أثر المدنية العربية القديمة في ثقافة مصر الحديثة

يتقاضانا النظر في انبعاث الثقافة العربية في مصر قديمًا أن نقف بالجملة على روح الفاتح العربي، وعلى حالة البلاد التي افتتحها، وعلى سياسة الفتح التي أدت إِلى سرعة انتشار تلك الثقافة، والواقع أن العرب لم يفتحوا قُطرًا من الأقطار على صورة سهلة كما فتحوا مصر؛ فلم يتكبدوا في استصفائها من المال والرجال إِلا ما لا بد منه في حصر بعض المواقع الحربية، وتجلَّت في هذه الحملة، وكان التيسير مؤاتيًا لها من كل وجه.

رويَّة عمر بن الخطاب الخليفة المنقطع القرين بعدله وبُعْد نظره؛ وبديهة عمرو بن العاص القائد الذي يحارب بدهائه أكثر مما يحارب بجيشه، ومن الذين تولوا معاونته من رجال الصحابة في الفتح وبعد الفتح، زمرةٌ كان الواحد منهم مقامَ الألف بصفاته السامية، ومنهم الزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمَّار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبادة بن الصامت، وخارجة بن حُذافة، ومسلمة بن مُخَلَّد الأنصاري، ومعاوية بن حُدَيْج، وقيس بن أبي العاص، وعبد الله بن سعد، وعقبة بن نافع، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، والمقداد بن الأسود، وأبو ذَر جُندب بن جُنادة الغِفاري، وأبو الدرداء عُويْمَر بن عامر، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة وأمثالهم، ومنهم من تولَّوا بعدُ فتح إِفريقية وجزائر البحر الرومي وقضوا على أسطول الروم عقبى وقعة الصواري، ومن هؤلاء الصحابة مَن كان هبط مصر لغرض التجارة في الجاهلية، واتَّجَر فيها القائد الأول عمرو بن العاص بالأَدَم والطِّيب فتعرَّف مداخلها ومخارجها، وكان يعرف أن «أهل مصر مجاهيد قد حُمِل عليهم فوق طاقتهم»، وهو الذي حسَّن للخليفة الثاني فتحها، وسهَّل عليه الأمر، وقال له: إِن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم وهي أكثر الأرض أموالًا وأعجز عن القتال والحرب.

واتفق أنْ كان سَئِمَ قبط مصر، وهم كثرتها الغامرة، أحكام الروم البيزنطيين لِما أرهقوهم به من المظالم والمغارم، ولِما ساموهم من الخسف والعنف مدة اثني عشر قرنًا، ثم حاولوا إِدخالهم في مذهب الكنيسة الملكية، وأرادوهم على أن يَصبئوا عن مذهب النصارى اليعاقبة، فأهلكوا منهم نفوسًا، وخرَّبوا بيوتًا، وأتوا على بِيَع وأديار، والخلاف على أشد ما يكون في مسألة المشيئة الواحدة أو المشيئتين في السيد المسيح؛ يُضَّطهد كل من لا يشايع أهل دين الدولة الحاكمة، والروم في دور انحطاطهم يرتكبون كل منكر، ويأتون كل شناعة، وعامة البلاد التي تخفق عليها أعلامهم في حالة تشبه مصر في تبرُّمها وتظلُّمها، وتناصرت الأخبار في مصر على أن العرب أصحاب الدولة الفتية التي فتحت الشام والعراق وبعض فارس هم على جانب من العدل والرحمة في أحكامهم، فاشرأبَّت الأعناق إِليهم، وودَّ الناس لو أنقذوهم مما هم فيه.

وكان الرسول بعثَ إِلى المقوقس أكبر عامل للروم من القبط كتابًا يدعوه فيه إِلى الإِسلام، فتلطَّف في جوابه وأهدى إِليه جارية قبطية اسمها مارية بنى بها صاحب الرسالة فولدت له ابنه إِبراهيم وعُدَّت من أمهات المؤمنين، ذكر عمرو بن العاص في إِحدى خُطبه قال: حدثنا عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله يقول: «إِن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا فإِن لهم منكم صهرًا وذمة»، وفي رواية: «فاستوصوا بالقبطيين خيرًا لأن لهم رَحِمًا وذمة.» ولطالما أوصى الرسول بأهل الذمة، وقال: «من آذى ذميًّا فأنا حجيجه، ومن قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يَرَحْ رائحة الجنة»، وقال: «من قتل نفسًا معاهدة بغير حِلِّها حرَّم الله عليه الجنة أن يَشَمَّها.» وجعلت الشريعة دية المُعاهد كدية المسلم ألف دينار، ولطالما قُتل المسلم بالذميِّ، ولطالما خان الروم وغيرهم عهد العرب، فقال المسلمون: «وفاء بغدر خير من غدر بغدر.» وقد حاسن المسلمون النصارى خاصة منذ انبعثت دعوتهم في جزيرة العرب؛ لأن نصارى نجران اليمن كانوا أول من أدى الجزية ولم يُجْلِهم عمر عن أرضهم، ويوصي بهم أهل العراق والشام؛ إِلا لما أكلوا الربا وكان شُرِطَ عليهم الامتناع عنه، أما اليهود فحاسنهم الرسول أيضًا ولكنهم آذوه مرارًا فأجلاهم في حياته من الحجاز إِلى الشام، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: «أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحُهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا بالعرب عامة وبقريش خاصة.»

ورأينا الروم يصفون العرب بأنهم «فرسان في النهار رهبان في الليل، يُدَوُّون بالقرآن إِذا جَنَّ عليهم الليل دَوِيَّ النحل، وهم آساد الناس لا يشبهون الأسود.» ولما عاد رُسل المقوقس من عند عمرو بن العاص، قال لهم: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: «رأينا قومًا الموت أحب إِلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إِلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إِنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على رُكبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد، وإِذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم.» وربما كان من أهم العوامل في فتح مصر كون العرب يمتازون بصفات لا مثيل لها في دولتي فارس والروم، ومنها صدق العزيمة وصحة الإِيمان، وأنهم ما كانوا يفرقون بين الرفيع والوضيع والموافق والمخالف في تطبيق قانونهم، ويدينون بالطاعة لرؤسائهم ويصبرون ويصابرون ويبتعدون عن عيش البذخ والإِسراف، ويعرفون الهدف الأسمى الذي يرمون إِليه، ويستنبطون من أحوال الشعوب التي ينزلون عليها أكثر مما تعرف هذه الشعوب من أحوالهم.

وفي الحق، إِن مصر كان لها موضع من نفوس العرب ويكفي أن يحببها إِليهم ذكرها في الكتاب العزيز في أربعة وعشرين موضعًا، منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما دلت عليه القرائن والتفاسير، ولم يقع مثل هذا فيه لمصر من الأمصار، وما كانت مصر بالبلد الغريب كثيرًا عن العرب عامة، فإِن أجدادهم القدماء كانوا احتلوا أماكن منها وغزوها مددًا متطاولة، وعثر المتأخرون في اللغة المصرية القديمة على ألوف من الألفاظ العربية، والغالب أن غزو العرب مصر كان أيام القحوط والجدوب التي طالما أصيبت بها بلاد العرب، فكانوا ينتجعون ما جاورهم من الأصقاع، فإِذا تبرَّم بجوارهم أهلها غزوهم، ثم إِن بلاد العرب تُخرج أصنافًا من الزراعة لا توجد في غيرها، وتجار العرب ينقلون تجارة أقطار الشرق إِلى الشام ومصر وإِفريقية، والعرب كسائر الساميين تجارٌ أقحاح منذ عُرف تاريخهم، والتاجر من شأنه التعرف إِلى الناس والبلاد.

