الفصل الثاني

لِمَ الفلسفة؟

١

نسأل الآن: لِمَ الفلسفة؟
والسؤال يتعلق بهدف الفلسفة أو غايتها. ولما كانت — كما رأينا — فعلا إنسانيًّا يختص به البشر دون غيرهم من الكائنات، فلا بد أن ينصب على دورها أو «وظيفتها» في المجتمع. وربما تبادر إلى الظن أن السؤال نفسه غير مشروع، وذلك بعد كل ما قلناه عن علو الفلسفة فوق عالم الحياة اليومية والمنافع العملية المباشرة. فهل نترك طاليس يتأمل السماء ويقع في بئر الماء خمسة وعشرين قرنًا متواصلة؟ هل تظل الفتاة الثراقية تتردد ضحكتها عليه لانشغاله عن الناس والأشياء من حوله بالنظر إلى النجوم؟ أم يعني طرح السؤال أن الفتاة قد كفَّت أخيرًا عن الضحك وأخذت تطالب بحقها في السؤال عن معنى تأمل النجوم والنظر إلى الكل والبحث عن أصل كل شيء ومعناه؟ صحيح أن قلبها الطيب يحدثها بأن الجواب على هذه الأسئلة لن يساعدها في الحصول على رغيف الخبز أو ترقيع الثوب أو جني الكروم. ولكن ربما خالجها إحساس غامض بأن ما يفعله الشيخ الغارق في تأمل السماء وفي نبع الماء قد يعود بشيء على حاضر «ملطية» ومستقبلها، ونظامها وقوانينها، وربما ساعد أبناءها — بطريقة لا تفهمها — على الصمود لغارات الفرس الذين لم ينقطعوا عن تهديدها وتدمير معابدها. ومع ذلك فقد يدفعها حب الاستطلاع إلى سؤال أحد جيرانها أو معارفها عن «عمل» طاليس. ستفهم بغير شك إذا قال لها إنه عليم بالفلك وشئون الملاحة، أو أنه يملك مزارع كبيرة من الكروم أو الزيتون تحملها السفن من ساحل «أيونيا» إلى موانئ البحرَين الأبيض والأسود، أو أنه نجح في التنبؤ بكسوف الشمس الكبير.١ بيد أنها ستقف حائرة إذا ختم كلامه وهو يبتسم ابتسامة ماكرة بقوله: إنه فيلسوف! ولا بد أنها ستسأل نفسها ما الفيلسوف وما الفلسفة؟ ربما هزت المسكينة كتفيها يأسًا أو سخرية وهي تقول لنفسها: «إن كانت الفلسفة هي الحكمة أو النظر الخالص فسوف أظل أضحك عليها وعلى أصحابها كلما رأيتهم ينظرون إلى السماء أو يبحثون عن الكل! ومع ذلك فربما دفعها العناد لأن تتسلل إلى عالم الفلسفة وتسأل: ألا يمكن أن ترتبط بحياتنا اليومية في البيت والشارع والسوق وتبقى مع ذلك فلسفة! ألا يمكن أن تهتم بحياتي وحياة الفقراء والمتعبين من أمثالي دون أن تفقد حقيقتها؟ وهل هناك تناقص بين قيامها بدور مؤثر في المجتمع وبين الاحتفاظ بمعناها الذي حدَّثوني عنه؟
فلنتصور فتاة أو فتًى في مثل سنها يحاولان اليوم أن يستفسرا عن ماهية الفلسفة وطبيعتها ووظيفتها لن تنتابهما الحيرة إذا سمعا من يحدثهما عن مفهوم الكيمياء أو الطب أو الطبيعة أو التاريخ … إلخ فتعريف هذه العلوم أمر ميسور، ووظيفتها في المجتمع واضحة محدودة. أما الأمر مع الفلسفة فهو مختلف أشد الاختلاف. وستزداد الحيرة على وجوههما لو جمعتهما الصدفة بأحد المتخصصين في الفلسفة أو القائمين على تدريس تاريخها أو أحد فروعها. بل أن الحيرة ستبلغ حد الاضطراب لو ألحت عليهما الرغبة في البحث عن ماهيتها وطابعها العام. سيسمعان أو يقرآن من يقول لهما — وحجتهم في هذا أفلاطون وكانط وأتباعه من الكانطيين الجدد وهسرل — إن بعض المفكرين يرون أن الفلسفة علم دقيق له موضوعه الخاص ومجال بحثه المشروع، وأن بعضهم الآخر — مثل أرنست ماخ (١٨٣٨م–١٩١٦م) وغيره من الوضعيِّين منذ كُونت واسبنسر وأصحاب الفلسفة العلمية — يؤكدون طابعها العلمي ويرون أنها تطوير نقدي للعلوم المتخصصة وتأليف بينها في كل موحد.٢ وربما حدثهما عن «رسل» المشهور الذي سمعا بغير شك عن شخصيته الفذة الحرة وحكمته وبصيرته وشجاعته وتظاهره مع أمثالهم من الشبان تأييدًا للسلام؛ فهو يرى أنها تحليل منطقي يتبعه تأليف منطقي وأن هدفها النهائي هو التأليف بين العلوم. غير أنهما سيسمعان كذلك من يقول لهما إن فريقًا ثالثًا ينفي عنها الصفة العلمية ويقربها من الفن. فالشاعر شيلر (١٧٥٩م–١٨٠٥م)٣ يرى أن غايتها هي إضفاء نظام جمالي على أفكارنا وسلوكنا، وأن نتائجها تتحدد بمقياس الجمال وحده. ويشاركه في هذا الرأي فلاسفة مثل شيلنج (١٧٧٥م–١٨٥٤م) وبرجسون (١٨٥٩م–١٩٤١م) وشعراء مفكرون مثل هلدرلين (١٧٧٠م–١٨٤٣م) ونوفاليس (١٧٧٢م–١٨٠١م).

ولا يقتصر اختلاف الآراء على طبيعة الفلسفة وماهيتها، بل يمتد إلى مضمونها ومنهجها. فلا يزال هناك فلاسفة يؤمنون بأن مضمونها هو معرفة التصورات العليا للوجود وقوانينه، أي في النهاية معرفة الله (كالمدارس الأرسطية والطوماوية الجديدة). وهناك من يؤمنون برأي مشابه، وهو أنها تهتم بالقَبلي، بحيث تصبح هي البحث الوصفي-التجريبي فيما ليس بتجريبي، وفي المشكلات المتصلة بعلاقة التجريبي بالقبلي كالمكان والزمان والألوهية (صمويل إلكسندر ١٨٥٩م–١٩٣٨م). وبعضهم الآخر ينصرف إلى التجربة الباطنة من جوانبها المعرفية أو الدينية (كالحسيين الإنجليز ومدرسة «فريز» ١٧٧٣م–١٨٤٣م). وفريق ثالث — كالوضعيين أو التجريبيين المناطقة — يقصرون اهتمامها على التحليل اللغوي والتوضيح المنطقي، بينما يحاول فريق رابع — وهم أصحاب الكانطية الجديدة بفرعيها في شمال ألمانيا (ماربورج) مثل كوهن وناتورب، وفي جنوبها (هيدلبرج وفرايبورج) مثل ركزت وفندلباند — أن يجعل منها نظرية في العلم الرياضي-الطبيعي والعلوم الإنسانية وأن يقصر مهمتها على تحليل القيم الموضوعية القبلية التي يقوم عليها الوعي في المنطق ونظرية المعرفة والأخلاق والجمال والتاريخ.

ويسري هذا الاختلاف على المنهج. فلا يكاد الفتى والفتاة يتصفحان كتابًا في تاريخ الفلسفة حتى تطلعهما متاهته بدروب ومسالك عديدة، يأتي معظمها من مفهوم أصحابها لطبيعة الفلسفة ووظيفتها وغايتها. فالكانطيون الجدد — كما تقوم — يرون أن نشاطها وفاعليتها الوحيدة هي تحليل القيم والتصورات وردها إلى العناصر الأخيرة للمعرفة، بينما يرى برجسون وماكس شيلر (١٨٧٤م–١٩٢٨م) أن الفعل الفلسفي الحق هو رؤية (أو حدس وعيان) الماهيات. أضف إلى هذا أن منهج هسرل وهيدجر الظاهرياتي (مع الفارق بينهما!) هو نقيض النزعة الحسية التجريبية (ماخ وأفيناريوس). والتحليل المنطقي والرياضي عند رسل ووايتهد واتباعهما نفيض المنهج الجدلي عند هيجل واتباعه المثاليين أو الماديين.

هذا العرض السريع — المخل بطبيعة الحال — يبيِّن أن الموقف مع الفلسفة يختلف عن غيرها من أنواع النشاط العقلي. فالمشتغلون بالعلوم متَّفقون بوجه عام على موضوع علمهم ومنهجه ومفاهيمه الأساسية. أما المدارس الفلسفية فقد كانت ولا تزال متضاربة حول موضوع الفلسفة ومنهجها وغايتها، حتى لتبدو في نظر المتأمل من الخارج كما بدت لكانط نفسه! وكأنها لم تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، أو كأن حركتها الوحيدة هي حركة «محلك سير» التي يعرفها الجنود والمساجين والأطفال! ومع ذلك فإن الفلسفة الجدلية — عند هيجل بوجه خاص — ترى الحقيقة النسبية في كل مدرسة وكل وجهة نظر، وتحاول أن تستوعبها جميعًا في نظرتها الشاملة، فتعدها لحظات من تطور العقل أو الروح الكلي المطلق نحو تمام الوعي بذاته، بحيث لا يموت القديم ولا يسقط لقدمه، وإنما يحتويه الجديد الذي يناقضه فينتج عنهما «مؤلف» يوحد بينهما، ولا يلبث هذا المؤلف أن يجد نقيضه ويجمع بينهما مؤلف جديد وهكذا (ز). وفي مقابل ذلك نجد الواقعيين الجدد والوضعيين المحدَثين يغرزون مشارط التحليل في جسم الفلسفة التقليدية ليستأصلوا جانبًا كبيرًا منه ويستبعدوه تمامًا من مجال المعرفة، وبخاصة «الأورام» المثالية والميتافيزيقية التي لم يعد لها مكان إلا في متحف التاريخ.

