أثر الحضارة العربية في الحروب الصليبية وأثر الحضارة الغربية على عهد الاستعمار الحديث

لما صحَّت عزيمة البابا على إِخراج العرب من أرض البرتقال، دعا الفرنسيس والإِنجليز والنورمانيين والألمانيين والبلجيكيين إِلى معاونة البرتقاليين لنزع سلطة العرب عن بلاد البرتقال، ولما أراد البابا القضاء على دولة الموحِّدين في الأندلس (٦٠٥ﻫ) نادى بالحرب المقدسة فخفت جيوش النصرانية من إِيطاليا وفرنسا وألمانيا، واتحدت قواتها بقوات إِسبانيا. ولما أزمع أن يأخذ القبر المقدس من أيدي المسلمين في فلسطين دعا النورمانيين والإِيطاليين والفرنسيس والألمانيين والنرويجيين والسويسريين والإِنجليز وغيرَهم من شعوب الغرب إِلى حمل الصليب والذهاب إِلى أورشَلِيم.

وفي سنة ٤٩٠ﻫ/١٠٩٦م اجتمع مئات الألوف من غزاة الصليبيين في القسطنطينية، وبعد أن خربوها، وكان صاحبها حليفهم، ساروا إِلى آسيا الصغرى فضلُّوا طريقهم، وأخذوا يخربون ويقتلون إِلى أن بلغوا الرُّهَا وأَنطاكِيَة والمَعَرَّة فالقدس، وقتلوا من أهل هذه المدينة المقدسة فقط سبعين ألفًا، ومن أهل المعرة مائة ألف، وظهروا بمظهر من التوحش لا يُغبطون عليه، وملك المسلمون اعتدالهم فما خرجوا عن حدود شريعتهم فيما أمرت به من الرفق بالناس في دار الحرب ودار السلم، أما الصليبيون فارتكبوا كل محرَّمٍ في دينهم بأن قتلوا المُعاهد والمخالف، وقضوا على اليهود قبل أن يغادروا بلاد الغرب طمعًا بأموالهم.

وظلت الحرب سجالًا عشرات من السنين حتى قام صلاح الدين وقضى على الصليبيين في القدس، ثم قام من أخلافه ثم من المماليك المصريين من استأصلوهم في أدوارٍ مختلفة. وبلغت الحَملات التي وجهها الصليبيون على الديار الشامية ثماني حمَلات، منها ما عُدَّ جُنده بمئات الألوف، وهلك من الفريقين خلائق يصعُب إِحصاؤهم، ورجع الغربيون ولم يربحوا من غَزَواتهم غير ما نحن ذاكرون من الفوائد المادية والمعنوية، وأخذ العجب المهاجمَ والمدافعَ مما رأى من عدوه، وأثبت الأول انحطاطه، وسجل الثاني ترقيه، رأى الصليبيون من حُسن أخلاق نور الدين وصلاح الدين وغيرهما من أمراء المسلمين ما أُعجبوا به؛ رأوا صلاح الدين يوم استرجاعه القدس يكتفي بأن يضرب على كل رجل منهم عشرة دنانير، وعلى كل امرأة خمسة، وعلى كل طفل دينارين، وعجز بعضهم عن أدائها فأدى أخوه أبو بكر بن أيوب فديةً عن ألفي صليبي، ثم أعفى صلاح الدين كثيرين من هذه الغرامة، وأغضى عن جواهر الصليبيين وناضِّهم من الذهب والفضة، وعامل نساءَ الإِفرنج معاملة لُطفٍ وظرف، وسهَّل سبيل الخروج لمَلكتين عظيمتين من ملكاتهم بما معهما من جواهر وأموال وخَدَم، وسمح للبطريرك الأكبر أن يسير آمنًا بأموال البِيَع وذخائر الجوامع التي كان غنمها الصليبيون في فتوحهم الأولى؛ فأثرت هذه المُحاسنة من صلاح الدين في جمهور الصليبيين. وظل الملوك والباباوات على عنادهم وعدائهم حتى قال شاعره عبد المنعم الجِلْيَانيُّ من قصيدة يصف حرمة الصليبيين له:

فخطوا بأرجاءِ الهياكل صورةً
لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم

كان المسلمون مع الصليبيين أيام المهادنات على غاية اللطف والمياسرة، يُضيفونهم ويكرمونهم ويعاملونهم معاملة حسنة؛ فامتزج الصليبيون في الشام امتزاجًا دائمًا متصلًا بأهل البلاد نصاراهم ومسلميهم، واعتمدوا عليهم في أعمال الزراعة وبناءِ الكنائس والقلاع، وجنَّدوا كثيرين منهم في جيوشهم، ومنهم بعض نصارى لبنان، وكان منهم الأدِلَّاءُ والتراجمة، وعاش الصليبيون بالقرب من أشراف المسلمين يتبادلون وإِياهم فروض المجاملات ويعقدون معهم عهود الصيد، وأسر المسلمون كثيرًا من الإِفرنج وظلوا في أسرهم أمدًا طويلًا، فكانوا يعاملونهم أحسن معاملة ويمنحونهم قسطًا وافرًا من الراحة، فنشأت علاقات ودٍّ بين الفريقين، وكان اتِّجَار كل فريق في أرض جاره من عوامل التعارف بين المسلمين والنصارى من أهل الغرب. وتزوَّج الصليبيون من غير جنسهم من الشاميات والأرمينيات أو من العربيات اللائي تنصَّرن، ونشأت صداقات بين أفراد الفريقين، عقبى المعاهدات التي عُقدت بين المسلمين والصليبيين لاستعانة فريق بآخر ليقاوم له منافسًا أو منازعًا من أبناءِ دينه.

