الفصل الرابع

الإرهاب الثوري

لا يوجد أبرياء.

إيميل هنري، ١٨٩٤

يمثل التصنيف الثاني ليوجين في والتر للعنف السياسي — ألا وهو «الحصار الإرهابي» — الطريقة التي يُتصوَّر الإرهاب من خلالها عمومًا؛ أي باعتباره استراتيجية هجوم على الدولة. من هذا المنظور، يمكننا أن نلحظ بروز استراتيجية أكثر تحديدًا ووضوحًا في القرن التاسع عشر، يشكِّل الترويع فيها الأسلوب المحوري، إن لم يكن الأسلوب الحصري في أنقى صوره. استُخدمت كلمة «ثوري» خلال القرن المنصرم في ثلاثة أنواع مختلفة من السياقات الاجتماعية-السياسية: في إطار الدول القومية القائمة، وتحت ظروف الاستعمار الخارجي، وتحت ظروف «الاستعمار الداخلي» التي تُقمع فيها جماعة عرقية أو أكثر من قبل جماعة أغلبية في إطار «وطن» واحد (أو على الأقل بلد لا يسهل تقسيمه). لكن تتحقق معايير التغيير الثوري الحقيقي — التحول الاجتماعي، أو على الأقل التغيير الاجتماعي والاقتصادي الكبير — بصورة عامة فقط في ظل الحالة الأولى من هذه الحالات. في الحالات التي تكون فيها الهوية العرقية وليس الإيديولوجية التقدمية هي القوة المحركة، قد تصبح حركات المقاومة محافظة حقًّا، إن لم تكن حركات رجعية. في هذا الفصل والفصل الذي يليه، سنستكشف هذه الدوافع والغايات المتعارضة.

مرة أخرى، لا يعتبر تعريف الثورة نفسه تعريفًا مباشرًا. يفضل بعض الكتاب وضع طيف من الأهداف والنتائج الثورية، التي تتراوح بين التحول الاجتماعي الشامل إلى تغيير الجنرال أو الديكتاتور الحاكم، وهو ما يطلق عليه «ثورة القصر». من حين لآخر تكون هناك ثورات من أعلى — «انقلابات» — لكن المعنى الشائع للمفهوم يرتبط بالعمل السياسي من خارج بنية السلطة القائمة. ربما يتمثَّل التعريف المقبول العام للثورة في «محاولة انتزاع السلطة السياسية من قبضة النظام القائم، لإحداث تغيير سياسي واجتماعي جذري.»

عصران من الإرهاب: العصر الأول

ظهر الإرهاب الذي يرمي إلى هذه الغاية كاستراتيجية متسقة ومتماسكة في أواخر القرن التاسع عشر. يجب علينا إدراك أن هذا النوع من الإرهاب كان جديدًا من الناحية النوعية؛ ظاهرة مختلفة بصورة أساسية عن عمليات الاغتيال السياسي كما كانت تُمارس بصورة مستمرة عبر التاريخ؛ ولا يرجع ذلك إلى ظهور تكنولوجيا أو أساليب جديدة، بل إلى أن الإرهابيين المحدثين كانت لديهم نظرة مختلفة لدورهم وللمجتمع، ولأهمية ما يقومون به من أعمال. يعتبر مفهوم «الترويع الفردي» مؤشرًا رئيسيًّا على العصر الحديث للعنف. في حقيقة الأمر، كانت هذه التسمية تستخدم بهدف الازدراء، كما كانت تُلصق بهذا النوع من الترويع في أوائل القرن العشرين، بعد فترة من ذروة ممارسته من قبل البلاشفة، الذين لم يرفضوا العنف في حد ذاته بل رفضوا الفردية، «النزعة الاختيارية» في الاستراتيجية الإرهابية للثوري الاشتراكي في روسيا القيصرية. وقد كان ماركس وإنجلز أنفسهما غير واضحين بصورة غريبة في استخدام مصطلح الترويع؛ فكانا يدمجانه بالقوة أو العنف بصورة عامة، وهو على ما يبدو ما كان يدور في خلد ماركس عندما قال إن «الإرهاب الثوري» هو الطريقة الوحيدة لاختصار زمن «معاناة المجتمع القديم وآلام ميلاد المجتمع الجديد.» أما لينين، فقد كان أكثر حرصًا، ووضع تعريفًا مثيرًا للاهتمام للإرهاب باعتباره «صراعًا وحيدًا» في مواجهة العمل الجماعي. وقد وسم لينين الحملات الإرهابية بأنها تافهة وغير ذات معنى؛ نظرًا لأن هذه الأعمال الفردية للعنف كانت «غير مرتبطة بجماهير الشعب.»

هذه الرؤية — على الرغم من عدائها — تسلط الضوء على جوهر الظاهرة التي تطورت عبر الأنشطة المتوازية للاسلطويين والشعبويين والنقابيين، وكذلك العدميين أثناء فترة شباب لينين. على الرغم من تصرف بعض هؤلاء بصورة منفردة، كانوا جميعًا قطعًا يمثلون مجموعات صغيرة الحجم تمتلك أفكارًا كبيرة حول إعادة تشكيل المجتمع. لقد كانوا يؤمنون أن بإمكان الأفراد تغيير مسار التاريخ. لم يدققوا كثيرًا في مصطلح «ترويع»، على الرغم من أن المنظر الرئيسي للعمل المسلح في «نارودنايا فوليا» (إرادة الشعب) نيكولاي موروزوف، قبل عبارة «الحرب الإرهابية» على أساس أنها تعبير يستخدمه الناس. تحدث برنامج الحزب الاشتراكي الثوري في عام ١٨٧٩ عن «نشاط مدمر وإرهابي». لكن استخدمت مصطلحات بديلة أخرى كثيرة، كان بعضها أكثر أو أقل تهذيبًا في صياغته: أيد موروزوف استخدام مصطلح «الحرب الحزبية الجديدة» (وهو مصطلح يردد أصداء الكفاح الوطني العظيم في عام ١٨١٢ ضد نابليون)، في حين تبنى اللاسلطويون الصياغة المدهشة «للدعاية بالفعل»، واستخدم الاشتراكيون البولنديون أتباع بيلسودسكي تعبير «العمل المسلح»، واستخدم النقابيون تعبير «الفعل المباشر»، أو «الاستعادة الفردية».

تعتبر فكرة الدعاية بالفعل — وهي فكرة طرحها الاتحاد الإيطالي للاسلطويين الدوليين في عام ١٨٧٦ — نقطة جيدة ننطلق منها؛ نظرًا لأنها تظهر في جلاء المنطق الكامن في كثير من الأعمال الإرهابية. كان «العمل التمردي»، الذي كان «يهدف إلى دعم مبادئ الاشتراكية من خلال الفعل»، (مثلما أشار اللاسلطويين الإيطاليون)، «أكثر وسائل الدعاية فعالية وأكثر الوسائل قدرة على اختراق أعمق الطبقات الاجتماعية.» وتبرز هنا في هذا المقام فكرة اقتصاد الوسائل؛ وهو مفهوم مغرٍ للغاية بالنسبة إلى المؤسسات التي تعاني من شح الموارد المالية ما يحول دون استخدامها وسائل التواصل التقليدية. على أي حال، فرض مستوى القدرة على القراءة والكتابة في القرن التاسع عشر في أوروبا قيودًا صارمة على أساليب الدعاية التقليدية، مثلما أشار اللاسلطوي الفرنسي بول بروس في السنة التالية (١٨٧٧)، عندما قال إن الدعاية بالفعل يمكن أن توضح «للجماهير المتعبة والخاملة … غير القادرة على القراءة، وتعلمها الاشتراكية بالممارسة، وتجعلها مرئية وملموسة ومتماسكة.»