٢

إذا كانت الفلسفة تعاني هذا الاضطراب والارتباك اللذين تستلزمهما طبيعتها «المفتوحة» المتسائلة على الدوام!٤ فإن العلوم قد نجت منهما إلى حدٍّ كبير بفضل اتجاهها لحل مشكلات محددة تقتضيها حياة المجتمع. هذه المشكلات نفسها التي ارتبطت بعلوم معينة قد تمخضت عن حاجات البشرية في نظمها وأشكالها الماضية والحاضرة. ويكفي أن يطَّلع القارئ على أي كتاب في تاريخ العلم ليرى أن معظم الابتكارات العلمية والصناعية قد نشأت عن ضرورات اجتماعية وسياسية وعسكرية، وأن الاهتمام بالأسس النظرية للعلوم لم يبدأ قبل عصر النهضة، ولم يتأكد إلا منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. وليس معنى هذا بطبيعة الحال أن كل البحوث العلمية تلبي حاجة ملحة للمجتمع. فكثير من النتائج التي أدت إليها بعض العلوم كان من الممكن أن تستغنى عنها البشرية (والعلم ليس استثناء من سوء استخدام الطاقة في جميع المجالات!) ولكن تطور بعض الأنظمة العلمية — التي لم تكن في حينها ذات نفع مباشر أو كان نفعها على الأقل مشكوكًا فيه — هو جزء من النشاط العملي الضروري لتطور العلم وتطبيقاته «التقنية». ولنتذكر مثلًا أن بعض فروع الرياضيات التي كانت تبدو كالألعاب المسلية أثبتت بعد ذلك أهميتها وفائدتها في التطبيق. فالمشروعات العلمية تتميز بأنها تقبل التطبيق ﺑ «القوة»، مهما بدا هذا التطبيق اليوم بعيدًا أو غير واضح. ومهما قيل عن العلوم الرياضيات البحتة وضآلة نفعها المباشر، فلا يصح أن يغيب عنا أن كل «تطبيق» يسبقه «نظر»، أن الصنعة أو «التقنية» هي ثمرة البحث في الأسس البحتة. والمهم أن جهد العالم — سواء أكان تطبيقيًّا أم بحثًا — يمكن بحسب ماهيته أن يثري الحياة في صورتها الحاضرة. أضف إلى هذا أن مجال هذا الجهد محدد من قبل، ومحاولات تطوير العلوم المختلفة وتهذيبها وتوحيدها والمزج بينها تتحدد كلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحاجة المجتمع.٥ وهذه الحاجة الاجتماعية لا تتمثل في المصانع والمعامل والشركات وحدها، وإنما تتمثل، قبل كل شيء، في معاهد البحث وقاعات المحاضرات وحقوق التجارب.
إذا كان هذا هو حال العلوم بوجه عام.٦ فإن الفلسفة تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه! فهي لا تعرف هذا الاتجاه الاجتماعي المحدد، ولا تزعم أنها تلبي حاجة اجتماعية مباشرة. صحيح أن الناس يتلفتون حولهم في أوقات المِحن والأزمات بحثًا عن «الفيلسوف» ذي الحكمة والبصيرة الذين يلتمسون لديه الهدى والمشورة. فعلوا هذا في كل العصور وفي عصرنا الحديث قبل أن يختفي آخر الفلاسفة الكبار (من أمثال برجسون وكروتشه ورسل وتوينبي وأورتيجاجاسيت وياسبرز وهيدجر وشيلر وكامي ومونييه وميرلو بونتي وأدورونو وبلوخ … إلخ) ولكنهم كانوا في معظم الأحيان يخلطون بين مهمة الفيلسوف ومهمة رجل الدين والواعظ والكُتاب، كما كانوا يكتشفون أن الفيلسوف الذي انتظروا منه الرأي والعون والعزاء لم يقدم لهم حلولًا أو أجوبة نهائية، وإنما اكتفي بتحليل ثقافتهم وقيمهم وأفكارهم تاركًا لهم — لشدة غيظهم — تبعة التفكير ومسئولية العمل المستقل بأنفسهم ولأنفسهم (وسنرى بعد قليل أن الشاعر والكاتب والمحامي والشباب الثائر على الإرهاب والاستبداد في تاريخنا العربي المعاصر قد قاموا بنفس المهمة في غيبة الفلاسفة) صحيح أنهم يتوقعون من الفلسفة أن تحل مشكلات لا تمسها العلوم المتخصصة أو تمسها بصورة غير مرضية. ولكن العمل والتطبيق الاجتماعي لا يقدمان لها معايير ملزمة، كما أن تقديم الحلول «والبرامج» و«الوصفات» العملية الناجحة ليس من شأنها. وإذا كان بعض أعدائها يحتجون على سبيل المثال بكشوف ديكارت وباسكال وليبنتز الرياضية، وبحوث هيوم النفسية، ونظريات ماخ الفيزيائية … إلخ زاعمين أنها لا تنتمي للفلسفة بقدر ما تنتمي للعلم، وأن كل ما عداها في مذاهبهم ثرثرة قد تثير الفكر والشعور أحيانًا، ولكنها عقيمة ولا جدوى منها، أو على أحسن الفروض «إسقاطات» ورؤى نفسية وأخلاقية وتمنيات عقلية لا تتصل بالعلم ولا بالمعرفة العلمية بسبب؛ إذا كان بعض خصوم الفلسفة يذهبون إلى هذا الرأي، فإنهم في الواقع يتجنون على الحقيقة، ناسين أن إنجازات الفلاسفة في مجال العلم — وما أكثرها منذ الفلسفة القديمة حتى يومنا الحاضر! — قد لا ترجع دائمًا لأسباب فلسفية خالصة. ومهما تكن قيمتها فلا يصح أن تجعلنا نتجاهل مشكلاتهم ومواقفهم وتجاربهم الأصلية التي لم تكن صدًى مباشرًا لمجتمعاتهم ولا استجابة مباشرة لحاجاته في زمان ومكان محددين. وقد يحتج البعض الآخر أيضًا بأن حصان الفلسفة لم يكن حرًّا طليقًا كم يزعم عشاقه، وأنه علق مرة في عربة الدين (عندما كانت الفلسفة في العصر الوسيط خادمة الدين) ومرة أخرى في عربة العلم (كما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بوجه خاص ولا يزال يحدث في عصرنا الحاضر، إمَّا «لغيرة» الفلاسفة من العلماء أو لرغبتهم في «علمنة» الفلسفة تمامًا والبعد بها عن مفهومها التقليدي وشفائها من أمراضها «الميتافيزيقية» التي أصابتها نتيجة سواء استخدام اللغة وسوء فهم نحوها ومنطقها!) ويبالغ فرق ثالث في ذكر الحالات التي تنازلت فيها الفلسفة عن حريتها واستقلالها وانزلقت إلى مجاراة الوضع السياسي القائم أو تبريره أو تمجيده. ولكنهم مهما أسرفوا في إظهار سقطات الفلاسفة (أفلاطون وديونيزيوس، أرسطو والإسكندر، بيكون وإليزابيث، هيجل وملك بروسيا، هيدجر وهتلر، جنتيله وموسوليني … إلخ) فإنهم ينسون أنهم بشر يتعثرون كما يتعثر سائر الناس، وأنهم — بعين الإنصاف وفي نهاية التحليل — لم يتخلوا تمامًا عن المهمة الأساسية للفلسفة في تحليل الواقع القائم وبالتالي في إعداد العقول لنقده ومقاومته وتجاوزه. لا شك أنهم يتفاوتون في أداء هذه المهمة وتحمُّل ما يترتب عليها من مواقف عملية وتبعات أخلاقية، ولكن تبقى الحقيقة قائمة. ما من فيلسوف جدير بهذا الاسم إلا ورفض الواقع وحاول تصحيحه وتوحيد شَتاته الممزق، مهما اتخذ هذا الرفض في كثير من الأحيان صورة التحليل الهادئ لتصوراته وقيمه وأفكاره (والتحليل نوع من النقد أو هو على الأقل شرط سابق عليه).
إن الفلسفة مهما اختلفت تعريفاتها هي في النهاية وعي عصرها أو عصرها معبرًا عنه بالأفكار كما يقول هيجل.٧ وهي دائمًا في قلب الواقع، والواقع دائمًا في قلبها. وإذا كانت علاقة التوتر بينهما وبين الواقع لا تبلغ دائمًا حد الثورة السافرة عليه، فإن مجرد النظر الكلي الحر إليه، ووضع تصوراته وقيمه ونُظمه ومعتقداته السائدة موضع التحليل، إنما يدل على رفض التسليم به تسليمًا أعمى؛ أي يدل على التوتر الدائم بينها وبينه.

