رينان

سيداتي، سادتي

سأحدثكم اليوم عن رجل مخالف كل المخالفة للرجلين اللذين حدثتكم عنهما في المحاضرتين الماضيتين؛ فالفرق عظيم جدًّا بين «أرنست رينان» وبين «فولتير» و«روسو» وهذا الفرق طبيعي، فقد يكون الوقت الذي انقضى بين ظهور هذا الرجل في الحياة الأدبية الأوروبية وظهور صاحبيه قصيرًا، ولكن الأحداث التي حدثت في ذلك الوقت عظيمة جدًّا، أحداث كان يكفي أو كان يجب لحدوثها عصور طوال، وحسبكم أن بين «فولتير» و«روسو» من ناحية، وبين «رينان» من ناحية أخرى الثورة الفرنسية كلها، وإِمبراطورية نابليون كلها، وعصر الرجوع إِلى الملكية إِلى حدٍّ ما.

فإِذا تمثلتم الأحداث الجسام التي حدثت في آخر القرن الثامن عشر وفي أول القرن التاسع عشر، والتي غيرت وجه الأرض في أوروبا على أقل تقدير، سواء من الناحية السياسية أم من الناحية العقلية أو الأدبية؛ إِذا تمثلتم هذا لم تدهشوا حين ترون الفرق العظيم بين «رينان» وبين صاحبيه، ومع هذا فالفرق ليس نهائيًّا — إِن صح هذا التعبير — فبين هذا الرجل وبين فلاسفة القرن الثامن عشر تشابه أرجو أن أستطيع تصويره لكم في آخر هذه المحاضرة.

«رينان» وُلِد سنة ١٨٢٣ في مدينة من مدن بريتانيا الفرنسية، من أُسرة متواضعة، وكان أبوه ضابطًا من ضباط البحرية التجارية من هذا الإِقليم الذي وُلِد فيه «بريتانيا»، وكانت أُمه من جنوب فرنسا، والفرق بين هذين الإِقليمين عظيم؛ فأهل بريتانيا قوم أخص ما يوصفون به إِيثارهم الصمت، ثم قوة الحياة الداخلية في نفوسهم؛ فهم يحيون حياة داخلية قوية جدًّا، ثم هم قليلو الميل إِلى الكلام، وهم كذلك من أشد الفرنسيين ميلًا إِلى المثل الأعلى، بل هم يُدفعون إِليه دفعًا شديدًا، ثم هم من أشد الفرنسيين استمساكًا بالرأي وتشددًا فيه، وحرصًا على المحافظة وحب القديم وبغضًا للتجديد والانتقال من حالٍ إِلى حال، ثم هم محتفظون بشخصيتهم الإِقليمية الفرنسية، وهم قليلو الاندماج في الوحدة الفرنسية العامة، ولعلكم تذكرون أنهم في الأعوام الأخيرة الماضية حاولوا أن يستردوا شيئًا من استقلالهم الخاص، ودعا بعضهم إِلى الوحدة الإِقليمية.

على عكس هذا بالضبط أهلُ الإِقليم الذي جاءت منه أم رينان؛ فأهل الجنوب من أشد الفرنسيين ميلًا إِلى الكلام واندفاعًا فيه، وإِظهارًا لما يشعرون ولما يفكرون، وهم يتعلقون بالمثل الأعلى، ولكنهم ليسوا حراصًا عليه، لا يسرفون في المحافظة ولا يسرفون في بغض القديم، وإِذا صح هذا التعبير نستطيع أن نقول إِن أهل بريتانيا مبطئون في الحركة بطئًا شديدًا بمقدار ما نجد أهل الجنوب يسرعون إِسراعًا شديدًا، وأهل بريتانيا مبغضون للكلام على حين يندفع أهل الجنوب فيه اندفاعًا، فالإِقليمان أو فأهل الإِقليمين متناقضون أشد التناقض، وسترون أن حياة رينان تمثل هذا التناقض إِلى حدٍّ بعيد.

كان أبو رينان ضابطًا من ضباط البحر، ولكنه في آخر حياته اشتغل ببعض الأعمال المالية، ولم يكن صاحب عناية بالمال، ولا بارعًا في تدبير الشئون المالية، فلم يوفق، وتورط في أعمال انتهت به إِلى الإِفلاس، وانتهى إِلى موت غريب جُهلت أسبابه واختلف الناس فيه اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من زعم أنه موت فجائي، ومنهم من زعم أنه انتحار، ومنهم من شك وتردد بين هذا وذاك.

ومهما يكن من شيء، فقد كان رينان صبيًّا حين مات أبوه، وقد كان فقيرًا وليس له من يعينه على الحياة إِلا أُمه وأخته هنريت التي سيطول عنها الحديث في هذه المحاضرة، وأخ له يُدعى آلان رينان.