على الرغم من أن أداة إريكو مالاتيستا الأصلية في الدعاية العنيفة كانت التمرد لا الإرهاب، كانت حالات الفشل المتكررة لمحاولات المتمردين في إيطاليا وفي أماكن أخرى عبر سنوات القرن التاسع عشر تشير بوضوح في اتجاه الإرهاب. إذا سألنا كيف يمكن أن «يعلِّم» الموت والتدمير الاشتراكية، رأى الأمير بطرس كروبوتكين — أكثر اللاسلطويين الروس (الذين هم عادة أناس يتميزون بالعقل والإنسانية) عقلانية وإنسانية — أن لديه تفسيرًا مقنعًا. أدت «الأعمال التي تجذب الانتباه العام» إلى أن «تتسرب» الفكرة الجديدة «إلى عقول الناس.» قد يصنع عمل واحد «في غضون أيام قليلة دعاية أكثر من آلاف المنشورات»، كما أنه:

قبل كل شيء، يوقظ هذا الفعل روح الثورة؛ ويحفز على الشجاعة … ثم سرعان ما يصبح من الواضح أن النظام القائم ليس قويًّا كما هو مفترض عادة … فيدرك الناس أن الوحش ليس مخيفًا كما كانوا يظنون …

كان كروبوتكين يؤمن أن هذا الأثر سيَقوى ولن ينتفي مع اتخاذ النظام لردود أفعال «قمعية متوحشة»، وهو ما «سيسفر عن أعمال تمرد جديدة، فردية وجماعية، تدفع بالمتمردين إلى مرتبة البطولة.» في الوقت نفسه، كان كروبوتكين ينتقد بشدة الترويع الفردي العشوائي، محذرًا من أن «بنية قائمة على قرون من التاريخ لا يمكن تدميرها من خلال كيلوجرامات قليلة من المتفجرات.»

على الرغم من هذا التحفظ، يمكن ملاحظة خيوط الأفكار الرئيسية في منطق الإرهاب الثوري في تحليل كروبوتكين؛ أولًا: لا تعمل قوة العمل العنيف على جذب الانتباه فحسب، بل أيضًا على إيصال رسالة سياسية في غاية التعقيد. ثانيًا: درجة قبول «الشعب» — الجماهير أو العمال — للرسالة، وافتراض أن وعيهم الثوري سيتسارع بمجرد «زوال الغشاوة من على أعينهم». وأخيرًا: حتمية حدوث سلسلة متوالية من الاستفزازات وردود الفعل، التي ستؤدي إلى تطرف الجماهير، ثم في النهاية تعبئة الجماهير للعمل ضد الحكومة. تبنى هذا المنطق كلٌّ من اللاسلطويين والشعبويين، وأدى إلى فرض عدد من الشروط الصارمة على سلوك الإرهابيين. لتجريد الدولة من الشرعية، كان على الثوريين انتقاء الأهداف التي يراها الشعب شرعية. ولاجتذاب الشعب وإقناعه، يجب على الثوريين إظهار أعلى درجات الأخلاق؛ أي «البطولة» التي أشار إليها كروبوتكين. (ربما تكون هناك لمحة من النخبوية هنا أيضًا؛ إذ إن العمل الإرهابي سيضع مجريات الثورة تحت سيطرة الأقلية المتعلمة.)

بدأ النشاط الإرهابي، مثلما أعلن عنه الشعبويون في عام ١٨٧٩، من خلال عمليات استهداف حذرة. اتخذت عمليات الاستهداف هذه شكلين: «تدمير أكثر الأشخاص ضررًا في الحكومة، ومعاقبة عدم الالتزام بالقانون والعنف الرسميين»، وأيضًا «حماية الحزب من الجواسيس.» وكان الهدف يتمثل في «كسر هيبة الحكومة وحث الروح الثورية لدى الشعب، وأخيرًا تشكيل كيان مناسب ومعتاد على الحرب.» بينما كان امتلاك المهارات العسكرية والقدرة على التعامل مع المواد شديدة التفجير مهمًّا لتحقيق الهدف النهائي للصراع الثوري، كان كل ذلك يأتي في مرتبة تالية للصفات الأخلاقية للثوريين الأفراد في مخيلة الشعبويين. يشرح بيتر لافروف في مقاله «الثورة الاجتماعية ومهام الأخلاق» (١٨٨٤) المسألة على النحو التالي: «نحتاج إلى أشخاص يتسمون بالحيوية وتكريس النفس، ومستعدين للرهان بكل شيء، للتضحية بكل شيء. إننا نحتاج إلى شهداء …» نظرًا لأن من يلجئون إلى العنف «لا يمتلكون أي حق في تعريض الموقف الأخلاقي للصراع الاشتراكي للخطر، لا يجب بأي حال من الأحوال إراقة أي دماء لا توجد ضرورة لإراقتها»، كما يصر لافروف. بدا تبرير العمل المسلح — بل وضرورته — مسألة بديهية في روسيا القيصرية. شرح ألكسندر أوليانوف (الأخ الأكبر للينين) — الذي أُلقي القبض عليه وأُعدم في عام ١٨٨٧ لاشتراكه في عملية اغتيال القيصر ألكسندر الثالث المخطط لها عن طريق جماعة متطرفة؛ وهي الفصيل الإرهابي التابع لمنظمة «نارودنايا فوليا» — الأمر لوالدته المكلومة التي تتمتع باحترام كبير قائلًا: «ماذا عساني أن أفعل يا أمي، إذا لم تكن هناك طريقة أخرى؟»

تمسك الجيل التالي من الإرهابيين — متمثلًا في المنظمة القتالية للحزب الاشتراكي الثوري — بهذه المُثل. (على الرغم من أنه اتضح أن المنظمة كان يديرها عميل مزدوج للحكومة، وهو الأمر المؤسف للحزب.) قال جريجوري جرشوني إنه بالنسبة إلى الاشتراكيين الثوريين «أي شخص لا يعبِّر عن معارضته لجرائم النظام يصير جراء ذلك شريكًا في هذه الجرائم.» لكنه لم يجعل ذلك بمنزلة ميثاق لممارسة الترويع العشوائي. أصر جرشوني على أن الهجمات يجب النظر إليها باعتبارها مجرد أعمال انتقامية من قبل الشعب، تعبيرًا عن تطلعاتهم الحقيقية؛ «الحزب الثوري فقط الذي لا يخرق الأخلاق الثورية ينطوي على قوة الحياة.» لعل الأكثر أهمية من ذلك هو التعبير المدهش الذي أسبغه جرشوني على اعتقاد الإرهابيين الأساسي في قدرتهم على تحويل العالم: «لا يمر بشعور مشابه سوى العالم الذي يكتشف قانونًا جديدًا من قوانين الكون؛ حيث إن ذلك يمكنه منه التحول من عبد إلى سيد الكون.» وعند التفكير في السجين الذي يقاوم أسوأ أنواع التعذيب، يتساءل جرشوني: «ألم يُخضِع هذا السجين كل شيء في هذا الكون لروحه؟» «لا يستطيع أي حزب اشتراكي الانتصار إلا من خلال الاستقامة الأخلاقية، لا من خلال الهيمنة الجسدية.»