٣

ويضاعف من هذا التوتر أن الفلاسفة أنفسهم كثيرًا من يُصرون على عدم الاكتراث بحكم العالم الخارجي. فمنذ محاكمة سقراط (سنة ٣٩٩ق.م) والعلاقة بينهم وبين الواقع والجماعة التي يعيشون فيها متوترة. قد يكتفي الناس بتجاهلهم أو السخرية بهم أو القول بأن لغتهم غامضة غير مفهومة. وقد يبلغ هذا التوتر حد الاضطهاد، من نفي أو تشريد أو حكم بالصمت، أو قتل بالحرق أو التعذيب أو الصلب (أكزينوفان وانباذوقليس وهيراقليطس وزينون الإيلي، سقراط وأفلاطون وأرسطو وإبيكتيت وسنيكا، الحلاج والسهروردي والكندي وابن رشد، جوردانو برونو واسبينوزا وماركس ولوكاتش وأونست بلوخ، أعداد مجهولة من أصواتهم أو حرمهم أرزاقهم أو فرض عليهم الصمت أو زجَّ بهم في السجون …) ولهذا فإن موقفهم في صميمه — كما ذكرنا منذ قليل — موقف مأساوي فاجع، وما أكثر ما اضطرتهم الأحوال الاجتماعية والسياسية إلى العمل بنصيحة أبيقور: «عِش في الخفاء»، فلم يخفوا عقولهم وأفكارهم فحسب، بل أخفوا كذلك أجسامهم.٨

ربما قيل ردًّا على هذا أن العلماء أيضًا طالما تعرضوا للاضطهاد، واضطر بعضهم للركوع أمام السلطة والتنازل عن نظرياتهم إلى حين (جاليليو!) ولكن الواقع أيضًا أن اضطهاد العلماء يرجع إلى آرائهم الفلسفية والفكرية لا إلى نظرياتهم العلمية في ذاتها. فقد مات كوبرنيقوس (١٥٤٣م) وعلى رأسه بركة البابا والكنيسة. ولو كان جاليليو وضع نظريته عن مركزية الشمس في سياق ديني ولاهوتي لما تعرض للاضطهاد؛ إذ سبق أن ناقشها ألبرت الكبير (١٢٨٠م) في «المجموع اللاهوتي» دون أن يصيبه شيء. أما عن اضطهاد بعض علماء الطبيعة والرياضيات في العصر الحديث (مثل أوبنهايمر) فلا يرجع في الحقيقة إلى نظرياتهم العلمية بقدر ما يرجع إلى آرائهم ومواقفهم الاجتماعية والسياسية، أي إلى «فلسفتهم» في الحياة.

إن مقاومة الفلسفة للواقع تنبع من طبيعتها. فهي تُصر على أن أفكار الناس وأفعالهم وغاياتهم لا يصح أن تكون وليدة الضرورة العمياء، كما تحث الناس باستمرار على نقدها وتوضيحها وتجاوزها بالسؤال عن حقيقتها وعدم التسليم بها كما لو كانت وصايا أبدية أو قواعد أزلية راسخة. وهي لا ترضى أن تُسلم بشيء بغير نقد، لا بالأفكار العلمية ولا أشكال الحياة الاجتماعية، لا بالقيم السائدة ولا التقاليد «المستقرة». لو تخلت عن النقد لتخلت عن روحها ولم يبقَ منها إلا جسد ميت تتقاذفه كالكرة الصماء أقدام الطغاة والسلطات والأيديولوجيات. وقد طالما سمعنا من يردد أن الفلاسفة أحد اثنين: إما راضٍ بالواقع مُبرِّر له (مثل أرسطو أو كانط)، أو ثائر عليه مطالب بتغييره (مثل الفارابي وابن رشد وبرونو واسبينوزا وماركس). ولكن لا يصح أن يخدعنا هذا القول عن الحقيقة. لقد كان بعض الفلاسفة يتصالحون مع الواقع — ولو إلى حين — ولكن الإنصاف يقتضينا القول بأنهم لم يُقصِّروا في تحليله وتسليط أضواء النقد عليه. ولو أخذنا أكثر الفلاسفة تحفُّظًا ومَيلًا للسكون (مثل أرسطو وكانط) لوجدنا أن تحليلاتهم لطبقات الوجود أو مقولات المعرفة لا تخلو — في نظر التحليل الاجتماعي — من نقد لثقافة عصرهم وقيمه، ومناقشة مجموع عاداته «الثابتة» في السلوك والتفكير والدين والسياسة … إلخ. إن أعدى أعداء الفلسفة هو «العادة» التي يسلم بها الناس بغير نقد. فهي تُحارب التقليد الأعمى، وتقاوم الاستسلام واليأس تجاه القضايا الحاسمة للوجود. ألقيت على عاتقها «الأمانة» الصعبة: تسليط أنوار الوعي على أشكال التفكير والعقل والسلوك التي تبدو في ظاهره طبيعية، بديهية، أبدية، والأخذ بيد الفرد نحو معرفة نفسه، وتشكيل حياته بإرادته، والتفكير المستقل لنفسه وبنفسه.

لنضرب مثلًا حيًّا يُخرجنا من ساحات التعميم. ولنتذكر سقراط فما أحوجنا أن نذكره باستمرار؛ إذ لا يخلق بالأبناء جحود الآباء، أو نسيان أب الفلسفة، نموذجها الحي المتجدد.

٤

كشفت محاكمة سقراط وسجنه وموته عن معدن الفيلسوف الأصيل. وجاءت السنة التي أُعدم فيها (٣٩٩ق.م) في وقت أرادت فيه الديمقراطية الأثينية أن تردع كل محاولة للثورة على النُّظم والتقاليد العريقة، بل كل محاولة لمناقشتها وتحليلها. ونص الاتهام الذي وجه إليه معروف: ازدراء آلهة المدينة وعدم تبجيلها، إفساد الشباب، إدخال أرواح شيطانية (أو آلهة أخرى) إلى المدينة. أما التهمة الأولى فكاذبة، وأما الثانية فتقوم على الخلط بينه وبين السفسطائيين — كما فعلتْ عمدًا مسرحية السحب لأرسطوفان — وأما الثالثة فتقوم على سوء الفهم؛ لأنه لم يكن يتحدث إلا عن «جنيته» (أو أن شئنا لغة العصر فعن وحي ضميره).

لا شك أنه كان من بين قضاته من استمع إليه أو رافقه في جولاته. ولا شك أنه كان بينهم من آمن ببراءته من تلك التهم الملفَّقة (بدليل أن مائتين وعشرين من بين قُضاته ومحلِّفيه الخمسمائة حكموا ببراءته، أي أقل من العدد اللازم بعشرة أصوات!) ولكن المحكمة أدانت «الجديد» في شخصه، وحاربت النبوغ الذي يُحارب في كل مكان وزمان. أعلنت عليه الحرب لأنه حاول أن يغير وعي الأثينيين بواقعهم، ويوقظ صوت الضمير الراقد في أعماقهم، ويعلمهم أن الحقيقة التي يُسلِّمون بها ليست إلا الزيف المتراكم من أجيال، وأن عليهم أن يهتدوا «لحقيقتهم» بإرادتهم وتفكيرهم المستقل وحريتهم الباطنة. دعا الفرد للإخلاص والصدق في أداء واجبه كمواطن، والاستقلال بعقله وقراراته كإنسان، والاتصال بالناموس الكوني المعقول والروح الإلهي الخالد والتشبت به وايقاظه في نفسه. وبقي على إيمانه بأن انهيار العقل في الإنسان معناه انهيار الناموس الكوني نفسه. وأخيرًا استسلم الفيلسوف «لقوانين» المدينة التي رضي بها من قبل باختياره، وحوَّل خطبة الدفاع إلى مرافعة اتهام لقضاته. وحكموا عليه بالموت، تاركين له حرية النفي إلى مكان يختاره أو الخروج من السجن بكفالة (راجع محاورة كريتون!) ولكنه رفض. آثر أن يموت ليحيا. وغيره ميت وهو حي. وقضى ساعاته الأخيرة في حوار مع تلاميذه عن خلود النفس «وماذا عسى أن يفعل الإنسان غير ذلك حتى يحين غروب الشمس؟» (فيدون، ٦١). وأحس السم يجري في أعضائه فتحمل في صبر ومرح وشجاعة. ولم ينسَ في لحظاته الأخيرة دَينًا في عنقه نحو ربِّ الطب والشفاء: «علينا باكربتون دين لأسكلبيوس، فلا تنسَ أن تفي بالنذر!»

لم يستطع قضاة سقراط أن يلتقوا معه على أرض واحدة. وقفوا على أرض السذاجة، والتسليم الأعمى، والاعتقاد الراسخ، في الوقت الذي كان فيه يقف على أرض المعاني، والتفسير العقلي، والتساؤل المستمر، والتجربة الميتافيزيقية. ولو كان له فلسفة نهائية محددة في صيغة ثابتة أو قالب مريح لأمكنهم على الأقل أن يقتربوا منه أو يفهموه ويشاركوه. ولكنه — لحسن الحظ! — لم يكتب حرفًا واحدًا فكان — كما يقول هيدجر — أنبغ إنسان أنجبه الغرب. ومعظم العبارات المشهورة عنه مشكوك فيها أو يمكن ردها للحِكم الشعبية المأثورة! ولهذا زاد حيرتهم وضاعف غيظهم منه. وبقيت حياته وموته سؤالًا حيًّا مطروحًا عليها وعلى قضاته. لقد واجه مواطنيه ﺑ «الحقيقة» في وضوح واتزان وشجاعة، مهما كانت هذه الحقيقة غامضة أو ملتبسة. ولو شاء أن يختار الطريق السهل لفعل معهم كما يفعل الراشدون مع الأطفال عندما يُخفون عنهم الحقائق ويحتفظون بالشكوك لأنفسهم، ويعلنون لهم الحلول المريحة. ولكنه تفلسف بحق. وكان معنى التفلسف عنده هو البحث والسؤال ولو لم يصل الإنسان إلى جواب أخير (والجانب الأكبر من محاورات أفلاطون التي خلَّدته وجعلته الشخصية الرئيسية فيها لا ينتهي إلى جواب حاسم بل يكتفي بطرح السؤال وتقليبه على وجوهه الممكنة). وكان معناه أيضًا أن هناك أشياء يمكن أن ترى وأن تقال، وإلا كانت الفلسفة ثرثرة وهراء وسحبًا نلتف فيها ونلف فيها الواقع (كما زعم أرسطوفان عنه ظلمًا).