قضى رينان حياته الأولى في مدينة تريجييه التي وُلِد فيها، بين أُمه وأخته، وكانت أخته أسنَّ منه وُلِدت سنة ١٨١١، بينما وُلِد رينان سنة ١٨٢٣، وهي التي ربته وعنيت به عناية متصلة، وكان وهو صبي طاغية قاسيًا يكلف أخته من المشقة ومن الجهد شيئًا كثيرًا؛ كان يتحكم فيها تحكمًا لا حد له، وكانت هي تحبه وتعطف عليه عطفًا لا حد له أيضًا، وكانت مستسلمة لهذا الطغيان تجد فيه لذة وراحة، ويقال إِنها أرادت ذات يوم وكانت فتاة متقدمة في السن — تتجاوز الخمس عشرة سنة — أرادت أن تخرج لتلقى بعض صاحباتها، فكرِه رينان أن تتركه وحيدًا فألح عليها أن تبقى معه، وما زال يلح حتى رقت له وبقيت، ويقال إِنها أنذرته ذات مرة أنه إِذا لم يؤْثر الهدوء أن تموت، فلما لم يهدأ ولم يعتدل ماتت، ومعنى هذا أنها لزمت سكونًا طويلًا وصمتًا عميقًا، وأخذ أخوها يكلمها فلا تجيب ويداعبها فلا ترد عليه، حتى استيقن أنها ماتت، فأسرع إِليها فعضها عضة عنيفة دعتها إِلى أن تصرخ، فلما صرخت وأخذت تُظهر الألم، أخذ هو يؤنبها ويقول لها: «أتتعهدين بأنك لن تموتي بعد.» وكذلك نشأ رينان سعيدًا بائسًا في وقتٍ واحد؛ سعيدًا بهذا الحنان الذي كان يجده عند أُمه وعند أخته هنريت، وكان بائسًا بهذا الفقر الذي كانت الأسرة تعانيه وتحتمل أثقاله بشيءٍ من الشرف والكرامة والصبر.

وأُرسل الصبي إِلى مدرسة من المدارس الدينية فتعلَّم فيها تعليمًا دينيًّا خالصًا، ولم يكد يتجاوز الثانية عشرة من عمره حتى تبين له ولأسرته أنه سيتجه بتعليمه إِلى أن يكون قسيسًا، وكان الفقر قد ألح على أسرته، وكانت أُم رينان عاجزة عن أن تعمل وأن تكسب الحياة لنفسها ولابنها الصغير وفتاتها، وهنا تظهر الحياة الجديدة لهنريت، وهنا تظهر لنا هذه الفتاة خليقة بالإِعجاب، وبالإِعجاب الذي لا حد له؛ فقد أحست الفتاة ما تجد أُمها وما يجد أخوها من البؤس والضيق، وأحست أن أباها قد ترك ديونًا يجب أن تؤدَّى، وأحست عجز هذه المرأة وهذا الطفل عن الكسب فنهضت هي بهذا العبء، وأخذت تعمل لتمكِّن أُمها وأخاها من العيش، عملت في المدينة أولًا في بعض مدارس البنات معلمة، ثم رأت أن هذا العمل لا يلائمها؛ لأنه لا يغل عليها المال الكثير، فسافرت إِلى باريس وتركت أُمها وأخاها في المدينة واشتغلت معلمة في المدارس، وكانت تكلف نفسها أثقالًا لم تكن قد هُيئت لاحتمالها؛ كانت جادة ما وسعها الجد في أن تعلِّم وأن تتعلم، وأن ترسل ما تستطيع إِرساله من المال لأُمها لتعيش وتربي أخاها الصغير، وما زالت كذلك حتى تقدم الفتى في السن وبلغ الثامنة عشرة، فأرسلت في طلبه إِلى باريس، ودفعته إِلى مدرسة من مدارس اللاهوت كان يشرف عليها أسقف من الأساقفة الفرنسيين هو مونسنيير دي بونلو، وكان قسًّا أرستقراطيًّا في العصر الذي ظهرت فيه الملكية الفرنسية بعد رجوعها إِثر سقوط الإِمبراطورية، وأخذت فيه الحياة الأرستقراطية الفرنسية تعود أو تحاول أن تعود إِلى ما كانت عليه قبل الثورة، فكان هذا العصر عصر نشاط للأرستقراطية، وعصر استئناف لحياة النظام القديم.

وكان الأسقف أو المدبِّر لهذه المدرسة رجلًا من الأرستقراطية يُعْنَى عناية شديدة بالنظم الأرستقراطية والتقاليد الأرستقراطية، ويعلِّم الدين كما كان الدين يعلَّم في القرن الثامن عشر، تعليمًا ربما قصد به إِلى الشرف وإِلى المظاهر، وإِلى إِرضاء هذه الطبقات الراقية أكثر مما قصد به إِلى الدين من حيث هو دين، وأحس رينان هذا فضاق به وكرهه كرهًا شديدًا، ولم ينتهِ به الأمر إِلى كره هذا النوع من التعليم فحسب، بل أخذ ينتهي به إِلى شيء من الشك في الدين نفسه، ثم انتقل من هذه المدرسة إِلى مدرسة دينية كبرى يتخرج فيها القُسُس وهي مدرسة «سان سيلبيس»، وفي هذه المدرسة دُفع رينان إِلى دراسة في شيء كثير جدًّا من العناية والإِتقان؛ لأنها كانت مدرسة لا تعنى بالدراسة الدينية العادية، ولا بتخصيص تلاميذها في اللاهوت وحده، وإِنما تعنى بدراسة دينية عالية متقنة، ويكفي أن تعلموا أنه في هذه المدرسة أخذ يدرس اللغة العبرية، كما أنه أخذ يدرس الفلسفة؛ الفلسفة العصرية الجديدة وبنوع خاص فلسفة الألمان المعاصرين.