كان المثال الأبرز على هذا الموقف الأخلاقي الصارم هو إيفان كالياييف — قاتل الدوق الأكبر سيرجي — الذي رفض إلقاء القنبلة التي كانت بحوزته عندما رأى عائلة الأمير برفقته في العربة التي كان يستقلها (على الرغم من نجاحه في قتله في محاولة انتحارية لاحقة). ظل الاغتيال بمنزلة النجم الهادي لهؤلاء الثوريين الذين آمنوا مدة جيل كامل — مثلما أشار إلى ذلك أحد قتلة القيصر ألكسندر الثاني — بأن موت القيصر سيكون «الضربة القاصمة الأخيرة … سيوجه ضربة قاصمة للنظام الذي تُطلق عليه بعض النفوس الخبيثة «مَلَكية مطلقة» فيما نُطلق عليه نحن طغيانًا.»

تدريجيًّا، اتضح أن المنطق الأصلي «للضربة في المركز» كان منطقًا خاطئًا؛ إذ خَلَف كل قيصر يتم اغتياله قيصر آخر، وبدا مَعين المرشحين لتولي منصب رئيس جهاز الشرطة وكأنه لا ينضب، بغض النظر عن تكرار الهجمات عليهم. على الرغم من أن اللاسلطويين لم يتوقفوا عن اصطياد مواطن الضعف في خطوط الاتصال الرسمية للدولة، بدت الحقيقة المؤسفة أن أكثر الدول قمعية هي الأقل تأثرًا بالهجمات الإرهابية؛ تحديدًا لأن الرأي العام لم يكن أمرًا ذا بال على المستوى السياسي. أما الأنظمة الديمقراطية، فكانت أكثر تأثرًا بالعمليات الإرهابية، إلا أن الإرهابيين أصحاب المبادئ استبعدوها من قائمة أهدافهم. في المؤتمر الخامس للحزب الاشتراكي الثوري في عام ١٩٠٩، عبَّر المنظِّر الرئيسي للحزب تشرنوف عن قلقه من أنه «لا يجب أن نسمح للروتين أن يسيطر، فإن الترويع شكل من أشكال القتال العسكري، شكل من أشكال الحرب.» ووفقًا لتشرنوف، في الحرب تُعرِّض الدول التي تقادمت أساليبها العسكرية نفسها إلى الهزيمة؛ لذا في حالة الحرب الداخلية «يجب أن نتقن الأساليب الحديثة» إذا كان مقدرًا للترويع أن يظل «ترويعًا بالمعنى الحقيقي للكلمة.» وهنا يكمن أصل عملية خداع الذات، التي تواصلت على مدار القرن التالي، وهي العملية التي أخفى بها الإرهابيون الثوريون تداعيات الفشل عن طريق اللجوء المستمر إلى احتمالات توفر تكنولوجيا جديدة أكثر تدميرًا.

وسط موجة الترويع اللاسلطوي الذي اجتاح العالم الغربي في بدايات القرن، كان جليًّا بالفعل أن إحدى الآليات التعويضية تتمثل في التخلي عن وضع قيود على عملية اختيار الأهداف. بالنسبة للاسلطويين، كان التمييز بين الدول الديكتاتورية والدول الليبرالية-الديمقراطية وهميًّا؛ فإن عدو حرية الإنسان هو الدولة نفسها. في سيرهم على نهج مذهب «الانتقام اللاسلطوي» الذي طرحه اللاسلطوي الألماني المنفي يوهانز موست في صحيفته «فرايهايت» في لندن ثم في نيويورك خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، ابتعد اللاسلطويون شيئًا فشيئًا عن الأفكار الروسية حول الطغيان وهاجموا ممثلي الدول الليبرالية. في عام ١٨٩٣، ألقى أوجست فيلانت قنبلة على مجلس النواب الفرنسي، الذي أدانه فيلانت بأنه «فاسد» (ربما بعد فضيحة بنما، أصبح الرأي العام الفرنسي يميل للاتفاق مع فيلانت. على الرغم من فشل فيلانت في قتل أي من أهدافه، صار فيلانت شهيدًا لاسلطويًّا «لم يسرق أو يقتل قط».) لكن صار انتشار عمليات القتل بدون تمييز أكثر عدمية. اغتيل رئيس الجمهورية الفرنسية سادي كارنو من قبل أحد المنفيين اللاسلطويين الإيطاليين وهو سانتو كاسريو في عام ١٨٩٤. وفي عام ١٩٠١، اغتال أحد البولنديين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ماكينلي. وبالفعل كان الإرهاب اللاسلطوي نشطًا في الولايات المتحدة قدر ما كان نشطًا في أماكن أخرى: فقد وجدت دعوة موست «لقتل القتلة» استجابة واسعة في صراع العمال لتنظيم أنفسهم في مواجهة الإجراءات المتوحشة لإنهاء إضراباتهم من قبل أرباب العمل.

لكن استمرت عملية اختيار أهداف عشوائية بدون تمييز. في عام ١٨٩٣، فُجر مسرح ليسيو في برشلونة وهو ما أسفر عن مقتل عشرين شخصًا من الجمهور. وقد صيغ المنطق الأساسي وراء ذلك: «لا يوجد أبرياء.» — على الأقل بين أبناء الطبقة البرجوازية — في العام التالي على يد اللاسلطوي الفرنسي إميل هنري بعد إلقاء قنبلة على أحد المقاهي في باريس. في الوقت نفسه، قال صانع الأحذية الشاب ليون-جول لوتييه «لن أمس بسوء شخصًا بريئًا إذا ما أصبت أول شخص برجوازي يصادفني.» بالإضافة إلى ذلك، تساءل لاسلطوي روسي سؤالًا خطابيًّا ذات مرة في عام ١٩٠٧ قائلًا: «هل هناك أي فارق في من ألقي عليه القنبلة من بين البرجوازيين؟»

عصران من الإرهاب: العصر الثاني

بعد مرور جيل بدا خلاله أن الإرهاب يحيط بالعالم من كل جانب، فجأة صار الإرهاب ظاهرة عفا عليها الزمن. (انخفض إجمالي عدد العمليات الإرهابية للحزب الاشتراكي الثوري في روسيا — على سبيل المثال — من ٥١ و٧٨ و٦٢ خلال الفترة من ١٩٠٥ إلى ١٩٠٧ إلى ثلاث عمليات، وعمليتين وعملية إرهابية واحدة في الفترة من ١٩٠٨ إلى ١٩١٠.) وقد أسفر الحادث الذي يمثل ذروة عصر الإرهاب الأول — ألا وهو عملية الاغتيال في سراييفو (التي سنناقشها تفصيلًا في الفصل التالي) — عن اشتعال الحرب التي دفعت بالإرهاب جانبًا إلى هامش العمل السياسي. على سبيل المثال، يبدو أن جيمس كونولي — وهو الاشتراكي الوحيد بين الثوريين الأيرلنديين، الذي أنشأ منظمة قتالية في عام ١٩١٣ (جيش المواطن الأيرلندي) — لم يفكر قط في تبني استراتيجية إرهابية. كتب كونولي مقالات بها نزعة قتالية حول «معارك الشوارع» التي أبدى فيها إعجابًا بالتكنولوجيا الحديثة، لكنها كانت تستحضر بصورة رئيسية أيام «ثورات المتاريس» الشعبية في القرن التاسع عشر. يبدو أن نزيف الحرب العالمية الأولى قد استنزف قدرة المجتمع الغربي على الشعور بالصدمة. بالإضافة إلى ذلك، أدى انحسار اللاسلطوية، وحلول البلاشفة في روسيا محل الحزب الاشتراكي الثوري، إلى إعادة رسم نموذج العمل الثوري. تمثَّل ذلك بأقوى صوره في عقيدة «الحرب الممتدة» كما عبَّر عنها ماو تسي تونج بوضوح في الصين في ثلاثينيات القرن العشرين. لم يكن ثمة دور — نظريًّا بأي حال من الأحوال — للإرهاب في إطار فكرة التعبئة الجماعية المنهجية هذه.

