روسو

سيداتي، ساداتي

الرجل الذي أريد أن أحدثكم عنه الليلة رجل غير عادي؛ لذلك أرجو أن تستمعوا للحديث عنه بعناية خاصة؛ فهو ليس كغيره من عظماء الرجال يمتاز بنبوغه وتفوقه وبراعته فحسب، وإنما يمتاز بشيءٍ آخر، يمتاز بأنه كان مريضًا، وكان يائسًا، وكان سيِّئ الحظ، وكان مجنونًا أيضًا، فالذين يريدون أن يدرسوا جان جاك روسو، والذين يريدون أن يتحدثوا عنه في حاجة إِلى أن يتهيئوا لهذا الدرس وهذا الحديث بشيءٍ من العطف والرحمة وبكثير جدًّا من الإِشفاق؛ فقد كان ذلك الرجل العظيم حقًّا أشد الناس إِثارة للعطف والإِشفاق، وإِن كان في حياته قد أثار البغض والمقت أكثر مما أثار أي شيءٍ آخر.

جان جاك روسو فرنسي الأصل، سويسري المنشأ، أُسرته فرنسية هاجرت من فرنسا في القرن السادس عشر إِلى سويسرا، ولم تلبث أن كسبت بمدينة جنيف الحقوق الوطنية فأصبحت سويسرية.

وُلِد جان جاك روسو في أوائل القرن الثامن عشر في ٢٨ يونيو سنة ١٧١٢، وكان أبوه رجلًا غريبًا، مسرفًا في العبث والمجون، يصنع الساعات، ويعلِّم الرقص ويسرف في اللهو، وعندما وُلِد جان جاك قُضي على حياة أُمه فماتت أثناء ولادته، ثم سافر أبوه هاربًا من جنيف وترك ابنه من غير عائل فنشأ نشأة مهملة شديدة الإِهمال، ليس له من يعنى به إِلا أقاربه والمتصلون بأسرته، وكان أظهر شيء في حياة روسو الأولى هذا الإِهمال، ومن هذا الإِهمال نشأت الصفات الأولى لروسو؛ فقد أخذ يقرأ كل ما يستطيع أن يقرأ سواء في ذلك الجيد والرديء، ولم تكن هناك مراقبة ما على حياته تضطره إِلى أن يستقر في بيته أو في بيت من أوى إِليه، فقد كان يخرج إِذا أتيح له الخروج، ويطوف في الشوارع، ويطوف خارج المدينة، ودُفع بعد أن تقدمت به السن إِلى مكاتب بعض الموثِّقين فلم يصنع شيئًا، وقال رئيسه أو معلمه إِنه لن يكون إِلا حمارًا، وفي سن السادسة عشرة من عمره كان أظهر ما يمتاز به من الصفات حب الهيام في الشوارع والطرق، وخرج ذات يوم خارج المدينة يتروض فطال غيابه، فلما أن عاد وجد أبواب المدينة مغلقة، فقرر ألا يدخل المدينة أبدًا؛ فسار في طريقه حتى فارق سويسرا ودخل الحدود الفرنسية.

ومن ذلك الوقت بدأت حياة جان جاك التي تمتاز بالهيام والاضطراب في غير نظام؛ لقي قسيسًا عُني به ثم قدمه إِلى امرأة كانت تقيم في أنسي، وكانت هذه المرأة كاثوليكية غريبة الأطوار، سيئة السيرة، كثيرة الكيد، وكانت تشتغل بالجاسوسية، وكانت جميلة مؤثرة الجمال تتصيد الشبان لتؤثر فيهم ولتخرجهم من البروتستانتية إِلى المذهب الكاثوليكي. عُنيت هذه المرأة بالشاب وأرسلته إِلى تورينو في إِيطاليا، وهناك دُفع إِلى جماعة من الرهبان، أخذوا يؤثرون فيه حتى أخرجوه من دينه وحملوه على اعتناق الكاثوليكية، ولكن جان جاك مع ذلك كان كارهًا لحياة الرهبان، ولكنه طاوعهم واعتنق الدين الجديد، ولما تم اعتناقه للدين الجديد أُخرج من الدير، ودُفع إِليه مقدار ضئيل جدًّا من المال، فأقام في بعض الغرف التي استأجرها وأخذ يلهو حتى استنفد ما كان معه من المال الضئيل، ثم احتاج إِلى أن يكسب فقدم نفسه إِلى بعض القصور على أن يكون خادمًا، وأقام في هذا القصر وقتًا ما، ولكن لم يُطِل فيه المقام؛ لأنه سرق ولم يكتفِ بالسرقة بل اتهم خادمة بأنها هي التي سرقت، فأُخرج وأُخرجت معه الخادمة، وهام على وجهه مرة أخرى وعاد إِلى صاحبته مدام دي فرانس وأقام عندها، وجدَّت هذه لكي تجد له عملًا، ولكنه كان كَلًّا على مولاه، أينما يوجِّهْهُ لا يأتِ بخير، ومن العسير جدًّا أن نتبع جان جاك في حياته هذه المضطربة؛ فقد كان كثير التنقل والارتحال، كثير الاضطراب في حياته وفي سيرته وفي كل شيء، ولكن منزل مدام دي فرانس كان هو المأوى الذي يأوي إِليه من حينٍ إِلى حين.