ويكتب أبو ميامين أُسقف القبط بالإِسكندرية إِلى جماعته يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن مُلكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو بن العاص، فيقال إِن القبط الذين كانوا بالفَرَما كانوا يومئذٍ لعمرو أعوانًا، ثم توجه عمرو لا يُدافع إِلا بالأمر الخفيف، وكان عمرو لمَّا نَزَل على بِلْبِيسَ قَتل بعض من كان بها وأسر جماعة وانهزم من بقي ووقعت في أسره ابنة المقوقس، فأرسلها إِلى والدها مكرمة في جميع مالها، ولما نزل عمرو على القوم بعين شمس، قال أهل مصر لعاملهم: ما نُريد إِلى قوم فَلُّوا جيوش كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، صالِحِ القومَ واعتقد منهم ولا تَعْرِض لهم ولا تُعَرِّضنا لهم، وأرسل صاحب الإِسكندرية إِلى عمرو: إِني قد كنت أُخرج الجزية إِلى من هو أبغض إِليَّ منكم معشر العرب؛ لفارس والروم، فإِن أحببت أن أُعطيك الجزية على أن ترد عليَّ ما أصبتم من سبايا أرضي فعلت، وكانت السبايا قد أرسلها عمرو إِلى الحجاز واليمن، فردَّها الخليفة إِلى قُراها وصَيَّرهم وجميع القبط على ذمة. والسبب في سبْيهم أن أهل مصر كانوا أعوانًا لعمرو بن العاص على أهل الإِسكندرية إِلا أهل بَلْهيب وخَيْس وسُلَطَيْس وسَخَا وغيرهم، فإِنهم أعانوا الروم على المسلمين، وسباهم عمرو وخيَّرهم عمر بين الإِسلام ودين قومهم، فمن اختار منهم الإِسلام فهو من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وُضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه فدخل كثير منهم في الإِسلام.

وإِذا عطف الفاتح على القبط للأسباب التي ذكرنا، فذلك لأن جمهورهم حاسنه وما خاشنه؛ ولذلك شاهدناه يضاعف الجزية على الروم الواغلين على البلاد، ويأخذ من القبط الجزية دينارين على كل حالم إِلا أن يكون فقيرًا، وقد أقر النصارى واليهودَ على ما بأيديهم من أرض مصر يعمرونها ويؤَدون خَراجها، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطَيْ زيت وقسطَيْ عسل وقسطَيْ خل، رزقًا للمسلمين تُجمع في دار الرزق وتُقْسَم فيهم، وألزم لكل رجل جبة صوف وبرفسًا أو عمامة وسراويل وخُفين في كل عام، أو بدل الجبة الصوف ثوبًا قبطيًّا. وما كان الخراج يجبى منهم إِلا في إِبَّانه، مخافة «أن يَخْرَق الوالي بهم فيصيروا إِلى بيعِ ما لا غِنَى لهم عنه.» ووقع بعد ذلك الدور بعض الحيف على من عاهدوا على حُسن الطاعة وارتضوا بالجزية، ثم ما عتموا أن عمدوا إِلى أساليب للتفلت من أدائها، كأن يدَّعي بعضهم أنه من رجال الدين يعتصم بالديرة والبِيع، حتى اضطر عبد العزيز بن مروان أن يحصي الرهبان فأُحصوا وأُخذت الجزية عن كل راهب دينار، وهي أول جزية أُخذت من الرهبان، ومنهم من كان يهجر بلده وينزل بلدًا آخر، حتى اضطر الولاة بعد القرن الأول أن لا يُجوِزوا انتقال أحدٍ من قريته وبلده إِلا بجواز الحاكم، وانتقض بعضهم غير مرة مدفوعين بعوامل كثيرة، فما وَسِعَ الدولة إِلا أن تردهم إِلى الطاعة، والسبب في كل هذا — كما قال المؤرخون من غير المسلمين — أن المال كان عزيزًا على قلوب أهل البلاد يستحلون لأجله ما ينكره دينهم عليهم، وهو القائل: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.»

وترك الفاتح القبط وشأنهم في كنائسهم وأديارهم، وأعاد إِليهم ما كان أخذه الروم الملكيون منهم، وأَطلق لهم الحرية في أن يبنوا منها ما طاب لهم، ولما هدم في القرن الثاني علي بن سليمان بعضَ الكنائس احتج موسى بن عيسى والي مصر من قِبَل الرشيد بأن هذه الكنائس مما بُني في عهد الصحابة والتابعين، وأفتى الليث بن سعد وعبد الله بن لَهيعة من أحبار الأُمة بإِرجاعها إِلى سالف عهدها وقالا هي من عمارة البلاد، أما الأصنام والتماثيل فقد صدر أَمر الخليفة في سنة ١٠٤ﻫ بكسرها ومحوها في مصر؛ لأن دين التوحيد لا يحتمل شعار الوثنية، وقد جاء للقضاء عليها، وما يتناغى الروم بحبه لا يستلزم أن يشايعهم العرب عليه، وهو ليس من طبيعتهم ولا من أصل دينهم، والإِسلام كما قال عمرو بن العاص يهدم ما كان قبله. قال هذا لما أبطل سُنَّة المصريين في النيل، وكانوا يعتقدون أنه لا يَجري إِلا إِذا أُلقيت فيه كل سنة جارية بِكْر وزُيِّنت بأفضل ما يكون من الحُليِ والثياب، ولما استقر عمرو بن العاص على ولاية مصر كتب إِليه عمر بن الخطاب أن صِفْ لي مصر، فكتب إِليه:

وَرَدَ كتاب أمير المؤمنين — أطال الله بقاءَه — يسألني عن مصر. اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراءُ، وشجرة خضراءُ، طولها شهر، وعرضها عشر، يكْنِفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نيل مبارك الغَدْوات، ميمون الرَّوْحَات، تَجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوانٌ يدِرُّ حِلابه ويكثُر فيه ذُبابُه، تَمدُّه عيون الأرض وينابيعها، حتى إِذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على جانبيه، فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إِلي بعض إِلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المَخَايل وُرْقُ الأصائل، فإِذا تكامل في زيادته، نكص علي عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في دِرَّته، فعند ذلك تخرج أهل مِلة محقورة، وذمة مخفورة، يحرثُون بطون الأرض، ويبذرون بها الحَبَّ، يرجون بذلك النَّماءَ من الرب، لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جَدِّهم، فإِذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه النَّدى، وغذاه من تحته الثرى، فبينما مصر — يا أمير المؤمنين — لؤلؤة بيضاءُ، إِذا هي عنبرة سوداء، فإِذا هي زمردة خضراء، فإِذا هي ديباجة رقشاءُ، فتبارك الله الخالق لِما يشاء الذي يُصلح هذه البلاد ويُنَميها، ويقرُّ قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يُستأدى خراج ثمرة إِلا في أوانها، وأن يُصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإِذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل. ا.ﻫ.

فلما وَرَدَ الكتاب على عمر قال: لله دَرُّك يا ابن العاص لقد وصفت لي خبرًا كأني أُشاهده.

•••

الآن، وقد ألممنا إِلمامة خفيفة بموضوع الفتح وصِلات العرب بمصر ساغ لنا النظر في الثقافة التي حملها العرب الفاتحون إِلى هذه الديار، وهي ثقافة دينية وأدبية معًا، مازجتها بعد حين ثقافةٌ علمية واجتماعية، كان أن خرج من مجموعها لون من ألوان الثقافة لا يشبه ما كان من نوعه في الأمم الأخرى، وانتهت بإِعراب مصر وإِسلامها، فقد كان من عمر بن الخطاب وهو في صدد الفتوح في الشرق والغرب أن لا يغفل عن إِرسال البعوث الدينية إِلى كل بلد أظلته الراية الإِسلامية؛ يرسل الفقهاء والقراء والقُصاص يُفَقِّهون المسلمين ويُقرؤنهم ويقصون عليهم في كل مُمْسَى ومُصْبَح ما يرق قلوبهم، ويختارهم من أفقه الصحابة وأقرَئِهِم وأبلغهم؛ ليتأدب العامة والخاصة بأدب الدين ويجمع المسلمون إِلى فطرتهم الذكية معارف كسْبية.

