الفصل الثاني

قَصْرُ الْهَلاكِ

(١) بَعْدَ سَنَواتٍ ثَلاثٍ

وَمَضَتْ عَلَى «دُرُونا»: مُعَلِّمِ الرِّمايَةِ ثَلاثُ سَنَواتٍ — بَذَلَ خِلالَها كُلَّ ما فِي وُسْعِهِ مِنْ بَراعَةٍ وَخِبْرَةٍ وَجُهْدٍ — فِي تَعْلِيمِ الأُمَراءِ وَتَدْرِيبِهِمْ.

وَاخْتَصَّ «أَرْجُونا» بِمَوْفُورِ عَطْفِهِ وِرِعايَتِهِ، كَما اخْتَصَّهُ «أَرْجُونا» بِصادِقِ إِخْلاصِهِ وَمَوَدَّتِهِ.

فَلَمَّا اكْتَمَلَتْ مَواهِبُ طُلَّابِهِ، وَأَصْبَحُوا أَهْلًا لِتَحْقِيقِ ما أَعَدَّهُمْ لَهُ، ذَهَبَ إِلَى «بِهِشْما» وَأَفْضَى إِلَيْهِ بِما كانَ يُضْمِرُهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَقِيَ مِنْهُ أَكْرَمَ تَأْييدٍ.

فَلَمَّا اطْمَأَنَّ النَّاسِكُ إِلَى نُصْرَةِ الْمَلِكِ، جَمَعَ طُلَّابَهُ وَقالَ:

«لَقَدْ بَذَلْتُ فِي تَعْلِيمِكُمْ جُهْدِي، وَلَمْ أُقَصِّرْ — خِلالَ هَذِهِ السَّنَواتِ الثَّلاثِ فِي إِعْدادِكُمْ لِخَوْضِ الْمَعارِكِ الْحاسِمَةِ، وَتَدْرِيبِكُمْ عَلَى مُخْتَلِفِ الأَسْلِحَةِ الْفاتِكَةِ، وَإِمْدادِكُمْ بِكُلِّ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ قادَةُ الْحَرْبِ مِنْ بارِعِ الأَسالِيبِ، وَمُبْتَكَرِ الُخُطَطِ الْكَفِيلَةِ بِالظَّفَرِ عَلَى الْعَدُوِّ وَقَهْرِهِ، وَتَفْرِيقِ ما تَجَمَّعَ مِنْ حَشْدِهِ، وَالانْقِضاضِ عَلَيْهِ وَمُباغَتَتِهِ (مُفاجَأَتِهِ) فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ، كَما يُباغِتُ الْقَضاءُ مِنْ يُرِيدُهُ بِالتَّواءِ (الْهَلاكِ). وَقَدْ عَلَّمْتُكُمْ — طَوالَ هَذِهِ الأَعْوامِ الثَّلاثَةِ — لَمْ أَبْتَغِ عَلَى ذَلِكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا.

وَقَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُبادِلُونِي جَمِيلًا بِجَمِيلٍ، وَإِحْسانًا بِإِحْسانٍ. واعْلَمُوا أَنَّنِي لِهَذا الْيَوْمِ أَعْدَدْتُكُمْ وادَّخَرْتُكُمْ. فَلا تَتَوانَوْا فِي جَمْعِ جُمُوعِكُمْ، وَحَشْدِ أَعْوانِكُمْ، لِتَأْدِيبِ مَلِكِ «الْبَنْغالِ» عَلَى ما أَسْلَفَهُ إِلَى أُسْتاذِكُمْ مِنْ غَدْرٍ وَإِهانَةٍ، وَما أَلْحَقَهُ بِهِ مِنْ زِرايَةٍ وَمَهانَةٍ.»

(٢) الْقائِدُ الْمِنْهَزِمُ

وَما إِنْ سَمِعَ الأُمَراءُ خِطابَ أُسْتاذِهِمْ، حَتَّى الْتَهَبَتْ حَماسَتُهُمْ لِنُصْرَتِهِ، وَحَشَدُوا أَنْصارَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ؛ وَشَدُّوا — إِلَى مَرْكَباتِهِمُ الْحَرْبِيَّةِ — جِيادَهُمْ، وانْدَفَعُوا يَتَسابَقُونَ إِلَى حاضِرَةِ «الْبَنْغالِ».

وَما زالُوا يَجِدُّونَ فِي السَّيْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى بَلَغُوا حُدُودَ الْمَمْلَكَةِ، فَدَخَلُوها، بَعْدَ أَنْ أَوْهَمُوا حُرَّاسَها أَنَّهُمْ قَدِمُوا لِتَحِيَّةِ مَلِكِ «الْبَنْغالِ».

وَما إِنْ بَلَغُوا حاضِرَةَ الْبِلادِ حَتَّى يَمَّمُوا ساحَةَ الْقَصْرِ، وَقَدْ شَهَرُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَأَعَدُّوا قِسِيَّهُمْ، مُسْرِعِينَ لِمُباغَتَةِ «دُرُوپَادَا» وَأَسْرِهِ، قَبْلَ أَنْ يَفْطِنَ إِلَى مَكِيدَتِهِمْ فَيُؤَلِّبَ حَرَسَهُ عَلَيْهِمْ.

وَلَكِنَّ حِيلَتَهُمْ لِسُوءِ حَظِّهِمْ — لَمْ تَجُزْ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَدْرَكَ غايَتَهُمْ مُنْذُ سَمِعَ بِمَقْدَمِهِمْ، فَأَسْرَعَ بِاسْتِدْعاءِ جَيْشِهِ لِلِقائِهِمْ، وَرَدِّ عُدْوانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوه عَلَى غرَّةٍ.

وَكانَ أَبْناءُ «الضَّرِيرِ» فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ الْمُغِيرِ؛ وَكانَ الْمَرَحُ وَالاسْتِخْفافُ وَالْفَوْضَى بادِيَةً عَلَيْهِمْ.

وَكانَ قائِدُهُمْ «دُرْيُدْهانا» وَصَفِيُّهُ «كَرْنا» غَيْرَ مُكْتَرِثَيْنِ بِأَعْدائِهِمْ، كَأَنَّما حَسِبُوا الْحَرْبَ نُزْهَةً مَرِحَةً لا جَحِيمًا مُسَعَّرَةً. وَتَمادَى بِهِمُ الْغُرُورُ، فانْطَلَقُوا يَعْبَثُونَ وَيَمْرَحُونَ. وَيَنْدَفِعُونَ إِلَى الْقَصْرِ فِي غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلا إِحْكامٍ.

وَرَأَى «أَرْجُونا» ما يَسُودُ جَيْشَ أَبْناءِ عَمِّهِ مِنْ الْخَلَلِ وَالْفَوْضَى. فَأَيْقَنَ أَنَّ الْهَزِيمَةَ لاحِقَةٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، فَرَأَى أَنَّ واجِبَ الْحَزْمِ يَقْتَضِيهِ أَنْ يَتَرَيَّثَ (يَتَمَهَّلَ) مُحْتَفِظًا بِجَيْشِهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَلَيَّةَ الأَمْرِ، وَتَسْنَحَ لَهُ الْفُرْصَةُ لِقَهْرِ الْعَدُوِّ.