والذي أستطيع أن أوجزه لكم هو أن حياته مع مدام دي فرانس كانت شديدة الأثر جدًّا في سيرته كلها؛ فقد عطفت عليه المرأة في أول الأمر عطف السيد الذي يحمي ذلك الفتى الضعيف، ثم لم يكد هذا الفتى يبلغ العشرين حتى استحالت الصلة بينه وبين هذه المرأة إِلى شيء هو العشق، والغريب أنه كان يدعوها أُمه وكانت تدعوه ابنها الصغير، وليس هذا كل ما انتهت إِليه حياته مع مدام دي فرانس فما هي إِلا أوقات قصار حتى يظهر لجان جاك أنه لا يستأثر وحده بحب أُمه هذه، وأن له شريكًا في هذا الحب وأن هذا الشريك بستاني، وهو مضطرب في هذا الحب الغريب تثور نفسه على هذه الشركة ولكن الحاجة تدفعه إِلى قبولها، وينتهي به الأمر إِلى أن يخضع، ثم تخلِّصه الأقدار من شريكه هذا؛ لأنه يموت مسمومًا، ويخلو له قلب أُمه، ويخلص له حبها ولكنه سيئ الحظ فما أسرع ما ترسل إِليه الأقدار شريكًا آخر! وما أسرع ما يرى نفسه مضطرًا إِلى أن يقهر عواطفه الطبيعية، وإِلى أن يخضع مرة ثانية لمثل الشركة الآثمة التي خضع لها في المرة الأولى!

على أن مدام دي فرانس كانت تضيق به بعض الشيء، فترسله إِلى مونبليه ليعالج نفسه من بعض العلة، فيذهب إِليها ويعود إِلى صاحبته قابلًا للشركة دائمًا، ولكنه في الوقت نفسه ثقيل على الحبيبين وإِن كان مقبولًا في بعض الخلوات، ثم ينتهي الأمر إِلى أن تستأجر أُمه وعشيقته له بيتًا في مدينة بعيدة بعض الشيء فتخلص لصاحبها، ويخلص جان جاك للقراءة والدرس، ولكن لقراءةٍ لا نظام لها ولدرسٍ لا اعتدال فيه؛ وإنما هي القراءة المطلقة، القراءة في الليل والنهار، القراءة في غير اختيار وفي غير ترتيب، والدرس في غير اختيار أو ترتيب أيضًا، ثم في هذه المدة التي أقامها عاكفًا على القراءة والدرس كانت تزوره أُمه مدام دي فرانس من حينٍ إِلى حين.

وما هي إِلا أوقات قصار حتى يضيق بهذه الحياة ويحاول أن يلتمس له حياة أخرى فيسافر إِلى ليون ويتصل ببيت كبير هناك على أن يكون مربيًّا في هذا البيت، ولكنه في حياته الجديدة ليس خيرًا منه في غيرها؛ فهو مربٍّ ولكنه يسرق النبيذ ويحب صاحبة البيت ويسيء العناية بمن يجب عليه أن يربيهم؛ ولا يطول مقامه في هذا البيت فيخرج منه ويعود إِلى صاحبته، ثم تضطره الظروف إِلى أن يرحل إِلى باريس، وفي باريس تستحيل حياته إِلى حياة جديدة هي التي ستخرجه من حياته الأولى من طور إِلى طور وستغيره تغيرًا تامًّا؛ فيه خير لا حد له؛ لأنه اتصل بالأدباء والعلماء والأرستقراطية، وفيه شر لا حد له؛ لأنه لقي عاملة أحبها واتخذها صديقة ثم رفيقة وتدعى تيريز ليفاسير.