كان أول من قرأ القرآن بمصر ممن شهد فتحها أبو أُمية المغافري، ومن فقهائها جبلةُ بن عمرو وعقبة بن الحارث الفهري وحيان بن أبي جبلة؛ ومن قضاتهم كعب بن يسار، كان قاضيًا في الجاهلية، وهو أول من أُسند إِليه القضاء في مصر، وتولى بعدُ القضاء والقَصَصَ فيها سُلَيْم بن عِتر التُّجِيبي (٣٩ﻫ)، وهو أول من أسجل بمصر سجلًّا في المواريث، ومن حكماء الصحابة أبرهة بن شرحبيل، ومن فصحائهم أيمن بن خُرَيْم، وكان يُسمَّى خليل الخلفاء لإِعجابهم به وبحديثه لفصاحته وعلمه. أما الشعر فكثير من الصحابة ومَن بعدهم كانوا يقرضونه بالفطرة، ويخطبون الخُطب البليغة من دون ما تعمُّل ولا تكلُّف.

قلنا إِن العرب كانوا ينتجعون مصر ويغزون أطرافها وربما أقاموا بها زمنًا في بعض الأدوار، ولكن العرب في مصر، وقد فتحتها دولتهم قد تبدَّل مقامهم فيها، فسما لهم شوقٌ إِلى الرحيل إِليها لينزلوها ويستعمروها وتكون لهم ولذراريهم موطنًا، ولما لم يرضَ الفاتح أن يسلب الأرض من أهلها الأصليين، وأقرهم عليها يؤدون عنها الخراج، خصَّ النازلين من القبائل العربية بأرض ارتحل عنها أصحابها فأحيوها، وجاءت قبائل العرب وبطونهم يحطون رحالهم في الريف يعتملون الأرض، ويتخذون من الزرع معاشًا وكسبًا، ومنهم من اختار سكنى المدن يخرجون إِلى مصايف لهم، وقد تكون لهم تلك المصايف مساكن دائمة، وكان أكثر من نزل مصر من العرب من سكان بوادي الحجاز، تفرَّقوا في طول البلاد وعرضها، واتسعت معايشهم لخصيب تربة مصر ولِما شملهم الفاتح من رعايته، وكان يُحْظَر على الجند لأول الفتح أن يعتملوا الأرض لئلَّا تخرجهم الزراعة عن القيام بأعمالهم، فانصرف إِلى الزراعة أهلها، وما أسرع ما بنى العرب منازلهم حتى إِن من الصحابة من اختط له دارًا في أرض مصر، واختط عمرو بن العاص دارًا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب عند المسجد بالفسطاط، فكتب إِليه عمر: أنَّى لرجل بالحجاز يكون له دارٌ بمصر؟! وأمره أن يجعلها سوقًا للمسلمين، وكثُرت هجرت العرب إِلى مصر في عصور مختلفة، والمورد العذب كثير الزحام، وما فَتِئَتِ الجزيرةُ في القرون التالية تمدُ مصر بالرجال، يكثِّرون سواد سكانها، حتى أصبح القبط إِلى قلة في القرن الثالث، وكان عدد من وجبت عليهم الجزية في الفتح أربعة ملايين رجل وعُدَّ الروم ثلاثمائة ألف.

وانتشرت اللغة العربية بين السكان منذ البدء، فلم يمضِ زمن طويل بعد الفتح إِلا ورأيت رجال الكهنوت القبطي يكتبون بالعربية ليفهِموا قومهم، ظاهرة غريبة في الإِسلام؛ ذلك لأن مصر لم يسبق لها أن غيَّرت دينها سوى مرة واحدة، غيَّرته بحد السيف، وما غيرت قط في التاريخ لغتها إِلا في الإِسلام، وفي الإِسلام غيرت دينها ولسانها معًا من دون إِكراه وشدة، بل بالحكمة والموعظة الحسنة.

كان الفاتح يستوفي حقه برمته من أهل ذمته، ويشملهم برأفته وعنايته، ذكروا أنه رُفع إِلى عمرو بن العاص أن غُرفة بن الحرث الكِندي، وكان من الصحابة الذين سكنوا مصر، ضرب رجلًا نصرانيًّا فوق أنفه، فقال عمرو للصحابي: إِنَّا قد أعطيناهم العهد، كأنه يريد أن يؤاخذ الصحابي بما فعل، فقال غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن يُظهروا شتم النبي، وإنما أعطيناهم العهد على أن نُخَلِّي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحمِّلهم ما لا يطيقون، وإِن أرادهم عدو بسوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نُخلِّيَ بينهم وبين أحكامهم إِلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم، وإِن غُيبوا عنا لم نتعرض لهم، فقال عمرو: صدقت.

انقاد جمهور القبط إِلى الإِسلام، واختلطت أنسابهم بأنساب المسلمين؛ لتَزَوُّجِهِم لمَّا أسلموا من المسلمات، وبالمجاورة فقط يتعلم المغلوب لسان الغالب، فكيف إِذا اختلط دمه بدمه، وتألفت مصلحته بمصلحته، وللرجل إِذا أسلم ولو كان في سن عالية من إِقامة الشعائر فقط أعظم دافع إِلى تلقف العربية؛ يسمع خُطب الخطباء في الجُمع والمواسم وأيام الحَفل، في موضوعات يهمه تفهُّمها، ثم يستمع إِلى قَصَص القصاص في المساجد والمعسكرات، وكان يجتمع إِلى قصاص العامة النفر من الناس يعظونهم ويُذكِرونهم. ويكون القصاص كالخطباء من أمثل العلماء على الأكثر، ويتولى خُطبة الجامع الأعظم أمير البلاد، ومن يتولى الصلاة يرجح على من يتولى الأموال، فإِذا جُمع بينهما لواحد كان الأميرَ كلَّ الأمير.

وكانت الجوامع والمساجد مجامع ومدارس لتعليم البنين والبنات، يختلف إِليها النساء كما يختلف إِليها الرجال، والجوامع منتديات القوم ومحالُّ تقاضيهم، يُخطب فيها في المهمات وتُلقى فيها دروس خاصة وعامة، وتُتخذ للعبادة في أوقات الصلوات، وقلَّما يخلو جامع من إِقامة كُتَّاب على مقربة منه لتعليم الأولاد، وجاء من النساء المحدِّثات والواعظات والأديبات والشاعرات، وعددهن بالطبع أقل من عدد الرجال في هذا الشأن، وكان لهن من تربية أولادهن ما يشغلهن في بيوتهن عن أمور يقوم بها الرجال، وتتعلم المرأة مهما كانت منزلتها سورًا من القرآن وما يلزمها من أصول الدين، وتحفظ الأشعار والأخبار، وتحضر القصص والوعظ وتأتمُّ بالرجال في المساجد، والغالب أنه كان الرسم منذ القديم أن لا تخلو دارُ أحدٍ من أرباب اليسار من فقيه يختلف إِليها يعلِّم الأبناء والبنين ويتفقه به الصغير والكبير، أو من قارئ يتلو حصصًا من الكتاب العزيز في الليل أو النهار، وكانت العادة أن من بركة كل بيت مهما علَت مكانة أصحابه أن يتعلم بعض أبنائه العلم الديني على الأصول ويتخرج بالشيوخ ويأخذ عن القراء، وحفظ القرآن من الأمور التي شاعت في القُطر شيوع العقائد الراسخة، ثم إِن من واجب المسلم أن يعلِّم جيرانه ويفقِّههم ويفطنهم، ومن مصلحة القبطي والرومي أن يتعلما لغة العرب للتفاهم وللإِتْجار.

والغريب عن اللغة قد لا يحتاج إِلا إِلى أشهرٍ قليلة حتى يتعلمها، واللسان كان منذ وُجِد الإِنسان يُعلَّم بالتلقين والتلقي، ويرسَّخ بالسماع والانطباع، أكثر من قراءة الصحف والكُتب، وهذه ما كانت تصل في الصدر الأول إِلى غير أيدي الخاصة من الناس لغلائها وعِزتها، وفي حدود ثمانٍ وثمانين من الهجرة فقط، اتُّخِذ الكاغَدُ؛ أي الورق من القطن، فَرَخُص ثمن الطوامير والقراطيس، وكانت الصحف تُكتب على لُباب البَردي وهو غالٍ ثمينٍ. ويطلقون اسم الصَّحَفي على من لم يلقَ العلماء ويأخذ علمه عن الصحف، فالعلم الإِسلامي وإِن بدأ تدوينه في زمن الصحابة إِلا أن المسلمين كانوا يخزنون علمهم في الصدور، أكثر مما يرقمونه في السطور، وربما لم تبلغ أُمة من الأمم شأو العرب في الرواية والدراية.