وَظَلَّ يَرْقُبُ الْمَعْرَكَةَ فِي يَقَظَةٍ وانْتِباهٍ. فَلَمْ يَلَبَثْ أَنْ تَحَقَّقَتْ ظُنُونُهُ.

وَلا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ جَيْشُ «دُرُوپَادَا» عَلَى أَتَمِّ أُهْبَةٍ، وَأَكْمَلِ دُرْبَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتِ الْغُزاةُ أَمامَ هَجْمَتِهِ الْخاطِفَةِ، وَضَرَباتِهِ الْمُسَدَّدَةِ، وَطَعَناتِهِ الْمُوَفَقَّةِ.

وَسُرْعانَ ما دَبَّ الْفَزَعُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَتَفَشَّى الْخَلَلُ صُفُوفَ أَبْناءِ «الضَّرِيرِ» فَلاذُوا بِالْفِرارِ، بَعْدَ أَنْ خابَ مَسْعاهُمْ، وَجُرِحَ قائِداهُمْ.

(٣) الْقائِدُ الْمُنْتَصِرُ

وَهُنا تَحَرَّكَ جَيْشُ «أَرْجُونا» مُنْدَفِعًا إِلَى الأَمامِ فِي ثَباتٍ وَقُوَّةٍ وَنِظامٍ، وَمَهارَةٍ وَدُرْبَةٍ وَإِحْكامٍ، يَقُودُهُمْ «أَرْجُونا» إِلَى النَّصْرِ، وَإِلَى جانِبَيْ جَوادِهِ شَقِيقاهُ التَّوْأَمانِ، يَتَقَدَّمُهُمْ أَخُوهُمُ الرَّابِعُ «بِهْما» لِيَفْسَحَ أَمامَهُمُ الطُّرُقاتِ، فاتِكًا بِكُلِّ مَنْ يَعْتَرِضُ سَبِيلَ الْغُزاةِ الْفاتِحِينَ، مُؤَجِّجًا الْحَماسَةَ فِي صُدُورِ الْجَيْشِ الْمُظَفَّرِ.

figure

وانْدَفَعَ الْجَيْشُ وَراءَ قائِدِهِ الْعَظِيمِ، كَما يَنْدَفِعُ السَّيْلُ الْجارِفُ لا يَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِهِ شَيْءٌ.

يا لَها مَعْرَكَةً هائِلَةً لَوْ شَهِدْتَها — أَيُّها الصَّبِيُ الْعَزِيزُ — لَرَأَيْتَ ما يُبْهِرُكَ مِنْ إِقْدامِ «أَرْجُونا» وَشَجاعَتِهِ، وَقُوَّتِهِ وَبَراعَتِهِ، وَحُسْنِ رِمايَتِهِ؛ واسْتَوْلَى عَلَيْكَ الْعَجَبُ والإِعْجابُ مَعًا، وَهُوَ ثابِتٌ كالطَّوْدِ (الْجَبَلِ) يَصُولُ كَما يَصُولُ الأَسَدُ، يَبْدُو — لِطُولِ قامَتِهِ، وارْتِفاعِ هامَتِهِ (رَأْسِهِ) — كالنَّخْلَةِ الْعالِيَةِ فِي وَهَجِ الظَّهِيرَةِ (شِدَّةِ الْحَرارَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ) يُمْطِرُ الأَعْداءَ بِسِهامِهِ، قاذِفًا مِنْ قَوْسِهِ فِي كُلِّ طَلْقَةٍ، خَمْسِينَ سَهْمًا مُسَدَّدَةً مُصْمِيَةً (مُمِيتَةً) تَنْطَلِقُ فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ، فَتُرْدِي الرَّمايا عَلَى الْفَوْرِ (تَقْتُلُ مَنْ تَرْمِيهِمْ لِلْحالِ).

فَلا عَجَبَ إِذا اسْتَوْلَى الرُّعْبُ عَلَى الأَعْداءِ، فَلَمْ يَطِيقُوا صَبْرًا عَلَى هَذا الْبَلاءِ، فَلاذُوا بِالْفِرارِ، وَتَفَرَّقُوا فِي غَيْرِ تَرَيُّثٍ وَلا نِظامٍ.

وَانْدَفَعَ مَلِكُ «الْبَنْغالِ» إِلَى «أَرْجُونا» شاهِرًا سَيْفَهُ يُحاوِلُ أَنْ يَهْوِيَ عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ، فابْتَدَرَهُ «أَرْجُونا» فِي سُرْعَةٍ خاطِفَةٍ بِصَيْحَةٍ أَذْهَلَتْهُ، وانْقَضَّ عَلَيْهِ انْقِضاضَ الصَّاعِقَةِ، فَخَطِفَ سَيْفَهُ مِنْ يَدِهِ وَشَهَرَهُ فِي وَجْهِهِ، وَقالَ:

«الآنَ أَصْبَحَتْ أَسِيرِي كَما تَرَى. وَلَوْ كانَ أَمْرُكَ مَوْكُولًا إِلَيَّ لأَمَّنْتُكَ عَلَى حياتِكَ، وَلَكِنْ هَيْهاتَ، فَإِنَّ حياتَكَ وَمَوْتَكَ رَهْنٌ بِمَشِيئَةِ «دُرُونا»؛ يَعْفُو عَنْكَ إِذا شاءَ، أَوْ يَبْعَثُ بِكَ إِلَى عالَمِ الْفَناءِ.»

(٤) جَزاءُ الْعُقُوقِ

وَما إِنْ سَمِعَ «دُرُوپَادَا» بِاسْمِ النَّاسِكِ الْعَظِيمِ حَتَّى سِيءَ وَجْهُهُ وامْتُقِعَ، وَزادَ اضْطِرابُهُ وَفُجِعَ، لَقَدْ رَأَى فَجْأَةً صَدِيقَهُ الْقَدِيمَ الَّذِي تَنَكَّرَ لِصَداقَتِهِ، وَعَزَفَ عَنْ مَوَدَّتِهِ. يا لَها مُفاجَأَةً هائِلَةً، أَدْخَلَتْ مِنِ الْبَهْجَةِ عَلَى قَلْبِ النَّاسِكِ، قَدْرَ ما أَدْخَلَتْ مِنَ الْغَمِّ عَلَى قَلْبِ عَدُوِّهِ الْغادِرِ، فَأَذَلَّتْ كِبْرِياءَهُ وَغُرُورَهُ، وَبَدَّلَتْ صَلَفَهُ خَجَلًا، وَتَهَوُّرَهُ نَدَمًا، فَحَنَى رَأْسَهُ مُطْرِقًا بِجَبِينِهِ إِلَى الأَرْضِ، لا يَدْرِي كَيْفَ يَعْتَذِرُ عَمَّا أَسْلَفَهُ لِصاحِبِهِ مِنْ إِساءَةٍ وَعُقُوقٍ، واسْتِهانَةٍ بِما يَقْتَضِيهِ واجِبُ الصَّداقَةِ مِنْ حُقُوقٍ. وَتَحَيَّرَ الْمَلِكُ وارْتَبَكَ، فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَعْتَذِرُ عَنْ جُرْمِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُسَوِّغُ غَدْرَهُ بِصَدِيقِ طُفُولَتِهِ، بَعْدَ أَنْ عاهَدَهُ مُنْذُ نَشْأَتِهِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْوَفاءِ. وَإِنَّهُ لَفِي حَيْرَتِهِ وارْتِباكِهِ، إِذِ ابْتَدَرَهُ «دُرُونا» قائِلًا: «لا عَلَيْكَ يا «دُرُوپَادَا». هَدِّئْ مِنْ رَوْعِكَ (قَلْبِكَ) — أَيُّها الصَّدِيقُ الْقَدِيمُ — واعْلَمْ أَنَّنِي لَنْ أُفَكِّرَ فِي قَطْعِ رَأْسِكَ وَإِخْمادِ أَنْفاسِكَ. وَقَلَّ لَكَ ذَلِكَ جَزاءً أَيُّها الْمُتَكَبِّرُ الْجاحِدُ النَّاكِثُ بِالْعَهْدِ. اطْمَئِنَّ بالًا، فَإِنَّ الضَّغِينَةَ والانْتِقامَ لَيْسا مِنْ شِيَمِ الْكِرامِ حَسْبِي أَنْ أُعامِلَكَ بِما أَخَذْتَ بِهِ نَفْسَكَ — مُنْذُ سَنَواتٍ ثَلاثٍ — مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سَنَنْتَها وَاتَّبَعْتَها، وَشَرِيعَةً أَنْتَ شَرَعْتَها وارْتَضَيْتَها. لَقَدْ رَأَيْتَ — وَرَأْيُكَ الْحَقُّ — أَنَّ مَنْ كانَ مِثْلَكَ مِنْ الْمُلُوكِ؛ لا يَرْتَضِي صَداقَةَ فَقِيرٍ مِثْلِي صُعْلُوكٍ.