ومن هاتين الدراستين؛ دراسة العبرية من ناحية ودراسة الفلسفة الألمانية من جهة أخرى، تكونت نفس الشاب تكوينًا مناقضًا إِلى حدٍّ بعيد لنفس الطفل أو الشاب الذي أقبل إِلى باريس منذ أعوام، أما دراسة العبرية فقد مكَّنته من أن يقرأ التوراة في لغتها الأولى، ومن أن يقرأ آثارًا إِسرائيلية قديمة كُتبت في لغتها الأولى، على حين كان غيره من القسس ومن الذين يتهيئون لخدمة الدين يقرءون التوراة ويقرءون الآثار الإِسرائيلية باللغة اللاتينية، أخذ يقرأ هذا باللغة العبرية الأصلية، ودراسة اللغة العبرية ودراسة النصوص الدينية بلغتها الأولى خليقة أن تثير كثيرًا من الشكوك، ولو لم يكن فيها إِلا أنها تدعو إِلى المقارنة بين الأصل والترجمة وبين ما يُفهَم من الأصل وما يُفهَم من الترجمة، لكان ذلك كافيًا لتنبيه عقل الشاب إِلى ناحية من نواحي الدين، هي الناحية التاريخية الصحيحة.

أما الفلسفة الألمانية فقد أثارت في نفس هذا الشاب شكوكًا لا تتصل بالنصوص ولا بالتاريخ، ولكنها تتصل بطبيعة الدين وبطبيعة الإِيمان وبطبيعة الحياة، وكان للفلاسفة الألمانيين تأثير في نفس هذا الشاب «ولا سيما فيشت وهيجل».

وبين تأثير الفلاسفة الألمان من ناحية، واللغات السامية من ناحية أخرى، اشتد الشك في نفس الفتى، وإِذا هو يشعر في وقت من الأوقات بأن هناك تناقضًا شديدًا جدًّا بين ما ورثه عن آبائه وما تعلَّمه في مدرسته الأولى، وبين ما تعلَّمه في مدرسته الثانية من تعاليم الدين، وما أخذ عقله ينتهي إِليه من النتائج والآراء، نظر فإِذا الدين المسيحي يعتمد أو يرجع عند التحليل إِلى أصول ثلاثة أو عناصر ثلاثة: العنصر الأول يتصل بالأخلاق، فالدين المسيحي فيه عناية بالأخلاق، وفيه عناية شديدة بصلاح النفوس المريضة وعلاج ما قد يعرض لها من الآثام والخطايا، والعنصر الثاني هو العنصر اللاهوتي — إِن صح هذا التعبير — وهو الذي يتصل بالعقيدة والأسرار وطبيعة العقيدة المسيحية، والعنصر الأخير هو العنصر التاريخي الذي يتصل بنشأة المسيح وحياته وما عرض له من الخطوب وما انتهى إِليه أمره، ثم ما نشأ عن ذلك من سيرة الرسل وانتشار الدين …

فأما العنصر الأول، فلم يعرض له الشك في نفس رينان، فمن يقرأ الأناجيل والتعاليم المسيحية لا يشك في أن هذا الدين يعنى عناية واضحة جدًّا بتهذيب النفس وإِصلاح الخُلق، وشفاء الإِنسان من الأمراض الفردية والاجتماعية؛ فهو من هذه الناحية لم يتردد في حب هذا العنصر من عناصر الدين وفي استبقائه والحرص عليه، ولكن العنصر الآخر الذي يتصل بطبيعة الإِيمان والعقيدة المسيحية، والأسرار التي تقوم عليها المسيحية بالتوحيد أو باللاهوت المسيحي، هذا العنصر تعرَّض لخطر عظيم جاءه من الفلسفة الألمانية التي أخذت تشككه في هذه الأسرار، وأخذت تشككه فيما توارد من تفسير الصلة بين الإِله والعالم!