ولعله كان من الخير للفاتحين ونشر تعاليمهم ولسانهم كونهم ما تصعَّبوا في إِشراك أبناء الذمة في المصالح العامة، فاستعملوهم منذ أول الفتح في بعض شئون الدولة ولا سيما في جباية الأموال وصرفها، ومنذ القرن الأول كان جميع عمال الأرياف من القبط، وكان ناظر مالية الدولة الأُموية على عهد معاوية نصرانيًّا وتولى ذلك بنوه للخليفة من بعده، ولما نُقلت الدواوين إِلى العربية على عهد عبد الملك بن مروان، ونُقل ديوان مصر من الرومية والقبطية إِلى العربية، كما نُقل ديوان الشام والعراق من الرومية والفارسية، ضنَّ الفاتحون بأرباب الكفاءات من العمال السابقين فما صرفوهم من التصرف والخدمة، وما كان يُشترط للعمل غير معرفة لسان الدولة والأمانة للسلطان حتى يُولِيه ثقته ويخلطه بنفسه، وحدَّثنا التاريخ أن عمرو بن العاص كان أول من اتصل بالعلماء من القبط والروم وأنه كانت له صحبة مع يحيى غرماطيقوس — أي النحوي الفيلسوف — وأُعجب كلاهما بصاحبه، وأن خالد بن يزيد الأُموي عالِمَ قريش وحكيمَها لجأ إِلى علماء من القبط لما أراد نقل بعض العلوم إِلى العربية، فنقلوا له شيئًا في الطب والكيمياء وغيرها، وكان يفضل عليهم وعلى العلماء الآخرين من الروم والسريان كثيرًا، حتى نُقلت له مبادئ الصناعات والعلوم والنجوم والحروب.

وتدين مصر لبني أُمية خاصة بأوضاع من العدل والعمران كثيرة؛ ذلك لأنهم كانوا يرسلون لإِمارتها أمثل رجالهم وتطول إِمارتهم فيها ليتمكنوا من معرفة ما يصلحها، ومَن كعمرو بن العاص بإِدارته الحسنة وسياسته الرشيدة، ومَن كعُتْبَة بن أبي سفيان شقيق معاوية، وكان من أخطب خُطباء العرب يطفئُ في ولايته القصيرة الفتنة وينشر الإِسلام، وكان بعض أهل مصر من العرب اشتركوا كأهل الكوفة والبصرة بمقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث، ومَن كعبد الله بن سعد في حُسن سيرته ومعرفته بسياسة الملك، وفيها طالت أيامه كما طالت إِمارة مسلمة بن مُخَلَّد خمس عشرة سنة، وطالت أيام عبد العزيز بن مروان إِحدى وعشرين سنة، وفي أيامه عمرت مصر عمرانًا ليس مثله، وبنى في حلوان الدور والمساجد وغيرها أحسن عمارة وأحكمها وغرس كَرْمها ونخلها، وهو والد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل الذي أشبه جده لأُمه عمر بن الخطاب بعدله وإِحسانه، وهو الذي كتب إِلى عامله على مصر وقد شكا إِليه نقص الجباية لإِقبال الناس على الدخول في الإِسلام: إِن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا، وهو الذي جعل الفتيا بمصر إِلى ثلاثة رجال؛ رجلين من الموالي ورجل من العرب، فأنكر العرب فعله، فقال: ما ذنبي أن كانت الموالي تسمو بأنفسها صُعُدًا وأنتم لا تَسمُون، وهو الذي قال لأسامة بن زيد، وقد بعثه سليمان بن عبد الملك على ديوان جُند مصر وحثه على توفير الخراج: ويحك يا أسامة، إِنك تأتي قومًا قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإِن قدرت أن تنعشهم فأنعشهم، كأنه كان يشعر، وهو من مواليد مصر وأبوه أميرها، أن في إِدارة الدولة شيئًا من الظلم تجب إِزالته. ومثل هذه الشفقة والرحمة والعطف كانت تُحبب الإِسلام إِلى القوم فيسلمون ويمتزجون برجال الدولة، أو يبقون على دينهم لا يُفتنون عنه، ولا تؤخذ كنائسهم، ولا يهان قساوستهم.

أصبح سكان مصر في القرن الرابع أخلاطًا من الناس مختلفي الأجناس من قبط وروم وعرب وبربر وأكراد وديلم وتتر وأرمن وحبشان وغير ذلك من الأصناف والأجناس، وجمهورهم القبط، واختلطت الأنساب واقتصروا من الانتساب على ذكر مساقط رءوسهم، وفي هذا القرن كان القبط يتحدثون بالقبطية على رواية المقدسي، ولهم — كما قال ابن حوقل — البِيع الكثيرة وهم أهل يسار وفيهم قلة شر وكثرة خير، ويقول الظاهري في القرن التاسع: إِن بالصعيد من الكنائس والديورة قريب ألف وغالب أهله نصارى؛ أي أقباط.

إِذا عرفنا هذا، فليس ما يمنع من القول إِن بوتقة مصر في الدول الإِسلامية كانت تتمثل فيها العناصر الغريبة فتصبغها بصبغتها، تُحيلها مصرية صِرْفة بعد جيل أو جيلين. وساعدَ على مزج الدخيل والأصيل فيها ورودُ النهي عن التفاخر بالجنسية والقومية، وعدم التفريق بين العربي والأعجمي إِلا بالتقوى. ومن مصطلح العرب أن كل من أقام ببلدة ولو مدة وجيزة ثم مات فيها عُدَّ من أهلها ونُسب إِليها، ولما كان ابن وادي النيل لَبِدًا بطبعه مولعًا بمائه وهوائه، صعُب عليه أن يهجره إِلى أقطار أخرى ليكثِّر سواد شعب غير شعبه. والمصري منذ القديم لا يبغي عن مصر حِوَلًا، فهو مغتبط بنيله، عاشق تُرْبَته، راضٍ بما قُسم له، فكان مصر منذ عهد الفراعنة الأولين بلدَ استيراد أكثر مما هو بلد استصدار، ولولا فريضة الحج في الإِسلام، ما خرج المصري إِلى الحجاز أيضًا يفارق ما في داره من النعيم المقيم.

وكانت مصر في الدول العربية بأرباب الرحلات من المحدِثين والفقهاء والأدباء والعلماء أكثر اتصالًا فكريًّا بالأقطار الأخرى من معظم الأمصار؛ لتوسطها بين البلدان العربية، وترسل إِلى الأصقاع الأخرى ما لا يكلفها حمله كبير عناءٍ من بضائع علمها وفنها وتفكيرها، وإِذا هاجر أحد أبنائها فهجرته موقتة، والغريب قد تفتنه فيتخذها مسكنًا دائمًا، وقد كثُرت هجرة العلماء إِليها من أقطار الأرض بعد القرن الثالث؛ لأن الفتن اندلع لسانها، ولا سيما في العراق والشام، والعلماء أحوج الناس إِلى السلام، وكانت مصر ساكنة هادئة بفضل من استولوا عليها في ذاك الدور، ولما خرَّب المغول بغداد في القرن السابع رحل العلماءُ منها إِلى مصر، على نحو ما جرى لما استولى الأتراك على الأستانة في القرن التاسع فرحل منها إِلى إِيطاليا بعض علماء اليونان، وكانوا من عوامل نهضتها، وفي رحلات المرتحلين من مصر وإِليها ضَرْبٌ من ضروب تبادل العلم والأفكار، وكانت الجوامع تُؤْوِي هذه الطبقات من المشتغلين، قبل أن تنشأ المدارس في القرن السادس، وما خلت بيوت العِلْيَة من الناس في كل محلة ومنزلة من قبول النزلاء على الرحب والسعة، والكرم ما انقطع من مصر في دور من أدوارها؛ ذلك لأن المصري كالعربي يعد الشُّح مثلبة، وأيُّ مثلبة. وفي قصة المرأة القبطية المشهورة مثال من هذا الكرم الفطري؛ ذلك أن الخليفة المأمون مرَّ بقريتها طاء لنمل (طُنامل) لمَّا وافى مصر، فسألته أن يقبل قِراها ولما اعتذر بكت بكاءً كثيرًا وقالت: لا تُشمت بي الأعداءَ ولا تحرمني هذا الشرف الذي تولينيه وعقبي، فنزل عليها برجاله وجيشه، فأطعمتهم من فاخر الطعام ولذيذه. وبعثت إِلى الخليفة في الصباح بعشر وصائف مع كل وصيفة طبق، في كل طبق كيس من ذهب فاستحسن ذلك وأمَرها بإِعادته، فقالت: والله لا أفعل، فتأمل المأمون الذهب، فإِذا به ضرب عام واحد كله، فقال: هذا والله أعجب، وربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك. فقالت: يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا، فقال: إِن في بعض ما صنعتِ لكفاية، ولا نحب التثقيل عليكِ، فردي مالك بارك الله فيكِ، فأخذت قطعة من الأرض وقالت: يا أمير المؤمنين، هذا — وأشارت إِلى الذهب — من هذا — وأشارت إِلى الطين — ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير، فأمر به فأُخذ منها، وأقطعها عدة ضِياع وأعفاها من بعض خراج أرضها.