هذا قول مونرو، وزاد أن التسامح المتبادل دخل في الأخلاق؛ فكان النصارى يؤْثرون استشارة أَطباء المسلمين لتفوقهم على أطبائهم في علاج الأمراض ولتجافيهم عن استعمال السكين والمِبْضَع في الجراحة، وقد وصف سفير الإِمبراطور فريدريك بربروسا في عهد صلاح الدين معتقدات الإِسلام وصفًا حسنًا، وأَطرى روح المسامحة عند المسلمين وأَلمع إِلى الحرية التي أطلقوها لأَتباع كل دين. وقال إِن أكثر المسلمين يكتفون بزوج واحد، وإن صلاح الدين كان محبوبًا في الغرب لرأفته وكرمه بعد استيلائه على أورشَليم، وكان شديد التسامح مشهورًا بتأدبه. وكتب ريكولدوس في مدح المسلمين قائلًا: ومن لا يعجب بمحاسنتهم وبخشوعهم في صلاتهم، ورحمتهم الفقير، وبتقديسهم اسم الله والأنبياءَ والأَماكنَ المقدسة، وبحُسن عِشرتهم ولطفهم مع الغريب وباتفاقهم وتحاببهم.

ويؤخذ مما قاله ميشو ودُرْوِي وسيديليو ولافيس ورامبو وسنيوبوس ولبون وبتي وغيرهم من المؤرخين والحكماء أَن الحروب الصليبية عادت على الغرب بخيرات لا تُستقصى، ولو لم يكن منها غير تحطيم قيود التعصب الكنسي وما رآه الصليبيون عِيانًا من تسامح المسلمين وتساهل مشاهير أمرائهم لكفى في فائدتها. فانتشرت التجارة بعد الحروب الصليبية أكثر من انتشارها أيام المملكة الرومانية، وأخذت أوروبا عن العرب عادات الفضيلة والمدنية، وكلَّ ما يهوِّن الحياة ويُحَلِّيها للأَنفس، بدأت الصلات بين الغربيين والشرقيين بحرب بين المؤمنين، وانتهت بمسائل تكونت بين المتجرين، وتحضَّر الغربيون بامتزاجهم بالشرقيين، وأثَّر هذا الاختلاط في أفكار النصارى الدينية؛ فتحمسوا أولًا للطعن والنزال، ولمَّا شاهدوا المسلمين عن أمَم، ورأوا رجالًا أشداءَ كرماءَ منوَّرين أمثال صلاح الدين الذي أخلى سبيل أُسارى النصارى بدون فِدية، وبعث بطبيبه إِلى أحد زعماءِ الصليبيين ليداويه من مرضه، عندئذٍ بدءوا باحترام المسلمين.

كانت الحروب الصليبية من حيث غايتها الأولى عقيمة، فإِن الصليبيين على ما بذلوا من الأموال، وأهرقوا من الدماء، رجعوا من الشرق بعد قرنين كاملين، بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ. وأفادت هذه الحروب من طريق آخر، فكان الاختلاط بالشرق عشرات من السنين من العوامل القوية في سرعة انتشار المَدنية في أوروبا، وكان الشرق بفضل العرب ينعم إِذ ذاك بمدنية زاهرة على حين كان الغرب لم يزل غارقًا في التوحش، وقد استدللنا من مجموع أعمال الصليبيين أنهم كانوا في كل مكان إِلى الهمجية حقيقة، ينهبون الأموال ويقتلون الأنفُس، لا فرق عندهم بين عدوِّهم وصديقهم؛ خرَّبوا في القسطنطينية أثمن كنوز العاديات اليونانية واللاتينية، ولم يربح الشرق باختلاطه بهؤلاء البرابرة من الصليبيين، بل خسر ونتجت من ذلك كراهته للغربيين كراهية دامت قرونًا.

قبل الحروب الصليبية، كان لا يعرف الشرقَ العربي من الغربيين غيرُ أفراد أذكياء رحلوا في التجارة، أو جاءوا فِلَسْطين للزيارة، أو نزلوا الأندلس وصقلية يُعجبون بما لا يعرفونه من حضارة وغضارة، وفي هذه الحروب عرفوا الشرق الإِسلامي وكان الواغلون عليه من مختلف الطبقات، فرأوا المسلمين في عُقر دارهم، وحققوا أنهم ممتازون بصفات حربية وأدبية واجتماعية، رأوا أُمة تحررت من قيود الدينيين إِلا قليلًا، وأَيقنوا أنها من غير الطراز الذي عرفوه من أجيال الناس، على حين كانت أوروبا تحت سلطة الكنيسة الرومانية، يتصرف الباباوات فيها بالأشباح والأرواح، ويقيمون في كل مكان حكومة وسط حكومة، تجبي أموالًا من الناس وتعفي أملاكهم من الخراج، كما يُعفَى خَدَمتها من المحاكمة مع الناس، بل كثيرًا ما كان يحاكم الشعب نفسه في الكنيسة، ولطالما كان الأسقف في أبرشيته خصمًا للحاكم السياسي ورقيبًا عتيدًا عليه. فكان البابا منذ القرون الوسطى — كما قال العلَّامة جول سيمون — لا يعد نفسه إِمام الأحبار فقط، بل خليفة الله في الأرض، ليس بينه وبين الرياسة الملكية العامة إِلا خطوة قصيرة، استعد لاجتيازها بالقول، ولم يدخر وسعًا في تطبيق القول على العمل، فرأس الملوكَ وألبسهم التيجان، ولم يفتأ اللاهوتيون والوعاظ يوطئون له أكناف هذه السلطة المدنية العامة؛ كأنهم بذلك يُخضعون الملوك قاطبةً لله الواحد القهار.