ومن هذين الأمرين تألفت الحياة الجديدة لجان جاك، أما اتصاله بالعلماء والأرستقراطية فقد جعل منه رجلًا عظيمًا، وأما اتصاله بهذه الفتاة العاملة فقد جعل منه رجلًا شقيًّا، والغريب أنه استطاع أول الأمر أن يلائم بين هذين النوعين المتناقضين من الحياة؛ فكان بين الأدباء والأرستقراطية كأحسن ما يكون أرستقراطيةً، وكان مع العلماء كأَحسن ما يكون الرجل العالِم، كان أرستقراطيًّا مع الأرستقراطية وكان عالِمًا مع العلماء، ولكنه نشأ نشأة وضيعة — إِن صح هذا التعبير — ومع أنه تعلَّم تعلمًا شديد الاضطراب فكان إِلى الجهل أقرب منه إِلى العلم، ثم كان في الوقت نفسه محبًّا أشد الحب لصاحبته تيريز مع بُعد ما بين تيريز العاملة الحقيرة الجاهلة التي هي أقرب إِلى الغفلة وإِلى الإِمعان في الغفلة منها إِلى أي شيء آخر؛ كان يلائم بين حياته مع هذه الفتاة العاملة الجاهلة وبين حياته مع الأرستقراطية ومجامع العلماء.

فإِذا بلغنا بجان جاك سنة ١٧٤٩ رأيناه معروفًا في باريس كما يجب أن يكون الرجل معروفًا في البيئات الراقية؛ يختلف إِلى القصور كما تعوَّد الأدباء والعلماء الممتازون، بل ارتفع أمره حتى أصبح عضوًا في جماعة دائرة المعارف مع بعض كبار العلماء الفرنسيين الذين كانوا يهيئون دائرة المعارف في ذلك الوقت؛ فهو إذن قد أصبح أديبًا ممتازًا، ولسنا ندري كيف استطاع أن يصل إِلى هذا المركز؛ لأن حياته لم تكن تؤهله لشيء من هذا، ومع ذلك فقد كان محبوبًا وكانت النساء الأديبات والأرستقراطيات في باريس يحببنه ويتهالكن عليه تهالكًا شديدًا، وكان هو سعيدًا بهذا مشغوفًا به، ولكنه لم يلبث أن أحس مرارته وضاق بالحياة أشد الضيق؛ فقد عرف سيدة أرستقراطية هي مدام دي بنيه، أحبها فأحبته، واتخذت له بيتًا قريبًا من قصرها وأنزلته في هذا البيت، وكان بهذا البيت سعيدًا مغتبطًا، وكان يرى أنه ارتفع إِلى الدرجة التي كان يتمناها، ولكنه لم يلبث أن أحس أن ارتفاعه هذا لم ينتهِ به إِلا إِلى الرِّقِّ؛ لأنه أحس أنه خاضع لسلطان هذه السيدة التي تؤْثره وتنعم عليه، فهو مكلف أن يستجيب لهذه السيدة كلما دعته، وهي تدعوه دائمًا.

وذات يوم عزمت هذه السيدة أن تسافر إِلى سويسرا فطلبت إِلى جان جاك أن يرافقها في هذا السفر، فكره هذه المرافقة وضاق بها وتردد ثم امتنع، وفهم من ذلك الوقت أنه لا يستطيع أن يعيش في هذه الأرستقراطية إِلا إِذا نزل عن كرامته وحريته؛ لأنه ليس أرستقراطي المولد، وفهم أن الذين يريدون أن يعيشوا كالأرستقراطيين يجب أن يقبلوا الخضوع والذلة والرق.