رأينا العرب ينقلون من دار أعرابيتهم أساس الثقافة العربيَّة على نحو ما جروا في كل قُطر فتحوه؛ فيشخص إِليها رجال القرآن والفقه والرواة من الحجاز واليمن وفيهم الجُهَني والفِهري والتميمي والتَّنوخي والمخزومي والمُزَني والعبسي واللَّخْمي والقُرَشي والخزاعي والقضاعي والأزدي والحَضْرَمي، ثم صار يغشاها الجرجاني والنَّيْسَابوري والمَرْوَزِي والشيرازي والدينوري والسمَرقندي والخُوارزمي والبُسْتِي والطبري والهَمَذاني والطُّوُسي والجُوَيْني والتَّبرِيزي والشَّهَرَزُوري والقَزويني والغَزْنَوي والهرَوي والخُراساني والنَّسائي والبَلْخي والبَيْهَقي والإِصطخري والأهوازي والسِّيرافي والبغدادي والإِربلي والكوفي والبصري والموصلي والحَرَّاني والواسِطِي والمِصيصي والإِسْعَردي والجَزَري والمارديني والطَّرَسُوسي والتفليسي والدمشقي والحلبي والحمْصي والبعلبكي والحَمَوي والطَّرابُلسي والنَّابُلسي والصَّفَدي والمَقْدِسي والعسقلاني والأنطاكي والصنعاني والخولاني، ثم الغَرناطي والقُرطبي والقَيْرَواني والفاسي والتونسي والسُّوسي والصَّفَاقُسي والصَّقلِي والمَيُورقي والصنهاجي والتِّلِمْسَاني، فكان علماؤها والممتازون من رجالها من أُصول عربية أو من المستعربة، وبعد حين صرت تسمع باسم الإِسكندراني والدمياطي والرشيدي والتِّنيسي والمحلي والأسيوطي والبُوَيطي والأسواني والطَّحاوي والطنطاوي والصَّدَفي والبُلقِيني والبوصيري والإِخميمي والسخاوي والقلقشندي والإِسنوي والإِسنائي والصعيدي والقوصي والبُحَيري والقليوبي والطوخي والبيجوري والديروطي والشرقاوي والجيزي والجيزاوي والجَرْجَاوي والدِّشْناوي والدمنهوري والفيومي والقِفطي والأرمنتي والزنكلوني والمُناوي والمنياوي والبِلبِيسي والأبياري والأدفُوي والحَوْفي والشَّنطوفي والقِنائي والبَهْنساوي أو البَهْنسي والأشموني والسَّمنُّودي، إِلى غيرهم من الرجال الذين نُسبوا إِلى مساقط رءوسهم فأدركنا لأول وهلة أنهم من صميم المصريين.

عرفنا أن الثقافة التي انتشرت في مصر جمعت بين القرآن والسُّنة والشعر والأدب، ولما تعينت المذاهب انتشر فقه المالكي والشافعي، ثم فقه أبي حنيفة والفقه الحنبلي على قلة، ثم الفقه الإِسماعيلي مذهب الفاطميين من آل البيت؛ انقرض هذا الفقه الشيعي أَوائل عهد دولة بني أيوب. وانتشر التصوف أكثر من الفلسفة، وصرف الناس همهم إِلى الدينيات، وعدوا من فروعها التصوف ونابذ الفقهاءُ الفلاسفة، ولكن الأمصار ما خلت في عصر من الأعصار من مفننين وحكماءَ لو وقع إِلينا كل ما دُوِّن في هذا الشأن، لعرفنا طبقة كبيرة من هذه الأصناف، فعندنا طبقات المفسرين المحدِّثين والحفاظ والشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة والأدباء والشعراء والأطباء والحكماء والصوفية، وما سقطنا في تركة السلف على طبقات المصورين والنقاشين والمهندسين والموسيقاريين، بل عرفناهم بالشيء القليل الذي جاءَ عرَضًا في الكُتب الباقية التي ما كُسرت عليهم، ولو كتبوا هم بأنفسهم عن أبناء فنهم لاطلعنا من مخلفاتهم على أسرار في هذه المدنية التي نَمَّت عنها مصانعهم وتجلت بها هندستهم الجميلة وتراتيبهم التي ما خلت من إِبداع، وتم بذلك تاريخ التهذيب العربي وما أنتج من بدائع وروائع. ولا يُعقل أن لا يترجم المفننون لرجالهم، والغالب أن مدوناتهم فُقِدت في جملة ما فُقِد من ثروتنا العلمية والأدبية في الفتن والثورات والعوامل الأرضية والسماوية.

ولو وقع إِلينا ما دوَّنه أرباب الصنائع والفنون كما انتهى إِلينا ما دوَّنه علماء الشريعة والأدب والتاريخ، لعرفنا جمهورًا نجهله من الناس، وكم من علم اندفن في صدر، ومن فن ما قدره الناس قدْرَه، فزهد الناس فيه، وهذه المصانع التي أبقت الأيام على خطوطها ورسومها في الفسطاط والقطائع وما في جوارهما من القاهرة المُعزِّية من المدارس والجوامع والرباطات والمستشفيات شاهدةٌ على الدهر بما أبدعت تلك العقول والأنامل التي حملت شيئًا كثيرًا من العلم والعمل، وقد اشتركت الطوائف الدينية الثلاث على السواء في إِخراجها للناس، وكان سواد الأطباء والمنجِّمين والمهندسين من غير المسلمين، وخاصةً من اليهود بادئَ بدءٍ، فأصبح سوادهم الأعظم من المسلمين في الأدوار التي كثر فيها من انتحلوا الإِسلام.

أخذ القوم في القرن السادس ينشئون المدارس، يُنزلِون فيها كل من يحب طلب العلم، ويغدقون على الدارسين والمدرسين ما يقوم بهم على حد الكفاية؛ بدعة حسنة ابتدعها عقل صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشام، وكثرت المدارس بعد ذلك حتى لا تكاد تخلو منها الحواضر الصغيرة، وضاع كثير من أخبارها في جملة ما أتت عليه الأيام؛ فقد كان في قوص في القرن السابع ستة عشر مكانًا للتدريس، وبأسوان ثلاثة، وبإِسنا مدرستان، وبالأقصر مدرسة، وبأرْمنت مدرسة، وبقنا مدرستان، لا جَرَمَ أنه كان في المدن الأخرى كالإِسكندرية وبلبيس ودمنهور والمنوفية وغيرها مجالس ومدارس لطلب العلم الديني، وعلوم العربية تابعةٌ له ومعينة على تفهُّمه.