وبدا أن إحياء الإرهاب أمر مستبعد. فبعيدًا عن بعض الحملات الإرهابية المتفرقة والعشوائية، مثل حملات الجيش الجمهوري الأيرلندي في نهاية ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين، فإن الإرهاب باعتباره استراتيجية مستقلة استُوعب في إطار الحركات الثورية الأكبر التي — أيما كان وصفها النظري الرسمي — كانت حركات تعبوية قومية. كانت معظم حركات المقاومة خلال الحرب العالمية الثانية تخوض معارك قومية، ولم يكن هناك سوى القليلين — بخلاف الألمان — ممن يصفون مقاتلي المقاومة بالإرهابيين. (في دراسة بارزة للأساليب الحزبية صدرت بنهاية الحرب، ظهرت كلمة «الإرهاب» فقط كوصف للأساليب الألمانية في مناهضة المقاومة.) بعد الحرب، انتشرت الحركات الثورية الماركسية، لكن ظلت أسسها في كثير من الأحيان قومية. على سبيل المثال، فشل جيش تحرير شعب الملايو — الذي وُصف أعضاؤه من قبل السلطات البريطانية بالإرهابيين الشيوعيين — في بسط جاذبيته الثورية خارج نطاق الأقلية الصينية المهمشة في الملايو. على الرغم من أن قيادة الجيش كانت شيوعية قطعًا، لم تستطع بناء روح التضامن الطبقية بين المجموعات العرقية المختلفة التي كانت تشترطها النظرية الثورية الماركسية. هنا — مثلما هو الحال في عالم ما بعد الحرب — كان خطر «الشيوعية» الذي أرعب العالم الأول كثيرًا — إذا كان ثمة وجود له من الأساس — يكمن بالكامل تقريبًا في حراك ونظام الأحزاب الشيوعية نفسها، لا في القبول الجماعي لأفكارها.

على أي حال، كان لاثنين من هذه الحروب الثورية أثر هائل تجاوز حدود العلاقات المشتركة الإمبريالية الثنائية المعتادة. كانت أولى هذه الحروب وأطولها في فيتنام، التي امتدت حرب الاستقلال فيها من الشهور الأخيرة في الحرب العالمية الثانية حتى ستينيات القرن العشرين. أثناء ذلك، أدت هذه الحرب إلى صعود درامي في المعارضة السياسية في الغرب، واصلة بين جيل ثوري جديد وبين الصراعات في العالم الثالث. كانت الحرب الثانية في كوبا، حيث نجحت مجموعة صغيرة من الثوريين في الإطاحة بالحكومة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، من خلال حملة حرب عصابات سريعة بصورة مدهشة (مقارنة بمعيار ماو الزمني «للحرب الممتدة») في المناطق الريفية بين عامي ١٩٥٨ و١٩٦١. لعب صراع ثالث — وهو صراع العرب الفلسطينيين البطيء للتعافي من كارثة عام ١٩٤٨ وعكس اتجاهها — دورًا رئيسيًّا في إعادة ميلاد الإرهاب: هنا كانت نقطة التحول هي «الكارثة» الثانية؛ ألا وهي حرب عام ١٩٦٧، التي جعلت فلسطين بأسرها تحت السيطرة الإسرائيلية.

على الرغم من أن الإرهاب كان عنصرًا مهمًّا في الحربين الفيتنامية والكوبية، كان بلا شك عاملًا ثانويًّا في أهميته لمنطق حرب العصابات. في حملة وحشية وممنهجة للقضاء على أي محاولة للتعاون، اغتالت حركة فيت مِنه المئات من أعيان القرى، فضلًا عن أي شخص تعاون مع السلطات الفرنسية (أو أعطى معلومات إليها). إجمالًا، ربما بلغ عدد من قتلتهم حركة فيت مِنه، ووريثتها فيت كونج ما يقرب من ٢٠ ألف شخص على هذا النحو. من جانبها، «أعدمت» جماعة كاسترو المتمردة — على الرغم من صغر حجمها مقارنة بقوات حركة فيت مِنه — الواشين المشكوك بأمرهم — وهو ما أطلق عليه تشي جيفارا «العدالة الثورية» — لضمان بقائها. لكن لم يبرز هذا الجانب من التجربة الكوبية في الكتيب القصير الذي نشره تشي جيفارا خلال الفترة السعيدة التي تلت استيلاء كاسترو على السلطة، والذي يحمل عنوان «حرب العصابات» (١٩٦١)، وهو ما يُعد على الأرجح أكثر المنشورات الثورية إلهامًا في القرن العشرين. وقد استحوذ إصرار جيفارا على أن المقاتلين المخلصين يستطيعون تشكيل «نقطة ارتكاز تمردية» تستطيع صناعة حالة ثورية، على انتباه جيل بأكمله. وقد أثار هذا المبدأ الشكوك في الماركسية التقليدية — وهي نقطة أوضحها بصورة فكرية أكثر ريجيس دوبريه (الذي كان آنذاك يعمل أستاذًا جامعيًّا في هافانا) في كتابه الذي لا يقل شهرة بعنوان «ثورة في الثورة؟» (١٩٦٧) — فضلًا عن أنه هدد على الفور الأحزاب القديمة الشيوعية (بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ) بتضاؤل أهميتها وتأثيرها.

الصلة الأمريكية اللاتينية

ربما لا تبدو الصلة بين نظرية جيفارا-دوبريه حول الثورة والعودة إلى الإرهاب جلية تمامًا. لكن الخطوة التالية جاءت بصورة طبيعية، مع تردد صدى النموذج الثوري الكوبي عبر أمريكا اللاتينية. لعل أحد أبرز الأمثلة يتمثل في نموذج إعادة ابتكار الذات للزعيم الشيوعي البرازيلي كارلوس ماريجيلا، وهو عضو بارز في الحزب حتى عام ١٩٦٧ عندما ذهب إلى مؤتمر منظمة تضامن أمريكا اللاتينية في هافانا، في الوقت نفسه تقريبًا الذي قُتل فيه جيفارا أثناء حملة التمرد الفاشلة في المناطق الريفية في بوليفيا. في الفترة القصيرة بين تأسيس الحزب الشيوعي الثوري في أوائل عام ١٩٦٨ ووفاته أثناء قتال مسلح مع الشرطة البرازيلية في نوفمبر ١٩٦٩، تبنى ماريجيلا مفهومًا ملهمًا آخر، «حرب عصابات المدن». (على الرغم من أن المفهوم نفسه يبدو أنه نشأ لدى أبراهام جيين، وهو إسباني كان منفيًّا في أوروجواي ألَّف كتاب «استراتيجية حرب عصابات المدن» في عام ١٩٦٦.) أدى نشر «الدليل المصغر في حرب عصابات المدن» لماريجيلا في يونيو ١٩٦٩ — والذي وصل إلى نطاق أكبر من الجماهير — إلى تحويل الاهتمام الثوري مرة أخرى إلى المدن، وإن كان ذلك بصورة مختلفة تمامًا عما في مبادئ الماركسية الكلاسيكية.