ومنذ ذلك الوقت أخذ جان جاك روسو يشعر شعورًا قويًّا جدًّا بالفرق بين هذه الطبقات، بين هذه الأرستقراطية الممتازة وبين هذه الطبقات الوسطى التي تظفر بالغنى والثروة ولكنها لا تستمتع بالحقوق كلها، ثم بين هذه الطبقات الدنيا طبقات الفقراء وطبقات الشعب التي لا تستمتع بحق ولا ثروة وإِنما هي مضطرة إِلى أن تعيش عيشة الذل والخضوع.

ومنذ ذلك الوقت أخذ جان جاك يشعر أنه ثائر متمرد على النظام الاجتماعي، وفي هذا الوقت أعلن المجمع العلمي في ديجون موضوعًا للمسابقة هو: «هل هناك فائدة من ازدهار العلوم والفنون؟» هذا هو الموضوع الذي عرضه المجمع العلمي على الكُتَّاب والأدباء، وأسرع روسو إِلى هذا الموضوع فدرسه وفكر فيه وأجاب عنه وكان صريحًا، ولكن إِجابته كانت قنبلة أُلقيت في باريس بل في فرنسا.

وكان هذا الجواب: لا، لا نفع ولا خير للإِنسان من ازدهار العلوم والفنون، بل العلوم شر والفنون شر والفلسفة شر، وخير للإِنسان أن يجهل العلوم والفنون وأن يعود إِلى حياته الطبيعية الأولى.

وبعد أعوام بينما كانت الحياة الأدبية الفرنسية مضطربة أشد الاضطراب بهذا الرأي، وبينما كان العلماء والأدباء يجادلون في هذا الرأي، وروسو يقاوم أولئك وهؤلاء؛ أعلن المجمع موضوعًا عرضه للمسابقة بين العلماء والأدباء وهو «مصدر التفاوت بين الناس»، فأقبل روسو على هذا الموضوع ودرسه وأجاب عليه، وقال إِن مصدر التفاوت بين الناس هو الحضارة وأن الحضارة شر كلها، والخير أن يرفض الإِنسان الحضارة ويعود إِلى حياته الطبيعية الأولى، فكان جوابه الثاني كجوابه الأول مصدرًا لثورة علمية واضطراب عظيم.

وبهذين الكتابين ظهر الخلاف عنيفًا جدًّا بين جان جاك وبين العلماء والأدباء الذين كان يشتغل معهم في إِعداد دائرة المعارف؛ فهؤلاء أنصار رقي العلم ورقي الفن ورقي الأدب وأنصار النظام والاجتماع بوجه عام، وهذا الذي أخذ ينكر فائدة العلم وقيمة الفن وينكر النظام ويريد أن يعود بالإِنسان إِلى حياته الأولى، هذا الرجل لا يستطيع أن يتعاون مع أصحاب دائرة المعارف.

ثم تدعو الحياة جان جاك إِلى أن يعود إِلى وطنه جنيف، وهناك يعود إِلى دينه الأول فيرفض الكاثوليكية، وهناك يظفر روسو بإِعجاب مواطنيه وبشيء من السعادة لا بأس به فهو قِبلة جنيف وهو عظيم المدينة، ولكنه لا يكاد يعود إِلى باريس ويستأنف حياته فيها حتى يدنو مسرعًا إِلى ما لم يكن بدٌّ من أن يدنو منه إِلى هذه الغاية، وهي سخط الناس جميعًا عليه؛ يضع كتابه في التربية، كتاب «أميل»، ولا يكاد يعلن هذا الكتاب وينشره حتى يُحدث ثورة أشد من التي أحدثها بكتابيه السابقين، وإِذا البرلمان في باريس يقضي على هذا الكتاب بالتحريق وبالقبض على صاحبه، وإِذا النذير يصل إِليه، وإِذا هو مضطر إِلى الهرب.