قالوا إِن شعوب الغرب في القرن الثاني عشر كانوا في حالة بداوة وغباوة، وهذا ما ساعدهم على إِعلان الحروب الصليبية في الشرق، فلما نشأت المدنية الحديثة في القرن السادس عشر، وتسربت أولًا إِلى رؤساء الكنيسة والملوك، أصبحوا لا يرون الاغتراب عن مواطنهم، ولا أن يفارقوا مساقط رءوسهم، وعمَّت الصناعات وحسُنت الزراعة، وانتشر العلم، وغدا ذكرى كل مدينة وكل أُسرة، وتقاليد كل شعب وقُطر، والألقاب والامتيازات والحقوق المستحصلة والأمل في تنميتها، كل ذلك قد غيَّر من أخلاق الإِفرنج، وبدَّل من ميلهم إِلى حياة التنقل والارتحال، وجعلها صلات تربطهم بالوطن، وكُتِب التوفيق للملاحة في القرن التالي باكتشاف أمريكا، واجتاز الملاحون رأس الرجاء الصالح؛ فنشأ من هذه المكتشفات تبدُّل كثير في التجارة، وأخذت الأفكار تتجه وِجهة جديدة، وأنشأت المضاربات التي كانت قائمة بالحروب الصليبية تسير نحو أمريكا والهند الشرقية، ففُتحت أمام الغربيين ممالك كبرى وأقطار غنية تسد مطامعهم، وتُشبع نهمة التائقين منهم إِلى المجد والثروة والمُطَوحات، فأنست حوادث العالم الجديد ما في الشرق من عجائب.

لما قفل الغزاة من الصليبيين راجعين إِلى بلادهم، وقد أضاعوا من صيت فرسانهم، وفقدوا من شَمَمَهم وعِزَّة أنفسهم لما حلوا غير أرضهم، أخذوا يقصون على بني قومهم أخبارًا تناقض ما كان ينشره دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة، من أن المسلمين جماعة من الوثنيين غلبوا على الأرض المقدسة، وأجْلَوا عنها دين التوحيد، ونفوا منها كل فضيلة، وأنهم وحوش ضارية، وحيوانات مفترسة؛ أخذوا يقولون لقومهم إِن أعداءهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة، وذوي ودٍّ ووفاء وحرمة، وإن ما كانوا اتُّهموا به غير صحيح، وإن دعاة الحرب المقدسة تقوَّلوا عليهم ومزجوا أقوالهم في المسلمين بكثير من الأفاويه لتوافِق روح ذلك العصر، والخصم قد يستحل لنفسه أن يقول في خصمه ما قاله مالك في الخمر.

وأهم ما استفاده الغرب من حروب الصليبيين واختلاط أهله بأهل الإِسلام أن القابضين على زمام الأمر في الغرب لم يعودوا كما كانوا في الثمانين السنة الأخيرة التي مضت قبل سقوط القدس بأيدي المسلمين يأتمرون في الحال بأوامر الكنيسة، ويحمِّسون الناس ليسيروا بهم على العمياء، يَقتلون ويُقتلون على غير فائدة محسوسة، ومن أعظم ما عاد على الغرب بالفائدة من هذه الحروب، أنه لم تُعقد خلالها دواوين التحقيق الديني، ولم يُحرق أحد بالنار، ولم تُقطع الأعناق في سبيل الأفكار الدينية والعلمية؛ فكأن الجلَّادين تعبوا من قطع الرءوس وبسط العقوبات على الناس مدة ثلاثة قرون، وكأن رجال الدين والسياسة هادنوا العدو الداخلي لينالوا من العدو الخارجي، وكان المتهم في غضون انعقاد ديوان التحقيق، إِذا حُكِمَ عليه بالقتل لا يدافع عن نفسه، وإِن كان متقلدًا سيفًا، وذلك عملًا بآية الإِنجيل الطاهر: «إِذا ضربك أحد على خدك الأيمن، فحوِّل له الأيسر»، فكان المتهمون بالإِلحاد يساقون من قبلُ كما يساق قطعان من الغنم إِلى المجزرة، ساكنين عُزْلًا من أسلحتهم مستسلمين للأقدار، وكان الوالي إِذا أراد أن يجادل أحدهم بالبرهان على سبيل الشفقة لا يفهم ما يقول لأنه غبي جاهل.