وكان الحاكم بأمر الله الفاطمي أنشأ في سنة ٣٩٥ دار العلم أو دار الحكمة في القاهرة، فجلس فيها القراء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأخيار، ورتَّب فيها قومًا يدرِّسون الناسَ العلومَ، وسبَّل عليهم خزانة كُتب عظيمة فيها من كل فن خبر، وكان من جملة ما يُعلَّم فيها الطب والرياضيات والمنطق، وبقيت نحو ١٧٥ سنة عامرة، وعاد الأفضل في آخر أيام العبيديين فأسس دار العلم سنة ٥٧١ واستخدم فيها مُقرئين، ولم تزل عامرة إِلى انقراض الدولة الفاطمية. وكان القائد جوهر الصقلي فاتح مصر باسم الفاطميين أنشأ الأزهر فأصبح منذ عهدهم إِلى اليوم مصدر العلوم الشرعية ومباءة الآداب؛ أنشئوه لنشر التشيع، وظل على ذلك طول أيامهم، وكان غرامهم كثيرًا في الدعوة لمذهبهم تُقرأُ على رئيسه، ويُسمُّونه داعي الدعاة، كُتبهم بدار العلم، وطبيعي أن يتبع تعليمَ المذهب تلقينُ العربية على أُصولها؛ لأن البراعة في الشريعة تتوقف على البراعة في فنون العربية والمنطق والجدل والحكمة القديمة.

وَغَبر الناس في مصر يستفيدون من كل ما تأتيهم به الدولة الحاكمة، والواقع أن كل دولة حكمت مصر، ولو حقبة صغيرة من الدهر، أبقت أثرًا من آثار غيرَتها على العلوم والصنائع وعُنيت بنشر الآداب؛ يتراءَى ذلك من النظر إِلى المصانع والآثار وما دَوَّن المدونون من تاريخ وأخبار، وكان غرامهم ظاهرًا بإِنشاء المساجد، وقد ضاقت مرة بيوت الأموال من مال الخُمُس في مصر، فصدر أمر الخليفة ببناء المساجد، واستغنى الناس أيام كافور الإِخشيدي ولم يجد أرباب الأموال من يقبل منهم الزكاة، فأمرهم أن يبنوا بها المساجد ويتخذوا لها الأوقاف. وما كانوا يغفلون مع هذا عن بناء القناطر والجسور والعمائر النافعة لجلب السعة إِلى المصريين، ولئلا يقل الارتفاع إِذا أُهمل أمرها. وبعُد؛ فمن كان يظن أن دولة الأيوبيين التي خُلقت وماتت في الحروب الصليبية وبها كانت الشام ومصر في أمرٍ مريجٍ تُعْنَى أيضًا بالعلوم والصناعات وأعمال العمران؟!

هذا والدولة في حالة تقلقل عظيم لدفع صائل أهل أوروبا عن هذا القُطر والديار الشامية، وقد وصف ابن جبير في القرن السادس مفاخر الإِسكندرية وعدَّ منها المدارس والمحارس؛ أي الأبراج الموضوعة فيها لأهل الطلب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنًا يأوي إِليه، ومدرِّسًا يعلِّمه الفن الذي يريد تعلُّمه، وإِجراء يقوم به في جميع أحواله، قال: واتسع اعتناء السلطان؛ أي صلاح الدين بن أيوب، بهؤلاءِ الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا إِلى ذلك، ونصب لهم مارستانًا لعلاج مَن مَرِضَ منهم. وقال في كلامه على مصر والقاهرة: وما منها جامع من الجوامع، ولا مسجد من المساجد، ولا روضة من الروضات المبنية على القبور، ولا محرس من المحارس، ولا مدرسة من المدارس، إِلا وفضْل السلطان يعم جميع من يأوي إِليها ويلزم السكنى فيها، تهون عليه في ذلك نفقات بيوت الأموال، وأنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله — عز وجل — يعلِّمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجري عليهم الجراية الكافية لهم، وذكر غيره أن جامع مصر بين العشائَينِ كان غاصًّا بحِلَقِ الفقهاء وأئمة القراءِ وأهل الأدب والحكمة، ولا ترى أجلَّ من مجالس القراء به، وأن هذه المجالس كثيرة، وربما لا يكاد يخلو مسجدٌ كبير من مجلس يسمع فيه الناس علمًا وحكمة وعظة، ويقول المقدسي في الفسطاط: إِنه ليس في الإِسلام أكبر مجالس من جامعه، وأنه معدن العلماء، وأن نغمة أهل مصر بالقرآن حسنة.

بل مَن كان يظن أن دولتي المماليك البرية والبحرية، وفي إِدارتهما بعض العُهْدَة، تُعنيان بالآداب والمعارف على مِثال الدول العربية السالفة، حتى كثُرت في أيامهم المدارس والجوامع والترب كثرة عجيبة، وارتقى فن البناء وظهرت علائم الترف، وكثر المؤلفون والباحثون، وزادت علاقات مصر بدول الغرب وعلاقاتها بدول الشرق. نعم في أيامهم تنافس الأمراء في تشييد الزوايا، وكانت كل زاوية بمصر مُعَيَّنةً لطائفة من الفقراء، وفي عهد بعض ملوكهم تنافس الأمراء والكبراء في بناء المساجد وزادوا وغَلْوا؛ لأن أمير الوقت كان يغلب عليه الصلاح وحبيب إِلى قلبه أن يرى ذلك من رعيته ورجاله، والناس على دين ملوكهم. وما نراه في بعض الأحياء القديمة في القاهرة من قيام الجامع إِلى جانب أخيه، هو أثر من آثار هذه العناية، ولو كان اجتمع جماعة على بناء الجامع الواحد بدل اختصاص كل فرد بعمله، لجاء العمران في مصر وغير مصر صورة عظيمة من صور التضامن الاجتماعي، ولكُتِب البقاءُ للمصانع الكبرى أكثر من غيرها.

وأكثر ما نفع مصر في علمها وجعل لمعظم مظاهر العقل فيها مظهرًا خاصًّا، أنها تمتعت من العهد الأُموي والعباسي بأجمل أيامهما، وكان لها أبدًا شبه إِدارة خاصة، ولطالما نزعت إِلى الاستقلال الجزئي أو الكلي، وباستقلال ابن طولون بها عمرت عمرانًا غريبًا ما عهدته منذ قرون. ومن أهم ما حفظ لمصر شخصيتها، وأبقى عليها آثارها، قيام صحراءِ التيه في طريقها إِلى بلاد الشرق، فتحامى كثير من الفاتحين اقتحامها من البر، وكان من الصعب اقتحامها من طريق البحر في عصور سفن الهواء، ومن سعادة مصر أن بيت المقدس بعيد عن حدودها، فما غزاها الصليبيون مائتي سنة لاستخلاصه كما وقع في الشام. ومن حُسن الطالع أيضًا أن أشرار الفاتحين، أمثال جنكيز وهولاكو وغازان وتيمورلنك، ما حدَّثتهم أنفسهم في التقدم لاحتلالها فنجت من تخريبهم على ما خربوا كل بلد نزلوه من بلاد الإِسلام في القرن السابع والثامن والتاسع، ومنها ما دمروه عن آخره ولم يُبقوا من أهله ديارًا.