لم يكن من قبيل الصدفة أن يحيا إلى جانب البسطاء من الناس يناقشهم ويناقشونه في الشوارع والأسواق محاولًا أن يُقيم علاقته وعلاقتهم مع الحقيقة على نحوٍ جديد، بعد أن فطن إلى أنه ليس ثمة معرفة مطلقة. راح يعلمهم احترام الدين وطاعة القوانين على أساس روحي لا على أساس شكلي أو تقليدي، وأخذ يُشككهم في علمهم المزعوم ليكونوا أقدر على النقد والاستقلال والمقاومة، أي أقدر على وضع العقل في أنفسهم وفي واقعهم الذي خَلا من العقل، لا شك أنه وجد لديهم فهمًا للتهكم الفلسفي وقدرة على الاندهاش لم يجدهما عند أدعياء المعرفة والتدين والشجاعة والفضيلة وكَهنتها الرسميين. ولا شك أيضًا أن اختياره للحوار والجدل الحي قد عصمه من تحنيط فلسفته في مذهب مدون مكتوب (فالكلمات المكتوبة — كما قال أفلاطون في الرسالة السابعة — تميت الفلسفة وتطفئ شرارتها المتوقدة بالحوار و«احتكار الآراء») ولقد عرف بفطرته أن مكان الفيلسوف مع الناس، وأن جذوره ممتدة في نفس العالم الذي يشاركهم الحياة والموت فيه.٩ صحيح أنه ظل يبحث في معنى الحياة والإنسان، ولكنه لم يبحث عنه خارج الموقف الإنساني وفكر في الأسئلة الخالدة: من أين وإلى أين وماذا نفعل، ولكنه بقي ملتزمًا باللحظة التي عاش فيها والناس الذين شاركهم حياتهم وهمومهم، وطعامهم وشرابهم. ظل الإنسان عنده هو أول حرف في الفلسفة وآخرها، واستطاع أن يجعلها تسكن في قلب الواقع والتاريخ، ويجعلها في نفس الوقت تغادر مسكنها وترتفع فوقه لتسأل عن الحقيقة الكلية والمعنى الثابت الأخير. لهذا يبقى سقراط سؤالًا حيًّا لا ييئس، رمزًا متجددًا للنقد والمقاومة، تعبيرًا خالدًا عن روح التفلسف.

٥

هكذا نرى أن التوتر بين الفلسفة والواقع توتر أساسي لا يمكن أن تقارن به بعض الصعوبات التي يقابلها العلم والعلماء في المجتمع. فالفلسفة تميل بطبيعتها للمُضي في التفكير إلى أقصى مداه، وإخضاع كل العوامل التي تُشكِّل الحياة — ويظن أنها قوانين أزلية ثابتة — للنقد والتمحيص والتحليل. إن نقد الواقع القائم هو روحها التي لا يكون لها وجود بغيرها. وإذا خلت منه صارت كالعين التي لا تبصر، واللسان الذي لا ينطق، والفؤاد الذي لا ينبض. وإذا وجدنا الفيلسوف (أي الحكيم المعتدل المتواضع!) يُمسك عن استخدام الكلمات الرنانة (كالرفض والتمرد والثورة) فسنرى في تحليلاته لعناصر المعرفة والوجود والقيم ما يكفي لوضعها موضع النظر والإشكال، أي تغييرها ورفضها على نحوٍ من الأنحاء. وليس من الضروري أن يصيح الفيلسوف ويثير الزوابع لكي يدمغ بخاتم «الثورية» أو «التقدمية»، فربما كان هؤلاء الصائحون أقل الناس تأثيرًا في تيار الفكر البشري، وأبعدهم عن الاهتمام بقضية حقيقية، وأكثرهم انشغالًا بنفوسهم المريضة وذيوع صيتهم وشهرتهم (يلاحظ القارئ أننا نتكلم هنا عن الفلاسفة الحقيقيين الذين كان لهم أثر حاسم على الحوار الفلسفي في زمن معين لا عن أشباه الفلاسفة أو أنصافهم وأرباعهم من الأدعياء ذوي الأصوات المرتفعة). ولقد تكلمنا عن سقراط الذي عاش في هدوء ومات في هدوء، لكنه بقي إلى اليوم مثال الثورة الفلسفية المتجددة. ولو أسقطناه لما أمكننا أن نتصور تاريخ الفلسفة ولا تاريخ الحضارة. لقد راح — بنشاطه الفلسفي القائم على الحوار — يرفض التسليم بالعادات الشائعة والخضوع الأعمى لأشكال الحياة التقليدية. علم الإنسان أن يتبصر في فعله ويشكل قدره بنفسه (فقدره في داخله، أي في عقله وإرادته). ولو نظرنا اليوم إلى وضع الإنسان لوجدنا أنه ليس أفضل مما كان عليه في أيامه. صحيح أننا لا نختلف حول وجود الآلهة، ولا يفكر أحد في اتهام المفكرين بإفساد الشباب. ولكن من يمكنه الزعم بأن حياتنا أكثر معقولية مما كانت عليه في أثينا؟ من يمكنه القول إن العقل والواقع قد تصالحا، أو أن استقلال الإنسان مكفول في المجتمعات المعاصرة، أو أنه أصبح أكثر إنسانية وسعادة وحرية ومعرفة بنفسه وبالآخرين وبالعالم؟ ألم تزد حيرته وقلقه وعجزه عن الفهم عما كانت عليه في أي وقت مضى؟ أليست كلمة «الاغتراب» اليوم على كل لسان؟ ألم تصبح «آخر صيحة» يزعجنا بها العليمون والمدعون؟!

ربما يقول القارئ: وهل تشكُّ في أن العلم قد غيَّر الحياة المعاصرة عما كانت عليه من عشرين أو ثلاثين سنة مضت، وزلزل العادات والتقاليد والقيم في المجتمعات الصناعية المتقدمة — وسيزلزلها حتمًا في مجتمعاتنا التي تحاول الإفلات من قبضة التخلف — وسيطرت عقلانيته الصناعية حتى على الفن نفسه فأصبح يتحكم في ذوق الجماهير وأسلوب الأداء في الفيلم والراديو والتليفزيون … إلخ. وأوشك أن يحكم بالانقراض على الفنان المتفرد الذي يكتب ويبدع لتحقيق ذاته واشباع حاجاته الوجدانية (حتى صار الآن — على الأقل في جزء هام من نشاطه — يشترك مع فريق عمل كامل ويتقيَّد بأساليب الإنتاج والإخراج وأحكام السوق والذوق العام والرقابة … إلخ).

كل هذا صحيح. فأُسس المجتمع باستمرار تحت تأثير العلم. وما من مجال من محالات النشاط الصناعي والإداري والاقتصادي والإعلامي والتربوي … إلخ إلا ويحاول العلم تبسيطه وتحسينه والإسراع بإيقاع حركته. والتطور العلمي والتقني الذي أحرزته البشرية في الخمسين بل العشرين سنة الأخيرة يزيد — فيما يردد الثقاة — عما أحرزته في تاريخها المعروف كله. ومع ذلك يبدو أن هذا التطور العلمي والتقني بكل إنجازاته ومعجزاته قد ثبت أوهامًا قديمة وخلق عادات جديدة، ولم يتطور معه تفكير الإنسان وفعله وخلقه ووعيه كما نتصور. بل إن الحديث عن الخطر الذي يهدد الإنسان بالتحول إلى آلة أو شيء قد أوشك اليوم أن يكون حديث الجميع. ولسنا نحب أن ننظر بأعين المتشائمين والمتحسِّرين على الماضي، فنصيبنا من العلم لا يزال جدَّ قليل، وإنما نكتفي بالإشارة إلى جانب واحد من جوانب هذا التطور حتى لا نسرف في التحمس له وننسى واجبنا في تسليط شعاع الفكر الحر عليه: فمن الواضح أن تصنيع الإنتاج الثقافي والفني لم يؤدِ إلى زيادة طاقات الإبداع الفردي، بل أصبح الحديث عن ذبول هذه الطاقات يتردد في الشرق والغرب على السواء. ومن الواضح أن سوء استخدام الأجهزة العلمية في التجسس على الناس والتلصُّص على حياتهم الخاصة قد أصبح اليوم موضع الشكوى والتحقيق في معظم بلاد العالم المتحضر. ربما قيل إن العلم نفسه برئ من تهمة سوء استخدامه على أيدي القوى الأخرى. ولكن هذا لا يعفي العالم من مسئوليته الأخلاقية عما يبتكر ويصنع؛ أي لا يعفيه من أن يكون فيلسوفًا على نحوٍ ما!