وأدى الضغط على الناس في الغرب باسم الدين إِلى قيام لوثيروس بعد حين، وكان سبب ثورته — كما قال العلَّامة جول سيمون في كتابه حرية الضمير — أن البابا أراد إِنجاز كنيسة القديس بطرس في رومية، فنضبَ المال لديه، وعقد النية على بيع الغفران، فوزع عمالات العالم النصراني على بعض حاشيته، فجبوا جزءًا من المال المفروض، وباعوا مجموع الريع من جباة متعهدين، ووقعت سكسونيا وجزءٌ من ألمانيا في نصيب أُخت البابا، فَعُهِد إِلى رهبنة الدومينيكيين أن يبشِّروا بالغفران لتثمير هذه التجارة، فاغتاظ لوثيروس من هذا الحيف، وكان صاحب إِحساس وشرف، وطفق يثير الناس على الدومينيكيين لتعلُّقهم بخدمة صرَّاف في عمل غير شريف، وأخذ يبحث عن معنى هذه التجارة، وعن قيمة هذا الإِنعام في العالم الثاني، يبيعه البابا في الدنيا مقابل أسناد وسفاتج تُدفع للجباة ووكلائهم، وحاولت الكنيسة الرومانية أن تدعو إِلى نُصرتها جميع الأمراء فلم تفلح، وكان من ذلك الإِصلاح الديني المعروف، وتلك المذابح الدينية في معظم البلاد، على صورة لم يسبق لها نظير في الغرب ولا في الشرق، قال: وكان الباباوات مزجوا السلطة الروحية بالسلطة السياسية، وإِن لم يخضع لهم جماع الأمراءِ والقياصرة المجاورين ممن دانوا بدينهم، وانتهت بهم الحال أنِ ادَّعوا العصمة واستهووا رعاياهم، وتصدى كثير من المصلحين قبل قيام لوثيروس وخلعه طاعة البابا لإِصلاح الحال، فأُميتت عقولهم، كما قام كثيرون قبل جاليله وديكارت، وكم من قرائح ضاعت، ومن أعمال علمية بارت، ومن بلغاء خابوا وما أسمعوا أصواتهم، ومن دهاة عجزوا وتضاءلوا! فالغربيون إذن أفادتهم حروب الصليب تنفيس خِناق العلماءِ، والأخذَ بالمُخَنَّق من بعض المتعصبين من الدينيين.

أما المسلمون فاستفادوا من الغربيين طريقة أخذ الأخبار من مصادرها، وكان الصليبيون في بدءِ الحرب الصليبية لا تخفى عليهم خافية من حال أعدائهم، فأتقن المسلمون بعد ذلك صناعة الاستخبارات بواسطة أصحاب البُرُد والأخبار، على ما كان الرسم في بعض الدول العربية السالفة، وعرف المسلمون أن الإِفرنج أمم كثيرة العدد، أصحاب شدة لا يستهان بهم، ولو كانوا عرفوهم من قبلُ حقَّ المعرفة، لعقدوا معهم معاهدات ومنحوهم امتيازات؛ أزالوا بذلك أسباب الشكوى التي اختُلقت لإِشهار هذه الحرب الزبون، ولما خربت الشام وهلك مئات الألوف من المسلمين عربهم وتُركهم وكردهم، ومثلهم أو أكثر من حمَلَة الصليب.

وعلَّمت هذه الحرب المسلمين أن حياتهم بالتضامن والانكماش، وكانوا قبلها متفاشلين متخاذلين، يعبث بعض الملوك بكيانهم، ويصرفونهم على هواهم لأغراضهم ومصالحهم. فما ارتضى الناس في هذا الدور من أرباب صناعة الملك إِلا أن يكونوا جدَّ كفاة لتولي رقاب الناس، ولقنت الحرب أهل الإِسلام معنى الجامعة الدينية، وما يُتوقع من أثرها في جهاد العدو ودفع صائله، وكانت العصبية العربية قد أصيبت بالضعف فحلت العصبية الدينية محلها، وبهذه الحروب المنوعة الأشكال والأجيال ظهر نبوغ المسلمين في الحرب والإِدارة وظهر فيهم رجال كانوا في أخلاقهم ومضائهم على مثال أهل الصدر الأول من العرب وإِن كانوا من أصول أعجمية.

قلنا إِن الصليبيين خالطوا المسلمين، ومنهم تعلَّموا حياة الرفاهية وزهدوا في التبدي، وعرفوا أن البادية لا تقوم لها قائمة أمام الحضارة، وكان بعض شعوبهم استفادوا بملابستهم العرب في صقلية والأندلس، أما اختلاط الإِفرنج في الحروب الصليبية فاستفاد منه خاصة الغربيين وعامتهم، ومن جملة ما استفادوه عادات شرقية كثيرة؛ ومنها الاستحمام والألبسة المسترسلة الفضفاضة، ونظموا فرسانًا على الطريقة الإِسلامية، ومنهم من تعلَّموا اللغة العربية وأتقنوها واقتبسوا من عادات المسلمين ما استحسنوه. قال لبون: إِن النضال الذي ناضله الصليبيون في حملاتهم الأولى كان نضال عالَمٍ لم يزل على توحُّشه مع مدنية من أرقى المدنيات التي حفظ التاريخ ذكرها، واشتد ولوع الصليبيين بالزراعة والتجارة، وعرفوا أن في بلاد الشرق صنائع أرقى من صناعاتهم وزراعة ناجحة، وتجارات رابحة، ورِقة شعور وعاطفة شريفة وتسامحًا غريبًا، فربطوا مع الشرق صلات تجارية نافعة.