تحدد الجملة الافتتاحية في الدليل — التي تقول: «كل من يعارض الديكتاتورية العسكرية ويريد أن يحاربها يستطيع القيام بعمل ما، مهما كان صغيرًا.» — نبرة الكتاب العملية؛ كما يعكس تناوله لقضية الإرهاب (على الرغم من اختصاره بصورة مذهلة) الروح الانتهازية فيه. ذكر ماريجيلا في البداية الإرهاب باعتباره واحدًا ضمن ١٤ «أسلوب عمل»، ووضع تعريفًا ضيقًا له — «أعني بالإرهاب استخدام القنابل في الهجوم» — ثم سرعان ما انتقل لذكر نهب مخزون الغذاء لمصلحة الشعب. («يجب أن تتميز حرب العصابات المسلحة في إطار العمل الإرهابي الثوري باستعدادها الدائم للتكيُّف.») في مقال حول «تكتيكات حروب العصابات»، بيَّن ماريجيلا أن «الإرهاب وحده لن يمكننا من الفوز بالسلطة»، لكن يمكن أن يؤدي إلى «إرباك وإحباط السلطات». «يتمثل السلاح الأهم للإرهاب الثوري في المبادرة التي تضمن البقاء … كلما كان هناك إرهابيون أكثر إخلاصًا، أنهكت القوة العسكرية أكثر، وزاد خوفها وتوترها …» لكنه أصر على أن الأعمال الإرهابية «لا تستهدف قتل الناس العاديين، أو إرباكهم أو إزعاجهم بأي صورة من الصور.» بالطبع لم يكن ماريجيلا غير مدرك للمشكلات الأخلاقية التي ينطوي عليها كل ذلك، لكنه أصر على أن «التصرف على نحو خاطئ أفضل من عدم القيام بأي شيء بسبب خشية ارتكاب الأخطاء.» ربما يكون الضمان النهائي هو فقط السمو الأخلاقي للفرد الواحد المشارك في حرب العصابات، وذلك بفضل حقيقة أنه «يدافع عن قضية عادلة، قضية الشعب.»

حتى في هذه الحالة، كان اللجوء إلى استخدام الترويع العشوائي يعتبر مسألة بعيدة إلى حد ما. احتفظت الجهود الجادة الأولى للانتقال بحروب العصابات إلى المدن — في فنزويلا وجواتيمالا من ١٩٦٣ إلى ١٩٦٧ — بالمنطق الأساسي لحروب العصابات في المناطق الريفية. فكانت وحدات القتال التكتيكية التي شكلتها القوات المسلحة الفنزويلية للتحرير الوطني المتحدة حديثًا في عام ١٩٦٣؛ تتألف من مائة مقاتل (فضلًا عن خدمات الدعم الأخرى)، وإن كانت هذه القوات مقسمة بصورة أكثر مرونة إلى «وحدات تصادم». أقامت هذه القوات «مناطق محررة» لفترة وجيزة، لكنها لم تنجح في تأمين الدعم الشعبي لنفسها؛ بل وقد تمخضت سياسة اغتيال رجال الشرطة — وهم جميعًا أعضاء في عائلات كبيرة بمدينة كاراكاس تنتمي إلى الطبقة العاملة — التي انتهجتها عن أثر عكسي، كما منيت جبهة التحرير بهزيمة ثقيلة في انتخابات عام ١٩٦٤. في جواتيمالا، مضت القوات المتمردة المسلحة الأشبه بقوات تروتسكي — التي كان يقودها يون سوسا وتورسيوس ليما — قدمًا فيما يمكن أن يُطلق عليه التعليم المسلح بدلًا من الدعاية بالفعل — إذ كانت هذه القوات تحتل القرى وتُلقي دروسًا حول الأفكار الاشتراكية. أما في العاصمة جواتيمالا سيتي، كانت حملتها تتألف بصورة رئيسية من عمليات اختطاف واغتيال، ثم انحدرت إلى عمليات انتقام عقيمة مع قوات الأمن وجماعات مكافحة الإرهاب من لجان الأمن الأهلية.

لعل أبرز حملات حرب عصابات المدن في أمريكا اللاتينية بأسرها ظهرت فيما كانت أكثر الدول ديمقراطية — رسميًّا — جنوب الولايات المتحدة؛ أوروجواي (التي كانت تُعرف باسم «سويسرا أمريكا»)، التي كانت تتمتع بأحد أعلى مستويات المعيشة في أمريكا اللاتينية. لكن كانت أوروجواي تمر بأزمة اقتصادية طويلة خلال ستينيات القرن العشرين، مع انخفاض الصادرات وارتفاع معدلات التضخم. وقد انتهجت حركة التمرد التي يقودها اشتراكيون النموذج الجيفاري في الانطلاق من بدايات صغيرة. بدأت حركة التحرير الوطنية — المعروفة باسم حركة توباماروس تيمنًا باسم القائد الهندي المستقل الأخير توباك أمارو (توفي عام ١٧٨١) — في تنفيذ عملياتها في عام ١٩٦٣ بغارة على ناد للصيد، ثم قضت عامًا في الإعداد لإنشاء منظمة تتألف من خلايا ودراسة نظرية جيين. بعد ذلك، أطلقت الحركة مجموعة من العمليات التي كانت تستهدف الحصول على الدعم الشعبي، لا سيما عمليات «مصادرة الأملاك» الثورية وعمليات توزيع الغذاء التي كان يتولاها «مغوار المجاعة». بلغت هذه الحملة ذروتها مع احتلال مدينة باندو (التي تقع على مسافة ٢٥ كيلومترًا خارج مدينة مونتيفيديو) في أكتوبر ١٩٦٩، التي كانت بمنزلة دعاية رائعة لجهود الحركة و«تحية إلى جيفارا» في الذكرى الثانية لوفاته. ربما كان الأقل إبهارًا — وربما الأكثر إشكالية في النهاية — سلسلة من عمليات اختطاف الدبلوماسيين ورجال الأعمال الأمريكيين، وهي العمليات التي كانت تهدف إلى جذب الانتباه إلى الإمبريالية الأمريكية (مع أن الحركة احتجزت السفير البريطاني جيفري جاكسون لمدة ثمانية أشهر في عام ١٩٧١).

في ذلك الوقت، بدا أن حركة توباماروس تعيش الحلم الثوري؛ إذ استطاعت الحركة ضمان القبول الشعبي واسع النطاق في نقدها للنظام القائم («لقد استبد بهم الكِبر، أما العامل فليذهب إلى الجحيم»، على حد تعبير أحد العمال باستياء في مدينة باندو) وضمان الدعم لعملياتهم. استمر الحال على هذا المنوال حتى أعلن رئيس أوروجواي في عام ١٩٧٢ حالة الحرب الداخلية، لكن بعد ذلك، ذهب التحول السريع إلى اتخاذ إجراءات ديكتاتورية بصورة متزايدة — بما في ذلك حل البرلمان في يونيو ١٩٧٣ — بالتأييد الشعبي الداعم للحركة. بين عام ١٩٧١ وسبتمبر ١٩٧٢، انخفضت نسبة من كانوا يعتقدون أن حركة توباماروس كانت تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية من ٥٩٪ إلى ٤٪، على الرغم من انهيار الدستور الليبرالي (أيضًا فُرضت الرقابة على الصحافة ونُفذت اعتقالات دون إجراء محاكمات) بضغط من الجيش الذي — للمفارقة — اكتشف صحة بعض مزاعم حركة توباماروس فيما يتعلق بالفساد الحكومي، و(مثلما يحدث في أماكن أخرى) اتجه إلى تنظيف إدارة الدولة. نجحت إجراءات أخرى أكثر شدة في «مكافحة الإرهابين» في حل المنظمة التي صارت أكثر ضعفًا؛ وذلك بعد أن سمحت الحركة — في ظل ثقتها في قدرتها على الانتقال إلى المواجهة المباشرة مع الجيش — بتخفيف إجراءاتها الأمنية التي كانت صارمة، لصالح التوسع. وهو ما أسفر في النهاية عن دولة أقل ليبرالية وعن عدالة اجتماعية أقل.