الرَّأْيُ ما تَرَى. فَإِنَّ الصَّداقَةَ الْحَقَّ لا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الأَكْفاءِ وَالأَنْدادِ. فَكَيْفَ أَسْتَرِدُّ صَداقَتَكَ، وَأَسْتَعِيدُ مَوَدَّتَكَ؟ لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تُشارِكَنِي فِي الْفَقْرِ وَالصَّعْلَكَةِ، أَوْ أُشارِكَكَ فِي الْغِنَى وَأُقاسِمَكَ الْمَمْلَكَةَ. أَمَّا الأُولَى فَتَأْباها وَلا تَرْضاها. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَهِيَ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ، وَأَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ. وَقَدْ قَرَّرْتُ نُزُولًا عَلَى إِرادَتِكَ، وَرَغْبَةً فِي الاحْتِفاظِ بِصَداقَتِكَ، أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى نِصْفِ الْمَمْلَكَةِ، وَأَكُونَ مَلِكًا عَلَى نِصْفِها الآخَرِ. لِنُصْبِحَ مُنْذُ الْيَوْمِ مَلِكَيْنِ مُتَكافِئَيْنِ. وَمَنْ يَدْرِي فَلَعَلَّنا نَعُودُ بَعْدَ قَلِيلٍ — كَما كُنَّا — صَدِيقَيْنِ مُتَآلِفَيْنِ وَخَلِيلَيْنِ مُتَحابَّيْنِ.» وَلَمْ يَجْرُؤِ الْمَلِكُ عَلَى دَفْعِ هَذِهِ السُّخْرِيَةِ الْقاتِلَةِ، فاحْتَمَلَها عَلَى مَضَضٍ. وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا (مَفَرًّا) مِنْ الإِذْعانِ لِحُكْمِهِ الْقاهِرِ، والتَّظاهُرِ بَقَبُولِهِ وَالرِّضَى بِهِ عَنْ طِيبِ خاطِرٍ، بِرَغْمِ ما يَفِيضُ بِهِ قَلْبُهُ مِنْ ضَغِينَةٍ وَحَسَدٍ. وَسُرْعانَ ما أَصْبَحَ «دُرُوپَادَا» مَلِكًا عَلَى النِّصْفِ الْجَنُوبِيِّ الَّذِي يَقَعُ جَنُوبَ نَهْرِ «الْكَنْجِ»، كَما أَصْبَحَ النَّاسِكُ مَلِكًا عَلَى النِّصْفِ الشَّمالِيِّ.

(٥) نَشِيدُ النَّصْرِ

وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ، وَدَّعَ النَّاسِكُ تَلامِيذَهُ الْبَرَرَةَ الأَوْفِياءَ شاكِرًا لَهُمْ ما أَسْدُوهُ إِلَيْهِ مِنْ صَنِيعٍ. وَعادَ الأُمَراءُ وَقُلُوبُهُمْ تَفِيضُ أَسًى وَحُزْنًا لِفِراقِ أُسْتاذِهِمُ الْعَظِيمِ، ذاكِرِينَ ما نَعِمُوا بِهِ فِي صُحْبَتِهِ مِنْ أَيَّامٍ مَرَّتْ. كَما تَمَرُّ الأَحْلامُ، وَقَدْ أَيْقَنُوا أَنْ زَمَنَ الدِّراسَةِ السَّعِيدَ قَدِ انْقَضَى، وَخَلَّفَ وَراءَهُ حَياةً مَمْلُوءَةً بِالتَّبِعاتِ الْجِسامِ. وَعَقَدَ الْجَيْشُ الظَّافِرُ لِواءَ النَّصْرِ لِقائِدِهِ «أَرْجُونا» الْعَظِيمِ؛ مُرَدِّدًا — فِي أَثْناءِ عَوْدَتِهِ — النَّشِيدَ التَّالي:

يا قاهِرَ الأَبْطالِ
وَفاتِحَ «الْبَنْغالِ»
لَكَ الْمَزايا الْباهِرَهْ
والْعَزَماتُ الْقاهِرَهْ
وَصَوْلَةُ الأُسُـودِ
وَشَـرَفُ الْجُـدودِ

•••

الْقـائِدُ الْبَسَّامُ
أَمـِيرُنا الْمِقْـدامُ
سِهامُهُ مُشْـتَبِكَهْ
تُضِيءُ وَسْطَ الْمَعْرَكَهْ
وَهْوَ مَدِيدُ الْقامَهْ
مُشْرِقُ الابْتِسامَـهْ
كَالنَّخْلَةِ الْكَـبِيرَهْ
فِي وَهَجِ الظَّـهِيرَهْ
فِيها جَنْيُّ الرُّطَبِ
مِثْلُ عُقْودِ الذَّهَـبِ
تَعْلُو عَلَى الأَشْجارِ
فِي غَـيْرِ ما اسْتِكْبارِ

•••

يا قاهِرَ الأَبْـطالِ
وَفاتِـحَ «الْبَنْغالِ»
لَكَ الْمَزايا الْباهِرَهْ
وَالْعَزَماتُ الْقاهِرَهْ
وَصَـوْلَةُ الأُسُودِ
وَشَـرَفُ الْجُـدُودِ

•••

الْقائِدُ الشُّجـاعُ
أَمـِيرُنا الْمُـطاعُ
أَمِـيرُنا «أَرْجُونا»
حَقَّقْ ما تَرْجـونا
بِمْثِلِهِ عَزَّ الْوَطَـنْ
عَلَى الْعَوادِي وَالْمِحَنْ