ورأى الصليبيون في الشرق عناية المسلمين بالكُتب، فطَرَّسوا على آثارهم في اقتنائها ووضعها في بيوت ورفوف، وقيل إِن سان لوي ملك فرنسا هو أول غربي حدثته نفسه بجمع الكُتب ووضعها في خزائن على مثال ما رأى في مصر وتونس، ومن الصليبيين من أخذوا كُتبًا من الشام ومصر على أنها غريبة من الغرائب، ولما لم يكونوا على شيء من العلم أحرقوا خزانة بني عمار في طرابلس على أنها مصاحف قرآن، ولما نادى منادي النهضة في إِيطاليا صحَّت همة الباباوات في القرن السادس عشر على اقتناء كُتب العرب؛ فندبوا لذلك جماعة من رهبان الموارنة، فحملوا إِليهم من أديار لبنان وغيرها ما كان فيها من كُتب العلم والدين، وأخذت حكومات جرمانيا وهولاندا وإنجلترا وفرنسا وروسيا تجمع منذ القرن السابع عشر كُتبًا تبتاعها من البلاد الإِسلامية بواسطة وكلائها وسفرائها وقناصلها والأساقفة والمبشرين من رجال الدين، وأخذ الأفراد من أبناء الغرب يحلون بعض رموزها أولًا، ثم رتبوها في خزائن في دُور كُتبهم العامة للاستفادة، وكانت إسبانيا والبرتقال من أزهد الأمم في هذه الكُتب العربية، أما إِسبانيا فقد بقيت خمسين سنة بعد جلاء العرب عنها تحرق الكُتب العربية حيث وجدتها من شبه جزيرة إِيبريا، وقد أحرق الكردينال كسيمينس في يوم واحد في ساحات غرناطة ثمانين ألف مجلد من كُتب العرب، وكان في الأندلس سبعون خزانة عامة للكُتب ماعدا خزائن الأفراد، ولم تَقُمْ في البرتقال للمشرقيات العربية سوق حتى الآن، وليس عندها من الكُتب العربية ما يُذكر، هذا مع ارتباط جزءٍ من تاريخها بتاريخ العرب، ولما نُقلت بعض الكُتب العربية إِلى بعض اللغات الأوروبية، استفاد الغربيون منها فوائد جُلَّى، واستفاد المسلمون تصحيح الأحكام القاسية التي كان يحكمها رجال الكنيسة عليهم وعلى دينهم.

ومن الفوائد التي عادت على أوروبا بالخير من الحروب الصليبية تحرير أصحاب الأَرَضين من رق الزعماء والأمراء، وانتقال الثروة من أيدي هؤلاء إِلى أرباب الطبقات الوسطى والدنيا، فباع من باع من الكبراء ملكه، وابتاع من عمل بأرضه ومتجره وصناعته، فاغتنى واقتنى الرباع والضِّياع، واضطر سادة القرون الوسطى أن يُنفِّسوا من خناق عبيدهم في أرضهم، وأن يُبطلوا قانونهم البشع الذي يُخوِّل السيد في مقاطعته أن يقضي مع امرأة خادمه وعبده الليلة الأولى من عُرْسها، ويسمُّون ذلك حق التفخيذ Droit de cuissage ثم اكتفى السادة أصحاب الإِقطاعات بأن يضعوا سُوقَهم في فراش عروس مُقطَعيهم ورقيقهم Droit de jambage إِشارة إِلى ما كان لهم من حق التفخيذ وأعفوا منه، ثم استُعيض عن ذلك بضريبة وُضِعت على الزواج، ومنها تقوية السلطة المدنية ووهن السلطة الباباوية وضعف تأثيرات التعصب الأعمى، واضطرت الكنيسة الرومانية نفسها إِلى إِصلاح حالها، وكان بعض الباباوات يأتون الفترة بعد الفترة بما يَخْدمُون به المدنية والعلم كالبابا ليون العاشر في القرن الثالث عشر، وهو من أسرة ميديسيس المشهورة بأفضالها على العلم والأدب؛ فإِنه وسَّع نطاق الآداب، وبث العلم حتى عُدَّ عصره العصر الذهبي، وشَابَهَ عصر أغسطس من أكثر الوجوه، ودخل أيضًا تعديل كبير على نظام الإِقطاعات، واغتنت إِيطاليا من متاجرها؛ فكان ذلك من بعض العوامل في ظهور شعلة النهضة الغربية منها بعد حين. وكانت إِيطاليا في القرون الوسطى أكثر مدنية من جيرانها، وكذلك كانت بلاد القاع في الشمال، وشعر الناس بلزوم السير على فكرة أوروبية، وكانوا من قبل ممزقين مشتتين، وشهدوا في الشرق أنه كان من عدم الوحدة في قيادة جيوشهم إِخفاق أمرهم، وكانوا من قبل لا يتضامنون ولا يتراحمون.

•••

مضت على البشر عشرة قرون، وتاريخ اليونان هو تاريخ العالم، والمفكرون والعقلاء والأدباء والعلماء من أبنائهم، ثم نامت العقول عقبى قيام العرب، وأتم هؤلاء ما بدأ به اليونان من علم وصناعة واستعمار، فخلفوهم في ذلك وبَذُّوهم في بعض المظاهر، ولما ضعف حكم العرب في الأندلس وشمالي إِفريقية، بل في مصر والشام والعراق وما إِليها، وأخذ سلطان العثمانيين يقوى في الجنوب الشرقي من أوروبا؛ قام البرتقاليون النازلون على شواطئ بحر الظلمات يلوبون على المال والمجد، وصادف أن قام منهم جماعة من الملَّاحين الأذكياء، وفي مقدمتهم فاسكو دي جاما، فاصطنعوا لهم أساطيل لم تلبث أن تفوقت على ما كان من نوعها عند الأمم الغربية الأخرى، وكشفوا على عهد الأمير هنري بن الملك جوان الأول البرتقالي في النصف الأول من القرن الخامس عشر طريق الهند بالطواف حول إِفريقية الغربية والشرقية.