وأبت الأقدار إِلا أن تساهم مصر بأخَرة سائرَ الأقطار العربية في حظها من الفاتحين، فجاء سليم الأول العثماني المدعو بالجبَّار «ياوز» من طريق صحراء التيه يضرب على أيدي المماليك فيها، وكانت نفوس المصريين قد سئمت أحكامهم أواخر أيامهم ونمى إِلى المصريين من أخبار الدولة العثمانية ما يُغري بها، فعلَّقوا على انضمام مصر إِلى الأتراك آمالًا طوالًا، بَيْدَ أن الاحتكاك بالتُّرك العثمانيين أظهر أن طبيعة المغول واحدة؛ لأنهم والتُّرك من جنسٍ واحد وهؤلاء لا يفضلونهم إِلا لأنهم دانوا بالإِسلام، بَيْدَ أنهم إِن تحاموا تخريب البلاد التي يحتلونها على الغالب لا يتحرجون من إِدخال الوهن على مقوماتها؛ فقد عمل السلطان سليم في هذا القطر أعمالًا نابية عن حد الإِنصاف، ومن أهمها أنه أخذ إِلى القسطنطينية الممتازين من رجالها، والنابغين من أرباب الصنائع فيها، فبطلت فيها خمسون صنعة، هذا إِلى ما حمله معه من ذهبها وجواهرها وعادياتها وكُتبها وأعلاقها. واتفق قُبَيْل فتحه أن كان البرتقاليون وُفِّقوا إِلى الطواف حول إِفريقية؛ ففتحوا طريق رأس الرجاء الصالح، وحوَّلوا تجارة الشرق عن مصر، وكانت سوقها الكبرى دهرًا طويلًا، وبحر القُلْزُم أهم منفذ لها، وكان من هذا الاختلاط والتمازج مع أهل الأقطار الأخرى فائدة لمصر، فلما ضعفت تجارتها افتقرت كمعظم هذا الشرق القريب، ومتى دب الفقر في أُمة تفتر على الأغلب أعمال العقل في بنيها. وكان من عوامل التقهقر أيضًا انتشار الأوبئة كل مدة لا تُبقي من الناس ولا تذر، ولئن قلَّت زلازل مصر، فما أكثر ما كانت طواعينها الجارفة!

كانت الحكومات التي سبقت العثمانيين مهما كان لونها تفكر في خير مصر؛ لأنها تأكل منه وتستمتع به، فتعطف على رجال الأدب وحمَلة الشريعة وتنشِّط الصناعات والتجارة والزراعة، ومنذ فتح الفاتح مدينة القسطنطينية حاول أن ينشئ له مدنية إِسلامية تضاهي على الأقل مدنية مصر في عهد المماليك، فأخفق لأن استعداد أُمته للصناعات العلمية والعملية كان ضعيفًا، وأُمته حربية صرفة، وربما عَدَّ الأتراك أعمال اليد والفكر مما لا يتناسب مع عظمة الأُمة الحاكمة؛ فتركوا العناصر الإِسلامية وشأنها تُنتج وهم يتمتعون، وما كان همُّ الدولة في مصر غير جمع المال من رعاياها وإِغناء طبقة خاصة من رجالها على نحو ما كان من رجال رومية على عهد دولة الرومان؛ فتركت القُطر غَرَضَ الرُّماة من الولاة، وكثيرًا ما كانت تُنصِّبهم أشهرًا قليلة لئلا يخرجوا بطول الزمن عن طاعتها، ومن كان منزله منزل قُلعة كيف يتسع له الوقت ليفكر في إِصلاح مختل وإِيجاد مفقود، هذا إِن كان على استعداد لعمل الخير للناس، وظل بقايا المماليك على كثرة من قُتِلَ منهم في الفتح العثماني حكام مصر بالفعل، ولا تكاد تقع في أهل هذه الدولة الأعجمية على شيء اسمه ثقافة أو أدب أو عمران، واضمحل في عهدها كثير من مشخصات الأمم، وأصبحت المدارس اصطبلات ودورًا وبطل التدريس فيها، واستُصفيت الوقوف التي كان أهل الإِحسان من الملوك والأمراء والأغنياء حبسوها عليها، وانحط الأزهر في أيامهم إِلى التي ليس بعدها، ورُفِع منه معظم ما يفتح الذهن من الفنون؛ فجمدت وتعقدت طريقة التعليم فيه؛ فصارت قواعد العلوم ألغازًا وأحاجي حملت الكُتب منها أحمالًا، وضاع الجوهر النافع في غمار الحواشي والشروح والتعاليق والاختلافات، وشِيبَتِ العلوم الدينية بما لم يكن فيها، فضلَّت الأفهام لزهد العلماء في كُتب الأقدمين السهلة الواضحة، وتعلُّقهم بكُتب المتأخرين وما فيها من خبط وخلط أحيانًا تضيع في حل رموزها الأعمار جزافًا. وسقط الشعر إِلى الدرك الأسفل، وأمسى النثر أبرد من عَضْرَس، وآض الطب والهندسة وسائر الفنون اسمًا بلا مسمى.

نعم، ضعفت الآداب حتى ما تكاد تعدُّ مصر بعد القرن الثامن من الشعراء من يجدر بالناس أن يتناقلوا كلامهم، وفسدت الكتابة بالسجع السخيف، وفي الكُتب نموذجات من كل عصر لا ترضيك منها السلطانيات ولا الإِخوانيات؛ أي ما صدر عن الملوك والأمراء وما صدر عن الأفراد من الأدباء. وعلى تلك النسبة انحطت الخطابة وكان لها في عصور الارتقاء مواسم جنية الثمرات، تنفع في رفع مستوى العقول في الأخلاق والسياسة ومعظم المظاهر الاجتماعية، فأصبحت في هذا العهد عاملًا من عوامل الزهد والتوكل وتسويد الدنيا في وجوه من يسمعونها، وتعليمهم الرضا بالدون من العيش، فأماتت الهمم، ونزعت الشمم، ولقنت الناس منازع لو سار عليها المسلمون في قرونهم الأولى لما أنشئوا مدنية جميلة، ولا أسسوا مُلكًا ضخمًا، بل كانوا بلا مراء أحطَّ من زنوج أفريقيا.

وتخدرت الأعصاب فوهنت المدنية، وهل المدنية غير ابنة الأعصاب القوية؟ وذلك بما انتشر في أرجاء القُطر من أهواء جديدة علَّمت الناس الكسل وأبعدتهم عن حياة العمل؛ فراجت الخرافات والتُّرَّهَات، واعتقد من اعتقد بالكرامات، وكثر الاستمداد من أهل القبور والنَّذْر لها والاجتماع حولها، بما لم يُعهد له مثيل في البضعة القرون الأولى للإِسلام؛ كأن المتأخرين عرفوا من روح الدين ما لم يعرفه جماعات الصحابة والتابعين وتابعوهم! وبطل حكم العلوم المادية، وما عادت الآداب تنفع في إِنارة الأفهام وتحسين حال المجتمع، وخلَت ممن يستحسنها أو يستهجنها، وممن يقرها أو ينقُدها، وكان الشعر في الدهر الغابر يُقيم القبيلة ويقعدها، والخطبة الواحدة تعقد الصلح أو تشهر الحرب، وغدا الناس لا يتفاهمون في مصالحهم الجزئية مع عمالهم إِلا بواسطة التراجمة، والقضاء تركي، والإِدارة تركية، والروح تركي، ومئات الألوف من أهل مصر لا نقض لهم ولا إِبرام في تراتيب بلادهم وموارد حياتهم.

يقول مؤرخو التُّرك إِن السلطان سليمًا فاتح مصر وبلاد العرب كان ينوي أن يُجْلِيَ غير المسلمين عن بلاده بحيث تصبح إِسلامية صرفة، فمنعه من ذلك شيخ الإِسلام زنبللي علي أفندي، وقال ليس لك أن تُزحزحهم عن أرضهم ولا حق لك في غير الجزية منهم، وإنه كان من أمانيِّ هذا السلطان أن يجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، ولكن الأجل لم يساعده على إِنفاذ أُمنيته لِما شُغل به مدة حكمه من الحروب والغارات، ومهما أُحْسِن الظن بما كان من نيته، فالعبرة بإِخراج أفكاره من حيز القول إِلى ميدان العمل، ولو كان بدأ على الأقل بأن يكتب أوامره إِلى البلاد العربية بلغتها، لقلنا إِنه يمهد السبيل لما يرى فيه سلامة الدولة والأُمة، وإِلا فالتفكيرات كثيرة، والمناهج لا حد لها، وقد يُبَيِّت آحاد الناس أفكارًا جيدة لا تُعدُّ في معرض العمل إِلا من عالم الخيال، وبعض أفكار العامة أيضًا إِذا طُبِّقت كانت شيئًا مذكورًا.