كان الحكم على أعمال حرب العصابات في المدن سلبيًّا في نهاية المطاف. يجدُر الاستشهاد هنا بتقييم شامل متعقِّل لمنافع وتكاليف عمليات حرب العصابات في المدن، أجراه المحلل العسكري أنطوني بيرتون في كتابه «الإرهاب في المناطق الحضرية» الصادر في عام ١٩٧٥:

بالاقتراب أكثر من العدو والشعب، يختفي تأثير قوة نيران العدو، ويزداد الوعي الثوري للشعب، فيتحقق التحكم والسيطرة المركزيان وتصبح عملية التعبير عن الأعمال السياسية والعسكرية، وعن الإضرابات والمظاهرات باستخدام العمل المسلح، أكثر سهولة.

(ربما نضيف إلى ذلك ازدياد حساسية الحكومة والإعلام للعمل المسلح في العاصمة.) على الجانب الآخر:

من المستبعد أن تنجح استراتيجية تتمركز حول المدينة في حد ذاتها؛ إذ إنه من الصعب الاستمرار في جهود تحقيق ذلك، وتصبح مشكلات الأمن والمشكلات اللوجيستية أكثر أهمية، ومن المحتمل فقدان الدعم الشعبي في حال ما إذا طُلب من الناس إخفاء وإغاثة الإرهابي لفترة طويلة دون وجود أي بارقة أمل على النجاح في هزيمة حكومة تتحلى بالصبر والعزيمة.

يتمثل أحد طرق التغلب على ذلك في ممارسة العمل السري، وتمويل المنظمة من خلال «المصادرات»؛ أي عمليات السطو على البنوك. دعم ماريجيلا اتخاذ هذه الإجراءات جزئيًّا، باعتبارها تمارين تكتيكية لتدريب «الجماعات القتالية» في المناطق الحضرية ومؤازرتها والحفاظ عليها. وكانت الجماعات السرية مقدرًا لها أن تكون الوسيلة للعودة الدرامية للإرهاب الثوري إلى «الغرب» في أواخر ستينيات القرن العشرين.

إننا نؤمن بأن شن صراع مسلح سيؤثر على وعي الشعب بطبيعة الصراع ضد الدولة. ومن خلال بدء الصراع المسلح، سيزداد الوعي بضرورته. ولا تقلُّ صحة هذا الأمر في الولايات المتحدة عن أي دولة أخرى في العالم؛ إذ إن العمل الثوري يولد وعيًا ثوريًّا؛ وزيادة الوعي تطور عملًا ثوريًّا. فالعمل يقدم دروسًا في القتال ويبين أن الصراع المسلح مسألة ممكنة.

منظمة «ويذر أندرجراوند»، «نيران البراري» (١٩٧٤)

منذ عام ١٩٧٠، كانت عودة ظهور الإرهاب واضحة بما يكفي بالنسبة لتيد روبرت جور — وهو محلل رائد في مجال التمرد — ليصيغ «الحكمة التقليدية» حول الإرهاب، التي راجت بين معظم المسئولين والأشخاص العاديين في المجتمعات الغربية (فضلًا عن عدد قليل من الخبراء، على حد قوله)، باعتبار الإرهاب أحد الأشكال الجديدة نسبيًّا للعنف السياسي والخطرة بصورة خاصة، التي يلجأ إليها الشباب المغترب من أبناء الطبقة المتوسطة، وينتشر بصورة كبيرة في أنحاء العالم. بيَّن جور أن هذه الفرضيات — باعتبارها تعميمات — خاطئة. لاحظ جور أيضًا المفارقة في حقيقة أن «وهم اليسار الثوري تحديدًا تقبله الجميع على أنه حقيقة سياسية مشئومة.» وقد أظهرت البيانات التي استخدمها جور في رسم صورة عامة لخصائص «الإرهاب السياسي في ستينيات القرن العشرين»؛ وجودَ ٤٤٥٥ حالة وفاة نتيجة الحملات الإرهابية، و١٦٧ حالة وفاة جراء «حلقات» الإرهاب المنفصلة، بين عامي ١٩٦١ و١٩٧٠. وعلى الرغم من أن ٢٤٥ شخصًا فقط من بين إجمالي عدد الوفيات من الحملات الإرهابية و٢٦ حالة وفاة من حلقات الإرهاب المنفصلة كانت في أوروبا، في مقابل ١٦٣٠ حالة وفاة في عام ١٩٩٢ في أفريقيا وآسيا، و٢٥٨٠ في أمريكا اللاتينية في عام ١٩٤٨؛ وجد جور أن إجمالي الحوادث والحملات الإرهابية كانت أكثر عددًا في الأنظمة السياسية الديمقراطية منها في الأنظمة السياسية الاستبدادية — ١٠٥ واقعة و٧٢ حملة في الدول الديمقراطية، مقارنة بحوالي ٢١ واقعة و٢١ حملة في الدول الاستبدادية — وهو استنتاج أرجعه جور بافتراض أن «الإرهابيين بإمكانهم تنفيذ أعمالهم مع شعورهم بحصانة أكثر في المجتمعات شبه المفتوحة أكثر مما يمكنهم في الدول البوليسية.» لكن جور رأى أن الإرهاب كان «بصورة رئيسية تكتيك الجماعات التي تمثِّل مصالح ومطالب الأقليات الصغيرة»، لا الحركات الثورية.

كانت موجة العمل الإرهابي منتشرة بصورة مدهشة؛ بل إن بريطانيا نفسها شهدت موجة قصيرة من أعمال تنظيم «اللواء الغاضب» اللاسلطوي بدرجة ما (٢٧ قنبلة وعددًا من عمليات السطو على البنوك بين عامي ١٩٦٨ و١٩٧١)، بينما انشغلت الولايات المتحدة بتنظيم ويذر أندرجراوند — الذي كان يهدف إلى «فرض تفكك المجتمع» — ومنظمة جيش التحرير التكافلي الغامضة — التي وصلت إلى آفاق الشهرة من خلال خطف وتجنيد وريثة إحدى إمبراطوريات النشر باتي هيرست لسرقة أحد بنوك سان فرانسيسكو — والتي كانت حربها من أجل «الأقليات المقموعة في كل مكان» غير محددة الملامح؛ مما جعلها تفشل في تحقيق صدى واستجابة لدى العامة. ظهرت هذه القضايا مرة أخرى في بلجيكا وفرنسا؛ حيث انطلقت منظمة «الفعل المباشر» في عام ١٩٧٩ «لتحطيم المجتمع عبر الفعل المباشر من خلال تدمير مؤسساته والرجال الذين يخدمونه»، ثم استهدفوا لاحقًا عملية «أمركة أوروبا». لكن وقعت أكثر حالات الإرهاب إزعاجًا في ألمانيا وإيطاليا؛ حيث وقعت ١٢٦٩٠ حادثة عنف إرهابي بين عامي ١٩٦٩ و١٩٨٠؛ مما أسفر عن مقتل ٣٦٢ شخصًا وإصابة ٤٥٢٤ آخرين. كانت هذه الإحصاءات تشير إلى احتمال حدوث انهيار اجتماعي حقيقي في أكثر المجتمعات تقدمًا.