وكان هذا الأمير البرتقالي عالِمًا باحثًا انقطع إِليه بعض علماء اليهود وعلماء من المسلمين من أهل فارس ومرَّاكُش المغاربة، كانوا يُعَدُّون لذاك العهد من أرقى علماء العالم، وأخذوا ينقبون في كُتب العرب وغيرهم في علم الجغرافيا، حتى عرفوا أن في الإِمكان الدوران حول إِفريقية، وألَّفت البرتقال حملاتها البحرية بمعاونة ملاحين من العرب، ومنهم ابن ماجد البصري، والقواد من النصارى أمثال فاسكو دي جاما والبوكرك وماجللان، فنجحت أسفارهم البحرية وكانوا من قبل استولوا على معظم شواطئ الغرب الأقصى، وما زالوا يفتحون في طريقهم إِلى رأس الرجاء الصالح المواني البحرية، وفتحوا ممبسة وزنجبار وموسامبيق وملندة وغيرها حتى وصلوا إِلى مَلِيبار، واتصلوا بجزائر الأبازير في الهند، وصار بحر الهند والصين تحت سلطانهم، لا شيءَ غير تجارتهم تُنقل على سفنهم، ولا يستطيع إِنسان أن يتجر بدون أمنهم وجوازهم، وذلك في الأصناف التي لا يريدون هم أن يتجروا بها لقلة الانتفاع بأرباحها الضئيلة، وهذا كان مبدأ اختلاط الغربيين بالشرقيين، ولا سيما بالعرب في مطلع القرون الحديثة، والحاصلات التي اهتمَّ لها البرتقاليون بادئَ بدءٍ لاستبضاعها من الشرق الفُلفُل والقَرَنْفُل والزنجبيل والقِرفة والبسباس، وأكثر ما كان البرتقاليون يهمهم أن يضربوا في تلك الأصقاع على أيدي تجار العرب؛ لأنهم كانوا مستأثرين بالتجارة أكثر من غيرهم من العناصر، على ما روى ذلك الشيخ زين الدين في كتابه «تحفة المجاهدين في بعض أحوال البرتكاليين».

وأدرك البنادقة، وكانوا سادة التجارة في البحر المتوسط، عظم الخطر على تجارتهم، فحثوا السلطان الغوري من سلاطين المماليك في مصر والشام على حرب البرتقاليين في البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ لينقذوا تجارتهم وتجارة مصر معًا، وأرسل البنادقة الأخشاب تُنقل من بلاد البنادقة في المراكب إِلى الإِسكندرية، ومنها على متون الجمال إِلى السويس، ويتولى صنعها أناس من البنادقة حتى تستوي سفنًا صالحة، وحارب المصريون جماعات البرتقاليين ومعهم أناس من البنادقة والجنويين والبيزيين من الطليان ممن كان استعمارهم في شواطئ البحر الرومي استعمار استثمار كالاستعمار الفينيقي والقرطاجني، أما استعمار البرتقاليين والإِسبانيين ثم الهولانديين والبريطانيين والروسيين والفرنسيس والبلجيكيين فكان كالاستعمار الروماني واليوناني عبارة عن فتح واستيلاء واستيطان وامتلاك المتاجر والزراعات، ونشر لغة وعادات، وبث مذاهب وتعاليم.

كانت التجارة في كل دور من أدوار حضارة البشر تشغل بال الأمم وتُعْنَى برواجها الحكومات، تسلك إِليها كل سبيل؛ فقد كانت تجارة الشرق والغرب منحصرة بادئَ بدءٍ بآسيا الصغرى في الأصقاع الممتدة بين البحر المتوسط من الغرب، وسهول أرمينية من الشمال، وسفوح جبال إِيران من الشرق، والخليج الفارسي وشبه جزيرة العرب من الجنوب، وكانت آشور مخزن محاصيل تلك البقاع لموقعها الجغرافي، وكانت المدينتان العظيمتان، نينَوى على دِجْلة وبابل على الفرات، تتوليان كِبْرَ التجارات الصادرة والواردة.

ولما هبَّ العرب للاستعمار أظهروا لينًا وسماحة مع الأمم كلها، واستعمارهم أشبه بالاستعمار الروماني واليوناني، وما لبثوا أن منحوا ملَّاحين من الطليان امتيازًا بالاتجار أحرارًا في شواطئ بلاد المغرب؛ فكانت تباع في إِفريقية منسوجات نابل، ثم تحولت تجارة الهند عن طريق بغداد، وأنشأت تسير توًّا إِلى البحر الأحمر، وأصبحت مواني المغرب مراكز للملاحة بين مصر وإِسبانيا، ولم يحدث من الحروب الصليبية غير اضطراب خفيف في العلائق التجارية، فأورثت التجارة الأوروبيةَ نهضة جديدة أطلعت الغربيين في الشرق على طرق لم يكونوا يعرفونها، وعقد شارل السادس محالفة تجارية مع تيمورلنك التتري، وعقد شارل السابع محالفة تجارية مع سلطان مصر وملوك قرمان وتونس وبجاية وفاس ووهران.

وكانت مراكب بارة (باري) تسافر إِلى مواني الشام قبل الحرب الصليبية، وقد عقد أمراء سالرن ونابل وجايت وأمالفي في سنة ٨٧٥م معاهدة مع العرب، كما عقد صلاح الدين وجمهورية بيزا معاهدة سنة ٥٦٩ / ١١٧٢ منح بها البيزانيين عدة امتيازات خاصة بالتقاضي، وحصل الفلورنتيون أهل فلورنسة من قايتباي سلطان مصر والشام على عدة امتيازات؛ وكانت هاتان المعاهدتان من أوائل ما مُنِحَه الأوروبيون من الامتيازات الأجنبية في الشرق، وعُقدت عدة معاهدات مع الملك الأشرف والصليبيين (٦٨٤ﻫ) والريدراغون صاحب برشلونة ٦٩٢، وفي كتاب الشروط والعقود السياسية بين ملوك بيسه (بيزا) وفلورنته (فلورنسة) وبين ملوك المسلمين في تونس والمغرب الأقصى؛ إن هذه المعاهدات بدأت من منتصف السادس من الهجرة وكان آخرها في سنة عشر وتسعمائة، وملك أزِمَّة التجارة مع الطليان الكتالانيون والبروفانسيون والقبرسيون والرودسيون، وكثر قناصل الدول التجارية من أهل الغرب في مدن الشرق، وكثر الاتجار بالرقيق، وكان جميع أمم الأرض تتجر بهذه التجارة الممقوتة، يستخدمون من يسترقونهم آلات للعمل ويمنعون عنهم في دولة الرومان تعلُّم القراءة والكتابة، ولم يكن هذا الصنف المغموط الحق يعامَل معاملة حسنة في الدول الأوروبية الحديثة. يقول هيد: وقد حدا حب الربح تُجارًا من النصارى أن يبيعوا أبناء دينهم بيع الرقيق من عرب إِسبانيا وإِفريقية والشام، فاتخذ شارلمان والبابا زكريا وأدريانوس الأول الأسباب لمنع هذه التجارة غير المحللة.