فرينان عندما قرأ فلسفة الألمان آمن بما كانت تعتمد عليه فلسفة هيجل؛ وهو وحدة الوجود أو هو هذه العقيدة أو الفكرة التي توحي إِلى صاحبها بأن الإِله وحدة تظهر في كل شيء وفي كل صورة من الصور وفي كل كائن من الكائنات التي يتألف منها العالم المحسوس، فكرة أن الإِله لا يمكن بحال من الأحوال أن يؤثر في العالم بإِرادة فردية شخصية تمس الأفراد وتمس الأشخاص وتمس الجزئيات؛ وإِنما الإِله بحكم هذه الفلسفة وبحكم ما انتهى إِليه العقل في هذه الفلسفة، قوة عظيمة لا تؤثر إِلا من طريق القوانين ولا تؤثر في الأشياء الفردية ولا تعنى بالجزئيات. وإذن، فما توارثه المتدينون من أن الإِرادة الإِلهية تؤثر في هذه الجزئية أو تلك وتعين هذا الفرد وتعاكس هذا الفرد، وتأتي بهذه المعجزة وتُحدث هذه الحادثة؛ كل هذا انهار في نفس رينان. وتردد الشاب أولًا ثم شك ثم جحد العقيدة المسيحية، ولم يقف أمره عند هذا الحد ولكنه نظر إِلى العنصر الثالث التاريخي؛ نظر إِلى التاريخ وما يتصل بنشأة المسيح وما عرض له ولأصحابه من الخطوب، ودرس هذا من الوِجهة التاريخية الخالصة، وعلى المناهج التاريخية الجديدة؛ فأدركه الشك وعجز عن أن يوفق بين ما ينتهي إِليه البحث التاريخي الجديد وبين ما توارَثه من العقائد.

وهذا الشك في طبيعة الدين وفي تاريخه لم يُقنع رينان بأنه قد خرج من دينه، ولكنه اقتنع بشيءٍ آخر هو أنه لن يكون قسيسًا؛ فأعرض عن غايته الأولى وعدل عما كان قد اعتزم، وترك الفكرة التي كانت تدفعه لأن يكون رجلًا من رجال الدين، وانصرف إِلى أن يكون رجلًا من الرجال العاديين، وفكر في أن يلتمس حياته من غير هذا الطريق، وفي أثناء هذا كانت الحياة المادية بالقياس إِليه وبالقياس إِلى أُمه في الأقاليم شديدة شاقة، وكان ما تكسبه أخته هنريت ضئيلًا لا يكفي لتمكينه هو من الدرس في باريس، ولتمكين أُمه من الحياة ومن أداء الديون، فالتمست هذه الفتاة طريقًا لتكسب مالًا أكثر مما كانت تكسبه، ووُفقت إِلى أُسرة بولونية كانت تلتمس مربية فرنسية، فالتحقت بها وسافرت من باريس إِلى بولونيا، وأقامت غريبة في هذه الأسرة عشر سنين تربي تلاميذها وترسل ما تكسبه إِلى أُمها وأخيها، وأخوها يشتغل في باريس ليهيئ نفسه لحياة جديدة، ومن أشد الأشياء تأثيرًا في النفس هذه الكُتب المتبادلة بين الفتاة الغريبة في بولونيا وبين هذا الشاب الذي كان يدرس في باريس ويتم دراسته فيها، ويتهيأ للحياة الجديدة مستعينًا على ذلك بما كانت ترسله إِليه أخته من المال.

على أننا عندما نقرأ هذه الكُتب نلاحظ ظاهرتين؛ فأما كُتب الفتاة فيملؤها الحب الذي لا حد له، والحنان الذي يدفع إِلى البكاء أحيانًا، وأما كُتب الفتى ففيها شيء من الأثرة وفيها شيء من الغلظة أيضًا، وفيها شيء من حب النفس الذي لا يتردد في تضحية كل شيء في سبيل رغباته الخاصة، ويظهر أن هذه خاصة من خصائص النبوغ؛ فقد يقال إِن أصحاب النبوغ أَثِرُون بطبعهم يضحون بالناس وبكل شيء في سبيل النبوغ.

مهما يكن من شيء، فقد اضطر رينان إِلى أن يغيِّر حياته تغييرًا تامًّا؛ فبعد أن كان يريد أن يدرس دراسة دينية اضطر إِلى أن يدرس دراسة مدنية، وأخذ يهيئ نفسه للظفر بالشهادة الدراسية الثانوية، فاشتغل في ذلك ولم يحتَجْ إِلى عناء شديد فظفر بالبكالوريا في أقل من أربعة شهور؛ لأن دراسته في المدارس الدينية كانت قد هيأته تهيئة حسنة، ثم تفرَّغ لليسانس ولم يكد يقضي عامًا حتى ظفر بالليسانس أيضًا سنة ١٨٤٨، ومنذ هذا العام كان الفتى قد أتم دراسته العليا وأخذ يتأهب للدخول في الحياة العملية، ولكن حياته العملية أيضًا كانت حياة موجهة إِلى الدرس، وفي هذا الوقت صادفته الثورة الفرنسية وقيام الجمهورية الثانية سنة ١٨٤٨، ولكنه لم يحفل كثيرًا بهذه الثورة، لا لأنه كان يحب النظام الملكي الذي كان قائمًا في ذلك الوقت، بل لأنه كان يُعنَى بالعلم أكثر من عنايته بالحركات السياسية التي كان يزهد فيها زهدًا شديدًا، وعلى كل حال فقد كان رينان مبغضًا للنظام الملكي، وكُتبه إِلى أخته تصور لنا هذا البغض، وتُصَوِّر لنا بنوع خاص كيف كان يرى الملك لويس فيليب وقصره؛ كيف كان يزدري هذا الملك الشيخ الذي أصابه الكسل والفتور وأخذ يعتمد على رجال الحاشية الذين لا يُخلصون له ولا للدولة وإِنما يخلصون لأنفسهم، وكيف ترك الأمور السياسية تَجري كما تستطيع فأصبح عبئًا على فرنسا يكلفها من المال ما يكلفها دون أن يفيدها بعض ما يعدل هذا المال الذي تنفقه عليه، ولكن رينان على كل حال لم يهتم بالثورة، وانقطع إِلى الدرس العلمي أثناء اضطراب باريس، في ذلك الوقت لقي رينان صديقًا له هو «برتلو» الكيميائي المشهور، فتأثر به تأثرًا شديدًا أضيف إِلى تأثره بالفلسفة الألمانية والدراسات الإِسرائيلية، وتأثر بالعلوم التجريبية الحديثة، ومنذ ذلك الوقت استيقن رينان أنه لم يصبح مسيحيًّا وبأن هذا الدين قد أصبح غير ملائم لطبيعته، فألحد وإِن لم يجهر بإِلحاده.