•••

خَمْسُونَ سَهْمًا تَرْمِي
أَعْـداءَهُ فَتُصْمِـي
يُطْلِقُها كالـزَّوْبَعَـهْ
مـِنْ قَوْسِهِ مُجَمَّعَهْ
تُباغِتُ الـرَّمـايا
بِعاجِلِ الْمـَنايا

•••

يا قاهِرَ الأَبْطـالِ
وَفاتِحَ «الْبَنْغالِ»
لَكَ الْمَزايا الْباهِرَهْ
والْعَزَماتُ الْقاهِرَهْ
وَصَوْلَةُ الأُسُـودِ
وَشَـرَفُ الْجُـدودِ

(٦) الْغاضِبانِ

وَكانَ «دُرْيُدْهانا» و«كَرْنا» يَسِيرانِ فِي مُؤَخَّرَةِ الْجَيْشِ الظَّافِرِ وَيَسْتَمِعانِ إِلَى نَشِيدِ النَّصْرِ وَقَلْباهُما يَفِيضانِ غَيْظًا وَأَلَمًا، لِما تَفَرَدَّ بِهِ مُنافِسُهُما مِنْ نَجاحٍ وَتَوْفِيقٍ. وَهَمَسَ «دُرْيُدْهانا» فِي أُذْنِ صاحِبِهِ «كَرْنا» يُوصِيهُ بِالانْتِقامِ، فَأَجابَهُ «كَرْنا»: «لِكُلِّ شَيْءٍ أَوانٌ». ثُمَّ لَمْ يَزِيدا عَلَى ما قالاهُ شَيْئًا. وَما زالا صامِتَيْنِ حَتَّى وَصَلَ الْجَيْشُ إِلَى قَصْرِ الْمَلِكِ «بِهِشْما»، فَرَأَى الْمُنْهَزِمانِ مِنْ حَفاوَةِ الشَّعْبِ بِقائِدِهِ الْمُنْتَصَرِ، ما ضاعَفَ مِنْ آلامِهِما، وَأَجَّجَ مِنْ أَضْغانِهِما (أَحْقادِهِما). وَكانَتْ بَشائِرُ النَّصْرِ قَد سَبَقَتْ وُصُولَ الْجَيْشِ إِلَى «هَسْناپُورا» فَشاعَتِ الْبَهْجَةُ فِي قُلُوبِ الأَهْلِينَ وَتَمَلَّكَهُمُ الْفَرَحُ، فانْدَفَعُوا يَتَسابَقُونَ إِلَى تَزْيينِ طُرُقاتِ الْمَدِينَةِ وَدَكاكِينِها وَبُيُوتِها بِالأَعْلامِ والأَزْهارِ والرَّياحِينِ، احْتِفاءً بِمَقْدِمِ «أَرْجُونا» وَأَشِقَّائِهِ الأَرْبَعَةِ الْمُنْتَصِرِينَ.

figure

(٧) مُؤامَرَةٌ خَسِيسَةٌ

وَعاشَتِ الْبِلادُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ هادِئَةً ناعِمَةَ الْبالِ، مَوْفُورَةَ الأَمْنِ وَالرَّخاءِ. وَرَأَى الْمَلِكُ «بِهِشْما» أَنْ يُكافِئَ أَبْناءَ «الشَّهِيدِ» عَلَى ما أَحْرَزُوهُ مِنْ نَصْرٍ باهِرٍ، فَرَشَّحَ لِوِلايَةِ الْعَهْدِ كَبِيرَهُمْ «يُدِشْتِ–هِيرا»، واخْتَصَّ إِخْوَتَهُ بِما هُمْ أَهْلٌ لَهُ مِنْ الأَوْسِمَةِ والنَّياشِينِ، فَأَثارَ بِذَلِكَ — عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ — حِقْدَ ابْنِ عَمِّهِمُ الأَكْبَرِ، وَأَلْهَبَ مِنْ غَيْظِهِ ما خَمَدَ، فَوَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطانُ أَنْ يَغْتالَ أَبْناءَ «الشَّهِيدِ» بِأَيِّ وَسِيلَةٍ. وَتَمَلَّكَهُ حُبُّ الانْتِقامِ، فَلَمْ يُطِقْ صَبْرًا عَلَى كِتْمانِ سِرِّهِ، فَأَفْضَى إِلَى أَبِيهِ «الضَّرِيرِ» بِما يُضْمِرُهُ لأَبْناءِ عَمِّهِ مِنْ غَيْظٍ وَكَراهِيَةٍ. وَقالَ لَهُ فِيما قالَ: «لَقَدْ اخْتَصَّ جَدُّنا أَبْناءَ عَمِّنا بِأَوْسِمَةِ الْمَجْدِ وَأَلْقابِ الشَّرَفِ، وَجَعَلَ عَمِيدَهُمْ وَلِيَّ عَهْدِهِ. وَأَسْنَدَ إِلَى إِخْوَتِهِ أَعَلَى مَناصِبِ الدَّوْلَةِ، وَما زالَ يُضاعِفُ إِعْزازَهُ وَتَكْرِيمَهُ لأَبْناءِ «الشَّهِيدِ»، حَتَّى أَصْبَحُوا السَّادَةَ وَنَحْنُ الْعَبِيدُ».

وَما زالَ «دُرْيُدْهانا» يُرِدِّدُ هَذِهِ النَّغَمَةَ الْحاقِدَةَ وَأَمْثالَها، حَتَّى أَحْفَظَ أَباهُ، وَأَوْغَرَ صَدْرَهُ، وَأَلْهَبَ أَحْقادَهُ عَلَيْهِمْ، فانْزَلَقَ «الضَّرِيرُ» مَعَ وَلَدِهِ فِي طَرِيقِ الانْتِقامِ والْكَيْدِ، وَأَطالَ «الضَّرِيرُ» تَفْكِيرَهُ حَتَّى اهْتَدَى إِلَى خُطَّةٍ ماكِرَةٍ كَفِيلَةٍ بِالْقَضاءِ عَلَى أَبْناءِ عَمِّهِمْ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَفْضَى بِخُطَّتِهِ إِلَى وَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ أَوْصاهُ بِكِتْمانِها والاحْتِفاظِ بِها، حَتَّى لا يَذِيعَ سِرُّ الْمُؤامَرِةِ فَتَحْبَطَ (تُخْفِقَ) وَلا يُكْتَبُ لَها النَّجاحُ. كَما أَوْصاهُ أَنْ يَعْتَصِمَ بِالصَّبْرِ فَيَحْزِمَ أَمْرَهُ وَيَكْظِمَ غَيْظَهُ، فَلا يَتَعَجَّلَ بِإِظْهارِ عَدائِهِ، وَإِعْلانِ سُخْطِهِ، وَنَصَحَهُ أَنْ يُخْفِيَ سِرَّهُ عَنْ كُلِّ إِنْسانٍ حَتَّى عَنْ صَفِيِّهِ الْمُخْلِصِ «كَرْنا» لِما يَعْرِفانَهُ عَنْهُ مِنْ إِيثارِ الصَّراحَةِ وَالْخَيْرِ، وَبُغْضِ الْوَقِيعَةِ وَالْخَدِيعَةِ، وَتَرَفُّعِهِ عَنْ أَسالِيبِ الْخِيانَةِ والْغَدْرِ.