ما من عاقل في بلادنا أو غير بلادنا يمكنه اليوم أن يقف في وجه العلم أو يتردد عن ضم صوته إلى المنادين بالمشاركة في حضارة العلم. ولا تستطيع الفلسفة أن تتجاهل النشاط العلمي، أو تناقش مشكلاتها التقليدية بمعزل عنه. غير أن «وظيفتها» تحتم عليها أن تفكر فيما لا يفكر فيه العلماء: هل نشاطهم العلمي — في بعض ميادينه على الأقل — يخدم البشرية في لحظتها التاريخية الراهنة؟ هل التنظيم الاجتماعي الذي نشأ من التنظيم العلمي ملائم لسعادة البشر وحريتهم وسلامهم؟ أليس من الجائز أن يكون الناس في عصر العلم والصناعة قد ازدادوا فقرًا في النواحي العقلية والوجدانية؟ إن العلم والصناعة عنصران في واقع اجتماعي وتجربة إنسانية. أليس من المحتمل أن يكون تقدمها قد تم على حساب عناصر أخرى، وأن يكون المجموع الكلي قد ذبُل وتأخَّر؟ وإذا لم يكن هذا صحيحًا، فلماذا يزداد البشر شقاءً باستمرار؟ لماذا يُهدَّد الفرد — في ظل الأنظمة الموجودة — في استقلاله وحريته، ويزداد بعدًا عن ذاته وعن غيره؟ لماذا تتعرض حياة أمم بأكمله للخراب؟ أيكون الخطأ في التطبيق وحده؟ أتسير عقلانية العلم يدًا في يد مع لا عقلانية (كما يؤكد مفكر مثل «ماركوزه» في كتابه المعروف عن الإنسان ذي البُعد الواحد) كالثمرة الناضجة التي تحمل في جوفها دودة الفساد؟ أتكون العلة — في العلم والصناعة كما في غيرهما — هي افتقار النظر إلى «الكل» والانصراف إلى «الجزئيات»؟ أم يرجع — كما رأينا من قبل — إلى بداية الفكر والفلسفة الحديثة عندما نادت — على لسان بيكون — بأن العلم قوة، وطالبت — على لسان ديكارت — بأن نكون سادة الطبيعة ومالكيها؟ أيرجع أخيرًا إلى السؤال الذي ألقاه الفيلسوف اليوناني: «ما الموجود، تي تو، أون» فبدأ معه انتصار «اللوجوس» على البصيرة، والمنطق والحساب على القلب والوجدان؟ أم أن السبب هو ابتعاد العلم عن روح الفلسفة، أعني عن التفكير في أسسه وقيمته وغايته، والجزء النظري من العلم هو نفسه فلسفة (ح)؟ أم أن الفلسفة أيضًا قد شاركت في الأزمة عن طريق بعض مدارسها واتجاهاتها التي «حدست» العلوم الدقيقة وجعلت نفسها تابعة أو خادمة لها وكان الأحرى بها أن تكون خادمة للحقيقة؟

هذه الأسئلة وأمثالها — على الرغم مما تنطوي عليه من تعميم أو إطلاق لا يسمح المجال بتقييده — لا تأتي إلا من جانب فلسفة تعرف مسئوليتها ودورها، وهو أن تكون ناقدة للعلم والمجتمع، لا تابعة للعلم والمجتمع. وحرمان الفلسفة من هذا الدور لا بد أن يعود عليها بالضرر، ولا يؤدي إلا إلى الحيرة والتشكك والعدمية. إنها — على عكس العلم — لا تتمتع بمكان معترف به ولا مجال ثابت تمارس فيه نشاطها داخل النظام الاجتماعي (ولا يخدعنك وجود أقسام للفلسفة داخل أسوار المعاهد والجامعات ولا الإقبال المتزايد عليها من جانب الشباب عندنا، فقد لا يرجع هذا الإقبال لأسباب فلسفية بحتة، وقد يكون وجودها نفسه داخل هذه الأسوار من أقوى أسباب أزمتها، وقد لا تكون نجاتها إلا بالمشاركة الفعالة في ميدان الثقافة العامة بل في زيادته وتوجيهه). ومما يزيد من حرج موقعها أن هذا النظام الاجتماعي — كنظام حي من القيم والتصورات والتقاليد — هو نفسه إشكال في نظرها؟ ومع ذلك فلا بد أن نسجل لعدد كبير من الفلاسفة والعلماء المتفلسفين في عصرنا أنهم قد طرحوا هذه الأسئلة وأمثالها، وساهموا في الإجابة عليها بمئات البحوث والمحاضرات. وهذا يشهد على أن الفلسفة — على الرغم من كل أزمات الحرة في عصرنا — لا تموت بسهولة!

٦

نعود إلى سؤالنا الأول: لمَ الفلسفة؟

والجواب: إن وظيفتها الحقة هي نقد الواقع القائم وتحليله. وإذا كانت كلمة الواقع التي نقصدها أشمل من الواقع الاجتماعي وأعم، فإن العبارة تفيد أن إحدى مهامها الأساسية هي نقد الواقع الاجتماعي، ولكنها ليست مهمتها الوحيدة؛ فهي — كما رأينا — تفكير نظري حر في «الكل». وهي بحكم أنها فعل بشري مُتناهٍ لا تنفصل عن زمانها ومكانها؛ لأنها تصدر عن بشر يعيشون «هنا والآن» إلى بشر مثلهم يعيشون «هنا والآن». ولا يعني هذا أن يكون تفكير الفلاسفة جزئيًّا أو محدودًا، لأنهم — حسب التعريف السابق وتعبير أفلاطون — يضعون «الكل» في بالهم ونصب أعينهم. فالمجتمع الذي ينقدونه جزء من المجتمع البشري في تاريخه الماضي والحاضر والمستقبل، والمعرفة التي يحللونها تدخل في سياق المعرفة الشاملة، وواقع الأشياء والقيم والنُّظم التي يسألون عنها مرتبط بواقع كل شيء وكل قيمة وكل نظام على الإطلاق. وليس معناه أيضًا أنها يمكن أن تصبح علم اجتماع أو فرعًا من فروعه، أو أن تتحول إلى «أيديولوجية» أو جزء من أيديولوجية (ط). إذ لو فعلت هذا لأنكرت موضوعيتها وماهيتها، بل لتنكرت لدورها الاجتماعي نفسه! والأخطر من هذا أنها ستجرد من وظيفتها في نقد الواقع ككل، وتحرم شجاعتها في التوجيه إلى المستقبل، وتسلب حريتها في النظر الخالص والتساؤل بغير مسلمات؛ أي إنها ستُحرم في النهاية من دورها العملي العريق. كذلك لا يعني نقد الواقع القائم — كما أشرنا من قبل — أن تعمد إلى الصراخ والضجيج، أو تندفع وراء الرغبة في الهدم والتهكم، وإلا أصبح الفيلسوف مُهرجًا يتلذَّذ بالنظر في مرآة نفسه، أو بطلًا مُشوشًا يهاجم أوضاعًا معزولة ويُحطِّم أوثانًا منصوبة في عقله، أو «نجمًا» يسعى إلى الشهرة الرخيصة والزعامة الكاذبة التي لم يكترث بها فيلسوف حقيقي، وانشغاله بنفسه لا بدَّ أن يصرفه عن النظر الموضوعي حتى لنفسه، ناهيك عن النظر إلى الواقع والآخرين، وسينتهي به حتمًا إلى ما يُسمى ﺑ «الأنا وحدية» التي وقع فيها «ماكس شتيرنر» وكانت خليقة أن تسوقه إلى مصحَّات المجانين! إن الهدف الدائم من النقد الفلسفي هو ألا يضيع الناس في واقع مزيف، أو يستسلموا لحقيقة كاذبة، أو يخضعوا لأفكار وألوان من السلوك يُزين لهم نظامًا اجتماعيًّا معينًا أنها «أبدية» أو «فوق النقد» (راجع ما سبق عن سقراط!) إنه يُبصِّرهم بالعلاقة بين حياتهم وحياة المجتمع ككل، بين نشاطهم الفردي وبين أهدافه العامة وأفكار العصر الكبرى، وهو يكشف لهم عن التناقض الذي يقعون فيه عندما يتمسكون في حياتهم اليومية بأفكار وتصورات معزولة عن الوحدة الكلية للمجتمع والبشرية. وهو يهديهم، في النهاية، إلى وضع العقل في الواقع، لا سيما إذا خلا هذا الواقع من العقل وغرق في صور اللاعقل وأشكاله المختلفة (من تمزق وتشتت، وتسليط وخرافة، وتزييف وطغيان، وتهالك على الملذات العاجلة دون القيم الباقية، ونسيان للكل والأصل في غمرة الضياع في الجزئيات، والانبهار بالبدع والمستحدثات والاستعباد للشعارات والمثيرات).

لنسق مثلًا من تاريخ الفلسفة يوضح ما نقول. فالفلسفة الأفلاطونية — وهي أول الفلسفات الغربية الشاملة — حاولت أن تلغي النظرة الجزئية المتحيِّزة لترفعها في نسق فكري أشمل وأنسب للواقع (وليست نظرية المُثل غير هذا النسق الموضوعي الذي يوحد أسس المعرفة ونماذج الوجود). ومن يطَّلع على محاورات أفلاطون يلمس الجهد المضني الذي يبذله سقراط لتخليص محاوره من نظرته الضيقة التي توقعه في التناقض. ولم يكن من قبيل الصدفة — كما ذكرنا من قبل — أن يختار أفلاطون أسلوب الحوار للتعبير عن فلسفته؛ إذ لا يكفل الحوار حرية التفكير وسماحته فحسب، بل يؤكد أيضًا أن الفكرة لا تكون لها قيمة إلا في داخل السياق العام والنسق الموحَّد. ولو تذكرنا بعض محاوراته التي تناقش ماهية الفضائل (لاخيس والشجاعة، أو يثيفرون والتقوى، الجمهورية والعدالة ثيآيتيتوس والمعرفة، فيليبوس واللذة … إلخ) لوجدناه ينظر لكل فضيلة في إطار الصالح العام. وأوضح مثل على هذا هو مناقشة فضائل الخباز والطباخ والترزي وصانع السفن والبناء والحذاء … إلخ في محاورة «جورجياس».١٠ فكلها نافعة في ذاتها، ولكنها تضر بالمجموع إذا تحيزت لنفسها وأهملت الاعتبارات العامة. ولو تعصب كل إنسان لخبرته وحدها (كالطبيب لطِبه، والطباخ لصنعته، والتاجر لربحه، والحاكم لقوته، بل والفيلسوف لفلسفته!) لكانت النتيجة هي الدمار للجميع (كما حدث لأوروبا في الحربين العالميتين، وكما يحدث اليوم من صراع الأشباح العربية بينما يتربص الذئب الأعور بالقطيع الغارق في الدماء والضوضاء) وحتى لو نظرنا للفلاسفة الحُكام في جمهورية أفلاطون نظرة منصفة لوجدناهم متخصِّصين في رؤية الكل، لا في المنطق مثلًا أو أي فرع آخر من فروع الفلسفة. إن الفلسفة عند أفلاطون تعني التوحيد بين ألوان المعرفة وتنسيق فروعها بحيث تصبح عناصرها الجزئية مثمرة خلَّاقة في وحدتها وفي سياق المعرفة الكلي. فلا حياة للعقل إلا داخل نظام من الأفكار، والتعصب لفكرة واحدة أو عنصر واحد من عناصر المعرفة والوجود لا يمكن أن يجر معه إلا الخراب. وهجوم أفلاطون على الطاغية الفرد في الرسالة السابعة والجمهورية وغيرها من المحاورات يوضح آثار هذا التعصب في أجلي صورة. فالطاغية هو أشقى الناس وأشدهم عبودية (الجمهورية ٥٧٦)؛ لأنه يتصدى لحكم الآخرين في الوقت الذي يعجز فيه عن حكم نفسه (٥٧٩)، وهو كلب حراسة المدينة الذي تحول إلى ذئب، يخشى أعداءه في الداخل أكثر مما يخاف أعداءه في الخارج. وهو السكير الأحمق، يحلم بالتحكم في الناس بل وفي الآلهة. وهو الابن العاق، قاتل أبيه، آكل أولاده (٥٦٦، ٥٦٩، ٥٧٣، ٦١٩) ولو سمع نصيحة هوميروس (الأوديسة، ١١، ٤٨٩) لفضل أن يكون عبدًا أجيرًا في أرض مالك فقير محدود الرزق على أن يكون حاكمًا على كل الأموات الفانين (٣٨٦) ولهذا ليس عجيبًا أن تكون دولة الطغيان أشقى الدول، وأن يكون الطاغية أتعس من أتعس إنسان (٥٧٦–٥٧٩).