ولكنه طبع كتابًا آخر ليس أقل من «أميل» خطرًا، هو «العقد الاجتماعي» وإِذا الكتاب يُحدث ثورة، لا في باريس وحدها، بل في كل البلاد الأوروبية، وكان المعقول أن يجد جان جاك ملجأً في وطنه جنيف، ولكن كتابه قد قُضي عليه في جنيف بالتحريق، وقد حُرِّمت جنيف على روسو، فهو لا يستطيع أن يلجأ إِليها بعد أن أُغلقت عليه وحُرمت عليه، ثم يريد أن يلجأ إِلى مدينة أخرى من مدن سويسرا، فإِذا هذه المدينة قد حُرمت عليه أيضًا، وإِذا مدن سويسرا كلها قد حُرمت عليه، وإِذا هو مضطر إِلى أن يلجأ إِلى ناحية سويسرية لم تكن حرة في ذلك الوقت ولكنها كانت خاضعة لسلطان بروسيا، وهناك تستقر به الحياة أعوامًا ولكنه لا يكاد يظفر بالحياة المستريحة الآمنة حتى يقوم الجدال حول آرائه، وحتى يشتد هذا الجدال حتى يؤلب الشعب عليه وحتى يلقي خصومه — وفي مقدمتهم فولتير — في رُوع الشعب أن روسو عدو الشعب، وأنه يزعم أنه ليس للنساء نفس، وأنه عدو للدين وأنه لا بد من أن يُطرد من حظيرة البروتستنتية، وإِذا الشعب ساخط عليه كما سخط عليه كل إِنسان، ولكن الشعب يتحداه ويتبعه في الشوارع ويقذفه بالحجارة ويقذف بيته أيضًا، وإِذا هو مضطر إِلى أن يهرب ويلتمس له ملجأ في مكان آخر، يهرب من نيوشاتل إِلى مدينة أخرى تتبع حكومة برن، ولكن حكومة برن أصدرت أمرها بوجوب مهاجرة روسو من كل أرض تخضع لسلطانها؛ فيبكي، وهو مستعد للإِذعان ولكنه يطلب إِلى الحكومة أن تأذن له بالإِقامة في سجن من سجونها، فهو لا يريد أن يكتب ولا أن يشتغل بعلم أو بشيء، وإنما يريد أن ينتظر الموت مستريحًا، وهو يعطي على نفسه عهدًا أن يقيم في السجن على نفقته الخاصة، ولكن الحكومة تأبى عليه هذا أيضًا، فهو مضطر إِلى أن يترك أرض سويسرا كلها، وهو متردد لا يدري إِلى أين يذهب، يُدعى إِلى فينا ويستطيع أن يذهب إِلى برلين حيث فردريك، ويستطيع أن يذهب إِلى إِيطاليا.

وبينما هو في هذا التردد يخطر له أن هذه المدن كلها بعيدة، وأنه يستطيع أن يجد مكانًا في فرنسا بعيدًا عن باريس فيذهب إِلى مدينة ستراسبورج، وإِذا عَرْض يُعرَض عليه؛ أن يذهب إِلى إنجلترا؛ لأن الفيلسوف هيوم مستعد لأن يحميه ولأن يسهِّل عليه الإِقامة الهادئة في بلاد الإِنجليز، ولم يكن روسو يحب الإِنجليز، ولا يحب بلادهم، كما أنه لم يكن يعرف لغتهم، ولكن العرض كان قيِّمًا، وكان يُقدم إِليه في شيء من العناية واللطف والإِلحاح، فلم يسعه إِلا أن يقبل، وكان الفيلسوف الإِنجليزي ظريفًا وكريمًا، فقد تعهد لروسو بأن ييسر له كل أمر؛ بأن ييسر له الانتقال من ستراسبورج إِلى باريس، ومن باريس إِلى بلاد الإِنجليز، وأن ييسر له الحياة في إنجلترا كما يحب ويهوى؛ فرافقه من ستراسبورج إِلى باريس، ثم رافقه إِلى بلاد الإِنجليز وقدمه الرجل إِلى الأرستقراطية الإِنجليزية، وجدَّ في العناية بضيفه، وكانت شهرة جان جاك قد سبقته إِلى إنجلترا فتُرجمت بعض كُتبه، وكُتبت الفصول عما لاقاه من اضطهاد، وكان الرأي العام الإِنجليزي مستعدًّا أحسن الاستعداد للعطف عليه، وكان كل شيء ينبئ أنه سيكون سعيدًا. ولكنه عندما وصل إِلى إنجلترا في سنة ١٧٦٦ لم يلبث أن أصبح أشقى الناس؛ لأنه كان فيلسوفًا وكان مجنونًا.