وإِلحاد رينان غريب هو إِلحاد حقيقي؛ لأنه لم يكن مسيحيًّا، ولكنه إِلحاد يحتاج إِلى شيء من التفكير، فرينان ظل متدينًا غير أنه لم يتدين كما كان الناس يتدينون وظل يعبد إِلهًا ولكن إِلهه كان غريبًا؛ إِلهه هو العلم، وكل ما كان يضمره رينان من الإِكبار والإِجلال والثقة للدين نقله إِلى العلم الحديث، وكما أنه كان يظن في شبابه أن حياة الإِنسان لا قيمة لها إِذا لم يشرف عليها الدين ولم ينظمها الدين ولم يسيطر عليها من جميع نواحيها؛ فقد انتقل فجأة إِلى اعتقاد غريب مدهش حقًّا هو الاعتقاد بالعلم، وجعل النتائج العلمية هي الإِله الذي ينبغي أن يُعبد وأن يُعترف به. وإذن فقد صوَّر لنفسه ديانة جديدة إِنسانية، ديانة مدنية — إِن صح هذا التعبير — قوامها حب العلم وعبادة العلم والثقة بالعلم والاعتماد على العلم، وكما أن أمور الدين منظمة بهذه السلطة الدينية سلطة الكنيسة فهو أيضًا قد تصور كنيسة علمية، وهو أيضًا قد تصور للدين الجديد قُسُسًا وكُهَّانًا هم العلماء، فالمدارس كنائس، والعلماء الذين يدرسون في هذه المدارس قسس، والعلم هو الإِله الذي يُعبد ويُخدم في المدارس، كما أن هناك إِلهًا يُعبد ويُخدم في الكنائس، ويجب أن تنتقل أمور الإِنسانية من الدين إِلى العلم، ويجب أن تكون أمور الحكم إِلى العلماء لا إِلى رجال الدين كما كانت من قبل، ولا إِلى رجال السياسة كما هي الآن، وإذن فلا بد من أن تتطور الإِنسانية بحيث تصبح الحكومة فيها مؤلفة من العلماء، علماء يتقنون العلم بشئون الإِنسان على اختلافها، يتقنون العلم بالطبيعة وما يعرض لها من الخطوب وما يدبَّر فيها من قوانين، ويلائمون بين حياة الإِنسان وبين الطبيعة، ويمكِّنون الإِنسان من أن يكون سعيدًا في الأرض حقًّا، وإذن فكل حكومة لا تعتمد على العلم لا قيمة لها، وكل حكومة لا يكون العلم قوامها فهي مكونة على إِلحاد في العلم كما أن هناك إِلحادًا في الدين.

ومن هذه الناحية، استطاع رينان أن ينصرف عن السياسة اليومية التي كانت تحدث في باريس وفي غير باريس، وأن لا يحفل كثيرًا بالثورة ولا بالجمهورية الثانية ولا بالإِمبراطورية التي أُعلنت بعد الجمهورية الثانية؛ لأنه كان يرى أن هذا كله تخبُّط سيزول وينقضي ولا بد من أن يأتي اليوم الذي ينتصر فيه العلم ويئول الأمر إِلى العلماء.