قام الإِسبان ثم الهولانديون يستعمرون بعد البرتقاليين إِلا أنهم لم يستعمروا بلاد العرب، بل وجهوا وجوههم إِلى أمريكا الجنوبية وسواحل الهند وجزائر جاوة وصومطرا، ثم قام الفرنسيس والإِنجليز بعد ذلك فوجهوا وجهتهم إِلى الشرق، وكان أول من وصل من الغربيين إِلى الشرق العربي جيش نابوليون يفتح مصر في سنة ١٧٩٨؛ فاختلط الفرنسيس بالمصريين والمصريون بالفرنسيس، وكان هؤلاء لم يهبطوا مصر منذ أُسِر ملكهم سان لوي في الحملة الصليبية السابعة في وقعة دمياط والمنصورة، وقُيد وحُبس في دار كاتب الإِنشاءِ فخر الدين بن لقمان ووُكِّل به الطواشي صبيح المعظمي (٦٤٨ﻫ) ثم افتدى نفسه بثمانمائة ألف دينار وعاد إِلى بلاده، فبلغ أمراء مصر أنه أخذ في الاستعداد ليعود فيملك دمياط، فكتب إِليه الوزير جمال الدين بن مطروح أبياتًا تَنمُّ عن روح العصر وهي قوله:

قُلْ للفرنسيس إِذا جئته
مقالَ صدقٍ من قَئول فصيحٍ
آجرك الله على ما جرى
أفنيتَ عُبَّاد يسوع المسيح
أَتيت مِصرًا تبتغي مُلكها
تحسَب أَن الزمرَ يا طبلُ ريح
فساقك الحَيْن إِلى أدهم
ضاق به عن ناظريك الفسيح
وكلُّ أصحابك أودعتَهم
بحُسن تدبيرك بَطْنَ الضريح
خمسون ألفًا لا ترى منهم
غيرَ قتيل أو أسير جريح
وفقك الله لأَمثالها
لعل عيسى منكم يستريح
إِن كان باباكُمْ بذا راضيًا
فرُبَّ غشٍّ قد أتى من نصيح
فقُل لهم إِن أضمروا عودةً
لأخذ ثأرٍ أو لقصدٍ صحيح
دار ابن لقمانٍ على حالها
والقيد باقٍ والطواشي فصيح

من رجال العرب الذين كان لهم الأثر المحمود في الأخذ من الحضارة الغربية، الأمير فخر الدين المعْنِيِّ الثاني أمير لبنان الذي لم تنبغ الشام مثله منذ قُتل مسلم بن قريش آخر ملوك العرب في الشام سنة ٤٧٨ﻫ، وكان بعيد النظر واسع الحيلة يطمح إِلى إِقامة مُلك له؛ فامتد سلطانه أوائل القرن الحادي عشر من الهجرة إِلى أنحاءِ فلسطين، ومَلَكَ الساحل الشامي حتى أنطاكية، واستولى على عدة حصون وقلاع، وخافته الدولة العثمانية فأرسلت عليه حملتين كسر الأولى منهما، ثم أرسلت عليه الثانية فهرب إِلى إِيطاليا، وعهد بالإِمارة إِلى ابنه، وكان منه مدة إِمارته أن هيأَ السبيل للإِفرنج بغشيان الديار الشامية، والاستزادة من متاجرهم مع أهل الساحل، وتكثير سوادهم في المدن والمواني، وأذن لهم بإِنشاء قنصليات، وأنشأ خانًا كبيرًا لتُجارهم في صيدا، وعمَّر مدينة بيروت وأقام حديقة حيوانات فيها، وفي أيامه دخلت جماعات المرسلين والمبشرين إِلى لبنان حرة طليقة.

أقام الأمير المعني في إِيطاليا أزيد من خمس سنين تعرَّف خلالها إِلى ملوك طسقانة من آل ميديسيس في فلورنسه، وحالف كوسموس الثاني كبير دوجات طسقانه، وكان استقبله في ليفورنا باحتفال عظيم، وعقد مع فرديناند الأول كبير دوجات طسقانه أيضًا محالفةً في سنة ١٠١٧ﻫ/١٦٠٨م، وكان استظهر بأسطول فرديناند الطسقاني لاتِّقاء الأسطول العثماني في ساحل الشام. وقد قلَّد الأمير اللبناني أمراء آل ميديسيس في مدينتهم ونقل منها إِلى بلاده ما أمكنه نقله، وصفَ مؤرخه الصفدي عمران إِيطاليا وعادات الطليان وتراتيب حكوماتهم مُعْجَبًا بها، وكان الأمير معجبًا بها أيضًا، وعُرف الأمير بأنه كان متديِّنًا غير متعصب، أخذ معه إِمامه وبنى في البلدة التي أقام فيها جامعًا يصلِّي فيه وبنى مِئذنةً، وماتت له ابنة هناك فأبقاها حتى عاد إِلى لُبنان ودفنها في ربوعه، وعرض عليه ملك إِسبانيا أن يدين بالنصرانية ويتولى مملكة عظيمة أعظم من مملكته فاعتذر بلطف.