إرهاب التنظيمات السياسية الصغيرة

بدت سبعينيات القرن العشرين كما لو أنها عصر التنظيمات السياسية الصغيرة؛ الجماعات المتطرفة المتشرذمة الصغيرة من النشطاء التي انتشرت عبر أوروبا الغربية. في إيطاليا، أُحصي ما لا يقل عن ٥٩٧ جماعة إرهابية (تنتمي إلى التيارين اليميني واليساري)، إلا أن منظمة واحدة برزت من بينها لتتحدى أكثر المسلمات الليبرالية الغربية رسوخًا وتسعى إلى الإطاحة بها، وتثير بشدة مسألة الدافع الإرهابي؛ ألا وهي منظمة الألوية الحمراء التي تشكلت في عام ١٩٦٩. بدأت أعمال العنف الأولى للجماعة — بدءًا من عمليات السطو المسلح («مصادرة الطبقة العاملة للبضائع كنوع من العصيان المدني») وتفجير السيارات والمسارح باستخدام القنابل — في نوفمبر ١٩٧٠. كانت منظمة الألوية الحمراء تمهر عملياتها بتوقيع «من أجل الشيوعية»، وكانت المنظمة تصف نفسها بأنها «منظمة عمالية مستقلة تشير إلى الإرهاصات الأولى من عملية التنظيم الذاتي لطبقة العمال، لمحاربة أرباب العمل وأتباعهم من خلال اتباع الوسائل نفسها التي يستخدمها هؤلاء ضد الطبقة العاملة.» وعلى أي حال، كان ذلك يشير في أفضل الأحوال إلى وجود علاقة غير مباشرة مع الطبقة العاملة، ويبدو أن الطلاب لعبوا دورًا كبيرًا في تبني الأساليب العنيفة. وقد قدَّم تقليد اللاسلطوية الإيطالية الذي صار آنذاك محلًّا للتقدير والاحترام — فضلًا عن مثال الإرهاب الفاشي الجديد الذي برز أكثر خلال ستينيات القرن العشرين — نموذجًا للمحاكاة. (وكان من أوائل عوامل التأثير الكبرى الناشر اللاسلطوي جانجاكومو فلترينيللي الذي مات في تفجير أخطأ هدفه في عام ١٩٧٢.) وصل النشاط الطلابي إلى مرحلة الإخفاق التام بسبب الانهيار الفعلي لنظام التعليم الجامعي، الذي كان مثقلًا بأعداد ضخمة من الطلاب (أكثر من مليون طالب) ويعاني من نقص مزمن في التمويل. عكست هذه الأزمة المشكلة الاجتماعية الإيطالية الأكبر التي سبَّبها نزوح غير مستدام للسكان من الريف إلى المدن، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بصورة مخيفة.

تدهورت أزمة الثقة الوطنية خلال سبعينيات القرن العشرين تحت تأثير أزمة توريد النفط في عام ١٩٧٣، بينما تضاعف العنف الإرهابي من ٤٦٧ عملية إرهابية في عام ١٩٧٥ و٦٨٥ في عام ١٩٧٦، مرورًا بعدد ١٨٠٦ عمليات إرهابية في عام ١٩٧٧ إلى ٢٧٢٥ عملية إرهابية في ١٩٧٨. استمرت كفاءة وشرعية الدولة في التدهور، وكان عدد الإيطاليين — خاصة الطلاب — المتعاطفين مع الحركة الإرهابية «كبيرًا بصورة صادمة». وقد تأكدت مكانة منظمة الألوية الحمراء باعتبارها الجماعة الإرهابية الأبرز خلال تلك الفترة، عندما شنت المنظمة عملية اختطاف ألدو مورو الشهيرة ثم قتله في النهاية. كان ألدو مورو — وهو رئيس وزراء سابق ومن المؤكد أنه كان سيعود رئيسًا للوزراء مرة أخرى — بمنزلة العمود الفقري للنظام السياسي الهش الذي كان يعتمد على بناء التحالفات. وباعتباره أحد زعماء الحزب الديمقراطي المسيحي، برز مورو في اللغة التي كانت تستخدمها الحركة باعتباره «الأب الروحي» «للثورة الإمبريالية المضادة التي ينظمها الحزب الديمقراطي المسيحي.» ومن ثم، كان مورو هدفًا مشروعًا في أي وقت، لكن تحدد توقيت عملية الاختطاف (التي قُتل فيها حراسه الخمسة في عملية كانت على درجة من الدقة في التنفيذ، جعلت الكثيرين يصرون على أنها كانت عملية خارجية. من ناحية أخرى، يمكن تأكيد انخفاض مستوى التقدير الذاتي الوطني من خلال الإشارة إلى الترتيبات الأمنية البعيدة كل البعد عن الكفاءة حول مورو؛ فلا وجود لسيارة مضادة للرصاص، فضلًا عن روتينه اليومي الثابت) باقتراب محاكمة عدد من زعماء الألوية الحمراء المتحفظ عليهم في تورينو. في هذه المرحلة، اقتربت مدينة تورينو عاصمة إقليم بييمونتي — التي توافدت عليها قوات الشرطة و«الكرابينييري» (الشرطة العسكرية)، لكنها أخفقت في منع تنظيم الألوية الحمراء من اغتيال رئيس جهاز الشرطة السياسية — من السيناريو الإرهابي في أقوى صوره: «منطقة يسودها الخوف، سكانها غير قادرين حرفيًّا على الحركة وفي حالة من الحصار.»

يفسر مستوى الاستياء العام وضعف الدولة — إلى حد ما — الأثرَ المزعج حقًّا الذي أحدثه الإرهاب في إيطاليا، لكن الوضع في ألمانيا كان مختلفًا تمامًا. يحتاج ارتفاع معدلات الترويع العشوائي في سبعينيات القرن العشرين، الذي قادته منظمتان صغيرتان — «عصابة بادر ماينهوف» الشيوعية (التي أطلق عليها اسم «فصيل الجيش الأحمر»، كتعبير عن احترام «منظمة الجيش الأحمر الياباني») و«حركة الثاني من يونيو» اللاسلطوية (التي أسمت نفسها بتاريخ اليوم الذي قتلت الشرطة فيه طالبًا متظاهرًا خلال زيارة شاه إيران) — إلى المزيد من التفسير الحذر. بالطبع كانت الصلة الأساسية بين الدولتين تتمثل في الإرث التاريخي للفاشية والنازية، وهو الإرث الذي سبب وقيعة بين جيل ما بعد الحرب في ألمانيا وآبائهم، وجعل الشباب «يشعرون بالحساسية المفرطة تجاه جميع البنيات السلطوية في المجتمع.» بدلًا من ذلك، اتجهت ثقافة الشباب الألماني نحو أمريكا، وكان المزيج الناتج محفورًا في كل صفحة من المذكرات الشهيرة التي كتبها مايكل بومان (بومي) في عام ١٩٧٥ — بعد تخليه عن قنابله المحبوبة وتركه حركة الثاني من يونيو — تحت عنوان «الإرهاب أم الحب؟» (١٩٧٩). بالنسبة لبومان، كانت القنابل وهاري كريشنا تمثلان طريقتين ممتعتين — بل وحتى مراوغتين — للنيل من النظام.