كان هذا التنظيم والتوحيد — على الأقل في عصر ازدهار الفلسفة اليونانية — مرادفًا لتحقيق فكرة الخير. وهل كانت جهود الثلاثة الكبار في تربية الفرد على التفكير والسلوك الصحيح، وتنقية تصوراته اليومية والعلمية من الغموض والتحيُّز والانفعال إلا تمهيدًا للطريق إلى هذا الخير؟ وهل كان الخير الأسمى إلا «العين الإلهية» التي تحرس عالم أفلاطون وتتوج عالم أرسطو؟ وإذا كان أرسطو (في الميتافيزيقا) يرى أن السعادة القصوى تكمن في السلوك النظري، أي في تأمل النفس لذاتها تأملًا خالصًا، فإنه يقول صراحة إن تحقيق هذه السعادة يحتاج إلى أساس مادي وشروط اجتماعية واقتصادية. فقد كانت الظروف الاجتماعية العادلة عنده وعند أفلاطون شرطًا ضروريًّا لنمو القوى العقلية عند الإنسان. لم يكن من الممكن في رأيهم، أن تسير الحياة والبؤس يدًا في يد كما كان يزعم الكلبيون، ولا أن يتطور عقل الإنسان بينما يحيا حياة الكلاب! هذه الفكرة التي أكَّدها أفلاطون وأرسطو هي في الواقع أساس النزعة الإنسانية الأوروبية كلها. ومن المستحيل أن نتصور تاريخ الفلسفة الحديثة بغير تصور المشكلات الاجتماعية التي ارتبط بها وكان لها دور مباشر أو غير مباشر في تشكيله (هوبز وفلسفته في الدولة والمجتمع وكيف يخرج الناس من الحالة الطبيعية — حيث يكون كل إنسان ذئبًا يتربص بكل إنسان ويعلن الجميع الحرب على الجميع! — بالاتِّفاق على العقد الاجتماعي الذي تنشأ معه الدولة «التنين» ويخضعون لها باختيارهم، اسبينوزا ورسالته في اللاهوت والسياسة ودفاعه الحار عن حرية الفكر والإيمان، وتصوير المثل الأخلاقي الأعلى في التحرُّر من سيطرة الانفعالات بالرؤية العقلية الواضحة لقوانين الوجود الحتمية. حتى الجوانب التأملية المجردة عند ليبنتز وكانط تكشف عند التحليل الأخير عن المقولات الاجتماعية والتاريخية التي تقوم عليها … إلخ) ولكن مهما تكن أهمية بحث المشكلات الاجتماعية ودورها في الفلسفة، فلا يجب مرة أخرى أن يغيب عن بالنا أن وظيفتها الاجتماعية لا تجعل منها علم اجتماع ولا فرعًا من فروع علم الاجتماع. إن هذه الوظيفة الاجتماعية تقوم قبل كل شيء على تنمية الفكر النقدي والجدلي. فالفلسفة هي المحاولة العنيدة المستمرة لوضع العقل في العالم. وإذا كانت تبدو مقلقة غير مريحة (فالفلاسفة — كما قال همنجواي — يزعجون الناس في حياتهم ويشتد ازعاجهم لهم بعد موتهم!) وإذا كانت باستمرار في وضع خطر ومريب مختلف عليه، وكان الناس يتشكَّكون في دورها ومعاييرها وأدلتها، وينفرون عادة من الاهتمام الجدي بمتاعب حياتهم الخاصة والعامة، ويفوضون أمرها لرجل السياسة ورجل الدين، أو الصحفي والكاتب والشاعر، أو المصلح والمُربي، أو يتعزُّون عنها بالأمل في مستقبل غامض يصبح فيه كل شيء على ما يرام، إذا كان هذا صحيحًا فإن الحاجة إلى نظرية فلسفية في عالم تقسيم العمل المعقد الذي نحيا فيه أصبحت أشد إلحاحًا من أي وقت مضى. ربما كانت هناك أوقات عاش فيها الناس بغير نظرية. وربما شعروا دائمًا بالهاوية التي تفصل بين أفكارهم عن أنفسهم وعن العالم وبين الواقع الاجتماعي الذي يشاركون فيه بمعملهم وانتاجهم. وربما لازمهم الإحساس بأن معظم أفكارهم زائف أو غامض، وأن الواقع الذي يشقون فيه ليس هو الواقع الذي يتمنون أو «ينبغي» أن يكون. ولكن لا شك أيضًا أنهم كانوا يحسون إحساسًا غامضًا بحاجتهم إلى نظرية أو نسق فكري محكم يحميهم ويضيء لهم الطريق، خصوصًا في أوقات المحن والأزمات القومية والعالمية، حين يرون أنفسهم يسرعون نحو الدمار، ويواجهون أشباح الرعب والخراب وهم عُزل إلا من أفكار بالية وتصورات غامضة وشعارات كالطبل الأجوف لم تصمد عند التجربة. وعالمنا اليوم يواجه الأخطار ويحاول أن يروضها ويقلم أظافرها ليلَ نهارَ (للأسلحة صليل في كل مكان، نذر الحرب الكبرى — أو مقبرة الكل — تلوح لتطوى أو لتؤجل في الكتمان، مع كل فطور نجرع أنباء القسوة والوحشية والعدوان، والأخوة — يا للحسرة! — يقتتلون ولا يردعهم زحف الأفعى والتنين).

٧

إذا كان هيجل قد عرف الفلسفة قبل قرن ونصف قرن بأنها روح عصرها مبلورة في الأفكار، وأنها بنت زمانها، فإن الحركة التاريخية المعاصرة قد وضعت الفلسفة في قلب الواقع الاجتماعي، كما وضعت الواقع الاجتماعي في قلب الفلسفة (ي). والأمر الحتمي الواجب — كما يقول الشاعر رامبو — هو الحداثة بشكل مطلق. وهو كذلك أمر مطلق موجه إلى الفلسفة١١ فقد بات واجبًا على أصحابها أن يغادروا — ولو من حين إلى حين! — أبراج تخصصهم ليروا الفلسفة في تيار عالم متغير، ويشاركوا في صنع نظرية أو نظريات تجعل حياتنا أكثر احتمالًا وترد عالمنا أقل قسوة وقهرًا، وتُبصر كل فرد منا بدوره الذي يشارك به — بالوعي والفعل الحر — في تشكيل وجوده الخاص والوجود العام، وتحيى مسئوليته الأخلاقية عن مصيره ومصير التاريخ البشري. والمهم ألا تسقط هذه النظرية أو النظريات (المؤقتة بالضرورة!) في المثالية الجوفاء أو التعصب الجامد، وألا تدعي لنفسها الحقيقة المطلقة. والمهم أيضًا ألا تتحول إلى «يوتوبيا» حالة، لأن التأمل الخالص البعيد عن الفعل لا يمكنه أن يحل تناقضات الفكر ولا مفارقات الواقع ولا ضرر بطبيعة الحال في أن نحلم ونأمل، فالإنسان حيوان يأمل في المستقبل ويشرع له (وهناك جانب هام من الفلسفة المعاصرة يدور حول «مبدأ الأمل» واليوتوبيا «الواقعية» و«حضارة الحب»: أورتيجا أي جاسيت، إرنست بلوخ ومركوزه) سيحلم الناس دائمًا — كما فعلوا على الأقل منذ أفلاطون! — بالمجتمع العادل والمدينة الفاضلة، بإمكان «توطين» العقل بين الناس والأمم والشعوب. ولكن المهم أن تنبع أحلامهم من الوصف العلمي للظروف العينية والاتجاهات الواقعية حتى يمكن أن تؤدي إلى أوضاع أفضل، وأن يطرحوا المثالية الزائفة التي ترسم صورة الكمال دون وسائل تحقيقه وشروطه. لا بد أن يرتبط الفكر والعمل، ويتحد المثال والتجربة، وإلا كان ذلك خيانة للإنسانية. فحتى جمهورية أفلاطون التي رسمت للمدينة الفاضلة «نموذجًا في السماء لكل من شاء أن يطالعه» وبقيت حلمًا بعيدًا كسائر «اليوتوبيات» القديمة والحديثة، قد بيَّنت على كل حال أن المعرفة الفلسفية لها شروط اجتماعية ونفسية وأخلاقية، وأن الحب الفلسفي (الإيروس) هو الذي يهدي الحكيم «المنقذ» ويدفعه للخروج من كهف عبوديته للظلال والأصداء إلى نور الوجود والحرية، وشمس نهار المعرفة والخير.