(٨) مِهْرَجانُ «بَنارِسَ»

وَسُرْعانَ ما ذاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ مَدِينَةَ «بَنارِسَ» الْمُقَدَّسَةَ سَتَشْهُدُ مِهْرَجانًا حافلًا بِكُلِّ مَباهِجِ الْحَياةِ، وَكانَ مُدَبِّرُو الْمُؤامَرَةِ يَتَفَنَّنُونَ فِي التَّشْوِيقِ إِلَى هَذا الْمِهْرَجانِ، فَلَمْ يُطِقْ «أَرْجُونا» صَبْرًا عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْ مُشاهَدَةِ الِاحْتِفالِ الْعَظِيمِ، وَبِذَلِكَ أَتاحَ لابْنِ عَمِّهِ فُرْصَةَ الانْتِقامِ، وَهَيَّأَ لَهُ الْوَسِيلَةَ الَّتِي أَعَدَّها لإِنْجازِ مُؤامَرَتِهِ. فَأَسَرَعَ «دُرْيُدْهانا» إِلَى جَدِّهِ يُبْلِغُهُ رَغْبَةَ «أَرْجُونا» فِي مُشارَكَتِهِمْ فِي رِحْلَتِهِمْ إِلَى «بَنارِسَ» لِيَشْهَدَ مَعَهُمْ مِهْرَجانَها الْكَبِيرَ. فَأَظْهَرَ الْجَدُّ ارْتِياحَهُ لِهَذا الاقْتِراحِ، وَدَعا لِحَفَدَتِهِ بِالتَّوْفِيقِ فِي حَلِّهِمْ وَتَرْحالِهِمْ.

وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ، تَأَهَّبَ أَبْناءُ «الشَّهِيدِ» لِلسَّفَرِ إِلَى «بَنارِسَ» مَعَ أَبْناءِ «الضَّرِيرِ» دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا ما دَبَّرَهُ لَهُمْ عَمُّهُمْ وابْنُهُ مِنْ غَدْرٍ، وَما بَيَّتاهُ مِنْ مَكْرٍ. فَأَخَذَ أَبْناءُ «الشَّهِيدِ» اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حاشِيَةِ الْقَصْرِ، فَأَعَدُّوا لِرِحْلَتِهِمْ كُلَّ ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ مِنْ مُعِدَّاتٍ، وَسارُوا فِي حَشْدٍ مِنْ أَنْصارِهِمْ يَحْمِلُونَ حَقائِبَهُمُ الْمَمْلُوءَةَ بِالنَّفائِسِ وَالْحُلِيِّ، وَغَيْرِها مِنَ الأَحْجارِ الْكَرِيمَةِ، وَأَعَدُّوا خَمْسَ حُلَلٍ مُلُوكِيَّةٍ فاخِرَةٍ لِيَظْهَرُوا بِالْمَظْهَرِ الْمَلَكِيِّ اللائِقِ بِهِمْ. وَقَدْ أَرْسَلُوا رَئِيسَ الْقَصْرِ «پَارُوشانا» مِنْ قَبَلِهِمْ، لِيَخْتارَ لَهُمْ قَصْرًا فَخْمًا فِي «بَنارِسَ» يُقِيمُونَ فِيه خِلالَ مُدَّةِ الِاحْتِفالِ. وَكانَ هَذا الْوَزِيرُ لِسُوءِ الْحَظِّ خَبِيثَ النِّيَّةِ، مَوْفُورَ الدَّهاءِ فاسِدَ الطَّوِيَّةِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِهِ «دُرْيُدْهانا» اسْتَطاعَ أَنْ يَكْسِبَهُ إِلَى جانِبِهِ بِما غَمَرَهُ بِهِ مِنْ مالٍ، وَما مَنَّاهُ بِهِ مِنْ آمالٍ.

figure

فاتَّفَقَ الْغادِرانِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْوَزِيرُ بِبِناءِ قَصْرٍ لِلأُمَراءِ مِنْ خَشَبِ الصَّمْغِ، وَهُوَ مِنْ أَسْرَعِ الْمَوادِ قابِلِيَّةً لِلالْتِهابِ، يَتَحَوَّلُ — مَتَى اشْتَعَلَ — جَبَلًا مِنَ النَّارِ، وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالآبُنُوسِ فِي قابِلِيَّةِ الاحْتِراقِ وَسُرْعَةِ الاشْتِعالِ، ما إِنْ تَمَسُّهُ النَّارُ حَتَّى يَلْتَهِبَ الْتِهابًا، وَيَتَحَوَّلَ فِي الْحالِ بُرْكانًا ثائِرًا فِي لَحَظاتٍ، وَقَدْ أَوْصاهُ «دُرْيُدْهانا» أَنْ يَمْلأَ الْقَصْرَ بِأَثْمَنِ الأَثاثِ، غَيْرَ مُكْتَرِثِ بِما يُنْفِقُ فِي تَأْثِيثِهِ مِنْ مالٍ طائِلٍ، لأَنَّ أَباهُ سَيَمْنَحُهُ أَضْعافَ ما أَنْفَقَ، وَيَغْمُرُهُ بِثَرْوَةٍ لا يَحْلُمُ بِها.

فَتَغَلَّبَ الْجَشَعُ عَلَى ضَمِيرِ «پَارُوشانا» فَلَم يُذِعِ السِّرَّ الَّذِي اسْتَودَعَهُ، أَو يَنْبِسْ بِكَلِمَةٍ عَنْ مُؤامَرَتِهِ الدَّنِيئَةِ، وَذَهَبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى «بَنارِسَ» حَيْثُ نَفَّذَ كُلَّ ما أَرادَهُ الأَمِيرُ. وَكانَتْ خِطَّةُ «دُرْيُدْهانا» — الَّتِي ابْتَكَرَها الضَّرِيرُ، وَعاوَنَهُ فِيها الْوَزِيرُ الآَثِمُ «پَارُوشانا» — بَعِيدَةَ الْغَوْرِ مُحْكَمَةَ التَّدْبِيرِ لا سَبِيلَ إِلَى إِخْفاقِها. وَلَولا عِنايَةُ اللهِ الَّتِي أَلْهَمَتْ «فِيدُورا» خَالَ أَبْناءِ «الشَّهِيدِ» لَقُضِيَ عَلَيْهِم بِالفَنَاءِ.