وفي نحو سنة ١٨٥٠ كان رينان قد ظهر في الحياة العلمية الفرنسية، واشترك في مسابقة عرضها المجمع العلمي الفرنسي ومجمع الآداب خاصة عن اللغات السامية؛ فوضع كتابًا ضخمًا في تاريخ اللغات السامية وفي النحو المقارن لهذه اللغات، وعرض الكتاب فظفر بالجائزة وأخذ اسمه يُعرف، واشترك في مسابقة أخرى عرضها المجمع موضوعها دراسة اليونانية في القرون الوسطى فظفر بالجائزة في هذا الموضوع أيضًا، وهو في أثناء هذا كان يستعد للدكتوراه، ويبحث عن موضوع لرسالته، وكان يختلف إِلى أساتذة اللغات السامية في الكوليج دي فرانس وأساتذة اللغة العبرية فيها، فكان يحضر دروس دي ساسي وبرسيفال وكاترمير وغيرهم من أساتذة اللغات السامية، وانتهى به البحث إِلى اختيار موضوع لرسالة الدكتوراه هو «ابن رشد وآثاره»، وكتب في هذا الموضوع رسالة تقدم بها إِلى السوربون وظفر بالدكتوراه، وكتاب رينان عن ابن رشد أحسن دراسة وُضِعت للآن عن هذا الفيلسوف العربي العظيم.

من ذلك الوقت أرسل رينان إِلى أخته يلح عليها في أن تعود إِلى باريس وما زال يلح حتى عادت وعاشت معه، وأخذت أخته تمكِّنه من أن يحيا حياة علمية خالصة؛ فنظمت حياته المادية وأراحته من التفكير فيها، ثم شاركته في حياته وأخذت تساعده في حياته العلمية مساعدة الشريك فيما كان يعالج من العلم، وتهيئ له الأبحاث وتحقق له المسائل، وتكتب له بعض المخطوطات وتنسخ له بعض ما يكتب من البحث، وتقرأ آثاره وتلاحظ عليها، وتنقد ما يكتب وما ينشر، بل كانت تضطره إِلى أن يذيع هذا وإِلى أن يُغْفِل ذاك؛ فكانت له كالزميل القوي يمد إِلى زميله يد المعونة، ولكن أزمة عنيفة عرضت لهذين الأخوين الشريكين اللذين كانت تجمع بينهما رابطة من أقدس الروابط؛ رابطة الأخوة من جهة، ورابطة الأخوة في العلم من جهة أخرى؛ فقد أخذت هنريت تلح على أخيها في أن يتزوج، وأظهر رينان استعداده للزواج، وبحثت هنريت لأخيها عن زوج، ووجدت الزوج وتمت الخطبة، ثم تبين أنها كانت تكره زواجه، ولا تعينه عليه إِلا امتحانًا له، لترى أيقبل الاقتراح؟ فلما رأت أنه قبل وأنه قد تزوج أدركها يأس شديد وجزع لا حد له، ونشأت بينها وبينه خصومة مؤلمة حقًّا؛ فقد كانت هنريت تحبه حبًّا يتجاوز الحب الذي بين الشقيقين، وتأثرت بغَيرة غريبة، وكانت حياتها كلها بكاءً ولومًا وخصامًا، ومع ذلك فقد أظهر أخوها لها في بعض الوقت أنه مستعد للعدول عن الزواج، فلما فكرت في ذلك أثناء الليل وعرفت أنه إِذا عدل عن الزواج فقد ضحى لها بحبه وبراحته وبلذته، وإِذن فهي لا تحبه حقًّا، فطبيعة الحب الصحيح أن يضحي المحب وأن لا يقبل تضحية؛ ولذلك أصبحت فأسرعت إِلى بيت الخطيبة وألحت عليها وعلى أبيها في أن لا يسمعا لما سيقوله رينان، ولم ينتهِ اليوم حتى كانت قد عدلت عن سخطها على أخيها وأصبحت من أشد الناس تشجيعًا له على الزواج، ولكن هذا الزواج لم يكد يتم حتى استحالت حياة رينان وأخته إِلى جحيم؛ فقد عادت الغَيرة، والغيرة الفظيعة المنكرة إِلى قلب هذه الأخت العاشقة — إِن صح هذا التعبير — وجعلت هنريت تقضي حياة كلها بكاء ولوعة وأسًى ومقت وخصام، وجعل رينان وزوجه يتلطفان ويتظرفان وهي تقاوم وتلين وتسخط وتغضب حتى أذن الله فرُزق رينان بطفل فتسلت الأخت بالطفل عن أبيه.

وفي سنة ١٨٦٠ نُدب رينان لبعثة علمية إِلى بلاد الشام للبحث عن الآثار فاصطحب أخته معه، وجاء إِلى بلاد الشام فزار فلسطين، ثم زار بلاد الشام ولبنان، وقام هناك ببعض الحفريات واستخرج بعض الآثار الفينيقية.