لا شك أن هناك عددًا كبيرًا من هؤلاء «المنقذين» (الذين سبقت الإشارة إلى بعض أسمائهم ويصعب حصرهم في بلاد الغرب والشرق المختلفة أو في بلادنا) وأنهم حاولوا جهد طاقتهم واستعدادهم أن يؤدوا أمانة الفلسفة في تحرير الفرد من الأوهام وتبصيره بنفسه وغيره، وتعميق وعيه بالواقع والعالم الذي يشارك في صنع مصيره. وإذا كنا نتحسر أحيانًا ونحن نراهم وكأنهم يهتفون في فلاة، وينادون ولا حياة لمن تنادي (فأرباب السلطة والسلطان مشغولون عنهم بطموحهم وعروشهم، والناس منصرفون عنهم إلى لقمة عيشهم وتسلية يومهم، وإذا كرمهم هؤلاء أو أولئك فكلَّلوا رءوسهم بالغار أو وضعوا الجوائز في أيديهم والأوسمة على صدورهم فسرعان ما يودعونهم بعد الاحتفال ولسان حالهم يقول ما قاله أفلاطون للشعراء: انصرفوا الآن أيها الأحباب إلى كُتبكم وأفكاركم وأحلامكم، أما نحن فإلى عاداتنا الثابتة التي لا نستطيع للأسف أن نتحول عنها!) وإذا كان اليأس يخالجنا من جدوى الكلمة والفكرة وسط ضجيج السلاح والآلات والإذاعات والأيديولوجيات (واليأس يتحول إلى حسرة تخنق كل من أنفق حياته مع الكلمة في بلادنا التي تعاني من كل صور التخلف)، وإذا كنا نتلفت حولنا فلا نكاد نجد تفكير واحد منهم قد تحول إلى سياسة أو طبق في نظام أو ألهم أحد المسئولين عن مصائر الشعوب، فمن الخطأ مع ذلك أن ننتظر الإنقاذ كما ننتظر سقوط ثمرة في الحِجر أو الكفَّين. إن الفيلسوف ينقذنا — بالمعنى الأفلاطوني السابق — حين يُبصِّرنا بالواقع «الحقيقي» وراء الواقع «الظاهر». ولكنه يترك لعقلنا المستقل وإرادتنا الحرة وضميرنا المسئول أن تُغيِّر ما شاءت من واقع أنفسنا وحياتنا. إن قصارى جهده أن يهدينا لإنقاذ أنفسنا بأنفسنا. أقصى ما في وسع المنقذ أن يجعل كلًّا منَّا ينقذ نفسه (طريق إنقاذنا واضح ومعروف، مهما غلفناه في ضباب الفصاحة أو حاولنا الهروب منه في دروب ومتاهات جانبية: اشتراكية علمية نطبعها بخاتم شخصيتنا ونصونها بقيم تراثنا الحية من الإرهاب والشمول الذي عانى منه التطبيق عندنا أو عند غيرنا).

إن الناس تتطلَّع «للمنقذ» علَّه يزودنا بنظرة أو نظرية نقدية وجدلية عن الواقع الكلي الذي نعيش فيه. وكل مفكر حق يحاول أن يصنع هذا حسب اجتهاده ومجال بحثه بصورة مباشرة أو غاير مباشرة. غير أن المسألة ليست بهذه البساطة. فالنقد في الفلسفة لا يعني أبدًا — كما نرى في الحياة اليومية أو شئون السياسة والاقتصاد أو النقد الفني والأدبي الهابط في بلادنا — لا يعني إدانة شيء أو صب اللعنات على هذا الوضع أو ذاك، ليس هو مجرد الرفض والنفي، ولا يصح أن يتحول من نقد إلى «نقض». وليس هو الاتهام والتطاول، ولا الصياح والصراخ. إنما الجهد العقلي والعملي لعدم تقبل الأفكار والقيم وأساليب الفعل والسلوك والظروف الاجتماعية والتاريخية تقبلًا أعمى. وهو جهد يبذل للتوفيق بين جوانب الحياة الاجتماعية وبين الأفكار والأهداف العامة للعصر، وتمييز المظهر فيها من الجوهر، والبحث في أصول الأشياء والظواهر وجذورها وارتباطها بحقائق الواقع من حولها، أي معرفتها معرفة حقه. وهو في النهاية التحدي الحقيقي الذي يتحتم على الفلسفة أن تقبله كي تثبت إمكان المُحال، والمُحال هو تسويغ وجودها في عالم اليوم، العالم الذي يزداد فيه التخصص ويتراكم كل يوم بل كل لحظة، وتنظر العلوم الجزئية إليها من طرفٍ خفي وتهمس قائلة: إما أن تصبحي علمية مثلنا وتضعي نفسك في خدمتنا، أو تبقى الأم المهجورة في ملجأ العجزة أو متحف التاريخ، وفي العالم الذي لا تزال تتجول فيه أشباح فلسفات زيَّفت الواقع بتصورات فارغة من كل مضمون: خلَّفت أسطورة «الوجود» أو الفردوس الأرضي، أو هربت إلى كهف الماضي لتعلن أن الحياة دبَّت بمعجزة في الجثث المهيبة المقدسة.

إن عودة الفلسفة إلى مزاولة دورها النقدي هو عودة إلى مهمتها التقليدية التي نمت وتطورت عبر العصور، إلى الوحدة الإيجابية لتاريخها الحاضر باستمرار. وإذا كان الفلاسفة الحقيقيون قد قاموا دائمًا بهذا الدور الذي تفرضه أفكارهم نفسها (أكزينوفان نقد فكرة الوجود الإلهي وحاول تخليصها من أثواب الأسطورة والتشبه بالإنسان. أرسطو نقد أفلاطون الذي جعل من التصور الكلي موجودًا في ذاته. ديكارت انتقد العقائد والمناهج المدرسية الجامدة. ليبنتز نقد المنهج التجريبي. كانط نقد ليبنتز وهيوم معًا وبيَّن أن النقد هو الطريق الوحيد الباقي للفلسفة. هيجل نقد كانط، وماركس نقد هيجل … إلخ) فإنهم لم يتوقفوا عن نقد الواقع المحيط بهم حسب طاقتهم وقدرتهم على الرؤية وبصورة مباشرة أو غير مباشرة كما ذكرنا من قبل. ومع ذلك فلا يمكن القول إن أكثر الفلاسفة تأثيرًا على التقدم كانوا أقساهم نقدًا أو أعلاهم صوتًا أو كانت برامج الإصلاح في أيديهم. فالنظرية الفلسفية دائمًا ذات جوانب متعددة، وكل جانب منها يمكن أن يكون له تأثيره التاريخي. قد لا يأتي هذا التأثير إلا بعد أجيال وأجيال. ومن الخطأ أن نخلط بين النظرية الفلسفية والمظاهرة السياسية؛ فلم يحدث إلا في أوقات نادرة أن تحولت الفلسفة إلى سياسية (ك). وحتى في هذه الحالات لم تكن السياسة دائمًا هي التطبيق الأمثل للفكر (فمن المعروف مثلًا أن الثورة الفرنسية تمخضت عن فلسفة عصر التنوير في فرنسا) لم تكن الفلسفة حينئذٍ هي المنطق أو نظرية المعرفة، بل نقد السلطة الكنيسة والإقطاعية وطبقة النبلاء والنظام القضائي الظالم وتقييد حرية الفرد في الاعتقاد والتفكير. ولقد أفادت — مع مرور الزمن وتراكم تجارب الوعي — في زحزحة كثير من الأحكام المسبقة فانفتح الباب على عالم أفضل، وكان للنقد دوره التاريخي في التغيير الحاسم. لكن الثورة لم تلبث أن انزلقت إلى أيدي البرجوازية، وجاء الطاغية نابليون فجرَّ عربة «الحرية والإخاء والمساواة» في أوحال الحروب التوسعية والطموح الإمبراطوري! والثورة الاشتراكية الكبرى التي شبت على نيران نظرية ماركس وإنجلز ولينين، ماذا فعل بها عند التطبيق أرهاب ستالين وطموح القومية التوسعية وتمزق الدولة الاشتراكية إلى معسكرين متعاديَين؟ هل نجحت في تحقيق حلم ماركس بتحرير الإنسان من اغترابه عن ذاته وعمله، أم قيَّدته في عجلة الآلية التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية الرهيبة؟ ثم ماذا كان من أمر «القومية العربية» ثم «الاشتراكية العربية» اللتين ناضل لإرسائهما عشرات المفكرين المخلصين؟ كيف كان التطبيق وماذا كان الحصاد؟ كيف توقعنا أن تخضر الجنة تحت أقدام الجراد، أو تتفتح الزهور في كف الجلاد؟