وَكانَ «فِيدُورا» رَجُلًا رَزِينًا عاقِلًا، يَجْمَعُ إِلَى صِدْقِ الْفَراسَةِ، رَجاحَةَ الْعَقْلِ وَطَهارَةَ الْقَلْبِ، وَكانَ الشَّكُّ يُساوِرُهُ فِي «دُرْيُدْهانا» وَيَتَوَجَّسُ مِنْهُ شَرًّا، وَلا يَأمَنُ جانِبَهُ، فَظَلَّ يَرْقُبُ حَرَكاتِهِ دُوْنَ أَنْ يُشْعِرَهُ بِمُراقَبَتِهِ، حَتَّى اهْتَدَى إِلَى سِرِّهِ الْخَفِيِّ، وَعَرَفَ دَقائِقَ ما أَبْرَمَ مِن خُطَّةٍ ماكِرَةٍ، فَلَمَّا حانَ مَوْعِدُ السَّفَرِ اخْتَلَى بِأوْلادِ أُخْتِهِ، وَكاشَفَهُم بِما يَسْتَقْبِلُهُم مِن خَطَرٍ داهِمٍ بَيَّتَهُ لَهُم ابْنُ عَمِّهِمْ «دُرْيُدْهانا» لِلقَضاءِ عَلَى حَياتِهِم، وَلَكَنَّ خالَهُم لَم يَتَرَدَّدْ بِرَغْمِ ذَلِكَ فِي نُصْحِهِمْ بِالسَّفَرِ، حَتَّى لا يُحْرَمُوا مُشاهَدَةَ مِهْرَجانِ «بَنارِسَ» الْعَظِيمِ، مُتَظاهِرِينَ بِجَهْلِ ما دَبَّرَهُ لَهُم ابْنُ عَمِّهِمُ الْغَادِرُ، وَوَعَدَهُمْ بِأَن يَخْبِرَهُم بِما تَتَفَتَّقُ عَنْهُ حِيلَتُهُ فِي الْوِصُولِ إِلَى نَجاتِهِم عِنْدَ اقْتِرابِ الْقَضاءِ الَّذِي يَتَهَدَّدُهُم. فَوَعَدُوهُ بِكِتْمانِ ما سَمِعُوهُ مِنْهُ.

figure

وَخَرَجَتِ الْمَدِينَةُ بِأسْرِها لِتُشَيِّعَ الإخْوَةَ الْخَمْسَةَ الظَّافِرِينَ إِلَى رِحْلَتِهِمُ الْمُبارَكَةِ. فَكانَتِ الأزْهارُ تَتَناثَرُ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ، وَالْوُرُودُ وَالرَّياحِينُ تُلْقَى لِتَحِيَّتِهِم، تُجاوِبُها أَصْواتُ الْفَرَحِ والابْتِهاجِ، وَصَيْحاتُ الإِعْجابِ وَالتَّقْدِيرِ لَهُمْ. وَقَدْ كانَ «دُرْيُدْهانا» جَذلانَ (فَرْحانَ) عَلَى خِلافِ ما عُرِفَ عَنْهُ مِنْ تَجَهُّمٍ وَعُبُوسٍ، فَراحَ يُقِيمُ حَفَلاتٍ راقِصَةً، ابْتِهاجًا بِما وُفِّقَ إِلَيْهِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ خُطَّتَهُ فِي طَرِيقِها إِلَى النَّجاحِ، وَكانَ يَضْحَكُ وَيَصِيحُ مُغَنِّيًا صاخِبًا وَهُوَ راكِبٌ بِجِوارِهِمْ. وَقَدْ صَحِبَ الْمَوْكِبَ جَدُّهُمْ «بِهِشْما» الْعَجُوزُ إِلَى بابِ الْمَدِينَةِ تُقِلُّهُ مَرْكَبَتُهُ الذَّهَبِيَّةُ يَجُرُّها ثَوْرانِ أَسْودانِ. وَلَمَّا حانَ وَقْتُ الْوَداعِ غَلَبَهُ الْحَنانُ الأَبَوِيُّ، فَبَكَى وَهُوَ يُقَبِّلُهُمْ مُتَمَنِّيًا لَهُمُ الْهَناءَةَ والسَّعادَةَ وَالْغِبْطَةَ، داعِيًا اللهَ أَنْ يَعُودُوا بِخَيْرٍ جَمِيعًا بَعْدَ انْقِضاءِ الِاثْنَى عَشَرَ شَهْرًا وَهِيَ مُدَّةُ الاحْتِفالِ، وَقَدْ صَحِبَ الأُمَراءَ خالُهُمْ «فِيدُورا» مَسافَةً طَوِيلَةً خارِجَ الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَعُودَ، هَمَسَ فِي أُذُنِ «يُدِشْتِ-هِيرا» عَمِيدِ أُسْرَةِ «الشَّهِيدِ»، بِصَوْتٍ خافِتٍ، وَبِلُغَةٍ يَفْهَمُها كِلاهُما وَحْدَهُما: «عَلَيْكُمْ بِالْحِرْصِ وَمُضاعَفَةِ الِانْتِباهِ والْيَقَظَةِ لَيْلَ نَهارَ، وَأَوْصُوا حُرَّاسَكُمْ أَلَّا تَغْفُلَ أَعْيُنُهُمْ وَلا تَنامَ، وَلا تَنْسوْا أَنْ أَعْداءَكُمْ يَنْتَهِزُونَ غَفْلَةً يَتَحَيَّنُونَها مِنْكُمْ لِلْقَضاءِ عَلَيْكُمْ. وَتَبَيَّنُوا طَرْيقَ الْغابَةِ الَّذِي تَسْلُكُونَهُ إِلَى قَصْرِهِمْ فِي مَدِينَةِ «بَنارِسَ» حَتَّى لا تَضِلُّوا طَرِيقَكُمْ فِي أَثْناءِ الْعَوْدَةِ. وَمَتَى جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِي يَحْمِلُ خاتَمِي فاسْتَقْبِلُوهُ اسْتِقْبالًا حَسَنًا، فَسَأُرْسِلُ لَكُمْ مَعَهُ آلاتٍ خاصَةً، تَسْتَطِيعُونَ بِها حَفْرَ مَمَرٍّ تَسْلُكُونَهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْقَصْرِ، إِذا اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي بَيْتِكُمْ، دُونَ أَنْ يَفْطُنَ إِلَيْكُمْ أَحَدٌ.

واعْلَمُوا أَنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي اسْتِقْبالِكُمْ مَتَى خَرَجْتُمْ، سَفِينَةً تِجارِيَّةً ذاتَ سارِيَةٍ حَمْراءَ فِي انْتِظارِكُمْ، وَسَتَجِدُونَها واقِفَةً عَلَى حافَةِ نَهْرِ «الْكَنْجِ».» ثُمَّ عانَقَ أَبْناءَ أُخْتِهِ مُوَدِّعًا، داعِيًا لَهُمْ بِالسَّلامَةِ وَالتَّوْفِيقِ. ثُمَّ أَدارَ «فِيدُورا» الْكَرِيمُ رَأْسَ جَوادِهِ عائِدًا.