ونلاحظ أولًا أن حياة روسو كانت شديدة المناقضة جدًّا لِما ألِفَ الإِنجليز؛ فقد كان روسو يلبس لباسًا شرقيًّا أرمنيًّا؛ ثوبًا واسعًا فضفاضًا ويشد خصره بحزام ويضع على رأسه قلنسوة شرقية، ثم كان أشد الناس ازدراءً للعادات والتقاليد وما ألِفَ الناس من أوضاع، وعلى كل حال عُنِي به الإِنجليز عناية شديدة جدًّا عندما وصل إِلى لندرة، وعُنِي به الفيلسوف هيوم واجتهد في أن يحقق له كل ما كان يريد، ولكن كل ما كان يريده جان جاك هما شيئان متناقضان؛ كان يريد أن يَكثُر الحديث عنه، وأن لا يراه أحد ولا يقابل أحدًا، ولا يزور أحدًا، ويقال إِن بعض كبار الممثلين عُنِي بجان جاك وقرر أن يمثل من أجله في بعض الملاعب بعض الروايات، وهُيِّئَت لذلك حفلة خاصة ودُعي روسو إِليها، وأظهر الملك والملكة رغبة في حضور هذه الحفلة، لا رغبة في التمثيل بل لرؤية جان جاك، وأسرعت الأرستقراطية كلها في الحضور، وفي آخر لحظة قرر روسو أنه لن يذهب إِلى الملعب، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يترك كلبه وحده في الغرفة، فلما بيَّن له صديقه أنه لا يليق حقًّا أن يأتي أمرًا كهذا، وأن يكلف الملك والملكة وكبار الأرستقراطية وهذا الممثل العظيم الحضور ثم يُخْلفهم موعدهم لا لشيء إِلا لأنه يشفق على كلبه من الوحدة؛ قرر أن يذهب ويغلق غرفته ويأخذ المفتاح حتى لا يفلت الكلب، وخرج مع صديقه، وبينما هو على الدَّرَج إِذا به يسمع نباح كلبه فتسقط الدموع من عينيه فيأبى أن يذهب إِلى التمثيل، وبعد جهد استطاع صديقه أن يقنعه آخر الأمر بالذهاب، فذهب بلباسه الشرقي ودخل في «اللوج» الذي هُيئ له، في نفس الوقت الذي دخل فيه الملك والملكة، وكانت عناية الملك والملكة بمنظر روسو أشد جدًّا من عنايتهما بالتمثيل، والواقع أن منظر روسو كان غريبًا حقًّا؛ فقد كان روسو لا يفهم حرفًا من الإِنجليزية ولكنه كان يضحك ويبكي، وكان يضطرب ويقوم ويقعد حتى خشيت جارته أن يسقط فشدته من ثوبه، ثم بعد أن ينتهي التمثيل ذهب إِلى الممثل وقال له لقد ضحكت عندما سمعت الكوميديا، وبكيت عندما سمعت التراجيديا، ولكني مع ذلك لم أفهم حرفًا مما كنت تقول.

كان روسو — كما قلت لكم — شديد الحرص على العزلة ولست أقص عليكم تفصيل حياته في إنجلترا ولكني أوجز هذا إِيجازًا؛ فقد انتهى الأمر بجان جاك إِلى أن ظفر بقصر في مكان خلوي، وكان صاحب القصر رجلًا ظريفًا فقَبِل أن يضيف روسو، وكان يجب أن يضيف روسو على أن لا يكون ضيفًا بل على أنه مستأجر وكان يجب أن يقدم إِليه كل ما يحتاج إِليه، وما أكثر ما كان يحتاج إِليه! وأن يأخذ منه أيسر أجر ممكن، وقد كان كل ما أراد روسو فقُبلت منه أجرة اسمية — إِن صح هذا التعبير — وأقام مع صديقته تيريز، واحتملت الأرستقراطية الإِنجليزية عناءً شديدًا في أن تقبل هذا الرجل وصديقته التي لم تكن زوجَهُ ولم تكن مثقفة ولا مهذبة، وإنما هي عاملة غبية غافلة، يقبلون أن يجلسوا إِلى موائدهم وفي غرف الاستقبال مع هذه المرأة البلهاء، وكل هذا لم يُرضِ روسو، فكان يرى أنه لم يظفر بما كان ينبغي أن يظفر به من العناية في بلاد الإِنجليز.