لنأخذ مثلًا من هيجل، وهو إمام الثورة العقلية الحديثة غير منازع. كان أبعد الناس عن السخط الساذج والتمرد الأهوج. وصورت ملحمته الجدلية الجبَّارة طريق العقل المطلق عبر أشكال اللاعقل التي يغترب فيها عن نفسه في الطبيعة والتاريخ والوعي والفن والدين والسياسة والفلسفة … إلخ، حتى يتصالح الواقع مع العقل وتتحقق الفكرة العينية الشاملة. لهذا دعاه ملك بروسيا وهو يظن أنه أقدر الناس على تلقين الطلبة فروض الولاء له وتحصينهم من معارضته. وفعل هيجل كل ما في وسعه. أعلن أن الدولة البروسية هي «واقع الفكرة الأخلاقية الموضوعية» على الأرض. وأعلنت الدولة البروسية أنه فيلسوفها الرسمي! ولم ترحمه الألسنة الطويلة والنفوس الصغيرة فانهالت عليه الاتهامات وما زالت تنهال على رأسه إلى اليوم: المجاراة، والتنازل، الانتهازية، والاستسلام … إلخ، بَيْد أن للفكر طريقه المرسوم. فلكي يبرر الدولة البروسية كان عليه أن يعلم تلاميذه كيف يتجنبون ضيق الأفق السائد عند الرجل العادي، وكيف يربطون بين الأفكار والوقائع ويرون الأشياء في سياقها الشامل ووحدتها الكلية كذلك علمهم كيف يفهمون بنية التاريخ البشري المركب المتناقض، وكيف يتتبعون فكرة الحرية في حياة الشعوب ليعرفوا أن ماهية التاريخ هي «التقدم في الوعي بالحرية»، وأن تطور البشرية مرهون بهذا الوعي، وأن الشعوب تندثر إذا ثبت أن مبادئها لم تعد تلائم روح العصر الذي أصبح في حاجة إلى مبادئ وأشكال اجتماعية أنضج، وأن مهمة الفلسفة الكبرى هي استرداد الوحدة والحرية المفقودين، وتعقيل الواقع والمصالحة بينه وبين الفكر.

ماذا كانت النتيجة؟ أضر تفكير هيجل (المثالي المحافظ فيما يزعمون) بالدولة البروسية أكثر مما أفادها بتمجيده لها. وما هو إلا أن مضى على موته تسع سنوات حتى استدعى الملك البروسي أستاذًا آخر١٢ وكلفه بمكافحة «بذور التنين التي زرعتها وحدة الوجود الهيجلية» ومحاربة «ادعاء مدرسته» وجنايتها على القواعد والتقاليد المرعية حتى يمكن أن تبعث «الأمة» بعثًا علميًّا جديدًا.
١  في اليوم الثامن والعشرين من شهر مايو سنة ٥٨٥ق.م الذي كان يومًا فاصلًا في الحرب المستمرة بين الليديين والميديين.
٢  الفلسفة الوضعية عند «كونت» هي التي تلخص في نسق واحد ذلك المذهب المتجانس أو تلك المعارف المتجمعة لدينا عن الأنماط المختلفة الطبيعية (دروس في الفلسفة الوضعية، أخر الدرس الأول). ويؤكد تلميذه «ليتريه» هذا المعني (مقتطفات من الفلسفة الوضعية، ص٢٧) فيقول إن الفيلسوف يقوم بتأليف للمعرفة الوضعية، لأنه المتخصص في العموميات. ولكنه لا يتجاوز ذلك إلى البحث عن أصل الأشياء وجوهرها ومصيرها كما كان يفعل الميتافيزيقيون، لأن الإنسان في رأيه غير مسلح لهذا البحث (انظر محمد ثابت الفندي، مع الفيلسوف، بيروت، دار النهضة العربية، ١٩٧٤م، ص٢٥٧).
٣  تُذكر له بجانب أشعاره ومسرحياته — مثل اللصوص والدسيسة والحب ودون كارلوس وثلاثية فالنشتين وعذراء أوليانز وعروس مسينا … إلخ — كتابات نقدية ورسائل فلسفية هامة تأثرت بفلسفة كانط في الجمال والأخلاق، كالتربية الجمالية للإنسان، والشعور بالجميل والجليل، والرقة والكرامة، ومصدر الاستمتاع بالموضوعات المأسوية، والشعر الساذج والشعر العاطفي (أو شعر الطبيعة والفطرة وشعر الصنعة والفكرة) وغيرها من الرسائل الفلسفية الهامة (انظر الهامش السابق) وكذلك كتابي البلد البعيد، دار الكاتب العربي، ١٩٦٧م، ص٢٦–٤٠.
٤  الفلسفة طريق (وهذا هو الذي يؤكده تاريخها منذ أفلاطون الذي لم تكن فلسفته كلها سوى نهج Methodos وطريق حوار) والأسئلة فيها أهم من الإجابات. بل أن كل إجابة تصبح بدورها سؤالًا جديدًا. فليست مهمة الفلسفة هي وضع حلول للمشكلات، بقدر ما هي تفنيد للحلول الموضوعة لها (كما يقول باوسما) أو تأجيلها باستمرار (كما يقول الكاتب المفكر الفرنسي آلان) انظر كتاب آرشي ج. بام، مدخل للفلسفة، ذكره الدكتور توفيق الطويل في كتابه أسس الفلسفة. الطبعة الخامسة، ١٩٦٧م، ص٢١٤)، ولم يتجنَ هسرل على الحقيقة عندما أكد ببحوثه الظاهرياتية ومنهجه كله أن الفلسفة هي «علم البدايات». فالفيلسوف يبدأ كل شيء من جديد. ألم يشعر كل من. ديكارت، واسبينوزا، وكانط، وهيجل، وماركس، ونيتشه، وهسرل وغيرهم من عظام المفكرين أن الفلسفة بأسرها قد بدأت على يديه وكأن لم تكن من قبله فلسفة؟
٥  ماكس هور كهيمر، الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، مقالات مختارة. فرانكفورت (على نهر الماين)، مكتبة زور كامب، الطبعة الثانية، ١٩٧٦م، ص٢٧٣ وما بعدها. Horkheimer, Max, Die Gesellschaftliche Funktion der philosophie. Ausgewaehlte Essays. Frankfurt/M., Suhrkamp, 2te Auflage, 1967. S 273 ff.
٦  لا يخلو الأمر بطبيعة الحال — في كل العصور وفي عصرنا الحاضر أيضًا — من استثناءات نادرة لبعض النساك «الفدائيين» العاكفين في وحدتهم على البحث والتجربة. وقد شاهدت بنفسي نماذج قليلة من هؤلاء المتوحدين الذين لا ينتمون لهيئة علمية ولا فريق بحث. وإنما يقضون حياتهم أو البقية منها في إثبات فكرة أو تحقيق فرض يلح عليهم. ومع ذلك فإن وجود أمثال هؤلاء النساك النبلاء (من أبناء دون كيشوت!) لا يقلل من شأن الحقيقة. والحقيقة أن البحث العلمي — سواء شعروا بذلك أو لم يشعروا — إنما يلبي حاجة اجتماعية ويتَّجه بعد زمان قريب أو بعيد إلى تلبية ضرورة اجتماعية؛ لأن العلم بطبيعته عمل اجتماعي يستحيل أن يقوم به فرد وحيد.
٧  هيجل، أصول فلسفة الحق، نشرة ج. هوفميستر، هامبورج، ١٩٦٧م، ص١٥، وكذلك الترجمة الفرنسية لدروسه في تاريخ الفلسفة، ١٨٢٥-١٨٢٦م، ص١٢٥، ١٤٩، ولا يمنع هذا التعريف الذي نأخذ به في هذه الصفحات، مع علمنا بأنه مثل سائر التعريفات غير جامع ولا مانع! لا يمنع أن الفيلسوف يسبح أيضًا ضد تيار عصره. فتأليفه لثقافته في نسق موحَّد — كما فعل هيجل نفسه — ينطوي على نقد هذه الثقافة، أي تحليلها ومراجعتها وتقييمها. ولهذا فإن كل فيلسوف حقيقي وكل فلسفة حقيقية تحتوي بالضرورة على عنصر «مأساوي» فاجع في صميم تكوينها ومنهجها وغايتها، مهما حجبته الدقة والموضوعية والأحكام في أسلوب التحليل والتعبير. راجع مناقشة هذه المسألة في كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي. مدخل جديد إلى الفلسفة، الكويت، وكالة المطبوعات، ص٥٣–٥٨.
٨  عن المصير الفاجع للفيلسوف الذي لا يحميه المجتمع كما يحمي رجل العلم والدين، راجع كتاب نيقولاي برديائف «العزلة والمجتمع» (وهو عنوان الترجمة الإنجليزية، أما الترجمة الفرنسية فتحت عنوان خمسة تأملات عن الوجود، والأصل الروسي هو: الأنا وعالم الموضوعات) من ترجمة الأستاذ فؤاد كامل، الألف كتاب، العدد ٢٨٩، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٦٠م، ص٣–٣١ وكذلك كتاب مع الفيلسوف للدكتور محمد ثابت الفندي، بيروت. دار النهضة العربية، ١٩٧٤م.
٩  ميرلو-بونتي، ثناء على الفلسفة، باريس، جاليمار، ١٩٦٠م، ص٥٢، ٥٣–٧٠ وكذلك مدرسة الحكمة (لكاتب السطور)، التقديم، ص١٤.
١٠  جورجياس، ٥١٧-٥١٨.
١١  انظر مقالة تيودور أدورنو: لماذا الفلسفة؟ في كتاب الإنسان والفلسفة، ميونيخ، ماكس هوبر، ١٩٦٤م، ص٢٤. Adorno, Theodor W., Why Philosophy? In: Man and Philosophy, München, Max Hueber Verlage. 1964 P. 24.
١٢  ماكس هور كهيمر، الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، المصدر السابق ص٢٨٩، والأستاذ الآخر المقصود هو الفيلسوف شيلنج، راجع كذلك روبرت هايس، الجدليون الكبار في القرن التاسع عشر، هيجل – كيركجارد – ماركس – كولن وبرلين، ١٩٦٦م، الطبعة الثانية، ص١٩٩. R. HeiB; Die GroBen Dialektiker des 19. Jahrhunderts, Köln Berlin, K. & W., 1966 S. 199.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