(٩) فِي مَدِينَةِ «بَنارِسَ»

figure

وَلَمَّا وَصَلَ الأُمَراءُ إِلَى «بَنارِسَ» اسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ اسْتِقْبالًا حافِلًا، فَقَدْ كانَتْ شُهْرَتُهُمْ ذائِعَةً فِي كُلِّ مَكانٍ، وَقَدْ كانَ «پَارُوشانا» فِي شَرَفِ اسْتِقْبالِهِمْ وَوَجْهُهُ يَعْلُوهُ الْبِشْرُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى قَصْرٍ فاخِرٍ يَلِيقُ بِالأُمَراءِ الْعِظامِ، فاضْطَرَّ إِلَى بِناءِ قَصْرٍ كَبِيرٍ يَحُلُّونَ بِهِ عَلَى الرُّحْبِ والسَّعَةِ، وَقَدْ أَثَّثَهُ لَهُمْ بِأَثْمَنِ الرِّياشِ، وَجَمَعَ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ الْجَوارِي وَالْخَدَمِ، وَما إِلَى ذَلِكَ مِنْ جالِباتِ السُّرُورِ وَباعِثاتِ الْبَهْجَةِ. فَشَكَرَ لَهُ الأُمَراءُ هِمَّتَهُ وَبَراعَتَهُ فِي تَشْييدِ الْقَصْرِ الْفَرِيدِ الَّذِي حَدَثَّهُمْ عَنْهُ وَشَوَّقَهُمْ إِلَيْهِ. وَلَمَّا بَلَغُوا الْقَصْرَ تَبَيَّنُوا رائِحَةَ الْقَطِرانِ وَالزَّيْتِ وَما إِلَيْهِما مِنَ الْمَوادِّ السَّرِيعَةِ الالْتِهابِ، بِرَغْمِ ما كانَ يَفُوحُ مِنْ جَنَباتِهِ مِنْ الْعُطُورِ الزَّكِيَّةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي أَرْجائِهِ. وَفِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ زارَ الأُمَراءُ مَعابِدَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَشاهَدُوا ما أُقِيمَ فِيها مِنَ الِاحْتِفالاتِ الدِّينِيَّةِ. وَما زالُوا يَدْرُسُونَ آثارَها وَمعاهِدَها مُتَنَقِّلِينَ مِنْ مَكانٍ إِلَى مَكانٍ حَتَّى انْقَضَى عَلَيْهِمْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا لَمْ يَغْفُلُوا فِي أَثْنائِها عَنْ حِراسَةِ مَسْكَنِهِمْ فِي أَثْناءِ وُجُودِهِمْ بِهِ، حَتَّى يَأْمَنُوا خَطَرَ الْحَرِيقِ. وَبَذَلُوا قُصارَى جَهْدِهِمْ فَلَمْ يُتِيحُوا الْفُرْصَةَ لأَحَدٍ مِنْ أَنْصارِ «دُرْيُدْهانا» لُيُنَفِّذَ خُطَّتَهُ.

فَلَمَّا جاءَ الشَّهْرُ الثَّانِي عَشَرَ حَضَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ خالِهِمْ «فِيدُورا» مُسْتَأْذِنًا حُرَّاسَ الْقَصْرِ فِي مُقابَلَةِ «يُدِشْتِ-هِيرا»، فَلَمَّا رَآهُ أَهْدَى إِلَيْهِ خاتَمَ خالَهُ «فِيدُورا»؛ فَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَدْواتِ الْحَفْرِ، فَقَدَّمَها لَهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَطاعَ الأُمَراءُ أَنْ يُنْشِئُوا مَمَرًّا طَوِيلًا تَحْتَ سَطْحِ الأَرْضِ يَصِلُ قَصْرَهُمْ بِالْغابَةِ، لِيُتِيحَ لَهُمُ النَّجاةَ مَتَى احْتَرَقَ الْقَصْرُ، فَلَمَّا تَمَّ لَهُمْ ذَلِكَ، كانَ الْقَلَقُ قَدِ اشْتَدَّ بِـ «أَرْجُونا»، فَقالَ لإِخْوَتِهِ:

«شَدَّ ما أَضْجَرَتْنِي هَذِهِ الْحَياةُ الْمُتَشابِهَةُ فِي «بَنارِسَ» يا إِخْوَتِي، وَيَلُوحُ لِي أَنْ حِيلَتَنا قَدْ أَعْجَزَتْ أَعْداءَنا، وَأَفْسَدَتْ خُطَّتَهُمُ الَّتِي ابْتَكَرُوها لإِهْلاكِنا وَالتَّنْكِيلِ بِنا، فَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بالِهِمْ أَنْ يَحْرِقُوا الْقَصْرَ وَنَحْنُ خارِجَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَفَوِّتُ عَلَيْهِمُ الْغَرَضَ، وَيُنْجِي مِنْ شَبَكَتِهِمْ صَيْدَهُمْ. وَقَدْ رَأَوْا كَيْفَ تُضاعَفُ حِراسَةُ الْقَصْرِ مَتَى حَلَلْنا فِيهِ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى إِحْراقِهِ سَبِيلًا. فَإِذا شِئْتُمْ أَنْ تُلْقُوا عَنْهُمْ عَناءَ الانْتِظارِ عَلَى غَيْرِ طائِلٍ، وَتُرِيحُوهُمْ مِنَ التَّفْكِيرِ فِي غَيْرِ جَدْوَى، كَما تُرِيحُونَنا مِنْ هَذِهِ الْحَياةِ التَّاعِسَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ الرَّاتِبَةِ، فَهُناكَ وَسِيلَةٌ مَأْمُونَةٌ لِتَحْقِيقِ هَذا الْغَرَضِ، هِيَ أَنْ نُعَجِّلَ بِإِحْراقِ الْقَصْرِ بِأَيْدِينا لا بِأَيْدِي أَعْدائِنا، نُحْرِقُهُ بَعْدَ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْمَمَرِّ آمِنِينَ، فَيَحْسِبَ أَعْداؤُنا أَنَّ الْقَصْرَ احْتَرَقَ مُصادَفَةً، دُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ يَدٌ، وَأَنَّنا ذَهَبْنا طُعْمَةً لِلنَّارِ، فَيَأْمَنُونَ جانِبَنا وَتَتِمُّ لَنا خَدِيعَتُهُمْ مِنْ حَيْثُ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ خَدَعُونا. وَكانَ الأُمَراءُ قَدْ ضَجِرُوا بِهَذِهِ الْحَياةِ الْقَلِقَةِ، كَما ضَجِرَ «أَرْجُونا» واشْتَدَّ حَنِينُهُمْ إِلَى وَطَنِهِمْ، وَشَوْقُهِمْ لِرُؤْيَةِ جَدِّهِمْ «بِهِشْما» وَخالِهِمْ «فِيدُورا»، فَأَقَرُّوا أَخاهُمْ «أَرْجُونا» عَلَى رَأْيهِ، وَرَحَّبُوا بِاقْتِراحِهِ.

فَلَمَّا أَقْبَلَ الْمَساءُ أَرْسَلُوا إِلَى أَسْواقِ الْمَدِينَةِ كُلَّ مَنْ فِي الْقَصْرِ، ثُمَّ أَشْعَلُوا النَّارَ فِي مُقَدِّمَتِهِ، وانْطَلَقُوا فِي عَدْوِهِمْ مُسْرِعِينَ إِلَى الْمَمَرِّ الْعَجِيبِ. وَالْتَهَبَ الْقَصْرُ فِي لَحَظاتٍ، وارْتَفَعَ اللَّهَبُ إِلَى عَنانِ السَّماءِ، وَخَفَّ سُكَّانُ الْمَدِينَةِ — مِنْ كُلِّ مَكانٍ — لِرُؤْيَةِ الْجَحِيمِ الْمُسْتَعِرَةِ، الَّتِي لَمْ يَشْهَدُوا لَها فِي حَياتِهِمْ مَثِيلًا. وَإِنَّها لَتَعْدِلُ فِي اضْطِرامِها مِائَةَ ضِعْفٍ مِنْ وَهَجِ الشَّمْسِ فِي ساعَةِ الظَّهِيرَةِ. وَقَدْ بَلَغَ مِنْ شِدَّتِها واسْتِعارِها أَنْ أَحْرَقَتْ أَشِعَّتُها الرَّمْلَ والصَّخْرَ، كَما أَحَرَقَتْ أَسْرابَ الْوَحْشِ والطَّيْرِ.

