذ أدت إلى تقوية موقف شارل ديجول وسمحت له بإجراء انتخابات رئاسية مباشرة (وهي نقطة فاصلة في تشكيله لملامح الجمهورية الخامسة)، كما محت إلى الأبد أي أمل في مستقبل للسكان الفرنسيين في الجزائر (فضلًا عن جعل استقبالهم في فرنسا استقبالًا باردًا). في نهاية المطاف، ربما لم يكن هذا هو الهدف. في الجيش الفرنسي، الذي كان رفضه لدعم المتمردين عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الجمهورية، أقر بعض الضباط بأسفهم على افتقارهم إلى الشجاعة. وفيما بعد استُوعب قادة المتمردين في إطار هالة من الحنين الاستعماري: فقد ظل هؤلاء المتمردون على إيمانهم ومعهم الجزائريون (٢٠٠ ألف فقط في حقيقة الأمر) ممن جندتهم فرنسا في الجيش الاستعماري، ثم تخلَّت عنهم؛ صار هؤلاء نماذج يحتذى بها على الاستقامة الأخلاقية أكثر منهم مثالًا يُقتدى به في المهنية والشرعية.

لم تقدِّم منظمة الجيش السري نموذجًا ملهمًا بصورة خاصة للنشطاء الرجعيين، لكن يبدو أن هذه النماذج تلعب دورًا تشكيليًّا أقل بالنسبة لليمين أكثر من اليسار. يمكن أن يبرز ما قد يطلق عليه إرهاب «من قبل لجان الأمن الأهلية» دون توفر أي أساس أيديولوجي متطور يقوم عليه. يتمثل أحد الأمثلة المهمة والإشكالية في حملة إرهاب الجماعة الموالية للعرش البريطاني التي بدأت في أيرلندا الشمالية حوالي عام ١٩٦٦، كاستجابة للاحتفال القومي بالعيد الخمسين بتمرد عام ١٩١٦ وتحسن العلاقات الشمالية-الجنوبية، وهو التحسن الذي دلت عليه الاجتماعات بين شون ليماس وتيرينس أونيل. كان الدافع المحفز لهذه المنظمات مثل «قوة ألستر التطوعية» — التي اقترضت اسم ميليشيا مشهورة من المواطنين في فترة ما قبل أزمة عام ١٩١٤ حول الحكم الداخلي الأيرلندي، لكنها على خلاف الجيش الجمهوري الأيرلندي كانت تفتقر إلى الاستمرار التنظيمي المباشر — هو الحفاظ على الوضع القائم ومنع أي تغيير في الوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية. على الرغم من بذل بعض الجهود من أجل توفير برامج سياسية أكثر تطورًا للجماعات الموالية شبه العسكرية (لا سيما رابطة دفاع ألستر)، بناءً على أيديولوجية مدنية بريطانية، ظل الدافع الأساسي لها سلبيًّا؛ ضد القومية الأيرلندية. كان عنف الجماعات الموالية يتميز بالطائفية من حيث إنه كان يُنظر إلى المجتمع الكاثوليكي على أنه قاعدة دعم الحملة الجمهورية. وبخلاف منظمة الجيش السري، لم تسعَ الجماعات الموالية إلى مهاجمة الحكومة أو الأهداف البريطانية، على الرغم من تشككها في الالتزام البريطاني بالحفاظ على «الاتحاد». كانت معظم عمليات الجماعات الموالية محلية؛ بينما كان تفجير السيارة المفخخة المروع في دبلن في عام ١٩٧٤ استثناءً، ولكن يقال إن هذه العملية كانت فعَّالة بشدة من حيث أثرها على الرأي الأيرلندي «الجنوبي». بينما لا تزال بعض تفاصيل القصة الممتدة والقاتمة «للصدام» بين بعض قوات الأمن البريطانية والجماعات الموالية تتكشَّف، تشير هذه القصة إلى أن الجماعات شبه العسكرية لديها من الأسباب ما يجعلها تؤمن بأن الدولة كانت تقف إلى جانبها.

fig7
شكل ٣-٢: كان التفجير في شارع ساوث لينستر بدبلن أحد ثلاثة تفجيرات بالسيارات المفخخة نفذتها قوات ألستر شبه العسكرية الموالية للعرش البريطاني في ١٧ مايو ١٩٧٤، وأسفرت عن مقتل ٣٣ شخصًا إجمالًا، وهي عملية أشد فتكًا من أي عملية نفذها الجيش الجمهوري الأيرلندي.2

يسري خلال أي تفسير لظاهرة إرهاب الدولة الصراع بين «الترويع» باعتباره منتجًا ثانويًّا شبه عشوائي للعنف القمعي الجماعي، و«الإرهاب» باعتباره منتجًا مركَّزًا عن عمد للعنف الذي يهدف إلى إثبات أمر بعينه. يشير أحد الخبراء البارزين في هذا المجال إلى أن «الحكم عن طريق العنف والترهيب من قبل من هم في السلطة ضد مواطنيهم يطلق عليه عمومًا «ترويع» من أجل التمييز بين هذه الظاهرة والإرهاب؛ الذي من المفهوم أنه عنف تمارسه الكيانات غير الرسمية.» لكن من الغريب أن الترويع — وهو الأشد فتكًا والأكثر انتشارًا خلال القرن الماضي — لم يثر الذعر العام قدر ما أثاره الإرهاب. وربما كان ثمة اتساق في الرؤية السوفييتية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين (وهي الرؤية التي استبعدها حتمًا معظم الكتاب الغربيين في ذلك الوقت باعتبارها دفاعًا خاصًّا مثيرًا للسخرية) القائلة إنه على الرغم من تبني الشيوعيين للعنف الثوري، فإنهم «يرفضون الإرهاب كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية»؛ وإن مرتكبي الأعمال الإرهابية الرئيسيين في أفغانستان كانوا قوات حرب العصابات التي تدعمها الولايات المتحدة.

هوامش

(1) © Bridgeman Giraudon/Lauros/Musée Carnavalet.
(2) © The Irish Times.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١