وفي هذه الرحلة مرضت أخته بالحمى وماتت ودُفنت في الشام، وعاد رينان وحيدًا، وبعد هذه العودة بقليل عُرض عليه منصب أستاذ للغة العبرية في الكوليج دي فرانس، وكان يتمنى هذا المنصب منذ شبابه، وفي شهر فبراير سنة ١٨٦٣ افتتح رينان درسه الأول في الكوليج دي فرانس، وكان قد اتخذ لنفسه موقفًا هو إِلى مخاصمة الإِمبراطورية أقرب منه إِلى تأييدها؛ فقد كان من الأحرار ومع ذلك فقد عُين في هذا المنصب وبدأ يلقي دروسه في الكوليج، وازدحم الناس ازدحامًا شديدًا على قاعة الدرس، وكانوا مختلفين في رينان اختلافًا شديدًا؛ كان هناك الكاثوليكيون الذين يبغضون رينان ويخاصمونه، وكان هناك الأحرار والمجددون المخاصمون للإِمبراطورية وكانوا يؤيدون رينان، وازدحمت الكوليج دي فرانس ازدحامًا دعا الشرطة إِلى التدخل، وأخذ رينان يلقي دروسه، وليته لم يُلقِ هذا الدرس، فلم يكد يتقدم في الدرس حتى ذكر المسيح بأنه رجل لا نظير له؛ هذه الجملة أثارت تصفيق الأحرار، وأثارت غضب الكاثوليكيين، فرينان يذكر المسيح بأنه رجل، ولم يكد يعود إِلى داره حتى كان الأحرار قد سبقوه متظاهرين هاتفين مصفقين، وكان المحافظون ساخطين، وإِذا قرار يصدر من وزير المعارف بوقف الدرس، وإِذا أزمة جامعية يحدثها هذا الدرس.

لم تكن هذه الأزمة يسيرة ولا هينة؛ فقد انقسم الفرنسيون فيها إِلى قسمين: فأما الأحرار المعارضون أنصار حرية الشعب وأنصار المذاهب الجديدة، وأنصار فلسفة القرن الثامن عشر، فكلهم كانوا عونًا له، وأما المحافظون ورجال القصر بنوع خاص والإِمبراطورة وحاشية الإِمبراطورة فقد كانوا خصومًا لرينان، وكان وزير المعارف مع هؤلاء، والغريب أن رينان نظر فرأى معه خلاصة الشعب الفرنسي أنصار التجديد وعُدة المستقبل، فاستيقن أن النصر له من غير شك فلم يحفل بقرار وزير المعارف، واعتقد أن الرأي العام الذي يتأثر بالرأي الحر سيثأر له، وسيُكره الوزير والإِمبراطور على أن يعيدا الإِذن له في متابعة هذه الدروس، والغريب أنه لم يكتفِ بهذا بل أصدر كتابه بعد ذلك بقليل «حياة المسيح» فأضاف شرًّا إِلى شر، وثورة إِلى ثورة؛ فهذا الكتاب أغضب رجال الدين والمحافظين والفلاسفة الذين لم يكونوا من أنصار الحرية ولا من أنصار التأثر بالمذهب الجديد، ثم لم يكتفِ بهذا، بل أخذ يتحدى الوزير وأخذ يكتب إِليه طالبًا أن يستأنف الدرس، ثم عرض الوزير عليه منصبًا فأبى، وظل الوزير محتفظًا بموقفه من سنة ١٨٦٢، ١٨٦٣ إِلى أوائل سنة ١٨٦٤ ورينان مؤمن بالرأي العام، معتمد عليه، واثق بأنه منتصر من غير شك، ولكنه نظر فإِذا قرار يصدر بنقل رينان من الكوليج دي فرانس إِلى قسم المخطوطات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد الذي لم يؤخذ فيه رأي رينان، ولكن قرار الوزير اشتمل على شيء من الإِهانة لرينان؛ فقد كان رينان يتقاضى مرتبه أثناء هذه المدة، فوجد الوزير طريقة إِلى أن ينقله ليستطيع أن يعمل ويستحق المرتب الذي كان يأخذه على غير عمل، وكان القرار بطريقة لا تلائم كرامة الأستاذ، وهنا ثار رينان وردَّ على الوزير ردًّا عنيفًا وقذفه بهذه الجملة وهي: «اذهب إِلى الشيطان مع أموالك.» ومنذ ذلك الوقت أصبح رينان خصمًا صريحًا للإِمبراطورية والوزارة، وظل رينان بعيدًا عن الكوليج دي فرانس، حريصًا مع ذلك على أن يعود إِليها، يطالب بأن يؤذن له في أن يلقي دروسه بعيدًا عن الكوليج دي فرانس في بيته، ولكنه لا يظفر بما يريد، في هذا الوقت مضى في دراسته العلمية وأخذ يصدر كُتبه المشهورة في تاريخ المسيحية.

ثم في سنة ١٨٦٨ تقدم للانتخابات ولكنه تقدم معتدلًا؛ لا مناصرًا للجمهورية كما كان المتطرفون، ولا مناصرًا للإِمبراطورية كما كان المحافظون ولكنه حر معتدل، ففشل في الانتخابات وانتصر عليه الجمهوري المتطرف.