وفي أثناء هذه الحياة التي كانت تملؤها الشكوى من روسو وتملؤها العناية من الإِنجليز، نشأت خصومة بين روسو وصديقه هيوم، وهذه الخصومة مصدرها أن روسو اتهم صديقه بأنه يخونه ويعين عليه أعداءه ويؤلب عليه خصومه في باريس، وكانت هذه التهمة في نفس الوقت الذي كان فيه صديقه الفيلسوف الإِنجليزي يسعى للحصول على مرتب منظم لروسو.

مهما يكن من شيء، فقد فسدت الصلة بين الصديقين وأُعلن هذا وأُلِّفت فيه الكُتب ونُشرت الفصول، وانتشرت هذه الكُتب في باريس وفي لندرة، وأصبحت من المسائل التي شغلت الرأي العام بين سنة ١٧٦٦ وسنة ١٧٦٧. وانتهى الأمر إِلى أن استيقن جان جاك أن حياته في إنجلترا أصبحت في خطر، وهمَّ بالرجوع إِلى فرنسا، ولكنه خائف على حياته فكتب إِلى رئيس الوزارة أن يُعيِّن له حرسًا يحميه حتى يصل إِلى دوفر، فيجيبه رئيس الوزراء أن أي سائق عربة في إنجلترا يمكن أن يُعتبر كأحسن حرس يحميه، ولا يكتفي روسو بهذا، بل يكتب إِلى أمين الملك بأن يُعيِّن بعض الفرسان لحمايته، فيجيبه هذا بمثل ما أجاب به رئيس الوزراء، وينتهي الأمر بروسو إِلى أن يفلت من إنجلترا إِفلات الهارب الذي لا يشك أن الأوروبيين — الفرنسيين والإِنجليز — قد ائتمروا به وقرروا أن يقتلوه، كان الخوف قد أخذ من نفسه كل مأخذ، فما كاد يصل إِلى دوفر حتى كتب إِلى أمين الملك أن يعين له نوع الموت الذي يريد أن يقضي عليه به، وتزيد الظروف في نفس روسو، فهو إِذا ما وصل إِلى دوفر يلاحظ أن الريح ليست مواتية فلا يشك في أن الطبيعة قد ائتمرت مع الفرنسيين والإِنجليز، ثم ينتهي أمره بالرجوع إِلى فرنسا.

ويقضي حياته مشردًا مرة هنا ومرة هناك يستقر بعض الشيء، ولكنه لا يزال مضطربًا مترددًا حتى ينتهي أمره إِلى الوفاة سنة ١٨٧٨ بعد فولتير بمدة قصيرة.

ليس من شك في أن حياة جان جاك روسو كانت حياة رجل مضطرب الأعصاب مجنون إِلى أبعد حد، ولكن ما رأيكم في أن هذا الرجل المضطرب المجنون هو أعظم الناس أثرًا في الحياة الفرنسية أولًا، وفي الحياة الأوروبية ثانيًا، وفي الحياة الإِنسانية بوجه عام من جميع وجوهها المختلفة؟! هو أعظم الناس أثرًا في الحياة السياسية كلها؛ فهو أبو الثورة الفرنسية بكتابه «العقد الاجتماعي» وهو الذي استطاع أن يعلن رأيًا كان معروفًا قبله، وكان شائعًا من غير شك — ولكنه كان مقصورًا على الفلاسفة ورجال السياسة، فاستطاع روسو أن يلقيه في نفس الطبقات الدنيا ولم تكن تستطيع أن تفهم هذه الأشياء ولا أن تفكر فيها — وهو: «أن الشعب مصدر السلطات.» واستطاع روسو أن يقنع الشعب الفرنسي والطبقات الدنيا في فرنسا أن السلطة ليست إِلى الملوك ولا إِلى الأرستقراطية، وإِنما هي ملك للشعب من حيث هو وحدة لا من حيث هو أفراد متعددة، وبأن الملك حين يستعمل سلطته وأن الوزارة حين تستعمل سلطتها، وبأن المجالس النيابية وهيئات الحكم والمحاكم إِنما تستعمل هذه السلطة نيابة عن الشعب لأنها مأجورة له، وليس لعملها أي قيمة بغير السلطة التي يخولها الشعب للملوك أو لرؤساء الجمهوريات أو المجالس أو النواب والقضاة.