وما زالت حال القُطر المصري إِلى تقهقر خلال القرون الثلاثة التي حكمت الدولة العثمانية فيه مباشرة حتى قُيِّض له رجل أعجمي صحَّت عزيمته على تأسيس مملكة عربية، عَنَيْنا محمد علي الكبير، فسار في مُلكه بسيرة من ملكوا في الإِسلام من أجناس التُّرك والشركس والكرد والبربر والفُرس والديلم؛ أي إنه لم يتخذ غير العربية لغة، وتَرَسَّم خطى من سبقوه إِلى حكم مصر من غير العثمانيين، وعُني عناية خاصة بنشر الثقافة الغربية ينقلها عن فرنسا وغيرها فأحيا رِممًا كادت تفنى، وأدخل روحًا إِلى جسم عَلِقَ يَبلى «والعلم مُذْ كان محتاجٌ إِلى العَلَم»؛ فالْتَهَمَ المصريون العلوم المادية التي أتاهم بها المُصلح الجديد، وما قاوم رجال الدين التيار الذي انساب إِليهم فأغضوا عما لم يستحسنوه كثيرًا في باطنهم، خلافًا لِما كان لمن انتظموا في مثل سلكهم في فروق عاصمة الخلافة؛ فإِنهم قاوموا الطباعة، وأفتى بعضهم بتحريم طبع القرآن، وقاوموا العلوم المادية وحظروا تعلُّمها، وقاوموا اللباس الغربي والطربوش، كما كانوا من قبل حرموا القهوة والدخان، فقُتِل في هذه السبيل أولًا وآخرًا ألوف من الخلق، والعربي على ما يظهر أكثر الشعوب الإِسلامية تسامحًا وحرية، وإِن كان العرب ما زالوا منذ عصر صاحب الرسالة دعاة الدين وأمناءه، وتسامحهم مع من يخالفهم موضع العجب.

دخل الإِصلاح ديار مصر يتناول أكثر الفروع والمظاهر؛ فشُغِل المدنيون ببث ثقافتهم والحكومة من ورائهم تحميهم وتنصرهم، ولم يَرَ الدينيون بعد قليل من التلكؤ إِلا أن يسايروا الزمن ورضوا أن يُدخلوا في أنظمتهم وتراتيبهم شيئًا من الجديد المفيد، ونبذوا أو كادوا ما وُضِع من الكُتب في عصور الانحطاط الفكري، وأنشئوا يطبقون مفاصل الإِصلاح على طرائقهم ببطءٍ وتأنٍّ، وفتحوا السبيل إِلى أن يتذوق طلاب العلم الديني لماظة من العلوم التي دعوها بالعصرية، وكان الأولى أن تُسمَّى القديمة، كالرياضيات والطبيعيات والفلك والتاريخ وتقويم البلدان؛ فخرج من الأزهر وسائر المعاهد الدينية في القُطر علماءُ تعلَّموا في الجملة على غير الطريقة التي كانوا يمارسونها قبل ثلاثة أجيال، وكانت تُضعف العقل، وتَثْلُم الحواس.

وكان الفضل الأعظم في إِيجاد هذه المجموعة الجديدة من الثقافة وإِحياء الآداب العربية، لمدارس الحكومة على اختلاف درجاتها حتى يصل الطالب إِلى الجامعة، وأخرجت دار العلوم تلاميذ كان منهم أقدر العلماء والأدباء، ويُحمد أيضًا قصد المدارس الخاصة التي تؤهل طلابها للحياة الحرة، لا جَرَمَ أن وزارة المعارف منذ تأسيسها لم تألُ جهدًا في تحقيق رغبتها في نشر العلم؛ ولذلك كانت تساير الزمن في نشوئها وارتقائها، ومنذ انتظم أمر البعوث إِلى مدارس الغرب، ترسلها الحكومة أو الأفراد، دخلت ثقافة مصر في طور جديد، وأصبح فريق الدينيين وفريق الدنياويين، لا ينظر كلٌّ منهما إِلى صاحبه النظر الأول، وربما أضمر الواحد للثاني حرمة وحدثته نفسه لو شاركه في كل ما وعى ودرسَ، وقام في مصر أرقى رجال العهد القديم الذين تخرَّجوا بالتعاليم الدينية، وأرقى طبقة من رجال العلم الحديث ثقفوا أحدث الأساليب الغربية، واستساغ كلاهما طريقته، وقام بقسطه من تربية أبناء مصر، وتساندا وتعاونا إِلى أقصى حدٍّ ممكن، وتوشك ألا تبقى ناحية من نواحي العلوم والفنون لم يعالجها المصريون ويبرزوا فيها بقدر ما سمحت قرائحهم وساعدهم انتباههم، وأصبح الإِخصاء، وهو العلة الأولى في ارتقاء العلم في الغرب، مما يحرص على الأخذ به المتعلمون، وكان من يُطلق عليه اسم العالِم في القرون الغابرة نتفَةً يدَّعي معرفة كل شيء ولا يكاد يتقن مسألة من المسائل.

ومن نظر اليوم في المدارس على اختلاف درجاتها، وعارضها بما كان من نوعها منذ جيلين من الناس، وأمعن النظر فيما تخرَّج اليوم من الطلاب المجهزين بأجمل جهاز عقلي، وما كان يصدر عن المؤلفين والكُتاب والشعراء من الآثار وما يُخرجون للناس منها لعهدنا، وما كانت عليه الصحافة المصرية زمن الخديوي إِسماعيل وعهد ابنه جلالة الملك فؤاد الأول، وكيف كادت صحافة مصر في هذه الأعوام القليلة تضاهي صحافة الأمم التي بدأت بالنهضة منذ أربعة قرون؛ من رأى هذا يسجل فخورًا بأن قرنًا واحدًا، تخللته فَتَرات وهَجَعَات، كفى هذا القُطر بأن يصطنع له ثقافة فيها كل الخير لحياة مصر في مادياتها ومعنوياتها.

الجوامع والبِيع، والمدارس والمحاكم والأندية والصحافة، ودور التمثيل والغناء، غيرت لهجات القوم، حتى قربت اللغة العامية من الفصحى قربًا غريبًا، وليت أديسون اخترع الحاكي في القرن الماضي، فحُفظت لنا في أسطواناته لهجة الناس منذ مائة سنة لنقارنها بلهجتهم اليوم، ونستمع كيف كانت أحاديثهم في المجالس والمدارس ومواعظهم في الجوامع والكنائس، وخُطبهم في الأندية وقضاؤهم في المحاكم، وعسى أن لا ينقضيَ جيل أو بعض جيل حتى تصبح لغة التخاطب كلغة التكاتب، والكمال في ذلك مضمون كلما تسلسل الترقي في أبناء مصر واستوفوا نصيبهم من المعارف، ودأبوا على التحصيل والإِتقان حبًّا بالعلم للعلم لا رغبة في نيل الشهادات والألقاب واعتلاء المناصب والمراتب فقط؛ وعندها يجلون عن أنفسهم ويُقنعون من كانوا إِلى أمس ينكرون، بعوامل جنسية أو دينية أو سياسية، فَضْلَ المصري في تقدُّمه أشواطًا في طريق الحضارة العالمية.

وبعدُ؛ فلا علينا وقد أجملنا الأدوار التي تقلَّبت على ثقافة مصر أن نوجز في تعريف هذه النهضة الحديثة التي تمت في ظل الدولة العَلوية الكريمة وفضل من اختارتهم من خيرة المصريين، وما جماع ما يقال فيها إِلا أنها إِصلاح ثقافة قديمة، واقتباس ثقافة حديثة ضُمت إِلى جملتها، فكانت سيرة الدولة المصرية في هذا الشأن سيرة الدولة العباسية في أول أمرها؛ ارتقت فيها العلوم النقلية والعلوم العقلية معًا، ونظرت في عامة علوم الدين وما ينبغي لها، واقتبست علومًا مادية كانت راسخة عند من تقدموها في الأخذ بمذاهب الحضارة؛ فصحَّ أن تُدعى الثقافة المصرية الآن ثقافة عربية غربية إِسلامية تحس فيها روح العرب وروح الغرب وروح الإِسلام وفيها أثر حكمة القدماء والمحدثين، ومن كل معنى طرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