وهذا الأمير هو أول أمير عربي انتبه لتفوق الحضارة الغربية الحديثة على الحضارة العربية الأخيرة، وكانت هذه انحطت وإِيطاليا أخذت تنهض لتلقُّف المعارف وإِحياء الفنون الجميلة من تصوير ونقش وبناء وشِعر وفلسفة، والممالك المجاورة لها تهب إِلى العُلى، وتخلع ثياب الخمول الماضي، ولو وُفِّق الأمير فخر الدين المعني لغيَّر التاريخ العربي؛ لِما كان عليه من الاستعداد العظيم لإِدارة المُلك والذكاء النادر في الأخذ من الأمم الأخرى ما ينقص بلاده من أسباب المدنية، فقتلته الدولة العثمانية بأَخَرة في الأستانة ١٦٣٥م وقبره لا يزال فيها، كما قتلت معظم أولاده إِلا واحدًا، وقتلت أخاه وأولاده إِلا واحدًا منهم.

وبدأ تمازج الحضارتين العربية والغربية تمازجًا فعليًّا بكل ما في التمازج من معنى منذ استولت فرنسا على الجزائر، ثم باحتلال إنجلترا مصر، ثم باستيلاء فرنسا على تونس واستيلاء إِيطاليا على ليبيا واقتسام مَراكُشْ بين فرنسا وإِسبانيا، فإِن هذا الاستعمار عرَّف الشعوب بعضها إِلى بعض، وأصبح السلطان للمدنية الراقية على شمالي إِفريقية ومصر، وكانت من قبل تشكو سوء إِدارتها، فانتظمت أحوالها بالنُّظم الجديدة على طرائق الغربيين في بلادهم، وكانت المنافسة بين الدول المستعمِرة الحديثة على التجارة بالرقيق وعلى الأبازير والجواهر أولًا، ثم أصبحت المنافسة بينهم على اليابسة والبحر وعلى الجو وعلى ما في بطن الأرض من المعادن.

واشتدت الدول المستعمِرة في تلقين مناحيها ولغتها وأصولها للأمم التي غلبتها على أمرها على اختلاف طرائق استعمارها، وتمازَج الغربي بالشرقي في الأرض العربية، وصارت كل دولة غربية تصدر عن رأي نظارة مستعمراتها ونظارة خارجيتها في معاملة البلاد المستعمَرة أو المحتلة، بطريقة من طرق التدخل، وانتشرت الفرنسية والإِيطالية والإِسبانية والإِنجليزية في الأقطار العربية، وحذقها أفرادٌ من العرب حِذق أهلها لها، وانتشرت أساليب تفكير الأمم وأنظمتهم المدنية والتجارية والزراعية، وبها عرف العربُ العالَمَ، وكانوا غفلوا عن التعرف إِليه قرونًا، وأدركوا أن من ذرائع نجاحهم في العلم والتجارة والسياسة إِتقان إِحدى اللغات الحية الكبرى، وكثر اختلاط أهل البلاد بجماعات من تجار المستعمرين من الغربيين ومعلِّميهم ومبشريهم ودعاتهم وأرباب الصحافة منهم، وكانوا قبل ذلك لا يعرف فريق عن فريق إِلا ما لا بال له.

واقترب الناس بعضهم من بعض في البلاد التي اختلطت بالأجانب، وزالت تلك الجفوة القديمة بين العرب والإِفرنج، وتقاربت العقليتان الشرقية والغربية، وسرَت عادات الغالبين وأخلاقهم وتراتيبهم إِلى المغلوبين وقلدوهم في كثير من أوضاعهم وأزيائهم، وزالت الفروق التي كانت ظاهرة كل الظهور منذ قرن بين المتحضر الحديث والمتحضر القديم، وتمثلت الطبقة الأولى ما يقرِّبها من الطبقة التي على شاكلتها عند الأمم الغربية، وكان حظ التونسيين والمصريين والشاميين أجزل من حظ غيرهم في هذا الشأن، والسبب فيه أن بلادهم عامرة وقد تأصلت فيها الحضارة العربية وتسلسلت دهرًا طويلًا؛ ولأن في أرض الشام معهد النصرانية واليهودية ومنها نشأ المسيح وموسى وكثير من الأنبياء؛ ولأن آثار الفراعنة والرومان واليونان في مصر والشام تغري السائحين والعلماء بنزولها للزيارة والبحث، وسنعرض لذلك بتوسع أكثر في بعض المحاضرات المقبلة.

ورجاء كل عاقل أن ينتج من هذا التعارف بين الشرق والغرب تعاطفٌ جميل يكون فيه حظ الأثرة والعدوان أقل من القليل، يحترم فيه الضعيفُ القويَّ ويرحم القويُّ الضعيف، فتكون حضارة كل أُمة شرقية مشابهة من بعض الوجوه لحضارة الأُمة التي تأخذ عنها من أُمم الغرب، على أن يحتفظ المتأخر أمام المتقدم بعاداته وأخلاقه، فمبتدعات المدنية وقْفٌ على كل أُمة تريدها، وليس في حسناتها ما يضر، بل الضرر كل الضرر ما يأتي من الوقوف والجمود، وما وقفت أُمة إِلا تراجعت ولا جمدت إِلا هلكت، سُنة الله في خلقه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