figure

وَأَسْرَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى الْقَصْرِ الْمُحْتَرِقِ واجِفَةً قُلُوبُهُمْ، زائِغَةً أَبْصارُهُمْ، مَعْقُودَةً — مِنَ الذُّعْرِ — أَلْسِنَتُهُمْ، تَتَعالَى صَيْحاتُهُمْ وَصَرَخاتُهُمْ، وَتَتَصاعَدُ أَنَّاتُهُمْ وَحَسَراتُهُمْ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ أَبْناءَ «الشَّهِيدِ» قَدْ راحُوا طُعْمَةً سائِغَةً لِلنَّارِ. عَلَى حِينِ واصَلَ الأُمَراءُ سَيْرَهُمْ، فاجْتازُوا النَّفْقَ وَمَشَوْا — فِي الْغابَةِ — أَمْيالًا، مُسْتَرْشِدِينَ بِما مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَمَرٍ (أَماراتٍ) وَصُوىً (عَلاماتٍ تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ). فَقَدْ أَوْصاهُمْ خالُهُمْ أَنْ يَتَثَبَّتُوا مِنْ كُلِّ ما يَرَوْنَهُ — فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى «بَنارِسَ» — مِن أَمَرٍ وَصُوىً، حَتَّى لا يَضِلُّوا سَبِيلَهُمْ فِي عَوْدَتِهِمْ. فَلَمْ يُقَصِّرُوا فِي اتِّباعِ نَصِيحَةِ خالِهِمْ، وَراحُوا يَتَقَصَّوْنَها أَمَرَةً بَعْدَ أَمَرَةٍ، وَيَجْتازُونَها صُوَّةً بَعْدَ صُوَّةٍ، حَتَّى بَلَغُوا ضِفَّةَ النَّهْرِ، بَعْدَ أَنْ اجْتازُوا أَمَرَ الْغابَةِ وَصُواها. وَهُنا عَرَضَتْ لَهُمْ مُشْكِلَةٌ جَدِيدَةٌ، فَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ يَعْبُرُونَ النَّهْرَ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ، وَيَهْتَدِيَ إِلَى مَطْوِيِّ سِرِّهِمْ. فَقَدْ كانُوا — كَما تَعْلَمُ — مِنَ النَّباهَةِ (الشُّهْرَةِ) بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُمْ مَنْ يَراهُمْ. وَلا سَبِيلَ إِلَى عُبُورِ النَّهْرِ بِغَيْرِ مَرْكَبٍ! وَهَيْهاتَ أَنْ يَخْفَى عَلَى صاحِبِ الْمَرْكَبِ أَمْرُهُمْ.

وَكانَتْ خُطَّتُهُمْ أَنْ يُوْهِمُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا طُعْمَةً لِلنَّارِ، حَتَّى لا يَفْسُدَ تَدْبِيرُهُمْ، فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ لَمْ يَبْقَ أَمامَهُمْ إِلَّا أَنْ يَعُودُوا إِلَى الْغابَةِ، حَيْثُ يَخْتَبِئُونَ عَنِ الأَنْظارِ، رَيْثَما تُتاحُ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلْخَلاصِ مِنْ هَذا الْمَأْزِقِ. وَإِنَّهُمْ لَيَهُمُّونَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْغابَةِ، إِذْ لاحَتْ لَهُمُ السَّفِينَةُ الْمَنْشُودَةُ راسِيَةً فِي عُرْضِ النَّهْرِ، وَعَلَيْها السَّارِيَةُ الْحَمْراءُ. فَذَكَرَ «يُدِشْت-هِيرا» ما أَوْصاهُ بِهِ خالُهُ «فِيدُورا» — وَكانَ لِنَصِيحَتِهِ ناسِيًا — والْتَفَتَ إِلَى إِخْوَتِهِ قائِلًا: «لَنْ أَكُونَ جَدِيرًا بِثِقَتِكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ إِذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ السَّفِينَةُ هِي طِلْبَتَنا الَّتِي أَرْسَلَها خالُنا إِلَيْنا.» ثُمَّ صاحَ بِكَلِمَةِ السِّرِّ، فَتَلَقَّى جَوابَ الرُّبَّانِ بِما أَزالَ شَكَّهُ، وَسُرْعانَ ما أَرْسَلَ إِلَيْهِ الرُّبَّانُ قارِبًا لِيَحْمِلَهُ إِلَى السَّفِينَةِ مَعَ إِخْوَتِهِ. وَلَمْ يَكُنِ الرُّبَّانُ — عَلَى الْحَقِيقَةِ — غَيْرَ ابْنِ خالِهِمْ، وَقَدْ لَبِثَ أَشْهُرًا يَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُمْ كَما أَوْصاهُ أَبُوهُ. فَلَمَّا عَبَرَ بِهِمُ النَّهْرَ، وَدَّعَهُمْ مُتَمَنِّيًا لَهُمْ ما هُمْ جَدِيرُونَ بِهِ مِنْ نَجاحٍ وَتَوْفِيقٍ. وَما زالَ الأُمَراءُ يَنْتَقِلُونَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى بَلَغُوا مَدِينَةَ «إِكَّاشَكْرا» وَكانُوا قَدِ اسْتَبْدَلُوا بِثِيابِهِمْ ثِيابًا جَدِيدَةً صَنَعُوها مِنْ رَقِّ الْغَزالِ، وَعَلَّقُوا فِي أَعْناقِهِمْ عُقُودًا مِنَ الْخَرَزِ الْمُقَدَّسِ. وَكانَ شَعْرُهُمْ قَدْ تَشَعَّثَ واغْبَرَّ، وَلَوْنُ وُجُوهِهِمْ قَدْ حالَ واصْفَرَّ، فَأَعانَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَتَظاهَرُوا بِمَظْهَرِ وَفْدٍ مِنْ نُسَّاكِ الْبَراهِمَةِ قَدِمُوا مِنَ الْحَجِّ. وَكانَتْ سِماتُ النُّبْلِ وَأَماراتُ الْفَضْلِ تَلُوحُ عَلَى سِيماهُمْ، فَنَجَحَتْ حِيلَتُهُمْ، وَجازَتْ دَعْواهُمْ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُمْ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِمْ وَيَسْتَفِيضُونَ، مُلْتَمِسِينَ نُجْحَ مَطالِبهمْ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِمْ، وَمُضاعَفَةِ الْعِنايَةِ بِأَمْرِهِمْ.»

وَهَكَذا عاشَ أَبْناءُ «الشَّهِيدِ» غُرَباءَ يَتَرَقَّبُونَ رِسالَةً مِنْ خالِهِمْ، تُنِيرُ سَبِيلَ الْعَوْدَةِ إِلَى دِيارِهِمْ، وَتُيَسِّرُ لَهُمُ اسْتِرْدادَ مَنْزِلَتِهِمْ فِي «هَسْناپورا» وَطَنِهِمُ الْحَبِيبِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