ثم كانت الحرب، وكانت الهزيمة، وكانت الثورة وسقوط الإِمبراطورية، وقيام الجمهورية المتطرفة، ولعلكم فهمتم أن رينان لم يكن من أنصار الديمقراطية بل كان خصمًا لها، وكان مؤمنًا بالعلم، وما دام مؤمنًا بالعلم وبأن الحكم يجب أن يكون إِلى العلماء فهو ليس من الديمقراطية في شيء؛ لأن الديمقراطية تجعل الحكم إِلى الشعب كله، وهو لذلك من أشد خصوم الجمهورية، كان ملكيًّا في شكل الحكم، كان أرستقراطيًّا علميًّا، ومع ذلك فالجمهورية لم تكد تُعلَن في فرنسا حتى ردت إِليه منصبه، وأذنت له في استئناف دروسه، ثم لم تمضِ أعوام حتى أصبح في ظل الجمهورية التي يكرهها والديمقراطية التي يقاومها لم يصبح أستاذًا، ولكنه أصبح مديرًا للكوليج دي فرانس، تحميه الديمقراطية التي يكرهها وترفعه إِلى أرقى منصب من مناصب التعظيم والتشريف والإِجلال والإِكبار.

قضى رينان ما بقي من حياته أستاذًا في الكوليج دي فرانس، يلقي دروسه في اللغات السامية، ويتحدث ويحاضر في أنواع الفلسفة والعلم، ويؤلف الكُتب المختلفة في مادته التي تخصص فيها وفي موادَّ أخرى كالسياسة والأدب، وأصبح بين سنة ١٨٧٥، ١٨٩٣ أكبر رجل أو أكبر ممثل للحياة العقلية الراقية في باريس وفي البلاد الفرنسية جميعًا، وكان تأثيره عظيمًا في حياة الفرنسيين، ولكن الغريب من أمره أنه انتهى إِلى هذه الصورة التي أريد أن أختم بها هذه المحاضرة، انتهى إِلى هذه الصورة العقلية الشاذة؛ فقد أصبح رجلًا يقبل جميع المذاهب الفلسفية على اختلافها، لا ينكر شيئًا إِنكارًا صريحًا، ولا يؤمن بشيء إِيمانًا صريحًا، أصبح صورة من صور الشك، كان يلقي درسه ويؤيد مذهبه بالحجج والبراهين، ثم يقول في آخر هذه الحجج والبراهين: «ومع ذلك فلستُ مقتنعًا بما أقول.» كان يتحدث في مجالسه بالمتناقضات؛ يقول: «من الخير أن يكون الإِنسان رجلًا فاضلًا، فالفضيلة سخف في حقيقة الأمر، ولكنها لذة يجد فيها بعض الناس راحة، ومن يدري فقد يتبين أن الأمم والجماعات أصحاب رذيلة، من الخير أن يكون الإِنسان متدينًا، ومن يدري لعل الديانات أن تكون صحيحة، ومن الخير أن يكون الإِنسان ملحدًا، ومن يدري لعل الإِلحاد أن يكون صحيحًا.» وكذلك لم تكن تعرض لرينان في عصره الأخير فكرة إِلا قبلها ورفضها في وقتٍ واحد؛ حتى أحدث في العقل الفرنسي في ذلك الوقت اضطرابًا شديدًا، وحتى دُفع الشباب إِلى شيءٍ من الشك الخطِر الذي لم يقف عند المسائل الدينية، بل تجاوزها إِلى مسائل سياسية وطنية.

لم يكد ينتهي القرن التاسع عشر حتى شعرت فرنسا والشباب الفرنسي الجديد بأنه لا بد من مقاومة، ولا بد من رد فعل لهذه الفلسفة والشك الخطِر، وظهرت المدارس الفرنسية الحديثة مقاوِمة لهذا الاضطراب الذي انتهى إِليه رينان، والذي انتهى إِليه العقل الفرنسي.

وأخص ما يمتاز به رينان في حياته كلها وفي هذا العصر الأخير بنوع خاص أنه كان من أشد الناس انتصارًا لحرية الرأي، ولم يكن له بدٌّ من هذا؛ لأنه كان ضحيته، ولكنه اندفع في الانتصار لحرية الرأي حتى لم يفرق بين حرية الرأي وبين الشك، وحتى جعل الحياة العقلية لونًا من ألوان العبث، إِن صح هذا التعبير، نستطيع أن نستبقي من رينان هذا الجهد الصادق في سبيل العلم والبحث الحر ومقاومة الضغط وهذه الثورة على المسرفين في المحافظة، وهذا البحث التاريخي الصحيح الذي مكَّنه من أن يكتب تاريخ اليهود والمسيحيين، وهذه الكُتب العلمية الفلسفية الرائعة التي نجد فيها لذة؛ ولكنا لا نستطيع أن نستبقي هذا الإِسراف في الشك وهذا اللهو بالنظريات، وهذا العبث بالحقائق، وهذا الاندفاع إِلى القبول والرفض والاستعداد لقبول كل نظرية وتلقِّي كل رأي وفي الاطمئنان والاضطراب، وفي هذا خطر لا بد للذين يقرءون رينان من أن يتَّقُوه.

والآن أظنكم قد تصورتم في شيءٍ من الإِيضاح حياة هذا الرجل، فلم يبقَ من هذه المحاضرات إِلا المحاضرة المقبلة التي أحدثكم فيها عن زميله وصديقه وشريكه في الرأي والفلسفة أثناء القرن التاسع عشر وهو «تين».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