إلى أي مدى كان بومان نمطًا نموذجيًّا؟ على خلاف المفكرين والنشطاء الرواد لفصيل الجيش الأحمر: أولريك ماينهوف، جودون إنسلين، هورست ماهلر — أو رناتو كورتشو من منظمة الألوية الحمراء — لم يكن بومان طالبًا ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، (كان بومان يطلق على هؤلاء «ديدان كتب»، وقال إنه «لم يستطع أبدًا الاقتراب من» عالمهم)، بل كان يفضِّل الثقافة المضادة الأقل أيديولوجية ﻟ «كميون كيه ١»، وهو أحد التجليات الكلاسيكية لحركة الهيبيز في ستينيات القرن العشرين. ترك بومان عمله في ازدراء لابتذال الحياة اليومية، «هذا النشاط اللاعقلاني الذي نمارسه من أجل الحصول على معاش عند بلوغ سن التقاعد.» كان بومان غير تقليدي أيضًا في أنه لم يجر تجنيده من خلال شبكة أصدقاء. (حددت إحدى الدراسات أن ما لا يقل عن ٨٤٣ شخصًا من إجمالي ١٢١٤ مجندًا في صفوف منظمة الألوية الحمراء الأكبر حجمًا؛ كان لهم صديق واحد في المنظمة، كما كان لثلاثة أرباع هؤلاء أكثر من صديق في المنظمة، وكان لما يقرب من نصفهم أكثر من سبعة أصدقاء.)

لكن قصة بومان تسجل بقوة الأثر المحفِّز للخبرات الجماعية في عام ١٩٦٨، العداء الهائل الذي تولد لدى اليسار عن طريق نبرة — وتضليل — صحافة اليمين (خذ مثلًا غضب بومان العارم عندما صُوِّر هانز-مارتن شلاير — وهو نازي سابق اختطفه فصيل الجيش الأحمر وقتله في عام ١٩٧٧ — على أنه ضحية بريئة)، والإلهام القوي من الحركات الإرهابية/جماعات حرب العصابات الأجنبية. في الفصل المعنون «توباماروس برلين الغربية» من كتاب بومان، نرى عملية العسكرة الدرامية لجماعته بعد زيارة لأحد معسكرات تدريب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان. ينقل بومان أيضًا الإثارة الخالصة للعمل المسلح. مثلما يشير اسم شهرته، صار بومان مبهورًا باستخدام المتفجرات، وأشارت أحدث الدراسات حول هذه المنظمات السرية إلى أهمية دور الحضور المستمر للأسلحة في الحياة اليومية للجماعة الإرهابية. كانت هذه «العلاقة الحميمة مع الأسلحة» جزءًا من السمة الفريدة التي ربطت بين الأفراد ورفاقهم برباط وثيق. وكثيرًا ما نُظر إلى التزام الأفراد بأهداف الجماعة، وأثر الارتباط بين أفراد الجماعة وانفصالهم عن الحياة العادية باعتبارها الآليات الأساسية لعمل هذه المنظمات صغيرة الحجم، التي صارت عمليًّا «كتائب صغيرة» على غرار مفهوم بيرك (على الرغم من تفضيلهم أسماء وحدات من قبيل «كادر» أو «كوماندو»). مثلما تتذكر سوزان ستيرن العضو بتنظيم ويذر أندرجراوند: «كنا بمفردنا وفي عزلة … بتجاهل الواقع، ملأنا عقولنا برؤى العالم السفلي الجديد.» معًا، كانوا يشكِّلون جماعة «ضد العالم»، وبينما جعلت عزلتهم عن العامة من الصعب باستمرار رؤية أعمالهم باعتبارها نجاحات سياسية، انتقلوا أكثر لقبول الحل العسكري، واضعين تصوراتهم باستخدام لغة «الحرب». وكان القمع عادة يسرِّع من عجلة تجنيد الأعضاء، مثلما كان الحال بعد حادثة اغتيال مورو، ووفاة «الشهداء» الإرهابيين في السجن: أولجر ماينس وأولريك ماينهوف في عام ١٩٧٦؛ وبادر وإنسلين وراسبي في عام ١٩٧٧.

لكن خلَّف كل ذلك فجوة محيرة بين الوسائل العسكرية المحدودة المتوفرة والأهداف الطموحة لهذه الجماعات. كان أحد الشعارات الثابتة في أدبيات «الإرهابي الأوروبي» هو «لا تردعنَّك أبدًا الأبعاد الهائلة لأهدافك» (مثلما كانت جماعة الفعل المباشر الفرنسية تردد). فكانت سياسة الاستهداف لهذه الجماعات تتجه بصورة متزايدة نحو العمل التدميري والعشوائي لسببين مختلفين؛ أولًا: كان هذا التحول يلاءم المنطق الأساسي لوجود الجماعات السرية؛ ألا وهو أن القيم الأخلاقية للعالم العادي كانت جزءًا من النظام الذي يجب القضاء عليه. ثانيًا: هذا التحول يزيد من حدة المنافسة؛ إذ إنهم عمليًّا يستعيضون عن القيمة الدعائية للتبرير بالقيمة الأكبر لأثر الصدمة، وضمان توفر تغطية إعلامية جماهيرية واسعة. يمكن أن تخفي هذه الدعاية غياب أي تحول مماثل في الرأي العام؛ بالإضافة إلى ذلك، قد يبرز الانفصال عن العالم الواقعي — مثلما أشار الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس — من خلال عناصر أخرى من «ثقافة الشباب»: «لا تفقد الثقافة التي تُنقل عبر الأجهزة الإلكترونية طابع اللعب والسطحية المميزة لها، كما تحتوي هذه الثقافة على الخطر المتأصل فيها والمتمثل في تصوير عالم التسلية الزائف باعتباره واقعًا.»

fig8
شكل ٤-١: هانز-مارتن شلاير رجل الصناعة (والعضو السابق في قوات إس إس النازية) الذي اختُطِف من قبل فصيل الجيش الأحمر في أبريل ١٩٧٧، في مقابل الإفراج عن قادة التنظيم أندرياس بادر وجودون إنسلين من السجن. ومكتوب على اللافتة التي يحملها: «سجين فصيل الجيش الأحمر.»1

وهكذا، قد نخلص من ذلك إلى أن الجماعات الإرهابية الثورية الغربية كانت تعتمد على الإرهاب الخالص بصورة رئيسية بسبب ضعف الأداء السياسي أو التهميش، بل وربما بسبب الإيمان بالذات. على المستوى السياسي إذن، فإن الخطر الذي مثلته هذه الجماعات ضئيلًا. فعند فصل الإرهاب عن الحركة الثورية الأوسع — مثلما أشار جيفارا ودوبريه — فإنه ينهزم من تلقاء نفسه. كانت خسائر التدمير التي تسبب فيها فصيل الجيش الأحمر في الوقت الذي تقلصت فيه أنشطة الحركة إلى الصفر في ثمانينيات القرن العشرين — على سبيل المثال — ضئيلة إحصائيًّا بقدر ما توحي ضآلة حجم الحركة نفسها. ولكن لا يمكن للإحصاءات التعبير عن الأثر الناحر لهذه الحملات على الروح المعنوية العامة وروح الثقة المدنية في ألمانيا وإيطاليا، وغيرهما. فقد أظهرت هذه الحركات أنه مهما كانت المجتمعات تتمتع بالمرونة من الناحية الموضوعية، فإنها تظل هشة من الناحية النفسية. فقد كتب الصحفي الإيطالي لويجي بونانتي في عام ١٩٧٨ يقول: «إن الإرهاب المعاصر يضرب ما يبدو لنا أحد الآراء القيِّمة القليلة التي نجد أنفسنا جميعًا متفقين معها؛ ألا وهو أن النظام الديمقراطي هو الأفضل.»

هوامش

(1) © Hulton Archive/Getty Images.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١