هذه الفكرة استطاع جان جاك أن يغلغلها — إِن صح هذا التعبير — في نفس الطبقات الدنيا في فرنسا؛ في نفس العمال، وفي نفس الصناع، وفي نفس الزراع، وفي نفس الشعب الفرنسي كله، وأكثر الإِعلان لحقوق الإِنسان الذي قامت عليه الثورة الفرنسية إِنما هو نتيجة مباشرة بل مستمدة بالحرف من كُتب روسو، فالثورة الفرنسية السياسية أثر مباشر لجان جاك.

لم يقف تأثير روسو السياسي عند إِنشاء الثورة، فأنتم تعرفون أثر الثورة الفرنسية في نشر الديمقراطية في أوروبا، بل في بلاد الشرق بعد الحرب الكبرى، فحياتنا نحن الديمقراطية، ومذهبنا نحن في فهم الحكم وفيما نريد من المثل السياسي الأعلى، تتأثر بهذه الفكرة التي كان جان جاك أول من أشاعها وأذاعها في كتاب «العقد الاجتماعي».

ثم لجان جاك أثره في الناحية الأدبية، وهو ليس أقل خطرًا من أثره في السياسة؛ فهو في كتابه أو قصته «هولويز الجديدة» منشئ مذهب الرومانتزم، وهو المؤثر الأول في الكُتاب والشعراء الذين ملكوا العقل والحياة الأدبية في أوروبا، وهو المؤثر الأول في جوت وشاتوبريان وهوجو وغيرهم من الأدباء الذين ظهروا في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم له تأثير غريب متناقض — إِن صح هذا التعبير — روسو هو الذي هدم السلطان الديني؛ هدم سلطان الكنيسة في فرنسا وأنكر سلطان القسس، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن ﮐفولتير عدوًّا للدين من حيث هو دين، وعدوًّا للكنيسة من حيث هي كنيسة، كان عدوًّا لطغيان رجال الدين وعدوًّا لطغيان الكنيسة، وهو ينتهز هذه الفكرة التي ظهرت أول أمرها فدمرت سلطة الكنيسة، والتي كانت نفسها معيدة لسلطان الدين والكنيسة بعد الثورة الفرنسية، فإِذا كان روسو هو الذي أوجد «روبسبير» وأوجد خصوم رجال الكنيسة، فهو الذي أوجد «شاتوبريان»، وهو الذي أوجد المدافعين عن الدين في أوائل القرن التاسع عشر والذين مهدوا للصلح بين فرنسا الثائرة وبين الكنيسة.

ليس يعرف التاريخ الأدبي ولا السياسي ولا الديني رجلًا كان أشد أثرًا في حياة الشعب الفرنسي وفي حياة الشعوب الأوروبية من هذا الرجل الذي نشأ مضطربًا، نشأة الشاب الذي لم يبرأ من السرقة ولا من الفجور ولا من جميع أنواع الفساد الذي انتهى إِلى هذا الجنون الذي رأيتم بعض صوره.

لم يعرف التاريخ رجلًا أحدث من الآثار كهذا الرجل، ألستم توافقونني على أن درس حياة هذا الرجل في شيء من التفصيل وبشيء من المهل والتأني، خليق أن يثير في أنفسنا شيئًا غير قليل من الرحمة والإِشفاق على هذا الرجل الذي أحسن إِلى الإِنسانية أشد إِحسان، ولقي من الإِنسانية أشد إِساءة؛ لأنه كان في حياته نفسها مستحقًّا لما لقي من إِساءة.

أما أنا فلا أُحب جان جاك، لكني أرحمه وأشفق عليه إِشفاقًا عميقًا، ولست أؤمن بآراء جان جاك كلها ولكني أُعجب بها.

ومن حُسن حظه أنه ربما كان الفيلسوف الوحيد من فلاسفة القرن الثامن عشر الذي ظفر بعناية كاتب من كُتابنا المصريين، فكلكم فيما أظن قد قرأ الكتاب الذي وضعه الدكتور هيكل بك والذي أؤكد لكم أنه من أرقى وأحسن ما كُتِب عن هذا الفيلسوف العظيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